المجموع شرح المهذبصفحات 25-64
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأطعمة

صفحات 25-64
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(إحداهما) يثبت وهو قول الشافعي لظاهر الحديث (والثانية) لا يثبت لعدم الغبن، ولذلك ثبت الخيار للمشترى المسترسل إذا غبن، وفى الحديث " غبن المسترسل ربا " وفى تفسيره قولان (أحدهما) أنه الذى لا يعرف قيمة السلعة (والثانى) وهو المنصوص عن أحمد أنه الذى لا يماكس، بل يسترسل إلى البائع ويقول: أعطني هذا.
وليس لاهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر ويبيعوا المسترسل بغيره.
وهذا مما يجب على والى الحسبة إنكاره، وهذا بمنزلة تلقى السلع، فان القادم جاهل بالسعر.
ثم قال ابن القيم: ومن هذا تلقى سوقة الحجيج الجلب من الطريق، وسبقهم إلى المنازل يشترون الطعام والعلف ثم يبيعونه كما يريدون فيمنعهم والى الحسبة من التقدم لذلك حتى يقدم الركب، لما في ذلك من مصلحة الركب ومصلحة الجالب، ومتى اشتروا شيئا من ذلك منعهم من بيعه بالغبن الفاحش ومن ذلك نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنْ يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " قيل لابن عباس: ما معنى قوله " لا يبيع حاضر لباد؟ " قال " لا يكون له سمسارا ". وهذا النهى لما فيه من ضرر المشترى فان المقيم إذا وكله القادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها، والقادم لا يعرف السعر أضر ذلك بالمشترى كما أن النهى عن تلقى الجلب لما فيه من الاضرار بالبائعين، اه (قلت) وقد ذهب إلى الاخذ بظاهر الحديث الجمهور فقالوا: لا يجوز تلقى الركبان، واختلفوا هل هو محرم أو مكروه فقط.
وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة أنه أجاز التلقى وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن الذى في كتب الحنفية أنه يكره التلقى في حالتين (الاولى) أن يضر بأهل البلد (والثانية) أن يلبس السعر على الواردين.
والتنصيص على الركبان في بعض الروايات خرج مخرج الغالب، وحكم الماشي حكم الراكب من غير فرق.
دليلنا حديث أبى هريرة المذكور فان فيه النهى عن تلقى الجلب من غير فرق.
وكذلك حديث ابن مسعود المذكور، فان فيه النهى عن تلقى البيوع.
وقد أوضحنا في الخيار قول ابن القيم، ونزيدك إيضاحا بما قاله الشوكاني.
قال:

اختلفوا هل يثبت له الخيار مطلقا أو بشرط أن يقع له في البيع غبن، ذهبت الحنابلة إلى الاول وهو الاصح عند الشافعية هو الظاهر، وظاهره أن النهى لاجل صنعة البائع، وإزالة الضرر عنه، وصيانته ممن يخدعه.
قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيون والاوزاعي، قال: والحديث حجة للشافعي لانه أثبت الخيار للبائع لا لاهل السوق اه.
وقد احتج مالك ومن معه بما وقع في رواية من النهى عن تلقى السلع حتى تهبط الاسواق، وهذا لا يكون دليلا لمدعاهم لانه يمكن أن يكون ذلك رعاية لمنفعة البائع، لانها إذا هبطت الاسواق عرف مقدار السعر فلا يخدع ولا مانع من أن يقال: العلة في النهى مراعاة نفع البائع، ونفع أهل السوق.
واعلم أنه لا يجوز تلقيهم للبيع منهم، كما لا يجوز للشراء منهم لان العلة التى هي مراعاة نفع الجالب أو أهل السوق أو الجميع حاصلة في ذلك، ويدل على ذلك ما رواه البخاري بلفظ " لا يبع " فإنه يتناول البيع لهم والبيع منهم، وظاهر النهى المذكور في الباب عدم الفرق بين أن يبتدئ المتلقى الجالب بطلب الشراء أو البيع أو العكس، وشرط بعض الشافعية في النهى أن يكون المتلقى الجالب بطلب الشراء أو البيع أو العكس، وشرط بعض الشافعية في النهى أن يكون المتلقى هو الطالب، وبعضهم اشترط أن يكون المتلقى قاصدا لذلك، فلو خرج للسلام على الجالب أو للفرجة أو لحاجة أخرى، فوجدهم فبايعهم لم يتناوله النهى ومن نظر إلى المعنى لم يفرق، وهو الاصح عهد الشافعي، وشرط امام الحرمين في النهى أن يكذب المتلقى في سعر البلد ويشترى منهم بأقل من ثمن المثل.
وشرط المتولي من الاصحاب 1 أن يخبرهم بكثرة المئونة عليهم في الدخول، وشرط المصنف رحمه الله تعالى أن يخبرهم بكساد ما معهم.
قال الشوكاني: والكل من هذه الشروط لا دليل عليه، والظاهر من النهى أيضا أنه يتناول المسألة القصيرة والطويلة، وهو ظاهر إطلاق الاصحاب.

وقال بعض المالكية: ميل، وقال بعضهم أيضا: فرسخان، وقال بعضهم يومان، وقال بعضهم: مسافة قصر، وبه قال الثوري، وأما ابتداء التلقى فقيل الخروج من السوق، وإن كان في البلد، وقيل الخروج من البلد وهو قول أصحابنا، وبالاول قال أحمد وإسحاق والليث والمالكية.
وقول المصنف رحمه الله تعالى " ولان هذا تدليس وغرر " قلت: التدليس كنم البائع عيب السلعة من المشترى وإخفائه ويقال أيضا: دلس دلسا من باب ضرب والتشديد أشهر في الاستعمال، قال الازهرى: سمعت أعرابيا يقول: ليس لى في الامر ولس ولا دلس: أي لا خيانة ولا خديعة، والدلسة بالضم الخديعة أيضا، وقال ابن فارس وأصله من الدلس وهو الظلمة.
أما التدليس عند المحدثين فهو إما تدليس في الاسناد وهو بأن يروى عن معاصر ما لم يحدثه به ويأتى بلفظ يوهم إتصالا كعن، وأن وقال فإذا قال الراوى عن فلان فإن كان يروى ذلك عن شخص لم يعاصره أو عاصره وثبت أنه لم يلاقه جزمنا بأن روايته منقطعة، وإن كان معاصرا له - ولم نعلم ان كان لقيه أو لا، أو علمنا أنه لقيه ولكن كان الراوى مدلسا توقفنا في روايته ولم نحكم لها بالاتصال الا إذا ثبت اللقاء والتحديث.
وأما تدليس الاشياخ أن يسمى شيخه أو شيخ شيخه باسم أو كنية أو لقب غير ما اشتهر به وعرف وذلك لستر ضعفه وفى ذلك تفصيل عند المحدثين.
أما الغرر فهو في اللغة الخطر، وغرته الدنيا غرورا أي خدعته فهى غرور مثل رسول اسم فاعل مبالغة، وفى اصطلاح الفقهاء كل بيع يحتمل فيه غبن المبتاع لحديث أبى هريرة الذى رواه الجماعة الا البخاري " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر " وحديث ابن مسعود عند أحمد وفى روايته يزيد بن أبى زياد عن المسيب بن رافع، وقال البيهقى.
فيه ارسال بين المسيب وعبد الله والصحيح وقفه على ابن مسعود كما قال ذلك الدارقطني في العلل والخطيب وابن الجوزى ولفظه " لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر " وقد روى أبو بكر بن أبى عاصم عن عمران بن حصين حديثا مرفوعا وفيه النهى عن بيع السمك في الماء وهو شاهد لهذا.

وقد مر في أول البيوع من شرح المهذب تفسير وتفصيل بيع الحصاة، وهو أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَابِ مَا وقعت عليه هذه الحصاة ويرمى الحصاة أو في الارض ما انتهت إليه الحصاة.
والغرر ثبت النهى عنه في أحاديث منها المذكور عن أبى هريرة وابن مسعود ومنها عن ابن عمر عند أحمد وابن حبان، ومنها عن ابن عباس عند ابن ماجه، ومنها عن سهل بن سعد عند الطبراني، ومن جملة بيع الغرر بيع السمك في الماء، وبيع الطير في الهواء، وبيع المعدوم، وبيع المجهول، وبيع الغائب، وبيع الآبق وكل ما دخل فيه الغرر بوجه من الوجوه.
قال النووي النهى عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر أمران.
أحدهما ما يدخل في المبيع تبعا بحيث لو أفرد لم يصح بيعه، والثانى ما يتسامح بمثله، اما لحقارته، أو للمشقة في تمييزه ومن جملة ما يدخل تحت هذين الامرين بيع أساس البناء واللبن في ضرع الدابة والحمل في بطنها والقطن المحشو في الجبة اه.
(قلت) ومن جملة الغرر بيع حبل الحبلة فقد نَهَى عَنْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أخرجه أحمد ومسلم والترمذي من حديث ابن عمر، وفى رواية عند أبى داود لفظها أكثر تفصيلا منهم حيث فيها " نهى عن بيع حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التى نتجت " وعند الشيخين رواية أكثر تفصيلا من أبى داود لفظها " كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم يحمل التى نتجت فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
والاحاديث المذكورة تقضى ببطلان البيع لان النهى يستلزم ذلك كما تقرر في الاصول.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية الحفيد: ومن القواعد التى أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهى عنه أنواع من الايجارات والمشاركات، كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك.
فذهب قوم من الفقهاء إلى أن المساقاة والمزارعة حرام باطل، بناء على أنها نوع من الاجارة، لانها عمل بعوض، والاجارة لابد أن يكون فيها الاجر معلوما لانها كالثمر.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يحل للسلطان التسعير، لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ: غلا السعر عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال الناس: يا رسول الله سعر لنا، فقال عليه السلام: إن الله هو القابض والباسط والرازق والمسعر، وإنى لارجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال (الشرح) أما فصل تحريم التسعير على السلطان فإن حديث أنس رواه أبو داود والترمذي وصححه.
أما لغات الفصل فإن التسعير جعل سعر معلوم ينتهى إليه ثمن الشئ وأسعرته بالالف لغة، ويقال له سعر إذا زادت قيمته، وليس له سعر إذا أفرط رخصه والجمع أسعار مثل حمل وأحمال.
أما أحكام الفصل فقد قال العلامة ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية: وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب فأما القسم الاول فمثل رواية أنس (التى ساقها المصنف) فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم.
وقد ارتفع السعر - إما لقلة الشئ - وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها، إكراه بغير حق وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير ههنا إلزام بالعدل الذى ألزمهم الله به.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذلك أن يلزم ألا يبيع الطعام أو غيره من الاصناف إلا ناس معروفون فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب: فهذا من البغى في الارض والفساد، والظلم الذى يحبس به قطر السماء وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل ولا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء، لانه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا، كان ذلك ظلما للناس، ظلما للبائعين، الذين يريدون بيع تلك السلع: وظلما للمشترين منهم.
فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته الزامهم بالعدل ومنعهم من الظلم، وهذا كما أنه لا يجوز الاكراه على البيع تغير حق، فيجوز أو يجب الاكراه عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب، والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس.
ومثل الغراس والبناء الذى في ملك الغير فان لرب الارض أن يأخذه بقيمة المثل، ومثل الاخذ بالشفعة، فان للشفيع أن يمتلك الشقص بثمنه قهرا.
وكذلك السراية في العتق، فانها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرا، وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا.
وكل من وجب عليه شئ من الطعام واللباس والرقيق والمركوب - بحج أو كفارة أو نفقة - فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه.
وأجبر على ذلك، ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له مجانا، أو بدون ثمن المثل.
ثم عقد ابن القيم فصلا آخر قال: ومن ههنا منع غير واحد من العلماء كأبى حنيفة وأصحابه القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالاجرة أن يشتركوا، فانهم إذا اشتركوا، والناس يحتاجون إليهم، أغلوا عليهم الاجرة، ثم قال: (قلت) وكذلك ينبغى لوالى الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الاجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم، كالشهود والدلالين وغيرهم، على أن في شركة الشهود مبطلا

آخر، فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه، فان الكتابة متميزة والتحمل متميز والاداء متميز، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون، فبأى وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟ وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع فانه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه، ولهذا إذا اختلفت الصنائع لم تصح الشركة على أحد الوجهين، لتعذر اشتراكهما في العمل، ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة، فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل واحد منهما، وإن لم يقع في عين العمل.
وأما شركة الدالالين ففيها أمر آخر، وهو أن الدلال وكيل صاحب السلعة في بيعه، فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه، فان قلنا ليس للوكيل أن يوكل، لم تصح الشركة، وان قلنا له أن يوكل صحت.
فعلى والى الحسبة أن يعرف هذه الامور ويراعيها، ويراعى مصالح الناس، وهيهات وهيهات، ذهب ما هنالك.
والمقصود أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة: لما فيها من التواطؤ على إغلاء الاجرة، فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن مقدر أولى وأحرى.
وكذلك يمنع والى الحسبة المشترين من الاشتراك في شئ لا يشتريه غيرهم، لما في ذلك من ظلم البائع.
وأيضا فإذا كانت الطائفة التى تشترى نوعا من السلع أو تبيعها، قد تواطأوا على أن يهضموا ما يشترونه، يشتروه بدون ثمن المثل، ويبيعوا ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسموا ما يشتركون فيه من الزيادة.
كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان، وقد قال تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " ثم قال ابن القيم رضى الله عنه: ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقى السلع، وبيع الحاضر للبادى، ومن النجش ثم عقد ابن القيم فصلا لتسعير الاجور خلص منه إلى أن الناس يحتاجون

إلى صناعة طائفة متخصصة، كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك، فلولى الامر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك.
والمقصود أن هذه الاعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرضا معينا عليه، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم، صارت هذه الاعمال مستحقة عليهم، يجبرهم ولى الامر عليها بعوض لمثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم.
وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها، ألز؟ الجند بأن لا يظلموا الفلاح.
كما يلزم الفلاح بأن يفلح.
ولو اعتمد الجند والامراء مع الفلاحين ما شرعه الله ورسوله وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون، لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والارض، وكان الذى يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان، ولكن يأبى جهلهم وظلمهم الا أن يرتكبوا الظلم والاثم، فيمنعوا البركة وسعة الرزق، فيجتمع لهم عقوبة الآخرة ونزع البركة في الدنيا (فإن قيل) وما الذى شرعه الله ورسوله، وفعله الصحابة، حتى يفعله من وفقه الله؟ قيل المزارعة العادلة التى يكون فيها المقطع والفلاح على حد سواء من العدل لا يختص أحدهما عن الآخر بشئ من هذه الرسوم التى ما أنزل الله بها من سلطان 1 وهى التى خربت البلاد، وأفسدت العباد، ومنعت الغيث وأزالت البركات، وعرضت أكثر الجند والامراء لاكل الحرام.
وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به.

ومضى ابن القيم في هذا الاستطراد من أمور المساقاة والمزارعة والجعالة ما ندعه لسوقه في موطنه، لانه يقول: وهذه المسألة ذكرت استطرادا، والا فالمقصود أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات - كالفلاحين وغيرهم - اجبروا على ذلك بأجرة المثل، وهذا من التسعير الواجب، فهذا تسعير في الاعمال.
وأما التسعير في الاموال، فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنوا من حبسه الا بما يريدونه من الثمن، والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال، فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير فقوله ظاهر التناقض.
وهذا أحد الروايتين عن أحمد وهو الصواب ثم قال الفقيه العلامة مستطردا (فصل) وانما لم يقع التسعير فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة لانهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء، ولا من يبيع طحينا وخبزا، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجالبين، ولهذا جاء الحديث " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وكذلك لم يكن في المدينة حائك، بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما فيشترونها ويلبسونها.
ثم قال (فصل في التسعير) وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين (احداهما) إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع من ذلك عند مالك، وهل يمنع من النقصان؟ على قولين واحتج مالك رحمه الله بما رواه في موطئه عن يونس بن نسيف عن سعيد بن المسيب " أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبى بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق.
فقال له عمر " اما أن تزيد في السعر واما أن ترفع من سوقنا "

قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس، لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت، وأما أن يقول للناس كلهم: لا تبيعوا إلا بسعر كذا فليس ذلك بالصواب، وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الابلة، حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب: " خل بينهم وبين ذلك، فإنما السعر بيد الله ". قال ابن رشد في كتاب البيان: أما الجلابون فلا خلاف في أنه لا يسعر عليهم شئ مما جلبوه، وإنما يقال لمن شذ منهم فباع بأغلى مما يبيع به العامة: اما أن تبيع بما تبيع به العامة، واما أن ترفع من السوق كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبى بلعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له " اما أن تزيد في السعر واما أن ترفع من سوقنا " لانه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق.
وأما أهل الحوانيت والاسواق الذين يشترون ممن الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا مثل اللحم.
والادم، والفواكه، فقيل: انهم كالجلابين، لا يسعر لهم شئ من بياعانهم، وانما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: اما أن تبيع كما يبيع الناس واما أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في هذه الرواية.
وممن روى عنه ذلك من السلف عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وسالم ابن عبد الله قيل انهم في هذا بخلاف الجالبين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبه.
وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك.
ويتفقد السوق 1 أبدا، فيمنعهم

من الزيادة على الربح الذى جعل لهم فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق وهذا قول مالك في رواية أشهب، واليه ذهب ابن حبيب.
وقال به ابن المسيب ويحيى بن سعيد، والليث وربيعة، ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم لا تبيعوا الا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوه الا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل.
وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون، لم يتركهم أن يغلوا في الشراء وان لم يزيدوا في الربح على القدر الذى حدد لهم، فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم.
وأما الشافعي فإنه عارض ذلك بما رواه عن الدراوردى عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر رضى الله عنه " أنه مر بحاطب بن أبى بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فقال له: مدين لكل درهم، فقال له عمر: قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا، وهم يغترون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر واما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره فقال: ان الذى قلت لك ليس عزمة منى، ولا قضاء انما هو شئ أردت به الخير لاهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع ". قال الشافعي: وهذا الحديث مستقصى وليس بخلاف لما رواه مالك.
ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه.
وهذا أتى بأول الحديث وآخره وبه أقول.
لان الناس مسلطون على أموالهم.
ليس لاحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم الا في المواضع التى تلزمهم.
وهذا ليس منها.
وعلى قول مالك فقال أبو الوليد الباجى: الذى يؤمر به من حط عنه أن يلحق به.
هو السعر الذى عليه جمهور الناس.
فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمر باللحاق بسعر الناس أو ترك البيع فان زاد في السعر واحد أو عدد يسير.
لم يؤمروا باللحاق بسعره.
لان المراعى حال الجمهور.
وبه تقوم المبيعات.
وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم - كما يقام من نقص منه؟

قال ابن القصار من المالكية: اختلف أصحابنا في قول مالك " ولكن من حط سعرا " فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية، وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة فيفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغف والخصومة.
قال: وعندي أن الامرين جميعا ممنوعان، لان من باع ثمانية - والناس يبيعون خمسة - أفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغب والخصومة فمنع الجميع مصلحة.
قال أبو الوليد الباجى: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق.
وأما الجالب، ففى كتاب محمد - يعنى ابن الحسن - لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس.
وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير يسعر الناس وإلا رفعوا، وأما جالب القمح والشعير، فيبيع كيف شاء، الا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، ان أرخص بعضهم تركوا، وان أرخص أكثرهم، قيل لمن بقى اما أن تبيع كبيعهم، واما أن ترفعوا.
قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون، مأكولا كان أو غيره، دون مالا يكال ولا يوزن، لانه لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه.
قال أبو الوليد: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويا، فإذا اختلف لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بسعر الدون.
وأما المسألة الثانية التى تنازعوا فيها من التسعير، فهى أن يحد لاهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب فهذا منع منه الجمهور.
حتى مالك نفسه في المشهور عنه.
ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد.
وروى أشهب عن مالك في صاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن بكذا ولحم الابل بكذا.
والا أخرجوا من السوق.
قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به.
ولكن أخاف أن يقوموا من السوق.
واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من اغلاء السعر عليهم ولا يجبر الناس على البيع.
وانما يمنعون من البيع بغير السعر الذى يحده ولى الامر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشترى.

وأما الجمهور فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " جاء رجل إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل أدعو الله، ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال بل الله يرفع ويخفض، وإنى لارجو أن ألقى الله وليست لاحد عندي مظلمة " قالوا ولان إجبار الناس على ذلك ظلم.
وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغى للامام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشئ وحضر غيرهم، استظهارا على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون: فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به، ولا يجبرهم على التسعير ولكن عن رضى.
قال أبو الوليد الباجى: ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا، بما لا ربح لهم فيه، أدى ذلك إلى فساد الاسعار وإخفاء الاقوات وإتلاف أموال الناس قال شيخ الاسلام 1 ابن تيمية (الحفيد) فهذا الذى تنازعوا فيه، وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع.
قال ابن القيم: ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّ اللَّهَ هو المسعر القابض الباسط، وإنى لارجو أن ألقى الله وليس لاحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال " قيل له هذه قضية معينة وليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه، ومعلوم أن الشئ إذا قل رغب

الناس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه - كما جرت به العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه - فهنا لا يسعر عليهم وقد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال: من أعتق شركا له في عبد - وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد " فلم يمكن المالك أن يساوم المعتق بالذى يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذى لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد، قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطه من القيمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة النصف عند الجمهور وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع.
وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا.
وصار ذلك أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل، لا بما يريد من الثمن.
وصار ذلك أصلا في جواز اخراج الشئ من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة، وأصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن.
والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب اخراج الشئ عن ملك مالكه بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق، ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، وهم إليها أعوز؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره.
وهذا الذى أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تقويم الجميع قيمة المثل، هو حقيقة التسعير.
كذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه من يد المشترى بثمنه الذى ابتاعه به لا بزيادة عليه لاجل مصلحة التكميل لواحد فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذى وقع عليه العقد لا بما شاء المشترى من الثمن لاجل هذه المصلحة الجزئية، فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها، فعلى

ولى الامر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن، وحديث العتق أصل في ذلك كله.
ثم عقد ابن القيم فصلا نختم به بحثنا في التسعير قال: (فصل) فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر أو فأس أو غير ذلك، وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا، فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لاصحاب أحمد.
ومن جوز له أخذ الاجرة حرم عليه أن يأخذ زيادة على أجرة المثل قال شيخنا - يعنى شيخ الاسلام ابن تيمية -: والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون) قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: هو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوها، وفى الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ الخيل - قال " هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر.
فأما الذى هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، وأما الذى هي له ستر، فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها، ولا في ظهورها " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضا " من حق الابل إعارة دلوها، وإطراق فحلها " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ عسب الفحل " أي عن أخذ الاجرة عليه، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " لَا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره " ويمضى شيخ الاسلام ابن تيمية فيقول كما يحكيه عنه تلميذه وصنو حياته وعلمه: ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره من غير ضرر لصاحب الارض، فهل يجبر على ذلك.
روايتان عن أحمد، والاجبار قول عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عنهم.
وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين " إن زكاة الحلى عاريته، فإذا لم يعره فلابد من زكاته " وهذا وجه في مذهب أحمد.

قال ابن القيم عقب هذا (قلت) وهو الراجح، وانه لا يخلو الحلى من زكاة أو عارية والمنافع التى يجب بذلها نوعان، منها ما هو حق المال كما ذكرنا في الخيل والابل والحلى، ومنها ما يجب لحاجة الناس.
وأيضا فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة، كتعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة والحكم بينهم والجهاد، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وغير ذلك من منافع الابدان.
وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه، فإن ترك ذلك - مع قدرته - أثم وضمنه، فلا يمتنع وجوب بذل منافع الاموال للمحتاح.
وقد قال تعالى (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب) وقال تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، وهى أربعة أوجه في مذهب أحمد (أحدها) أنه لا يجوز مطلقا (والثانى) أنه يجوز عند الحاجة (والثالث) أنه لا يجوز الا أن يتعين عليه (والرابع) أنه يجوز، فإن أخذه عند التحمل لم يأخذ عند الاداء.
والمقصود أن ما قدره النبي صلى الله عليه وسلم من الثمن في سراية العتق هو لاجل تكميل الحرية، وهو حق الله تعالى وما احتاج إليه الناس حاجة عامة، فالحق فيه لله.
وذلك في الحقوق والحدود.
قال ابن القيم " فأما الحقوق فمثل حقوق المساجد ومال الفئ والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات والمنافع العامة، وأما الحدود فمثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر المسكر وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، ولو لم

يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر، فإنه يطلب ما شاء، وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لانفسهم وغيرهم.
فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء كان ضرر الناس أعظم، ولهذا قال الفقهاء " إذا اضطر الانسان إلى طعام الغير، وجب عليه بذله له بثمن المثل " وأبعد الائمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الانسان إلى طعامه أن يبذله له بثمن المثل، وتنازع أصحاب الشافعي في جواز تسعير الطعام إذا كان بالناس إليه حاجة، ولهم فيه وجهان.
وقال أصحاب أبى حنيفة: لا ينبغى للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضى أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله، على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار، فإن أبى حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له ودفعا للضرر عن الناس قالوا فإن تعدى أرباب الطعام وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضى عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، سعره حينئذ بمشورة أهل الرأى والبصيرة.
وهذا على أصل أبى حنيفة ظاهر حيث لا يرى الحجر على الحر ومن باع منهم بما قدره الامام صح لانه غير مكره عليه قالوا: وهل يبيع القاضى على المحتكر طعامه من غير رضاه.
على الخلاف المعروف في بيع مال المدين وقيل يبيع ههنا بالاتفاق، لان أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام والسعر لما غلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وطلبوا منه التسعير فامتنع، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، ولكن نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يبيع حاضر لباد، أي أن يكون له سمسارا.
وقال " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض "

فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادى الجالب للسلعة، لانه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس - أغلى الثمن على المشترى فنهاه عن التوكل له، مع أن جنس الوكالة مباح لما في ذلك من زيادة السعر على الناس، ونهى عن تلقى الجلب وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا، فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقى قبل إتيانه إلى السوق اشتراه المشترى بدون ثمن المثل فغبنه، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لهذا البائع الخيار.
ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم، إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا، سواء غبن أو لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي.
والثانية: أنه إنما يثبت عند الغبن وهى ظاهر مذهب الحنابلة.
وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقى فاشترى منه، ثم باعه، وفى الجملة.
قد نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ البيع والشراء الذى جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر، وهو ثمن المثل، ويعلم المشترى بالسلعة.
وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشترى أن يشترى حيث شاء، وقد اشترى من البائع كما يقول، فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر، ولكن الشارع راعى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل، فيكون المشترى غارا له.
وألحق أحمد ومالك بذلك كل مسترسل، فإنه بمنزلة الجالب الجاهل بالسعر فتبين أنه يجب على الانسان ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو غير مماكسين، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى، وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضى فلا بأس بذلك.
وفى السنن " أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الارض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فَشَكَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمره أن يقبل

بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل فأذن لصاحب الارض أن يقلعها، وقال لصاحب الشجرة: إنما انت مضار ". وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته ولا يتبرع بها ولا يجوز لصاحب الارض أن يقلعها، لانه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه، وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الارض بخلاصه من تأذنه بدخول صاحب الشجرة، ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الارض ببقائها في بستانه أعظم، فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة، وإن أباه من أباه.
والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع عند حاجة المشترى.
وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟ والحكم في المعاوضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها - كمنافع الدور.
والطحن والخبز، وغير ذلك..حكم المعاوضة على الاعيان.
وبعد فقد استعرضنا ملخصا وافيا مركزا لما عرض له ابن القيم وشيخه.
قال ابن القيم: وجماع الامر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير.
سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط.
وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل.
وبالله التوفيق.
وقد قال الشوكاني في المنتقى في باب النهى عن التسعير: وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير، وأنه مظلمة، ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم والامام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشترى برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الامران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لانفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بمالا يرضى به مناف لقوله تَعَالَى (إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ منكم) والى هذا ذهب جمهور العلماء.
وروى عن مالك أنه يجوز للامام التسعير وأحاديث الباب ترد عليه.
ثم قال يشرح وجهة نظره في منع التسعير: وفى وجه

للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء.
وهذا الرأى في نظره مردود وما أوردناه فيه القول الفصل الذى يجعل التسعير يدور مع المصلحة حيث دارت ويقيد ولى الامر بمراعاة طرفي المتبايعين واحقاق العدل بينهما وعدم تغليب طرف على آخر قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويحرم الاحتكار في الاقوات، وهو أن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه.
ومن أصحابنا من قال: يكره ولا يحرم، وليس بشئ.
لِمَا رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وروى معمر العدوى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يحتكر الا خاطئ " فدل على أنه حرام.
فأما إذا ابتاع في وقت الرخص أو جاءه من ضيعته طعام فأمسكه ليبيعه إذا غلا فلا يحرم ذلك لانه في معنى الجالب وقد رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وروى أبو الزناد قال: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عنك أنك قلت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال.
لا يحتكر بالمدينة الا خاطئ، وأنت تحتكر؟ قال ليس هذا الذى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالى بها، فأما أن يأتي الشئ وقد اتضع فيشتريه، ثم يضعه فإن احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير وأما غير الاقوات فيجوز احتكاره، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يحتكر الطعام، فدل على أن غيره يجوز، ولانه لا ضرر في احتكار غير الاقوات فلم يمنع منه.
(الشرح) أما فصل الاحتكار فحديث عمر رضى الله عنه، رواه ابن ماجه بلفظ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والافلاس " وفى اسناده الهيثم بن رافع، قال أبو داود روى حديثا منكرا قال الحافظ الذهبي: هو الذى خرجه ابن ماجه، يعنى هذا، وفى اسناده أيضا أبويحيى المكى، وهو مجهول.

وللحديث شواهد أخرى أقوى منه وأصح، كحديث سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى " إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يحتكر إلا خاطئ " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.
وحديث معقل بن يسار قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة رواه أحمد والطبراني في معجميه الكبير والاوسط، وفى إسناده زيد بن مرة أبو المعلى، قال في مجمع الزوائد: ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله رجال الصحيح.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين هو خاطئ " رواه أحمد والحاكم وزاد " وقد برئت منه ذمة الله " وفى إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم.
وحديث ابن عمر مرفوعا " الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون " رواه ابن ماجه والحاكم وإسحاق بن راهويه والدارمى وأبو يعلى والعقيلي في الضعفاء وضعف إسناده الحافظ ابن حجر.
ومنها حديث آخر عند ابن عمر عند أحمد والحاكم وابن أبى شيبة والبزار وأبى يعلى بلفظ " من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه " زاد الحاكم " وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله " وفى إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة، والاول مختلف فيه والثانى قال ابن حزم إنه مجهول، وقال غيره: معروف، ووثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة، واحتج به النسائي.
قال الحافظ ابن حجر: ووهم ابن الجوزى فأخرج هذا الحديث في الموضوعات وحكى ابن أبى حاتم عن أبيه أنه منكر اه.
أما أحكام الفصل: فهذه الاحاديث بمجموعها لا شك أنها تنتهض حجة للاستدلال على عدم جواز الاحتكار لو فرض عدم ثبوت شئ منها، وأخذت بمجموعها، فكيف وحديث معمر المذكور في صحيح مسلم، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف في إفادة عدم الجواز، لان الخاطئ هو المذنب العاصى وهو

فاعل من خطئ من باب علم إذا أثم في فعله قاله أبو عبيدة وقال: سمعت الازهرى يقول: خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد.
قال الاصحاب من الشافعية: إن المحرم إنما هو احتكار الاقوات خاصة لا غيرها، ولا مقدار الكفاية منها، وإلى ذلك ذهب الزيدية أيضا.
وذهب الشوكاني إلى أن الاحاديث ظاهرها يحرم الاحتكار من غير فرق بين قوت الآدمى والدواب، وبين غيره، والتصريح (بالطعام) في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، ويمكن الرد عليه بأن المقرر في قواعد الاصول أن المطلق يحمل على المقيد وأن العام يحمل على الخاص الا أن الشوكاني يخرج من هذا المأزق بقوله انه من باب التنصيص على فرد من الافراد التى يطلق عليها المطلق، وذلك لان نفى الحكم عن غير الطعام انما هو لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الاصول أيضا.
ويفرق العلماء بين الاحتكار والادخار، فالاحتكار اختزان السلعة وحبسها عن طلابها حتى يتحكم المختزن في رفع سعرها لقلة المعروض منه أو انعدامه، فيتسنى له أن يغليها حسبما يشاء وهذا حرام بالاجماع في ضرورات الحياة.
مكروه في كمالياتها.
ويمكن أن يلحق بالاقوات ما يترتب على احتكاره من تلف وهلاك يصيب الناس، كاحتكار الثياب في وقت البرد الشديد مع حاجة الناس إليه، وحبس وسائل النقل للجند في ابان الجهاد لما في ذلك من اضعاف لقوة المسلمين واتاحة الفرصة لتفوق العدو عليهم وغلبته.
أما الادخار فقد قال ابن رسلان في شرح السنن ولا خلاف في أن ما يدخره الانسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به اه.
ويقول الشوكاني نقلا عن أئمة الشافعية: انما المحرم هو احتكار الاقوات خاصة لا غيرها ولا مقدار الكفاية منها، ويدل على ذلك ما ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يعطى كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر.

قال ابن رسلان في شرح السنن: وقد كان رسول الله صلى عليه وسلم يدخر لاهله قوت سنتهم من تمر وغيره.
قال أبو داود: قيل لسعيد - يعنى ابن المسيب - فإنك تحتكر.
قال ومعمر كان يحتكر.
وكذا في صحيح مسلم: قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا - يعنى ابن المسيب ومعمرا - يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه.
وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون.
قال الشوكاني: ويدل على اعتبار الحاجة وقصد إغلاء السعر على المسلمين قوله في حديث معقل " من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم " وقوله في حديث أبى هريرة " يريد أن يغلى بها على المسلمين " قال أبو داود: سألت أحمد بن حنبل ما الحكرة.
قال ما فيه عيش الناس، أي حياتهم وقوتهم.
وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - يسئل عن أي شئ الاحتكار، فقال إذا كان من قوت الناس فهو الذى يكره.
وهذا قول عمر وقال الاوزاعي، المحتكر من يعترض السوق، أي ينصب نفسه للتردد إلى الاسواق ليشترى منها الطعام الذى يحتاجون إليه ليحتكره.
قال السبكى " الذى ينبغى أن يقال في ذلك أنه إن منع غيره من الشراء وحصل به ضيق حرم.
وإن كانت الاسعار رخيصة وكان القدر الذى يشتريه لا حاجة بالناس إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى " قال القاضى حسين والرويانى " وربما يكون هذا حسنة لانه ينفع به الناس " وقطع المحاملى في المقنع باستحبابه.
قال أصحاب الشافعي " الاولى بيع الفاضل عن الكفاية " قال السبكى " أما إمساكه حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه فينبغي أن لا يكره، بل يستحب.
قال الشوكاني " والحاصل أن العلة إذا كانت هي الاضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار الا على وجه يضر بهم، ويستوى في ذلك القوت وغيره لانهم يتضررون بالجميع " وقال الغزالي في الاحياء " ما ليس بقوت ولا معين عليه فلا يتعدى النهى

إليه وان كان مطعوما وما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسد شئ من القوت في بعض الاحوال، وان كان لا يمكن المداومة عليه فهو في محل النظر فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجرى مجراه.
وقال السبكى " إذا كان في وقت قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها اضرار، فينبغي أن يقضى بتحريمه، وإذا لم يكن اضرار فلا يخلو احتكار الاقوات عن كراهة.
وقال القاضى حسين " إذا كان الناس يحتاجون الثياب ونحوها لشدة البرد أو لستر العورة فكره لمن عنده ذلك امساكه " قال السبكى " ان أراد كراهة تحريم فظاهر، وان أراد كراهة تنزيه فبعيد.
وحكى أبو داود عن قتادة أنه قال " ليس في التمر حكرة " وحكى أيضا عن سفيان أنه سئل عن كبس القت فقال " كانوا يكرهون الحكرة " والكبس بفتح الكاف واسكان الباء الموحدة، والقت بفتح القاف وتشديد التاء الفوقية، وهو اليابس من القضب.
قال الطيبى " ان التقييد بالاربعين يشير إلى حديث ادخار الطعام أربعين يوما، اليوم غير مراد به التحديد " قال الشوكاني " ولم أجد من ذهب إلى العمل بهذا العدد " ونختم هذا الفصل بما أورد الامام النووي رضى الله عنه في شرحه لصحيح مسلم عند حديث معمر بن عبد الله مرفوعا " من احتكر فهو خاطئ " قال النووي قال اهل اللغة " الخاطئ بالهمز هو العاصى الآثم " وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار في الاقوات خاصة، وهو أن يشترى الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه.
فأما إذا جاءه من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس باحتكار ولا تحريم فيه.
قال وأما غير الاقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، هذا تفصيل مذهبنا قال العلماء " والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند انسان طعام واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعا للضرر عن الناس.

وأما ما ذكر في الكتاب - يعنى في صحيح مسلم - عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون.
وهو الصحيح وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:

﴿باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع﴾ " إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، ولم تكن بينة تحالفا، لما روى ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه قال " لو أن الناس أعطوا بدعاويهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم، لكن اليمين على المدعى عليه " فجعل اليمين على المدعى عليه والبائع مدعى عليه بيع بألف والمشترى مدعى عليه بيع بألفين، فوجب أن يكون على كل واحد منهما اليمين لان كل واحد منهما مدعى عليه ولا بينة فتحالفا، كما لو ادعى رجل على رجل دينارا وادعى الآخر على المدعى درهما " (فصل) قال الشافعي رحمه الله في البيوع: يبدأ بيمين البائع.
وقال في الصداق: إذا اختلف الزوجان يبدأ بيمين الزوج، والزوج كالمشترى.
وقال في الدعوى والبينات إن بدأ بالبائع خير المشترى، وإن بدأ بالمشترى خير البائع، وهذا يدل على أنه مخير بين أن يبدأ بالبائع وبين أن يبدأ بالمشترى، فمن أصحابنا من قال فيها ثلاثة أقوال (أحدها) يبدأ بالمشترى، لان جنبته أقوى، لان المبيع على ملكه فكان بالبداية أولى (والثانى) يبدأ بمن شَاءَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الآخر في الدعوى فتساويا، كما لو تداعيا شيئا في يديهما (والثالث) أنه يبدأ بالبائع وهو الصحيح، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع، والمبتاع بالخيار " فبدأ بالبائع ثم خير المبتاع، ولان جنبته أقوى لانه إذا تحالفا رجع المبيع إليه فكانت البداية به أولى.
ومن أصحابنا من قال هي على قول واحد أنه يبدأ بالبائع ويخالف

الزوج في الصداق لان جنبته أقوى من جنبة الزوجة، لان البضع بعد التحالف على ملك الزوج فكان بالتقديم أولى، وها هنا جنبة البائع أقوى لان المبيع بعد التحالف على ملك البائع فكان البائع بالتقديم أولى، والذى قال في الدعوى والبينات ليس بمذهب له، وإنما حكى ما يفعله الحاكم باحتهاده لانه موضع اجتهاد فقال: إن حلف الحاكم البائع باجتهاده خير المشترى، وإن حلف المشترى خير البائع " (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رواه مسلم في صحيحه بلفظ " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى " وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى باليمين على المدعى عليه.
هكذا روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما مرفوعا من رواية ابن عباس.
وهكذا ذكره أصحاب السنن وغيرهم قال الامام النووي رضى الله عنه في شرح مسلم: قال القاضى عياض رضى الله عنه، قال الاصيلى: لا يصح مرفوعا، إنما هو قول ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع الجمحى عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ القاضى قد رواه البخاري ومسلم من رواية ابن جريج مرفوعا هذا كلام القاضى.
قال النووي (قلت) وقد رواه أبو داود والترمذي بأسانيدهما عن نافع بن عمر الجمحى عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا.
قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وجاء في رواية البيهقى وغيره بإسناد حسن أو صحيح زيادة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعى، واليمين على من أنكر " اه أما حديث ابن مسعود رضى الله عنه فقد أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان " وزاد ابن ماجه " والبيع قائم بعينه " وكذلك أحمد في رواية " والسلعة كما هي " وللدارقطني عن أبى وائل عن عبد الله قال " إذا اختلف البيعان والبيع مستهلك فالقول قول البائع " قال ابن تيمية الجد.
ورفع الْحَدِيثِ إلَى النَّبِيِّ

صلى الله عليه وسلم.
ولاحمد والنسائي عن أبى عبيدة: وأتاه رجلان تبايعا سلعة فقال " هذا أخذت كذا وكذا.
وقال هذا بعت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أتى عبد الله في مثل هذا فقال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا فأمر بالبائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك " وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا الشافعي من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريح عن اسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير عن أبى عبيدة عن أبيه عبد الله ابن مسعود، وقد اختلف فيه على اسماعيل بن أمية.
ثم على ابن جريج، وقد اختلف في صحة سماع أبى عبيدة من أبيه.
ورواه من طريق أبى عبيدة أحمد والنسائي والدارقطني، وقد صححه الحاكم وابن السكن، ورواه أيضا الشافعي من طريق سفيان ابن عجلان عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عن ابن مسعود، وفيه أيضا انقطاع، لان عونا لم يدرك ابن مسعود.
ورواه الدارقطني من طريق القاسم بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده.
وفيه اسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة.
ورواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الاشعث بن قيس عن أبيه عن جده عن ابن مسعود وأخرجه أيضا من طريق محمد بن أبى ليلى عن القاسم بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عن عبد الله بن مسعود، ومحمد بن أبى ليلى لا يحتج به وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه.
ورواه ابن ماجه والترمذي، من طريق عون بن عبد الله أيضا عن ابن مسعود، وهو منقطع قال العلامة ابن القيم: وأما الحديث المشهور على ألسنة الفقهاء " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " فهذا قد روى ولكن ليس له إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الامة، إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبى حنيفة وغيره فإنهم يرون دائما اليمين في جانب المنكر، حتى في القسامة يحلفون المدعى عليه ولا يقضون بالشاهد واليمين، ولا يردون اليمين على المدعى عند النكول، واستدلوا بعموم الحديث.

ثم ساق ابن القيم نماذج من أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم توافق معنى هذا الحديث في المعاملات: ولا نأخذ به في الجنايات.
قال البيهقى: وأصح إسناد روى في هذا الباب رواية أبى العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الاشعث بن قيس عن أبيه عن جده، ورواه أيضا الدارقطني من طريق القاسم بن عبد الرحمن، قال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن اختلف في سماعه من أبيه.
ورواية التراد رواها أيضا مالك بلاغا والترمذي وابن ماجه بإسناد منقطع ورواه أيضا الطبراني بلفظ " البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا " قال الحافظ ابن حجر: رواته ثقات لكن اختلف في عبد الرحمن بن صالح يعنى الراوى له عن فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعي أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول.
ورواه أيضا النسائي والبيهقي والحاكم من طريق عبد الرحمن ابن قيس بالاسناد الذى رواه عنه أبو داود كما سلف، وصححه من هذا الوجه الحاكم، وحسنه البيهقى، ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده بلفظ: إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لاحدهما تحالفا " ورواه من هذا الوجه الطبراني والدارمى، وقد انفرد بقوله: والسلعة قائمة، محمد بن أبى ليلى وهو ضعيف لسوء حفظه.
قال الخطابى: إن هذه اللفظة يعنى: والسلعة قائمة، لا تصح من طريق النقل مع احتمال أن يكون ذكرها من التغليب، لان أكثر ما يعرض النزاع حال قيام السلعة، كقوله تعالى (في حجوركم) ولم يفرق أكثر الفقهاء بين القائم والتالف انتهى.
قال ابن عبد البر إن هذا الحديث منقطع إلا أنه مشهور الاصل عند جماعة تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرا من فروعه، وأعله ابن حزم بالانقطاع وتابعه عبد الحق، وأعله ابن القطان بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه وجده.

وقال الخطابى: هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله، وذلك يدل على أن له أصلا وإن كان في إسناده مقال، كما اصطلحوا على قبول: لا وصيه لوارث وإسناده فيه ما فيه اه.
أما لغات الفصل: فقوله (جنبته) أي جانبه، و (البضع) بضم الباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة وجمعه أبضاع مثل قفل وأقفال يطلق على الفرج والجماع وقيل البضع مصدر أيضا مثل السكر والكفر.
وأبضعت المرأة إبضاعا زوجتها وتستأمر النساء في أبضاعهن، ويقال ملك بضعها أي جماعها، والبضاع الجماع وزنا ومعنى، وهو اسم من باضعها مباضعة.
أما أحكام الفصل.
فقد اتفق الائمة الاربعة على أنه إذا حصل بين المتبايعين اختلاف في قدر الثمن ولا بينة تحالفا، هذا ما وجدته من مسائل الاتفاق في هذا الفصل.
وأما ما اختلفوا فيه، فمن ذلك قول الامام الشافعي إنه يبدأ بيمين البائع، وهو ما عبر عنه المصنف بقوله.
ولان جنبته أقوى، أما أبو حنيفة وبعض الاصحاب من الشافعية أنه يبدأ بيمين المشترى.
ويبدو أن اختلاف المتبايعين يجعل كل واحد منهما يريد أن يكون له الحظ الاوفر من حكم القاضى لنفسه دون أخيه ومثل ذلك أنه إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، فقال البائع بعتك بعشرين، وقال المشترى بل بعشرة ولاحدهما بينة حكم بها وإن لم يكن لهما بينة تحالفا وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك في رواية عنه، وشريح، وفى رواية عن مالك القول قول المشترى مع يمينه وبه قال أبو ثور وزفر، لان البائع يدعى عشرة زائدة ينكرها المشترى، والقول قول المنكر.
وقال الشعبى القول قول البائع أو يترادان.
قال ابن قدامة في المغنى ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدا، وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا حلف فرضى المشترى بذلك أخذ به، وان أبى حلف أيضا وفسخ البيع بينهما، لان في ألفاظ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لاحدهما تحالفا " ولان كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فان البائع يدعى عقدا بعشرين ينكره المشترى،

والمشترى يدعى عقدا بعشرة ينكره البائع، والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في حقهما.
قال الرملي في نهاية المحتاج شرح المنهاج عند الاختلاف في قدر الثمن أو صفة المبيع: والاصح تصديق البائع أو الاجل بأن أثبته المشترى ونفاه البائع أو قدره كشهر أو شهرين، أو قدر المبيع كمد من هذه الصبرة، مثلا بدرهم، فيقول: بل مدين ولا بينة لاحدهما يعول عليها، فشمل ما لو أقام كل بينة وتعارضنا لاطلاقهما أو إطلاق أحدهما فقط، أو لكونهما أرختا بتاريخين متفقين تحالفا، لخبر مسلم (اليمين على المدعى) وكل منهما مدع ومدعى عليه اه.
وأما ما استند إليه القائلون بعدم التحالف كابن المقرى في بعض نسخ الروض من إمكان الفسخ في زمنه فقد رد بأن التحالف لم يوضع للفسخ بل عرضت اليمين رجاء أن ينكل الكاذب فيتقرر العقد بيمين الصادق.
فإذا اختلفا في الصحة أو العقد هل هو بيع أو هبة فلا تحالف كما سيأتي من كلام المصنف، فإذا كان لاحدهما بينة قضى بها، فإن كان لهما بينتان مؤرختان بتاريخين مختلفين فإنه يقضى بالاولى منهما، ولو اختلفا في الثمن أو المبيع بعد القبض مع الاقالة أو التلف الذى ينفسخ به العقد فلا تحالف، بحلف مدعى النقص، لانه غارم، ولهذا زاد بعضهم قيدا، وهو بقاء العفد إلى وقت التنازع احترازا عما ذكر.
وأورد على الضابط اختلافهما في عين المبيع والثمن معا مثل: بعتك هذه السيارة الركوب بمائة دينار فيقول: بل النقل بمائتي دينار فلا تحالف جزما إذا لم يتواردا على شئ واحد، مع أنهما اتفقا على بيع صحيح واختلفا في كيفيته فيحلف كل على نفى ما ادعى عليه على الاصل.
قال الشافعي في مختصر المزني بعد أن أورد حديث ابن مسعود من طريقي سفيان ومالك الذى رواه مالك بلاغا - يعنى قال: بلغني عن ابن مسعود إلخ.
قال الشافعي " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " فإذا تبايعا عبدا فقال البائع: بألف والمشترى بخمسمائة فالبائع

يدعى فضل الثمن، والمشترى يدعى السلعة بأقل من الثمن، فيتحالفان، فان حلفا معا قيل للمشترى: أنت بالخيار في أخذه بألف أو رده، ولا يلزمك ما لا تقر به، فأيهما نكل عن اليمين وحلف صاحبه حكم له.
قال الشافعي رضى الله عنه: وإذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم وهما متصادقان على البيع ومختلفان في الثمن بنقض البيع، ووجدنا الفائت في كل ما نقض فيه القائم منتقضا فعلى المشترى رده إن كان قائما أو قيمته إن كان فائتا، كانت أقل من الثمن أو أكثر.
قال المزني: يقول: صارا في معنى من لم يتبايع، فيأخذ البائع عبده قائما أو قيمته متلفا، قال: فرجع محمد بن الحسن إلى ما قلنا وخالف صاحبيه - يعنى أبا حنيفة وأبا يوسف - وقال: لا أعلم ما قالا إلا خلاف القياس والسنة.
قال والمعقود إذا تناقضاه والسلعة قائمة تناقضاه وهى فائتة، لان الحكم أن يفسخ العقد فقائم وفائت سواء.
قال المزني، ولو لم يختلفا وقال كل واحد منهما: لا أدفع حتى أقبض فالذي أحب الشافعي من أقاويل وصفها أن يؤمر البائع بدفع السلعة، ويجبر المشترى على دفع الثمن من ساعته، فان غاب وله مال أشهد على وقف ماله وأشهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، وإن لم يكن له مال فهذا مفلس والبائع أحق بسلعته ولا يدع الناس يتمانعون الحقوق وهو يقدر على أخذها منهم اه.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(فصل) ويجب أن يجمع كل واحد منهما في اليمين بين النفى والاثبات، لانه يدعى عقد وينكر عقدا، فوجب أن يحلف عليهما، ويجب أن يقدم النفى على الاثبات.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: يقدم الاثبات على النفى كما قدمنا الاثبات على النفى في اللعان، والمذهب الاول.
لان الاصل في اليمين أن يبدأ بالنفى، وهى يمين المدعى عليه، فوجب أن يبدأ ههنا أيضا بالنفى، ويخالف اللعان فانه لا أصل له في البداية بالنفى، وهل يجمع بين النفى والاثبات بيمين واحدة أم لا؟ فيه وجهان.

أحدهما: يجمع بينهما بيمين واحدة، وهو المنصوص في الام، لانه أقرب إلى فصل القضاء فعلى هذا يحلف البائع أنه لم يبع بألف، ولقد باع بألفين ويحلف المشترى أنه ما اشترى بألفين ولقد اشترى بألف، فان نكل المشترى قضى للبائع وإن حلف فقد تحالفا.
والثانى أنه يفرد النفى بيمين والاثبات بيمين، لانه دعوى عقد وإنكار عقد فافتقر إلى يمينين، ولانا إذا جمعنا بينهما بيمين واحدة حلفنا البائع على الاثبات قبل نكول المشترى عن يمين النفى، وذلك لا يجوز.
فعلى هذا يحلف البائع أنه ما باع بألف، ثم يحلف المشترى أنه ما ابتاع بألفين، فان نكل المشترى حلف البائع أنه باع بألفين، وقضى له، فان حلف المشترى حلف البائع أنه باع بألفين ثم يحلف المشترى أنه ابتاع بألف.
فان نكل قضى للبائع، وان حلف فقد تحالفا (الشرح) هذا الفصل بين كيفية اليمين ومضمونها لان كل واحد من المتبايعين ينطوى موقفه على حالتى اثبات ونفى ومن ثم ينبغى أن يكون حلفه مشتملا على أركان الدعوى من اثبات ونفى فمثلا المبتدئ باليمين يحلف ما بعته بعشرة وانما بعته بعشرين، فان شاء المشترى أخذه بما قال البائع، والا يحلف ما اشتريته بعشرين، وانما اشتريته بعشرة وبهذا قال الشافعي في الام.
وقال أبو حنيفة يبتدئ بيمين المشترى لانه منكر واليمين في جنبته أقوى ولانه يقضى بنكوله وينفصل الحكم، وما كان أقرب إلى فصل الخصومة كان أولى.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فالقول ما قال البائع " وفى لفظ " ما قال البائع.
والمشترى بالخيار " رواه أحمد ومعناه أن شاء أخذ وان شاء حلف ولان البائع اقوى جنبة.
لانهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه.
فكان أقوى كصاحب اليد وقد بينا أن كل واحد منهما منكر من وجه فيتساويان في هذا الوجه.
والبائع إذا نكل فهو بمنزلة نكول المشترى يحلف الآخر ويقضى له فهما سواء.
وإذا حلف البائع فنكل المشترى عن اليمين قضى عليه.
وان نكل البائع حلف المشترى وقضى له.
وان حلفا جميعا لم ينفسخ البيع لان العقد صحيح.

والتحالف لا يفسخ العقد، كما لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، لكن إن رضى أحدهما بما قال صاحبه أقر العقد بينهما، وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما الخيار.
أما على المذاهب تفصيلا فهل يستحب الحلف من البائع أو لا أم المشترى على أربعة أقوال (أصحها) يبدأ في اليمين بالبائع لان جانبه أقوى بعود المبيع الذى هو المقصود بالذات إليه بالفسخ الناشئ عن التحالف، ولان ملكه على الثمن قد تم بالعقد، وملك المشترى على المبيع لا يتم إلا بالقبض، ولانه يأتي بصورة العقد، وصورة المسألة أن المبيع معين والثمن في الذمة، ومن ثم بدئ بالمشترى في عكس ذلك لانه أقوى حينئذ، ويخبر الحاكم بالبداءة بأيهما أداه إليه اجتهاده فيما إذا كانا معينين أو في الذمة.
والزوج في الصداق كالبائع، فيبدأ به لقوة جانبه ببقاء التمتع له، ولان أثر التحالف يظهر في الصداق إلا في البضع وهو باذله فكان كبائعه، والخلاف في الاستحباب لحصول المقصود بكل تقدير (الثاني) يبدأ في اليمين بالمشترى لقوة جانبه بالمبيع، وهو قول أبى حنيفة ووجه عند الاصحاب باعتبار أن رب السلعة في الحال هو المشترى، وللحديث: فالقول ما يقول رب السلعة.
(الثالث) يتساويان لان كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فلا ترجيح فيتخير الحاكم فيم يبدأ به منهما (الرابع) يقرع بينهما فمن قرع بدئ به.
وذلك لان القرعة سبيل لحسم النزاع عند التشاح.
قال الغزالي في الوجيز: أما كيفية اليمين فالبداءة بالبائع، وفى السلم بالسلم إليه وفى الكتابة بالسيد، لانهما في رتبة البائع، وفى الصداق بالزوج لانه في رتبة بائع الصداق، وأثر التحالف يظهر فيه لا في البضع.
وقيل انه يبدأ بالمشترى وهو مخرج، وقيل يتساويان فيقدم بالقرعة أو برأى القاضى.
اه وفى كيفية اليمين أقوال: (أحدها) أن يجمع بين النفى والاثبات بيمين واحدة مطلقا، والصيغة التى اتفقوا عليها أن يقول: والله ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا.
ويقول المشترى: والله ما اشتريت بكذا، ولقد اشتريت بكذا، أو يأتي بلفظ (وإنما) بدل (ولقد)

وأباه بعضهم لما فيه من إبهام اشتراط الحصر، وفى رأى شمس الدين الرملي - وهو الملقب بالشافعي الصغير - لا يكفى قوله ما بعت إلا بكذا، لان الايمان لا يكتفى فيها باللوازم، بل لابد من الصريح.
لان فيها نوعا من التعبد، ومن هنا كان قولا ثانيا وهو: (ثانيها) أن يبدأ بالنفى ثم الاثبات بيمين واحدة لكليهما (ثالثها) أن يبدأ بالاثبات ثم بالنفى بيمين واحدة لكليهما، لانه دعوى عقد وإنكار عقد فافتقر إلى يمينين (رابعها) أن يبدأ بالنفى بيمين ثم بالاثبات بيمين أخرى، وهو المستحب في قول الرملي في نهاية المحتاج (خامسها) أن يبدأ بالاثبات بيمين ثم بالنفى بيمين أخرى (سادسها) أن يبدأ بما شاء منهما بيمين والآخر بيمين أخرى والصواب أن يبدأ القاضى - إذا ترافعا إليه أو أحدهما - بيمين البائع وحسبه في ذلك أن يقول والله ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا، والله تعالى أعلم على أن الاختلاف يشمل المبيع والثمن، لان قوله إذا اختلف المتبايعان مع حذف المتعلق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام، على ما قرره علماء المعاني، فيعم الاختلاف في المبيع وفى الثمن وفى كل أمر فرجع اليهما، وفى سائر الشروط المعتبرة، والتصريح بالاختلاف في الثمن في بعض الروايات، كما وقع في أحاديث الباب لا ينافى هذا العموم المستفاد من الحذف وفى حديث ابن مسعود عند أحمد " فالقول ما يقول صاحب السلعة " وصاحب السلعة هو البائع كما وقع التصريح به في سائر الروايات، فلا وجه لما روى عن البعض من أن رب السلعة في الحال هو المشترى والاختلاف بين المتبايعين في أمر من أمور العقد لا علاج له إلا يمين البائع فإذا حلف المشترى فقد تحالفا ولا يكون لهما خلاص من هذا النزاع إلا التفاسخ على أن سبب الاختلاف بين الفقهاء هو قوله صلى الله عليه وسلم " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " لانه يدل بعمومه، على أن اليمين على المدعى عليه والبينة على المدعى من غير فرق بين أن يكون أحدهما بائعا والآخر مشتريا

أو لا.
وحديث ابن مسعود يدل على أن القول قول البائع مع يمينه والبينة على المشترى من غير فرق بين أن يكون البائع مدعيا أو مدعى عليه، فبين الحديثين عموم وخصوص من وجه، فيتعارضان باعتبار مادة الاتفاق.
وهى حيث يكون البائع مدعيا فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى الامور الخارجية، وحديث " أن اليمين على المدعى عليه " رواه أحمد ومسلم، وهو أيضا في صحيح البخاري في الرهن وفى باب اليمين على المدعى عليه.
وفى تفسير آل عمران.
وأخرجه الطبراني بلفظ " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " وأخرجه الاسماعيلي بلفظ: ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب.
وأخرجه البيهقى بلفظ " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر " وهذه الالفاظ كلها في حديث ابن عباس ممن رام الترجيح بين الحديثين لا يصعب عليه ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإذا تحالفا وجب فسخ البيع لانه لا يمكن إمضاء العقد مع التحالف وهل ينفسخ بنفس التحالف أم لا.
فيه وجهان (أحدهما) أنه ينفسخ بنفس التحالف كما ينفسخ النكاح في اللعان بنفس التحالف، ولان بالتحالف صار الثمن مجهولا والبيع لا يثبت مع جهالة العوض فوجب أن ينفسخ (والثانى) أنه لا ينفسخ إلا بالفسخ بعد التحالف وهو المنصوص لان العقد في الباطن صحيح لانه وقع على ثمن معلوم فلا ينفسخ بتحالفهما، ولان البينة أقوى من اليمين.
ثم لو أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه لم ينفسخ البيع، فلان لا ينفسخ باليمين أولى.
وفى الذى يفسخه وجهان (أحدهما) أنه يفسخه الحاكم لانه مجتهد فيه فافتقر إلى الحاكم كفسخ النكاح بالعيب (والثانى) انه ينفسخ بالمتعاقدين لانه فسخ لاستدراك الظلامة فصح من المتبايعين كالرد بالعيب (الشرح) قوله " وإذا تحالفا وجب فسخ البيع " لسبق قولنا إنه يشجب التراضي المنصوص عليه في قوله عز وجل " عن تراض منكم " ولقولنا: والاختلاف بين المتبايعين في أمر من أمور العقد لا علاج له إلا يمين البائع،

فإذا حلف البائع ثم حلف المشترى فلا يكون لهما مناص من التفاسخ ليخرجا من محارج النزاع.
ولكن هل ينفسخ بنفس التحالف أم لا؟ وجهان (أحدهما) أنه ينفسخ بنفس التحالف لانه ذروة النزاع المفضى إلى الفسخ كما ينفسخ النكاح في اللعان بنفس التحالف، واللعان من العقود التى تفسخ بالتحالف فيقع الفسخ ظاهرا وباطنا، لانه فسخ لاستدراك الظلامة، ولان الثمن بعد التحالف صار مترددا بين ادعاءى كل من المتبايعين مما يسبغ عليه جهالة تخل بالعقد خللا ينقضه، لان الثمن حينئذ يصير مجهلا لا مجهولا، لانه معلوم عندهما باطنا، ولكن عراه التجهيل باختلافهما عليه إن كان الاختلاف في مقدار الثمن.
وكذلك اختلافهما في مقدار المبيع كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولان الثمن عوض عن المبيع فلا يثبت العقد مع جهالة الثمن

(والثانى) أنه لا ينفسخ بمجرد التحالف ولكن بفسخه قصدا بعده، وهو المنصوص في الذهب.
قال المزني في المختصر في باب اختلاف المتبايعين: والمعقول إذا تناقضاه والسلعة قائمة تناقضاه وهى فائتة لان الحكم أن يفسخ العقد فقائم وفائت سواء.
ولنا أن العقد لا ينفسخ بنفس الحالف، لان كل واحد منهما يقصد بيمينه إثبات الملك فلم يجز أن تكون موجبة لفسخ الملك لانهما ضدان فعلى هذا لو فسخه المتبايعان فأيهما فسخ صح اعتبارا بفسخ العيوب التى تكون موقوتة على المتعاقدين دون غيرهما والوجه الثاني: أن الفسخ لا يقع إلا بفسخ الحاكم كالفسخ بالعنة وعيوب الزوجين لانها عن اجتهاد.
فعلى هذا لو فسخه المتبايعان لم ينفسخ حتى يفسخه عليهما الحاكم بعد تحالفهما عنده، وتخيير كل منهما في قبول قول الآخر، فإن قبل صح البيع قال الشافعي في الام فيما يتعلق باختلاف المتبايعين: " وإذا تبايع الرجلان عبدا وتفرقا بعد البيع ثم اختلفا، فقال البائع: بعتك على أنى بالخيار ثلاثا.
وقال المشترى بعتني ولم تشترط خيارا تحالفا، وكان المشترى بالخيار في فسخ البيع، أو يكون للبائع الخيار وهذا والله أعلم كاختلافهما

في الثمن، نحن ننقض البيع باختلافهما بالثمن وننقضه بادعاء هذا أن يكون له الخيار، وأنه لم يقر بالبيع إلا بخيار، وكذلك لو ادعى المشترى الخيار كان القول فيه هكذا.
اه ومرادنا من سوق هذا النص: قوله رضى الله عنه: نحن ننقض البيع باختلافهما بالثمن.
والنقض هنا نقض الظاهر، أما النقض في الباطن فلا، لانه يمكن أن يتراضيا بغير عقد جديد فيمضى العقد على سننه.
وذلك هو قول المصنف (لان العقد في الباطن صحيح) قوله " ولان البينة أقوى من اليمين " لانها مقدمة عليه ولانه بقيامها لا يسوغ اليمين لان وسائل الاثبات إذا كانت كتابية وممهورة بخاتم أو توقيع البائع أو المشترى أو كليهما كان لا محل لليمين هنا ولان العقد وقع بين المتبايعين بالقواعد العامة المقررة شرعا من التراضي بين ذوى أهلية للتعاقد، ويكفينا أن نقول: انه يجب أن يقع التراضي على الامور الثلاثة وهى: ماهية العقد، والمبيع، والثمن فيجب لانعقاد البيع أن تتجه الارادتان إلى البيع والشراء، أما إذا لم تتقابل الارادتان في هذا المعنى بأن قصد أحد المتبايعين البيع والثانى عقدا آخر لم ينعقد عقد بيع ولا عقد آخر، وإذا قصدا معا إلى عقد آخر غير البيع طبقت أحكام هذا العقد ولو سمياه بيعا.
ومن هنا كان اتفاق الارادتين على الشئ المبيع ذاته، كان العقد صحيحا باطنا وظاهرا، فإذا اختلفا فقد أخلا بظاهره دون باطنه لسبق التقاء إرادتيهما على عقده.
أما إذا كانت هناك بينة ثم اختلفا وترافعا إلى القاضى، فإن القاضى يفسر بحكمه إرادة المتعاقدين، فإذا تعذر على القاضى ذلك لعدم توفر الخصائص الذاتية المميزة للتعاقد بموجب البينة المقدمة إليه، كما لو كانت وثيقة مزورة، أو شهادة مفتعلة، أو أمارات لا ينتهض لاقناعه بتوفر العناصر الاساسية للعقد واستحال على القاضى إعطاء الوصف الشرعي لصحة العقد أمر بفسخه، وهل يأمر بفسخه على الفور؟ أم على التراخي؟ الصحيح أنه إذا خشى تلف المبيع، أو فوات مصلحة تتعلق بنفوقه أو كساده كان قضاؤه على الفور.
أما إذا ترتب على التراخي عدم ما ذكرنا مع توقع تقدم أحد

طرفي النزاع أو كليهما بالبينة أو (المستندات) كان له إصدار الحكم مع توقيت حينه بتأجيل النطق به إلى الوقت المناسب مناسبة مطابقة لجميع الاحوال مع اتقاء المضارة.
وغنى عن البيان أن عوض المبيع لا يشترط أن يكون نقدا مع الرجوع إلى أحكام الربويات التى مرت للمصنف والشارحين النووي والسبكي رحمهما الله.
ورجح ابن الرفعة أن لا يكون فسخ القاضى على الفور، ولا يشكل عليه ما مر من إلحاقه بالعيب وبقاء المنازعة، فقد يفرق بأن التأخير غير مشعر بالرضا للاختلاف في وجود المقتضى بخلافه.
ومنازعة الاسنوى في قياس ما تقرر على الاقالة الذى نقله المزني والبويطى وأقراه.
بأن كلا لو قال - ولو بحضور صاحبه بعد البيع: فسخته، لم ينفسخ ولم يكن إقالة، إذ لا تحصل الا ان صدرت بإيجاب وقبول، بشرطه المار مردودة بأن تمكين كل بعد التحالف من الفسخ كتراضيهما به.
أي بلفظ الاقالة، فالقياس صحيح، وأن لكل الابتداء بالفسخ، وبه صرح الرافعى على ما سيأتي قال الرملي في النهاية، وهو الملقب بالشافعي الصغير، رحمه الله تعالى: وإذا تحالفا فالصحيح أن العقد لا ينفسخ بنفس التحالف، لان البينة أقوى من اليمين.
وللخبر الثاني فإن تخييره فيه بعد الحلف صريح في عدم الانفساخ به ولو أقام كل منهما بينة لم ينفسخ، فبالتحالف أولى.
بل ان أعرضا عن الخصومة أعرض عنهما ولا ينفسخ، وان تراضيا على ما قال أحدهما أقر العقد وينبغى للحاكم ندبهما للتوافق ما أمكن.
ولو رضى أحدهما بدفع ما طلبه صاحبه أجبر الآخر عليه.
والا بأن لم يتفقا على شئ واستمرا على النزاع، فيفسخانه أو أحدهما، لانه فسخ لاستدراك الظلامة، فأشبه الفسخ بالعيب، أو الحاكم لقطع المنازعة.
ثم فسخ الحاكم والصادق منهما ينفذ ظاهرا وباطنا كالاقالة، وغيره ينفذ ظاهرا فقط.
ورجح ابن الرفعة عدم وجوب الفور هنا، ولا يشكل عليه ما مر من إلحاقه

بالعيب، فقد يفرق بأن التأخير غير مشعر بالرضا للاختلاف في وجود المقتضى ثم.
قال: وقيل انما يفسخه الحاكم لانه مجتهد فيه كالفسخ بالعنة، وكأنهم اقتصروا في الكتابة على فسخ الحاكم احتياطا لسبب العتق المتشوف إليه الشارع وبعده أيضا على أوجه الوجهين لبقاء ملكه، بل قضية تعليلهم جوازه بعد الفسخ إذا لم يزل به ملك المشترى وهو كذلك على أن لليمين فوائد: (منها) تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الاقرار بالحق.
(ومنها) القضاء عليه بنكوله عنها على ما قدمنا من القضاء عليه إذا نكل عن اليمين.
(ومنها) انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنها لا تسقط الحق، ولا تبرئ الذمة باطنا ولا ظاهرا فلو أقام المدعى بينة بعد حلف المدعى عليه، سمعت وقضى بها، وكذا لو ردت اليمين على المدعى فنكل 1 ، ثم أقام المدعى بينة، سمعت وحكم بها (ومنها) اثبات الحق بها إذا ردت على المدعى أو أقام شاهدا واحدا.
(ومنها) تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع، فيشتفى بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه.

ومنها أن تشهد قرائن الحال بكذب المدعى، فمذهب مالك أنه لا يلتفت إلى دعواه، ولا يحلف له، وهذا اختيار الاصطخرى من الشافعية، ويخرج على مذهب أحمد مثله، وذلك مثل أن يدعى الدنئ استئجار أمير أو ذى هيئة وقدر لعلف دوابه، وكنس بابه، ونحو ذلك.
وروى عن شيخ الاسلام ابن تيمية أنه كان عند نائب السلطان في دمشق 1 يجلس إلى جانبه، فادعى بعض الحاضرين أن له قبل ابن تيمية وديعة، وسأل اجلاسه معه واحلافه فقال لقاضي المالكية - وكان حاضرا - أتسوغ هذه الدعوى؟ وتسمع، فقال: لا، فقال ابن تيمية: فما مذهبك في مثل ذلك، قال تعزير المدعى.
قال ابن تيمية: فاحكم بمذهبك، فأقيم المدعى وأخرج.
(فرع) إذا أقيمت الدعوى وقدمت البينة لا ينفسخ العقد الا بصدور حكم القاضى بالفسخ وهنا كان عدم انفساخه باليمين أولى.
وقوله: وفى الذى يفسخه وجهان، وعند الحنابلة طريقان.
اولهما: وهو الاصح عند الشافعي وأصحابه أن الذى يفسخه هو الحاكم لانه مجتهد فيه، أعنى لان أمر النزاع محل اجتهاد فافتقر إلى من يبذل وسعه، ومن يبلغ بعلمه واحاطته تغطية عناصر النزاع، ومن هنا افتقر أمر الفسخ إلى الحاكم كما يفتقر فسخ النكاح بالعيب إليه.
قال ابن قدامة في المغنى: ويحتمل ان يقف الفسخ على الحاكم، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لان العقد صحيح وأحدهما ظالم، وانما يفسخه الحاكم لتعذر امضائه في الحكم،

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل