المجموع شرح المهذبصفحات 83-122
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأيمان

صفحات 83-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال ابن المنذر وقد روينا عن على أنه جلد الوليد بن عقبه بسوط له طرفان أربعين جلدة، وأنكر مالك هذا وتلا قوله تعالى " فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة " وهذا مذهب أصحاب الرأى.
اه وقد احتج الشافعي رضى الله عنه بحديث خرجه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن أبن شهاب أخبرني أبو أسامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الانصار " أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنى قد وقعت على جارية دخلت على، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه اليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة ". قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلانا مائة جلدة أو ضربا ولم يقل: ضربا شديدا ولم ينو ذلك بقلبه يكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية ولا يحنث، وقال ابن المنذر: إذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة فضربه ضربا خفيفا فهو بار عند الشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأى وقال مالك ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم.
(تنبيه) قال القرطبى في جامع أحكام القرآن ج 15 ص 215. استدل بعض جهال المنزهدة، وطعام المتصوفة بقوله تعالى لايوب " اركض برجلك " على جواز الرقص، قال أبو الفرج الجوزى: وهذا احتجاج بارد، لانه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء إعجازا من الرقص، ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الاسلام جاز أن يجعل قوله سبحانه " اضرب بعصاك الحجر " جوازا على ضرب المحاد بالقضبان نعوذ بالله من التلاعب بالشرع، وقد احتج بعض قاصريهم بِأَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لعلى " أنت منى وأنا منك "

فخجل، وقال لجعفر " أشبهت خلقي وخلقي " فحجل، وقال لزيد " أنت أخونا ومولانا " فخجل، ثم ذكر قصة زفن الحبشة والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم وأجاب على كل ذلك.
(فرع) إذا حلف أن يضربها عشرة أسواط فجمعها وضربها بها ضربة واحدة بر في يمينه إذا علم أنها مستها كلها، وإن علم أنها لم تمسها لم يبر، وقال أحمد: إن حلف أن يضربه عشرة فجمعها فضربه بها لم يبر في يمينه، وبهذا قال مالك وأصحاب الرأى.
وقال ابن حامد من الحنابلة يبر، لان أحمد قال في المريض عليه الحد، يضرب بعثكال النخل فيسقط عنه الحد.
(فرع) وإن حلف أن يضرب امرأته في غد فمات الحالف من يومه فلا حنث عليه، لان الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد، والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل الغد فلا يمكن حنثه، وكذلك إن جن الحالف في يومه فلم يفق إلا بعد خروج الغد، لانه خرج عن كونه من أهل التكليف.

قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن حلف لا يهب له فأعمره أو أرقبه أو تصدق عليه حنث لان الهبة تمليك العين بغير عوض: وإن كان لكل نوع منها اسم.
وإن وقف عليه وقلنا إن الملك ينتقل إليه حنث، لانه ملكه العين من غير عوض.
وإن باعه وحاباه لم يحنث، لانه ملكه بعوض، وإن وصى له لم يحنث، لان التمليك بعد الموت والميت لا يحنث.

(فصل) وإن حلف لا يتكلم فقرا القرآن لم يحنث: لان الكلام لا يطلق في العرف الا على كلام الآدميين.
وان حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه حنث، لان السلام من كلام الآدميين، ولهذا تبطل به الصلاة، فإن كلمه وهو نائم أو ميت أو في موضع لا يسمع كلامه لم يحنث، لانه لا يقال في العرف كلمه.
وان كلمه في موضع يسمع الا أنه لم يسمع لاشتغاله بغيره حنث، لانه كلمه.
ولهذا يقال كلمه فلم يسمع

وان كلمه وهو أصم فلم يسمع للصم فقيه وجهان.
أحدهما يحنث لانه كلمه وان لم يسمع فحنث، كما لو كلمه فلم يسمع لاشتغاله بغيره.
والثاني لا يحنث وهو الصحيح لانه كلمه وهو لا يسمع، فأشبه إذا كلمه وهو غائب، وان كاتبه أو راسله ففيه قولان: قال في القديم يحنث.
وقال في الجديد لا يحنث.
وأضاف إليه أصحابنا: إذا أشار إليه، فجعلوا الجميع على قولين، أحدهما يحنث.
والدليل عليه قوله عز وجل " وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا " فاستثنى الوحى وهو الرسالة من الكلام فدل على أنها منه.
وقوله عز وجل " قال آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا " فاستثنى الرمز وهو الاشارة من الكلام، فدل على أنها منه، ولانه وضع لافهام الآدميين فأشبه الكلام.
والقول الثاني أنه لا يحنث لقوله عز وجل " فإما ترين من البشر أحدا فقولي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ انسيا " ثم قال " يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا " فلو كانت الاشارة كلاما لم تفعله، وقد نذرت أن لاتكلم.
ولان حقيقة الكلام ما كان باللسان، ولهذا يصح نفيه عما سواء بأن نقول: ماكلمته وانما كاتبته أو راسلته أو أشرت إليه، ويحرم على المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، لقوله عليه السلام " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، والسابق أسبقهما إلى الجنة " وان كاتبه أو راسله ففيه وجهان (أحدهما) لا يخرج من مأثم الهجران، لان الهجران ترك الكلام فلا يزول الا بالكلام (وَالثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه يخرج من مأثم الهجران، لان القصد بالكلام ازالة ما بينهما من الوحشة، وذلك يزول بالمكاتبة والمراسلة (الشرح) قوله تعالى " وما كان لبشر أن يكلمه الله الاوحيا " سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه ان كنت نبيا

كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ مُوسَى لن ينظر إليه، فنزل قوله تعالى " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " ذكره النقاش والواحدي والثعلبي.
وقد احتج بهذه الآية الشافعي في القديم فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أنه حانث، لان المرسل قد سمى فيها مكلما للمرسل إليه، إلا أن ينوى الحالف المواجهة بالخطاب قال ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يحلف أن لا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا، فقال الثوري الرسول ليس بكلام.
وقال الشافعي في الجديد: لا يبين أن يحنث.
وقال النخعي: والحكم في الكتاب يحنث.
وقال مالك يحنث في الكتاب والرسول وقال مرة: الرسول أسهل من الكتاب.
وقال أبو عبيد: الكلام سوى الخط والاشارة وقال أبو ثور " لا يحنث في الكتاب " وقال ابن المنذر لا يحنث في الكتاب والرسول.
وقال القرطبى وهو قول مالك أما قوله تعالى قال آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " قال أبو الشعثاء جابر بن زيد رضى الله عنه، إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجه منه بيحيى أصبح لايستطيع أن يكلم أحدا، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه (قلت) والرمز في اللغة الايماء بالشفتين، وقد يستعمل في الايماء بالحاجبين والعينين واليدين، وأصله الحركة.
وقيل طلب تلك الآية زيادة طمأنينة.
المعنى تم النعمة بأن تجعل لى آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة، فقيل له " آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام " أي تمتنع من الكلام ثلاث ليال.
وقال النحاس، قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه، لان الله لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا، اه ثم إن في هذه الاية دليلا على أن الاشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة.
وآكد الاشارات ماحكم بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أمر الجارية حين قال لها أين الله؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقال اعتقها فإنها مؤمنة فأجاز الاسلام بالاشارة الذي هو أصل الديانة الذي يمنع الدم والمال وتستحق

به الجنة وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فوجب أن تكون الاشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء وروى ابن القاسم عن مالك أن الاخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه.
وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالاخرس في الرجعة والطلاق وقال أبو حنيفة ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهى باطل، وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان.
وقال القرطبى والقياس في هذا كله أنه باطل لانه لا يتكلم ولا يعقل اشارته قال أبو الحسن بن بطال، وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التى جاءت بجواز الاشارات في أحكام مختلفة في الديانة، ولعل البخاري حاول بترجمته " باب الاشارة في الطلاق والامور " الرد عليه وقال عطاء أراد بقوله ألا تكلم الناس، صوم ثلاثه أيام، وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا، وهذا فيه بعد.
أفاده القرطبى (قلت) وعندي أن زكريا سأل الله تعالى أن يجعل له آية، فقال أيتك أنى أجعلك لا تستطيع الكلام ثلاثة أيام إلا إشارة.
وهذه أعظم آية بظهرها الله تعالى لزكريا في ذات نفسه أما قوله تعالى " فإما ترين من البشر أحدا " الاصل في ترين ترأيين بوزن تمنعين قبل التوكيد ودخول الجازم، فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى، ونقلت فتحتها إلى الراء فصار تريين ثم قبلت الياء الاولى ألفا لتحركها وانتفاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الالف المنقلبة عن الياء وياء التأنيث لالتقاء الساكنين، لان النون المثقلة يمنزلة نونين، الاولى ساكتة فصار ترين.
وعلى هذا النحو قول دريد بن الصمة إما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أديال الدجى وقول الافوه العبدى إما ترى أزرى به مأس زمان ذى انتكاس مئوس قال ابن عباس وأنس، إذا سألك أحد عن ولدك فقولي إنى نذرت للرحمن

صوما.
أي صمتا، وفي قراءة أبى بن كعب (إنى نذرت للرحمن صوما صما) والذى تتابعت به الاخبار عن أهل الحديث أن الصوم هو الصمت، لان الصوم إمساك عن الاكل، والصمت إمساك عن الكلام وقوله تعالى (فأشارت إليه) دليل عليه أن مريم التزمت ما أمرت به من ترك الكلام.
ولم يرد في هذه الآية أنها نطفت ب (إنى نذرت للرحمن صوما) وإنما ورد بأنها أشارت، فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها ب (قولى) إنما أريد به الاشارة.
أما حديث (لا يحل لمسلم) الخ فقد أخرجه البخاري في الادب عن أبي أيوب الانصاري من طريق عبد الله بن يوسف، وفي الاستئذان عن على عند مسلم، وفي الادب عن أبى أيوب من طريق بن يحيى بن يحيى في سنن أبي داود، وعن أبى أيوب عند الترمذي في البر من طريق محمد بن يحيى وفي الموطأ عن أبي أيوب من طريق ابن شهاب.
أما الاحكام فقد اختلف علماء الشرع فيمن حلف ألا يكلم إنسانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا، فقال مالك إنه يحنث الا أن ينوى مشافهته، ثم رجع فقال لا ينوى في الكتاب ويحنث الا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله قال ابن القاسم: إذا قرأ كتابه حنث، وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه.
وقال أشهب، لا يحنث إذا قرأه الحالف، وهذا بين، لانه لم يكلمه ولا ابتدأه بكلام.
الا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث، وعليه يخرج قول ابن القاسم هكذا قال المالكية.
فإن حلف ليكلمنه لم يبر الا بمشافهته وقال ابن الماجشون: وان حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا بر ولو علماه جميعا لم يبر حتى يعلمه، لان علمهما مختلف.
واتفق مالك والشافعي وأهل الكوفة أن الاخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه.
وقال الكوفيون الا أن يكون رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شئ.
قال الطحاوي، الاخرس مخالف للصمت العارض، كما أن العجز عن الجماع

العارض لمرض ونحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة واتفق أكثر أصحابنا على أنه إذا حلف ألا يكلمه فأرسل إليه رسولا أو كتب إليه حنث، الا إذا أراد لا يشافهه وقد روى الاثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف ألا يكلم رجلا فكتب إليه كتابا.
قال وأى شئ كان سبب ذلك انما ينظر إلى سبب يمينه ولم حلف؟ ان الكتاب قد يجرى مجرى الكلام، والكتاب قد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات الا أن يكون قاصدا هجرانه وترك صلته والا لم يحنث بكتاب ولا رسول لان ذلك ليس بتكلم في الحقيقة، وهذا يصح نفيه، فيقال ما كلمته وانما كاتبته أو راسلته، ولذلك قال تعالى (تلك الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله) وقال (يا موسى ان اصطفتيك على الناس برسالاتى وبكلامي) وقال (وكلم الله موسى تكليما) ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي، لقد كان فيه أنس وما كلمته قط، وكانت بينهما مراسلة.
وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد واحتجوا جميعا بقوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى) فاستثنى الرسول من التكلم، والاصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولانه وضع لافهام الآدميين أشبه الخطاب، والصحيح أن هذا ليس بتكلم، وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الاية الاخرى (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) والرمز ليس بتكلم، لكن ان نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضى هجرانه حنث لذلك.
ولذلك قال أحمد وغيره، ان الكتاب ينزل منزلة الكلام فلم يجعلوه كلاما، انما قالوا هو بمنزلته في بعض الحالات

(فرع) إذا كلم غير المحلوف عليه بقصد إسماع المحلوف عليه فإنه يحنث.
وبهذا قال أحمد، لانه قد أراد تكليمه، ويرد عليه ماروينا عن أبى بكرة رضى الله عنه أنه كان قد حلف ألا يكلم أخاه زيادا، فلما أراد زياد الحج جاء أبو بكرة إلى قصر زياد فدخل فأخذ بنيا لزياد صغيرا في حجره ثم قال: يا أبن أخى إن أباك يريد الحج ولعله يمر بالمدينة فيدخل على أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النسب الذي أدعاه - وهو يعلم أنه ليس بصحيح - وأن هذا لا يحل له، ثم قام فخرج وهذا يدل على أنه لم يعتقد ذلك تكليما.
ووجه الاول أنه أسمعه كلامه قاصدا لاسماعه فأشبه ما لو خاطبه كما قال الشاعر اياك أعنى فاسمعي يا جارة فإن ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث، وقد سئل أحمد عن رجل حلف ألا يكلم فلانا، فناداه والمحلوف عليه لا يسمع قال " يحنث " لانه قد أراد تكليمه، وهذا لكون ذلك يسمى تكليما، يقال كلمته فلم يسمع، وان كان ميتا أو غائبا أو مغمى عليه أو أصم لا يعلم بتكليمه اياه لم يحنث1

وقال بعض أصحاب أحمد كالقاضي أبى بكر: إنه يحنث بنداء الميت، لان النبي صلى الله عليه وسلم كلهم وناداهم وقال " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". ويرد على هذا قوله تعالى " وما أنت يسمع من في القبور " ولانه قد بطلت حواسه وذهبت نفسه، فكان أبعد من السماع من الغائب البعيد لبقاء الحواس في حقه، وإنما كان ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرأ اختص به فلا يقاس عليه غيره.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن حلف لا يسلم على فلان فسلم على قوم هو فيهم ونوى السلام على جميعهم حنث، لانه سلم عليه، وإن استثناه بقلبه لم يحنث لان اللفظ، وان كان عاما إلا أنه يحتمل التخصيص فجاز تخصيصه بالنية، وإن أطلق السلام من غيرنية ففيه قولان.

(أحدهما) أنه يحنث لانه سلم عليهم، فدخل كل واحد منهم فيه.
(والثاني) أنه لا يحنث لان اليمين يحمل على المتعارف، ولايقال في العرف لمن سلم على الجماعة وفيهم فلان: إنه كلم فلانا وسلم على فلان، وإن حلف لايدخل على فلان في بيت فدخل على جماعة في بيت هو فيهم - ولم يستثنه بقلبه - حنث بدخوله عليهم، وان استثنى بقلبه عليهم ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يحنث كما لو حلف لا يسلم عليه فسلم عليهم واستثناه بقلبه (والثاني) أنه يحنث لان الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالاستثناء، والسلام قول فجاز تخصيصه بالاستثناء، ولهذا لو قال سلام عليكم إلا على فلان صح، وإن قال دخلت عليكم إلا على فلان لم يصح.

(فصل) وإن حلف لا يصوم أو لا يصلى فدخل فيهما حنث، لانه بالدخول فيهما سمى صائما ومصليا، وان حلف لايبع أو لا يتزوج أو لا يهب لم يحنث إلا بالايجاب والقبول ومن أصحابنا من قال يحنث في الهبة بالايجاب من غير قبول، لانه يقال

وهب له ولم يقبل، والصحيح هو الاول، لان الهبة عقدتمليك فلم يحنث فيه من غير ايجاب وقبول كالبيع والنكاح ولا يحنث الا بالصحيح، فأما إذا باع بيعا فاسدا أو نكاح نكاحا فاسدا أو وهب هبة فاسدة لم يحنث، لان هذه العقود لا تطلق في العرف والشرع إلا على الصحيح.
(الشرح) إذا حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه أو لا يسلم عليه فسلم على جماعة هو فيهم حنث لان السلام كلام تبطل الصلاة به، فإن قصد المحلوف عليه مع الجماعة حنث لانه كلمه، وان قصدهم دونه لم يحنث، وهو مذهب أحمد رضى الله عنه لان اللفظ العام يحتمل التخصيص، فإن أطلق السلام من غيرنية ففيه قولان (أحدهما) يحنث، وبه قال الحسن وأبو عبيد ومالك وأبو حنيفة وأحمد لانه مكلم لجميعهم، لان مقتضى اللفظ العموم فيحمل على مقتضاه عند الاطلاق (والثاني) لا يحنث، لان العام يصلح للخصوص فلا يحنث بالاحتمال، ووجه القول الاول أن هذا الاحتمال مرجوح فيتعين العمل بالراجح، كما احتمل اللفظ المجاز الذى ليس بمشتهر، فإنه لايمنع حمله على الحقيقة عند الاطلاق، فإن لم يعلم أن المحلوف عليه فيهم ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث، لانه لم يرده فأشبه مالو استثناه، وهو احدى الروايتين عن أحمد (والثاني) يحنث لانه قد أرادهم بسلامه، وهو منهم وهذا بمنزلة الناسي.
(فرع) إذا صلى بالمحلوف عليه اماما ثم سلم من الصلاة حنث، لانه شرع له أن ينوى السلام على الحاضرين، وقال أحمد وأبو حنيفة لا يحنث، لانه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامة واجبة في السلام وان أرتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لان ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين.
(مسألة) إذا حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ قرأ في الصلاة لم يحنث، وان قرأ خارجا منها حنث لانه يتكلم بكلام الله، وان ذكر الله تعالى لم يحنث، ومقتضى مذهب أبى حنيفة أنه يحنث لانه كلام، قال تعالى " وألزمهم كلمة التقوى ".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أفضل الكلام أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا الله والله أكبر " وقال " كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم " دليلنا أن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا لما قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّ اللَّهَ يحدث عن أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لا تكلموا في الصلاة " لم يتناول المختلف فيه.
وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت " وقوموا لله قانتين " فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وقال تعالى " آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أياما إلا رمزا، واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والابكار " فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه، ولان ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجا منها كالاشارة، وما ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة، وذكر الله المشروع فيها، وان استأذن عليه إنسان فقال (ادخلوها بسلام آمنين) يقصد القرآن لم يحنث وان قصد التعبير بالآية عن الاذن حنث.
(فرع) إذا حلف لايدخل على فلان فدخل على جماعة هو فيهم يقصد الدخول عليه معهم حنث، وان استثناه بقلبه ففيه وجهان.

(أحدهما) يحنث لان الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالقصد، وقد وجد في حق الكل على السواء وهو فيهم فحنث به كما لو لم يقصد استثناءه، وفارق السلام فإنه قول يصح تخصيصه بالقصد، ولهذا يصح أن يقال: السلام عليكم الا فلانا، ولا يصح أن يقال: دخلت عليكم الا فلانا، ولان السلام قول يتناول ما يتناوله الضمير في عليكم، والضمير يصح أن يراد به الخاص، فصح أن يراد به من سواها، والفعل لا يتأتى هذا فيه، وان دخل بيتا لا يعلم أنه فيه فوجده فيه فهو كالدخول عليها ناسيا.
(والثاني) لا يحنث كما لو حلف أن يسلم عليه فسلم على جماعة هو فيهم يقصد بقلبه السلام على غيره، فإن قلنا، لا يحنث بذلك فخرج جبن علم بها لم يحنث، وكذلك ان حلف لايدخل عليها فدخلت هي عليه فخرج في الحال

لم يحنث، وإن أقام فهل يحنث؟ على وجهين بناء على من حلف لايدخل دارا هو فيها فاستدام المقام بها فهل يحنث؟ وجهين (مسألة) كل عمل يتوقف حدوثه على شخص الحالف حنث بفعله له كالصلاة والصوم، أما إذا كان العمل لا يتحقق تنفيذه إلا بشخصين كطرفي التعاقد في البيع والشراء والزواج والهبة والعمرى والرقبي، فإنه لا يحنث إلا بالايجاب والقبول، فإن حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لانه بيع شرعى صحيح فيحنث به كالبيع اللازم، لان بيع الخيار يثبت الملك به بعد الخيار بالاتفاق وهو سبب له.
وهذا هو قول أحمد وأصحابه (والثاني) لا يحنث لان الملك لا يثبت في مدة الخيار فأشبه البيع الفاسد وهذا هو قول أبي حنيفة فإن حلف لا يبيع أو لا يتزوج، فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المزوج والمشتري لم يحنث، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، ولا نعلم فيه خلافا، لان البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول، فلم يقع الاسم على الايجاب بدونه، فلم يحنث به.
وإن حلف لا يهب ولا يعير فأوجب ذلك ولم يقبل الآخر، فقال القاضى من الحنابلة وأبو حنيفة وأبو العباس بن سريح من أصحابنا " يحنث " لان الهبة والعارية لاعوض فيهما فكان مسماهما الايجاب، والقبول شرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيحنث بمجرد الايجاب فيهما كالوصية، والمذهب عندنا وهو ما صححه المصنف أنه لا يحنث بمجرد الايجاب لانه عقد لايتم إلا بالقبول فلم يحنث فيه بمجرد الايجاب كالنكاح والبيع (فرع) إذا حلف لا يتزوج حنث بمجرد الايجاب والقبول الصحيح، لا نعلم فيه خلافا لان ذلك يحصل به المسمى الشرعي فتناولته يمينه، وإن حلف ليتزوجن بر بذلك، سواء كانت له امرأة أو لم يكن، وسواء تزوج نظيرتها أو دونها أو أعلى منها.
إذا ثبت هذا فإنه لا يحنث بالنكاح الفاسد ولا يحنث بالبيع الفاسد، وقد روى عن أحمد في البيع الفاسد روايتان، والماضي والمستقبل في ذلك سواء إلا عند محمد بن الحسن فإنه قال، إذا حلف ما صليت ولا تزوجت ولا بعت وكان قد فعله فاسدا حنث لان الماضي لا يقصد منه إلا الاسم، والاسم يتناوله

والمستقبل بخلافه فإنه يراد بالنكاح والبيع الملك وبالصلاة القربة.
ودليلنا أن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي كالايجاب وغير المسمى، وما ذكروه لا يصح لان الاسم لا يتناول الا الشرعي (فرع) الوصيه قد يتبادر إلى الخاطر أنها تنزل منزلة الهبة والبيع وما فيه إيجاب وقبول فإننا قد علمنا قول المذهب في الهبة ولكن الوصية يقع عليها الاسم بدون القبول، ولهذا لما قال الله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين " انما أراد الايجاب دون القبول، ولان الوصية صحيحة قبل موت الموصى ولا قبول لها حينئذ، وإذا كان الشافعي رضى الله عنه يقول " إذا صح الحديث فهو مذهبي " فإنه - لاشك - أن مذهبه في الوصية هو ما ذهبنا إليه المفهوم من الآية بناء على أصله وإذا حلف لا يهب له فأهدى إليه أو أعمره حنث وان أعطاه من الصدقة الواجبة أو نذر كفارة حنث.
ولاصحاب أحمد قولان (أحدهما) لا يحنث.
وهو قول أصحاب الرأى لانهما يختلفان اسما فاختلفا حكما، بِدَلِيلِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " هو عليه صدقة ولنا هدية " وكانت الصدقة محرمة عليه والهدية حلال له، وكان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة: فمع هذا الاختلاف لا يحنث في أحدهما بفعل الآخر.
دليلنا أنه تبرع بعين في الحياة فحنث به كالهدية، ولان الصدقة تسمى هبة فلو تصدق بدينار قيل وهب دينارا وتبرع بدينار.
واختلاف التسمية لكون الصدقة نوعا من الهبة فيختص باسم دونها، كاختصاص الهدية والعمرى بإسمين ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة.
وكذلك اختلاف الاحكام فإنه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس، كما يثبت للآدمي من الاحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان فإن وصى له لم يحنث، لان الهبة تمليك في الحياة، والوصية انما تملك بالقبول بعد الموت، فإن أعاره لم يحنث لان الهبة تمليك الاعيان وليس في العارية تمليك عين ولان المستعير لا يملك المنفعة وانما يستبيحها، ولهذا يملك المعير الرجوع فيها، ولا يملك المستعير اجارتها ولا اعارتها.
(مسألة) إذا حلف لاصليت صلاة حنث بتكبيرة الاحرام وفي الصيام حنث

بطلوع الفجر إذا نوى الصيام، ووافقنا أبو حنيفة في الصيام.
وقال في الصلاة لا يحنث حتى يسجد سجدة.
وقال أحمد لا يحنث حتى يكمل الصلاة.
وقال ابن قدامة يسمى مصليا بدخوله في الصلاة، ولانه شرع فيما حلف عليه، فوافقنا في الصلاة والصوم، وقال أبو الخطاب يحنث إذا صلى ركعة، وفي الصوم يوما كاملا قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن قال والله لاتسريت ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يحنث بوطئ الجارية، لانه قد قبل إن التسرى مشتق من السراة، وهو الظهر، فيصير كأنه حلف لا يتخذها ظهرا، والجارية لا يتخذها ظهرا إلا باوطئ - وقد قيل إنه مشتق من السر وهو الوطئ، فصار كما لو حلف لا يطؤها (والثاني) أنه لا يحنث الا بالتحصين عن العيون والوطئ، لانه مشتق من السر، فكأنه حلف لا يتخذها أسرى الجوارى.
وهذا لا يحصل الا بالتحصين والوطئ (والثالث) أنه لا يحنث الا بالتحصين والوطئ والانزال، لان التسرى في العرف اتخاذ الجارية لابتغاء الولد، ولا يحصل ذلك إلا بما ذكرناه (فصل) وإن حلف أنه لامال له وله دين حال حنث، لان الدين الحال مال، بدليل أنه تجب فيه الزكاة ويملك أخذه إذا شاء، فهو كالعين في يد المودع، وان كان له دين مؤجل ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث لانه لا يستحق قبضه في الحال (والثاني) أنه يحنث لانه يملك الحوالة به والابراء عنه، وان كان له مال مغصوب حنث لانه على ملكه وتصرفه، وان كان له مال ضال ففيه وجهان (أحدهما) يحنث، لان الاصل بقاؤه (والثاني) لا يحنث، لانه لا يعلم بقاءه فلا يحنث بالشك.

(فصل) وان حلف أنه لا يملك عبدا وله مكاتب فالمنصوص أنه لا يحنث.
وقال في الام: ولو ذهب ذاهب إلى أنه عبدا ما بقى عليه درهم، فإنما يعنى أنه عبد في حال دون حال، لانه لو كان عبدا له لكان مسلطا على بيعه وأخذ كسبه، فمن أصحابنا من جعل ذلك قولا آخر.

وقال أبو على الطبري رحمه الله: إنه لا يحنث قولا واحدا، وإنما ألزم الشافعي رحمه الله نفسه شيئا وانفصل عنه فلا يجعل ذلك قولا له.

(فصل) وان حلف لا يرفع منكرا إلى فلان القاضى أو إلى هذا القاضى ولم ينو أنه لا يرفعه إليه وهو قاض فرفعه إليه بعد العزل ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يحنث لانه شرط أن يكون قاضيا فلم يحنث بعد العزل.
كما لو حلف لا يأكل هذه الحنطة فأكلها بعد ما صارت دقيقا (والثاني) أنه يحنث لانه علق اليمين على عينه فكان ذكر القضاء تعريفا لا شرطا، كما لو حلف لايدخل دار زيد هذه فدخلها بعد ما باعها زيد.
وإن حلف لا يرفع منكرا إلى قاض حنث بالرفع إلى كل قاض لعموم اللفظ، وإن حلف لا يرفع منكرا إلى القاضى لم يحنث إلا بالرفع إلى قاضى البلد، لان التعريف بالالف واللام يرجع إليه، فإن كان في البلد قاض عند اليمين فعزل وولى غيره فرفع إليه حنث.
(الشرح) قال في اللسان: السرية الجارية المتخذة للملك والجماع فعلية منه على تغير النسب.
وقيل هي فعولة من السرو وقلبت الواو الاخيرة ياء طلب الخفة، ثم أدغمت الواو فيها فصارت ياء مثلها، ثم حولت الضمة كسرة لمجاورة الياء، وقد تسررت وتسريت على تحويل التضعيف.
وقال أبو الهيثم.
السر الزنا والسر الجماع.
واختلف أهل اللغة في الجارية التى يتسراها مالكها لم سميت سرية، فقال بعضهم نسبت إلى السر وهو الجماع، وضمت السين للفرق بين الحرة والامة توطأ فيقال للحرة إذا نكحت سرا أو كانت فاجرة سرية، وللملوكة يتسراها صاحبها سرية مخافة اللبس.
وقال أبو الهيثم: السر السرور فسميت الجارية سرية لانها موضع سرور الرجل.
وقال وهذا أحسن ما قيل فيها.
وقال الليث: السرية فعلية من قولك تسررت.
ومن قال لتسريت فإنه غلط.

قال الازهرى: هو الصواب، والاصل تسررت، ولكن لما توالت ثلاث راءات أبدلوا إحداهن ياء، كما قالوا تظنيت من الظن، وقصيت أظفاري والاصل قصصت، وإنما ضمت سينه.
لان الا بينة قد تغير في النسبة خاصة، كما قالوا في النسبة إلى الدهر دهري وإلى الارض السهلة سهلى، والجمع السرارى وفي حديث عائشة وذكر لها المتعة فقالت " والله مانجد في كتاب الله إلا النكاح والاستسرار " تريد اتخاذ السرارى، وكان القياس الاستسراء من تسريت إذا إتخذت سرية، لكنها ردت الحرف إلى الاصل، وهو تسررت من السر النكاح وهو السرور، فأبدلت إحدى الراءات ياء وفي حديث سلامة: فاسترني أي اتخذني سرية، والقياس أن تقول.
تسررنى أو تسرانى، فأما استسرني فمعناه ألقى إلى سره.
وأما قول المصنف من الظهر فعلى وجهه ولم أره في اللسان أما الاحكام فإنه إذا حلف لاتسريت ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) حنث بوطئ الجارية، وبه قال أبو الخطاب من أصحاب أحمد (والثاني) لا يحنث إلا بتحصينها وحجبها عن الناس، لان التسرى مأخوذ من الصر، وبه قال أبو حنيفة.
والوجه الثالث لا يحنث إلا بالتحصين والوطئ والانزال.
وقال القاضي من أصحاب أحمد: لا يحنث حتى يطأ فينزل فحلا كان أو خصيا ووجه الاول أنه مأخوذ من السر - ويؤخذ على المصنف التعبير عن هذا الوجه بقيل، مع أنه أحرى من الظهر.
قال تعالى " ولكن لا تواعدوهن سرا " وقال الشاعر: فلن تطلبوا سرها للغنى ولن تسلموها لازدهادها وقال آخر: ألا زعمت بسباسة اليوم اننى كبرت وألا يحسن السر أمثالى (مسألة) إذا حلف ألا مال له وله دين حال حنث لوجوب الزكاة فيه،

وهو قول الحنابلة ومالك.
وقال أبو ثور وأصحاب الرأى لا يحنث، كما لو قضاء دينه فجاءت النقود زيوفا وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يملك مالا حنث يملك كل ما يسمى مالا، سواء كان من الاثمان أو غيرها من العقار والاثاث والحيوان.
وعن أحمد أنه إذا نذر الصدقة بجميع ماله إنما يتناول نذره الصامت من ماله، ذكرها ابن أبي موسى: لان إطلاق المال ينصرف إليه وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا ان ملك مالا زكويا استحسانا.
لان الله تعالى قال " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم " فلم يتناول الا الزكوية ولنا أن غير الزكوية أموال: قال الله تعالى أن تبتغوا بأموالكم " وهى مما يجوز ابتغاء النكاح بها.
وقال أبو طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم: أن أحب أموالي إلى بنيرحاء.
يعنى حديقة.
وقال عمر: أصبت مالا بأرض خبير لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ.
وقال أبو قتادة اشتريت مخرفا فكان أول مال تأثلته وفي الحديث " خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة " ويقال " خير المال عين قرارة في أرض خوارة " ولانه يسمى مالا فحنث به كالزكوي.
وأما قوله " وفي أموالهم حق " فالحق ههنا غير الزكاة: لان هذه الآية مكية نزلت قبل فرض الزكاة فإن الزكاة انما فرضت بالمدينة ثم لو كان الحق الزكاة فلا حجة فيها، فإن الحق إذا كان في بعض المال فهو في المال، كما أن من هو في بيت من دار أو في بلدة فهو في الدار والبلدة.
قال تعالى " وفي السماء رزقكم وما توعدون ولا يلزم أن يكون في كل أقطارها.
ثم لو اقتضى هذا العموم لوجب تخصيصه: فإن ما دون النصاب مال ولا زكاة فيه.
فإن حلف لامال له وله دين حنث وقال أبو حنيفة لا يحنث لانه لا ينتفع به دليلنا أنه ينعقد عليه حول الزكاة ويصح اخراجها عنه ويصح التصرف فيه بالابراء والحوالة والمعاوضة عنه لمن هو في ذمته والتوكيل في استيفائه فيحنث به كالمودع (فرع) ان كان له مال مغصوب حنث لانه باق على ملكه، فإن كان له مال ضائع أو ضال ففيه، جهان (أحدهما) يحنث، لان الاصل بقاؤه على ملكه

(والثاني) لا يحنث لانه لا يعلم بقاؤه.
وإن ضاع على وجه قد يئس من عوده كالذي يسقط في بحر لم يحنث، لان وجوده كعدمه، ويحتمل ألا يحنث في كل مال لا يقدر على أخذه كالمجحود والمغصوب والذي على غير ملئ لانه لانفع فيه وحكمه حكم المعدوم في جواز الاخذ من الزكاة، وانتفاء وجوب أدائها.
وقد مضى في الزكاة للامام النووي مزيد بحث وتفصيل (فرع) إذا تزوج لم يحنث لان ما يملكه ليس مالا، وإن وجب له حق شفعة لم يحنث لانه لم يثبت له الملك به.
وإن استأجر عقارا أو غيره لم يحنث لانه لا يسمى مالك لمال، وما بقى من الفصول فعلى وجهه

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن حلف لا يكلم فلانا حينا أو دهرا أو حقبا أو زمانا بر بأدنى زمان، لانه اسم للوقت، ويقع على القليل والكثير، وإن حلف لا يكلمه مدة قريبة أو مدة بعيدة بر بأدنى مدة، لانه ما من مدة إلا وهى قريبة بالاضافة إلى ما هو أبعد منها، بعيدة بالاضافة إلى ما هو أقرب منها (فصل) وان حلف لا يستخدم فلانا فخدمه وهو ساكت لم يحنث، لانه حلف على فعله وهو طلب الخدمة ولم يوجد ذلك منه، وإن حلف لا يتزوج أو لا يطلق فأمر غيره حتى تزوج له أو طلق عنه لم يحنث، لانه حلف على فعله نفسه ولم يفعل.
وإن حلف لا يبيع أو لا يضرب فأمر غيره ففعل - فإن كان ممن يتولى ذلك بنفسه - لم يحنث لما ذكرناه، وإن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه كالسلطان فالمنصوص أنه لا يحنث.
وقال الربيع: فيه قول أخر أنه يحنث، ووجه أن العرف في حقه أن يفعل ذلك عنه بأمره، واليمين يحمل على العرف، ولهذا لو حلف لا يأكل الرؤوس حملت على رءوس الانعام، والصحيح هو الاول، لان اليمين على فعله والحقيقة لا تنتقل بعادة الحالف، ولهذا لو حلف السلطان أنه لا يأكل الخبز أو لا يلبس الثوب فأكل خبز الذرة ولبس عباءة حنث.
وإن لم يكن ذلك من عادته

وإن حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه ففيه طريقان (أحدهما) أنه على القولين كالبيع والضرب في حق من يتولاه بنفسه (والثاني) أنه يحنث قولا واحدا، لان العرف في الحلق في حق كل أحد أن يفعله غيره بأمره ثم يضاف الفعل إلى المحلوق.

(فصل) وإن حلف لايدخل دارين فدخل احداهما، أو لا يأكل رغيفين فأكل أحدهما، أو لا يأكل رغيفا فأكله الا لقمة، أولايأكل رمانة فأكلها الا حبة، أو لا يشرب ماء حب فشربه الا جرعة: لم يحنث لانه لم يفعل المحلوف عليه.
وان حلف لا يشرب ماء هذا النهر أو ماء هذه البئر ففيه وجهان (أحدهما) وهو قول أبى العباس أنه يحنث بشرب بعضها، لانه يستحيل شرب جميعه فانعقدت اليمين على مالا يستحيل وهو شرب البعض (والثاني) وهو قول أبى أسحاق أنه لا يحنث بشرب بعضه لانه حلف على شرب جميعه فلم يحنث بشرب بعضه، كما لو حلف على شرب ماء في الحب (فصل) وان حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وعمرو لم يحنث لانه ليس فيه شئ يمكن أن يشار إليه ان اشتراه زيد دون عمرو فلم يحنث وان اشترى كل واحد منهما طعاما ثم خلطاه فأكل منه ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه لا يحنث لانه ليس فيه شئ يمكن أن يقال هذا الطعام اشتراه زيد دون عمرو، فلم يحنث، كما لو اشترياه في صفقة واحدة (والثاني) أنه ان أكل النصف فما دونه لم يحنث، وان أكل أكثر من النصف حنث، لان النصف فما دونه يمكن أن يكون مما اشتراه عمرو فلم يحنث بالشك.
وفيما زاد يتحقق أنه أكل مما اشتراه زيد (والثالث) وهو قول أبى اسحاق أنه ان أكل الحبة والعشرين حبة لم يحنث لجواز أن يكون مما اشتراه عمرو، وان أكل الكف والكفين حنث، لانه يستحيل فيما يختلط أن يتميز في الكف والكفين ما اشتراه زيد عما اشتراه عمرو (فصل) وان حلف لا يدخل دار زيد فحمله غيره باختياره فدخل به حنث لان الدخول ينسب إليه كما ينسب إذا دخلها راكبا على البهيمة أو دخلها برجله

فإن دخلها ناسيا لليمين أو جاهلا بالدار، أو أكره حتى دخلها ففيه قولان (أحدهما) يحنث لانه فعل ما حلف عليه فحنث (والثاني) لا يحنث وهو الصحيح لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " ولان حال النسيان والجهل، والاكراه لايدخل في اليمين كما لايدخل في الامر والنهى في خطاب الله عز وجل وخطاب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِذَا لم يدخل في اليمين لم يحنث به، وإن حمله غيره مكرها حتى دخل به ففيه طَرِيقَانِ، مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ، كما لو أكره حتى دخلها بنفسه، لانه لما كان في حال الاختيار دخوله بنفسه ودخوله محمولا واحدا، وجب أن يكون في حال الاكراه دخوله بنفسه ودخوله محمولا واحدا ومنهم من قال لا يحنث قولا واحدا، لان الفعل إنما ينسب إليه، إما بفعله حقيقة أو بفعل غيره بأمره مجازا، وههنا لم يوجد واحد منهما فلم يحنث (الشرح) الحين الوقت، والدهر الامد الممدود، وقيل الدهر ألف سنة، قال ابن سيدة: وقد حكى فيه الدهر بفتح الهاء، فإما أن يكون الدهر والدهر لغتين كما ذهب إليه البصريون في هذا النحو فيقتصر على ما سمع منه، وإما أن يكون ذلك لمكان حروف الحق فيطرد في كل شئ، كما ذهب إليه الكوفيون قال أبو النجم: وجبلا طال معدا فاشمخر أشم لايسطيعه الناس الدهر قال ابن سيده: وجمع الدهر دهر ودهور.
وكذلك جمع الدهر، لانا لم نسمع أدهارا، ولاسمعنا فيه جمعا الا ما قدمنا من جمع دهر دهر.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم " لاتسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " فمعناه أن ما أصابك من الدهر فالله فاعله ليس الدهر، فإذا شتمث به الدهر فكأنك أردت به الله.
قال الجوهرى: لانهم كانوا يضيفون النوازل إلى الدهر، فقيل لهم " لاتسبوا فاعل ذلك بكم فإن ذلك هو الله تعالى، وفي رواية " فإن الدهر هو الله تعالى "

قال الازهرى، قال أبو عبيد قوله " فإن الله هو الدهر " مما لا ينبغى لاحد من أهل الاسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن المعطلة يحتجون به على المسلمين، قال ورأيت بعض من يتهم بالزندقة أو الدهرية يحتج بهذا الحديث وقول، ألا تراه يقول فإن الله هو الدهر؟ قال فقلت وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر وقد قال الاعشى في الجاهلية استأثر الله بالوفاء وبال محمد وول الملامة الرجلا وقال الازهرى، قال الشافعي الحين يقع على مدة الدينا: ويوم قال ونحن لا نعلم للحين غاية، وكذلك زمان ودهر وأحقاب.
ذكر هذا في كتاب الايمان حكاه المزني في مختصره عنه.
وقال شمر الزمان والدهر واحد وأنشد إن دهرا يلف حبلى بجمل لزمان يهم بالاحسان فعارض شمرا خالد بن يزيد وخطأه في قوله " الزمان والدهر واحد " وقال الزمان زمان الرطب والفاكهة وزمان الحر وزمان البرد، ويكون الزمان شهرين إلى ستة أشهر والدهر لا ينقطع.
قال الازهرى يقع عند العرب على بعض الدهر الاطول، ويقع على مدة الدنيا كلها.
قال وقد سمعت غير واحد من العرب يقول أقمنا على ماء كذا وكذا دهرا، دارنا التي حللنا بها تحملنا دهرا، وإذا كان هذا هكذا جاز أن يقال الزمان والدهر واحد في معنى، قال والسنة عند العرب أزمنة، ربيع وقيظ وخريف وشتاء، ولايجوز أن يقال الدهر أربعة أزمنة، فهما يفترقان وروى الازهرى بسنده عن أبى بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قال " ألا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض السنة إثنا عشر شهرا أربعة منها حرم، ثلاثة منها متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مفرد " قال الازهرى أراد بالزمان الدهر.
وقوله " ماء حب " الحب الخابية فارسي معرب وهو السرداب أما الاحكام فإنه إذا حلف ألا يكلمه حينا فإنه يبر بأدنى زمن، لانه لاقدر له، ولانه اسم مبهم يقع على القليل والكثير.
قال تعالى " ولتعلن نبأه بعد حين "

قيل أراد يوم القيامة.
وقال (هل أتى على الانسان حين من الدهر؟) وقال تعالى فذرهم في غمرتهم حتى حين) وقال (حين تمسون وحين تصبحون) ويقال منذ حين وإن كان أتاه من ساعة.
وبهذا قال أبو ثور وقال أحمد: إذا حلف لا يكلمه حينا - فإن قيد ذلك بلفظه أو بنيته بزمن - تقيد به.
وإن أطلقه انصرف إلى ستة أشهر.
روى ذلك عن أبن عباس، وهو قول أصحاب الرأى.
وقال مجاهد والحكم وحماد ومالك " هو سنة " لقوله تعالى (تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها) أي كل عام وقال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله تعالى " تؤتى أكلها كل حين " إنه ستة أشهر، فيحمل مطلق كلام الآدمى على مطلق كلام الله تعالى.
فإن حلف لا يكلمه حقبا، فإنه ينصرف إلى أدنى زمان كالحين، وبه قال القاضي من أصحاب أحمد.
وقال أكثر أصحابه وفيهم ابن قدامة: إن حلف لا يكلمه حقبا فذلك ثمانون عاما، لما روى عن أبن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى " لابثين فيها أحقابا " الحقب ثمانون سنة.
وفي قوله تعالى عن موسى " أو أمضى حقبا " ما يجعل كونه ثمانين سنة بعيدا لان موسى لم يعس بعد هذا مثل هذا القدر، فضلا عن مضاعفته أضعافا كثيرة " حقبا " إذا ثبت هذا فإنه إذا حلف لا يكلمه زمنا أو وقتا أو دهرا أو عمرا أو مليا أو طويلا أو بعيدا أو قريبا بر بالقليل والكثير.
وبه قال أبو الخطاب من الحنابلة لان هذه الاسماء لاحد لها في اللغة، وتقع على القليل والكثير، فوجب حمله على أقل ما يتناوله اسمه، وقد يكون التقريب بعيدا بالنسبة لما هو أقرب منه، وقريبا بالنسبة لما هو أبعد منه، ولايجوز التحديد بالتحكم، وإنما يصار إليه بالتوقيف ولا توقيف ههنا، فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما يتناوله الاسم.
وقال ابن أبى موسى: الزمان ثلاثة أشهر.
وقال طلحة العاقولي: الحين والزمان والعمر واحد، لانهم لا يفرقون في العادة بينهما، والناس يقصدون بذلك التبعيد فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف

وقال في بعيد وملى وطويل: هو أكثر من شهر، وهذا قول أبي حنيفة: لان ذلك ضد القليل قال: ولايجوز حمله على ضده، ولو حمل العمر على أربعين سنة كان حسنا لقوله تعالى مخبرا عن نبيه " فقد لبثت فيكم عمرا من قبله " وكان أربعين سنة ولان العمر في الغالب لا يكون إلا مدة طويلة فلا يحمل على خلاف ذلك (فرع) إذا حلف لا يكلمه الدهر أو الابد أو الزمان كذلك على الابد، لان ذلك بالالف واللام وهى للاستغراق فتقتضى الدهر كله.
(مسألة) إذا حلف لا يستخدم فلانا فخدمه وهو ساكت لم يأمره ولم ينهه لم يحنث، لانه حلف على فعل نفسه، ولا يحنث على فعل غيره كسائر الافعال، وقال أبو حنيفة: إذا كان خادمه حنث، وإن كان خادم غيره لم يحنث، وبه قال القاضى من أصحاب أحمد، لان خادمه يخدمه بحكم استحقاقه ذلك عليه، فيكون معى يمينه، لامنعنك خدمتي، فإذا لم ينهه لم يمنعه فيحنث وخادم غيره بخلافه، وقال أبو الخطاب: يحنث في الحالين لان إقراره على الخدمة استخدام، ولهذا يقال فلان يستخدم عبده إذا خدمه وإن لم يأمره، ولان ما حنث به في خادمه حنث به في غيره كسائر الاشياء.
(مسألة) مضى كلامنا فيمن حلف على شيئين أو أكثر ففعل بعض ذلك هل يحنث؟ وشرحنا الخلاف في ذلك كمن حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وعمرو لا يحنث، وقال أحمد وأبو حنيفة ومالك يحنث، فإن حلف لا يلبس من غزل فلانة فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها حنث، وبه قال أحمد، وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها فلبس من غزلها وغزل غيرها فإنه لا يحنث، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، لانه لم يلبس ثوبا كاملا من غزلها، أما في الطعام فعلى وجهين مضيا في الفصول آنفا.
(مسألة) إذا حلف لايدخل دارا فحمل فأدخلها باختياره حنث، فإن لم يكن باختياره ولم يمكنه الامتناع لم يحنث، نص عليه أحمد في رواية أبى طالب، وهو قول أبى ثور وأصحاب الرأى ولا نعلم فيه خلافا، وذلك لان الفعل غير حاصل منه ولا منسوب إليه، وإن حمل بأمره فأدخلها حنث، لانه دخلها مختارا

فأشبه ما لو دخلها راكبا وان حمل بغير أمره ولكنه أمكنه الامتناع فلم يمتنع حنث أيضا لانه دخلها غير مكره فأشبه ما لو حملها بأمره، فإن أكره بالضرب ونحوه على دخولها فدخلها لم يحنث في أحد القولين عندنا، وهو أحد الوجهين عند أصحاب أحمد.
(والقول الثاني) يحنث وهو الوجه الثاني عند الحنابلة، وهو قول أصحاب الرأى ونحوه قول النخعي لانه فعل ما حلف على تركه ودخلها.
ووجه الاول قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " ولانه دخلها مكرها فأشبه ما لو حمل مكرها.
إذا ثبت هذا: فإنه إذا حلف أن لا يشترى شيئا أو لا يضرب فلانا فوكل في الشراء والضرب، ففي قول أنه يحنث.
والصحيح أنه لا يحنث إلا إذا نوى بيمينه أن لا يستنيب أو يكون ممن لم تجر عادته بمباشرته، لان اطلاق أضافة الفعل يقتضى مباشرته بدليل أنه لو وكله في البيع لم يجز للوكيل توكيل غيره، وان حلف لا يبيع ولا يضرب فأمر من فعله - فإن كان ممن يتولى ذلك بنفسه لم يحنث.
وان كان ممن لا يتولاه كالسلطان، ففيه قولان.
وقال أحمد ومالك وأبو ثور ان حلف لا يفعل شيئا فوكل من فعله حنث الا أن ينوى مباشرته بنفسه.
(فرع) ان حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه فقيل لنا فيه قولان، وقيل يحنث قولا واحدا.
وقال أصحاب الرأى ان حلف لا يبيع فوكل غيره لم يحنث وان حلف لا يضرب ولا يتزوج فوكل غيره حنث.
وقال أحمد: ان الفعل يطلق على من وكل فيه وأمر به فيحنث به كما لو كان ممن لا يتولاه بنفسه وكما لو حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه، أو لا يضرب فأمر من ضرب عند أبى حنيفة، وقد قال تعالى " وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ " وقال " محلقين رؤسكم ومقصرين " وكان هذا متناولا للاستنابة فيه ولان المحلوف عليه وجد نائبه فحنث به كما لو حلف لايدخل دارا فأمر من حمله إليها فإذا نوى بيمينه المباشرة للمحلوف عليه أو كان سبب يمينه يقتضيها أو قرينة حال تخصص بها لان اطلاقه يقيد بنيته.

قال المصنف رحمه الله تعالى

(فصل) وان حلف ليأكلن هذا الرغيف غدا فأكله من الغدير في يمينه، لانه فعل ما حلف على فعله، وان ترك أكله في الغد حتى انقضى حنث لانه فوت المحلوف عليه باختياره، وان أكل نصفه في الغد حنث لانه قدر على أكل الجميع ولم يفعل، وان أكله في يومه حنث لانه فوت المحلوف عليه باختياره فحنث كما لو ترك أكله حتى انقضى الغد، وان حلف الرغيف في يومه أو في الغد قبل أن يتمكن من أكله ففيه قولان كالمكره، وان تلف من الغند بعد ما تمكن من أكله ففيه طريقان، من أصحابنا من قال يحنث قولا واحدا، لانه فوته باختياره.
ومنهم من قال فيه قولان لان جميع العند وقت للاكل فلم يكن تفويته بفعله فإن حلف ليقضينه حقه عند رأس الشهر مع رأس الشهر فقضاء قبل رؤية الهلال حنث لانه فوت القضاء باختياره، وإن رأى الهلال ومضى زمان أمكنه فيه القضاء فلم يقضه حنث، لانه فوت القضاء باختياره، وان أخذ عند رؤية الهلال في كيله وتأخر الفراغ منه لكثرته لم يحنث، لانه لم يترك القضاء، وان أخر عن أول ليلة الشك ثم بان أنه كان من الشهر ففيه قولان كالناسي والجاهل.
وان قال: والله لاقضين حقه إلى شهر رمضان فلم يقضه حتى دخل الشهر حنث، لانه ترك ما حلف على فعله من غير ضرر، وان قال والله لاقضين حقه إلى أول الشهر، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حكمها حكم ما لو قال والله لاقضين حقه إلى رمضان، لان لفظ " إلى " للحد والغاية، وان أخر القضاء حتى دخل الشهر حنث.
وقال أبو إسحاق حكمها حكم ما لو قال والله لاقضين حقه عند رأس الشهر وهو ظاهر النص، وان قضاء قبل رؤية الهلال حنث، وان رأى الهلال ومضى وقت يمكن فيه القضاء ثم قضاه حنث، لان " إلى " قد تكون للغاية كقوله عز وجل " ثم أتموا الصيام إلى الليل " وقد تكون بمعنى " مع " كقوله تعالى " من أنصارى إلى الله " والمراد به مع الله: وكقوله عز وجل " وأيديكم إلى المرافق "

والمراد به مع المرافق، فلما احتمل أن تكون للغاية، واحتمل أن تكون للمقارنة لم يجز أن نحنثه بالشك، ويخالف قوله: والله لاقضين حقه إلى رمضان لانه لا يحتمل أن تكون للمقارنة، لانه لا يمكن أن يقارن القضاء في جميع شهر رمضان فجعلناه للغاية.
(الشرح) قوله وإن أكله في يومه حنث، وهذا صحيح كمن حلف أن يقضيه حقه في وقت فقضاه قبله فإنه يحنث، لانه ترك ما حلف عليه مختارا فحنث كما لو قضاه بعده، وقال أحمد وأبو حنيفة ومحمد وأبو ثور فيمن قضاه قبله لا يحنث، لان مقتضى هذا اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد، فإذا قضاه قبله فقد قضى قبل خروج الغد وزاد خيرا.
ولنا أنه لا يبرالا إذا قضاه من الغد فلا يبر بقضائه قبله كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجبا، وفرق ابن قدامة بين قضاء الحق وغيره كأكل شئ أو شربه أو بيع شئ أو شرائه أو ضرب خادم ونحوه فمتى عين وقته ولم ينو ما يقتضى تعجليه ولا كان سبب يمينه يقتضيه لم يبر الا بفعله في وقته.
(فرع) إذا فعل بعض المحلوف عليه قبل وقته وبضعه في وقته لم يبر: لان اليمين في الاثباث لايبر فيها الا بفعل جميع المحلوف عليه فترك بعضه في وقته كترك جميعه الا أن يصرح ألا يجاوز ذلك الوقت أو يقتضى ذلك سببها.
(فرع) إذا حلف ليقضيه دينه عند رأس الهلال أو مع رأسه أو عند رأس الشهر أو مع رأسه فقضاه عند غروب الشمس من ليلية الشهر بر في يمينه، وان أخر ذلك مع امكانه حنث، وان شرع في عده أو كيله أو وزنه فتأخر القضاء لكثرته لم يحنث، لانه لم يترك القضاء، وكذلك إذا حلف ليأكلن هذا الطعام في هذا الوقت فشرع في أكله فيه فتأخر الفراغ لكثرته لم يحنث، لان أكله كله غير ممكن في هذا الوقت اليسير، فكانت يمينه على الشروع فيه في ذلك الوقت أو على مقارنة فعله لذلك الوقت للعلم بالعجز عن غير ذلك، ومذهب أحمد بن حنبل في هذا كله كمذهبنا.
وقوله " إلى الليل " إلى غاية فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل

في حكمه، كقولك اشتريت المجموع من الاول إلى الثامن عشر، والمبيع أجزاء المجموع، فإن الثامن عشر داخل فيها، بخلاف قولك اشتريت الفدان إلى الدار، فالدار لا تدخل في المبيع المحدود، إذ ليست من جنسه، فشرط الله تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل كما جوز الاكل حتى يتبين النهار وقوله " إلى المرافق " فقد اختلف الناس في دخول المرافق في التحديد، فقال قوم تدخل لانها من نوع ما قبلها، قاله سيبويه وغيره.
وقيل لايدخل المرفقان في الغسل.
وهذا خطأ وقال بعضهم إن إلى بمعنى مع، كقولهم " الذود إلى الذود إبل " أي مع الذود وقال تعالى " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " فقالت طائفة من المتأخرين إن إلى هنا بمعنى مع، كقوله تعالى " من أنصارى إلى الله " وأنشد العتبى: يسدون أبواب القباب بضمر إلى عنن مستوثقات الاواصر وقال الحذاق: إلى على بابها وهى تتضمن بالاضافة، أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن كان له على رجل حق فقال له: والله لا فارقتك حتى أستوفى حقي، ففر منه الغريم لم يحنث الحالف، وقال أبو على بن هريرة ففيه قولان كالقولين في المكره، وهذا خطأ، لانه حلف على فعل نفسه ولم يوجد ذلك منه ولو قال والله لا فارقتني حتى أستوفى حقي منك ففارقه الغريم مختارا ذاكرا لليمين حنث الحالف، وان فارقه مكرها أو ناسيا ففيه طريقان، من أصحابنا من قال هي على القولين في المكره والناسى.
ومنهم من قال يحنث الحالف قولا واحدا لان الاختيار والقصد يعتبر في فعل الحالف لا في فعل غيره، والصحيح هو الاول، وأنه يعتبر في فعل من حلف على فعله، وان كانت اليمين على فعل الحالف اعتبر الاختيار والقصد في فعله، وان كانت على فعل غيره أعتبر الاختيار والقصد في فعله، وان فارقه الحالف لم يحنث، لان اليمين على فعل الغريم ولم يوجد منه فعل.

وإن حلف لا يفارقه غريمه حتى يستوفى حقه منه ثم أفلس وفارقه لما يعلم من وجوب إنظار المعسر حنث، لانه فعل المحلوف عليه مختارا ذاكرا لليمين فحنث، وإن وجب الفعل بالشرع، كما لو حلف لارددت عليك المغصوب فرده حنث، وإن وجب الرد بالشرع، فإن ألزمه الحاكم مفارقته فعلى قولين (فصل) وإن حلف لا يفارقه حتى يستوفى حقه منه فأحاله على غيره أو أبرأه من الدين أو دفع إليه عوضا عن حقه، حنث في اليمين، لانه لم يستوف حقه.
وإن كان حقه دنانير فدفع إليه شيئا على أنه دنانير فخرج نحاسا فعلى القولين في الجاهل.
وإن قال من عليه الحق والله لا فارقنك حتى أدفع اليك مالك وكان الحق عينا فوهبنا منه فقبله حنث، لانه فوت الدفع بقبوله، وإن كان دينا فأبرأه منه وقلنا إنه لا يحتاج الابراء إلى القبول على الصحيح من المذهب، فعلى الطريقين فيمن حلف لايدخل الدار فحمل إليها مكرها.
(الشرح) إذا قال والله لافارقنك حتى أستوفى حقى منك فهرب منه لم يحنث وبه قال أحمد.
وقد ذهب الفقهاء في هذه الصورة إلى عشر مسائل: 1 - أن يفارقه الحالف مختارا فحينث بلا خلاف، سواء أبراه من الحق أو فارقه والحق عليه لانه فارقه قبل استيفاء حقه منه.
2 - فارقه مكرها فينظر - فإن حمل مكرها حتى فرق بينهما لم يحنث، وإن أكره بالضرب والتهديد ففيه طريقان، فمن أصحابنا من قال هي على القولين فيمن حلف لايدخل الدار، فلم يحمل وإنما ضرب حتى دخل على قدميه، وفصل بعض الحنابلة كأبى بكر فقال: يحنث بالضرب والتهديد، وفي الناسي تفصيل 3 - هرب منه العزيم بغير اختياره فإنه لا يحنث، وبهذا قال أحمد في احدى الروايتين عنه ومالك وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى.
وقال أحمد في الرواية الثانية يحنث لان معنى يمينه ألا تحصل بينهما فرقة وقد حصلت دليلنا أنه حلف على فعل نفسه في الفرقة، وما فعل ولا فعل باختياره فلم يحنث كما لو حلف لاقمت فقام غيره

4 - أذن الحالف له في الفرقة ففارقه لا يحنث.
وقال الخرقى يحنث.
وذلك كمفهوم ابن قدامة، وفهم القاضى من كلامه أنه لا يحنث لانه لم يفعل الفرقة التي حلف أنه لا يفعلها 5 - فارقه من غير اذن ولا هرب على وجه يمكنه ملازمته والمشي معه فلم يفعل فالحكم كالذي قبله.
6 - قضاه قدر حقه ففارقه ظنا منه أنه وفاه فخرج رديئا أو بعضه فيخرج في الحنث قولان بناء على الناسي، ولاحمد روايتين كالقولين (أحدهما) يحنث وهو قول مالك، لانه فارقه قبل استيفاء حقه مختارا (والثاني) لا يحنث، وهو قول أبى ثور وأصحاب الرأى إذا وجدها زيوفا.
وان وجد أكثرها نحاسا فإنه يحنث وان وجدها مستحقة فأخذها صاحبها خرج أيضا على القولين في الناسي لانه ظان أنه مستوف حقه فأشبه ما لو وجدها رديئة وقال أبو ثور وأصحاب الرأى: لا يحنث.
وإن علم بالحال ففارقه حنث، لانه لم يوفه حقه.
7 - فلفسه الحاكم ففارقه نظرت - فإن ألزمه الحاكم فهو كالمكره، وان لم يلزمه مفارقته لكنه فارقه لعلمه بوجوب مفارقته حنث، لانه فارقه من غير إكراه فحنث، كما لو حلف لا يصلى فوجبت عليه صلاة فصلاها 8 - أحاله الغريم بحقه ففارقه فإنه يحنث، وبهذا قال أحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يحنث لانه قد برئ إليه منه، ووجه المذهب عندنا انه ما استوفى حقه منه بدليل أنه لم يصل إليه شئ، ولذلك يملك المطالبة به فحنث كما لو لم يحله، فإن ظن أنه قد بر بذلك ففارقه خرج على القولين، والصحيح أنه يحنث لان الجهل بحكم الشرع لا يسقط عنه الحنث: كما لو جهل كون هذه اليمين موجبة للكفارة فأما ان كانت يمينه لا فارقتك ولى قبلك حق فأحاله به ففارقه لم يحنث لانه لم يبق له قبله حق.
وان أخذ به ضمينا أو كفيلا أو رهنا ففارقه حنث بلا اشكال لانه يملك مطالبة الغريم.
9 - قضاه عن حقه عوضا عنه ثم فارقه فإنه يحنث لان يمينه على نفس

الحق وهذا بدله، وقال أبو حنيفة وابن حامد: لا يحنث.
وإن كانت يمينه لا فارقتك حتى تبرأ من حقي: أولى قبلك حق لم يحنث وجها واحدا، لانه لم يبق له قبله حق.
وهذا أحد القولين عند أصحاب أحمد.
10 - وكل وكيلا يستوفى له حقه، فإن فارقه قبل استيفاء أو كيل حنث لانه فارقه قبل استيفاء حقه، وإن استوفى الوكيل ثم فارقه لم يحنث، لان استيفاء وكليه استيفاء له يبرأ به غريمه ويصير في ضمان الموكل (مسألة) إن قال: لا فارقتني حتى أستوفى حقى منك نظرت - فإن فارقه المحلوف عليه مختارا - حنث.
وإن أكره على فراقه لم يحنث، وإن فارقه الحالف مختارا لم يحنث كذا وقد مضى.
فإن حلف لا فارقتك حتى أوفيك حقك فأبرأه الغريم منه فهل يحنث؟ على قولين بناء على المكره بالضرب، وعند الحنابلة وجهان، وإن كان الحق عينا فوهبها له الغريم فقبلها حنث، لانه ترك إيفاءها له باختياره، وإن قبضها منه ثم وهبها إياه لم يحنث، وان كانت يمينه لا فارقتك ولك قبلى حق لم يحنث إذا أبرأه أو هب العين له.
والفرقة في هذا كله ما عده الناس فراقا في العادة، وقد مضى في البيوع وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى

باب كفارة اليمين إذا حلف بالله تعالى وحنث وجبت عليه الكفارة، لما روى عبد الرحمن بن سمرة قَالَ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عبد الرحمن بن سمرة لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مسألة وكلت إليها، وان أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وان حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك " وان حلف على فعل مرتين بأن قال والله لا دخلت الدار، والله لا دخلت الدار، نظرت فإن نوى بالثاني التأكيد لم يلزمه الا كفارة واحدة، وان نوى الاستئناف ففيه قولان، أحدهما يلزمه كفارتان لانهما يمينان بالله عزوجل،

فتعلق بالحنث فيهما كفارتان، كما لو كانت على فعلين (والثاني) تجب كفارة واحدة وهو الصحيح.
لان الثانية لا تفيد الا ما أفادت الاولى فلم يجب أكثر من كفارة، كما لو قصد بها التأكيد.
وإن لم يكن له نية فإن قلنا انه إذا نوى الاستئناف لزمته كفارة واحدة فههنا أولى.
وان قلنا هناك تجب كفارتان ففي هذا قولان بناء على القولين فيمن كرر لفظ الطلاق ولم ينو.

(فصل) والكفارة اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة.
وهو مخير بين الثلاثة.
والدليل عليه قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة " فإن لم يقدر على الثلاثة لزمه صيام ثلاثة أيام لقوله عز وجل " فمن لم يجد فصيام ثلاثه أيام " فإن كان يكفر بالمال فالمستحب أن لا يكفر قبل الحنث لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يجيز تقديم الكفارة على الحنث.
وان أراد أن يكفر بالمال قبل الحنث نظرت - فإن كان الحنث بغير معصية - جاز تقديم الكفارة لانه حق مال يتعلق بسببين يختصانه.
فإذا وجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر كالزكاة قبل الحول.
وان كان الحنث بمعصية ففيه وجهان أحدهما يجوز لما ذكرناه والثاني لا يجوز لانه يتوصل به إلى معصية واختلف أصحابنا في كفارة الظهار قبل العود.
وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الموت.
فمنهم من قال فيه وجهان كما قلنا في اليمين على معصية.
ومنهم من قال يجوز لانه ليس فيه توصل إلى معصية.
وان كان يكفر بالصوم لم يجز قبل الحنث لانها عبادة تتعلق بالبدن لا حاجة به إلى تقديمها.
فلم يجز تقديمها على الوجوب كصوم رمضان.

(فصل) ان أراد أن يكفر بالعتق لم يجز الا بما يجوز في الظهار وقد بيناه.
وان أراد أن يكفر بالاطعام أطعم كل مسكين مدا كما يطعم في الظهار وقد بيناه.

(الشرح) حديث عبد الرحمن بن سمرة أخرجه البخاري في النذور عن أبى النعمان وفيه " ولا تحلفوا بالطواغى ولا بآبائكم " وفي الاحكام عن حجاج ابن منهال وعن أبى معمر.
وفي الكفارات عن محمد بن عبد الله.
وأخرجه مسلم في الايمان والنذور عن شيبان بن فروخ وعن أبى بكر بن أبى شيبة وفي المغازى عن شيبان.
وأخرجه أبو داود في الايمان والنذور عن محمد بن الصباح.
وأخرجه الترمذي في الايمان والنذور عن محمد بن عبد الاعلى.
وأخرجه النسائي في الايمان والنذور عن عمرو بن على وعن محمد بن عبد الاعلى وعن محمد بن يحيى وعن زياد بن أيوب.
وعن أحمد بن سليمان وعن محمد بن قدامة.
وأخرجه ابن ماجه في الكفارات عن أبى بكر بن أبي شيبة.
وللحديث طرق عن غير عبد الرحمن بن سمرة بمعناه عن عدى بن حاتم عند مسلم بلفظ " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير " وفي لفظ " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " رواه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه وعن أبى هريرة عند أحمد ومسلم والترمذي وصححه بلفظ " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذى هو خير وفي لفظ لمسلم " فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " وعن أبى موسى مرفوعا عند أحمد البخاري ومسلم بلفظ " لاأحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها " وفى لفظ " إلا كفرت عن يمينى وفعلت الذى هو خير وفي لفظ إلا أتيت الذى هوخيرو كفرت عن يمينى وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عند النسائي وأبى داود مرفوعا " لا نذر ولا يمين فيما لا تملك ولا في معصية ولا في قطيعة رحم " وقال أبو داود.
الاحاديث كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم " وليكفر عن يمينه إلا ما لا يعبأ به " وقال الحافظ بن حجرفي الفتح.
ورواته - يعنى حديث عمرو بن شعيب - لا بأس بهم، لكن اختلف في سنده على عمرو، وفي بعض طرقه عند أبى داود " ولا في معصية "

أما الاحكام فإن الاصل في كفارة اليمين الكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب فقول الله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم " وأما السنة فما مضى آنفا من أحاديث عبد الرحمن بن سمرة وغيره من الصحابة.
وقد أجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى، والاحاديث دالة على أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه.
فإن حلف على فعل واجب أو ترك حرام فيمينه طاعة والتمادى مستحب والحنث معصية، والعكس بالعكس وان حلف على فعل نفل فيمينه طاعة والتمادى مستحب والحنث مكروه وان حلف على ترك مندوب فبعكس الذى قبله.
وإن حلف على فعل مباح فإن كان يتجاذبه رجحان الفعل أو الترك، كما لو حلف لا يأكل طيبا ولا يلبس ناعما ففيه عندنا خلاف.
قال أبن الصباغ في الشامل - وصوبه المتأخرون - إن ذلك يختلف باختلاف الاحوال.
وإن كان مستوى الطرفين فالاصح أن التمادي أولى لانه قال " فليأت الذي هو خير " واختلف الائمة هل تتقدم الكفارة الحنث أم تأتى بعده؟ فاستدل القائلون بوجوب الكفارة قبل الحنث بقوله صلى الله عليه وسلم " فكفر عن يمينك ثم أئت الذي هو خير " وهذا الرواية صححها الحافظ في بلوغ المرام، وأخرج نحوها أو عوانة في صحيحه.
وأخرج الحاكم عن عائشة نحوها وأخرج الطبراني من حديث أم سلمة بلفظ " فأت الذي هو خير وكفر " لان الواو لاتدل على الترتيب إنما هي لمطلق الجمع، على أن الواو لو كانت تفيد ذلك لكانت الرواية التي بعدها " فكفر يمينك وأئت الذي هو خير " تخالفها وكذلك بقية الروايات التي حرصنا على إثباتها هنا قال ابن المنذر.
رأى ربيعة والاوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الامصار غير أهل الرأى أن الكفارة تجزى قبل الحنث، إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال لا يجزى الا بعد الحنث وقال أصحاب الرأى " لاتجزى الكفارة قبل الحنث " وعن مالك روايتان.

ووافق الحنفية أشهب المالكى وداود الظاهرى، وخالفه ابن حزم، واحتج الطحاوي لابي حنيفة بقوله تعالى (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم.
وقال القرطبى: اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزى أم لا؟ - بعد إجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن، وهو عندهم أولى - على ثلاثة أقوال (أحدها) يجزى مطلقا، وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزى بوجه، وهى رواية أشهب عن مالك.
ثم ذكر وجه الجواز فأتى بحديث أبى موسى، ثم ذكر وجه المنع فساق حديث عدي بن حاتم.
والقول الثالث وهو قول الشافعي " تجزى بالاطعام والكسوة ولا تجزئ الصوم، لان عمل البدن لا يقدم قبل وقته، ويجزئ في غير ذلك ككفارة الظاهر قبل العود، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الموت على أحد الوجهين عند أصحابنا.
وقال الحافظ بن حجر في الفتح وأولى من ذلك أن يقال التقدير أعم من ذلك فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر.
واحتجوا أيضا بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين ورده من أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقا، واحتجوا أيضا بأن الكفارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوع، فلا يقوم التطوع مقام المفروض، هكذا أفاده الشوكاني في النيل.
وقال القاضي عياض، اتفقوا على الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث.
أه واستحب مالك والاوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث، وهو مذهبا كما أثبته المصنف، وقال القاضى عياض ومنع بعض المالكية تقديم كفارة الحنث في المعصية لان فيه إعانة على المعصية، ورده الجمهور قال ابن المنذر، واحتج الجمهور بأن اختلاف ألفاظ الاحاديث لا يدل على تعين أحد الامرين، والذي يدل عليه أنه أمر الحالف بأمرين، فإذا أتى بهما

جميعا فقد فعل ما أمر به، وإذا دل الخبر على المنع فلم يبق إلا طريق النظر.
فاحتج للجمهور بأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام، فلان تحله الكفارة وهى فعل مالى أو بدنى أولى، ويرجح قولهم أيضا بالكثره.
وذكر القاضى عياض أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيا وتبعهم فقهاء الامصار إلا أبا حنيفة.
قال الشوكاني ان المتوجه للعمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم، ولولا الاجماع المحكى على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب.
وقال المازرى للكفارة ثلاث حالات، أحدها قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا، ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقا.
ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف.
وقد وقع في حديث عدى بن حاتم عند مسلم ما يوهم أن فعل الذي هو خير كفارته، فإنه أخرجه بلفظ " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه " هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ " فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير " ومداره في الطرق كلها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدى والذى أتى بالزيادة حافظ، وزيادة الحافظ معتمدة وقوله " من أوسط ما تطعمون " هو المتوسط ما بين قوت الشده والسعة وقد أخرج ابن ماجه عن سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبى المغيرة عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال " كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة فنزلت (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وقد ذكر الله تعالى في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها وعقب عند عدمها بالصيام، وبدأ بالطعام لانه كان الافضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير قال ابن عباس ما كان في كتات الله (أو) فهو مخير فيه، وما كان (فمن لم يجد) فالاول الاول.
هكذا ذكره الامام أحمد في التفسير.
قال القاضى ابن العربي، والذي عندي أنها تكون بحسب الحال، فإن علمت محتاجا فالطعام

أفضل، لانك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادى عشر إليهم.
وكذلك الكسوة تليه ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم.
اه وقوله تعالى (إطعام عشرة مساكين) الذي عندنا أنه يجب تمليك المساكين مايخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه، لقوله تعالى (وهو يطعم ولايطعم) وفي الحديث " أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس " وقال أبو حنيفة: لو غداهم وعشاهم جاز.
وهو اختيار ابن الماجشون من المالكية الذي قال: إن التمكين من الاطعام إطعام.
قال تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتميا وأسيرا) فبأى وجه أطعمه دخل في الآية وفي قدر الاطعام خلاف، فعندنا وعند مالك وأهل المدينة مد لكل واحد من المساكين العشرة إن كان بمدينة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ سليمان ابن يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الاصغر، ورأوا ذلك مجزئا عنهم، وهو قول ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، وبه قال عطاء بن أبى رباح، واختلف إذا كان بغيرها.
وقد سبق لنا في كفارة الظهار بيان مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه فارجع إليه.
أما قوله تعالى (من أوسط ما تطعمون أهليكم) روى أحمد في كتاب التفسير بإسناده عن ابن عمر قال " الخبز واللبن " وفي رواية عنه قال " الخبز والتمر والخبز والزيت والسمن " وقال أبو رزين " خبز وزيت وخل " وقال الاسود بن يزيد " الخبز والتمر " وعن على " الخبز والتمر، الخبز والسمن، الخبز واللحم.
وعن ابن سيرين قال: كانوا يقولون أفضله الخبز واللحم.
وأوسطه الخبز والسمن وأخمسه الخبز والتمر (قلت) لا يجزئ عندنا شئ من هذا كما مضى في كفارة الظهار وكفارة الصوم، حيث لا يجزئ دقيق ولاخبز ولا سويق، لانه خرج عن حالة الكمال والادخار ولا يجزئ في الزكاة فلم يجزئ في الكفارة كالقيمة، وقال ابن القاسم يجزئه المد بكل مكان وقال ابن المواز " أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف، وأشهب بمد وثلث " قال وان مدا وثلثا لوسط من عيش الامصار في الغداء والعشاء.

وقال أبو حنيفة " يخرج من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعا على حديث عبد الله بن ثعلبة بن صغير عن أبيه قَالَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم خطيبا فأمر بصدقة الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شعير عن كل رأس أو صاع بر بين اثنين، وبه أخذ سفيان وابن المبارك وروى عن على وعمر وابن عمر وعائشة رضى الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وهو قول فقهاء العراق كافة، لما رواه ابن عباس قال " كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك، فمن لم يجد فنصف صاع من بر من أوسط ما تطعمون أهليكم " أخرجه ابن ماجه.
وقال القرطبى ويخرج الرجل مما يأكل قال ابن العربي وقد زلت هنا جماعة من العلماء، فقالوا انه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج مما يأكل الناس، وهذا سهو بين، فإن المكفر إذا لم يستطيع في خاصة نفسه الا الشعير لم يكلف أن يعطى لغيره سواه، وقد قال صلى الله عليه وسلم " صاعا من طعام: صاعا من شعير " ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل، وهذا مما لاخفاء فيه وقال مالك إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه، وقال الشافعي لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة لانهم يختلفون في الأكل، ولكن يعطى كل واحد مدا وروى عن علي عليه السلام " لا يجزى إطعام العشرة وجبة واحدة " يعنى غداء دون عشاء أو عشاء دون غداء، فإذا لم يجد إلا مسكينا واحدا ردد عليه في كل يوم تتمة عشرة أيام، وبهذا قال أحمد وأبو ثور، وأجاز الاوزاعي دفعها إلى واحد، ويجوز دفعها لاهل بيت شديدي الحاجة عند أبى عبيد قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن أراد أن يكفر بالكسوة كسا كل مسكين ما يقع عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو رداء أو مقنعة أو خمار، لان الشرع ورد به مطلقا ولم يقدر فحمل على ما يسمى كسوة في العرف: وهل يجزى فيه القلنسوة؟ فيها وجهان (أحدهما) لا يجزئه لانه لا يطلق عليه اسم الكسوة (والثاني) أنه يجزئه

وهو قول أبى إسحاق المروزى، لما روى أن رجلا سأل عمران بن الحصين عن قوله تعالى (أو كسوتهم) قال لو أن وفدا قدموا على أميركم هذا فكساهم قلنسوة قلنسوة، قلتم قد كسوا، ولا يجزئ الخف والنعل والمنطقة والتكة، لانه لا يقع عليه اسم الكسوة، ويجزى الكساء والطيلان لانه من الكسوات، ويجوز ما اتخذ من القطن والكتان والشعر والصرف والخز، وأما الحرير فإنه إن أعطاه للمرأة أجزأه، وهل يجوز أن يعطى رجلا؟ فيه وجهان أحدهما لا يجزئ لانه يحرم عليه لبسه والثاني يجزئه وهو الصحيح، لانه يجوز أن يعطى الرجال كسوة النساء، والنساء كسوة الرجال، ويجوز فيه الخام والمقصور والبياض والمصبوغ.
فأما الملبوس فإنه إن ذهبت قوته لم يجزه، وإن لم تذهب قوته أجزأه كما تجزئه الرقبة إذا لم تبطل منفعتها ولا تجزئه إذا بطلت منفعتها (فصل) وإن أراد أن يكفر بالصيام ففيه قولان (أحدهما) لا يجوز إلا متتابعا لانه كفارة جعل الصوم فيها بدلا عن العتق فشرط في صومها التتابع ككفارة الظهار والقتل (والثاني) أنه يجوز متتابعا ومتفرقا، لانه صوم نزل به القرآن مطلقا فجاز متفرقا ومتتابعا كالصوم في فدية الاذى (فصل) وإن كان الحالف عبدا فكفارته الصوم، وإن كان الصوم يضر به لشدة الحر وطول النهار نظرت - فإن حلف بإذن المولى وحنث بإذنه - جاز له أن يصوم من غير إذنه لانه لزمه بإذنه، وإن حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه لم يجز أن يصوم إلا بأذنه، لانه لزمه بغير إذنه.
وإن حلف بغير إذنه وحنث بإذنه جاز أن يصوم بغير إذنه، لانه لزمه بإذنه، وان حلف بإذنه وحنث بغير إذنه ففيه وجهان (أحدهما) أنه يجوز أن يصوم بغير إذنه لانه وجد أحد السببين بإذنه فصار كما لو حلف بغير إذنه وحنث بإذنه (والثاني) لا يجوز أن يصوم بغير إذنه وهو الصحيح، لانه إذا لم يجز أن يصوم ولم يمنعه من الحنث باليمين فلان لا يجوز وقد منعه من الحنث باليمين أولى

فان كان الصوم لا يضر به كالصوم في الثناء ففيه وجهان (أحدهما) انه يجوز أن يصوم بغير إذنه لانه لاضرر عليه (والثاني) انه كالصوم الذي يضربه على ما ذكرناه لانه ينقص من نشاطه في خدمته، فإن صام في المواضع التي منعناه من الصوم فيها أجزأه لانه من أهل الصيام: وإنما منع منه لحق المولى، فإذا فعل بغير اذنه صح كصلاة الجمعة، فإن كان نصفه حرا ونصفه عبدا وله مال لم يكفر بالعتق، لانه ليس من أهل الولاء ويلزمه أن يكفر بالطعام أو الكسوة.
ومن أصحابنا من قال فرضه الصوم، وهو قول المزني لانه ناقص بالرق وهو كالعبد، والمذهب الاول لانه يملك المال بنصفه الحر ملكا تاما فأشبه الحر (الشرح) في قوله تعالى (أو كسوتهم) قرئ بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأسوة، وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني (أو كإسوتهم) يعنى كإسوة أهلك.
والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد أو كل ما يسمى كسوة عرفا أو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو ازار أو رداء أو مقنعة أو عمامة، وفي القانسوة وجهان.
وذلك ثوب واحد.
وبه قال أبو حنيفة والثوري وقال أحمد: تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه، فإن كان رجلا فثوب تجزئة الصلاة فيه، وان كانت أمرأة فدرع وخمار، وبهذا قال مالك.
وممن قال لاتجزئه السراويل الاوزاعي وأبو يوسف.
وقال ابراهيم النخعي ثوب جامع.
وقال الحسن كل مسكين حلة: ازار ورداء قال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وأصحاب الرأى، يجزئه ثوب ثوب.
ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة.
وحكى عن الحسن قال تجزئ العمامة.
وقال سعيد بن المسيب عباءة وعمامة، والطليان فارسي معرب ثوب يعطى به الرأس والبدن يلبس فوق الثياب إذا ثبت هذا فإنه يجوز أن يكسوهم من جميع أصناف الكسوة من القطن والكتان والصوف والشعر والوبر والخز، لان الله تعالى أمر بكسوتهم ولم يعين فأى جنس كساهم منه خرج به عن العهدة لوجود الكسوة المأمور بها.

ويجوز أن يكسو المرأة حريرا، ويجوز أن يكسوهم ثيابا مستعملة إلا أن تكون قد بليت وذهبت منفعتها لانها معيبة فلا تجزئ كالحب المعيب وسواء ما أعطاهم مصبوغا أو غير مصبوغ أو خاما أو مقصورا، لانه تحصل الكسوة المأمور بها والحكمة المقصودة منها.
وبهذا قال أحمد، إلا في ثوب الحرير فإنه يجوز أن يعطى الرجل ثوبا من الحرير، وهو أحد الوجهين عندنا، وسواء كان ما أعطاهم مصبوغا أو غير مصبوغ، أو خاما غير مخيط، لانه تحصل الكسوة المأمور بها والحكمة المقصودة.
والذين تجزئ كسوتهم هم المساكين الذين يجزئ اطعامهم لان الله تعالى قال " فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم " فينصرف الضمير إلى المساكين لا إلى أهليكم، وقد تقدم الكلام في المساكين وأصنافهم في كفارة الصوم (مسألة) قوله " وان أراد أن يكفر بالصيام الخ " فيؤخذ على المصنف قوله " وان أراد " بصيغة التخيير مع أن الآية صريحة بالتخيير بين الاطعام أو الكسوة أو التحرير فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وهذا لا خلاف فيه الا في اشتراط التتابع في الصوم ففيه قولان (أحدهما) اشتراطه وهو ظاهر المذهب عند أحمد، وبه قال النخعي والثوري واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأى.
وروى نحو ذلك عن على وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة.
والقول الثاني أنه يجوز متتابعا ومتفرقا، وهو رواية عن أحمد حكاها ابن أبى موسى، وبه قال مالك لان الامر بالصوم مطلق ولا يجوز تقييده الا بدليل ولانه صام الايام الثلاثة فلم يجب التتابع فيه كصيام المتمتع ثلاثة أيام في الحج ووجه القول الاول ما ورد في قراءة أبى وعبد الله بن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) كذلك ذكره الامام أحمد في التفسير عن جماعة.
وهذا ان كان قرآنا فهو حجة لانه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وان لم يكن قرآنا فهو رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ يحتمل أن يكونا سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا فظنا قرآنا فثبتت له رتبة الخبر، ولا ينقص عن درجة تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية.

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل