المجموع شرح المهذبصفحات 165-204
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 165-204
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فسقه لان الحكم لا يبطل بالفسق الحادث بعده، وإن كان فيما ثبت عنده لم يجز الحكم به لانه كشاهد الاصل، وشاهد الاصل إذا فسق قبل الحكم لم يحكم بشهادة شاهد الفرع، وإن مات القاضى المكتوب إليه أو عزل أو ولى غيره قبل الكتاب لان المعول على ما حفظه شهود الكتاب وتحملوه، ومن تحمل شهادة وجب على كل قاض أن يحكم بشهادته.

(فصل) فإن وصل الكتاب إلى المكتوب إليه فحضر الخصم وقال لست فلان بن فلان فالقول قوله مع يمينه لان الاصل أنه لا مطالبة عليه، فإن أقام المدعى بينة أنه فلان بن فلان فقال أنا فلان بن فلان الا أنى غير المحكوم عليه لم يقبل قوله إلا أن يقيم البينة أن له من يشاركه في جميع ما وصف به، لان الاصل عدم من يشاركه فلم يقبل قوله من غير بينة، وان اقام بينة أن له من يشاركه في جميع ما وصف به توقف عن الحكم حتى يعرف من المحكوم عليه منهما، وإذا حكم المكتوب إليه على المدعى عليه بالحق فقال المحكوم عليه اكتب إلى الحاكم الكاتب انك حكمت على حتى لا يدعى على ثانيا ففيه وجهان.

(أحدهما) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى رحمه الله أنه يلزم لانه لا يأمن أن يدعى ثانيا ويقيم عليه البينة فيقضى عليه ثانيا.

(والثانى) أنه لا يلزمه لان الحاكم انما يكتب ما حكم به أو ثبت عنده والكاتب هو الذى حكم أو ثبت عنده دون المكتوب إليه (فصل) إذا ثبت عند القاضى حق بالاقرار فسأله المقر له أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده من الاقرار لزمه ذلك لانه لا يؤمن أن ينكر المقر فلزمه الاشهاد ليكون حجة له إذا أنكر، وان ثبت عنده الحق بيمين المدعى بعد نكول المدعى عليه فسأله المدعى أن يشهد على نفسه لزمه لانه لا حجة للمدعى غير الاشهاد، وان ثبت عنده الحق بالبينة فسأله المدعى الاشهاد ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه لا يجب لان له بالحق بينة فلم يلزم القاضى تجديد بينة أخرى (والثانى) أنه يلزمه لان في اشهاده على نفسه تعديلا لبينته واثباتا لحقه والزاما لخصمه، فإن ادعى عليه حقا فأنكره وحلف عليه وسأله الحالف أن يشهد على

براءته لزمه ليكون حجة له في سقوط الدعوى حتى لا يطالبه بالحق مرة أخرى وان سأله أن يكتب له محضر في هذه المسائل كلها وهو أن يكتب ما جرى وما ثبت به الحق، فإن لم يكن عنده قرطاس من بيت المال ولم يأته المحكوم له بقرطاس لم يلزمه أن يكتب لان عليه ان يكتب وليس عليه أن يغرم، وان كان عنده قرطاس من بيت المال، أو أتاه صاحب الحق بقرطاس، فهل يلزمه أن يكتب المحضر؟ فيه وجهان.

(أحدهما) أنه يلزمه لانه وثيقة بالحق فلزمه كالاشهاد على نفسه.

(والثانى) أنه لا يلزمه لان الحق يثبت باليمين أو بالبينة دون الحضر، وان سأله أن يسجل له وهو أن يذكر ما يكتبه في المحضر ويشهد على انفاذه ويسجل له فهل يلزم ذلك أم لا؟ على ما ذكرناه في كتب المحضر وما يكتب من المحاضر والسجلات يكتب في نسختين (أحدهما) تسلم إلى المحكوم له والاخرى تكون في ديوان الحكم، فان حضر عند القاضى رجلان لا يعرفهما وحكم بينهما ثم سأل المحكوم له كتب محضر أو سجل كتب: حضر إلى رجلان قال أحدهما انه فلان بن فلان وقال الآخر انه فلان بن فلان ويحليهما ويذكر ما جرى بينهما ويشهد على ذلك.

(فصل) وان اجتمعت عنده محاضر وسجلات كتب على كل محضر اسم المتداعيين ويضم ما اجتمع منها في كل شهر أو في كل سنة على قدر قلتها وكثرتها وضم بعضها إلى بعض ويكتب عليها محاضر شهر كذا وكذا من سنة كذا ليسهل عليه طلبته إذا احتاج إليه.
وان حضر رجلان عند القاضى فادعى أحدهما أن له في ديوان الحكم حجة على خصمه فوجدها، فان كان حكما حكم به غيره لم يعمل به الا أن يشهد به شاهدان أن هذا حكم به فلان القاضى، ولا يرجع في ذلك إلى الخط والختم فانه يحتمل التزوير في الخط والختم، وان كان حكما حكم هو به فان كان ذاكرا للحكم به عالما به عمل به وألزم الخصم حكمه، وان كان غير ذاكر لم يعمل به لانه يجوز أن يكون قد زور على خطه وختمه

وإن شهد إثنان عليه أنه حكم به لم يرجع إلى شهادتهما لانه يشك في فعله فلا يرجع فيه إلى قول غيره، كما لو شك في فرض من فروض صلابته، فان شهد الشاهدان على حكمه عند حاكم آخر أنفذ ما شهدا به، فإن شهد شاهدان أن الاول توقف في شهادتهما لم يجز للثاني أن ينفذ الحكم الذى شهدا به، لان الشهود فرع للحاكم الاول، فإذا توقف الاصل لم يجز الحكم بشهادة الفرع، كما لو شهد شاهدان على شهادة شاهد الاصل، ثم شهد شاهدان أن شاهد الاصل توقف في الشهادة.

(فصل) إذا اتضح الحكم للقاضى بين الخصمين فالمستحب أن يأمرهما بالصلح فإن لم يفعلا لم يجز ترددهما لان الحكم لازم فلا يجوز تأخيره من غير رضا من له الحكم (فصل) إذا قال القاضى حكمت لفلان بكذا قبل قوله لانه يملك الحكم فقبل الاقرار به كالزوج لما ملك الطلاق قبل إقراره به، وإن عزل ثم قال حكمت لفلان بكذا لم يقبل إقراره لانه لا يملك الحكم فلم يملك الاقرار به، وهل يكون شاهدا في ذلك؟ فيه وجهان.

(أحدهما) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى أنه يكون شاهدا لانه ليس فيه أكثر من أنه يشهد على فعل نفسه، وذلك لا يوجب رد شهادته، كما لو قالت امرأة أرضعت هذا الصبى.

(والثانى) وهو المذهب أنه لا يكون شاهدا، لانه شهادته بالحكم تثبت لنفسه العدالة لان الحكم لا يكون إلا من عدل فتلحقه التهمة في هذه الشهادة فلم تقبل ويخالف المرضعة لان شهادتها بالرضاع لا تثبت عدالة لنفسها لان الرضاع يصح من غير عدل، ولان المغلب في الرضاع فعل المرتضع، ولهذا يصح به دونها، والمغلب في الحكم فعل الحاكم، فيكون شهادته على فعله فلم يقبل وبالله التوفيق.
(الشرح) حديث أم سلمه (من ابتلى ... ) رواه أبو يعلى والدارقطني والطبراني في الكبير من حديث أم سلمة وفى إسناده عبادة بن كثير وهو ضعيف ورواه البيهقى عن أم سلمة وقال: هذا اسناد فيه ضعف.

(قلت) قال الحافظ في إسناده عبادة بن كثير وهو ضعيف، وذكر في السنن الكبرى البيهقى أنه عباد بن كثير.
أثر عمر (آس بين الناس في وجهك..) أخرجه البيهقى (هذا كتاب عمر إلى أبى موسى أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة أفهم إذا أدلى اليك فإنه لا ينفع كلمة حق لا نفاذ له، آسى بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا يخاف ضعيف من جورك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما وحرم حلالا، ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهى إليه فإن جاء ببينة أعطيته بحقه) . أثر (أن عليا حاكم يهوديا في درع..) أخرجه أبو أحمد الحاكم في الكنى في ترجمة أبى سمية عن الاعمش عن ابراهيم التيمى وقال منكر، وأورده ابن الجوزى في العلل من هذا الوجه وقال لا يصح، تفرد به أبو سمية ورواه البيهقى من وجه آخر وفى إسناده عمرو بن سمرة عن جابر الجعفي، وهما ضعيفان، قال ابن الصلاح في كلامه على الوسيط: لم أجد له إسنادا يثبت، وقال ابن عساكر في الكلام على أحاديث المهذب: إسناده مجهول.
أثر (أن رجلا نزل بعلى فقال ألك خصم..) أخرجه البيهقى بإسناد ضعيف منقطع وهو في مسند إسحاق بن راهويه، وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن على قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يضيف الخصم الا وخصمه معه، وأخرج الطبراني في الاوسط نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يضيف أحد الخصمين، وقال تفرد به الواسطي.
أثر (أن أبا بكر كتب إلى المهاجرين أمية أن ابعث إلى بقيس..) أخرجه البيهقى، وقال البركمانى على تقدير صحته فقد خالفه الشافعي.
حديث (يا أنيس اغد على امرأة هذا..) سبق تخريجه اللغة: قوله (لا يتورع) أي لا يتقى، والورع التقوى واجتناب الظلم، وقد ذكر.

قوله (أن يوافق قدر بلاء) القدر ما يقدر على الانسان ويقضى عليه من حكم الله السابق في علمه، يقال قدر وقدر بالفتح والاسكان، وأنشد الاخفش: ألا يا لقومي النوائب والقدر

  • وللامر يأتي الهرء من حيث لا يدرى والبلاء ما يصيب الانسان من الشدة والتعب في النفس والمال قوله (جنبة المدعى) جنبة بمعنى جانب.
    قوله (ونكل عن اليمين) قيل جبن وهاب الاقدام عليها.
    قال: (فلم أنكل عن الضرب مسمعا) أي لم أجبن ولم أمتنع، وقيل نكل امتنع ومنه سمى القيد نكلا لانه يمنع المحبوس.
    قوله (لطفل في حجره) الحجر بمعنى الحضن وهو ما بين الابط إلى الكشح وهو الجنب لانه يحمل هنالك.
    قوله (طعنا في البينة) طعن فيه بالقول يطعن إذا انتقصه وجرحه قوله (أحق من اليمين الفاجرة) معناه الكاذبة وقد ذكرنا أن الفجر أصله الشق ومنه سمى الفجر، وقيل انه الميل عن القصد، فقيل للكاذب فاجر لانه مال عن الصدق، وقيل للمائل عن الخير والعادل عنه فاجر لانه مال عن الرشد قوله (ملازمة الخصم) هو أن يقعد معه حيث قعد، ويذهب معه حيث ذهب ولا يفارقه.
    قوله (أطردتك جرحهما) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون من الطرد بالتحريك وهو مزاولة الصيد للصيد كأنه يزاول جرحه ويختله من حيث لا يعلم.
    والثانى يحتمل أن يكون معناه الاتباع، أي جعلت لك، أن تتبعه وتنظر زلاته ومعايبه، من مطاردة الفرسان.
    قوله (أمدا ينتهى إليه) الامد الغاية كالمدى، يقال ما أمدك أي منتهى عمرك قوله (والا استحالت عليه القضية) يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون من الحلال ضد الحرام، أي جعل لك أن تقضى عليه ولم يحرم عليك والثانى أن يكون من الحول ضد التأجيل، أي قد وجب القضاء عليه وحان حلوله ولم يجز تأجيله.
    قوله (أنفى للشك وأجلى العمى) أي أوضح وأبين، من جلا لى الخبر،

أي وضح وبان.
والعمى ههنا أراد به عمى القلب والتحير عن الصواب.
قوله (هيبة الناس) الهيبة الاجلال والمخافة، وهبت الشئ وتهيبته أي خفته قوله (لم يقبل في الترجمة إلا عدلين) يقال ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان والجمع والتراجم مثل زعفران وزعافر، ويقال ترجمان، ولك أن تضم التاء بضم الجيم، فتقول ترجمان مثل سروع وسروع.
قال: كالترجمان لقى الانباطا.
القياس الجلى 1 نقيض الخفى.
وجلوت الشئ أظهرته بعد خفائه، ولهذا سمى الصبح ابن جلاء لانه يجلو الاشخاص ويظرها من ظلم الليل.
قوله (لا يؤمن أن يحرف (2) تحريف الكلام عن مواضعه تغييره قوله (ختم الكتاب) أي يجعل عليه شئ من شمع أو ما شاكله ويعلم عليه بعلامة من كتاب أو غيره، وأصله عند العرب ختم الدن وهو وعاء الخمر بالطين.
قال الاعشى: وصهباء يطاوف يهوديها

  • وأبرزها وعليها ختم دادويه هو خليفة باذام عامل النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن، وهو أحد قتلة الاسود العنسى الكذاب.
    حديث (أن رجلا من حضرموت ورجلا من كنده ... ) أخرجه مسلم والترمذي وصححه.
    حديث (رد اليمين على صاحب الحق..) أخرجه البيهقى.
    أثر أن المقداد استقرض من عثمان مالا فتحاكما ... أخرجه البيهقى.
    حديث عمر (البينة العادلة أحق ... ) أخرجه البيهقى

حديث (شاهداك أو يمينه..) عن الاشعث بن قيس قال: كان بينى وبين رجل خصومة في بئر فاختصما إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (شاهداك أو يمينه) فقلت انه إذا يحلف ولا يبالى، فقال (من حلف عن يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان) متفق عليه.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قضى بيمين وشاهد) مسلم وأحمد، وفيها (انما كان ذلك في الاموال) . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قضى باليمين مع الشاهد) أحمد وابن ماجه والترمذي.
أثر كتب عمر إلى أبى موسى (واجعل لمن ادعى حقا غائبا..) سبق تخريجه حديث (لا يمنع أحمدكم هيبة الناس ... ) أخرجه البيهقى عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بحق إذا علمه) قال أبو سعيد: فما زال بنا البلاء حتى قصرنا وإنا لنبلغ في السر، وفى رواية قال: وذلك الذى حملني على أن رحلت إلى معاوية فملات مسامعه ثم رجعت.
وفى رواية عنه (لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله عليه فيه مقال لا يقوم به فيلقى الله فيقول ما منعك أن تقول يوم كذا وكذا؟ قال يا رب انى خشيت الناس، قال إياى أحق أن تخشى) حديث (هلا سترته بثوبك ... ) سبق تخريجه.
حديث كتب رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الضحاك أن أورث امرأة أقيم ... أخرجه البيهقى.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب القسمة

تجوز قسمة الاموال المشتركة لقوله عز وجل (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) ولان النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بشعب يقال له الصفراء، وقسم غنائم خيبر على ثمانية عشر بينهما، وقسم غنائم حنين بأوطاس وقيل بالجعرانة، ولان بالشركاء حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد منهم من التصرف في ماله على الكمال ويتخلص من كثرة الايدى وسوء المشاركة.

(فصل) ويجوز لهم أن يتقاسموا بأنفسهم ويجوز أن ينصبوا من يقسم بينهم ويجوز أن يرفعوا إلى الحاكم لينصب من أنفسهم بينهم، ويجب أن يكون القاسم عالما بالقسمة ليوصل كل واحد منهم إلى حقه، كما يجب أن يكون الحاكم عالما ليحكم بينهم بالحق، فإن كان القاسم من جهة الحاكم لم يجز أن يكون فاسقا ولا عبدا، لانه نصبه لالزام الحكم فلم يجز أن يكون فاسقا ولا عبدا فالحاكم، فإن لم يكن فيها تقويم جاز قاسم واحد، وإن كان فيها تقويم لم يجز أقل من اثنين لان التقويم لا يثبت إلا باثنين، وان كان فيها خرص ففيه قولان.

(أحدهما) أنه يجوز أن يكون الخارص واحدا.

(والثانى) أنه يجب أن يكون الخارص اثنين (فصل) إن كان القاسم نصبه الحاكم كانت أجرته من سهم المصالح، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أعطى القاسم من بيت المال، ولانه من المصالح فكانت أجرته من سهم المصالح، فإن لم يكن في بيت المال شئ وجبت على الشركاء على قدر أملاكهم لانه مؤنة تجب لمال مشترك فكانت على قدر الملك كنفقة العبيد والبهائم المشتركة، وإن كان القاسم نصبه الشركاء جاز أن يكون فاسقا وعبدا لانه وكيل لهم وتجب أجرته عليهم على ما شرطوا لانه أجير لهم.

(فصل) وإن كان في القسمة رد فهو بيع لان صاحب الرد بذل المال

في مقابلة ما حصل له من حق شريكه عوضا، وإن لم يكن فيها رد ففيه قولان: (أحدهما) أنها بيع لان كل جزء من المال مشترك بينهما فإذا أخذ نصف الجميع فقد باع حقه بما حصل له من حق صاحبه.
(والقول الثاني) أنها فرز النصيبين وتمييز الحقين، لانها لو كانت بيعا لم يجز تعليقه على ما تخرجه القرعة، ولانها لو كانت بيعا لافتقرت إلى لفظ التمليك ولثبتت فيها الشفعة ولما تقدر بقدر حقه كسائر البيوع، فإن قلنا إنها بيع لم يجز فيما لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعسل الذى انعقدت أجزاؤه بالنار، وإن قلنا إنها فرز النصبيين جاز.
وإن قسم الحبوب والادهان فإن قلنا انها بيع لم يجز أن يتفرقا من غير قبض ولم يجز قسمتها إلا بالكيل كما لا يجوز في البيع، وان قلنا انها فرز النصيبين لم يحرم التفرق فيها قبل التقابض ويجوز قسمتها بالتكيل والوزن.
وإن كانت بينهما ثمرة على شجرة، فإن قلنا إن القسمة بيع لم يجز قسمتها خرصا كما لا يجوز بيع بعضها ببعض خرصا، وإن قلنا انها تمييز الحقين فإن كانت ثمرة غير الكرم والنخل لم تجز قسمتها لانها لا يصح فيها الخرص، وان كانت ثمرة النخل والكرم جاز لانه يجوز خرصها للفقراء في الزكاة فجاز الشركاء (فصل) وان وقف على قوم نصف أرض وأراد أهل الوقف أن يقاسموا صاحب الطلق، فإن قلنا إن القسمة بيع لم يصح، وان قلنا انها تمييز الحقين نظرت فإن لم يكن فيها رد صحت وان كان فيها رد، فإن كان من أهل الوقف جاز لانهم يتنازعون الطلق، وان كان من أصحاب الطلق لم يجز لانهم يتنازعون الوقف.

(فصل) وأن طلب أحد الشريكين القسمة وامتنع الآخر نظرت فإن لم يكن على واحد منهم ضرر في القسمه كالحبوب والادهان والثياب الغليظة وما تساوت أجزاؤه من الارض والدور أجبر الممتنع لان الطالب يريد أن ينتفع بماله على الكمال وأن يتخلص من سوء المشاركة من غير إضرار بأحد فوجبت اجابته إلى ما طلب، وان كان عليهما ضرر كالجواهر والثياب والمرتفعة إلى تنقص قيمتها بالقطع والرحى الواحدة والبئر والحمام الصغير لم يجبر الممتنع لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا ضَرَرَ وَلَا إضرار) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن إضاعة

المال، ولانه إتلاف مال وسفه يستحق بها الحجر فلم يجبر عليه، وإن كان على أحدهما ضرر دون الآخر نظرت فإن كان الضرر على الممتنع أجبر عليها.
وقال أبو ثور رحمه الله: لا يجبر لانها قسمة فيها ضرر فلم يجبر عليها كما لو دخل الضرر عليهما، وهذا خطأ لانه يطلب حقا له فيه منفعة فوجبت الاجابة إليه، وإن كان على المطلوب منه ضرر كما لو كان له دين على رجل لا يملك إلا ما يقصى به دينه، وإن كان الضرر على الطالب دون الآخر ففيه وجهان: (أحدهما) أنه يجبر لانه قسمة لا ضرر فيها على أحدهما فأجبر الممتنع كما لو كان الضرر على الممتنع دون الطالب.

(والثانى) أنه لا يجبر وهو الصحيح، لانه يطلب ما لا يستضر به فلم يجبر الممتنع، ويخالف إذا لم يكن على الطالب ضرر لانه يطلب ما ينتفع به، وهذا يطلب ما يستضر به، وذلك سفه فلم يجبر الممتنع.

(فصل) وإن كان بينهما دور أو أراض مختلفة في بعضها نخل وفى بعضها شجر، أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها يسقى بالناضح وطلب أحدهما أن يقسم بينهما أعيانا بالقيمة وطلب الآخر قسمة كل عين، قسم كل عين لان كل واحد منهما له حق في الجميع فجاز له أن يطالب بحقه في الجميع، وإن كان بينهما عضائد متلاصقه وأراد أحدهما أن يقسم أعيانا وطلب الاخر أن يقسم كل واحد منها على الانفراد ففيه وجهان (أحدهما) أنها تقسم أعيانا كالدار الواحدة إذا كان فيها بيوت (والثانى) أنه يقسم كل واحدة منها، لان كل واحدة على الانفراد فقسم كل واحد منها فالدور المتفرقة.

(فصل) فإن كان بينهما دار وطلب أحدهما أن تقسم فيجعل العلو لاحدهما والسفل للآخر وامتنع الاخر لم يجبر الممتنع لان العلو تابع العرصة في القسمة ولهذا لو كان بينهما عرصة وطلب أحدهما القسمة وجبت القسمة، ولو كان بينهما غرفة فطلب أحدهما القسمة لم يجب، ولا يجوز أن يجعل التابع في القسمة متبوعا.

(فصل) وإن كان بين ملكهما عرصة حائط فأراد أن تقسم طولا فيجعل.

لكل واحد منهما نصف الطول في كمال العرض واتفقا عليه جاز، وإن طلب أحدهما ذلك وامتنع الآخر أجبر عليها لانه لا ضرر فيها، وإن أرادا قسمتها عرضا في كمال الطول واتفقا عليه جاز، وان طلب أحدهما وامتنع الآخر ففيه وجهان: (أحدهما) أنه لا يجبر لانه لا تدخله القرعة، لانه إذا أقرع بينهما ربما صار بهما مال كل واحد منهما إلى ناحية ملك الاخر ولا ينتفع به، وكل قسمة لا تدخلها القرعة لا يجبر عليها كالقسمة التى فيها رد.

(والثانى) وهو الصحيح أنه يجبر عليها، لانه ملك مشترك يمكن كل واحد من الشريكين أن ينتفع بحصته إذا قسم فأجبر على القسمة، كما لو أراد أن يقسماها طولا، فإن كان بينهما حائط فأراد قسمته نظرت فإن أراد قسمته طولا في كمال العرض واتفقا عليه جاز، وإن أراد ذلك واحد وامتنع الآخر ففيه وجهان: (أحدهما) أنه لا يجبر لانه لا بد من قطع الحائط وفى ذلك إتلاف (والثانى) أنه يجبر وهو الصحيح لانه تمكن قسمته على وجه ينتفعان به فأجبرا عليها كالعرصة فإن أرادا قسمته عرضا في كمال الطول واتفقا عليها جاز، وان طلب أحدهما وامتنع الاخر لم يجبر لان ذلك إتلاف وإفساد.

