كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالَ وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَالَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُحَجُّ بِالصَّبِيِّ وَهَذَا قَوْلٌ لَا يُعْرَجُ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَجَّ بِأُغَيْلِمَةِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وَحَجَّ السَّلَفُ بِصِبْيَانِهِمْ قَالَ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَفَعَتْ الصَّبِيَّ وَقَالَتْ (أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ) قَالَ فَسَقَطَ كُلُّ مَا خَالَفَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُحَجُّ بِهِ إلَّا طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَنَعُوا ذَلِكَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يُكْتَبُ لِلصَّبِيِّ ثَوَابُ مَا يَعْمَلُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالْقِرَاءَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ إذَا صَحَّحْنَاهُمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ من مِنْ الطَّاعَاتِ وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَدَلِيلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ كَحَدِيثِ (ألهذا احج قال نعم ولك أجر) وحديث السائب ابن يزيد وحديث جابر وغيرها مِمَّا سَبَقَ هُنَا وَحَدِيثِ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثُ تَصْوِيمِ الصِّبْيَانِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَحَدِيثِ (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ) وَهُوَ صَحِيحٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَحَدِيثِ إمَامَةِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ واشباه ذلك
- قول المصنف رحمه الله تعالي
- (وأما العبد فلا يجب عليه ويصح منه لانه من أهل العبادة فصح منه الحج كالحر فان أحرم باذن السيد وفعل ما يوجب الكفارة فان ملكه السيد مالا وقلنا انه يملكه لزمه الهدى (وإن قلنا) لا يملك ولم يملكه السيد فعليه الصوم وللسيد أن يمنعه من الصوم لانه لم يأذن في سببه وان أذن له في التمتع أو القران وقلنا لا يملك المال صام وليس للمولى منعه من الصوم لانه وجب باذنه (وإن قلنا) يملك ففي الهدى قولان (أحدهما) يجب في مال السيد لانه وجب باذنه (والثاني) لا يجب عليه لان اذنه رضاء بوجوبه علي عبده لا في ماله ولان موجب التمتع في حق العبد هو الصوم لانه لا يقدر على الهدى فلا يجب عليه الهدى)
- (الشَّرْحُ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَيْسَ هُوَ مُسْتَطِيعًا وَيَصِحُّ مِنْهُ الْحَجُّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً وَقَالَ داود لا يصح بغير اذنه
- دليلنا ما ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُهُ سَوَاءٌ بَقِيَ نُسُكُهُ صَحِيحًا أَوْ أَفْسَدَهُ وَلَوْ بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ جَهِلَ إحْرَامَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ وَيُخَالِفُ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى قَوْلٍ لان يد المستأحر تَمْنَعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي إتْمَامِ نُسُكِهِ فَإِنْ
حَلَّلَهُ جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ تَخْرِيجًا مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُزَوَّجَةِ إذَا أَحْرَمَتْ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ وَهَذَا شَاذٌّ مُنْكَرٌ لِأَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ تَبَرُّعٌ فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْعَارِيَّةِ فَلَوْ بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فلمشترى تحليله ولاخيار لَهُ ذَكَرَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ وَآخَرُونَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَإِنْ رَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ فَأَحْرَمَ فَهَلْ لَهُ تَحْلِيلُهُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ قَالَ أَصْحَابُنَا هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا عَزَلَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ وَتَصَرَّفَ بَعْدَ الْعَزْلِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ (أَصَحُّهُمَا) لَهُ تَحْلِيلُهُ كَمَا أَنَّ الْأَصَحَّ هُنَاكَ بُطْلَانُ تَصَرُّفِهِ وَإِنْ عَلِمَ الْعَبْدُ رُجُوعَ السَّيِّدِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ أَحْرَمَ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وجها واحدا
لانه أحرم بغير اذن ويجئ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ كَجٍّ وَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ بَعْدَ إحْرَامِ الْعَبْدِ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ عِنْدَنَا
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ ذَلِكَ كَالْعَارِيَّةِ يَرْجِعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ عَقَدَ عَقْدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ إبْطَالُهُ كَالنِّكَاحِ وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ إحْرَامُهُ بِإِذْنِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْغَيْرِ إبْطَالُهُ كَالزَّوْجِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْعَارِيَّةِ أَنَّ الرُّجُوعَ فِيهَا لَا يُبْطِلُ مَا مَضَى بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ قَالَ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ دُونَ الْحَجِّ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي حَجٍّ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ فِي عُمْرَةٍ فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وَقِيلَ لَا يُحَلِّلُهُ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ ثُمَّ قَالَ فِيمَا إذَا أَذِنَ فِي حَجٍّ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ظَنِّي أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَنْ خِلَافٍ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَحَصَلَ فِي الصُّورَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ
(أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهُ فيما إذا أذن في عمرة فأحرم يحج دُونَ عَكْسِهِ (وَالثَّانِي) لَهُ تَحْلِيلُهُ فِيهِمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الدَّارِمِيِّ (وَالثَّالِثُ) لَيْسَ لَهُ فِيهِمَا وَهَذَا غَلَطٌ فِي صُورَةِ الْإِذْنِ فِي عُمْرَةٍ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّمَتُّعِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْحَجِّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ كَمَا لَوْ رَجَعَ فِي الْإِذْنِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ ويجئ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَا مِنْ الْحَجِّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا وَلَوْ أَذِنَ فِي الْحَجِّ أَوْ التَّمَتُّعِ فَقَرَنَ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ بِالِاتِّفَاقِ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التَّمَتُّعِ إذْنٌ فِي الْحَجِّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَفِي كَلَامِ الدَّارِمِيِّ إشَارَةٌ إلَى خِلَافٍ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقِرَانِ فَأَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَكَذَا إنْ أَذِنَ فِي الْإِفْرَادِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَكَذَا لَوْ أَذِنَ فِي التَّمَتُّعِ أَوْ الْإِفْرَادِ فَقَرَنَ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الدَّارِمِيِّ قَالَ الدَّارِمِيُّ فَلَوْ أَذِنَ فِي الْإِحْرَامِ
مُطْلَقًا فَأَحْرَمَ وَأَرَادَ صَرْفَهُ إلَى نُسُكٍ وَأَرَادَ السَّيِّدُ غَيْرَهُ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ (وَالثَّانِي) هُوَ كَاخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ إذَا قَالَتْ رَاجَعْتَنِي بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِي وَقَالَ قَبْلَهَا (فَإِنْ قُلْنَا) قَوْلَانِ فَمِثْلُهُ (وَإِنْ قُلْنَا) الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي الرَّجْعَةِ وَقَوْلُهَا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَمِثْلُهُ (وَإِنْ قُلْنَا) يُرَاعَى السَّابِقُ بِالدَّعْوَى فَمِثْلُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَأَحْرَمَ فِي شَوَّالٍ فَلَهُ في تحليله قبل دخول
ذى العقدة وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ دُخُولِهِ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَوْ أذن له في الاحرام من كان فَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وَمُرَادُ الدَّارِمِيِّ إذَا أَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ أَذِنْتَ لِي فِي الاحرام
وَقَالَ السَّيِّدُ لَمْ آذَنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ قَالَ وَلَوْ نَذَرَ الْعَبْدُ حِجًّا فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ فَإِنْ صَحَّحْنَا فَعَلَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ وَبَعْدَ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي فِعْلِهِ رَقِيقًا فَفَعَلَهُ فَفِي صِحَّتِهِ الْوَجْهَانِ الْمَشْهُورَانِ في قضاء الصبى والعبد الحجة الْفَاسِدَةِ فِي حَالِ الصِّبَا وَالرِّقِّ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ صِحَّةُ نَذْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ
كَالْعَبْدِ الْقِنِّ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إحْرَامِ العبد وما يتعلق به وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَفِي جَوَازِ تَحْلِيلِهِ لِسَيِّدِهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) فِيهِ قَوْلَانِ كَمَنْعِهِ مِنْ سَفَرِ التِّجَارَةِ (وَالثَّانِي) لَهُ تَحْلِيلُهُ قَطْعًا لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ مَنْفَعَةً فِي سَفَرِهِ لِلتِّجَارَةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
(فَرْعٌ) إذَا أَفْسَدَ الْعَبْدُ الْحِجَّةَ بِالْجِمَاعِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) فِيهِ وَجْهَانِ كَالصَّبِيِّ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ (الصَّحِيحُ) لُزُومُهُ (وَالثَّانِي) لَا يَلْزَمُهُ وَهَذَا الطَّرِيقُ غَرِيبٌ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي كُلِّ الطُّرُقِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ عَلَى قَوْلٍ وَهَلْ يُجْزِئُهُ الْقَضَاءُ فِي حَالِ رِقِّهِ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الصَّبِيِّ (أَصَحُّهُمَا) يُجْزِئُهُ فَإِنْ قُلْنَا 1 لَمْ يَلْزَمْ السيد أن
يَأْذَنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ إنْ كَانَ إحْرَامُهُ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَكَذَا إنْ كَانَ بِإِذْنِهِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِفْسَادِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَآخَرُونَ إنْ قُلْنَا الْقَضَاءُ عَلَى التَّرَاخِي لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ الْإِذْنُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ فَإِذَا قُلْنَا يُجْزِئُهُ الْقَضَاءُ فِي حَالِ الرِّقِّ فَشَرَعَ فِيهِ فَعَتَقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بعرفات
أوحال الْوُقُوفِ أَجْزَأَهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ قَضَى بعد العتق فهو كالصبي إذ قَضَى بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ حَالَ الْوُقُوفِ أَجْزَأَهُ الْقَضَاءُ عَنْ حجة الاسلام لانه لولا فَسَادُ الْأَدَاءِ لَأَجْزَأَهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يُجْزِئْهُ الْقَضَاءُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ ثُمَّ حِجَّةُ الْقَضَاءِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا وَاضِحًا قَرِيبًا فِي جِمَاعِ الصَّبِيِّ فِي الْإِحْرَامِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْقَاعِدَةَ الْمُتَنَاوِلَةَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا وَاَللَّهُ أعلم *
(فرع) كل دم لزم العبد المحرم يفعل مَحْظُورٍ كَاللِّبَاسِ وَالصَّيْدِ أَوْ بِالْفَوَاتِ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ بِحَالٍ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ أَمْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ ثُمَّ إنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْجَدِيدَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يملك المال بتمليك السيد على الْقَدِيمِ يَمْلِكُ بِهِ فَإِنْ مَلَكَهُ وَقُلْنَا يَمْلِكُ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ وَعَلَى الْجَدِيدِ فَرْضُهُ الصَّوْمُ وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَكَذَا بِإِذْنِهِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْتِزَامِهِ وَلَوْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَحُكْمُ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ حُكْمُ دِمَاءِ الْمَحْظُورَاتِ وَإِنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ بِإِذْنِهِ فَهَلْ يَجِبُ الدَّمُ عَلَى السَّيِّدِ أَمْ لَا قَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَجِبُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) يَجِبُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْمَهْرِ وَلِلدَّمِ بَدَلٌ وَهُوَ الصَّوْمُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَأُحْصِرَ وَتَحَلَّلَ (فَإِنْ قِيلَ) لَا بَدَلَ لِدَمِ الْإِحْصَارِ صَارَ السَّيِّدُ ضَامِنًا عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا (وَإِنْ قُلْنَا) لَهُ بَدَلٌ فَفِي صَيْرُورَتِهِ ضَامِنًا لَهُ فِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ الدَّمَ عَلَى السَّيِّدِ فَوَاجِبُ الْعَبْدِ الصَّوْمُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ لِإِذْنِهِ فِي سَبَبِهِ ولو ملكه سيده هديا وقلنا بملكه أَرَاقَهُ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ إرَاقَتُهُ وَلَوْ أَرَاقَهُ السَّيِّدُ عَنْهُ فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ أَرَاقَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ حَصَلَ الْإِيَاسُ مِنْ تَكْفِيرِهِ وَالتَّمْلِيكُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلِهَذَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْ مَيِّتٍ جَازَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا خِلَافٍ فِيهِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ صَوْمِهِ وَوَجَدَ هَدْيًا فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إنْ اعْتَبَرْنَا فِي الْكَفَّارَةِ حَالَ الْأَدَاءِ أَوْ الْأَغْلَظَ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْوُجُوبِ فَلَهُ الصَّوْمُ وَهَلْ لَهُ الْهَدْيُ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) لَهُ ذَلِكَ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ يَجِدُ الْهَدْيَ (وَالثَّانِي) لا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ حَالَ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
(فَرْعٌ) إذَا نَذَرَ الْعَبْدُ الْحَجَّ فَهَلْ يَصِحُّ مِنْهُ فِي حَالِ رِقِّهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِيهِ وَجْهَانِ كَمَا فِي قَضَاءِ الْحِجَّةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا حَيْثُ جَوَّزْنَا لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلَهُ اردنا انه يأمره بالتحلل لانه يَسْتَقِلُّ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيَمْنَعَهُ الْمُضِيَّ وَيَأْمُرَهُ بِفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ أو يفعلها به ولا يرتفع الاحرام بشئ مِنْ هَذَا بِلَا خِلَافٍ وَحَيْثُ جَازَ لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُهُ جَازَ لِلْعَبْدِ التَّحَلُّلُ وَطَرِيقُ التَّحَلُّلِ أَنْ يَنْظُرَ (فَإِنْ) مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا وَقُلْنَا يَمْلِكُهُ ذَبَحَ وَنَوَى التَّحَلُّلَ وَحَلَقَ وَنَوَى بِهِ أَيْضًا التَّحَلُّلَ وَإِنْ لَمْ يُمَلِّكْهُ فَطَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ كَالْحُرِّ فَيَتَوَقَّفُ تَحَلُّلُهُ عَلَى وُجُودِ الْهَدْيِ إنْ قُلْنَا لَا بَدَلَ لِدَمِ الْإِحْصَارِ أَوْ عَلَى الضوم إنْ قُلْنَا لَهُ بَدَلٌ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَى أَظْهَرِهِمَا لَا يَتَوَقَّفُ بَلْ يَكْفِيهِ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ وَالْحَلْقِ إنْ قُلْنَا هُوَ نسك (والطريق الثاني) لقطع بِهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ لِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِي انْتِظَارِ الْعِتْقِ وان منافعه لسيده وقد يستعمله في مخطورات الْإِحْرَامِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَحْلِيلَ الْعَبْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ وَاَللَّهُ اعلم
(فَرْعٌ) حَيْثُ جَازَ تَحْلِيلُهُ فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحْلِيلُ بَلْ يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْحَجِّ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا جَازَ لِحَقِّ السَّيِّدِ وَقَدْ زَالَ فَإِنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ فَلَهُ حُكْمُ الْفَوَاتِ فِي حَقِّ الْحُرِّ الْأَصْلِيِّ هَكَذَا صرح به الدارمي وغيره وهو ظاهر * قال المصنف رحمه الله تعالي
- (وان حج الصبى ثم بلغ أو حج العبد ثم اعتق لم يجزئه ذلك عن حجة الاسلام لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة اخرى وايما عبد حج ثم اعتق فعليه حجة اخرى) فان بلغ الصبي أو عتق العبد في الاحرام نظرت فان كان قبل الوقوف بعرفة أو في حال الوقوف بعرفة اجزأه عن حجة الاسلام لانه اتي بافعال النسك في حال الكمال فاجزاه وان كان ذلك بعد فوات الوقوف لم يجزئه لانه لم يدرك وقت العبادة وان كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ولم يرجع إلى الموقف فقد قال أبو العباس يجزئه لان ادراك العبادة في حال الكمال كفعلها في حال الكمال والدليل عليه أنه لو أحرم ثم كمل جعل كانه بد أبالاحرام في حال الكمال وإذا صلي في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت جعل كانه صلى في حال البلوغ (والمذهب) أنه لا يجزئه لانه لم يدرك الوقوف في حال الكمال فاشبه إذا اكمل في يوم النحر ويخالف الاحرام لان هناك ادرك الكمال والاحرام قائم فوزانه من مسألتنا أن يدرك الكمال وهو واقف بعرفة فيجزئه وههنا أدرك الكمال وقد انقضي الوقوف فلم يجزئه كما لو أدرك الكمال بعد التحلل عن الاحرام ويخالف الصلاة فان الصلاة تجزئه بادراك الكمال بعد الفرغ منها ولو فرغ من الحج ثم أدرك الكمال لم يجزئه)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَاهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِيهِ وَرِوَايَةُ الْمَرْفُوعِ قَوِيَّةٌ وَلَا يَضُرُّ تَفَرُّدُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ بِهَا فَإِنَّهُ ثِقَةٌ مَقْبُولٌ ضَابِطٌ روى عنه البخاري ومسلم في صحيحهما (وَقَوْلُهُ) كَمَلَ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا - ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَفِي الْكَسْرِ ضَعْفٌ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ بِالْحَجِّ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ الْعَبْدُ ثُمَّ عَتَقَ فَلَهُمَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ الْبُلُوغُ وَالْعِتْقُ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ فَلَا يُجْزِئُهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَلْ يكون تَطَوُّعًا فَإِنْ اسْتَطَاعَا بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ اجماع من يعتد به للحديث المذكور لان حَجَّهُ وَقَعَ تَطَوُّعًا فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْوَاجِبِ بَعْدَهُ (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْبُلُوغُ وَالْعِتْقُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ لَكِنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ فَلَا يُجْزِئُهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ وَقْتَ الْعِبَادَةِ فَأَشْبَهَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ
فَوَاتِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ لَا تُحْسَبُ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ (الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ أو في حَالَ الْوُقُوفِ فَيُجْزِئُهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُمَا وَالْخِلَافُ يُتَصَوَّرُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعَبْدِ دُونَ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ
- دَلِيلُنَا أَنَّهُ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ كَامِلًا فَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا لَوْ كَمَلَ حَالَةَ الْإِحْرَامِ (الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَقَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِأَنْ وَقَفَ يَوْمَ عَرَفَاتٍ ثُمَّ فَارَقَهَا ثُمَّ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى عَرَفَاتٍ فَحَصَلَ فِيهَا وَوَقْتُ الْوُقُوفِ بَاقٍ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَوْ بَلَغَ وَهُوَ وَاقِفٌ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فوجهان مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (الصَّحِيحُ) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُجْزِئُهُ وَسَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَاضِحًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فِي حَالِ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ وَعَادَ إلَى عَرَفَاتٍ فِي وَقْتِهِ أَوْ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَلَا بُدَّ مِنْ السَّعْيِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ وَإِنْ كان
سَعَى فِي حَالِ الصِّبَا وَالرِّقِّ فَفِي وُجُوبِ إعَادَتِهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَجِبُ كَمَا لَا يَجِبُ إعَادَةُ الْإِحْرَامِ وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سريج (أصحهما) يَجِبُ وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالدَّارِمِيُّ وَآخَرُونَ وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَالِ النَّقْصِ فَوَجَبَتْ إعَادَتُهُ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ مُسْتَدَامٌ (وَأَمَّا) السَّعْيُ فَانْقَضَى بِكَمَالِهِ فِي حَالِ النَّقْصِ فَإِذَا وَقَعَ حَجُّهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) عَلَى قَوْلَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) لَا دَمَ إذْ لَا إسَاءَةَ وَلَا تَقْصِيرَ (وَالثَّانِي) يَجِبُ لِفَوَاتِ الْإِحْرَامِ الْكَامِلِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنَّ كَمَالَهُ أَنْ يُحْرِمَ بَالِغًا حُرًّا مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) لَا يَجِبُ قَوْلًا واحد وَبِهِ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَجَزَمَ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا لَمْ يَعُدْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ إلَى الْمِيقَاتِ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ مُحْرِمًا فَلَا دَمَ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وفيه وجه انه لا يسقط الدم بالعود هُنَا
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَالطَّوَافُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ فِي الْحَجِّ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ عَتَقَ أَجْزَأَتْهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَكَذَا لَوْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَا
وَحَيْثُ أَجْزَأَهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ فَهَلْ نَقُولُ وَقَعَ إحْرَامُهُمَا أَوَّلًا تَطَوُّعًا ثُمَّ انْقَلَبَ فَرْضًا عَقِبَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ أَمْ وَقَعَ إحْرَامُهُمَا مَوْقُوفًا فَإِنْ أَدْرَكَا بِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فَرْضًا وَإِلَّا فَنَفْلًا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) وَقَعَ تَطَوُّعًا وَانْقَلَبَ فَرْضًا وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَفَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّا إنْ قُلْنَا وَقَعَ نَفْلًا وَسَعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ ثُمَّ بَلَغَ وَجَبَتْ إعَادَةُ السَّعْيِ وَإِلَّا فَلَا
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا إذَا أَفْسَدَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ حَجَّهُمَا وَقُلْنَا يَلْزَمُهُمَا الْقَضَاءُ وَلَا يَصِحُّ فِي الصِّبَا وَالرِّقِّ أَوْ قُلْنَا يَصِحُّ وَلَمْ يَفْعَلَاهُ حَتَّى كَمَلَا بِالْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْحَجَّةُ لَوْ سَلِمَتْ مِنْ الْإِفْسَادِ لَأَجْزَأَتْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ قَبْلَ فَوَاتِ الْوُقُوفِ وَقَعَ الْقَضَاءُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَتْ لَا تجزى عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَوْ سَلِمَتْ مِنْ الْإِفْسَادِ بِأَنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَ فَوَاتِ الْوُقُوفِ لم يقع القضاء عن حجة الإسلام بل عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يَقْضِيَ فَإِنْ نَوَى الْقَضَاءَ أَوَّلًا وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ إذَا قُضِيَتْ هَلْ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَاضِحًا فِي جِمَاعِ الصَّبِيِّ قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَلَوْ فَاتَ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ الْحَجُّ وَبَلَغَ وَعَتَقَ فَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْعِتْقُ قَبْلَ الْفَوَاتِ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَوَاتِ فَعَلَيْهِ مجتان حجة الفوت وحجة الاسلام ويبدأ بالاسلام قال وإن أفد الْحُرُّ الْبَالِغُ حَجَّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ ثُمَّ فَاتَهُ الوقوف اجزأته حجة الْإِسْلَامِ وَيَبْدَأُ بِالْإِسْلَامِ قَالَ وَإِنْ أَفْسَدَ الْحُرُّ الْبَالِغُ حَجَّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ ثُمَّ فَاتَهُ الْوُقُوفُ أَجْزَأَتْهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْفَوَاتِ وَالْقَضَاءِ وَعَلَيْهِ بَدَنَتَانِ إحْدَاهُمَا لِلْإِفْسَادِ وَالْأُخْرَى لِلْفَوَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي حُكْمِ إحْرَامِ الْكَافِرِ وَمُرُورِهِ بِالْمِيقَاتِ وَإِسْلَامِهِ فِي إحْرَامِهِ وَهَذَا الْفَرْعُ ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالْأَصْحَابُ أَجْمَعُونَ مَعَ مَسَائِلِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَتَرْجَمُوا لِلْجَمِيعِ بَابًا وَاحِدًا وَقَدْ ذَكَرَ
الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةً مِنْهُ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ فَرَأَيْتُ ذِكْرَهُ هُنَا أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ وَمُبَادَرَةً إلَى الْخَيْرَاتِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَتَى كَافِرٌ الْمِيقَاتَ يُرِيدُ النُّسُكَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ فَوَاتِ الْوُقُوفِ وَلَزِمَهُ الْحَجُّ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ سَنَتِهِ وَلَهُ الاخير لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي وَالْأَفْضَلُ حَجُّهُ مِنْ سَنَتِهِ فَإِنْ حَجَّ مِنْ سَنَتِهِ وَعَادَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ أَوْ عَادَ مِنْهُ مُحْرِمًا بَعْدَ إسْلَامِهِ فَلَا دَمَ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَلْ أَحْرَمَ وَحَجَّ مِنْ مَوْضِعِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ كَالْمُسْلِمِ إذَا جَاوَزَهُ بِقَصْدِ النُّسُكِ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إلَّا المزني فانه قال لا دم لانه مريد وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ النُّسُكِ فَأَشْبَهَ غَيْرَ مُرِيدِ النُّسُكِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ هَذَا كُلُّهُ إذَا اسلم وامكنه الحج مِنْ سَنَتِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَتِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَإِنْ اسْتَطَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لا اثر لاحرامه في الكفر في شئ مِنْ الْأَحْكَامِ فَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا أَوْ وَطِئَ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ فلا شئ عَلَيْهِ وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَوْ مَرَّ كَافِرٌ بِالْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ لِيَحُجَّ قَابِلًا مِنْهَا وَأَسْلَمَ قَالَ الدَّارِمِيُّ فَإِنْ كَانَ حِينَ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ أَرَادَ حِجَّ تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ حَجَّ بَعْدَهَا فَلَا دَمَ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى تَارِكِ الْمِيقَاتِ إذَا حَجَّ مِنْ سَنَتِهِ وَهَذَا لَمْ يَحُجَّ مِنْ سَنَتِهِ وَإِنْ كَانَ نَوَى حَالَ مُرُورِهِ حِجَّ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَجْهَانِ قَالَ وَلَوْ كَانَ حِينَ مُرُورِهِ لَا يُرِيدُ إحْرَامًا بشئ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفَعَلَهُ مِنْ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ الْوَجْهَانِ كَالْكَافِرِ (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حَجِّ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ سِوَى مَا سَبَقَ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ إذَا أَحْرَمَا وَبَلَغَ وَعَتَقَ قَبْلَ فَوَاتِ الْوُقُوفِ أَجْزَأَهُمَا عَنْ حجة الاسلام وبه قال أبو اسحاق بن راهويه وقال بن الحسن البصري واحمد في العبد
- وقال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يُجْزِئُهُمَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (أَمَّا) إذَا لَمْ يَبْلُغْ ويعتق إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ فَلَا يُجْزِئُهُ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ ذَهَابِ وَقْتِ الْوُقُوفِ أَوْ فِي
الْوَقْتِ وَلَمْ يَعُدْ إلَى عَرَفَاتٍ كَمَا سَبَقَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُجْزِئُهُمَا إنْ كَانَ وَقْتُ الْوُقُوفِ باقيا وان لم يرجعا والصحيح الْأَوَّلُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ولم يذكر في المسألة خلافا لغير ابن سريج قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ إلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ خِلَافًا أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ وَالْعَبْدَ إذَا حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ أَنَّ عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إنْ اسْتَطَاعَا وَإِحْرَامُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ دَاوُد وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ بُطْلَانُهُ وَلَوْ مَرَّ الْكَافِرُ بِالْمِيقَاتِ مُرِيدًا نُسُكًا وَجَاوَزَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ دَمٌ كَمَا سَبَقَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد لَا يَلْزَمُهُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ 1 يَسُدُّ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ لَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ دفع المال إليه بل يصبحه الْوَلِيُّ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُنَصِّبُ قَيِّمًا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَإِذَا شَرَعَ السَّفِيهُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ أَوْ حَجٍّ نَذَرَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ تَحْلِيلُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ إلَى فَرَاغِهِ وَلَوْ شَرَعَ فِي حَجِّ تَطَوُّعٍ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ بَعْدَ الْحَجْرِ فَلِلْوَلِيِّ تَحْلِيلُهُ إنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ تَزِيدُ عَلَى نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ أَوْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ يَفِي مَعَ قَدْرِ النَّفَقَةِ الْمَعْهُودَةِ بِمُؤْنَةِ سَفَرِهِ وَجَبَ إتْمَامُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ
(فَرْعٌ) يَصِحُّ حَجُّ الْأَغْلَفِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ
- هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا يَحُجُّ الْأَغْلَفُ حَتَّى يُخْتَنَ) فَضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ الْخِتَانِ مِنْ الْإِشْرَافِ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ
- (فَرْعٌ) إذَا حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ أَوْ رَاكِبًا دَابَّةً مَغْصُوبَةً أَثِمَ وَصَحَّ حَجُّهُ وَأَجْزَأَهُ عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك والعبد رى وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ
- وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يُجْزِئُهُ
- وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْحَجَّ
افعال مخصوصة والتحريم لمعنى خارج عنها * قال المصنف رحمه الله
- (فأما غير المستطيع فلا يجب عليه لقوله عز وجل (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليه سبيلا) فدل على أنه لا يجب على غير المستطيع والمستطيع اثنان مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره والمستطيع بنفسه ينظر فيه فان كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَسَافَةٍ تَقْصُرُ فِيهَا الصلاة فهو إن يكون صحيحا واجدا للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التى جرت العادة ان يكون فيها في ذهابه ورجوعه وواجدا لراحلة تصلح لمثله بثمن المثل أو بأجرة المثل وان يكون الطريق آمنا من غير خفارة وان يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والاداء (فأما) إذا كان مريضا تلحقه مشقة غير معتادة فلا يلزمه لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْحَجِّ حَاجَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ فَلْيَمُتْ إنْ شاء يهوديا أو نصرانيا))
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ إسْنَادُهُ غَيْرَ قَوِيٍّ فَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ نَحْوَهُ وَالْخُفَارَةُ - بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ - حكاهن صاحب الحكم وَهِيَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ فِي الطَّرِيقِ لِلْحِفْظِ وَفِي الطَّرِيقِ لُغَتَانِ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَذْكِيرَهُ بِقَوْلِهِ آمِنًا وَلَمْ يَقُلْ آمِنَةً (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَالِاسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَتِهَا وَشُرُوطِهَا وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ نوعان كما ذكره المصنف (استطاعة) بمباشرته بِنَفْسِهِ (وَاسْتِطَاعَةٌ) بِغَيْرِهِ فَالْأَوَّلُ شُرُوطُهُ الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ بَدَنُهُ صَحِيحًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُشْتَرَطُ فِيهِ قُوَّةٌ يَسْتَمْسِكُ بِهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْمُرَادُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَإِنْ وَجَدَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ مُسْتَطِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَإِنْ لَمْ يجد الزاد لم يلزمه لما روى ابن عمر قال (قام رجل إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله ما يوجب الحج فقال الزاد والراحلة) فان لم يجد الماء لم يلزمه لان الحاجة الي الماء أشد من الحاجة إلى الزاد فإذا لم يجب علي من لم يجد الزاد فلان لا يجب علي من لم يجد الماء أولي وان وجد الماء والزاد باكثر من ثمن المثل لم يلزمه لانه لو لزم ذلك لم يامن ان لا يباع منه ذلك الا بما يذهب به جميع ماله وفى ايجاب ذلك إضرار فلم يلزمه)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي إسْنَادِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ بريد الحوزى قال الترمذي وقد تكلم فيه بعض أهل مَنْ قَدْ قَلَّ حِفْظُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قُلْتُ) وقد اتفقت الاحفاظ على تضعيف ابراهيم الحوزى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْمَشْيُ عَلَى أَحَدٍ فِي الْحَجِّ وَإِنْ أَطَاقَهُ غَيْرَ أَنَّ فِيهَا منقطع ومنها ما يمتنع أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ تَثْبِيتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابن عمر هذا من رواية الحوزى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا هُوَ الَّذِي عَنَى الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ يَمْتَنِعُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ تَثْبِيتِهِ قَالَ وانما امتنعوا من تثبيته لانه يعرف بالحوزى وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ من طريق غير الحوزى ولكنه اضعف من الحوزى قَالَ وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَرَاهُ إلَّا مُوهَمًا فَالصَّوَابُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ البصري عن النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ فِي المسألة احاديث اخر لا يصح شئ منها (واشهرها) حديث ابراهيم الحوزى وينضم إليه مرسل الحسن وقد روى الدارقطني هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهِيَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَا يَصِحُّ شئ مِنْهَا وَرَوَى الْحَاكِمُ حَدِيثَ أَنَسٍ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ مُتَسَاهِلٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وُجُودُ الزَّادِ وَالْمَاءِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي جَرَتْ العادة بوجودها فِيهَا وَيُشْتَرَطُ وُجُودُهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَإِنْ زَادَ لم يجب الحج لان وجود الشئ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ كَعَدَمِهِ وَيُشْتَرَطُ وُجُودُ أَوْعِيَةِ الزَّادِ وَالْمَاءِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سَفَرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ
جَدْبٍ وَخَلَتْ بَعْضُ الْمَنَازِلِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِحَمْلِ الزَّادِ مِنْهَا مِنْ أَهْلِهَا أَوْ انْقَطَعَتْ الْمِيَاهُ فِي بَعْضِهَا لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَثَمَنُ الْمِثْلِ الْمُعَيَّنُ فِي الْمَاءِ وَالزَّادِ هُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَإِنْ وَجَدَهُمَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ تَحْصِيلُهُمَا والحج سواء كانت الاسعار غالية أم رخصية إذَا وَفَى مَالُهُ بِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ وَالزَّادِ بِقَدْرِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ كَحَمْلِ الزَّادِ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى (1) وَحَمْلِ الْمَاءِ مَرْحَلَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَنَحْوِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَالْمَوَاضِعِ وَيُشْتَرَطُ وُجُودُ آلَاتِ الْحَمْلِ (وَأَمَّا) عَلَفُ الدَّوَابِّ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَعْظُمُ فِي حَمْلِهِ لِكَثْرَتِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ فِيهِ الْعَادَةَ كَالْمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ ظَنَّ كَوْنَ الطَّرِيقِ فِيهِ مَانِعٌ كَعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ الْعَلَفِ أَوْ أَنَّ فِيهِ عدوا أو نَحْوَ ذَلِكَ فَتَرَكَ الْحَجَّ فَبَانَ أَنْ لَا مانع فقد استقر عليه وجوب الحج صرح بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَ الْمَانِعِ وَلَا عَدَمَهُ قَالَ الدَّارِمِيُّ إنْ كَانَ هُنَاكَ أَصْلٌ عَمِلَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيَجِبُ الْحَجُّ وَهَذَا فِي الْعَدُوِّ ظَاهِرٌ (وَأَمَّا) فِي وُجُودِ الْمَاءِ وَالْعَلَفِ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُمَا
- (فَرْعٌ) لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَصْرِفُهُ فِي الزَّادِ وَالْمَاءِ وَلَكِنَّهُ كَسُوبٌ يَكْتَسِبُ مَا يَكْفِيهِ وَوَجَدَ نَفَقَةً فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ تَعْوِيلًا عَلَى الْكَسْبِ حكى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ إنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا وَلَا يَكْتَسِبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَّا كِفَايَةَ يَوْمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْ الْكَسْبِ فِي أَيَّامِ
الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا وَيَكْتَسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ الْحَجُّ قَالَ) الْإِمَامُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ يَوْمَ الْعِيدِ لَا تُجْعَلُ كَمِلْكِ الصَّاعِ فِي وُجُوبِ الفطرة هذا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ لَمْ يجد راحلة لم يلزمه لحديث ابن عمر وان وجد راحلة لا تصلح لمثله بان يكون ممن لا يمكنه الثبوت على القتب والزاملة لم يلزمه حتي يجد عمارية أو هودجا وان بذل له رجل راحلة) من غير عوض لم يلزمه قبولها لان عليه في قبول ذلك منة وفي تحمل المنة مشقة فلا يلزمه وإن وجد بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ اجرة المثل لم يلزمه لما ذكرناه في الزاد)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الزَّامِلَةُ بَعِيرٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ الْمُسَافِرُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ طَعَامَهُ وَمَتَاعَهُ (وَأَمَّا) الْعِمَارِيَّةُ - فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ - وَالصَّوَابُ تَخْفِيفُ مِيمِهَا وَسَبَقَ بَيَانُهَا وَاضِحًا فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَبَقَ بَيَانُ الْهَوْدَجِ قَرِيبًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمِحَفَّةِ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةٌ تَقْصُرُ فِيهَا الصَّلَاةُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إلَّا إذَا وَجَدَ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا أَوْ وَجَدَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ عَجَزَ عَنْ ثَمَنِهَا أَوْ أُجْرَتِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ وَكَانَ عَادَتَهُ أَمْ لَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاذِرِ الْحَجُّ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْمِلٍ وَلَا يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي حَقِّهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَحْمِلِ بَلْ يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ
عَلَى رَاحِلَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَبَةً وَإِنْ كَانَتْ زَامِلَةً فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَإِنْ كَانَ شَيْخًا هَرَمًا أَوْ شَابًّا ضَعِيفًا أَوْ عَادَتُهُ التَّرَفُّهَ وَنَحْوَ ذَلِكَ اُشْتُرِطَ وُجُودُ الْمَحْمِلِ وَرَاحِلَةٌ تَصْلُحُ لِلْمَحْمِلِ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ وَلَوْ وَجَدَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً فِي رُكُوبِ الْمَحْمِلِ اُشْتُرِطَ فِي حَقِّهِ الْكَنِيسَةُ وَنَحْوُهَا بِحَيْثُ تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ وُجُودُ الْمَحْمِلِ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُسْتَمْسِكٍ عَلَى الْمُقْتَبِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِرُكُوبِ اثْنَيْنِ فِي مَحْمِلٍ فَإِذَا وَجَدَ مُؤْنَةَ مَحْمِلٍ أَوْ شِقَّ مَحْمِلٍ وَوَجَدَ شَرِيكًا يَرْكَبُ مَعَهُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الشَّرِيكَ لَمْ يَلْزَمْهُ سَوَاءٌ وَجَدَ مُؤْنَةَ الْمَحْمِلِ أَوْ الشِّقِّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا يبعد تخريجه عَلَى إلْزَامِ أُجْرَةِ الْبَذْرَقَةِ قَالَ وَفِي كَلَامِ إمام الحرمين اشارة إليه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ وُجِدَ الزاد والراحلة لذهابه ولم يجد لرجوعه نظرت فان كان له أهل في بلده لم يلزمه وان لم يكن له أهل ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه لان البلاد كلها في حقه واحدة (والثاني) لا يلزمه لانه يستوحش بالانقطاع عن الوطن والمقام في الغربة فلم يلزمه)
- (الشَّرْحُ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ فِي بَلَدِهِ أَهْلٌ أَوْ عَشِيرَةٌ اُشْتُرِطَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَسَائِرِ مُؤَنِ الْحَجِّ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ فَإِنْ مَلَكَهُ لِذَهَابِهِ دُونَ رُجُوعِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِلَا خِلَافٍ
إلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْحَنَّاطِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فَحَكَيَا وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الرُّجُوعِ وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ وَلَا عَشِيرَةٌ هَلْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِلرُّجُوعِ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَهُمَا مَشْهُورَانِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ أَصَحَّهُمَا الِاشْتِرَاطُ فَلَا يَلْزَمُهُ إذا لم يقدر علي ذلك ودليلهما فِي الْكِتَابِ وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي اشْتِرَاطِ الرَّاحِلَةِ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهَلْ يُخَصُّ الْوَجْهَانِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ له ببلده مسكنا فِيهِ احْتِمَالَاتٌ لِلْإِمَامِ (أَصَحُّهَا) عِنْدَهُ التَّخْصِيصُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ الْمَعَارِفُ وَالْأَصْدِقَاءُ كَالْعَشِيرَةِ لِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ بِهِمْ مُتَيَسِّرٌ فَيَجْرِي فِيهِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ لَيْسَ له عشيرة ولا اهل *
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ وُجِدَ مَا يَشْتَرِي بِهِ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِدَيْنٍ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَالًّا كَانَ الدَّيْنُ أَوْ مُؤَجَّلًا لِأَنَّ الدَّيْنَ الْحَالَّ عَلَى الْفَوْرِ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي فَقُدِّمَ عَلَيْهِ وَالْمُؤَجَّلُ يَحُلُّ عَلَيْهِ فَإِذَا صَرَفَ مَا مَعَهُ فِي الْحَجِّ لَمْ يَجِدْ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ)
- (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا أَجَلًا لَا يَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ الْحَجِّ لَزِمَهُ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَقَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ وَنَقَلَ كَثِيرُونَ
أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِتَأْخِيرِهِ إلَى مَا بَعْدَ الْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهُ فِي الْحَالِ بِأَنْ كَانَ حَالًّا عَلَى ملئ مُقِرٍّ أَوْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَهُوَ كَالْحَالِّ فِي يَدِهِ وَيَجِبُ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ بِأَنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ جَاحِدٍ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ عليه الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ عليه بسبب دبن عَلَيْهِ فَعَدَمُ وُجُوبِ الِاسْتِدَانَةِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ يلزمه الحج لان النقة عَلَى الْفَوْرِ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِمَسْكَنٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ خَادِمٍ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ)
- (الشَّرْحُ) أَمَّا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكِسْوَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ كِسْوَتُهُ وَسُكْنَاهُ كَنَفَقَتِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُؤَنِ (أَمَّا) إذَا احْتَاجَ إلَى مَسْكَنٍ أَوْ خَادِمٍ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ لِمَنْصِبِهِ أَوْ زَمَانَتِهِ وَنَحْوِهِمَا وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَفْضُلُ عَنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ لَا يَلْزَمُهُ وَصَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَمِمَّنْ قَطَعَ بِهِ مَعَ الْمُصَنِّفِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَفِي الْمُجَرَّدِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَ تَصْحِيحَهُ الرَّافِعِيُّ عن
الْأَكْثَرِينَ وَقَاسُوهُ عَلَى الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ فِيهِمَا وَعَلَى ثِيَابِهِ وَمَا في معناها من ضرورات حَاجَاتِهِ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَبَيْعُ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ فِي ذَلِكَ وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَطَعَ بِهِ أيضا البندنيجي وصححه الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي وَعَلَى هَذَا يَسْتَأْجِرُ مَسْكَنًا وَخَادِمًا وَفَرَّقَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ بِأَنَّ لَهَا بَدَلًا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ كَمَا سَبَقَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَلَمْ يَنُصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ قَرِيبًا مِنْهَا فَإِذَا اشْتَرَطْنَا لِوُجُوبِ الْحَجِّ زِيَادَةً عَلَى الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ فَلَمْ يُوجَدَا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ مَالٌ يَصْرِفُهُ فِيهِمَا ولا يفضل شئ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُسْتَغْرِقَةً لِحَاجَتِهِ وَكَانَتْ سُكْنَى مِثْلِهِ وَالْعَبْدُ لَائِقٌ بِخِدْمَةِ مِثْلِهِ فَإِنْ أَمْكَنَ بِبَعْضِ الدَّارِ وَوَفَى ثَمَنُهُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ وَيَكْفِيهِ لِسُكْنَاهُ بَاقِيهَا أَوْ كَانَا لَا يَلِيقَانِ بِمِثْلِهِ وَلَوْ أَبْدَلَهُمَا أو في الزَّائِدُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ هُنَا وَكَذَا نَقَلَ الرَّافِعِيُّ أن الاصحاب أطلقوه هنا قال لكن فِي بَيْعِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ النَّفِيسَيْنِ الْمَأْلُوفَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ جَرَيَانِهِمَا هُنَا وَهَذَا لَمْ يَنْقُلُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ جَرَيَانُهُمَا بِلَازِمٍ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ لَهَا بدلا وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ فِي الْكَفَّارَةِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ كَانَ فَقِيهًا وَلَهُ كُتُبٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ بَيْعُهَا لِلْحَجِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ
لَهُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ إلَّا نُسْخَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى كُلِّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ نُسْخَتَانِ لَزِمَهُ بَيْعُ إحْدَاهُمَا فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهَا هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَقَالَ فِي مُجَرَّدِهِ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ كُتُبِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ نُسْخَتَانِ مِنْ كِتَابٍ فَيَجِبُ بَيْعُ إحْدَاهُمَا وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ يَلْزَمُ الْفَقِيهَ بَيْعُ كُتُبِهِ فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَصَرْفُ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَكَذَا الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ضَعِيفٌ وَهُوَ تَفْرِيعٌ مِنْهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ الضَّعِيفَةِ فِي وُجُوبِ بَيْعِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ لِلْحَجِّ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يُلْزِمُهُ ذَلِكَ فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَهُوَ الْجَارِي عَلَى عَادَةِ الْمَذْهَبِ وَعَلَى مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ هُنَا فِي الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ وَعَلَى مَا قَالُوهُ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ وَبَابِ التَّفْلِيسِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ فِي أَوَّلِ بَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ فِي فَصْلِ سَهْمِ الْفَقِيرِ والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (وان احتاج إلى النكاح وهو يخاف العنت قدم النكاح لان الحاجة الي ذلك علي الفور والحج ليس علي الفور)
- (الشَّرْحُ) قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ مَلَكَ فَاضِلًا عَنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مَا يُمْكِنُهُ بِهِ الْحَجُّ وَاحْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ لِخَوْفِ الْعَنَتِ فَصَرْفُ الْمَالِ إلَى النِّكَاحِ أَهَمُّ مِنْ صَرْفِهِ إلَى الْحَجِّ هَذِهِ عِبَارَةُ الْجُمْهُورِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ حَاجَةَ النِّكَاحِ نَاجِزَةٌ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي وَالسَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَيَصْرِفُ مَا مَعَهُ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِهَذَا وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ العراقيين وغيرهم
قالوا يجب الحج علي من أراد التزويج لَكِنْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِوُجُوبِهِ عَلَى التَّرَاخِي ثُمَّ إنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ فَتَقْدِيمُ الْحَجِّ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالنِّكَاحُ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَقَدْ صرح خلائق من الصحاب بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَيَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ وَلَكِنْ لَهُ صَرْفُ هَذَا الْمَالِ إلَى النِّكَاحِ وَهُوَ أَفْضَلُ وَيَبْقَى الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ التَّعْلِيقِ وَالْمُجَرَّدِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كتابه الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الرَّافِعِيِّ فِيمَا قَالَهُ عَنْ الْجُمْهُورِ وَفَهْمِهِ عَنْهُمْ (وأما) نقله عن إمام الحرمين فصحيح وَقَدْ صَرَّحَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ بِهِ فَقَالَ لَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا وَهَذَا لَفْظُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ قال قال العراقيون لو فضل شئ وَخَافَ الْعَنَتَ لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَكَانَ بِحَيْثُ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحُجَّ بَلْ لَهُ صَرْفُ الْمَالِ إلَى النِّكَاحِ لان في تأخيره ضرر به والحج على التراخي قال فإذا لَا اسْتِطَاعَةَ وَلَا وُجُوبَ قَالَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِعِينَ بِهِ قِيَاسُ طُرُقِنَا وَإِنْ لم نجده منوصوصا فِيهَا هَذَا لَفْظُ الْإِمَامِ بِحُرُوفِهِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ إنَّمَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الِاسْتِطَاعَةُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ بَلْ قالوا تجب الْحَجُّ وَلَهُ تَأْخِيرُهُ وَصَرْفُ الْمَالِ إلَى النِّكَاحِ وَيَكُونُ الْحَجُّ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُمْ وَفِي حِكَايَةِ الْإِمَامِ عَنْهُمْ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَالصَّوَابُ اسْتِقْرَارُ الْحَجِّ كَمَا سَبَقَ وَعَلَّلَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ الْمَلَاذِ فلا يمنع وجوب الحج والله اعلم *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ احْتَاجَ إليه فِي بضاعة يَتَّجِرُ فِيهَا لِيُحَصِّل مَا يَحْتَاج إلَيْهِ لِلنَّفَقَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابن سُرَيْجٍ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فهو كَالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ (وَمِنْ) أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ لانه واجد للزاد والراحلة)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَتْ لَهُ بِضَاعَةٌ يكسب بِهَا كِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ عِيَالِهِ أَوْ كَانَ لَهُ عَرَضُ تِجَارَةٍ يُحَصِّلُ مِنْ غَلَّتِهِ كُلَّ سَنَةٍ كفاية وَكِفَايَةَ عِيَالِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِذَا حَجَّ بِهِ كَفَاهُ وَكَفَى عياله ذاهبا وراجعا ولا يفضل شئ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَهُمَا مَشْهُورَانِ (أَحَدُهُمَا)
لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ قَالَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْمُفْلِسِ يُتْرَكُ لَهُ مَا يَتَّجِرُ بِهِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ وَيَحْتَاجَ إلَى النَّاسِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَقْطَعَ لَهُ مِنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِضَاعَةً فَجَوَازُهُ فِي الْحَجِّ أَوْلَى (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَهُمَا الرُّكْنُ الْمُهِمُّ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِالْوُجُوبِ لَلَزِمَ أَنْ نَقُولَ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِأَقَلَّ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إذَا مَلَكَهَا وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِمَا فِي الْحَالِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَجِدُهُ ذَخِيرَةً قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ فَمُرَادُهُ انه يترك له ذلك برضي الْغُرَمَاءِ فَأَمَّا بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَلَا يُتْرَكُ وَهَذَا الَّذِي صَحَّحْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْحَجِّ هُوَ الصَّحِيحُ عند جماهير الاصحاب فمن صححه
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ سِوَى ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَلَا أَعْرِفُ مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ عَنْهُ وَلَا أجده في شئ من كتبه قال أبو حامة وَقَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ خِلَافٌ لِلْإِجْمَاعِ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَمَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ غَلَطٌ وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِنَا قَالُوا بِالْوُجُوبِ خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُمْ غَلَّطُوا ابْنَ سُرَيْجٍ فِي هَذَا وَزَيَّفُوا قَوْلَهُ وَهُوَ كَمَا قَالُوهُ هَذَا لَفْظُ الْإِمَامِ وَبِالْوُجُوبِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ دَعْوَاهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ أَرَادَ إجْمَاعَ مَنْ قَبْلَهُ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ أَحْمَدَ وَابْنَ سُرَيْجٍ مَحْجُوجَانِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُمَا وَاَللَّهُ اعلم *
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ وله صنعة يكتسب بها كافيته لِنَفَقَتِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَحُجَّ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ بِمَشَقَّةٍ لَا يُكْرَهُ تَحَمُّلُهَا فاستحب له اسقاط الفرض كالمسافر إذ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَنْعَةٌ وَيَحْتَاجُ إلَى تَكَفُّفِ النَّاسِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِمَسْأَلَةٍ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَكْرُوهَةٌ وَلِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ تَحَمُّلَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فكره)
- (الشَّرْحُ) قَوْلُهُ لَا يُكْرَهُ تَحَمُّلُهَا احْتِرَازٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ (وَقَوْلُهُ) يَتَكَفَّفُ مَعْنَاهُ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا فِي كَفِّهِ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُكْرِيَ نَفْسَهُ
فِي طَرِيقِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ وَلَا يجب ذلك ودليلهما ما بين فِي الْقَادِرِ عَلَى الصَّنْعَةِ فَإِنْ أَكْرَى نَفْسَهُ فَحَضَرَ مَوْضِعَ الْحَجِّ لَزِمَهُ الْحَجُّ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ الْآنَ بِلَا مَشَقَّةٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْرَاضُ مَالٍ يَحُجُّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لِقَاصِدِ الْحَجِّ أَنْ يَكُونَ مُتَخَلِّيًا عَنْ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي طَرِيقِهِ فَإِنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ فَحَجَّ وَاتَّجَرَ صَحَّ حَجُّهُ وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْحَجِّ لَكِنْ ثَوَابُهُ دُونَ ثَوَابِ الْمُتَخَلِّي عَنْ التِّجَارَةِ وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَدَلِيلُ هَذَا مَعَ مَا سَبَقَ ثَابِتٌ عَنْ ابْنِ عباس قال (كانت عكاظ ومكة وذو المحار اسواما فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَالُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ ربكم فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
أَيْضًا (أَنَّ النَّاسَ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ كَانُوا يتبايعون بمني وعرفات وذى المحار وَمَوَاسِمِ الْحَجِّ فَخَافُوا الْبَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا من ربكم فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ (كُنْتُ رَجُلًا أُكْرَى فِي هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ لَيْسَ لَك حَجٌّ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَلَيْسَ يُحْرِمُ وَيُلَبِّي وَيَطُوفُ بالبيت ويفضى من عرفات ويرمي الحجار قُلْتُ بَلَى قَالَ فَإِنَّ لَك حَجًّا جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتنِي عَنْهُ فَسَكَتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ ربكم) فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ لَكَ حَجٌّ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فقال (أو أجر نَفْسِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسُكُ مَعَهُمْ الْمَنَاسِكَ إلَى آخِرِهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ *
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ عَادَتُهُ سُؤَالُ النَّاسِ أَوْ الْمَشْيُ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَنَقَلَهُ ابن المنذر عن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَحْمَدَ واسحق وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ الْبَغَوِيّ هو قول العماء وَقَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ فِي الصُّورَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَقَالَ عِكْرِمَةُ الِاسْتِطَاعَةُ صِحَّةُ الْبَدَنِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَثْبُتُ فِي الْبَابِ حديث مسند قال وحديث (ما لسبيل قَالَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) ضَعِيفٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ وقد سبق بيانه
- قال المصنف رحمه الله
- (وإن كان الطريق غير آمن لم يلزمه لحديث ابي امامة ولان في ايجاب الحج مع الخوف تغريرا بالنفس والمال وإن كان الطريق آمنا الا انه محتاج إلى خفارة لم يلزمه لان ما يؤخذ من الخفارة بمنزلة ما زاد علي ثمن المثل واجرة المثل في الزاد والراحلة فلا يلزمه ولانه رشوة علي واجب فلم يلزمه)
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَسَبَقَ في الفصل المذكوران الْخُفَارَةَ - بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا - وَالرِّشْوَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ أَمْنُ الطَّرِيقِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْبَضْعِ (فَأَمَّا) الْبَضْعُ فَمُتَعَلِّقٌ بِحَجِّ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى وَسَنَذْكُرُهُمَا بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ حَيْثُ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وليس للامن الْمُشْتَرَطُ أَمْنًا قَطْعِيًّا قَالَ وَلَا يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ
الْغَالِبُ فِي الْحَضَرِ بَلْ الْأَمْنُ فِي كُلِّ مَكَان بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ (فَأَمَّا) النَّفْسُ فَمَنْ خَافَ عَلَيْهَا مِنْ سَبُعٍ أَوْ عَدُوٍّ كَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا فَإِنْ وَجَدَهُ لَزِمَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ طَرِيقِهِ أَوْ أَبْعَدَ إذَا وَجَدَ مَا يَقْطَعُهُ بِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ (وَأَمَّا) الْبَحْرُ فَسَنَذْكُرُ الْخَوْفَ مِنْهُ عَقِيبَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) الْمَالُ فَلَوْ خَافَ عَلَى مَالِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ رَصَدِيٍّ أَوْ غيره لم