كتاب الإجارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهنا يقول صاحب النهاية: لان قصد الملتزم الرد ممن التزم له بأى وجه أمكن فلم يقصر لفظه على المخاطب وحده بخلاف ما مر فيما إذا أذن لمعين فرد نائبه مع قدرته، لان المالك لم يأذن فيه اصلا.
ولا شئ للمعين إلا إن التزم له المخاطب أجرة، ويؤخذ من كلامهم هنا، وفى المساقاة كما أفاده السبكى جواز الاستنابة في الامامة والتدريس وسائر الوظائف التى تقبل النيابة، أي ولو بدون عذر فيما يظهر، ولو لم يأذن الواقف إذا استناب مثله أو خيرا منه، ويستحق المستنيب جميع المعلوم، وان أفتى ابن عبد السلام والنووي بأنه لا يستحقه واحد منهما، إذ المستنيب لم يباشر والنائب لم يأذن له الناظر، فلا ولاية له، وما نازع به الاذرعى من كون ذلك سببا لفتح باب أكل أرباب الجهالات مال الوقف دائما مما أرصد للمناصب الدينية، واستنابة من لا يصلح أو يصلح بنذر يسير.
قال غيره: وهكذا جرى فلا حول ولا قوه إلا بالله مردود باشتراط كونه مثله أو خيرا منه.
ولو قال لواحد: إن رددته فلك دينار.
وقال لآخر: إن رددته أرضيك، أو أحلى بالحلوى فمك، فرداه، فللاول نصف الدينار، وللآخر نصف أجرة مثل عمله.
وينقسم العقد باعتبار لزومه وجوازه إلى ثلاثة أقسام: (أحدها) لازم من الطرفين قطعا كالبيع والاجارة والسلم والصلح والحواله
والمسافاة والهبة لغير الفروع بعد القبض والخلع، ولازم من أحدهما قطعا، ومن الاخر على الاصح وهو النكاح فإنه لازم من جهة المرأة قطعا، ومن جهة الزوج على الاصح، وقدرته على الطلاق ليست فسخا.
(ثانيها) لازم من أحد الطرفين جائز من الاخر قطعا كالكتابة، والرهن وهبة الاصول للفروع بعد القبض والضمان والكفالة.
(ثالثها) جائز من الطرفين كالشركة والوكالة والعارية والوديعة، وكذا الجعل له قبل فراغ العمل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجوز لكل واحد منهما فسخ العقد لانه عقد على عمل مجهول بعوض، فجاز لكل واحد منهما فسخه كالمضاربة، فإن فسخ العامل لم يستحق شيئا لان الجعل يستحق بالفراغ من العمل، وقد تركه فسقط حقه، وإن فسخ رب المال، فان كان قبل العمل لم يلزمه شئ، لانه فسخ قبل أن يستهلك منفعة العامل فلم يلزمه شئ، كما لو فسخ المضاربة قبل العمل، وإن كان بعدما شرع في العمل لزمه أجرة المثل لما عمل، لانه استهلك منفعته بشرط العوض فلزمه أجرته، كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل.
(فصل) وتجوز الزيادة والنقصان في الجعل قبل العمل، فان قال: من رد عبدى فله دينار، ثم قال: من رده فله عشره، فرده رجل استحق عشرة، وان قال: من رد عبدى فله عشرة، ثم قال: من رده فله دينار، استحق الدينار، لانه مال بذل في مقابلة عمل في عقد جائز فجائز والزيادة والنقصان فيه قبل العمل كالربح في المضاربة.
(فصل)
وإن اختلف العامل ورب المال فقال العامل: شرطت لى الجعل
وأنكر رب المال، فالقول قول رب المال، لان الاصل عدم الشرط وعدم الضمان، وان اختلفا في عين العبد فقال السيد: شرطت الجعل في رد غيره.
وقال العامل: بل شرطت الجعل في رده، فالقول قول المالك، لان العامل يدعى عليه شرط الجعل في عقد، الاصل عدمه، فكان القول فيه قوله، وان اختلفا في قدر الجعال تحالفا كما قلنا في البيع، فإذا تحالفا رجع إلى أجرة المثل كما رجع في البيع بعد هلاك السلعة إلى قيمة العين.
وان اختلف العامل والعبد فقال العامل: أنا رددته.
وقال العبد جئت بنفسى وصدقة المولى، فالقول قول المولى مع يمينه، لان الاصل عدم الرد، وعدم وجوب الجعل، وبالله التوفيق.
(الشرح) قلنا: ان العقود منها الجائز من الطرفين كالشركة والوكالة والعارية
والوديعة (والجعالة قبل الفراغ من العمل) ومن ثم يجوز لاى منهما الفسخ قبل تمام العمل، لانه عقد جائز من الطرفين، أما من جهة الجاعل فمن حيث إنها تعلن استحقاق بشرط فأشبهت الوصية.
وأما من جهة العامل فلان العمل فيها مجهول، وما كان كذلك لا يتصف باللزوم كالفراض، وإنما يتصور الفسخ من العامل في الابتداء إذا كان معينا بخلاف غيره فلا يتصور فسخه إلا بعد شروعه في العمل، والمراد بالفسخ رفع العقد ورده، وخرج بقوله: قبل العمل، ما بعده، فإنه لا أثر للفسخ، لان الجعل قد لزم واستقر، وعلم من جوازها انفساخها بموت أحد المتعاقدين أو جنونه أو إغمائه.
فلو مات المالك بعد الشروع في العمل فرده إلى وارثه استحق قسط ما عمله في الحياة من المسمى.
وإن مات العامل فرده وارثه استحق القسط منه أيضا، فإن فسخ قبل الشروع
أو فسخه العامل بعد الشروع فلا شئ له، لانه لم يعمل شيئا في الاولى، ولان الجعل إنما يستحق في الثانية بتمام العمل، وقد فوته باختياره.
وان فسخ المالك بعد الشروع في العمل فعليه أجرة المثل لما مضى في الاصح لان جوازه يقتضى التسلط على رفعه، وإذا ارتفع لم يجب المسمى كسائر الفسوخ لكن عمل العامل وقع محترما فلا يحبط بفسخ غيره فرجع إلى بدله وهو أجرة المثل كالاجارة إذا فسخت بعيب.
والثانى: لا شئ للعامل كما لو فسخ بنفسه، ولا فرق على هذا القول بين أن يكون ما صدر من العامل لا يحصل به مقصود أصلا كرد الضال إلى بعض الطريق أو يحصل به بعضه كما لو قال: ان علمت ابني القرآن فلك كذا ثم منعه من تعليمه ولا يشكل ما رجحوه هنا كما يقول الرملي من استحقاق أجرة المثل بقولهم: إذا مات العامل أو المالك في أثناء العمل حيث ينفسخ ويجب القسط من المسمى لان الجاعل أسقط حكم المسمى في مسئلتنا بفسخه بخلافه في تلك، وما فرق به بعض الشراح من أن العامل في الانفساخ تمم العمل بعده ولم يمنعه المالك منه
بخلافه في الفسخ، محل نظر، إذ لا أثر له في الفرق بين خصوص الوجوب من المسمى تارة، ومن أجرة المثل أخرى كما هو ظاهر للمتأمل.
(فرع)
ويجوز للمالك أن يزيد وينقص في العمل وفى الجعل ولو من غير جنسه ونوعه قبل الفراغ كالمبيع في زمن الخيار، سواء ما قبل الشروع في العمل أو بعده، لانه عقد جائز، فلو قال: من رد ضالتي فله عشرة، ثم قال من ردها فله خمسة أو عكس فالاعتبار بالاخير من قوليه، أما بعد الشروع ففائدته وجوب أجرة المثل له، لان النداء الاخير فسخ للاول، والفسخ في أثناء العمل يقتضى
الرجوع إلى أجرة المثل، ومحله قبل الشروع أن يعلم العامل بالتغيير، فإن لم يعلم به فيما إذا كان معينا ولم يعلن به الملتزم فيما إذا كان غير معين، هكذا أفاده في النهاية.
وقال الغزالي في الوسيط: ينقدح أن يقال: يستحق أجرة المثل وهو الراجح وقال الماوردى والرويانى وأقره السبكى: يستحق الجعل الاول، كما أقر ذلك البلقينى وغيره، فعلى الاول لو عمل من سمع النداء الاول خاصة، ومن سمع النداء الثاني استحق الاول نصف أجرة المثل والثانى نصف المسمى الثاني، وعلى قول الماوردى والرويانى والسبكي والبلقيني للاول نصف الجعل الاول وللثاني نصف الثاني.
أما التغيير بعد الفراغ فلا يؤثر، لان المال قد لزم، ويتوقف لزوم الجعل على تمام العمل، ولهذا قال النووي: ولو مات الآبق في بعض الطريق أو هرب فلا شئ للعامل.
قال الشراح: لانه لم يرده والاستحقاق معلق بالرد، ويخالف موت أجير الحج في أثناء العمل فإنه يستحق من الاجرة بقدر ما عمله في الاصح لان القصد بالحج الثواب، وقد حصل للمحجوج عنه الثواب بالبعض، والقصد هنا الرد ولم يوجد، ولو لم يجد المالك سلم المردود إلى الحاكم واستحق الجعل، فإن لم يكن حاكم أشهد واستحقه، ويجرى ذلك في سائر ما يتلف من محال الاعمال.
(فرع)
إذا اختلف المالك والعامل فقد قال النووي رضى الله عنه يصدق المالك بيمينه إذا أنكر شرط الجعل أو سعى العامل اه.
والاول كأن يقول: ما شرطت الجعل، أو شرطته في شئ آخر.
والثانى كأن يقول: لم ترده أنت وانما رده غيرك، أو عادت الضالة بنفسها
من غير سعى منك، لان الاصل عدم الرد والشرط وبراءة ذمته، فلو اختلفا بعد الاستحقاق في قدر الجعل أو جنسه أو صفته أو في قدر العمل كأن قال شرطت مائة على رد ضالتين فقال العامل بل على رد هذا فقط تحالفا، وللعامل أجرة المثل كما في القراض والاجارة ن كل هذا إذا اختلفا بعد الفراغ من العمل والتسليم، أو قبل الفراغ فيما إذا وجب للعامل قسطه من العمل الذى عمله وجعالة، فان كان العمل مضبوطا مقدرا فاجارة ولو احتاج إلى تردد غير مضبوط فجعالة والمراد أنه يجوز عقد الاجارة في الشق الاول دون الثاني، ويد العامل على المأخوذ إلى رده يد أمانة.
ولو رفع يده عنه وخلاه بتفريط كأن خلاه بمضيعة ضمنه لتقصيره، وان خلاه بلا تفريط كأن خلاه عند الحاكم لم يضمنه ونفقته على مالكه، فان انفق عليه مدة الرد فمتبرع الا ان أذن له الحاكم فيه أو أشهد عند فقده ليرجع، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: