كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كالزكاة، ومن أصحابنا من قال يجب ذلك القدر في الثلاث سنين، لانا لو أوجبنا هذا القدر في كل سنة أجح؟ به، ويعتبر حالة في الفقر والغنى والتوسط عند حلول النجم، لانه حق مال يتعلق بالحلو على سبيل المواساة، فاعتبر فيه حاله عند حلول الحول كالزكاة، فإن مات قبل حلول الحول لم تجب كما لا تجب الزكاة إذا مات قبل الحول، وإن مات بعد الحول لم يسقط ما وجب كما لا يسقط ما وجب من الزكاة قبل الموت (فصل) وإذا أراد الحاكم قسمة الدية على العاقلة قدم الاقرب فالاقرب من العصبات على ترتيبهم في الميراث، لانه حق يتعلق بالتعصيب فقدم فيه الاقرب فالاقرب كالميراث، وإن كان فيهم من يدلى بالابوين وفيهم من يدلى بالاب ففيه قولان (أحدهما) أنهما سواء لتساويهما في قرابة الاب، لان الام لا مدخل لها في النصرة وحمل الدية فلا يقدم بها (والثانى) يقدم من يدلى بالابوين على من يدلى بالاب لانه حق يستحق بالتعصيب، فقدم من يدلى بالابوين على من يدلى بالاب كالميراث، فإن أمكن أن يقسم ما يجب على الاقربين منهم لم يحمل على من بعدهم، وإن لم يمكن أن يقسم على الاقربين لقلة عددهم قسم ما فصل على من بعدهم على الترتيب، فإن كان القاتل من بنى هاشم قسم عليهم، فإن عجزوا دخل معهم بنو عبد مناف، فإن عجزوا دخل معهم بنو قصى، ثم كذلك حتى تستوعب قريش، ولا يدخل معهم غير قريش، لان غيرهم لا ينسب إليهم، وان غاب الاقربون في النسب وحضر الابعدون ففيه قولان (أحدهما) يقدم الاقربون في النسب لانه حق يستحق بالتعصيب فقدم فيه الاقربون في النسب كالميراث
(والثانى)
يقدم الاقربون في الحضور على الاقربين في النسب، لان تحمل العاقلة على سبيل النصرة الحاضرون أحق بالنصرة من الغيب، فعليه ذا إن كان القاتل بمكة وبعض العاقلة بالمدينة وبعضهم بالشام قدم من بالمدينة على من بالشام لانهم أقرب إلى القاتل وإن استوت جماعة في النسب وبعضهم حضور وبعضهم غيب ففيه قولان
(أحدهما)
يقدم الحضور لانهم أقرب إلى النصرة
(والثانى)
يسوى بين الجميع كما يسوى في الميراث.
وان كثرت العاقلة وقل
المال المستحق بالجناية بحيث إذا قسم عليهم خص المتوسط دن ربع دينار والغنى دون نصف دينار، ففيه قولان (أحدهما) أن الحاكم يقسمه على من يرى منهم، لان في تقسيط القليل على الجميع مشقه.
(والثانى) وهو الصحيح أنه يقسم على الجميع لانه حق يستحق بالتعصيب، فقسم قليله وكثيره بين الجميع كالميراث.
(فصل)
وإن جنى عبد على حر أو عبد جناية توجب المال تعلق المال برقبته لانه لا يجوز إيجابه على المولى، لانه لم يوجد منه جناية، ولا يجوز تأخيره إلى أن يعتق، لانه يؤدى إلى إهدار الدماء فتعلق برقبته، والمولى بالخيار بين أن يبيعه ويقضى حق الجنايه من ثمنه وبين أن يفديه، ولا يجب عليه تسليم العبد إلى المجني عليه، لانه ليس من جنس حقه، وإن اختار بيعه فباعه فإن كان الثمن بقدر مال الجنايه صرفه فيه، وإن كان أكثر قضى ما عليه والباقى للمولى وان كان أقل لم يلزم المولى ما بقى لان حق المجني عليه لا يتعلق بأكثرمن الرقبة فإن اختار أن يفديه ففيه قولان
(أحدهما)
يلزمه أن يفديه بأقل الامرين من أرش الجناية أو قيمة العبد،
لانه لا يلزمه ما زاد على واحد منهما.
والقول الثاني: يلزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلمه للبيع، لانه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته، فإذا امتنع من البيع لزمه الارش بالغا ما بلغ.
وإن قتل عشرة أعبد لرجل عبدا لآخر عمدا فاقتص مولى المقتول من خمسة وعفا عن خمسة على المال تعلق برقبتهم نصف القيمة في رقبة كل واحد منهم عشرها، لانه قتل خمسة بنصف عبده، وعفا عن خمسة على المال وبقى له النصف.
(الشرح) خبر عائشة رضى الله عنها سيأتي تخريجه في كتاب الحدود.
أما أحكام هذه الفصول فانه لا يحمل القعل من العاقلة إلا الغنى والمتوسط، فأما الفقير وهو من لا يملك ما يكفيه على الدوام فإنه لا يحمل العقل، وعلى
هذا أكثر أهل العلم، وهذا قول مالك وأحمد وأصحاب الرأى، وحكى بعضهم عن مالك وأبى حنيفة أن للفقير مدخلا في التحمل، وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد لانه من أهل النصرة كالغنى.
والصحيح الاول لان العاقلة انما تحمل الدية عن القاتل على طريق الرفق والمواساة، والفقير ليس من أهل المواساة، ولان الدية انما نقلت إلى العاقلة تخفيفا عن القاتل لئلا يجحف بماله، فلو أوجبنا ذلك على الفقير لدفعنا الضرر على القاتل وألحقناه بالفقير، والضرر لا يزال بالضرر ويجب على المتوسط ربع دينار مثقال لانه لا يمكن ايجاب الكسر عليه لئلا يجحف به فقدر ما يؤخذ منه بربع دينار، لانه ليس في حد التافه.
وهذا احدى الروايتين عن أحمد لان اليد لا تقطع في الشئ التافه، على ما ورد في قول عائشة وقد ثبت أن اليد لا تقطع بدون ربع دينار، فإذا كان الدينار نحو خمسة
عشر جراما وكان الجرام من عيار 21 يساوى 90 قرشا كان ربع الدينار يساوى ثلاثة جنيهات مصرية وثلثا ونحو عشرة دولارات أو ما يقابلها من عملات ونقود، ويجب على الغنى نصف دينار، لانه لا يجوز أن يكون ما يؤخذ من الغنى والمتوسط، واحدا فقدرما يؤخذ من الغنى بنصف دينار لانه أول قدر يؤخذ منه في زكاة الذهب.
إذا ثبت هذا فهل يجب هذا القدر على المتوسط والغنى مقسوما على الثلاث سنين أو يجب هذا القدر في كل سنة من الثلاث سنين؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أن هذا القدر يجب مقسوما في ثلاث سنين لا غير، فعلى هذا لا يجب على المتوسط أكثر من ربع دينار في كل سنة نصف سدس دينار، ويجب على الغنى نصف دينار في ثلاث سنين، في كل سنة سدس دينار، لان الشافعي رضى الله عنه قال: يحمل من كثر ماله نصف دينار، وهذا يقتضى أن هذا جميع ما يحمله، ولان ايجاب ما زاد على ذلك عليه يجحف به
(والثانى)
وهو الاصح أن هذا القدر يجب في كل سنة من الثلاث سنين، فيكون جميع ما يجب على المتوسط في الثلاث سنين ثلاثة أرباع دينار، وجميع ما يجب على الغنى في الثلاث سنين دينار أو نصف، لان الشافعي رحمه الله قال:
يحمل الغنى نصف دينار والمتوسط ربع دينار حتى يشترك النفر في بعير.
وظاهر هذا أنهم يحملون هذا القدر كل سنة من الثلاث، ولانه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة فتكرر بتكرر الاحوال كالزكاة.
إذا ثبت هذا فإن الجماعة من العاقلة يشتركون في شراء بعير، لان الواجب عليهم الابل لا الدنانير.
هذا مذهبنا وقال مالك وأحمد: يحملون قدر ما يطيقون، فعلى هذا لا يتقدر شرعا وإنما
يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم فيفرض على كل واحد قدرا يسهل ولا يؤذى، لان التوقيت لا يثبت إلا بتوقيف، ولا يثبت بالرأى والتحكم، ولا نص في هذه المسألة فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات.
وعن أحمد رواية أخرى كمذهبنا.
وقال أبو حنيفة: الفقير والمتوسط والغنى سوا، فأكثر ما يحمله الواحد منهم أربعة دراهم واقله ليس له حد.
واختار ابن قدامة من مجتهدي الحنابلة استواءهم في الواجب كاستوائهم في القرابة فكانوا سواء كما لو قلوا وكالميراث.
دليلنا أنه حق مخرج على وجه المواساة فاختلف بكثرة المال وقلته كالزكاة، ويعتبر حال كل واحد منهم في البلوغ والعقل واليسار والاعسار والتوسط عند حلول الحول كما يعتبر النصاب في آخر الحول.
فإن كان معسرا عند حلول الحول لم يجب عليه شئ، فإن أيسر بعد ذلك لم يجب عليه شئ من الثلث الواجب قبل يساره فإن كان موسرا عند حلول الحول الثاني وجب عليه، وإن كان معسرا عند حلول الحول فأعسر قبل دفع ما عليه كان دينا في ذمنه إلى أن يوسر، لانه قد وجب عليه، وإن مات واحد منهم بعد الحول وهو موسر لم يسقط عنه، بل يجب قضاؤه من تركته.
وقال أبو حنيفة (يسقط) دليلنا أنه مال استقر وجوبه في حال الحياة، فلم يسقط بالموت كالدين.
(مسألة) قال الشافعي رضى الله عنه (ومعرفة العاقلة أن ينظر إلى إخوته لابيه وأمه فيحملهم) وجملة ذلك أن الحاكم إذا أراد قسمة العقل فإنه يبدأ بالاخوة للاب والام وللاب، لانهم أقرب العاقلة، فيؤخذ من الغنى منهم
نصف دينار، ومن المتوسط ربع دينار، فإن وفى ذلك ثلث الدية لم يحمل على
من بعدهم، وإن لم يف حمل على بنى الاخوة وإن سفلوا، فإن لم يف ذلك حمل على الاعمام، فإن لم يف ذلك حمل على بنى الاعمام إلى أن يستوعب جميع القبيل الذى يتصل أبوالجانى بأبيهم، فإن لم يف ما حمل عليهم بثلث الدية حمل عنه المولى ومن أدلى به، فإن لم يف ما حمل عليهم بثلث الدية حملت تمام الثلث في بيت المال، وعلى هذا في الحول الثاني والثالث، وبما ذكرناه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يسوى بين القريب البعيد ويقسم على جميعهم، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ دية المقتولة على عصبة القاتلة دليلنا أنه حكم تعلق بالتعصيف فوجب أن يقدم فيه الاقرب فالاقرب كالميراث، والخبر لا حجة فيه، لاننا نقسمه على الجماعة إذا لم يف به الاقرب فنحمله على ذلك.
إذا ثبت هذا واجتمع في درجة واحدة ابنان، أحدهما يدلى بالاب والام والآخر بالاب لا غير، كأخوين أو ابني أخ أو عمين أو ابني عم ففيه قولان.
قال في القديم: هما سواء لانهما متساويان في قرابة الاب وأما الام فلا مدخل لها في النصرة وحمل العقل فلم يرجح بها وقال في الجديد: يقدم من يدلى بالاب والام لانه حق يستحق بالتعصيب فقدم فيه من يدلى بالابوين على من يدلى بأحدهما كالميراث.
وعند أحمد وجهان كالقولين آنفا، فإذا اجتمع جماعة من العاقلة في درجة واحدة، فكان الارش الواحد بحيث إذا قسم عليهم خص الغنى منهم دون نصف دينار، والمتوسط منهم دون ربع دينار ففيه قولان:
(أحدهما)
يقسط عليهم على عددهم لانهم استووا في الدرجة والتعصيب، فقسم المال بينهم على عددهم كالميراث
(والثانى)
يخص به الحاكم من رأى نهم لانه ربما كان العقل قليلا فحص
كل احد منهم فلس أو مليم.
وفى تقسيط ذلك سفه (فرع)
إذا كان جميع العاقلة حضورا في بلد القاتل فإن الحاكم يقسم الدية عليهم على ما مضى، وان كانوا كلهم غائبين عن بلد القاتل وهم في بلد واحد،
فإن حاكم البلد الذى فيه القاتل إذا ثبت عنده القتل يكتب إلى حاكم البلد الذى فيه العاقلة ليقسم الدية عليهم، فإن كان بعض العاقلة حضورا في بلد القاتل وبعضهم غائبا عنه في بلد آخر نظرت فإن حضر معه الاقربون إليه، وأمكن أن يحمل ثلث الدية على الاقربين لم يحمل على من بعدهم، وإن لم يكن حمل ثلث الدية على الالاقربين حمل على من بعدهم، وإن كانوا غائبين، وبهذا قال أحمد وأصحابه وأبو حنيفة.
وان كان جماعة من العاقلة في درجة واحدة وبعضهم حاضر في بلد القاتل وبعضهم غائب عنه في بلد آخر، فإن لم يكن في الحضور سعة لاستغراق الدية ففيه قولان
(أحدهما)
أن الحاكم يقسم الدية على الحاضرين دون الغائبين، وهو قول مالك رضى الله عنه.
(والثانى)
تقسم الدية على الجميع، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، فان حضر معه الابعدون وغاب الاقربون، فاختلف أصحابنا فيه، فقال الشيخ أبو إسحاق والمسعودي هي على القولين في التى قبلها، وقال الشيخ أبو حامد وأكثر أصحابنا يقدم الاقربون قولا احدا، لانه مبنى على التعصيب، وكل من قرب كان أولى كالميراث.
إذا ثبت هذا فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولا يقدم نجم الا بعد حلوله وجملة ذلك أن الدية إذا وجبت على العاقلة فإن كانت الابل موجودة معهم أو في بلدهم بثمن مثلها عند الحول وجبت عليهم أن يجمعوا ما وجب على كل واحد
منهم ويشتروا به ابلا فان كانت معدومة أو موجودة بأكثر من ثمن مثلها انتقلوا إلى بدلها، وبدلها في قوله القديم اثنا عشر ألف درهم أو ألف مثقال، وفى قوله الجديد قيمتها، فإذا قلنا: تجب قيمتها فانها تقوم عليهم عند حلول الحول أقل إبل لو بذلوها لزم الولى قبول ذلك، فان أخذ الولى القيمة ثم وجدت الابل لم يكن له المطالبة بالابل، لان الذمة قد برئت بالقبض، وان قومت الابل ثم وجدت الابل قبل قبض القيثمة كان للولى أن يطالب بالابل، لان حقه في الابل لم يسقط بالتقويم، والله تعالى أعلم بالصواب
قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿باب اختلاف الجاني وولى الدم﴾
إذا قتل رجلا ثم ادعى أن المقتول كان عبدا، وقال الولى بل كان حرا، فالمنصوص أن القول قول الولى مع يمينه، وقال فيمن قذف امرأة ثم ادعى أنها أمة ان القول قول القاذف، فمن أصحابنا من نقل جوابه في كل واحدة من المسئلتين إلى الاخرى وجعلهما على قولين.
أحدهما أن القول قول الجاني والقاذف، لان ما يدعيان محتمل، لانا لدار تجمع الاحرار والعبيد، والاصل فيه حمى الظهر وحقن الدم.
والثانى أن القول قول ولى المجني عليه والمقذوف، لان الظاهر من الدار الحرية، ولهذا لو وجد في الدار لقيط حكم بحريته ومن أصحابنا من قال القول في الجناية قول الولى، والقول في القذف قول القاذف، والفرق بينهما أنا إذا جعلنا القول قول القاذف أسقطنا حد القذف وأوجبنا التعزير فيحصل به الردع، وإذا جعلنا القول قول الجاني سقط القصاص ولم يبق ما يقع به الودع.
(فصل)
إذا وجب له القصاص في موضحة فاقتض في أكثر من حقه أو
وجب له القصاص في أصبع فاقتص في أصبعين وادعى أنه أخطأ في ذلك وادعى المستقاد منه أنه تعمد، فالقول قول المقتص مع يمينه، لانه أعرف بفعله وقصده وما يدعيه يجوز الخطأ في مثله فقبل قوله فيه.
وان قال المقتص منه ان هذه الزيادة حصلت باضطرابه وأنكره المستقاد منه ففيه وجهان
(أحدهما)
أن القول قول المقتص، لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل والاصل براءة الذمة
(والثانى)
أن القول قول المستفاد منه لان الاصل عدم الاضطراب.
(فصل) إذا اشترك ثلاثة في جرح رجل ومات المجروح ثم ادعى أحدهم أن جراحته اندملت وأنكر الآخران وصدق الولى المدعى نظرت فان أراد القصاص قبل تصديقه، ولم يجب على المدعى الا ضمان الجراحة، لانه
لاضرر على الآخرين لان القصاص يجب عليهما في الحالين، وان أراد أن يأخذ الدية لم يقبل تصديقه لانه يدخل الضرر على الآخرين، لانه إذا حصل القتل من الثلاثة وجب على كل واحد منهم ثلث الدية، وإذا حصل من جراحهما وجب على كل واحد منهما نصف الديه، والاصل براءة ذمتهما مما زاد على الثلث
(فصل)
إذا قد رجلا ملفوفا في كساء ثم ادعى أنه قده وهو ميت.
وقال الولى بل كان حيا ففيه قولان
(أحدهما)
أن القول قول الجاني لان ما يدعيه محتمل، والاصل براءة ذمته
(والثانى)
أن القول قول الولى، لان الاصل حياته وكونه مضمونا، فصار كما لو قتل مسلما وادعى أنه كان مرتدا (الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: ولو أن رجلا ادعى أن رجلا قتل أباه عمدا بما فيه القود وأقر المدعى عليه أنه قتله خطأ، فالقتل خطأ والدية عليه
في ثلاث سنين بعد أن يحلف ما قتله إلا خطأ، فإن نكل حلف المدعى لقتله عمدا وكان له القود، وهكذا إن أقر أنه أقر أنه قتله عمدا بالشئ الذى إذا قتله به لم يقد منه، ولو ادعى رجل على رجل أنه قتل اباه وحده خطأ فأقر المدعى عليه أنه قتله عمدا بالشئ الذى إذا قتله به لم يقد منه.
ولو ادعى رجل على رجل أنه قتل أباه وحده خطأ، فأقر المدعى عليه أنه قتله هو وغيره معه، كان القول قول المقر مع يمينه ولم يغرم إلا نصف الدية، ولا يصدق على الذى زعم أنه قتله معه ولو قال قتلته وحدي عمدا وأنا مغلوب على عقلي بمرض فإن علم أنه كان مريضا مغلوبا على عقله قبل قوله مع يمينه، وإن لم يعلم ذلك فعليه القود بعد أن يحلف ولى الدم لقتله غير مغلوب على عقله، وهكذا لو قامت بينة بأنه قتله فقال قتلته وأنا مغلوب على عقلي اه وجملة ذلك أنه إذا قال الجاني قتلته وأنا صبى، وقال الولى بل قتلته وأنت بالغ ولا بينة فالقول قول الجاني مع يمينه لان الاصل فيه الصغر.
وإن قال القاتل: قتلته وأنا مجنون، وقال الولى بل قتلته وأنت عاقل فإن لم يعرف له حال
جنون فالقول قول الولى مع يمينه، لان الاصل عدم الجنون وان عرف له حال جنون ولم يعلم أنه قتله في حال الجنون أو في حال العقل، فالقول قول الجاني مع يمينه لانه أعرف بحاله، والاصل براءة ذمته مما يدعى عليه وحكى ابن الصباغ وجها آخر أن القول قول الولى مع يمينه، لان الاصل السلامة والاول أصح، فإن أقام الولى شاهدين أنه قتله وهو عاقل وأقام القاتل شاهدين أنه قتله وهو مجنون تعارضت البينات وسقطنا.
وان اتفق الجاني والولى أنه قتله وهو زائل العقل لكن اختلفا بما زال به عقله، فقال الجاني زال بالجنون.
وقال
الولى بل زال بالسكر وقلنا يجب القصاص على السكران، فالقول قول الجاني لانه أعرف بحاله لان الاصل عدم ووب القصاص عليه إذا ثبت هذا فإنه إذا وجب القصاص في أصبع فقطع له أصبعين، وقال المقتص أخطأت وقال المقتص منه بل تعمدت فالقول قول المقتص مع يمينه لانه أعلم بفعله.
وان قال المقتص حصلت الزيادة باضطراب الجاني وقال الجاني: بل قطعتها عامدا ففيه وجهان
(أحدهما)
القول قول الجاني لان الاصل عدم الاضطراب
(والثانى)
القول قول المقتص لان الاصل براءة ذمته من الضمان (فرع)
وان جرح ثلاثة رجلا ومات، فقال أحدهما اندملت جراحتى ثم مات من جراحة الاخرين أو صدقه الولى وكذبه الاخر، فإن كانت الجنايات موجبة للقصاص فأراد الولى القصاص لم يؤثر تكذيب الاخرين، لان القصاص يجب عليهما بكل حال، وان عفا الولى عن القصاص إلى الدية أو كانت الجنايات غير موجبة للقصاص قبل تصديق الولى في حق نفسه دون الاخرين، لان عليهما في ذلك ضررا، الا أنه إذا مات من جراحة ثلاث وجب على كل واحد منهم ثلث الدية، وإذا مات من جراحة اثنين وجب على على كل واحد منهم نصف الدية وان قد رجلا ملفوفا، فقال الضارب: كان ميتا، وقال الولى بل كان حيا ففيه قولان:
(أحدهما)
القول قول الجاني، لان الاصل براءة ذمته
(والثانى)
القول قول الولى، لان الاصل فيه الحياة
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن جنى على عضو ثم اختلفا في سلامته فادعى الجاني أنه جنى عليه وهو أشل، وادعى المجني عليه أنه جنى عليه وهو سليم،، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا
فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فيه قولان
(أحدهما)
أن القول قول الجاني، لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل، والاصل براءة ذمته
(والثانى)
أن القول قول المجني عليه لان الاصل سلامة العضو، ومنهم من قال القول في الاعضاء الظاهرة قول الجاني، وفى الاعضاء الباطنة القول قول المجني عليه، لانه لا يتعذر عليه إقامة البينة على السلامة في الاعضاء الظاهرة، فكان القول قول الجاني، ويتعذر عليه إقامة البينة في الاعضاء الباطنة، والاصل السلامة فكان القول قول المجني عليه ولهذا لو علق طلاق امرأته على ولادتها، فقالت ولدت لم يقبل قولها، لانه يمكن إقامة البينة على الولادة.
ولو علق طلاقها على حيضها فقالت حضت قبل قولها لانه يتعذر إقامة البينة على حيضها، فإن اتفقا على سلامة العضو الظاهر وادعى الجاني أنه طرأ عليه الشلل وأنكر المجني عليه ففيه قولان
(أحدهما)
أن القول قول الجاني، لانه لا يتعذر إقامة البينة على سلامته.
(والثانى) أن القول قول المجني عليه، لانه قد ثبتت سلامته فلا يزال عنه حتى يثبت الشلل.
(فصل) إذا أوضح رأس رجل موضحتين بينهما حاجز ثم زال الحاجز، فقال الجاني تأكل ما بينهما بسراية فعلى فلا يلزمنى إلا أرش موضحة، وقال المجني عليه أنا خرقت ما بينهما فعليك أرش موضحتين، فالقول قول المجني عليه، لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل، والاصل بقاء الموضحتين ووجوب الارشين، وإن أوضح رأسه فقال الجاني أو ضحته موضحة واحدة، وقال المجني عليه أوضحتني موضحتين وأنا خرقت ما بينهما، فالقول قو الجاني لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل، والاصل براءة الذمة.
(الشرح) إذا قطع رجل عضوا من رجل ثم اختلفا، فقال الجاني قطعته وهو اشل وقال المجى عليه قطعته وهو سليم، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان
(أحدهما)
القول قول الجاني، وهو قول أبى حينفة، لان الاصل براءة ذمته من الضمان
(والثانى)
القول قول المجني عليه، وهو قول أحمد، لان الاصل سلامته من الشلل.
ومنهم من قال ان كان اختلافهما في الاعضاء الظاهرة كاليد والرجل وما أشبهما فالقول قول الجاني، وان كان اختلافهما في الاعضاء الباطنة كالذكر والانثيين، فالقول قول المجني عليه لان الاعضاء الظاهرة يمكن المجني عليه إقامة البينة على سلامتها فلم يقبل قوله في سلامتها والباطنة لا يمكن إقامة البينة على سلامتها فقبل قوله في سلامتها كما قلنا فيمن علق طلاق امرأته على دخول الدار فإنه لا يقبل قولها، فلو علق طلاقها على حيضها قبل قولها، فإذا قلنا القول قول الجاني في الاعضاء الظاهرة، وانما لا يكون ذلك إذا لم يقر الجاني أن المجني عليه كان صحيحا فأما إذا أقر أنه كان صحيحا ثم ادعى أنه علته الشلل وجنى عليه وهو أشل، وقال المجني عليه بل كان صحيحا وقت الجناية ففيه قولان
(أحدهما)
القول قول الجاني مع يمينه، لان البينة لا تتعذر على المجني عليه على سلامته فلم يقبل قوله في سلامته.
(والثانى)
القول قول الجاني، فأراد المجني عليه لانهما قد اتفقا على سلامته قبل الجناية، والاصل بقاء سلامتها، ومتى قلنا القول قول المجني عليه لانهما قد اتفقا على سلامته قبل الجناية، والاصل بقاء سلامتها، ومتى قلنا قلنا القول الجاني فأراد المجني عليه اقامة البينة على سلامة العضو والمجني عليه نظرت فإن شهدت أن الجاني جنى عليه وهو سليم قبلنا، وان شهدت عليه أنه كان سليما قبل الجناية.
فإن قلنا ان الجاني إذا أقر سلامته قبل الجناية أن القول قوله لم تقبل
هذه البينة.
وان قلنا هناك القول قول المجني عليه قبلت لان المجني عليه يحتاج أن يختلف معها لجواز أن يكون قد حدث لها شلل بعد الشهادة وقبل الجناية.
قوله (إذا أوضح رأس رجل موضحتين الخ) فإنه حدث هذا ثم زال الحاجز بين الموضحتين، فقال الجاني تأكل ما بينهما بجنايتي فلا يلزمني الا أرش موضحة،
وقال المجني عليه بل أوضحته موضحتين، وأنا خرقت ما بينهما فالقول قول الجاني مع يمينه، لان الاصل براءة ذمته مما زاد على أرش موصحة.
وإن قطع أصبعه ثم زال كفه فقال المجني عليه سرى القطع إليه، وقال الجاني لم يسر إليه القطع، وانما زال سبب آخر، فالقول قول الجاني مع يمينه، لان الاصل عدم السراية.
فأما إذا داوى المجني عليه موضع القطع، فقال الجاني تأكلت بالدواء، وقال المجني عليه تأكلت بالقطع سئل أهل الخبرة بذلك الدواء فإن قالوا إنه يأكل اللحم الميت والحى، فالقول قول الجاني مع يمينه لان الظاهر انه تأكل، وإن قالوا انه يأكل الميت دون الحى فالقول قول المجني عليه مع يمينه فإن لم يعرف ذلك فالقول قول المجني عليه مع يمينه، لانه أعلم بصفة الدواء، ولان الظاهر أنه لا يداوي الجرح بما يضره ويزيد فيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان قطع رجل يدى رجل ورجليه ومات واختلف الجاني والولى فقال الجاني مات من سراية الجنايتين فعلى دية واحدة.
وقال الولى بل اندملت الجنايتان ثم مات فعليك ديتان، فإن كان قد مضى زمان يمكن فيه اندمال الجراحتين، فالقول قول الولى، لان الاصل وجوب الديتين، وان لم يمض زمان يمكن فيه الاندمال، فالقول قول الجاني لان ما يدعيه الولى غير محتمل، وان اختلفا في المدة فقال الولى مضت مدة يمكن فيها الاندمال، وقال الجاني لم
يمض فالقول قول الجاني لان الاصل عدم المدة
(فصل)
وان قطع يد رجل ومات فقال الولى مات من سراية قطعك فعليك الدية، وقال الجاني اندملت جنايتى ومات بسبب آخر فعلى نصف الدية نظرت فإن لم تمض مدة يمكن فيها الاندمال، فالقول قول الولى، لان الظاهر أنه مات من سراية الجناية، ويحلف على ذلك لجواز أن يكون قتله آخر، أو شرب سما فمات منه، وان مضت مدة يمكن فيها الاندمال ثم مات، فإن كان مع الولى بينة أنه لم يزل متألما ضمنا إلى أن مات فالقول قوله مع يمينه، لان الظاهر أنه مات من الجناية، وان لم يكن معه بينة على ذلك فالقول قول الجاني، لان ما يدعيه
كل واحد منهما ممكن، والاصل براءة ذمة الجاني مما زاد على نصف الدية.
(فصل)
وان قطع يد رجل ومات ثم اختلف الولى والجانى، فقال الجاني شرب سماأو جنى عليه آخر بعد جنايتى فلا يجب على الا نصف الدية.
وقال الولى مات من سراية جنايتك فعليك الدية فيها نص، ويحتمل أن يكون القول قول الولى، لان الاصل حصول جنايته وعدم غيرها، ويحتمل أن يكون القول قول الجاني، لانه يحتمل ما يدعيه والاصل براءة ذمته (الشرح) إذا قطع رجل يدى رجل ورجليه ومات المجني عليه، فقال الجاني مات من الجناية فلا يلزمنى الا دية واحدة، وقال الولى بل اندمل الجرحان ثم مات بسبب آخر فعليك ديتان فان كان بين الجنايتين والموت زمان لا يمكن أن تندمل فيه الجراحات فالقول قول الجاني بلا يمين، لانا قد علمنا صدقه وحكى ابن الصباغ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ قَالَ فِي التعليق يحلف مع ذلك لجواز أن يكون مات بحادث آخر كلذع الحية والعقرب وقال ابن الصباغ، والاول أولى، لان الولى ما ادعى ذلك وانما ادعى
الاندمال وقد علم كذبه، فأما إذا ادعى أنه مات بسبب آخر حلفنا الجاني لامكانه، وان كان بينهما زمان لا تبقى إليه الجراحات غير مندملة كالسنين الكثيرة فالقول قول الولى بلا يمين.
وان كان بينهما زمان يمكن أن تندمل فيه الجراحات ويمكن ألا تندمل فيه، فالقول قول الولى فيه مع يمينه، لان الديتين قد وجبتا بالقطع وشك في سقوط احداهما بالاندمال، والاصل بقاؤهما.
فان أقام الجاني بينة أنه لم يزل ضمنا من حين الجراحة إلى أن مات فالقول قوله مع يمينه، ولا يجب عليه الا دية، لان الظاهر أنه مات من الجنايتين، وان اختلفا فيما مضى مدة يندمل في مثلها الجراحات فالقول قول الجاني مع يمينه، لان الاصل عدم مضيها.
وان كان بينهما زمان لا تندمل في مثله الجراحات وادعى الولى أنه مات بسبب آخر، بأن قال ذبح نفسه أو ذبحه آخر، وقال الجاني بل مات من سراية الجناية ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول أبى على الطبري أن القول قول الولى
مع يمينه لان الاصل بقاء الديتين، وإن قطع يده ثم مات فقال الولى: مات من سراية الجناية فعليك الدية.
وقال الجاني بل اندملت الجناية ثم مات بسبب آخر فلا يلزمنى م؟ سراية الجناية، وهل يحلف على ذلك؟ يحتمل وجهين
(أحدهما)
يحلف لجواز أن يكون قتله آخر وشرب سما فمات منه
(والثانى)
لا يحلف كما قال ابن الصباغ في التى قبلها، لانا قد علمنا كذب الجاني، ولانه لم يدع في ذلك، وإنما ادعى الاندمال، وإن كان قد مضى من الزمان ما تندمل في مثله الجراحات فإن كان مع الولى بينة أنه لم يزل ضمنا من حين الجناية إلى الموت فالقول قول الجاني مع يمينه، لان الظاهر أنه مات بذلك وإن لم يكن مع بينة على ذلك فالقول قول الجاني، وهل يلزمه اليمين؟ يحتمل الوجهين في التى قبلها.
وإن مضى زمان يمكن أن يندمل في مثله الجراحات ويمكن ألا يندمل، فالقول قول الجاني مع يمينه، لان الاصل براءة ذمته مما زاد على نصف الدية، وإن قلع يده مات في زمان لا تندمل فيه الجراحات فقال الولى مات من سراية الجناية فعليك الدية وقال الجاني: بل شرب سما فمات منه أو قتله آخر ففيه وجهان كالتى قبلها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان جنى عليه جناية ذهب بها ضوء العين، وقال أهل الخبرة: يرجى عود البصر فمات، واختلف الولى والجانى، فقال الجاني عاد الضوء ثم مات، وقال الولى لم يعد فالقول قول الولى مع يمينه، لان الاصل ذهاب الضوء وعدم العود، وإن جنى على عينه فذهب الضوء ثم جاء آخر فقلع العين واختلف الجانيان، فقال الاول عاد الضوء ثم قلعت أنت فعليك الدية، وقال الثاني قلعت ولم يعد الضوء فعلى حكومة وعليك الدية، فالقول قول الثاني لان الاصل عدم العود، فإن صدق المجني عليه الاول قبل قوله في ابراء الاول لانه يسقط عنه حقا له، ولا يقبل قوله على الثاني: لانه يوجب عليه حقا له، والاصل عدمه (فصل) إذا جنى على رجل جناية فادعى المجني عليه أنه ذهب سمعه وأنكر
الجاني امتحن في أوقات غفلاته بالصياح مرة بعد مرة، فإن ظهر منه أمارات السماع فالقول قول الجاني لان الظاهر يشهد له ولا يقبل قوله من غير يمين لانه يحتمل أن يكون ما ظهر من أمارة السماع اتفاقا، وإن لم يظهر منه أمارة السماع فالقول قول المجني عليه لان الظاهر معه ولا يقبل قوله فيذلك من غيريمين، لجواز أن يكون ما ظهر من عدم السماع لجودة تحفظه، وان ادعى نقصان السمع فالقول قوله مع يمينه لانه يتعذر إقامة البينة عليه ولا يعرف ذلك إلا من جهته ما يدعيه محتمل فقبل قوله مع يمينه كما يقبل قول المرأة في الحيض، وان ادعى ذهاب السمع من إحدى الاذنين سد التى لم يذهب السمع منها ثم يمتحن بالصياح في أوقات غفلاته، فإن ظهر منه أمارة السمع فالقول قول الجاني مع يمينه، وان لم يظهر منه أمارة السماع فالقول قول المجني عليه مع يمينه لما ذكرناه (فصل) وإن ادعى المجني عليه ذهاب شمه وأنكر الجاني، امتحن في أوقات غفلاته بالروائح الطيبة والروائح المنتنة، فإن كان لا يرتاح إلى الروائح الطيبة ولا تظهر منه كراهية الروائح المنتنة فالقول قوله لان الظاهر معه ويحلف عليه لجواز أن يكون قد تصنع لذلك وان ارتاح إلى الروائح الطيبة وظهرت منه الكراهية للروائح المنتنة فالقول قول الجاني، لان الظاهر يشهد له ويحلف على ذلك لجواز أن يكون ما ظهر من المجني عليه من الارتياح والتكره اتفاقا وإن حلف المجني عليه على ذهاب شمه ثم غطى أنفه عند رائحة منتنة، فادعى الجاني أنه غطاه لبقاء شمه، وادعى المجني عليه أنه غطاه لحاجة أو لعادة، فالقول قول المجني عليه، لانه يحتمل ما يدعيه.
(فصل) وان كسر صلب رجل فادعى المجني عليه أنه ذهب جماعه فالقول قوله مع يمينه لان ما يدعيه محتمل؟ ولا يعرف ذلك إلا من جهته فقبل قوله مع يمينه كالمرأة في دعوى الحيض (الشرح) إذا جنى على عين رجل ثم اختلفا فقال الجاني: جنيت عليها وهو لا يبصر بها، وقال المجني عليه بل كنت أبصر بها نظرت، فإن قال الجاني جنيت عليها عمياء لا يبصر بها، فالقول قول الجاني مع يمينه لانه لا يتعذر على
المجني عليه إقامة البينة على أنه كان يبصر بها، فالقول قول الجاني مع يمينه، لانه لا يعذر على المجني عليه إقامة البينة على أنه كان يبصر بها.
وإن قال الجاني: قد كان يبصر بها ولكن طرا عليها العمى قبل الجناية ففيه قولان كما قلنا في الجناية إذا أقر بصحة العضو ثم ادعى أن الشلل طرأ عليه قبل الجناية.
وإذا أراد المجني عليه أن يقيم البينة إن كان يبصر بها فيكفى الشاهدين أن شهدا أنه كان يبصر بها، ويسوغ لهما أن يشهدا بذلك إذا رأياه يبصر الشخص ويتبعه في النظر كلما عطف الشخص جهته أتبعه البصر أو يتوفى البئر إذا أتاها أو يغمض عينه إذا جاء إنسان يلمسها، لان الظاهر ممن فعل هذا أنه يبصر، ويسعهما أن يشهدا على سلامة اليد إذا رأياه يرفع بها ويضع، وليس للحاكم أن يسألهما عن الجهة التى تحملا بها الشهادة على ذلك، كما ليس له أن يسألهما إذا شهدا للرجل بملك عين عن الجهة التى علما بها ملكه (فرع)
وإن جنى على عين رجل فذهب ضوءها وقال أهل الخبرة انه يرجى عوده إلى مدة فمات المجني عليه ادعى الجاني أن ضوءها قد عاد قبل موته.
وقال الولى لم يعد فالقول قول الولى مع يمينه لان الاصل عدم العود فيحلف أنه لا يعلم أن ضوء عين مورثه قد عاد، لانه يحلف على نفى فعل غيره، وإن جنى على عين رجل جناية ذهب بها ضوء عينه وبقيت الحدقة ثم جاء آخر وقلع الحدقة فادعى الجاني الاول أن الثاني قلع الحدقة بعد أن عاد ضوءها.
وقال الجاني الثاني قل؟ تها قبل عود ضوئها فإن صدق المجني عليه الجاني الاول قبل تصديقه في حق الاول، لان ذلك يتضمن إسقاط حقه عنه ولا يقبل قوله على الثاني، لان ذلك يوجب الضمان عليه.
والاصل براءة ذمته من الضمان فيحلف الثاني أنه قلعها قبل أن عاد ضوءها ولا يلزمه الا الحكومة.
قوله (فادعى المجني عليه أنه ذهب سمعه الخ) فجملة ذلك أنه إذا جنى على أذنه جناية وادعى المجني عليه أنه ذهب سمعه وكذبه الجاني فإن المجني عليه يراعى أمره في وقت غفلاته، فإن كان يضطرب عند صوت الرعد، وإذا صبح به وهو
عاقل أجاب أو اضطرب أو ظهر منه شئ يدل على أنه سامع، فالقول قول الجاني لان الظاهر أنه لم يذهب سمعه، ويحلف الجاني أنه لم يذهب سمعه لجواز أن
يكون ما ظهر منه اتفاقا إلا أنه يسمع وان كان لا يضطرب لصوت الرعد ولا يجيب إذا صيح به مع غفلته ولا يضطرب لذلك فالقول قول المجني عليه لان الظاهر أنه لا يسمع، ويحلف أنه قد ذهب سمعه، لجواز أن يكون قد تصنع لذلك، فإن ادعى أنه ذهب سمعه في احدى الاذنين دون الاخرى سدت الصحيحة وأطلقت العليلة وامتحن في أوقات غفلاته على ما ذكرناه.
وان ادعى أنه نقص سمعه بالجناية ولم يذهب فالقول قوله مع يمينه في قدر نقصه لانه لا يتوصل إلى معرفة ذلك الا من جهته.
(فرع)
إذا جنى على أنفه جناية فادعى المجني عليه أنه ذهب بها شمه وأنكر الجاني أنه لم يذهب شمه قربت إليه الروائج الطيبة والمنتنة في أوقات غفلاته، فإن هش إلى الروائح الطيبة أو عبس للروائح المنتنة، فالقول قول الجاني مع يمينه، وان لم يظهر مه ذلك فالقول قول المجني عليه مع يمينه لما ذكرناه في السمع، وان ادعى ذهاب شمه من أحد المنخرين أو ادعى نقصانه فعلى ما ذكرناه في السمع.
وإذا حلف المجني عليه أن سمعه أوشمه قد ذهب بالجناية وأخذ الدية فاضطرب عند صوت رعد، فإن ادعى الجاني أن سمعه قد عاد وارتاح إلى رائحة طيبة أو غطى أنفه عند رائحة منتنة فادعى الجاني أن شمه قد عاد وادعى المجني عليه أنه لم يعد فالقول قول المجني عليه مع يمينه لان الاصل عدم عوده وما ظهر منه يحتمل أن يكون اتفاقا أو مصادفة، أو عطى أنفه لغبار أو لريح دخل بها.
(فرع)
إذا قطع لسان رجل فادعى الجاني أنه كان أبكم قبل الجناية وادعى
المجني عليه أنه لم يكن أبكم نظرت فإن ادعى الجاني أنه خلق أبكم فالقول قول الجاني مع يمينه لانه لا يتعذر على المجني عليه اقامة البينة على الكلام.
وان أقر الجاني أنه كان يتكلم بلسانه وادعى أن البكم طرأ عليه قبل الجناية ففيه قولان كما قلنا فيمن أقر بصحة العضو وادعى طرء ان الشلل عليه قبل الجناية وان جنى على ظهره فادعى المجني عليه أنه ذهب بذلك جماعة، وأنكر الجاني فالقول قول المجني عليه مع يمينه لانه لا يتوصل إلى العلم بذلك الا من جهته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن اصطدمت سفينتان فتلفتا ادعى صاحب السفينة على القيم أنه فرط في ضبطها وأنكر القيم ذلك فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم التفريط وبراءة الذمة.
(فصل)
إذا ضرب بطن امرأة فألقت حنينا ميتا ثم اختلفا فقال الضارب: ما أسقطت من ضربي، وقالت المرأة أسقطت من ضربك نظرت فإن كان الاسقاط عقيب الضرب فالقول قولها لان الظاهر معها، وإن كان الاسقاط بعد مدة نظرت فإن بقيت المرأة متألمة إلى أن أسقطت فالقول قولها لان الظاهر معها، وإن لم تكن متألمة فالقول قوله، لانه يحتمل ما يدعيه كل واحد واحد منهما، والاصل براءة الذمة.
وإن اختلفا في التألم فالقول قول الجاني.
لان الاصل عدم التألم.
وإن ضربها فأسقطت جنينا حيا ومات واختلفا، فقالت المرأة مات من ضربك وقال الضارب مات بسبب آخر، فإن مات عقيب الاسقاط فالقول قولها، لان الظاهر معها وأنه مات من الجناية، وإن مات بعد مدة ولم تقم البينة أنه بقى متألما إلى أن مات فالقول قول الضارب مع يمينه، لانه يحتمل ما يدعيه والاصل براءة
الذمة وان أقامت بينة أنه بقى متألما إلى أن مات فالقول فولها مع اليمين، لان الظاهر أنه مات من جنايته.
(فصل) وان اختلفا فقالت المرأة استهل ثم مات وأنكر الضارب فالقول قوله لان الاصل عدم الاستهلال، وان ألقت جنينا حيا ومات ثم اختلفا فقال الضارب كا أنثى، وقالت المرأة كان ذكرا فالقول قول الضارب، لان الاصل براءة الذمة مما زاد على دية الانثى (الشرح) ما جاء في اصطدم السفينتين على وجهه، أما إذا أسقطت امرأة جنينا ميتا فادعت على انسان أنه ضربها وأسقطت من ضربته، فإن أنكر الضرب ولابينة فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم الضرب، وان أقر بالضرب
وأنكر أنها أسقطت جنينا فعليها أن تقيم البينة أنها أسقطت جنينا لانه يمكنها اقامة البينة على ذلك، فإن لم يكن معها بينة فالقول قول الضارب مع يمينه أنه لا يعلم أنها أسقطت جنينا، لان الاصل عدم الاسقاط، وان أقامت البينة أنها أسقطت جنينا أو أقر الضارب أنها أسقطت جنينا الا أنه أنكر أنها أسقطته من ضربه نظرت، فإن أسقطت عقيب الضرب أو بعد الضرب بزمان.
الا أنها بقيت متألمة من حين الضرب إلى أن سقطت فالقول قولها مع يمينها، لان الظاهر أنها أسقطته من ضربه، وان أسقطت بعد الضرب بزمان وكانت غير متألمة بعد الضرب فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل براءة ذمته من الضمان، وان اختلفا فادعت أنها بقيت متألمة بعد الضرب إلى أن أسقطت وأنكر ذلك ولا بينة لها على التألم فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم التألم.
إذا ثبت هذا فانه إذا ضربها فأسقطت جنينا حيا ثم مات، فقال ورثة الجنين مات من الضرب، وقال الجاني مات بسبب آخر، فإن مات عقيب الاسقاط أو
بعد الاسقاط بزمان الا أنه بقى متألما إلى أن مات فالقول قول ورثة الجنين مع أيمانهم، لان الظاهر أنه مات من الضرب وان مات بعد الاسقاط بزمان، وكان غير متألم بعد الاسقاط، فالقول قول الضارب مع يمينه لان الاصل براءة ذمته من الضمان.
وان اختلفوا في تألمه فالقول قول الضارب لان الاصل عدم تألمه.
وإذا ادعى ورثة الجنين أنه سقط حيا ومات من الضرب، وقال الجاني بل سقط ميتا فالقول قول الجاني مع يمينه لان الاصل عدم الحياة فيه، فإن أقام ورثته بينة أنه سقط حيا وأقام الجاني وعاقلته بينة أنه سقط ميتا قدمت بينة ورثة الجنين لان معها زيادة علم، وان أسقطت من ضربه جنينا حيا ومات من الضرب فقال ورثة الجنين انه كان ذكرا فعليك دية ذكر، وقال الجاني بل كان أنثى فالقول قول الجاني مع يمينه لان الاصل براءة ذمته مما زاد على دية أنثى وان ضربها فأسقطت جنينين ذكر أو أنثى فاستهل أحدهما ومات من الضرب وأحدهما سقط ميتا، فان عرف المستهل منهما وجبت فيه الدية الكاملة وفى الآخر الغرة،
وإن لم يعرف المستهل نهما لم يلزم العاقلة إلا دية انثى وغرة عبد أو أمة أو تقدير قيمة العبد أو الامة عند تعذر وجودهما لانه اليقين وما زاد مكشوك فيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان ادعى رجل على رجل قتلا تجب فيه الدية على العاقلة، وصدقه المدعى عليه وأنكرت العاقلة وجبت الدية على الجاني بإقراره ولا تجب على العاقلة من غير بينة، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنه قال (لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا) ولانا لو قبلنا إقراره على العاقلة لم يؤمن إن لم ياطئ في كل وقت من يقر له بقتل الخطأ، فيؤدى إلى الاضرار بالعاقلة، وإن ضرب بطن امرأة فألقت جنينا، فقال الجاني كان ميتا، وقالت المرأة كان حيا فالقول قول الجاني لانه يحمل ما يدعيه كل واحد منهما والاصل براءة الذمة، وإن صدق الجاني المرأة وأنكرت العاقلة وجب على العاقلة قدر الغرة لانها لم تعترف بأكثر منها ووجبت الزيادة في ذمة الجاني، لان قوله مقبول على نفسه دون العاقلة (فصل) إذا سلم من عليه الدية الابل في قتل العمد ثم اختلفا فقال الولى: لم يكن فيها خلفات، وقال من عليه الدية: كانت فيها خلفات فإن لم يرجع في حال الدفع إلى أهل الخبرة، فالقول قول الولى، لان الاصل عدم الا حمل، فإن رجع في الدفع إلى قول أهل الخبرة ففيه وجهان (أحدهما) أن القول قول الولى لما ذكرناه (والثانى) أن القول قول من عليه الدية لانا حكمنا بأنها خلفات بقول أهل الخبرة فلم يقبل فيه قول الولى (الشرح) أثر ابن عباس أخرجه أحمد في مسنده والبيهقي ولفظه (لاتحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك) وأخرجه الدارقطني عن عمر رضى الله عنه بلفظ (قال عمر: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة) وأخرجه أيضا البيهقى عن عمر قال في التلخيص: وهو منقطع
وفى إسناده عبد الملك بن حسين وهو ضعيف قال البيهقى: والمحفوظ أنه عن عامر عن الشعبى من قوله، وقال مالك في الموطأ: وقال الزهري مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاءوا فإن قيل ولماذا اختار المصنف أثرا موقوفا على ابن عباس مع وروده مرفوعا من حديث عبادة بن الصامت عند الدارقطني والطبراني (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال: لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا) قلنا في إسناده محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب تحرم الرواية عنه، والحرث بن نبهان وهو منكر الحديث وقول الزهري الذى حكاه مالك روى معناه البيهقى عن أبى الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة.
أما الاحكام فإنه إذا ادعى على رجل قتلا ثبت فيه الدية على عاقلته، فأقر بذلك فكذبه العاقلة كانت الدية في ماله لما قدمنا من الآثار عن ابن عباس وعمر والزهرى وأبى الزناد واتفاق أهل المدينة، وهو وان لم يكن حجة عندنا إلا أنه لا مخالف لهم فيه فكان اجماعا، ولانا لو قبلنا إقراره على العاقلة لم يؤمن أن يتواطأ مع من يقر له بقتل الخطأ ليدخل الضرر على العاقلة فلم يقبل اقراره.
فإن ضرب بطن امرأة فأسقطت جنينا من ضربه فادعى ورثة الجنين أنه سقط حيا ومات من ضربته وصدقهم الجاني، وقالت العاقلة بل سقط ميتا، فالقول قولهم مع أيمانهم.
فإذا حلفوا لم يلزمهم أكثر من قدر الغرة، ويجب تمام الدية في مال الجاني، لانه وجبت باعترافه، وهكذا لو أسقطت جنينا حيا ومات من الضرب فقال ورثة الجنين: كان ذكرا وصدقهم الجاني، وقالت العاقلة بل كان أنثى فالقول قول العاقلة مع أيمانهم، فإذا حلفوا لم يلزمهم الا دية امرأة ووجب في مال الجاني تمام دية الرجل، لانه وجب باعترافه (فرع)
الخلفة من الابل هي الحامل وجمعها مخاض من غير لفظها، كما تجمع المرأة على النساء وربما جمعت على لفظها فقيل خلفات كما في كلام المصنف فإذا وجب على قاتل العمد الخلفات فأحضر ابلا ليدفعها.
وقال هن خلفات وقال الولى لسن بخلفات، عرضت على أهل الخبرة بالابل، فان قالوا هن حوامل كلف الولى أخذها.
فإن قالوا لسن بحوامل كلف الجاني إحضار الحوامل ودفعهن، قإن أخذ الولى الابل بقول أهل الخبرة أنهن حوامل واتفق هو والقاتل أنهن حوامل، فإن صح أنهن حوامل فقد استوفى حقه.
وإن خرجن حوامل نظرت فإن كانت الابل حاضرة ولم يعينها كان للولى ردها والمطالبة بحوامل، وإن كان الولى قد غيبها مدة يمكن أن تضع فيها فقال القاتل: كن حوامل وقد وضعن في يدك، وقال الولى لم تكن حوامل، فإن كان الولى قد أخذ الابل باتفاقهما لا بقول أهل الخبرة فالقول قول الولى مع يمينه، لان الاصل عدم الحمل، وإن كان قد أخذها بقول أهل الخبرة ففيه وجهان:
(أحدهما)
القول قول الولى مع يمينه لان أهل الخبرة إنما يخبرون من طريق الظن والاستدلال، ويجوز ألا يكون صحيحا، فكان القول قول الولى مع يمينه كما لو أخذها الولى باتفاقها.
(والثانى) أن القول قول الجاني مع يمينه لانا قد حكمنا بكونها حوامل بقول أهل الخبرة، فإذا ادعى الولى أنها ليست بحوامل كان قوله مخالفا للظاهرفلم يقبل والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب كفارة القتل
من قتل من يحرم عليه قتله من مسلم أو كافر له أمان خطأ وهو من أهل الضمان وجبت عليه الكفارة، لقوله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة ودية مسلمة إلى اهله) وقوله تبارك وتعالى (فإن كان من قوم عدو لكن وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) فإن قتله عمدا أو شبه عمد وجبت عليه الكفارة، لانها إذا وجبت في قتل الخطأ مع عدم المأثم فلان تجب في العمد وشه
العمد وقد تغلظ بالاثم أولى.
وإن توصل إلى قتله بسبب يضمن فيه النفس، كحفر البئر، وشهادة الزور
والاكراه وجبت عليه الكفارة، لان السبب كالمباشرة في إيجاب الضمان فكان كالمباشرة في ايجاب الكفارة فإن ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا وجبت عليه الكفارة لانه آدمى محقون الدم لحرمته فضمن بالكفارة كغيره.
وان قتل نفسه أو قتل عبده وجبت عليه الكفارة، لان الكفارة تجب لحق الله تعالى وقتل نفسه وقتل عبده كغيرهما في التحريم لحق الله تعالى، فكان كقتل غيرهما في ايجاب الكفارة، فإن اشترك جماعة في قتل واحد وجب على كل واحد منهم كفارة.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يجب على الجميع كفارة واحدة، لانها كفارة تجب بالقتل، فإذا اشترك الجماعة فيه وجبت عليهم كفارة واحدة كالكفارة في قتل الصيد، والمشهور هو الاول لانها كفارة لا تجب على سبيل البدل، فإذا اشترك الجماعة في سببها وجب على كل واحد منهم كفارة ككفارة الطيب واللباس
(فصل)
والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين لقوله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلى قوله تعالى فمن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَإِنْ لَمْ يستطع ففيه قولان
(أحدهما)
يلزمه اطعام ستين مسكينا، كل مسكين مدا من الطعام، لانه كفارة يجب فيها العتق أو صيام شهرين، فوجب فيها اطعام ستين مسكينا قياسا على كفارة الظهار والجماع في رمضان
(والثانى)
لا يلزمه الاطعام لان الله تعالى ذكر العتق والصيام ولم يذكر الاطعام، ولو وجب ذلك لذكره كما ذكره في كفارة الظهار، وصفة الرقبة والصيام والطعام إذا أوجبناه على ما ذكرنا في الظهار فأغنى عن الاعادة
(الشرح) هذه الآيات القرآنية من أمهات الاحكام.
ذكرا أبو حاتم بسنده عن ابن عمر أن عياس بن أبى ربيعة قتل الحارث بن يزيد بن أبى أنيسة العامري لحية كات بينهما إذ هاجر الحارث مسلما فلقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه، فلما أخر أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يا رسول الله انه كان من أمرى وأمر الحارث ما قد علمت ولم أشعر باسلامه حتى قتلته، فنزلت الآية.
أما الاحكام فان هذه الآية أصل في وجوب الكفارة، فذكر الله تعالى في
الآية ثلاث كفارات، إحداهن إذا قتل مؤمنا في دار الاسلام بقوله (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) الثانية: إذا قتل مؤمنا في دار الحرب بأن كان أسيرا في صفهم أو مقيما باختياره بقوله تعالى (فإن كان من قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) ومعناه في قوم عدولكم.
والثالثة: إذا قتل ذميا بقوله تعالى (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) إذا ثبت هذا فظاهر الآية بقوله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ) أنه ما ينبغى لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ قال العمرانى: الاستثناء من النفى اثبات، فليس له أن يقتله عمدا وله قتله خطأ، وقال القرطبى: ليس على النفى وانما هو على التحريم والنهى كقوله تعالى (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) ولو كانت على النفى لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط، لان ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده كقوله تعالى (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الاول، وهو الذى يكون فيه (الا)) بمعنى لكن والتقدير ما كان له أن يقتله ألبتة، لكن أن قتله خطأ فعليه كذا هذا قول
سيبويه والزجاج اه وللاستثناء المنقطع شواهد كثيرة في القرآن كقوله تعالى (ما لهم به من علم الا اتباع الظن) وقوله تعالى (وما كنت ترجو أن يلقى اليك الكتاب الا رحمة من ربك) قال الشيخ أبو حامد الاسفرايينى: ولا خلاف بين أهل العلم أن قتل الخطأ محرم كقتل العمد، الا أن قتل العمد يتعلق به الاثم، وقتل الخطأ لا اثم فيه، واختلف أصحابنا في تأويل قوله (الا خطأ) فمنهم من قال هو استثناء منقطع من غير الجنس كما أوضحناه عن القرطبى من المالكية، واستشهد هؤلاء الاصحاب بقوله تَعَالَى (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) وتقدير لكن كلوا بالتجارة، لانه لو كان استثناء من الجنس لكان تقديره: الا أن تكون تجارة بينكم عن تراض منكم فكلوها بالباطل.
وهذا لا يجوز
ومنهم من قال: هو استثناء من مضمن محذوف فيكون تقديره: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، فإن قتله أثم إلا أن يكون خطأ، فاستثنى الخطأ من الاثم المحذوف المضمن في الآية.
ومنهم من قال: تأويل قوله تعالى (إلا خطأ) بمعنى ولا خطأ، كقوله تعالى (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) يعنى ولا الذين ظلموا.
قال ابن الصباغ: وهذا التأويل يبعد، لان الخطأ لا يتوجه إليه النهى.
قال وقول الشيخ أبى حامد أن قتل الخطأ محرم يناقضه، لان حد المحرم ما يأثم فيه والخطأ لا يوصف بالتحريم ولا بالاباحة كفعل المجنون والبهيمة إذا ثبت هذا فإنه إذا قتل من يحرم قتل لحق الله تعالى عمدا أو خطأ أو عمد خطأ وجبت عليه بقتله الكفارة وبه قال الزهري وقال ربيعة وأبو حنيفة
وأصحابه يجب الكفارة بقتل الخطأ، لان الخطأ أخف حالا من قتل العمد، لانه لا قود فيه ولا اثم والدية فيه محققة، فإذا وجبت فيه الكفارة فلان تجب في قتل العمد المحض وعمد الخطأ أولى وروى واثلة بن الاسقع قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا من النار.
ولا يستوجب النار الا في قتل العمد.
وروى أنع عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ انى وأدت في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اعتق بكل موءودة رقبة.
والموءودة البنت المقتولة عندما تولد، كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة العار والفقر، ولانه حيوان يضمن بالكفارة إذا قتل خطأ فوجب أن يضمن بالكفارة إذا قتل عمدا كالصيد وعكسه المرتد، فإن قتل نساء أهل الحرب وذراريهم لم تجب عليه الكفارة، لان قتلهم انما حرم لحق المسلمين لا لحق الله، فلم تجب به الكفارة، كما لو ذبح بهيمة غيره بغير اذنه.
وكذلك لو قتل عبدا لنفسه أو لغيره، أو قتل ذميا أو معاهدا وجبت عليه الكفارة.
وقال مالك: لا يجب في كله الكفارة.
دليلنا قوله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ
مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) وهذا عام في الحر والعبد.
وقوله تعالى (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) وهذا يقع على الذمي والمعاهد، ولانه آدمى يجرى القصاص بينه وبين نظيره، فوجبت بقتله الكفارة كالحر المسلم، إن قتل نفسه وجبت الكفارة في ماله.
وقال بعض أصحابنا الخراسانيين لا تجب الكفارة، دليلنا قوله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة) وهذا عام، ولانه يحرم عليه قتل نفسه،
بل لا يجوز له قتل نفسه بحال، فإذا وجبت عليه الكفارة بقتل غيره فلان تجب بقتل نفسه أولى.
(فرع)
وإن ضرب بطن امرأة فألقت من ضربه جنينا ميتا وجبت عليه الكفارة، وبه قال عمر والزهرى والنخعي والحسن البصري والحكم.
وقال أبو حنيفة لا تجب فيه الكفارة.
دليلنا قوله تعالى (من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) وقد حكمنا للجنين بالايمان تبعا لابويه، فيكون داخلا في عموم الآية، ولانه آدمى محقون الدم لحرمته فوجبت فيه الكفارة كغيره.
وقولنا (آدمى) احتراز من غير الآدمى من الحيوان وقولنا محقون الدم، احتراز من المرتد والحربي ومن جاز قتله.
وقولنا لحرمته احتراز من نساء أهل الحرب وذراريهم، فإنه ممنوع من قتلهم لا لحرمتهم، ولكن لحق الغانمين (فرع)
وإن قتل من يحرم قتله لحق الله تعالى بسبب يجب به ضمانه بأن حفر بئرا في غير ملكه متعديا، فسقط فيها انسان ومات وجبت عليه الكفارة وقال أبو حنيفة لا تجب الكفارة إلا بالمباشرة، دليلنا قوله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة) ولم يفرق بين أن يقتله بالمباشرة أو بالسبب، ولانه قتل آدميا ممنوعا من قتله لحرمته فوجب عليه الكفارة، كما لو قتله بالمباشرة (فرع)
إذا كان القاتل صبيا أو مجنونا أو كافرا وجبت عليهم الكفارة، وقال أبو حنيفة لا يجب على واحد منهم الكفارة.
دليلنا قوله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ) ولم يفرق بين أن يكون القاتل صبيا أو مجنونا أو كافرا، فإن قيل الصبى والمجنون لا يدخلان في الخطاب قلنا إنما لا يدخلان في خطاب المواجهة لقوله تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتقوا الله) ويدخلان في خطاب الانام، كقوله صلى الله عليه وسلم: في كل
أربعين شاة شاة.
وروى أن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انى وأدت في الجاهلية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتق بكل موءودة رقبة.
وهذا نص في إيجاب الكفارة على الكافر، ولانه حق مال يتعلق بالقتل فتعلق بقتل الصبى والمجنون كالدية، ولان الكفارة تجب على المسلم للتكفير، وعلى الكافر عقوبة كما أن الحدود تجب على المسلم كفارات وعلى الكافر عقوبة (فرع)
إذا اشترك جماعة في قتل واحد وجب على كل واحد منهم كفارة، قال عثمان البتى: تجب عليهم كفارة واحدة.
وحكى أبو على الطبري أن هذا قول آخر للشافعي لانها كفارة تتعلق بالقتل، فإذا اشترك الجماعة في سببها وجب عليهم كفارة واحدة، كما لو اشتركوا في قتل صيد، والاول هو المشهور لانها كفارة وجبت لا على سبيل البدل عن النفس، فوجب أن يكون على كل واحد من الجماعة إذا اشتركوا في سببها ما كان يجب على الواحد إذا انفرد ككفارة الطيب للمحرم، وقولنا: لا على سبيل البدل.
احتراز من جزاء الصيد قوله والكفارة عتق رقبة مؤمنة.
وهذا صحيح لمن وجدها، ولا خلاف في ذلك، فإذا لم يجد الرقبة وجب عليه صوم شهرين متتابعين لقوله تعالى (فمن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَإِنْ لَمْ يقدر على الصوم ففيه قولان
(أحدهما)
يجب عليه أن يطعم ستين مسكينا، لان الله تعالى ذكر الاطعام في كفارة الظهار ولم يذكر في كفارة القتل فوجب أن يحمل المطلق في القتل على المقيد في الظهار، كما قيد الله الرقبة في القتل بالاثمان، وأطلقها في كفارة الظهار فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل.
(والثانى) لا يجب عليه الاطعام، وهو الاصح، لان الله أوجب الرقبة في كفارة القتل، ونفل عنها إلى صوم الشهرين، ولم ينقل إلى الاطعام، فدل على أن هذا جميع الواجب فيها، وما ذكره الاول فغير صحيح، ولان المطلق انما تحمل على المقيد إذا كان الحكم مذكورا في موضعين الا أنه قيده في موضع بصفة، وأطلقه في الموضع الآخر، كما ذكر الله الرقبة في كفارة القتل
مقيدا بالايمان، وذكرها في الظهار مطلقة فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل، وكما ذكر الله اليدين في الطهارة وقيدهما إلى المرفقين، وذكرهما في التيمم مطلقا، فحمل مطلق التيمم فيهما على ما قيده فيهما في الطهارة.
وهاهنا الاطعام لم يذكره في الموضعين، إنما ذكره في الظهار فلم يجز نقل حكمه إلى كفارة القتل، كما لم يجز نقل حكم مسح الرأس وغسل الرجلين إلى التيمم، وحكم الرقبة والصوم الاطعام إذا أوجبناه قدم في كفارة الظهار.
والله تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبى ونعم الوكيل
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب قتال اهل البغى لا يجوز الخروج عن الامام لما روى ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال (من نزع يده من طاعة امامه فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له.
ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية.
وروى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، من حمل علينا السلاح فليس منا.
(الشرح) حديث عبد الله بن عمر أخرجه مسلم بإسناده عن نافع قال (جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال اطرحوا لابي عبد الرحمن وسادة، فقال انى لم آتك لاجلس أتيتك لاحدثك حديثا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول من خلع يدا من
طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.
وأخرجه عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عمر بمعنى حديث نافع، وأخرجه الحاكم عن ابن عمر بلفظ (من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه امام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية.
وأخرج مسلم من حديث أبى هريرة بلفظ (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهليه.
أما حديث أبى هريرة (من حمل علينا السلاح فليس منا) فقد أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة وسلمة بن الاكوع، وأخرجه الشيخان من حديث أبى موسى الاشعري وابن عمر.
وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبى ذر: من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه أما اللغات فإن البغى التعدي وكل مجاوزة وإفراط وخروج عن حد الشئ، والبغى الظلم، وبغيته أبغيه بغيا طلبته، وابتغيته وتبغيته مثله والاسم البغاء كغراب.
وينبغى أن يكون كذا معناه يندب ندبا مؤكدا لا يحسن تركه، واستعمال ماضيه مهجور، وقد عدوا ينبغى من الافعال التى لا تتصرف، فلا يقال انبغى وقيل في توجيهه أن انبغى مطاوع بغى، ولا يستعمل انفعل في المطاوعة إلا إذا كان فيه علاج وانفعال، مثل كسرته فانكسر، وكما لا يقال طلبته فانطلب وقصدته فانقصد لا يقال بغيته فانبغى، لانه لا علاج فيه، وبغى على الناس بغيا سعى بالفساد أو ظلم واعتدى، وبغت المرأة تبغى بغاء فجرت فهى بغى والجمع بغايا، وهو وصف تختص به المرأة، ولا يقال للرجل بغى، ولى عنده بغية أي حاجة والفئة الباغية التى تعدل عن الحق وما عليه أئمة المسلمين.
يقال بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد.
أما الاحكام، فإن مما استقر في الفطر وارتكز في الطباع أن الجماعة لا تصلح حياتها فوضى لاسراة لها من أهل العقل والحكمة والعلم والزكانه، ومن ثم يأتي خطأ بعض المتكلمين في قولهم لو تكاف الناس عن الظلم لم يجب نصب الامام لان الصحابة رضى الله عنهم اجتمعوا على نصب الامام، والمراد بالامام الرئيس الا على للدولة، والامامة والخلافة وإمارة المؤمنين مترادفة، والمراد بها الرياسة العامة في شئون الدين والدنيا.
ويرى ابن حزم أن الامام إذا أطلق انصرف إلى الخليفة، أما إذا قيد انصرف إلى ما قيد به من إمام الصلاة وإمام الحديث وإمام القوم.
ويقول الدكتور عبد الحميد متولى أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق بالاسكندرية في كتابه مبادئ نظام الحكم في الاسلام ص 497 (ونلاحظ أن الصحافة المصرية بدأت في الآونة الاخيرة تطلق على شيخ الازهر لقب الامام الاكبر بدلا من الاستاذ الاكبر ويبدو لنا أن من الاوفق العدول عن هذا
اللقب (أولا) لان الامامة الكبرى إنما يقصد بها الخلافة كما قدمنا (وثانيا) لان نزعة الاغراق في ألقاب التفخيم والتعظيم إنما هي أثر من آثار الحكم التركي في حين أن اتجاه التطور لدنيا لاسيما منذ عهد الثورة إنما يسير ضد هذه النزعة، ومنصف شيخ الاسلام ليس من المناصب التى جاء بها الاسلام، وعجيب أن يقال عن على بن أبى طالب وهو من هو (الامام على) والشيخ محمد عبده (الاستاذ الامام) ثم يقال عن شيخ الازهر الامام الاكبر.
اه ملخصا فإذا عرفت أن المجتمع في حاجة إلى من يسوس أمره في دينه ودنياه ليكف الناس عن أن يتظالموا والظلم من شيم النفوس فإن تجد
- ذا عفة فلعلة لا يظلم فإنما تظهره القدرة وبخفيه العجز، ولانهم وان تكافوا عن الظلم فهم
مفتقرون إليه لتجهيز الجيوش في جهاد الاعداء، وغير ذلك من رعاية مصالحهم وحماية حوزتهم، وحفظ أرزاقهم وتنمية مواردهم.
فإذا ثبت هذا فمن شروط الامام أن يكون ذكرا بالغا عاقلا مسلما عدلا عالما من الفقه ما يخرجه عن أن يكن مقلدا، لان هذه الشروط هي التى تعتبر في حق القاضى فلان تعتبر في حق الامام أولى.
ومن شرط الامام أن يكون شجاعا له تدبير وهداية إلى مصالح المسلمين، لانه لا يتأهل لتحمل أعباء الامة الا بذلك ومن شرطه أن يكون قرشيا.
هكذا أفاده أكثر الاصحاب وقال أبو المعالى الجوينى من أصحابنا من يجوز أن يكون من غير قريش.
مع ورود حديث أنس عند أحمد والطبراني (الائمة من قريش ولى عليكم حق عظيم، ولهم ذلك ما فعلوا ثلاثا، إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة الناس أجمعين) قال القاضى أبو الفتوح، ومن شرطه ألا يكون أعمى، ويجوز أن يكون النبي أعمى لان شعيبا كان أعمى، فإذا اجتمعت في الرجل شروط الامامة، فإن الامامة لا نتعقد الا بأن يستخلفه الامام الذى كان قبله، أو بأن لم يكن هناك امام فيقهر الناس بالغلبة والصولة، أو بأن تنعقد له الامامة باختيار أهل الحل
والعقد له.
ولا يلتفت إلى إجماع الدهماء، فإن ذلك لا يصح لان طبقة الدهماء لابد أن تكون مقلدة لفئة منها تؤثر عليها بالدعاية والضجيج فلا تستطيع أن تحكم في أناة وتعقل لتختار الامام العادل، ومن ثم فإن أهل الحل والعقد وهم الطليعة الواعية والفئة المستنيرة من أهل الاجتهاد من الامة هم الجديرون باختيار الامام لانهم سيحملون وزره إذا لم يتحروا في اختياره الصواب، وسيكونون شركاءه
في مآثمه ومظالمه.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابه التنبيه: ولا يعقد إلا بعقد جماعة من أهل الحل والعقد ومقتضى كلامه أن أقلهم ثلاثة، لان ذلك أقل الجمع عندنا، وعند القاضى أبى الفتوح ينعقد بواحد، ومن شرط العاقد أن يكون ذكرا بالغا عاقلا مسلما عدلا مجتهدا.
وهل من شرط العقد أن يكون بحضرة شاهدين؟ قال العمرانى فيه وجهان.
ومن شرط العاقد والشاهد إذا اعتبرناه أن يكون عدلا ظاهرا وباطنا، لانه لا يشق مراعاة ذلك فيهما، ولا يجوز نصب إمامين.
وقال أبو المعالى الجوينى: يجوز عقد الامامة لامامين في صقعين متباعدين وقد خطأه العمرانى فإن عقدت الامامة لرجلين فإن علم السابق منهما صح العقد الاول وبطل الثاني، ثم ينظر في الثاني فإن عقد له مع الجهل بالاول أو مع العلم به لكن بتأويل شائع لم يعزر المعقود له ولا العاقد، وان عقد للثاني مع العلم بالاول من غير تأويل شائع عزر العاقد والمعقود له، لما أخرج أحمد ومسلم عن عرفجة الاشجعى قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) قال الخطابى من أصحابنا: ولم يرد القتل وانما أراد اجعلوه كمن مات أو قتل فلا تقبلوا له قولا.
وقد قيل لعلى رضى الله عنه في الخوارج انهم كفروا، فقال هم من الكفر فروا، قيل هم منافقون؟ فقال ان المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وهؤلاء تحقرون صلاتكم بجانب صلاتهم.
قيل ماذا تقول فيهم؟ قال قوم تأولوا فأخطأوا.
فإذا وقع عقدان لامامين معا بطلا ويستأنف العقد لاحدهما، والمستحب
أن يعقد لافضلهما وأصلحهما، فإن عقدت الامامة للمفضول صح كما يصح في إمامة الصلاة أن يؤم من يصلح للامامة، وإن كان هناك من هو أولى منه بها.
فإذا انعقدت الامامة لرجل كان العقد لازما فإن أراد أن يخلع نفسه لم يكن له ذلك.
فان قيل فكيف خلع الحسن بن على نفسه؟ قلنا لعله علم من نفسه ضعفا عن تحملها أو علم أنه لا ناصر له ولا معين فخلع نفسه تقية، وإن أراد أهل الحل والعقد خلع الامام لم يكن لهم ذلك إلا أن يتغير، فان فسق الامام فهل ينخلع؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها الجوينى (أحدها) ينخلع بنفس الفسق وهو الاصح، كما لو مات
(والثانى)
لا ينخلع حتى يحكم بخلعه، كما إذا فك عنه الحجر ثم صار مبذرا فانه لا يصح أن يصير محجورا عليه إلا بالحكم (والثالث) إن امكن استتابته وتقويم اعوجاجه لم يخلع، وإن لم يمكن ذلك خلع إذا ثبت هذا فلا يجوز خلع الامام بغير معنى موجب لخلعه ولا الخروج عن طاعته لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم) وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال ((بايعنا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الامر أهله الا أن تروا كفرا بواخا عندكم فيه من الله برهان) وقد روى أحمد عن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (يَا أبا ذر كيف بك عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفئ؟ قال: والذى بعثك بالحق أضع سيفى على عاتقي وأضرب حتى ألحقك، قال لا، ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ تصبر حتى تلحقني) وعن حذيفة بن اليمان أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (يكون بعدى
أئمة لا يهتدون بهديى ولا يستنون بسنتى، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس.
قال قلت كيف أصنع يا رسول الله ان أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع، وان ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع) رواه أحمد ومسلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا خرجت على الامام طائفة من المسلمين ورامت خلعه بتأويل أو منعت حقا توجه عليها بتأويل، وخرجت عن قبضة الامام وامتنعت بمنعة، قاتلها الامام لقوله عز وجل (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله) ولان أبا بكر الصديق رضى الله عنه قاتل مانعي الزكاة، وقاتل على كرم الله وجهه أهل البصرة يوم الجمل، وقاتل معاوية بصفين، وقاتل الخوارج بالنهروان، ولا يبدأ بالقتال حتى يسألهم ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وان ذكروا علة يمكن أزاحتها أزاحها، وان ذكروا شبهة كشفها لقوله تعالى (فأصلحوا بينهما) وفيما ذكرناه اصلاح.
وروى عبد الله بن شداد بن الهاد (أن عليا كرم الله وجهه لما كاتب معاوية وحكم، عتب عليه ثمانية آلاف ونزلوا بأرض يقال لها حروراء، فقالوا انسلخت من قميص ألبسك الله، وحكمت في دين الله، ولاحكم الا لله، فقال على: بينى وبينكم كتاب الله.
يقول الله تعالى في رجل وامرأة (وأن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا أنى كاتبت معاوية: من (على بن أبى طالب) وجاء سهيل بن عمرو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحديبية حين صالح قومه قريشا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اكتب من محمد رسول الله، فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نخالفك، فقال اكتب فكتب (هذا ما قاضى عليه محمد قريشا) يقول الله عز وجل (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الاخر) وبعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوا عبد الله كتاب الله تعالى ثلاثة أيام، ورجع منهم أربعة آلاف، فإن أبوا وعظهم وخوفهم القتال، فإن أبوا قاتلهم، فإن طلبوا الانظار نظرت، فان كان يومين أو ثلاثة أنظرهم، لان ذلك مدة قريبة ولعلهم يرجعون إلى الطاعة، فان طلبوا أكثر من ذلك بحث عنه الامام، فان كان قصدهم
الاجتماع على الطاعة أمهلهم، وان كان قصدهم الاجتماع على القتال لم ينظرهم، لما في الانظار من الاضرار، وان أعطوا على الانظار رهائن لم يقبل منهم، لانه لا يؤمن أن يكون هذا مكرا وطريقا إلى قهر اهل العدل.
وان بذلوا عليه مالا لم يقبل لما ذكرناه، ولان فيه اجراء صغار على طائفة من المسلمين، فلم يجز، كأخذ الجزية منهم.
(الشرح) قوله تعالى (وان طائفتان من المؤمنين.
الآية) روى المعتمر بن سليمان عن أنس قال، قلت (يا نبى الله لو أتيت عبد بن أبى؟ فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون، وهى أرض سبخة فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال اليك عنى فانه أذانى نتن حمارك، فقال رجل من الانصار والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالجريد والايدى والنعال، فبلغنا أنه أنزل فيهم هذه الآية وقال مجاهد نزلت في الاوس والخزرج.
وقال مجاهد تقاتل حيان من الانصار
بالعصى والنعال فنزلت الاية، وروى في أسباب نزولها روايات كثيرة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
أما أخبار الحرورية فقد أخرجها مفرقة على المصادر الاتية، مسلم في الزكاة عن عبد بن حميد وفى استتابة المرتدين، أبو داود في السنة عن الحسن الخلال وعن محمد بن كثير ومحمد بن عبيد بن حسان والبخاري في علامات النبوة والنسائي عن محمد بن بشار، وابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، كما أخرج ذلك كله ابن سعد في الطبقات وغيره.
وأما قتال أبى بكر لمانعي الزكاة فهى مما تواتر واستفاضت أخباره جملة وتفصيلا أثبتناها في كتابنا عن خالد بن الوليد أما اللغات فالتأويل تفسير ما يؤول إليه الشئ وقوله وامتنعت بمنعة.
ومنعة ومنعة، هكذا في اللسان وقال ابن بطال في غريب المهذب السماع بسكون النون والقياس فتحها جمع مانع مثل كافر وكفرة.
وقال ابن الاعرابي: رجل منوع يمنع غيره، ورجل منع يمنع نفسه.
وقوله (تفى إلى أمر الله) أي ترجع، والخوارج سموا بذلك لانهم خرجوا عن الطاعة، فواضعوا عبد الله أي راهنوه، أي وضعوا رهنا ووضع رهنا على أن من غلب أخذ الرهن الصغار الذل والهوان.
أما الاحكام فإنه إذا بغت على الامام طائفة من المسلمين وأرادت خلعه أو منعت حقا عليها تعلقت بهم أحكام يختصون بها دون قطاع الطريق، ولا تثبت هذه الاحكام في حقهم إلا بشروط توجد فيهم (أحدها) أن يكونوا طائفة فيهم منعة يحتاج الامام في كفهم إلى عسكر، فإن لم تكن فيهم منعة، وانما كانوا عددا قليلا لم تتعلق بهم أحكام البغاة، وإنما هم قطاع الطريق، لما روى أن عبد الرحمن
ابن ملجم لعنه الله قتل على بن أبى طالب وكان متأولا في قتله فأقيد به، ولم ينتفع بتأويله لانه لم يكن في طائفة ممتنعة، وإنما كانوا ثلاثة رجال تبايعوا على أن يقتلوا عليا ومعاوية وعمرو بن العاص في يوم واحد، فأما صاحب عمرو فذهب إلى مصر فلم يخرج عمرو بن العاص يومئذ وقتل خارجة بن زيد، ولما سئل قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة.
وأما صاحب معاوية فلم يتمكن من قتله وإنما جرحه في أليته وكواه طبيب قال له: إنه ينقطع نسلك فقال في يزيد كفاية الشرط الثاني: أن يخرجوا من قبضة الامام، فإن لم يخرجوا من قبضته لم يكونوا بغاة، لما روى أن رجلا قال على باب المسجد وعلى يخطب على المنبر: لا حكم إلا لله ولرسوله تعريضا له في التحكيم في صفين فقال على: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث، لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم معنا ولا نبدؤكم بقتال، فأخبر أنهم ما لم يخرجوا من قبضته لا يبدؤهم بقتال، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين كانوا معه في المدينة، فلئلا يتعرض لاهل البغى وهم مسلمون أولى.
الشرط الثالث، أن يكون لهم تأويل شائع مثل أن تقع لهم شبهة يعتقدون عنها الخروج عن الامام أو منع حق عليهم وان أخطأوا في ذلك كما تأول
بنو حنيفة منع الزكاة بقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) الآية فقالوا أمر الله بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا، وهو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا ابن أبى قحافة فليست صلاته سكنا لنا، ولذلك لما انهزموا قالوا والله ما كفرنا بعد ايماننا ولكن شححنا على أموالنا، فإذا لم يكن لهم تأويل شائع فحكمهم حكم
قطاع الطريق.
وهل من شرطهم أن ينصبوا اماما؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أن ذلك من شرطهم، لان الشافعي رضى الله عنه قال وأن ينصبوا اماما، فعلى هذا ان لم ينصبوا اماما كانوا لصوصا وقطاعا للطريق
(والثانى)
وهو المذهب أن ليس من شرطهم أن ينصبوا اماما، لان أهل البصرة وأهل النهروان طبق عليهم على رضى الله عنه أحكام البغاة ولم ينصبوا اماما وأما ما ذكره الشافعي رضى الله عنه فإنما ذكره لان الغالب من أمرهم أنهم ينصبوا اماما.
قال القفال، وسواء كان الامام عادلا أو جائرا فإن الخارج عليه باغ، فإذا اجتمعت هذه الشروط في الخارجين على الامام قاتلهم لقوله تعالى (وان طائفتان الخ الآية) وفى الآية خمسة معالم ظاهرة (أحدها) أن البغى لا يخرج عن الايمان لان الله سماهم مؤمنين في حال بغيهم
(والثانى)
وجوب قتالهم (قاتلوا التى تبغى) (والثالث) إذا رجعوا إلى الطاعة لم يقاتلوا (حتى تفئ إلى أمر الله) (الرابعة) ألا يجب عليهم ضمان ما أتلفوا في القتال (الخامس) وجوب قتال كل من عليه حق فمنعه.
ويدل على جواز قتال أهل البغى ما روى أن أبا بكر رضى الله عنه قاتل مانعي الزكاة وكانوا بغاة، لانهم كانوا متأولين، وقاتل على أهل الجمل وأهل صفين والخوارج بالنهروان، ولا يبدؤهم الامام بالقتال حتى يراسلهم ويسألهم ما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة ردها وان ذكروا شبهة كشفها وبين لهم الصواب وقال أبو حنيفة: يبدؤهم بالقتال.
دليلنا قوله تعالى (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فبدأ بالصلح قبل القتال، وفى هذا اصلاح.
وروى أن عليا رضى الله عنه لما كاتب معاوية وحكم خرج من معسكره ثمانية آلاف
ونزلوا بحروراء وأرادوا قتاله، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس يسألهم ما ينقمون منه؟ قالوا ثلاث، فقال ابن عباس ان رفعتها رجعتم؟ قالوا نعم.
قال وما هي؟ قالوا حكم في دين الله ولا حكم الا لله، وقتل ولم يسب، فإنه ان حل لنا قتلهم حل لنا سبيهم، ومحا اسمه من الخلافة فقد عزل نفسه من الخلافة يعنون اليوم الذى كتب الكتاب بينه وبين أهل الشام، فكتب فيه: أمير المؤمنين فقالوا لو أقررنا بأنك أمير المؤمنين ما قاتلناك، فمحاه من الكتاب، فقال ابن عباس أما قولكم انه حكم في الدين فقد حكم الله في الدين فقال تعالى (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) فحكم الله بين الزوجين، وقال الله تَعَالَى (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يحكم به ذوا عدل منكم) فحكم الله في أرنب قيمتها درهم، أفلا يجوز أن يحكم في هذا الامر العظيم بين المسلمين.
وأما قولكم أنه قتل ولم يسب، فأيكم كان يأخذ عائشة عليها السلام في سهمه وقد قال تعالى (وازواجه أمهاتهم) وإذا ثبت أن سبى عائشة لا يجوز كان غيرها من النساء مثلها وأما قولكم انه محا اسمه من الخلافة فقد عزل نفسه فغلط، لان النبي صلى الله عليه وسلم محا اسمه من النبوة، وذلك أنه لما قاضى سهيل بن عمرو يم الحديبية كتب الكتاب هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال لو اعترفنا بأنك رسول الله لما احتجت إلى كتاب، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين رسول الله؟ فأراه إياه فمحاه للكاتب، وكان على بن أبى طالب أبى أن يمحوه حين أمره، فرجع منهم أربعة آلاف وقاتل الباقين (فرع)
وإذا أراد الامام أن يقتلهم فسألوه أن ينظرهم نظرت، فإن سألوه أن ينظرهم أبدا لم يجز له ذلك، لانه لا يجوز لبعض المسلمين ترك طاعة الامام
وان سألهم أن ينظرهم مدة، فاختلف أصحابنا فيه، فقال الشيخ أبو إسحاق ان سألوه أن ينظرهم يوما أو يومين أو ثلاثا أنظرهم، لان ذلك مدة قريبة ولعلهم يرجعون إلى الطاعة.
وان طلبوا أكثر من ذلك بحث فيه الامام فإن كان قصدهم الاجتماع على الطاعة أنظرهم، وان كان قصدهم الاجتماع على القتال لم ينظرهم لما في ذلك من الاضرار.
وقال ابن الصباغ: إذا سألوه أن ينظرهم مدة مديدة كشف الامام عن حالهم فإن كانوا إنما سألوا ذلك ليجتمعوا أو يأتيهم مدد عاجلهم بالقتال ولم ينظرهم.
وإن سألوا ليتفكروا ويعودوا إلى الطاعة أنظرهم لانه يجوز أن يلحقهم مدد في اليوم واليومين والثلاث كما يلحقهم فيما زاد على ذلك وكل موضع قلنا لا يجوز إنظارهم فبذلوا على الانظار مالا لا يجوز إنطارهم، لانه يأخذ المال على اقرارهم فيما لا يجوز له إقرارهم عليه، ولان فيه إجراء صغار على المسلمين فلم يجز وإن بذلوا على الانظار رهائن منهم أو من أولادهم لم يجز قبول ذلك منهم لانهم ربما قويت شوكتهم على أهل العدل فهزموهم واخذوا الرهائن، وأن كان في أيديهم أسارى من أهل العدل فسألوا الكف عنهم على أن يطلقوا الاسارى من أهل العدل وأعطوا بذلك رهائن من أولادهم قبل الامام ذلك منهم واستظهر لاهل العدل، فإن أطلق أهل البغى الاسارى الذين عندهم أطلق الامام رهائنهم وإن قتلوا من عندهم من الاسارى لم يقتل رهائنهم، لانهم لا يقتلون بقتل غيرهم فإذا انقضت الحرب خلى رهائنهم، وإن كان في أهل العدل ضعف عن قتالهم أخر الامام قتالهم إلا أن يكون بهم قوة، لانه إذا قاتلهم مع الضعف لم يؤمن الهلاك على أهل العدل.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يتبع في القتال مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم، لِمَا رَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يابن أم عبد، ما حكم من بغى من أمتى؟ فقلت الله ورسوله أعلم، فقال لا يتبع مدبرهم ولايجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم، فيؤهم) .
وعن على كرم الله وجهه أنه قال، لا تجيزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبرا وعن أبى أمامة قال شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يطلبون موليا ولا يسلبون قتيلا.
ولان قتالهم للدفع والرد إلى الطاعة دون القتل، فلا يجوز فيه القصد إلى القتل من غير حاجة، وان حضر معهم من لا يقاتل ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يقصد بالقتل، لان القصد من قتالهم كفهم، وهذا قد كف نفسه
فلم يقصد (والثانى) يقتل، لان عليا كرم الله وجهه نهاهم عن قتل محمد بن طلحة السجاد، وقال إياكم وقتل صاحب البرنس، فقتله رجل وأنشأ يقول وأشعث قوام بآيات ربه
- قليل الاذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه
- فخر صريعا لليدين وللفم على غير شئ غير أن ليس تابعا
- عليا ومن لا يتبع الحق يظلم يناشدني حم والرمح شاجر
- فهلا تلا حم قبل التقدم ولم ينكر على كرم الله وجهه قتله، ولانه صار ردءا لهم، ولا تقتل النساء والصبيان، كما لا يقتلون في حرب الكفار، فإن قاتلوا جاز قتلهم كما يجوز قتلهم إذا قصدوا قتله في غير القتال، ويكره أن يقصد قتل ذى رحم محرم، كما يكره في قتال كفار، فإن قاتله لم يكره كما لا يكره إذا قصد قتله في غير القتال (الشرح) محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشى التيمى، أمه حمنة بنت جحش أخت زينب، أتى به أبوه طَلْحَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وسماه
محمدا وكناه أبا القاسم، وفى تكنيته بأبى سليمان خلاف، وقد رجح ابن عبد البر في الاستيعاب أبا القاسم، وقد قتل يوم الجمل مع أبيه، وكان على رضى الله عنه قد نهى عن قتله في ذلك اليوم وقال: إياكم وصاحب البرنس.
قال ابن عبد البر: وروى أن عليا مر به وهو قتيل يوم الجمل، فقال هذا السجاد ورب الكعبة، هذا الذى قتله؟ بره بأبيه يعنى أن أباه أكرهه على الخروج في ذلك اليوم، وكان طلحة قد أمره أن يتقدم للقتال فتقدم ونثل درعه بين رجليه وقام عليها، وجعل كلما حمل عليه رجل قال نشدتك بحاميم، حتى شد عليه رجل فقتله، وقد روى ابن عبد البر شعره هكذا مختلفا عما ساقه المصنف.
فالبيت الاول كما ذكره والبيت الثاني جاء هكذا ضممت إليه بالقاة قميصه - فخر صريعا لليدين وللفم ويروى في رواية أخرى، خرقت له بالرخ جيب قيمصه الخ والبيت الثالث، على غير ذنب، وبقية البيت كما هو والبيت الرابع يروى (والرمح شارع) ويقال قتله رجل من بين أسد بن خزيمة
اسمه كعب بن مدلج، وقيل بل قتله شداد بن معاوية العبسى، وقيل بل الاشتر وقيل بل قتله عصام بن مقعشر النصرى، وهو قول أكثرهم، وهو الذى يقول وأشعث قوام بآيات ربه
- قليل الاذى فيما ترى العين مسلم دلفت له بالرمح من تحت نحره
- فجر صريعا لليدين وللفم شككت إليه باسنان قميصه
- فأذريته عن ظهر طرف مسوم أقمت له في دفعة الخيل صلبه
- بمثل قدامى النسر حران لهذم على غير شئ غير أن ليس تابعا
- عليا ومن لا يتبع الحق يظلم يذكرنى حاميم لما طعنته
- فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقد ادعى قتل محمد بن طلحة جماعة، منهم المكعبر الضبى وغفار بن المسعر البصري.
قال ابن عبد البر، وروينا عن محمد بن حاطب قال لما فرغنا من قتال يوم الجمل قام على بن أبى طالب والحسن بن على وعمار بن ياسر وصعصعه بن صوحان والاشتر ومحمد بن أبى بكر يطء فون في القتلى، فأبصر الحسن بن على قتيلا مكبوبا على وجهه فأكبه على قفاه، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون.
هذا فرع قريش والله، فقال له أبوه ومن هو يا بنى؟ فقال محمد بن طلحة، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، ان كان ما علمته لشابا صالحا، ثم قعد كئيبا حزينا، فقال له الحسن يا أبت، قد كنت أنهاك عن هذا المسير فغلبك على رأيك فلان وفلان، قال قد كان ذلك يا بنى، فلوددت أنى مت قبل هذا بعشرين سنة روى عند محمد ابن طلحة إبنه ابراهيم وعبد الرحمن بن أبى ليلى أما قولهم يسجد كل يوم ألف سجدة، فإن اليوم بدقائقه وساعاته لا يتسع لمثل ذلك، ولعل المقصود انه كان كثير العبادة أما الاحكام فإذا قال أهل البغى رجعنا إلى طاعة الامام لم يجز قتالهم لقوله تعالى (فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله) والفيئة الرجوع.
وهكذا إذا ألقوا سلاحهم لم يجز قتالهم، لان الظاهر من حالهم ترك القتال والرجوع إلى الطاعة فإن انهزموا نظرت، فإن انهزموا إلى غير فئة لم يجز اتباعهم ولا يجاز على جريحهم لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: يا ابن أم عبد ما حكم من يفئ من أمتى؟ فقلت الله ورسوله أعلم، فقال لايتبع مدبرهم