(فصل) وإن كان بينهما أرض مختلفة الاجزاء بعضها عامر وبعضها خراب أو بعضها قوى وبعضها ضعيف أو بعضها شجر أو بناء وبعضها بياض أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها بالناضح نظرت، فإن أمكن التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه بأن يكون الجيد في مقدمها والردئ في مؤخرها، فإذا قسمت بينهما نصفين صار إلى كل واحد منهما من الجيد والردئ مثل ما صار إلى الآخر من الجيد والردئ فطلب أحدهما هذه القسمة أجبر الآخر عليها، لانها كالارض المتساوية الاجزاء في امكان التسوية بينهما فيها، وان لم تمكن التسوية بينهما في الجيد والردئ بأن كانت العمارة أو الشجر أو البناء في أحد النصفين دون الآخر نظرت، فإذا أمكن أن يقسم قسمة تعديل بالقيمة بأن تكون الارض ثلاثين جريبا وتكون عشرة أجربة من جيدها بقيمة عشرين جريبا من ردئيها فدعا إلى ذلك أحد الشركين وامتنع الآخر ففيه قولان،

(أحدهما) أنه لا يجبر الممتنع لتعذر التساوى في الزرع وتوقف القسمة إلى أن يتراضيا.
(والقول الثاني) أنه يجبر لوجود التساوى بالتعديل، فعلى هذا في أجرة القسام وجهان: (أحدهما) أنه يجب على كل واحد منهما نصف الاجرة، لانهما يتساويان في أصل الملك.

(والثانى) أنه يجب على صاحب العشرة ثلث الاجرة وعلى صاحب العشرين ثلثاها لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة، وان أمكن قسمته بالتعديل وقسمة الرد فدعا أحدهما إلى قسمة التعديل ودعا الآخر إلى قسمة الرد، فإن قلنا: ان قسمة التعديل يجبر عليها فالقول قول من دعا إليها، لان ذلك مستحق، وان قلنا: لا يجبر وقف إلى أن يتراضيا على احداهما.

(فصل) وان كانت بينهما أرض مزروعة وطلاب أحدهما قسمة الارض دون الزرع وجبت القسمة، لان الزرع لا يمنع القسمة في الارض فلم يمنع وجوبها كالقماش في الدار، وان طلب أحدهما قسمة الارض والزرع لم يجبر، لان الزرع لا يمكن تعديله، فإن تراضيا على ذلك فإن كان بذرا لم يجز قسمته لانه مجهول، وان كان قد ظهر فإن كان مما لا ربا فيه كالقصيل والقطن جاز لانه معلوم مشاهد، وان كان قد انعقد فيه الحب لم يجز لانا ان قلنا ان القسمة بيع لم يجز لانه بيع أرض وطعام بأرض وطعام، ولانه قسمة مجهول ومعلوم، وان قلنا ان القسمة فرز النصيبين لم يجز لانه قسمة مجهول ومعلوم (فصل) وإن كان بينهما عبيد أو ماشية أو أخشاب أو ثياب فطلب أحدهما قسمتها أعيانا وامتنع الآخر، فإن كانت متفاضلة يجبر الممتنع، وان كانت متماثلة ففيه وجهان (أحدهما) وهو قول أبى العباس وأبى اسحاق وأبى سعيد قول أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أبى هريرة أنه لا يجبر الممتنع لانها أعيان مختلفة فلم يجبر على قسمتها أعيانا كالدور المتفرقة.

(فصل) وإن كان بينهما منافع فأرادا قسمته مهايأة، وهو أن تكون العين في يد أحدهما مدة ثم في يد الاخر مثل تلك المدة جاز، لان المنافع كالاعيان فجاز قسمتها كالاعيان، وإن طلب أحدهما وامتنع الاخر لم يجبر الممتنع، ومن أصحابنا من حكى فيه وجها آخر أنه يجبر كما يجبر على قسمة الاعيان، والصحيح أنه لا يجبر لانه حق كل واحد منهما تعجل فلا يجبر على تأخيره بالمهايأة، ويخالف الاعيان فإنه لا يتأخر بالقسمة حق كل واحد، فإذا عقدا على مدة اختص كل واحد منهما بمنفعة تلك المدة، وإن كان يحتاج إلى النفقة كالعبد والبهيمة كانت نفقته على من يستوفى منفعته، وإن كسب العبد كسبا معتادا في مدة أحدهما كان لمن هو في مدته، وهل تدخل فيها الاكساب النادرة كاللقطة والركاز والهبة والوصية فيه قولان.

(أحدهما) أنها تدخل فيها لانها كسب فأشبه المعتاد.

(والثانى) أنها لا تدخل فيها لان المهايأة بيع لانه يبيع حقه من الكسب في أحد اليومين بحقه في اليوم الاخر والبيع لا يدخل فيه إلا ما يقدر على تسليمه في العادة، والنادر لا يقدر على تسليمه في العادة، فلم يدخل فيه، فعلى هذا يكون بينهما.

(فصل) وينبغى للقاسم أن يحصى عدد أهل السهام ويعدل السهام بالاجزاء أو بالقيمة أو بالرد، فإن تساوى عددهم وسهامهم كثلاثة بينهم أرض أثلاثا فله أن يكتب الاسماء ويخرج على السهام، وله أن يكتب السهام ويخرج على الاسماء، فإن كتب الاسماء كتبها في ثلاث رقاع في كل رقعة اسم واحد من الشركاء ثم يأمر من لم يحضر كتب الرقاع والبندقة أن يخرج رقعة على السهم الاول، فمن خرج اسمه أخذه ثم يخرج على السهم الثاني فمن خرج اسمه أخذه وتعين السهم الثالث للشريك الثالث، فإن كتب السهام كتب في ثلاث رقاع، في رقعة السهم الاول، وفى رقعة السهم الثاني، وفى رقعة السهم الثالث ثم يأمر بإخراج رقعة على اسم أحد الشركاء، أي سهم خرج أخذه، ثم يأمر بإخراج رقعة على اسم آخر، فأى سهم خرج أخذه الثاني، ثم يتعين السهم الباقي للشريك الثالث.

وإن اختلفت سهامهم فإن كان لواحد السدس وللآخر الثلث والثالث النصف قسمتها على أقل السهام وهو السدس فيجعلها أسداسا ويكتب الاسماء ويخرج على السهام فيأمر أن يخرج على السهم الاول، فإن خرج اسم صاحب السدس أخذه ثم يخرج على السهم الثاني إن خرج اسم صاحب الثلث أخذ الثاني والذى يليه، لانه له سهمين وتعين الباقي لصاحب النصف.
وإن خرجت الرقعة الاولى على اسم صاحب النصف أخذ السهم الاول والذين يليانه وهو الثاني والثالث ثم يخرج على السهم الرابع، فإن خرج اسم صاحب الثلث أخذه والسهم الذى يليه وهو الخامس وتعين السهم السادس لصاحب السدس، وإنما قلنا انه يأخذ مع الذى يليه لينتفع بما يأخذه ولا يستضر به ولا يخرج في هذا القسم السهام على الاسماء لانالو فعلنا ذلك ربما خرج السهم الرابع لصاحب النصف فبقول آخذه وسهمين قبله، ويقول الاخران بل نأخذه وسهمين بعده فيؤدى إلى الخلاف والخصومة.

(فصل) وإذا ترافع الشريكان إلى الحاكم وسألاه أن ينصب من يقسم بينهما فقسم قسمة اجبار لم يعتبر تراضى الشركاء، لانه لما لم يعتبر التراضي في ابتداء القسمة لم يعتبر بعد خروج القرعة، فإن نصب الشريكان قاسما فقسم بينهما فالمنصوص أنه يعتبر التراضي في ابتداء القسمة وبعد خروج القرعة، وقال في رجلين حكما رجلا ليحكم بينهما ففيه قولان.

(أحدهما) أنه يلزم الحكم ولا يعتبر رضاهما.

(والثانى) أنه لا يلزم الحكم إلا برضاهما والقاسم ههنا بمنزلة هذا الحاكم لانه نصبه الشريكان فيكون على قولين، أحدهما وهو المنصوص أنه يعتبر الرضى بعد خروج القرعة، لانه لما اعتبر الرضا في الابتداء اعتبر بعد خروج القرعة والثانى أن لا يعتبر، لان القسام مجتهد في تعديل السهام والاقراع، فلم يعتبر الرضى بعد حكمه كالحاكم، وان كان في القسمة رد وخرجت القرعة لم تلزم إلا بالتراضى.
وقال أبو سعيد الاصطخرى تلزم من غير تراض كقسمة الاجبار،

وهذا خطأ لان في قسمته الاجبار لا يعتبر الرضى في الابتداء، وههنا يعتبر فاعتبر بعد القرعة.

(فصل) إذا تقاسما أرضا ثم ادعى أحدهما غلطا، فإن كان في قسمة اجبار لم يقبل قوله من غير بينة، لان القاسم كالحاكم فلم تقبل دعوى الغلط عليه من غير بينة كالحاكم، فإن أقام البينة على الغلط نقضت القسمة، وان كان في قسمة اختيار نظرت فإن تقاسما بأنفسهما من غير قاسم لم يقبل قوله لانه رضى بأخذ حقه ناقصا، وان أقام بينة لم تقبل لجواز أن يكون قد رضى دون حقه ناقصا وان قسم بينهما قاسم نصباه، فإن قلنا انه يفتقر إلى التراضي بعد خروج القرعة لم تقبل دعواه لانه رضى بأخذ الحق ناقصا، وان قلنا انه لا يفتقر إلى التراضي بعد خروج القرعة فهو كقسمة الاجبار فلا يقبل قوله الا ببينة، فإن كان في القسمة رد لم يقبل قوله على المذهب، وعلى قول أبى سعيد الاصطخرى هو كقسمة الاجبار فلم يقبل قوله الا ببينة.

(فصل) وان تنازع الشريكان بعد القسمة في بيت في دار اقتسماها فادعى كل واحد منهما أنه في سهمه ولم يكن له بينة تحالفا ونقضت القسمة كما قلنا في المتبايعين، وأن وجد أحدهما بما صار إليه عينا فله الفسخ كما قلنا في البيع (فصل) إذا اقتسما أرضا ثم استحق مما صار لاحدهما شئ بعينه نظرت فإن استحق مثله من نصيب الاخر أمضيت القسمة، وان لم يستحق من حصة الاخر مثله بطلت القسمة، لان لمن استحق ذلك من حصته أن يرجع في سهم شريكه، وإذا استحق ذلك عادت الاشاعة، وإذا استحق جزء مشاع بطلت القسمة في المتسحق، وهل تبطل في الباقي فيه وجهان.

(أحدهما) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه يبنى على تفريق الصفقة فإن قلنا ان الصفقة لا تفرق بطلت القسمة في الجميع، وان قلنا انها تفرق صحت في الباقي.

(والثانى) وهو قول أبى اسحاق أن القسمة تبطل في الباقي قولا واحدا،

لان القصد من القسمة تمييز الحقين ولم يحصل ذلك لان المستحق صار شريكا لكل واحد منهما فبطلت القسمة.

(فصل) إذا قسم أو ارثان التركة ثم ظهر دين على الميت فإنه يبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين، وفيه وجهان ذكرناهما في التفليس، فإن قلنا إن القسمة تمييز الحقين لم تنقض القسمة، وإن قلنا إنها بيع ففى نقضها وجهان والله أعلم (الشرح) قسم غنائم بدر بشعب..سبق تخريجه في باب الغنائم.
وروى البخاري ومسلم من حديث جابر ومن حديث ابن مسعود وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بين المسلمين.
حديث (قسم غنائم خيبر ... ) سبق تخريجه في باب الغنائم حديث (قسم غنائم حنين ... ) سبق تخريجه في باب الغنائم أثر (أن عليا رضى الله عنه أعطى القاسم ... ) لم أجده حديث (لا ضرر ولا ضرار) أخرجه ابن ماجه والدارقطني من حديث أبى سعيد، وكذلك رواه مالك مرسلا وحسنه النووي في الاربعين النووية حديث (نهى عن إضاعة المال) أخرج البخاري ومسلم عن المغير بن شعبة (إن الله حرم عليكم عقوق الامهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) اللغة قوله (فارزقوهم منه) أي اعطوهم، والرزق العطاء، ورزق الجند عطاؤهم، وقولوا لهم قولا معروفا.
قال في التفسير قولا جميلا للاعتذار قوله (وإن كان في القسمة رد) الرد ما يرده أحد الشريكين إلى صاحبه إذا لم يتعادل الجزءان فيرد صاحب الجزء الكثير على صاحب القليل، من رده إذا رجعه إليه.
قوله (فرز النصببين) الفرز مصدر فرزت الشئ أفرزه فرزا إذا عزلته عن غيره وميزته، والقطعة منه فرزة بالكسر، وكذلك أفرزته بالهمز وكذلك التمييز مثله، لا ضرر ولا إضرار، وقد ذكر قوله (صاحب الطلق) بكسر الطاء هو ضد الوقف، سمى طلقا لان مالكه

مطلق التصرف فيه والوقف غير مطلق التصرف بل هو ممنوع من بيعه وهبته، والمطلق أيضا الحلال.
قوله (أراض) قال أهل النحو لا يجوز جمع أرض على أراض والصواب أرضون بفتح الراء لان أفاعل جمع أفعل كأحمر وأحامر وأفكل وأفاكل، ولا يجمع فعل على أفاعل بل يجمع على أرضين وأراض في القليل وأروض أيضا، وقال الجوهرى: أراض جمع وآراض جمع الجمع قوله (يسقى بالسيح) هو الماء الجارى على وجه الارض، وقد ذكر في الزكاة، والناضح البعير الذى يستقى عليه، والانثى ناضحة وسانية، والناضح الذى ينضح على البعير أي يسوق السانية ويسقى بخلاف غيره.
قوله (وإن كان بينهما عضائد) أراد دكاكين متلاصقة متوالية البناء، قال الجوهرى: أعضاء كل شئ ما يسند حوله من البناء وغيره كأعضاد الحوض، وهى حجارة تنصب حول شفيره، ولعلها سميت عضائد من هذا البناء، ويقال عضد من نخل إذا كانت منعطفة متساوية، والعرصة هي ساحة فارغة لا بناء فيها بين الدور، والجمع العراص والعرصات، والحائط معروف وهو الجدار، سمى حائطا لانه يحيط بما دونه.
قوله (فأراد قسمتها مهايأة) المهايأة أصلها الاصلاح، وهيأت الشئ أصلحته وهى مفاعلة من ذلك، فإذا تصالحا على هذه القسمة قيل تهايأ مهايأة، والاكساب المبادرة التى تشذ ويعدم وجودها في كل حين.
قوله (جزء مشاع) من أشعت الخبر أي أذعته فهو شائع في الناس لا يعلمه واحد دون واحد، كذلك الشئ المشاع بين الشركاء لا يختص به واحد دون واحد قوله (التركة) ذكرنا أن التركة ما يتركه الميت تراثا فعلة من الترك والنظر في هذا الكتاب في: 1 - القاسم 2 - المقسوم عليه 3 - القسمة والقسمة تنقسم أولا إلى قسمين (1) قسمة رقاب الاموال (2) منافع الرقاب

فأما قسمة الرقاب التى لا تكال ولا توزن فتقسم بالجملة إلى ثلاثة أقسام: 1 - قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل 2 - قسمة مراضاة بعد تقويم وتعديل 3 - قسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل وأما ما يكال أو يوزن فبالكيل والوزن.
وأما الرقاب فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما لا ينقل ولا يحول وهى الرباع والاصول، وما ينقل ويحول، وهذا قسمان، إما غير مكيل ولا موزون وهو الحيوان والعروض، وإما مكيل أو موزون، ففى هذا الباب ثلاثة فصول: الاول في الرباع والاصول، والثانى في العروض، والثالث في المكيل والموزون.
الرباع والاصول فيجوز أن تقسم بالتراضى وبالسهمة إذا عدلت بالقيمة، اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجملا.
وإن كانوا اختلفوا في محل ذلك وشروطه، والقسمة لا تخلو أن تكون في محل واحد أو في محال كثيرة، فإذا كانت في محل واحد فلا خلاف في جوازها إذا انقسمت إلى أجزاء متساوية بالصفة ولم تنقص منفعة الاجزاء بالانقسام ويجبر الشركاء على ذلك، وأما إذا انقسمت إلى ما لا منفعة فيه، فاختلف في ذلك مالك وأصحابه، فقال مالك أنها تقسم بينهم إذا دعى أحدهم لذلك، ولو لم يصر لواحد منهم الا مالا منفعة فيه، مثل قدر القدم، وبه قال ابن كنانة من أصحابه فقط، وهو قول أبى حنيفة والشافعي.
وقال ابن القاسم لا يقسم إلا أن يصير لكل واحد في حظه ما ينتفع به من غير مضرة داخلة عليه في الانتفاع من قبل القسمة، وان كان لا يراعى في ذلك نقصان الثمن.
وقال ابن الماجشون يقسم إذا صار لكل واحد منهم ما ينتفع به، وان كان من غير جنس المنفعة التى كانت في الاشتراك أو كانت أقل، وقال مطرف من أصحابه: إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم، وان صار في حظ بعضهم ما ينتفع به وفى حظ بعضهم مالا ينتفع به قسم وجبروا على ذلك، سواه

دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل أو الكثير، وقيل يجبر إن دعا صاحب النصيب القليل، ولا يجبر ان دعا صاحب النصيب الكثير، وقيل بعكس هذا وهو ضعيف.
واختلفوا من هذا الباب فيما إذا قسم انتقلت منفعته إلى منفعة أخرى مثل الحمام، فقال مالك يقسم إذا طلب ذلك أحد الشريكين، وبه قال أشهب.
وقال ابن القاسم لا يقسم، وهو قول الشافعي، فعمدة من منع القسمة قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار) . وقوله (لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم) والتعضية التفرقة وعمدة من رأى القسمة قوله تعالى (مما قل أو كثر نصيبا مفروضا) . أما إذا كانت الرباع أكثر من واحد فإنها لا تخلو أيضا أن تكون من نوع واحد ومختلفة الانواع، فإذا كانت متفقة الانواع فإن فقهاء الامصار في ذلك مختلفون، فقال مالك إذا كانت متفقة الانواع قسمت بالتقويم والتعديل والسهمة.
وقال أبو حنيفة والشافعي: بل يقسم كل عقار على حدته، فعمدة ذلك أنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة، وعمدة الفريق الثاني أن كل عقار قائم بنفسه لانه تتعلق به الشفعة.
واختلف أصحاب مالك إذا اختلفت الانواع المتفقة في النفاق وإن تباعدت مواضعها على ثلاثة أقوال.
وأما إذا كانت الرباع مختلفة مثل أن يكون منها دور ومنها حوائط ومنها أرض فلا خلاف أنه لا يجمع في القسمة بالسهمية، ومن شرط قسمة الحوائط المثمرة أن لا تقسم مع الثمرة إذا بدا صلاحها باتفاق، وأما قسمتها قبل بدو الصلاح ففيه اختلاف، وأما ان كان بعد الابار فإنه لا يجوز الا بشرط.
وصفة القسم بالقرعة أن تقسم الفريضة وتحقق وتضرب ان كان في سهامها كسر إلى أن تصح السهام، ثم تقوم كل موضع منها وكل نوع من غراساتها، ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة، فإذا قسمت على هذه الصفات وعملت وكتبت في بطائق أسماء المشتركين وأسماء الجهات، فمن خرج اسمه في جهة أخذ منها، وقيل يرمى بالاسماء في الجهات، فهذه هي حال قرعة السهم في الرقاب، والسهمة انما

جعلها الفقهاء في القسمه تطيببا لنفوس المتقاسمين، وهى موجودة في الشرع في قوله تعالى (فساهم فكان من المدحضين) (وما كنت لديهم أذ يلقون أقلامهم) والاثر الصحيح الذى جاء فيه أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق ثلث ذلك الرقيق.
وأما القسمة بالتراضى سواء كانت بعد تعديل وتقويم أو بغير تقويم وتعديل فتجوز في الرقاب المتفقة والمختلفة.
(العروض) وأما الحيوان والعروض فاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قسمة واحد منها للفساد الداخل في ذلك، واختلفوا إذا تشاح الشريكان في العين الواحدة منهما ولم يتراضيا الانتفاع بها على الشياع وأراد أحدهما أن يبيع صاحبه معه، فقال مالك وأصحابه يجبر على ذلك، فإن أراد أحدهما أن يأخذ بالقيمة التى أعطى فيها أخذه.
وقال أهل الظاهر لا يجبر لان الاصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده الا بدليل من كتاب أو سنة أو اجماع، وحجة مالك أن في ترك الاجبار ضررا وهذا من باب القياس المرسل، وقد قلنا في غير ما موضع أنه ليس يقول به أحد من فقهاء الامصار الا مالك، ولكنه كالضروري في بعض الاشياء، وأما إذا كانت العروض أكثر من جنس واحد فاتفق العلماء على قسمتها على التراضي واختلفوا في قسمتها بالتعديل والسهمة.
(المكيل والموزون) فلا تجوز فيه القرعة باتفاق، والمكيل لا يخلو أن يكون صبرة أو صبرتين فزائدا فلا يخلو أن تكون قسمته على الاعتدال بالكيل أو الوزن إذا دعا إلى ذلك أحد الشريكين، ولا خلاف في جواز قسمته على التراضي على التفصيل البين كان ذلك من الربوي أو من غير الربوي، أعنى الذى لا يجوز فيه التفاضل ويجوز ذلك بالكيل المعلوم والمجهول، ولا يجوز قسمته جزافا بغير كيل ولا وزن وأما ان كانت قسمته تحريا فقيل لا يجوز في المكيل ويجوز في الموزون

ويدخل في ذلك من الخلاف ما يدخل في جواز بيعه تحريا، وأما إن لم يكن ذلك من صبرة واحدة وكانا صنفين، فإن كان ذلك مما لا يجوز فيه التفاضل فلا تجوز قسمتها على جهة الجمع إلا بالكيل المعلوم فيم يكال وبالوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن، لانه إن كان بمكيال مجهول لم يدر كم يحصل فيه من الصنف الواحد إذا كانا مختلفين من الكيل المعلوم، وهذا كله مذهب مالك، وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل فيجوز قسمته على الاعتدال والتفاضل المعروف بالمكيال المعروف أو الصنجة المعروفة.
(قسمة المنافع) فإنها لا تجوز بالسهمة على مذهب ابن القاسم ولا يجبر عليها من أباها ولا تكون القرعة على قسمة المنافع، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجبر على قسمة المنافع، وقسمة المنافع هي عند الجميع بالمهايأة، وذلك اما بالازمان واما بالاعيان، أما قسمة المنافع بالازمان فهو أن ينتفع كل واحد منهما بالعين مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه، وأما قسم الاعيان بأن يقسما الرقاب على أن ينتفع كل واحد منهما بما حصل له مدة محدودة والرقاب باقية على أصل الشركة، وفى قسمة المنافع بالزمان واختلاف في تحديد المدة التى يجوز فيها القسمة لبعض المنافع دون بعض للاغتلال أو الانتفاع مثل استخدام العبد وركوب الدابة وزراعة الارض، وذلك أيضا فيما ينقل ويحول أو لا ينقل ولا يحول، فأما فيما ينقل ويحول فلا يجوز عند مالك وأصحابه في المدة الكثير ويجوز في المد اليسيرة وذلك في الاغتلال الانتفاع واما فيما لا ينقل ولا يحول في المدة البعيده والاجل البعيد وذلك في الاغتلال والانتفاع.
واختلفوا في المدة اليسيرة فيما ينقل ويحول في الاغتلال، فقيل اليوم الواحد ونحوه، وقيل لا يجوز ذلك في الدابة والعبد وأما الاستخدام فقيل يجوز في الخمسة الايام، وقيل في الشهر وأكثر من الشهر قليلا.
وأما التهايؤ في الاعيان بأن يستعمل هذا دارا مدة من الزمان وهذا دارا تلك المدة بعينها، فقيل يجوز في سكنى الدار وزراعة الارضين ولا يجوز ذلك

في الغلة والكراء إلا في الزمان اليسير، وقيل يجوز على قياس التهايؤ بالازمان وكذلك القول في استخدام العبد والدواب يجرى القول فيه على الاختلاف في قسمتها بالزمان.
وقالت الحنابلة: والقسمة نوعان عن تراض أو إجبار ولا قسمة في مشترك إلا برضا الشركاء كلهم حيث كان في القسمة ضرر ينقص القيمة كحمام ودور صغار وشجر مفرد وحيوان، وحيث تراضيا صحت وكانت بيعا يثبت فيها ما يثبت فيه من الاحكام.
وإن لم يتراضيا ودعا أحدهما شريكه إلى البيع في ذلك أو إلى بيع عبد أو بهيمة أو سيف ونحوه مما هو شركة بينهما أجبر ان امتنع، فإن أبى بيع عليهما وقسم الثمن ولا إجبار في قسمة المنافع، فإن اقتسماها بالزمن كهذا شهرا والآخر مثله أو بالمكان كهذا في بيت والاخر في بيت صح جائزا ولكل الرجوع.
النوع الثاني قسمة إجبار وهى ما لا ضرر فيها ولا رد عوض، وتتأتى في مكيل وموزون وفى دار كبيرة وأرض واسعة ويدخل الشجر تبعا، وهذا النوع ليس بيعا فيجبر الحاكم أحد الشريكين إذا امتنع، ويصح أن يتقاسما بأنفسهما وأن ينصبا قاسما بينهما، ويشترط إسلامه وعدالته وتكليفه ومعرفته بالقسمة وأجرته على قدر أملاكهما، وان تقاسما بالقرعة جاز ولزمت القسمة بمجرد خروج القرعة ولو فيما فيه رداءة وضرر.
وان خير أحدهما الاخر بلا قرعة وتراضيا لزمت بالتفرق، وان خرج في نصيب أحدهما عيب جهله خير بين فسخ وامساك ويأخذ الارش، وان غبن غبنا فاحشا بطلت، وان ادعى كل أن هذا من سهمه تحالفا ونقضت، وان حصلت الطريق في حصة أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الدعوى والبينات

لا تصح دعوى مجهول في غير الوصية، لان القصد بالحكم فصل الحكومة والتزام الحق ولا يمكن ذلك في المجهول، فإن كان المدعى دينا ذكر الجنس والنوع والصفة، وإن كان عينا باقيا ذكر صفتها، وإن ذكر قيمتها كان أحوط، وإن كانت العين تالفة، فإن كان لها مثل ذكر صفتها، وإن ذكر القيمة كان أحوط، وإن لم يكن لها مثل ذكر قيمتها، وإن كان المدعى سيفا محلى أو لجاما محلى، فإن كان بفضة قومه بالذهب، وإن كان بالذهب قومه بالفضة، وان كان محلى بالذهب والفضة قومه بما شاء منهما.
وإن كان المدعى مالا عن وصية جاز أن يدعى مجهولا، لان بالوصية يملك المجهول، ولا يلزم في دعوى المال ذكر السبب الذى ملك به لان أسبابه كثيرة فيشق معرفة سبب كل درهم فيه، وان كان المدعى قتلا لزمه ذكر صفته وأنه عمد أو خطأ وأنه انفرد به أو شاركه فيه غيره، ويذكر صفته وأنه عمد أو خطأ وأنه انفرد به أو شاركه فيه غيره، ويذكر صفة العمد لان القتل لا يمكن تلافيه، فإذا لم يبين لم تؤمن أن يقتص فيما لا يجب فيه القصاص، وان كان المدعى نكاحا فقد قال الشافعي رحمه الله: لا يسمع حتى يقول نكحتها بولي وشاهدين ورضاها، فمن أصحابنا من قال لا يشترط لانه دعوى ملك فلا يشترط فيه ذكر السبب كدعوى المال، وما قال الشافعي رحمه الله ذكره على سبيل الاستحاب، كما قال في امتحان الشهود إذا ارتاب بهم.
ومنهم قال ان ذلك شرط لانه مبنى على الاحتياط وتتعلق العقوبة بجنسه، فشرط في دعواه ذكر الصفة كدعوى القتل.
ومنهم قال ان كان يدعى ابتداء النكاح لزمه ذكره لانه شرط في الابتداء، وان كان يدعى استدامة النكاح لم يشترط لانه ليس بشرط في الاستدامة، وان ادعت امرأة على رجل نكاحا، فإن كان مع النكاح حق تدعيه من مهر أو نفقة سمعت دعواها، وان لم تدع حقا سواه ففيه وجهان

(أحدهما) أنه لا تسمع دعواها لان النكاح حق للزوج على المرأة فإذا ادعت المرأة كان ذلك اقرارا، والاقرار لا يقبل مع انكار المقر له، كما لو أقرت له بدار.

(والثانى) أنه تسمع لان النكاح يتضمن حقوقا لها فصح دعواها فيه، وان كان المدعى بيعا أو اجارة ففيه ثلاثة أوجه: (أحدها) أنه لا يفتقر إلى ذكر شروطه لان المقصود به المال فلم يفتقر إلى ذكر شروطه كدعوى المال.

(والثانى) أنه يفتقر إلى ذكر شروطه لانه دعوى عقد فافتقر إلى ذكر شروطه كالنكاح.
(والثالث) أنه ان كان في غير الجارية لم تفتقر لانه لا يقصد به غير المال وان كان في جارية افتقر لانه يملك به الوطئ فأشبه النكاح، وما لزم ذكره في الدعوى ولم يذكره، سأله الحاكم عنه ليذكره، فتصير الدعوى معلومة فيمكن الحكم بها.

(فصل) وإن ادعى عليه مالا مضافا إلى سببه فإن ادعى عليه ألفا اقترضه أو أتلف عليه فقال ما أقرضنى أو ما أتلفت عليه صح الجواب لانه أجاب عما ادعى عليه، وان لم يتعرض لما ادعى عليه بل قال لا يستحق على شيئا صح الجواب ولا يكلف انكار ما ادعى عليه من القرض أو الاتلاف لانه يجوز أن يكون قد أقرضه أو أتلف عليه ثم قضاه أو أبرأه منه، فإن أنكره كان كاذبا في إنكاره وإن أقر به لم يقبل قوله انه قضاء أو أبرأه منه فيستضر به، وان أنكر الاستحقاق كان صادقا ولم يكن عليه ضرر.

(فصل) وان ادعى على رجل دينا في ذمته فأنكره لم تكن بينة فالقول قوله مع يمينه لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ أَنَّ الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم، لكن اليمين على المدعى عليه، ولان الاصل براءة ذمته فجعل القول قوله وان ادعى عينا في يده فأنكره ولا بينة فالقول قوله مع يمينه لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في قصة الحضرمي والكندي شاهداك أو يمينه، ولان الظاهر من اليد

الملك فقبل قوله، وإن تداعيا عينا في يدهما ولا بينة حلفا وجعل المدعى بينهما نصفين لما روى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رجلين تداعيا دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ولان يد كل واحد منهما على نصفها فكان القول فيه قوله، كما لو كانت العين في يد أحدهما.

(فصل) وإن تداعيا عينا ولاحدهما بينة وهى في يدهما أو في يد أحدهما أو في يد غيرهما حكم لمن له البينه لقوله صلى الله عليه وسلم (شاهدان أو يمينه) فبدأ بالحكم بالشهادة، ولان البينة حجة صريحة في إثبات الملك لا تهمة فيها، واليد تحتمل الملك وغيره، والذى يقويها هو اليمين وهو متهم فيها فقدمت البينة عليها، وإن كان لكل واحد منهما بينة نظرت فإن كانت العين في يد أحدهما قضى لمن له اليد من غير يمين ومن أصحابنا من قال لا يقضى لصاحب اليد من غير يمين لان بينته تعارضها بينة المدعى فتسقطها ويبقى له اليد.
واليد لا يقضى بها من غير يمين، المنصوص أنه يقضى له من غير يمين لان معه بينة معها ترجيح وهو اليد ومع الآخر بينة لا ترجيح معها، والحجتان إذا تعارضتا ومع إحداهما ترجيح قضى بالتى معها الترجيح، كالخبرين إذا تعارضا ومع أحدهما قياس، وإن كانت العين في يد أحدهما فأقام الآخر بينة فقضى له وسلمت العين إليه ثم أقام صاحب اليد بينة أنها له نقض الحكم وردت العين إليه، لانا حكمنا للآخر ظنا منا أنه لا بينة له، فإذا أتى بالبينة بان لنا أنه كانت له يد وبينة فقدمت على بينة الآخر.

(فصل) وإن كان لكل واحد منهما بينة والعين في يدهما أو في يد غيرهما أو لا يد لاحدهما عليها تعارضت البينتان، وفيهما قولان (أحدهما) أنهما يسقطان وهو الصحيح لانهما حجتان تعارضتا ولا مزية لاحداهما على الاخرى فسقطتا كالنصين في الحادثة، فعلى هذا يكون الحكم فيه، كما لو تداعيا ولا بينة لواحد منهما.

(والثانى) أنهما يستعملان وفى كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال.
أحدها أنه يوقف الامر إلى أن ينكشف أو يصطلحا، لان إحداهما صادقة والاخرى كاذبة ويرجى معرفة الصادقة فوجب التوقف، كالمرأة إذا زوجها وليان أحدهما بعد

الآخر وفى السابق منهما.
والثانى أنه يقسم بينهما لان البينة حجة كاليد، ولو استويا في اليد قسم بينهما فكذلك إذا استويا في البينة.
والثالث أنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حكم له لانه لا مزية لاحداهما على الاخرى فوجب التقديم بالقرعة كالزوجتين إذا أراد الزوج السفر بإحداهما.

(فصل) وان كانت بينة أحدهما شاهدين وبينة الآخر أربعة وأكثر فهما متعارضتان وفيهما القولان لان الاثنين مقدران بالشرع فكان حكمهما وحكم ما زاد سواء، وإن كانت إحدى البينتين أعدل من الاخرى فهما متعارضتان وفيهما القولان، ولانهما متساويتان في إثبات الحق.
وإن كانت بينة أحدهما شاهدين وبينة الآخر شاهدا وامرأتين فهما متعارضتان وفيهما القولان لانهما يتساويان في إثبات المال، وان كانت بينة أحدهما شاهدين وبينة الاخر شاهدا ويمينا ففيه قولان (أحدهما) أنهما يتعارضان وفيهما القولان لانهما تساويا في اثبات المال (والقول الثاني) أنه يقضى لمن له الشاهدان لان بينته مجمع عليها وبينة الاخر مختلف فيها.

(فصل) وان كانت العين في يد غيرهما فشهدت بينة أحدهما بأنه ملكه من سنة وشهدت بينة الآخر أنه ملكه من سنتين ففيه قولان.
قال في الهويطى هما سواء لان القصد إثبات الملك في الحال وهما متساويتان في اثبات الملك في الحال والقول الثاني أن التى شهدت بالملك المتقدم أولى وهو اختيار المزني وهو الصحيح لانها انفردت بإثبات الملك في زمان لا تعارضها فيه البينة الاخرى.
وأما إذا كان الشئ في يد أحدهما فإن كان في يد من شهد له بالملك المتقدم حكم له، وان كان في يد الآخر فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أبوا لعباس رحمه الله بينى على القولين في المسألة قبلها ان قلنا انهما يتساويان حكم لصاحب اليد، وان قلنا ان التى شهدت بالملك المتقدم تقدم قدمت ههنا أيضا لان الترجيح من جهة البينة أولى من الترجيح باليد.
ومن أصحابنا من قال يحكم به لمن هو في يده قولا واحدا لان اليد الموجودة أولى من الشهادة بالملك المتقدم.
وأما إذا تداعيا دابة وأقام أحدهما بينة أنها ملكه نتجت في ملكه، وأقام

الآخر أنها دابته ولم يذكر النتاج فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أبو العباس الحكم فيه كالحكم في الشهادة بالملك المتقدم وفيها قولان، لان الشهادة بالنتاج كشهادته بالملك المتقدم.
وقال أبو إسحاق: يحكم لمن شهدت له البينة بالنتاج قولا واحدا، لان بينة النتاج تنفى أن يكون الملك لغيره، والبينة بالملك المتقدم لا تنفى أن يكون الملك قبل ذلك لغير المشهود له (فصل) إذا ادعى رجل دارا في يد رجل وأقام بينة أن هذه الدار كانت في يده أو في ملكه أمس فقد نقل المزني والربيع أنه لا يحكم بهذه الشهادة، وحكى البويطى أن يحكم بها، فقال أبو العباس فيها قولان: أحدهما أنه يحكم بذلك لانه قد ثبت بالبينة أن الدار كانت له والظاهر بقاء الملك.
والقول الثاني أنه لا يحكم بها وهو الصحيح لانه ادعى ملك الدار في الحال وشهدت له البينة بما لم يدعه فلم يحكم بها، كما لو ادعى دارا فشهدت له البينة بدار أخرى.
وقال أبو إسحاق لا يحكم بها قولا واحدا، وما ذكره البويطى من تخريجه.

(فصل) وان ادعى رجل على رجل دارا في يده وأقر بها لغيره نظرت فإن صدقه المقر له حكم له، لانه مصدق فيما في يده، وقد صدقه المقر له فحكم له وتنتقل الخصومة إلى المقر له، فإن طلب المدعى يمين المقر أنه لا يعلم أنها له ففيه قولان بناء على من أقر بشئ في يده لغيره ثم أقر به لآخر، وفيه قولان: (أحدهما) يلزمه أن يغرم الثاني.

(والثانى) لا يلزمه، فإن قلنا يلزمه أن يغرم حلف لانه ربما خاف أن يحلف فيقر للثاني فيغرم له، وان قلنا لا يلزمه لم يحلف لانه ان خاف من اليمين فأقر للثاني لم يلزمه شئ فلا فائدة في تحليفه، وان كذبه المقر ففيه وجهان: (أحدهما) وهو قول أبى العباس أنه يأخذها الحاكم ويحفظها إلى أن يجد صاحبها، لان الذى في يده لا يدعيها والمقر له أسقط اقراره بالتكذيب وليس للمدعى بينة فلم يبق الا أن يحفظها الحاكم كالمال الضال (والثانى) وهو قول أبى اسحاق أنه يسلم إلى المدعى، لانه ليس ههنا من

يدعيه غيره، وهذا خطأ لانه حكم بمجرد الدعوى، وان أقر بها لغائب ولا بينة وقف الامر إلى أن يقدم الغائب لان الذى في يده لا يدعيها ولا بينة تقضى بها فوجب التوقف، فإن طلب المدعى يمين المدعى عليه أنه لا يعلم أنها له فعلى ما ذكرناه من القولين.
وان كان للمدعى بينة قضى له، وهل يحتاج إلى أن يحلف مع البينة فيه وجهان:

(أحدهما) أنه يحتاج أن يحلف مع البينة لانا حكمنا بإقرار المدعى عليه أنها ملك للغائب، ولا يجوز القضاء بالبينة على الغائب من غير يمين.

(والثانى) وهو قول أبى اسحاق انه لا يحتاج أن يحلف لانه قضاء على الحاضر وهو المدعى عليه، وان كان مع المدعى عليه بينة أنها للغائب فالمنصوص أنه يحكم ببينة المدعى وتسلم إليه، ولا يحكم ببينة المدعى عليه وان كان معها يد لان بينة صاحب اليد انما يقضى بها إذا أقامها صاحب الملك أو وكيل له والمدعى عليه ليس بمالك ولا هو وكيل للمالك فلم يحكم ببينته.
وحكى أبو إسحاق رحمه الله عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ المقر للغائب يدعى أن الدار في يده وديعة أو عارية لم تسمع بينته، وان كان يدعى أنها في يده بإجارة سمعت بينته وقضى بها، لانه يدعى لنفسه حقا فسمعت بينته فيصح الملك للغائب ويستوفى بها حقه من المنفعة، وهذا خطأ لانه إذا لم تسمع البينة في اثبات الملك وهو الاصل، فلان لا تسمع لاثبات الاجارة وهى فرع على الملك أولى، وان أقر بها لمجهول فقد قال أبو العباس فيه وجهان.

(أحدهما) أنه يقال له اقرارك لمجهول لا يصح، فإما أن تقر بها لمعروف أو تدعيها لنفسك أو نجعلك ناكلا ويحلف المدعى ويقضى له (والثانى) أن يقال له اما أن تقر بها لمعروف أو نجعلك ناكلا ولا يقبل دعواه لنفسه لانه بإقراره لغيره نفى أن يكون الملك له فلم تقبل دعواه بعد (فصل) إذا ادعى جارية وشهدت البينة أنها ابنة أمته لم يحكم له بها لانها قد تكون ابنة أمته ولا تكون له بأن تلدها في ملك غيره ثم يملك الامة دونها فتكون ابنة أمته ولا تكون له.
وان شهدت البينة أنها ابنة أمته ولدتها في ملكه فقد قال الشافعي رحمه الله

حكمت بذلك، وذكر في الشهادة بالملك المتقدم قولين، فنقل أبو العباس جواب تلك المسألة إلى هذه وجعلها على قولين، وقال سائر اصحابنا يحكم بها ههنا قولا واحدا وهناك على قولين، والفرق بينهما أن الشهادة هناك بأصل الملك فلم تقبل حتى يثبت في الحال، والشهادة ههنا بتمام الملك وأنه حدث في ملكه فلم يفتقر إلى اثبات الملك في الحال.
وان ادعى غزلا أو طيرا أو آجرا وأقام البينة أن الغزل من قطنه والطير من بيضه والآخر من طينه قضى له، لان الجميع عين ماله وانما تغيرت صفته (فصل) إذا ادعى رجل أن هذه الدار ملكه من سنتين وأقام على ذاك بينة وادعى آخر أنه ابتاعها منذ سنتين وأقام على ذاك بينة قضى ببينة الابتياع، لان بينة الملك شهدت بالملك على الاصل وبينة الابتياع شهدت بأمر حادث خفى على بينة الملك فقدمت على بينة الملك كما تقدم بينة الجرح على بينة التعديل.

(فصل) وان كان في يد رجل دار وادعى رجل أنه ابتاعها من زيد وهو يملكها وأقام على ذلك بينة حكم له لانه ابتاعها من مالكها، وان شهدت له البينة أنه ابتاعها منه وسلمها إليه حكم له لانه لا يسلم الا ما يملكه، وان شهدت أنه ابتاعها منه ولم تذكر الملك ولا التسليم لم يحكم بهذه الشهادة ولم تؤخذ الدار ممن هي في يده لانه قد يبيع الانسان ما يملكه وما لا يملكه فلا تزال يد صاحب اليد (فصل) وان كان في يد رجل دار فادعاها رجل وأقام البينة أنها له أجرها ممن هي في يده وأقام الذى في يده الدار بينة أنها له قدمت بينة الخارج الذى لا يد له، لان الدار المستأجرة في ملك المؤجر وبيده وليس للمستأجر الا الانتفاع فتصير كما لو كانت في يده دار وادعى رجل أنها له غصبه عليها الذى هي في يده وأقام البينة فإنه يحكم بها للمغصوب منه.

(فصل) وان تداعى رجلان دارا في يد ثالث فشهد لاحدهما شاهدان أن الذى في يده الدار غصبه عليها وشهد للآخر شاهدان أنه أقر له بها قضى للمغصوب منه لانه ثبت بالبينة أنه غاصب، واقرار الغاصب لا يقبل فحكم بها للمغصوب منه.

(فصل) إذا ادعى رجل أنه ابتاع دارا من فلان ونقده الثمن وأقام على

ذلك بينة وادعى آخر أنه ابتاعها منه ونقده الثمن وأقام على ذلك بينة وتاريخ أحدهما في رمضان وتاريخ الآخر في شوال قضى لمن ابتاعها في رمضان، لانه ابتاعها وهى في ملكه والذى ابتاعها في شوال ابتاعها بعد ما زال ملكه عنها، وان كان تاريخهما واحدا، أو كان تاريخهما مطلقا أو تاريخ أحدهما مطلقا وتاريخ الآخر مؤرخا، فإن كانت الدار في يد أحدهما قضى له لان معه بينة ويدا، وان كانت في يد البائع تعارضت البينتان وفيهما قولان، أحدهما أنهما يسقطان والثانى أنهما يستعملان.
فإن قلنا انهما يسقطان رجع إلى البائع فإن أنكرهما حلف لكل واحد منهما يمينا على الانفراد وقضى له، وإن أقر لاحدهما سلمت إليه.
وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان، وان أقر لهما جعلت لهما نصفين، وهل يحلف كل واحد منهما للآخر على النصف الاخر؟ على القولين.
وان قلنا انهما يستعملان نظرت فإن صدق البائع أحدهما ففيه وجهان: (أحدهما) وهو قول أبى العباس أنها تجعل لمن صدقه البائع لان الدار في يده فإذا أقر لاحدهما فقد نقل يده إليه فتصير له يد وبينة.
وقال أكثر أصحابنا لا يرجح بإقرار البائع وهو الصحيح لان البينتين اتفقتا على إزالة ملك البائع وإسقاط يده فعلى هذا يقرع بينهما في أحد الاقوال ويقسم بينهما في الثاني فيجعل لكل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذى ادعى أنه ابتاع به، ولا يجئ القول بالوقف لان العقود لا توقف.

(فصل) وان ادعى رجل أنه ابتاع هذه الدار من زيد وهو يملكها ونقده الثمن وأقام عليه بينة وادعى آخر أنه ابتاعها من عمرو وهو يملكها ونقده الثمن وأقام عليه بينة، فإن كانت في يد أجنبي أو في أحد البائعين وقلنا على المذهب الصحيح أنه لا ترجح البينة بقول البائع تعارضت البينتان، وفيهما قولان: (أحدهما) أنهما يسقطان (والثانى) أنهما يستعملان، فإن قلنا انهما يسقطان رجع إلى من هو في يده، فان ادعاه لنفسه فالقول قوله ويحلف لكل واحد منهما، وان أقر لاحدهما سلم إليه.
وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان،

وإن أقر لهما جعل لكل واحد منهما نصفه، وهل يحلف للآخر على النصف الاخر؟ على القولين، وإن قلنا إنهما يستعملان أقرع بينهما في أحد الاقوال ويقسم بينهما في القول الثاني فيجعل لكل واحد منهما النصف بنصف الثمن الذى ادعى أنه ابتاعه ولا يجئ الوقف لان العقود لا توقف.

(فصل) وإن كان في يد رجل دار فادعى زيد أنه باعها منه بألف وأقام عليه بينة وادعى عمرو أنه باعها منه بألف وأقام عليه بينة، فإن كانت البينتان بتاريخ واحد تعارضتا، وفيهما قولان: (أحدهما) أنهما يسقطان.

(والثانى) أنهما يستعملان، فإذا قلنا إنهما يسقطان رجع إلى قول من هي في يده، فإن ادعاها لنفسه وأنكر الشراء حلف لكل واحد منهما وحكم له وإن أقر لاحدهما لزمه الثمن لمن أقر له وحلف للآخر قولا واحدا، لانه لو أقر له بعد إقراره للاول لزمه له الالف لانه يقر له بحق في ذمته فلزمه أن يحلف قولا واحدا، وان قلنا إنهما يستعملان أقرع بينهما في أحد الاقوال ويقسم في القول الثاني، ولا يجئ الوقف لان العقود لا توقف وإن كانتا بتاريخين مختلفين، بأن شهدت بينة أحدهما بعقد في رمضان، وبينة أحدهما بعقد في شوال لزمه الثمنان، لانه يمكن الجمع بينهما بأن يكون قد اشتراه في رمضان من أحدهما ثم باعه واشتراه من الاخر في شوال.
وان كانت البينتان مطلقتين ففيه وجهان: (أحدهما) أنه يلزمه الثمنان، لانه يمكن استعمالهما بأن يكون قد اشتراه في وقتين مختلفين.

(والثانى) انهما يتعارضان فيكون على القولين، لانه يحتمل أن يكونا في وقتين فيلزمه الثمنان، ويحتمل أن يكونا في وقت واحد، والاصل براءة الذمة.

(فصل) وان ادعى رجل ملك عبد فأقام عليه بينة وادعى آخر أنه باعه أو وقفه أو أعتقه وأقام عليه بينة قدم البيع والوقف والعتق.
لان بينة الملك شهدت بالاصل وبينة البيع والوقف والعتق شهدت بأمر حادث خفى على بينة الملك فقدمت على بينة الملك.

وإن كان في يد رجل عبد فادعى رجل أنه ابتاعه وأقام عليه بينة، وادعى العبد أن مولاه أعتقه وأقام عليه بينة، فإن عرف السابق منهما بالتاريخ قضى بأسبق التصرفين، لان السابق منهما يمنع صحة الثاني فقدم عليه، وان لم يعرف السابق منهما تعارضتا، وفيهما قولان.

(أحدهما) أنهما يسقطان ويرجع إلى من في يده العبد، وان كان كذبهما حلف لكل واحد منهما يمينا على الانفراد، وان صدق أحدهما قضى لمن صدقه والقول الثاني أنهما يستعملان فيقرع بينهما في أحد الاقوال فمن خرجت له القرعة قضى له ويقسم في القول الثاني فيعتق نصفه ويحكم للمبتاع بنصف الثمن ولا يجئ القول بالوقف لان العقود لا توقف.

(فصل) قال في الامام: إذا قال لعبده إن قتلت فأنت حر، فأقام العبد بينة أنه قتل وأقام الورثة بينة أنه مات ففيه قولان (أحدهما) أنه تتعارض البينتان ويسقطان ويرق العبد، لان بينة القتل تثبت القتل وتنفى الموت، وبينة الموت تثبت الموت وتنفى القتل فتسقطان ويبقى العبد على الرق.

(والثانى) أنه تقدم بينة القتل ويعتق العبد لان بينة الورثة تشهد بالموت وبينة العبد تشهد بالقتل، لان المقتول ميت، ومعها زيادة صفة وهى القتل فقدمت، وان كان له عبدان سالم وغانم، فقال لغانم ان مت في رمضان فأنت حر، وقال لسالم أن مت في شوال فأنت حر، ثم مات.
فأقام غانم بينة أنه مات في رمضان، وأقام سالم بينة بالموت في شوال ففيه قولان: (أحدهما) أنه تتعارض البينتان ويسقطان ويرق العبدان، لان الموت في رمضان ينفى الموت في شوال، والموت في شوال ينفى الموت في رمضان فيسقطان ويبقى العبدان على الرق.
والقول الثاني أنه تقدم بينة الموت في رمضان لانه يجوز أن يكون قد علمت البينة بالموت في رمضان وخفى ذلك على البينة الاخرى إلى شوال فقدمت بينة رمضان لما معها من زيادة العلم.
وإن قال لغانم إن مت من مرضى فأنت حر، وقال لسالم إن برئت من مرضى

فأنت حر ثم مات فأقام غانم بينة بالموت من مرضه، وأقام سالم بينة بأنه برئ من المرض ثم مات تعارضت البينتان وسقطتا ورق العبدان، لان بينة أحدهما أثبتت الموت من مرضه ونفت البرء منه والاخرى أثبتت البرء من مرضه ونفت موته منه فتعذر الجمع بينهما فتعارضتا وسقطتا وبقى العبدان على الرق.

(فصل) وإن اختلف المتبايعان في قدر الثمن أو اختلف المتكاريان في في قدر الاجرة أو في مدة الاجارة، فإن لم يكن بينة فالحكم في التحالف والفسخ على ما ذكرناه في الفسخ في البيع، وإن كان لاحدهما بينة قضى له، وإن كان لكل واحد منهما بينة فنظرت فإن كانا مؤرختين بتاريخين مختلفين قضى بالاولى منهما لان العقد الاول يمنع صحة العقد الثاني، وإن كانتا مطلقتين أو مؤرختين تاريخا واحدا، أو إحداهما مطلقة والاخرى مؤرخة فهما متعارضتان، وفيهما قولان (أحدهما) أنهما يسقطان ويصير كما لو لم تكن بينة فيتحالفا على ما ذكرناه في البيع (والثانى) أنهما يستعملان فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة قضى له ولا يجئ القول بالوقف لان العقود لا توقف ولا يجئ القول بالقسمة لانهما يتنازعان في عقد والعقد لا يمكن قسمته.
وخرج أبو العباس قولا آخر أنه إذا كان الاختلاف في قدر المدة أو في قدر الاجرة قضى بالبينة التى توجب الزيادة كما لو شهدت بينة أن لفلان عليه ألفا وشهدت بينة أن له عليه الفين، وهذا خطأ لان الشهادة بالالف لا تنفى الزيادة عليه فلم يكن بينها وبين بينة الاخرى تعارض، وههنا أحد البينتين ينفى ما شهدت به البينة الاخرى، لانه إذا عقد بأحد العوضين لم يجز أن يعقد بالعوض الآخر فتعارضتا.

(فصل) إذا ادعى رجلان دارا في يد رجل وعزيا الدعوى إلى سبب يقتضى اشتراكهما كالارث عن ميت والابتياع في صفقة، فأقر المدعى عليه بنصفها لاحدهما شاركه الآخر، لان دعواهما تقتضي اشتراكهما في كل جزء منهما، ولهذا لو كان طعاما فهلك بعضه كان هالكا منهما وكان الباقي بينهما، فإذا

جحد النصف وأقر بالنصف جعل المجحود بينهما والمقر به بينهما، وان ادعيا ولم يعزيا إلى سبب فأقر لاحدهما بنصفها لم يشاركه الآخر لان دعواه لا تقتضي الاشتراك في كل جزء منه.

(فصل) وان ادعى رجلان دارا في يد ثالث لكل واحد منهما نصفها وأقر الذى هي في يده بجميعها لاحدهما نظرت فان كان قد سمع من المقر له الاقرار للمدعى الاخر بنصفها لزمه تسليم النصف إليه لانه أقر بذلك، فإذا صار إليه لزمه حكم إقراره كرجل أقر لرجلين بعين ثم صارت العين في يده، وان لم يسمع منه اقرار فادعى جميعها حكم له بالجميع، لانه يجوز أن يكون الجميع له ودعواه للنصف صحيح لان من له الجميع فله النصف، ويجوز أن يكون قد خص النصف بالدعوى، لان على النصف بينة، أو يعلم أنه مقر له بالنصف وتنقل الخصومة إليه مع المدعى الاخر في النصف.
وان قال الذى الذى في يده الدار نصفها لى والنصف الآخر لا أعلم لمن هو، ففيه ثلاثة أوجه.
(أحدها) أنه يترك النصف في يده لانه أقر لمن لا يدعيه فبطل الاقرار وبقى على ملكه.

(والثانى) أن الحاكم ينتزعه منه ويكون عنده لان الذى في يده لا يدعيه والمقر له لا يدعيه فأخذه الحاكم للحفظ كالمال الضال.
(والثالث) أنه يدفع إلى المدعى الاخر لانه يدعيه وليس له مستحق آخر وهذا خطأ لانه حكم بمجرد الدعوى.

(فصل) إذا مات رجل وخلف إبنا مسلما وإبنا نصرانيا وادعى كل واحد منهما أنه مات أبوه على دينه وأنه يرثه وأقام على ما يدعيه بينة، فان عرف أنه كان نصرانيا نظرت فان كانت البينتان غير مؤرختين حكم ببينة الاسلام، لان من شهد بالنصرانية شهد بالاصل والذى شهد بالاسلام شهد بأمر حادث خفى على من شهد بالنصرانية، فقدمت شهادته كما تقدم بينة الجرح على بينة التعديل فان شهدت إحداهما بأنه مات وآخر كلامه الاسلام وشهدت الاخرى بأنه مات

وآخر كلامه النصرانية فهما متعارضتان، وفيهما قولان (أحدهما) أنهما يسقطان فيكون كما لو مات ولا بينة فيكون القول قول النصراني لان الظاهر معه (والثانى) أنهما يستعملان، فإن قلنا بالقرعة أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة ورث، وان قلنا بالوقف وقف، وإن قلنا بالقسمة ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه يقسم كما يقسم في غير الميراث (والثانى) وهو قول أبى اسحاق أنه لا يقسم، لانه إذا قسم بينهما تيقن الخطأ في توريثهما وفى غير الميراث يجوز أن يكون المال مشتركا بينهما فقسم، وإن لم يعرف أصل دينه تعارضت البينتان، سواء كانتا مطلقتين أو مؤرختين وفيها قولان.

(أحدهما) أنهما تسقطان، فإن كان المال في يد غيرهما فالقول قول من في يده المال، وأن كان في يديهما كان بينهما، وان قلنا انهما يستعملان، فإن قلنا يقرع أقرع بينهما، وإن قلنا يوقف وقف إلى أن ينكشف، وان قلنا يقسم قسم.
وقال أبو إسحاق لا يقسم لانه يتيقن الخطأ في توريثهما، والمنصوص أنه يقسم، وما قاله أبو إسحاق خطأ لانه يجوز أن يموت وهو نصراني فورثه ابناه وهما نصرانيان ثم أسلم أحدهما وادعى أن أباه مات مسلما ليأخذ الجميع، ويغسل الميت ويصلى عليه في المسائل كلها ويدفن في مقابر المسلمين وينوى بالصلاة عليه وان كان مسلما كما قلنا في موتى المسلمين إذا اختلطوا بموتى الكفار.

(فصل) وان مات رجل وخلف ابنين واتفق الابنان أن أباهما مات مسلما وأن أحد الابنين أسلم قبل موت الاب، واختلفا في الاخر فقال أسلمت أنا أيضا قبل موت أبى فالميراث بيننا وأنكر الاخر فالقول قول المتفق على اسلامه لان الاصل بقاؤه على الكفر.
ولو اتفقا على اسلامهما واختلفا في وقت موت الاب، فقال أحدهما مات أبى قبل اسلامك فالميراث لى، وقال الاخر بل مات بعد اسلامي أيضا فالقول قول الثاني لان الاصل حياة الاب.
وان مات رجل وخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين، فقال الابوان مات كافرا وقال الابنان مات مسلما فقد قال أبو العباس يحتمل قولين:

(أحدهما) أن القول قول الابوين، لانه إذا ثبت أنهما كافران كان الولد محكوما بكفره إلى أن يعلم الاسلام.

(والثانى) أن الميراث يوقف إلى أن يصطلحوا أن ينكشف الامر لان الولد إنما يتبع الابوين في الكفر قبل البلوغ، فأما بعد البلوغ فله حكم نفسه، ويحتمل أنه كان مسلما ويحتمل أنه كان كافرا فوقف الامر إلى أن ينكشف.

(فصل) وإن مات رجل وله ابن حاضر وابن غائب وله دار في يد رجل فادعى الحاضر أن أباه مات وأن الدار بينه وبين أخيه وأقام بينة من أهل الخبرة بأنه مات وأنه لا وارث له سواهما انتزعت الدار ممن هي في يده ويسلم إلى الحاضر نصفها وحفظ النصف للغائب، وان كان له دين في الذمة قبض الحاضر نصفه، وفى نصيب الغائب وجهان: (أحدهما) أنه يأخذه الحاكم ويحفظه عليه كالعين.

(والثانى) أنه لا يأخذه لان كونه في الذمة أحفظ له ولا يطالب الحاضر فيما يدفع إليه بضمين لان في ذلك قدحا في البينة، وان لم تكن البينة من أهل الخبرة الباطنة أو كانت من أهل الخبرة إلا أنها لم تشهد بأنها لا تعرف له وارثا سواه لم يدفع إليه شئ حتى يبعث الحاكم إلى البلاد التى كان يسافر إليها فيسأل هل له وارث آخر؟ فإذا سأل ولم يعرف له وارث غيره دفع إليه.
قال الشافعي رحمه الله: يأخذ منه ضمينا، وقال في الام: وأحب أن يأخذ منه ضمينا، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) أنه يجب أخذ الضمين لانه ربما ظهر وارث آخر.

(والثانى) أنه يستحب ولا يجب لان الظاهر أنه لا وارث له غيره، ومنهم من قال إن كان الوارث ممن يحجب كالاخ والعم وجب، وان كان ممن لا يحجب كالابن استحب، لان من لا يحجب يتيقن أنه وارث، ويشك فيمن يزاحمه فلم يترك اليقين بالشك، ومن يحجب يشك في إرثه، وحمل القولين على هذين الحالين.
ومنهم من قال ان كان الوارث غير مأمون وجب لانه لا يؤمن أن يضيع حق من يظهر، وان كان مأمونا لم يجب لانه لا يضيع حق من يظهر، وحمل القولين على هذين الحالين.

وان كان الوارث ممن له فرض لا ينقص كالزوجين، فإن شهد الشهود أنه لا وارث له سواه وهم من أهل الخبرة دفع إليه أكمل للفرضين ولا يؤخذ منه ضمين، وان لم يشهدوا أنه لا وارث له سواه، أو شهدوا بذلك ولم يكونوا من أهل الخبرة دفع إليه أنقص الفرضين، فإن كان زوجا دفع إليه ربع المال عائلا، وان كان زوجة دفع إليها ربع الثمن عائلا ويوقف الباقي، فإن لم يظهر وارث آخر دفع إليه الباقي.

(فصل) وان ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها ماتت فورثها الابن، ثم مات الابن فورثته، وقال أخوها بل مات الابن أولا فورثته الام ثم ماتت فورثتها لم يورث ميت من ميت، بل يجعل مال الابن للزوج ومال المرأة للزوج والاخ، لانه لا يرث الا من تيقن حياته عند موت مورثه، وههنا لا تعرف حياة واحد من الميتين عند موت مورثه فلم يورث أحدهما من الآخر كالغرقى (فصل) وإن مات رجل وله دار وخلف إبنا وزوجة، فادعى الابن أنه تركها ميراثا، وادعت الزوجة أنه أصدقها الدار، وأقام كل واحد منهما بينة، قدمت بينة الزوجة على بينة الارث، لان بينة الارث تشهد بظاهر الملك المتقدم وبينة الصداق تشهد بأمر حادث على الملك خفى على بينة الارث.

(فصل) وإن تداعى رجلان حائطا بين داريهما، فإن كان مبنيا على تربيع إحداهما مساويا لها في السمك والحد ولم يكن بناؤه مخالفا لبناء الدار الاخرى ولم تكن بينة لاحدهما فالقول قول من بنى على تربيع داره، لان الظاهر أنه بنى لداره.
وان كان لاحدهما عليه أزج فالقول قوله لان الظاهر أنه بنى للازج، وإن كان مطلقا وهو الذى لم يقصد به سوى السترة ولم تكن بينة حلفا وجعل بينهما لانه متصل بالملكين اتصالا واحدا.
وان كان لاحدهما عليه جذوع ولم يقدم على الآخر بذلك لانهما لو تنازعا فيه قبل وضع الجذوع كان بينهما، ووضع الجذوع يجوز أن يكون بإذن من الجار أو بقضاء حاكم يرى وضع الجذوع على حائط الجار بغير رضاه يزيل ما تيقناه بأمر محتمل، كما لو مات رجل عن دار ثم وجد الدار في يد أجنبي

(فصل) وإن تداعى صاحب السفل وصاحب العلو السقف ولا بينة حلف كل واحد منهما وجعل بينهما، لانه حاجز توسط ملكيهما فكان بينهما كالحائط بين الداربن، فإن تنازعا في الدرجة، فإن كان تحتها مسكن فهى بينهما لانهما متساويان في الانتفاع بها، وأن كان تحتها موضع جب ففيه وجهان.

(أحدهما) أنهما يحلفان ويجعل بينهما لانهما يرتفقان بها (والثانى) أنه يحلف صاحب العلو ويقضى له لان المقصود بها منفعة صاحب العلو، وإن تداعيا سلما منصوبا حلف صاحب العلو وقضى له، لانه يختص بالانتفاع به في الصعود، وإن تداعيا صحن الدار نظرت فإن كانت الدرجة في الصحن حلفا وجعل بينهما، لان لكل واحد منهما يدا عليه، وإن كانت الدرجة في الدهليز ففيه وجهان: (أحدهما) أنها بينهما لان لكل واحد منهما يدا، ولهذا لو تنازعا في أصل الدار كانت بينهما.

(والثانى) أنه لصاحب السفل لانها في يده، ولهذا يجوز أن يمنع صاحب العلو من الاستطراق فيها.

(فصل) وان تداعى رجلان مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر حلفا وجعل بينهما لان فيها منفعة لصاحب النهر لانها تجمع الماء في النهر ولصاحب الارض منها منفعة لانها تمنع الماء من أرضه.

(فصل) وان تداعى رجلان دابة وأحدهما راكبها والآخر آخد بلجامها حلف الراكب وقضى له.
وقال أبو إسحاق رحمه الله هي بينهما لان كل واحد منهما لو انفرد لكانت له، والصحيح هو الاول، لان الراكب هو المنفرد بالتصرف فقضى له وإن تداعيا عمامة وفى يد أحدهما منها ذراع وفى يد الاخر الباقي حلفا وجعلت بينهما، لان يد كل واحد منهما ثابتة على العمامة، وان تداعيا عبدا ولاحدهما عليه ثياب حلف وجعل بينهما، ولا يقدم صاحب الثياب لان منفعة الثياب تعود إلى العبد لا إلى صاحب الثياب.

(فصل) وان كان في يد رجل عبد بالغ عاقل فادعى أنه عبده، فإن صدقه حكم له بالملك، وان كذبه فالقول قوله مع يمينه لان الظاهر الحرية، وان كان

طفلا لا يميز فالقول قول المدعى لانه لا يعبر عن نفسه وهو في يده فهو كالبهيمة وان بلغ هذا الطفل فقال لست بمملوك له لم يقبل قوله، لانا حكمنا له بالملك فلا يسقط بإنكاره.
وان جاء رجل فادعى أنه ابنه لم يثبت نسيه بمجرد دعواه لان فيه اضرارا بصاحب الملك لانه ربما يعتقه فيثبت له عليه الولاء.
وإذا ثبت نسبه لمن يدعى النسب سقط حق ولائه، وان كان مراهقا وادعى أنه مملوكه فأنكر ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يحكم بالملك لانه يعبر عن نفسه فلم يحكم بملكه مع انكاره كالبالغ (والثانى) أنه يحكم له بالملك وهو الصحيح لانه لا حكم لقوله.

(فصل) وان تداعى الزوجان متاع البيت الذى يسكنانه ولا بينة حلفا وجعل الجميع بينهما نصفين لانه في يدهما فجعل بينهما، كما لو تداعيا الدار التى يسكنان فيها، وان تداعى المكرى والمكترى المتاع الذى في الدار المكراة فالقول قول المكترى لان يده ثابتة على ما في الدار، وان تداعيا سلما غير مسمر فهو للمكترى لانه كالمتاع.
وان تداعيا سلما مسمرا فالقول قول المكرى لانه من أجزاء الدار، وان تداعيا الرفوف المسمرة فالقول قول المكرى لانها متصلة بالدار فصارت كأجزائها، وان كانت غير مسمرة فقد قال الشافعي رحمه الله أنهما يتحالفان وتجعل بينهما لان الرفوف قد تترك في العادة وقد تنقل عنها فيجوز أن تكون للمكترى ويجوز أن تكون للمكرى فجعل بينهما (فصل) ومن وجب له حق على رجل وهو غير ممتنع من دفعع لم يجز لصاحب الحق أن يأخذ من ماله حقه بغير اذنه لان الخيار فيما يقضى به الدين إلى من عليه الدين ولا يجوز أن يأخذ الا ما يعطيه، وان أخذ بغير إذنه لزمه رده، فإن تلف ضمنه لانه أخذ مال غيره بغير حق، وان كان ممتنعا من أدائه فإن لم يقدر على أخذه بالحاكم فله أن يأخذ من ماله لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا ضَرَرَ وَلَا إضرار) وفى منعه من أخذ ماله في هذا الحال اضرار به، وان كان يقدر على أخذه بالحاكم بأن تكون له عليه بينة ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يجوز أن يأخذه لانه يقدر على أخذه بالحاكم فلم يجز أن يأخذه بنفسه.

(والثانى) وهو المذهب أن يجوز لان هندا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطينى ما يكفيني وولدى إلا ما آخذه سرا، فقال عليه السلام خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف، فأذن لها في الاخذ مع القدرة على الاخذ بالحاكم، ولان عليه في المحاكمة مشقة فجاز له أخذه، فإن كان الذى قدر عليه من جنس حقه أخذ قدر حقه، وإن كان من غير جنسه أخذه ولا يجوز أن يتملكه لانه من غير جنس ماله فلا يجوز أن يتملكه ولكن يبيعه ويصرف ثمنه في حقه، وفى كيفية البيع وجهان: (أحدهما) أنه يواطئ رجلا ليقر له بحق وأنه ممتنع من أدائه فيبيع الحاكم المال عليه.

(والثانى) وهو المذهب أنه يبيع المال بنفسه لانه يتعذر عليه أن يثبت الحق عند الحاكم وأنه ممتنع من بيعه فملك بيعه بنفسه، فإن تلفت العين قبل البيع ففيه وجهان: أحدهما أنها تتلف من ضمان من عليه الحق ولا يسقط دينه لانها محبوسة لاستيفاء حقه منها، فكان هلاكها من ضمان المالك كالرهن.
والوجه الثاني: أنها تتلف من ضمان صاحب الحق لانه أخذها بغير إذن المالك فتلفت من ضمانه بخلاف الرهن فإنه أخذه بإذن المالك فتلف من ضمانه (الشرح) حديث ابن عباس (لو أن الناس أعطوا ... ) متفق عليه بلفظ (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) وأخرجه البيهقى عن نافع عن ابن عمر وابن حبان عن مجاهد عن ابن عمر، والترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، والدارقطني وإسناده عنده ضعيف.
حديث (في قصة الحضرمي..) سبق تخريجه.
حديث أبى موسى الاشعري (أن رجلين تداعيا دابة..) أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث جابر بلفظ (أن رجلين تداعيا دابة وأقام كل واحد منهما بينة أنها دابته فقضى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للتى في يده، واسناده ضعيف.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي (أن رجلين اختصما إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعير، فأقام كل واحد منهما بينة أنه له، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما) وذكر الاختلاف فيه على قتادة، وقال البيهقى هو معلول فقد رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبى هريرة.
ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في صحيحه، واختلف فيه على سعيد بن أبى عروبة، فقيل عنه عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن أبى موسى وقيل عنه عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة قال: أنبئت أن رجلا، قال البخاري قال سماك بن حرب أنا حدثت ابا بردة بهذا الحديث، فعلى هذا لم يسمع أبو بردة هذا الحديث من أبيه، ورواه أبو كامل مظفر بن مدرك عن حماد عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبى بردة مرسلا، قال حماد فحدثت به سماك بن حرب فقال أنا حدثت أبا بردة وقال الدارقطني والبيهقي والخطيب: الصحيح أنه عن سماك مرسلا.
ورواه ابن أبى شيبة عن أبى الاحوص عن سماك عن تميم بن طرفة أن رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل واحد منهما البينة أنه له فقضى النبي صلى الله عليه وسلم به بينهما، ووصله الطبراني بذكر جابر بن سمرة بإسنادين في أحدهما حجاج بن أرطاه والراوي عنه سويد بن عبد العزيز، وفى الآخر ياسين الزيات والثلاثة ضعفاء.
حديث (شاهداك أو يمينه) سبق تخريجه حديث (لا ضرر ولا ضرار) سبق تخريجه حديث (أن هندا قالت يا رسول الله ان أبا سفيان رجل شحيح..) متفق عليه عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبى سفيان عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت يا رسول الله ان أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينى من النفقة ما يكفيني ويكفى بنى إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل على في ذلك من جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك) اللغة: المدعى في اللغة كل من ادعى نسبا أو علما أو ادعى ملك شئ نوزع

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل