المجموع شرح المهذبصفحات 225-264
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأطعمة

صفحات 225-264
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(فرع) إذا وكل العدل في بيع الرهن وكان الثمن في يده كان ضمانه على الراهن إلى أن يصل ليد المرتهن، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ هو من ضمان المرتهن، دليلنا أن العدل وكيل الراهن في البيع، والثمن ملك الراهن وكان من ضمانه كالموكل في غير الرهن، فإن تلف الثمن في يده وخرج المبيع مستحقا، فعلى من يرجع المشترى ننظر في العدل، فان أطلق البيع ولم يذكر أن يبيعه على ذمة الراهن رجع المشترى على العدل، لان الظاهر أنه باع مال نفسه فلزمه الضمان بحكم الظاهر، وإن ذكر عند البيع أنه يبيعه على حساب الراهن أو صدقه المشترى على ذلك، فان المشترى يرجع بالعهدة على الراهن دون العدل، فان العقد له، فان قبض العدل الثمن وسلمه إلى المرتهن ثم وجد المشترى بالرهن عيبا، فان لم يذكر العدل أنه يبيعه للراهن فان المشترى يرجع بالثمن على العدل ويرجع العدل على الراهن، لانه وكيله، ولا يسترجع الثمن من المرتهن.
لان الرهن لما بيع حصل ثمنه للراهن وهو مالكه، وعندما أخذه المرتهن فقد استوفى دينه من ملك الراهن فزال حينئذ ملك الراهن عنه، فان لم يكن للعدل ولا للراهن مال غير الرهن بيع وقضى حق المشترى من ثمنه وما بقى يكون دينا للمشترى على العدل وللعدل على الراهن، وللبحث تتمة في البيوع فليراجع.
والله تعالى أعلم.
إذا شرطا أن يبيع المرتهن الرهن فالشرط باطل، فإذا حل الحق لم يجز للمرتهن بيع الرهن الا أن يحضر الراهن، وهل يبطل الرهن بهذا الشرط قولان لانه زيادة في حق المرتهن، وقد مضى ذكر مثل ذلك، فأما إذا رهنه رهنا صحيحا وأقبضه اياه فلما حل الحق وكل الراهن المرتهن ببيع الرهن لم تصح الوكالة وإذا باع المرتهن كان البيع باطلا، وبذلك قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: يصح التوكيل والبيع.
دليلنا أنه توكيل يجتمع فيه غرضان متضادان، وذلك أن الراهن يريد التأني في البيع للاستقصاء في الثمن، والمرتهن يريد الاستعجال في البيع ليستوفى دينه فلم يجز كما لو كان قد وكله ببيع الشئ من نفسه، فان كان الراهن حاضرا فهل يصح بيع المرتهن باذن فيه وجهان

(أحدهما) يصح، وهو ظاهر النص قال في الام " إلا أن يحضر رب الرهن " ولانه بحضوره سمع تقدير الثمن فانتفت التهمة عن المرتهن فصح بيعه (والثانى) وهو اختيار الطبري في العدة أنه لا يصح البيع لانه توكيل فيما يتعلق به حقه فلم يصح، كما لو كان غائبا، ويجيب عن قول الشافعي رحمه الله " إلا أن يحضر رب الرهن " بقوله معناه فيبيعه بنفسه، ألا ترى أنه قال " فإن امتنع أمره الحاكم ببيعه، فإن قيل هلا قلتم يصح البيع وإن كانت الوكالة فاسدة كما قلتم في سائر الوكالات الفاسدة، فالجواب أن الوكالة الفاسدة إنما يصح البيع فيها لان الفساد غير راجع إلى الاذن، وإنما هو راجع إلى معنى في العوض.
وها هنا الفساد راجع إلى الاذن نفسه فهو كما لو وكله أن يبيع من نفسه فباع.
والله أعلم قال المصنف رحمه الله: ﴿باب ما يدخل في الرهن ومالا يدخل، وما يملكه الراهن وما لا يملكه﴾ ما يحدث من عين الرهن من النماء المتميز، كالشجر والثمر واللبن والولد والصوف والشعر، لا يدخل في الرهن، لما روى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا يغلق الرهن الرهن من راهنه الذى رهنه، له غنمه وعليه غرمه " والنماء من الغنم فوجب أن يكون له.
وعن ابن عمر وأبى هريرة مرفوعا " الرهن محلوب ومركوب " ومعلوم أنه لم يرد أنه محلوب ومركوب للمرتهن، فدل على أنه أراد به محلوب ومركوب للراهن ولانه عقد لا يزيل الملك فلم يسر إلى النماء المتميز كالاجارة، فإن رهن نخلا على أن ما يتميز داخل في الرهن، أو ماشية على أن ما تنتج داخل في الرهن، فالمنصوص في الام أن الشرط باطل وقال في الامالى القديمة: لو قال قائل إن الثمرة والنتاج يكون رهنا كان مذهبا، ووجهه أنه تابع للاصل فجاز أن يتبعه كأساس الدار، والمذهب الاول وهذا مرجوع عنه لانه رهن مجهول ومعدوم فلم يصح، بخلاف أساس الدار فإنه موجود، ولكنه شق رؤيته فعفى عن الجهل به

وأما النماء الموجود في حال العقد ينظر فيه، فإن كان شجرا فقد قال في الرهن لا يدخل فيه، وقال في البيع يدخل، واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق وقد بيناها في البيوع، وان كان ثمرا نظرت، فإن كان ظاهرا كالطلع المؤبر وما أشبهه من الثمار لم يدخل في الرهن، لانه إذا لم يدخل ذلك في البيع وهو يزيل الملك، فلان لا يدخل في الرهن وهو لا يزيل الملك أولى، وإن كان ثمرا غير ظاهر كالطلع الذى لم يؤبر وما أشبهه من الثمار ففيه طَرِيقَانِ، مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ (أحدهما) يدخل فيه قياسا على البيع (والثانى) لا يدخل فيه وهو الصحيح لانه لما لم يدخل فيه ما يحدث بعد العقد لم يدخل الموجود حال العقد، ومنهم من قال لا يدخل فيه قولا واحدا.
ويخالف البيع، فإن في البيع ما يحدث بعد العقد ملك للمشترى، والحادث بعد العقد لا حق للمرتهن فيه، ولان البيع يزيل الملك فيدخل فيه النماء، والرهن لا يزيل الملك فلم يدخل فيه واختلف أصحابنا في ورق التوت والآس وأغصان الخلاف، فمنهم من قال: هو كالورق والاغصان من سائر الاشجار فيدخل في الرهن.
ومنهم من قال انها كالثمار من سائر الاشجار فيكون حكمها حكم الثمار، وان كان النماء صوفا أو لبنا فالمنصوص أنه لا يدخل في العقد.
وقال الربيع في الصوف قول آخر أنه يدخل، فمن أصحابنا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لا يدخل قولا واحدا، وما قاله الربيع من تخريجه.
(الشرح) الحديث عزاه المصنف لابن عمر وفيه نظر.
أما الحديث فقد رواه الجماعة الا مسلما والنسائي عن أبى هريرة رضى الله عنه بلفظ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يقول " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذى يركب ويشرب النفقة " وفى لفظ رواه أحمد " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب وعلى الذى يشرب نفقته " وللدارقطني والحاكم وصححه من طريق الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة مرفوعا " الرهن مركوب ومحلوب " وقال ابن أبى حاتم، قال أبى " رفعه " يعنى أبا معاوية مرة ثم ترك الرفع بعد.
ورجح البيهقى أيضا الوقف

وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: هذا الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين (أحدهما) التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه (والثانى) تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده أصول مجمع عليها، وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر عند البخاري وغيره بلفظ " لا تحلب ماشية إمرئ بغير إذنه " قال الشوكاني: ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للاصول بأن السنة الصحيحة من جملة الاصول فلا ترد الا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع.
وعن حديث ابن عمر بأنه عام وحديث الباب خاص فيبنى العام على الخاص، والنسخ لا يثبت الا بدليل يقضى بتأخر الناسخ على وجه يتعذر معه الجمع لا بمجرد الاحتمال مع الامكان.
وقال الاوزاعي والليث وأبو ثور، انه يتعين حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الانفاق على المرهون، فيباح حينئذ للمرتهن، وأجود ما يحتج به للجمهور حديث أبى هريرة الذى رواه الشافعي والدارقطني وقال: هذا اسناد حسن متصل " لا يغلق الرهن من صاحبه الذى رهنه، له غنمه وعليه غرمه " وفى أحاديث هذا الباب تفصيل في كتب الحديث.
أما لغات الفصل فالآس نوع من النبات يقال له الهدس يستخرج منه الطيب ومثله أغصان الخلاف.
أما الاحكام: فإنه إذا رهنه أرضا فيها بناء أو شجر فان شرط دخول ذلك في الرهن أو قال.
رهنتكها بحقوقها دخل البناء والشجر في الرهن مع الارض، وهكذا ان قال.
رهنتك هذا البستان أو هذه الدار دخل الشجر والبناء في الرهن وان قال رهنتك هذه الارض وأطلق فهل يدخل البناء والشجر، فيه ثلاث طرق ذكرها المصنف في البيع، وان باعه شجرة أو رهنها منه صح البيع والرهن في الشجرة، وهل يدخل قرارها في الرهن والبيع، ذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ أن قرارها لا يدخل في الرهن وجها واحدا.
وهل يدخل في البيع فيه وجهان، وذكر الطبري في العدة أن البيع والرهن على وجهين.

(أحدهما) لا يدخل لان المسمى في العقد هو الشجرة، وهذا ليس بشجر.
فعلى هذا إذا انقلعت الشجرة لم يكن للمشترى أن يغرس مكانها غيرها.

(والثانى) يدخل فيه قرار الشجرة، لان قوام الشجرة به، فهو كعروق الشجرة تحت الارض، فعلى هذا إذا انقلعت هذه الشجرة كان للمشترى أن يغرس مكانها.
وأما نماء الرهن فضربان: موجود حال الرهن، وحادث بعد الرهن، فأما الموجود حال الرهن، فإن كان ثمرة فقد سبق بيانه.
واختلف أصحابنا في ورق التوت وأغصان الخلاف والآس، فمنهم من قال: هو كالاغصان من سائر الاشجار فيدخل في الرهن.
ومنهم من قال هو كالثمار من سائر الاشجار وقد سبق بيانه.
وإن رهنه ماشية وفيها لبن أو صوف فالمنصوص أنه لا يدخل في الرهن، وقال الربيع في الصوف قول آخر أنه يدخل، فمن أصحابنا من قال: في الصوف قولان، ومنهم من قال لا يدخل قولا واحدا، وما ذكره البيع من تخريجه.
وأما النماء الحادث بعد الرهن كالولد والثمرة واللبن وسائر منافعه فاختلف أهل العلم فيه.
مذهبنا أنه ملك للراهن وأنه لا يدخل في الرهن وللراهن أن ينتفع بالرهن، وقال قوم من أصحاب الحديث: نماء الرهن ومنافعه ملك لمن ينفق عليه فإن كان الراهن هو الذى ينفق عليه فالنماء ملك له.
وقال أحمد: الرهن ملك للمرتهن فله حلبه وشربه، وقال أبو حنيفة: الثمرة والولد واللبن الحادث بعد الرهن ملك للراهن إلا أنه يدخل في الرهن.
وقال أيضا، ليس للراهن ولا للمرتهن الانتفاع بالرهن بل تترك المنافع تتلف، وقال مالك: الولد الحادث يكون رهنا كقول أبى حنيفة.
وأما الثمرة فلا تكون رهنا كقولنا.
دليلنا على أصحاب الحديث وعلى أحمد ما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يغلق الرهن الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه " وقد رواه الشافعي والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حبان وابن ماجه وصحح أبو داود والبزار والدارقطني إرساله عن سعيد بن المسيب.
فمن قال إنه ملك للمرتهن فقد خالف نص الحديث.

وروى الشعبى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال " من رهن دابة فعليه نفقتها وله ظهرها ونتاجها " ولان الرهن ملك للراهن فكان نماؤه ملكا له كما لو لم يكن مرهونا، وعلى أبى حنيفة ما روى الاعمش عن أبى هريرة مرفوعا " الرهن محلوب ومركوب للراهن " وبالاجماع بيننا وبين أبى حنيفة أنه محلوب ومركوب للمرتهن، فثبت أنه محلوب ومركوب للراهن وحديث " الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه " وغنمه نماؤه، فمن قال انه رهن فقد خالف الاحاديث، ولان الرهن عقد لا يزيل الملك عن الرقبة فلم يسر إلى الولد كالاجارة، ولان الرهن حق تعلق بالرقبة ليستوفى من ثمنها، فلم يسر إلى الولد كأرش الجناية.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) ويملك الراهن التصرف في منافع الرهن على وجه لا ضرر فيه على المرتهن، كخدمة العبد وسكنى الدار وركوب الدابة وزراعة الارض، لقوله صلى الله عليه وسلم " الرهن محلوب ومركوب " ولانه لم يدخل في العقد ولا يضر بالمعقود له، فبقى على ملكه وتصرفه كخدمة الامة المزوجة، ووطئ الامة المستأجرة، وله أن يستوفى ذلك بالاجارة والاعارة، وهل له أن يستوفى ذلك بنفسه؟ قال في الام له ذلك.
وقال في الرهن الصغير لا يجوز، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يجوز لانه لا يأمن أن يجحد فيبطل حق المرتهن

(والثانى) يجوز وهو الصحيح، لان كل منفعة جاز أن يستوفيها بغيره جاز أن يستوفيها بنفسه كمنفعة غير المرهون، ودليل القول الاول يبطل به إذا أكراه من غيره فإنه لا يؤمن أن يجحد ثم يجوز ومنهم من قال: إن كان الراهن ثقة جاز، لانه يؤمن أن يجحد، وإن كان غير ثقة لم يجز، لانه لا يؤمن أن يجحد، وحمل القولين على هذين الحالين (الشرح) الاحكام: إذا ثبت أن منافع الرهن ملك للراهن فله أن يستوفيها على وجه لا ضرر فيه على المرتهن، فإن كان الرهن دابة فله أن يعيرها من ثقة.

وله أن يؤاجرها من ثقة إلى مدة تنتهى قبل حلول الحق.
وهل له أن يستخدمها بنفسه أو يركبها.
قال الشافعي رحمه الله: له ذلك.
وقال في موضع آخر، ليس له ذلك، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يجوز، لانه لا يؤمن أن يجحده (والثانى) يجوز وهو الصحيح، لانه لما جاز أن يستوفيه بغيره جاز أن يستوفيه بنفسه كغير الرهن.
ومنهم من قال: إن كان الراهن ثقة جاز أن يستوفيه بنفسه، وان كان غير ثقة لم يجز أن يستوفى بنفسه، لان الثقة يؤمن منه أن يجحد، وحمل القولين على هذين الحالين والطريق الصحيح الطريق الاول، ومن هنا له أن يعير الرهن ويؤاجره ويستوفى ذلك بنفسه بحيث لا يخرجه من سلطان المرتهن مثل أن يفعل ذلك في بلده بحيث يمكن رده إلى المرتهن أو إلى العدل، فلا يؤاجر لمسافر، ولا يسافر هو به، وعلى الطريقين أيضا في سكناه فيها، ففى الدابة عليه أن يسلمها للمرتهن ليلا.
أما الدار فله أن يسكنها ليلا ونهارا ما دامت في سلطان المرتهن.
أما الثوب فليس له أن يلبسه ولا يعيره ولا يؤاجره لانه مفض إلى إتلافه قال المصنف رحمه الله:

(فصل) وأما ما فيه ضرر بالمرتهن فإنه لا يملك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار " فان كان المرهون مما ينقل فأراد أن ينتفع به في السفر، أو يكريه ممن يسافر به لم يجز، لان أمن السفر لا يوثق به فلا يؤمن أن يؤخذ فيه، فيدخل على المرتهن الضرر، وإن كان ثوبا لم يملك لبسه لانه ينقص قيمته وإن كان أمة لم يملك تزويجها، لانه ينقص قيمتها، وهل يجوز وطؤها.
ينظر فإن كانت ممن تحبل لم يجز وطؤها، لانه لا يؤمن أن تحبل فتنقص قيمتها وتبطل الوثيقة باستيلادها.
وان كانت ممن لا تحبل لصغر أو كبر ففيه وجهان، قال أبو إسحاق يجوز وطؤها لانا قد أمنا الضرر بالاحبال.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يجوز، لان السن الذى لا تحبل فيه لا يتميز عن السن الذى تحبل فيه مع اختلاف الطباع، فمنع من الجميع كما قلنا في شرب الخمر لما لم يتميز ما يسكر مما لا يسكر مع اختلاف الطباع في السكر حرم الجميع، فإذا منعنا من الوطئ منعنا

من الاستخدام لانه لا يؤمن أن يطأها، وإذا لم يمنع من الوطئ جاز الاستخدام فإن كان أرضا فأراد أن يغرس فيها أو يبنى لم يجز، لانه يراد للبقاء وينقص به قيمة الارض عند القضاء، فإذا خالف وغرس أو بنى - والدين مؤجل - لم يقلع في الحال لانه يجوز أن يقضى الدين من غير الارض، وربما لم تنقص قيمة الارض مع الغراس والبناء عن الدين، فلا يجوز الاضرار بالراهن في الحال، لضرر متوهم بالمرتهن في ثانى الحال، فإن حل الدين ولم يقض وعجزت قيمة الارض مع الغراس والبناء عن قدر الدين قلع، فإن أراد أن يزرع ما يضر بالارض لم يجز، وإن لم يضر بالارض نظرت، فان كان يحصد قبل محل الدين جاز، وإن كان لا يحصد إلا بعد محل الدين ففيه قولان (أحدهما) لا يجوز لانه ينقص قيمة الارض فيستضر به المرتهن

(والثانى) يجوز لانه ربما قضاه الدين من غير الارض، وربما وفت قيمة الارض مع الزرع بالدين فلا يمنع منه في الحال، وان أراد أن يؤجر إلى مدة يحل الدين قبل انقضائها لم يجز له لانه ينقص قيمة الارض وقال أبو على الطبري رحمه الله: فيها قولان كزراعة ما لا يحصد قبل محل الدين.
وإن كان فحلا وأراد أن ينزيه على الاناث جاز، لانه انتفاع لا ضرر فيه على المرتهن فلم يمنع منه كالركوب، فان كان أنثى أراد أن ينزى عليها الفحل نظرت فان كانت تلد قبل محل الدين جاز، لانه لا ضرر على المرتهن، وإن كان الدين يحل قبل ولادتها وقبل ظهور الحمل بها جاز، لانه يمكن بيعها، وإن كان يحل بعد ظهور الحمل، فان قلنا إن الحمل لا حكم له جاز لانه يباع معها، وإن قلنا له حكم لم يجز لانه خارج من الرهن، فلا يمكن بيعه مع الام، ولا يمكن بيع الام دونه فلم يجز.
(الشرح) الاحكام، وإن كان الرهن أرضا فأراد الراهن أن يزرع فيها نظرت، فان كان زرعا يضر بها كزراعة ورد النيل 1 لم يكن له ذلك، لقوله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار " وان كان لا يضر بالارض نظرت فان كان محصوله قبل حلول الدين لم يمنع منه، وان كان محصوله بعد حلول الدين فالمنصوص أنه ليس له ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: ليس له أن يزرع الارض قولا واحدا.
وإن حدث أن زرع أو بنى في الارض فليس يجوز قلعها أو هدمها لانه لا يجوز الاضرار به، لانه قد يقضى الدين في موعده وإن حل الدين ولم يقضه من غير الرهن، نظرت فإن كانت قيمة الارض وحدها تفى بالدين بيعت بغير الغراس والبناء، فان نقصت قيمتها بالغراس والبناء فالراهن بالخيار بين أن يقلع ويهدم ما عليها وبين أن يبيعها بما عليها ثم يوفى المرتهن حقه.
وإن كان الراهن محجورا عليه وبيعت الارض بما عليها لم يجز للمرتهن أخذ الثمن جميعه بل يأخذ ثمن الارض وللغرماء ثم الغراس والبناء، فان كان ثمن الارض والغراس معا مائتين، وثمن الارض وحدها مائة وثمن الغراس وحده خمسين بيعت بما عليها للزيادة في الخمسين فتعلق حق المرتهن بثلثي الخمسين الزائدة وللراهن ثلثها وخمسين للغرماء ومائة للمرتهن (فرع) إذا أراد الراهن أن يؤاجر الرهن إلى مدة لا تنقضي الا بعد محل الدين، فان قلنا لا يجوز بيع المستأجر لم يكن له ذلك، لان ذلك يمنع من بيعه، وان قلنا يجوز بيع المستأجر ففيه طريقان، قال عامة أصحابنا: لا يكون له ذلك لان ذلك ينقص من قيمته عند البيع.
وقال أبو على الطبري: فيه قولان كالقولين في زراعة ما لا يحصد الا بعد محل الدين وان كان الرهن فحلا وأراد الراهن أن ينزيه على ماشيته أو ماشية غيره، قال الشافعي رحمه الله جاز، لان هذا منفعة ولا ينقص به كثيرا، وان كان أتانا وأراد ينزى عليها الفحل، فان كانت تلد قبل حلول الدين أو مع حلول الدين جاز له استيفاء منفعة لا ضرر على المرتهن بها.
وان كانت لا تلد الا بعد حلول الدين فان قلنا: لا حكم للحمل كان له ذلك لان الحق إذا حل وهى حامل صح له بيعها مع حملها.
وان قلنا للحمل حكم لم يكن له ذلك لان الحمل لا يدخل في الرهن ولا يمكن بيعها دون الحمل.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في تعليقته من غير تفصيل.

قال المصنف رحمه الله: (فصل) ويملك الراهن التصرف في عين الرهن بما لا ضرر فيه على المرتهن كودج الدابة وتبزيغها، وفصد العبد وحجامته، لانه إصلاح مال من غير إضرار بالمرتهن، وإن أراد أن يختن العبد، فان كان كبيرا لم يجز، لانه يخاف منه عليه وإن كان صغيرا نظرت، فان كان في وقت يندمل الجرح فيه قبل حلول الدين جاز، وإن كان في وقت يحل الدين قبل اندمال جرحه لم يجز لانه ينقص ثمنه وإن كانت به أكلة يخاف من تركها ولا يخاف من قطعها جاز أن يقطع وإن كان يخاف من تركها ويخاف من قطعها لم يجز قطعها، لانه جرح يخاف عليه منه فلم يجز، كما لو أراد أن يجرحه من غير أكلة، وان كانت ماشية فأراد أن يخرج بها في طلب الكلا - فان كان الموضع مخصبا - لم يجز له ذلك، لانه يغرر به من غير حاجة، وان كان الموضع مجدبا جاز له، لانه موضع ضرورة، وإن اختلفا في موضع النجعة فاختار الراهن جهة واختار المرتهن أخرى، قدم اختيار الراهن، لانه يملك العين والمنفعة وليس للمرتهن إلا حق الوثيقة، فكان تقديم اختياره أولى، وإن كان الرهن عبدا فأراد تدبيره جاز، لانه يمكن بيعه في الدين، فان دبره وحل الدين فان كان له مال غيره لم يكلف بيع المدبر، وإن لم يكن له مال غيره بيع منه بقدر الدين وبقى الباقي على التدبير، وان استغرق الدين جميعه بيع الجميع.
(الشرح) في الفصل لغات منها قوله: ودج الدابة بتشديد الدال وتخفيفها وهو منها كالفصد للانسان، ويسميه العامة في ديارنا الخزام، وقوله: تبزيغها مثله وفى المصباح: بزغ البيطار والحاجم بزغا من باب قبل شرط الدم وأساله، وفى الاحكام مزيد بيان لنا.
أما الاحكام، فان الراهن يملك التصرف في عين الرهن بما لا ضرر فيه على المرتهن كاجراء الودج أو التبزيغ للحيوان أو ملء الساعة، أو تشحيم السيارة أو حقن آلة الطباعة أو نحوها بالزيت أو وضع مركبات النفتالين فيالثياب حتى لا تأتى عليها العثة فتبلى وكل ما هو من شأنه اصلاح المرهون وكماله ولا ضرر فيه

على المرتهن جاز قولا واحدا، ولا يجوز للمرتهن منعه، وان أراد الراهن أن يقطع شيئا من جوارح الحيوان - فان كان في قطعه، منفعة وفى تركه خوف عليه لفساد دب في هذا العضو ويخشى أن يمتد المرض فيتلف غيره أو يصيب الحيوان بالتسمم، فان للراهن أن يقطع ذلك بغير اذن المرتهن، لان في ذلك مصلحة من غير خوف وان كان يخشى من قطعه كما يخشى من بقائه ففيه وجهان ان كان الرهن دابة، واحتاجت إلى التودج وهو فتح عرقين عريضين عن يمين تفرع النحر ويسارها ويسميان الوريدين أو إلى التبزيغ وهو فتح الراهصة من حافره فللراهن أن يفعل ذلك بغير اذن المرتهن، وان أراد الراهن أن يفعل شيئا من هذا بغير اذن المرتهن.
قال الشافعي: فكل ما فيه مصلحة ولا يتضمن المضرة أصلا جاز مثل أن يدهن الجرب بالقطران، أما ما كان فيه منفعة وقد يضر كشرب الدواء " ومثله اعطاء الحقن في العضل أو الوريد " فليس للمرتهن أن يفعل ذلك بغير اذن الراهن اه.
وقد استغرب الشيخ أبو حامد هذا في التعليق.
(فرع) للراهن أن يرعى ماشيته وليس للمرتهن منعه وذلك لانها تأوى بالليل إليه، وان أراد الراهن أن ينتجع بها - أي يحملها أو يسوقها إلى موضع بعيد طلبا للمرعى، فان اتفقا عليه جاز، وان امتنع أحدهما نظرت، فان كان الموضع مخصبا - أي موضع المرتهن - فله أن يمنعه لانه رهنها فليس له نقلها بغير مسوغ أو ضرورة، وان كان الموضع مجدبا، فان اتفقا على النجعة واختلفا في المكان.
قال الشيخ أبو حامد: وكان المكانان متساويين في الخصب والامن قدم قول الراهن لانه هو المالك للرقبة، وان اختلفا في النجعة أجبر الممتنع من النجعة عليها، لان المرتهن ان كان هو الممتنع قيل له: ليس لك ذلك لما فيه من الاضرار بالماشية، فاما أن تخرج معها أو تبعث بعدل أو ينصب الحاكم عدلا، وان كان الممتنع هو الراهن قيل له: ليس لك ذلك لانك تضر بالمرتهن، واما أن تبعث بعدل يأخذ لبنها ويرعاها ويحفظها.
(فرع) وان كان الرهن نخلا فأطلعت كان للراهن تأبيرها من غير اذن المرتهن لانه مصلحة من غير ضرر، وما ينزع من السعف والليف فهو للراهن

فهو كالثمرة ولا يدخل في الرهن.
فان قيل هذا قد تناوله عقد الرهن وليس بحادث فالجواب أن ما يجد وينمو من السعف والليف وقوم مقامه، فصار هذا بمنزلة المنفعة خارجا عن الاصول، فان خرجت الفسلان في جذع النخل.
قال ابن الصباغ: فعندي أن ذلك يكون للراهن لا حق للمرتهن فيه لانه كالولد للماشية وكذلك ان ازدحمت أرض الرهن بالفسلان وأراد الراهن أن يحسن توزيعها في أرض الرهن.
قال الشافعي: جاز له ذلك بغير اذن المرتهن مادام في ذلك مصلحة للباقى، وكذلك إذا ازدحمت وأراد تخفيفها بالقطع أو القلع وكان في ذلك مصلحة لزيادة نمو الباقي جاز للراهن بغير اذن المرتهن وكانت أخشابها من الرهن، وان أراد الراهن تحويلها إلى أرض أخرى أو قطع جميعها لم يكن له ذلك للضرر.
قال الشافعي لو أراد تحويل المساقى فان كان يضر بالرهن لم يكن له.
وقال الشيخ أبو حامد وإذا أراد المرتهن ذلك لم يكن له.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) ولا يملك التصرف في العين بما فيه ضرر على المرتهن لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار " فان باعه أو وهبه أو جعله مهرا في نكاح أو أجره في اجارة أو كان عبدا فكاتبه لم يصح، لانه تصرف لا يسرى إلى ملك الغير يبطل به حق المرتهن من الوثيقة فلم يصح من الراهن بنفسه كالفسخ، وان أعتقه ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يصح، لانه عقد لا يزيل الملك فلم يمنع صحة العتق، كالاجارة.
والثانى: أنه لا يصح، لانه قول يبطل الوثيقة من عين الرهن، فلم يصح من الراهن بنفسه كالبيع.
والثالث، وهو الصحيح أنه ان كان موسرا صح، وان كان معسرا لم يصح لانه عتق في ملكه يبطل به حق غيره، فاختلف فيه الموسر والمعسر كالعتق في العبد المشترك بينه وبين غيره، فان قلنا ان العتق يصح، فان كان موسرا أخذت منه القيمة وجعلت رهنا مكانه، لانه أتلف رقه فلزمه ضمانه كما لو قتله، وتعتبر

قيمته وقت الاعتاق لانه حالة الاتلاف، ويعتق بنفس اللفظ، ومن أصحابنا من قال: في وقت العتق ثلاثة أقوال: (أحدها) بنفس اللفظ (والثانى) بدفع القيمة (والثالث) موقوف، فان دفع القيمة حكمنا أنه عتق من حين الاعتاق، وان لم يدفع حكمنا أنه لم يعتق في حال الاعتاق، كما قلنا فيمن أعتق شركا له في عبد أنه يسرى، وفى وقت السراية ثلاثة أقوال - وهذا خطأ - لانه لو كان كالعتق في العبد المشترك لوجب أن لا يصح العتق من المعسر، كما لا يسرى العتق باعتاق المعسر في العبد المشترك.
وان كان معسرا وجبت عليه القيمة في ذمته، فان أيسر قبل محل الدين طولب بها لتكون رهنا مكانه، وان أيسر في محل الدين طولب بقضاء الدين.
وان قلنا ان العتق لا يصح ففكه أو بيع في الدين ثم ملكه لم يعتق عليه.
ومن أصحابنا من قال: يعتق، لانه انما لم يعتق في الحال لحق المرتهن، وقد زال حق المرتهن فنفذ العتق، كما لو أحبلها ثم فكها أو بيعت ثم ملكها والمذهب الاول لانه عتق لم ينفذ في الحال فلم ينفذ بعد ذلك، كما لو أعتق المحجور عليه عبده ثم فك عنه الحجر، ويخالف الاحبال فانه فعل، وحكم الفعل أقوى من حكم القول، ولهذا لو أحبل المجنون جاريته نفذ احباله وثبت لها حق الحرية، ولو أعتقها لم يصح.
وان قلنا انه يصح العتق ان كان موسرا ولا يصح إذا كان معسرا، فقد بينا حكم الموسر والمعسر.
وان كان المرهون جارية فأحبلها فهل ينفذ إحباله أم لا، على الاقوال الثلاثة، وقد بينا وجوهها في العتق، فان قلنا انه ينفذ فالحكم فيه كالحكم في العتق وان قلنا انه لا ينفذ احباله صارت أم ولد في حق الراهن لانها علقت بحر في ملكه، وانما لم ينفذ لحق المرتهن، فان حل الدين وهى حامل لم يجز بيعها لانها حامل بحر، وان ماتت من الولادة لزمه قيمتها لانها هلكت بسبب من جهته.
وفى القيمة التى تجب ثلاثة أوجه (أحدها) تجب قيمتها وقت الوطئ، لانه وقت سبب التلف، فاعتبرت القيمة فيه، كما لو جرحها وبقيت ضنيئة إلى أن ماتت.

(والثانى) تجب قيمتها أكثر ما كانت من حين الوطئ إلى حين التلف، كما قلنا فيمن غصب جارية وأقامت في يده ثم ماتت (والثالث) أنه تجب قيمتها وقت الموت، لان التلف حصل بالموت والمذهب الاول، وما قال الثاني لا يصح، لان الغصب موجود من حين الاخذ إلى حين التلف، والوطئ غير موجود من حين الوطئ إلى حين التلف.
وما قال الثالث يبطل به إذا جرحها ثم ماتت، فان التلف حصل بالموت، ثم تجب القيمة وقت الجراحة، وان ولدت نظرت، فان نقصت بالولادة وجب عليه أرش ما نقص، وان حل الدين ولم يقضه فان أمكن أن يقضى الدين بثمن بعضها بيع منها بقدر ما يقضى به الدين، وان فكها من الرهن أو بيعت وعابت إليه ببيع أو غيره صارت أم ولد له، وقال المزني: لا تصير كما لا تعتق إذا أعتقها ثم فكها أو ملكها، وقد بينا الفرق بين الاعتاق والاحبال فأغنى عن الاعادة.
(الشرح) الحديث رواه أحمد في مسنده عن ابن عباس وابن ماجه في سننه عن عبادة بن الصامت عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار " وإسناده حسن.
أما اللغات ففى النهاية: الضر ضد النفع ضره يضره ضرا وضرارا، وأضر به يضر إضرارا، فمعنى قوله " لا ضرر " أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه والضرار فعال من الضرر، أي لا تجازيه على إضراره بادخال الضرر عليه والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، أو الضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء.
أما الاحكام، فان أزال الراهن ملكه عن الرهن بغير إذن المرتهن نظرت فان كان ببيع أو هبة أو ما أشبهها من التصرفات لم يصح للحديث لان فيها إضرار على المرتهن، ولانه تصرف لا يسرى إلى ملك الغير احترازا من العتق وقوله " يبطل به حق المرتهن من الوثيقة " احتراز من اجارته وإعارته.
وقوله " بغير إذن المرتهن " احتراز منه إذا أذن، وان كان الرهن رقيقا فأعتقه الراهن بغير اذن المرتهن.

قال الشافعي في الام، إذا كان موسرا فقد عتقه، وإن كان معسرا فعلى قولين وقال في القديم: قال عطاء لا ينفذ عتقه موسرا كان أو معسرا، ولهذا وجه.
ثم قال: قال بعض أصحابنا ينفذ ان كان موسرا ولا ينفذ ان كان معسرا.
واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب، فقال أبو على الطبري وابن القطان: في المسألة ثلاثة أقوال (أحدها) ينفذ اعتاقه موسرا كان أو معسرا (والثانى) لا ينفذ موسرا كان أو معسرا (والثالث) ينفذ ان كان موسرا ولا ينفذ ان كان معسرا وهذه الطريقة اختيار المصنف وابن الصباغ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان وقف المرهون ففيه وجهان (أحدهما) أنه كالعتق لانه حق لله تعالى لا يصح اسقاطه بعد ثبوته فصار كالعتق (والثانى) انه لا يصح لانه تصرف لا يسرى إلى ملك الغير فلا يصح كالبيع والهبة (الشرح) الاحكام: إذا تصرف الراهن بغير العتق كالبيع والاجارة والهبة والوقف وغيره فتصرفه باطل، لانه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة غير مبنى على التغليب والسراية فلم يصح بغير اذن المرتهن كفسخ الرهن، فان أذن فيه المرتهن صح وبطل الرهن، لانه اذن فيما ينافى حقه، فيبطل بفعله كالعتق، وان زوج الام المرهونة لم يصح، وهذا هو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وما منع منه الراهن لحق المرتهن كالوطئ والتزويج وغيرهما، إذا أذن فيه جاز له فعله، لان المنع لحقه فزال بإذنه، وما يبطل لحقه كالبيع والعتق وغيرهما إذا فعله بإذنه صح، لان بطلانه لحقه فصح بإذنه، فان أذن في البيع أو العتق ثم رجع قبل أن يبيع، أو قبل أن يعتق لم يجز البيع والعتق لانه بالرجوع سقط الاذن فصار كما لو لم يأذن، فان لم يعلم بالرجوع فباع أو أعتق ففيه وجهان (أحدهما) أنه يسقط الاذن ويصير كما إذا باع أو أعتق بغير الاذن

(والثانى) أنه لا يسقط الاذن بناء على القولين في الوكيل إذا عزله الموكل ولم يعلم حتى تصرف.
(الشرح) فيما سبق في الفصل قبله الكفاية

قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن أذن له في العتق فأعتق أو في الهبة فوهب وأقبض بطل الرهن لانه تصرف ينافى مقتضى الوثيقة فعله باذنه فبطلت به الوثيقة، فان أذن له في البيع لم يخل، إما أن يكون في دين حال أو في دين مؤجل، فان كان في دين حال تعلق حق المرتهن بالثمن، ووجب قضاء الدين منه، لان مقتضى الرهن بيعه واستيفاء الحق منه، وان كان في دين مؤجل نظرت، فان كان الاذن مطلقا فباع بطل الرهن وسقط حقه من الوثيقة، لانه تصرف في عين الرهن لا يستحقه المرتهن، فعله باذنه فبطل به الرهن، كما لو أعتقه باذنه، وإن أذن له في البيع بشرط أن يكون الثمن رهنا ففيه قولان.
قال في الاملاء: يصح، ووجهه أنه لو أذن له في بيعه بعد المحل بشرط أن يكون ثمنه رهنا إلى أن يوفيه جاز.
وقال في الام: لا يصح، لان ما يباع به من الثمن مجهول، ورهن المجهول لا يصح، فإذا بطل الشرط بطل البيع، لانه انما أذن في البيع بهذا الشرط ولم يثبت الشرط فلم يصح البيع، وإن أذن له في البيع بشرط أن يعجل الدين فباع لم يصح البيع.
وقال المزني: يبطل الشرط ويصح العقد، لانه شرط فاسد سبق البيع، فلم يمنع صحته، كما لو قال لرجل: بع هذه السلعة ولك عشر ثمنها، وهذا خطأ، لانه إنما أذن له بشرط أن يعجل الدين وتعجيل الدين لم يسلم له، فإذا لم يسلم له الشرط بطل الاذن فيصير البيع بغير إذن، ويخالف مسألة الوكيل، فان هناك لم يجعل العوض في مقابلة الاذن، وإنما جعله في مقابلة البيع وههنا جعل تعجيل الدين في مقابلة الاذن، فإذا بطل التعجيل بطل الاذن، والبيع بغير اذن المرتهن باطل.
وحكى عن أبى إسحاق أنه قال: في هذه المسألة قول آخر أنه يصح البيع ويكون ثمنه رهنا، كما لو أذن له في البيع بشرط أن يكون ثمنه رهنا.
(الشرح) الاحكام: بيانه في الفصول السابقة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وما يحتاج إليه الرهن من نفقة وكسوة وعلف وغيرها فهو على الراهن لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذى يركب ويشرب نفقته، والذى يركب ويشرب هو الراهن فوجب أن تكون النفقة عليه، ولان الرقبة والمنفعة على ملكه فكانت النفقة عليه وان احتاج إلى شرب دواء أو فتح عرق فامتنع لم يجبر عليه لان الشفاء بيد الله تعالى، وقد يجئ من غير فصد ولا دواء ويخالف النفقة فانه لا يبقى دونها فلزمه القيام بها.

(فصل) وان جنى العبد المرهون لم يخل اما أن يجنى على الأجنبي، أو على المولى أو على مملوك للمولى، فان كانت الجناية على أجنبي تعلق حق المجني عليه برقبته، وقدم على حق المرتهن، لان حق المجني عليه يقدم على حق المالك، فلان يقدم على حق المرتهن أولى، ولان حق المجني عليه يختص بالعين فلو قدمنا حق المرتهن عليه أسقطنا حقه، وحق المرتهن يتعلق بالعين والذمة، فإذا قدمنا حق المجني عليه لم يسقط حقه فوجب تقديم حق المجني عليه، فان سقط حق المجني عليه بالعفو أو الفداء بقى حق المرتهن، لان حق المجني عليه لم يبطل الرهن وانما قدم عليه حق المجني عليه لقوته، فإذا سقط حق المجني عليه بقى حق المرتهن وان لم يسقط حق المجني عليه نظرت، فان كان قصاصا في النفس اقتص له وبطل الرهن، وان كان في الطرف اقتص له، وبقى الرهن في الباقي، وان كان مالا وأمكن أن يوفى حقه ببيع بعضه بيع منه ما يقضى به حقه، وان لم يمكن الا ببيع جميعه بيع فان فضل عن حق المجني عليه شئ من ثمنه تعلق به حق المرتهن وان كانت الجناية على المولى نظرت، فان كان فيما دون النفس اقتص منه ان كان عمدا، وان كان خطأ أو عمدا فعفى عنه على مال لم يثبت له المال.
وقال أبو العباس: فيه قول آخر أنه يثبت له المال، ويستفيد به بيعه وابطال

حق المرتهن من الرهن، ووجهه أن من ثبت له القصاص في العمد ثبت له المال في الخطأ كالأجنبي، والصحيح هو الاول، لان المولى لا يثبت له المال على عبده ولهذا لو أتلف له مالا لم يستحق عليه بدله، ووجه الاول يبطل بغير المرهون، فانه يجب له القصاص في العمد، ولا يجب له المال في الخطأ، وإن كانت الجناية على النفس - فان كانت عمدا - ثبت للوارث القصاص، فان اقتص بطل الرهن وإن كانت خطأ أو عمدا وعفى على مال ففيه قولان.
أحدهما: لا يثبت له المال، لان الوارث قائم مقام المولى، والمولى لا يثبت له في رقبة العبد مال، فلا يثبت لمن يقوم مقامه.
والثانى: أنه يثبت له، لانه يأخذ المال عن جناية حصلت، وهو في غير ملكه فصار كما لو جنى على من يملكه المولى، وان كانت الجناية على مملوك للمولى، فان كانت على مملوك غير مرهون، فان كانت الجناية عمدا.
فللمولى أن يقتص منه.
وان كانت خطأ أو عمدا وعفا على مال لم يجز.
لان المولى لا يستحق على عبده مالا.
وان كانت الجناية على مملوك مرهون عند مرتهن آخر.
فان كانت الجناية عمدا فللمولى أن يقتص منه.
فان اقتص بطل الرهن.
وان كانت خطأ أو عمدا وعفى على مال ثبت المال لحق المرتهن الذى عنده المجني عليه، لانه لو قتله المولى لزمه ضمانه فإذا قتله عبده تعلق الضمان برقبته.
فان كانت قيمته أكثر من قيمة المقتول وأمكن أن يقضى أرش الجناية ببيع بعضه بيع منه ما يقضى به أرش الجناية ويكون الباقي رهنا.
فان لم يمكن الا ببيع جميعه بيع.
وما فضل من ثمنه يكون رهنا.
فان كانت قيمته مثل قيمة المقتول أو أقل منه ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه ينقل القاتل إلى مرتهن المقتول.
ليكون رهنا مكانه.
لانه لا فائدة في بيعه.

(والثانى) أنه يباع لانه ربما رغب فيه من يشتريه بأكثر من قيمته فيحصل عند كل واحد من المرتهنين وثيقة بدينه.
وان كانت الجناية على مرهون عند المرتهن الذى عنده القاتل.
فان كانت عمدا فاقتص منه بطل الرهن.
وان كانت خطأ أو عمدا وعفى عنه على مال نظرت.
فان اتفق الدينان في المقدار والحلول

والتأجيل، واتفقت قيمة العبدين ترك على حاله، لانه لا فائدة في بيعه، وان كان الدين الذى رهن به المقتول حالا.
والدين الذى رهن به القاتل مؤجلا.
بيع لان في بيعه فائدة، وهو أن يقضى الدين الحال، فان اختلف الدينان.
واتفقت القيمتان نظرت، فان كان الدين الذى ارتهن به القاتل أكثر لم يبع لانه مرهون بقدر، فإذا بيع صار مرهونا ببعضه.
وإن كان الدين الذى ارتهن به القاتل أقل نقل، فإن في نقله فائدة، وهو أن يصير مرهونا بأكثر من الدين الذى هو مرهون به، وهل يباع وينقل ثمنه؟ أو ينقل بنفسه؟ فيه وجهان، وقد مضى توجيههما، وإن اتفق الدينان بأن كان كل واحد منهما مائة، واختلف القيمتان نظر فيه، فان كانت قيمة المقتول أكثر لم يبع، لانه إذا ترك كان رهنا بمائة، وإذا بيع كان ثمنه رهنا بمائة، فلا يكون في بيعه فائدة، وان كانت قيمة القاتل أكثر بيع منه بقدر قيمة المقتول ويكون رهنا بالحق الذى كان المقتول رهنا به وباقيه على ما كان.
(الشرح) حديث أبى هريرة رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي وفى لفظ " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذى يشرب نفقته " رواه أحمد وتقدم كلام المحدثين في أول الباب مستوفى فيراجع.
أما أحكام الفصل: فقد تكلمنا على مضمونه فيما سبق فيما يصلح الرهن.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) فإن جنى العبد المرهون باذن المولى نظرت، فان كان بالغا عاقلا فحكمه حكم ما لو جنى بغير إذنه في القصاص والارش، على ما بيناه، ولا يلحق السد بالاذن الا الاثم، فانه يأثم لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله فان كان غير بالغ نظرت فان كان مميزا يعرف ان طاعة المولى لا تجوز في القتل كان كالبالغ في جميع ما ذكرناه الا في القصاص.
فان القصاص لا يجب على الصبى وان كان صغيرا لا يميز أو أعجميا لا يعرف ان طاعة المولى لا تجوز

في القتل لم تتعلق الجناية برقبته بل يتعلق حكم الجناية بالمولى.
فان كان موسرا أخذ منه الارش، وان كان معسرا فقد قال الشافعي رحمه الله يباع العبد في أرش الجناية، فمن أصحابنا من حمله على ظاهره.
وقال يباع لانه قد باشر الجناية فبيع فيها، ومنهم من قال: لا يباع لان القاتل في الحقيقة هو المولى، وانما هو آلة كالسيف وغيره، وحمل قول الشافعي رحمه الله على أنه أراد إذا ثبت بالبينة أنه قتله فقال المولى أنا أمرته فقال يؤخذ منه الارش ان كان موسرا بحكم اقراره، وان كان معسرا بيع العبد بظاهر البينة والله أعلم.

(فصل) وان جنى على العبد المرهون فالخصم في الجناية هو الراهن، لانه هو المالك للعبد، ولما يجب من بدله، فان ادعى على رجل أنه جنى عليه فأنكره ولم تكن بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فان نكل عن اليمين ردت اليمين على الراهن، فان نكل فهل ترد اليمين على المرتهن، فيه قولان، بناء على القولين في المفلس، إذا ردت عليه اليمين فنكل، فهل ترد على الغريم؟ فيه قولان.

(أحدهما) لا ترد، لانه غير مدع.

(والثانى) ترد، لانه ثبت له حق فيما يثبت باليمين.
فهو كالمالك.
فان أقر المدعى عليه أو قامت البينة عليه أو نكل وحلف الراهن أو المرتهن على أحد القولين.
فان كانت الجناية موجبة للقود.
فالراهن بالخيار بين أن يقتص وبين أن يعفو.
فان اقتص بطل الرهن.
وان قال: لا أقتص ولا أعفو ففيه وَجْهَانِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: للمرتهن اجباره على اختيار القصاص أو أخذ المال لان له حقا في بدله فجاز له اجباره على تعيينه.
وقال أبو القاسم الداركى: ان قلنا: ان الواجب بقتل العمد هو القود لم يملك اجباره لانه إذا ملك اسقاط القصاص فلان يملك تأخيره أولى.
وان قلنا: ان الواجب أحد الامرين أجبر على التعيين لان له حقا هو القصاص وللمرتهن حقا هو المال فلزمه التعيين وان عفى على مال أو كانت الجناية خطأ وجب الارش.
وتعلق حق المرتهن به.
لان الارش بدل عن المرهون.
فتعلق حق المرتهن به.
وان أسقط المرتهن حقه من الوثيقة سقط.
لانه لو كان الرهن باقيا فأسقط حقه

منه سقط، فكذلك إذا أسقط من بدله، فإن أبرأ المرتهن الجاني من الارش لم يصح إبراؤه لانه لا يملكه فلا ينفذ إبراؤه فيه، كما لو كان الراهن باقيا فوهبه.
وهل يبطل بهذا الابراء حقه من الوثيقة؟ فيه وجهان

(أحدهما) يبطل، لان إبراءه تضمن إبطال حقه من الوثيقة، فإذا سقط الابراء بقى ما تضمنه من إبطال الوثيقة.

(والثانى) لا يبطل، لان الذى أبطله هو الابراء، والابراء لم يصح، فلم يبطل ما تضمنه، فان أبرأه الراهن من الارش لم يصح ابراؤه، لانه يبطل حق المرتهن من الوثيقة من غير رضاه فلم يصح، كما لو كان الرهن باقيا فأراد أن يهبه فان أبرأه ثم قضى دين المرتهن أو أبرأه المرتهن منه فهل ينفذ ابراء الراهن للجاني من الارش؟ فيه وجهان: (أحدهما) ينفذ، لان المنع منه لحق المرتهن، وقد زال حق المرتهن فينفذ ابراء الراهن.

(والثانى) أنه لا ينفذ لانا حكمنا ببطلانه فلا يجوز أن يحكم بصحته بعد الحكم ببطلانه، كما لو وهب مال غيره ثم ملكه.
وان أراد أن يصالح عن الارش على حيوان أو غيره من غير رضا المرتهن لم يجز، لان حق المرتهن يتعلق بالقيمة، فلا يجوز اسقاطه إلى بدل من غير رضاه، كما لو كان الرهن باقيا فأراد أن يبيعه من غير رضاه، فان رضى المرتهن بالصلح فصالح على حيوان تعلق به حق المرتهن، وسلم إلى من كان عنده الرهن ليكون رهنا مكانه، فان كان مما له منفعة انفرد الراهن بمنفعته، وان كان له نماء انفرد بنمائه كما كان ينفرد بمنفعة أصل الرهن ونمائه، فان كان المرهون جارية فجنى عليها فأسقطت جنينا ميتا وجب عليه عشر قيمة الام ويكون خارجا من الرهن لانه بدل عن الولد، والولد خارج من الرهن، فكان بدله خارجا منه.
وان كانت بهيمة فألقت جنينا ميتا وجب عليه ما نقص من قيمة الام ويكون رهنا، لانه بدل عن جزء من المرهون، فان ألقته حيا ثم مات ففيه قولان: (أحدهما) يجب عليه قيمة الولد حيا لانه يمكن تقويمه: فيكون للراهن، فان

عفى عنه صح عفوه (والثانى) يجب عليه أكثر الامرين من قيمته حيا أو ما نقص من قيمة الام، فان كان قيمته حيا أكثر وجب ذلك للراهن وصح عفوه عنه، وان كان ما نقص من قيمة الام أكثر كان رهنا.

(فصل) وان جنى على العبد المرهون ولم يعرف الجاني فأقر رجل أنه هو الجاني، فان صدقه الراهن دون المرتهن، كان الارش له ولا حق للمرتهن فيه وان صدقه المرتهن دون الراهن كان الارش رهنا عنده، فان لم يقضه الراهن الدين استوفى المرتهن حقه من الارش، فان قضاه الدين أو أبرأه منه المرتهن رد الارش إلى المقر.
(الشرح) حديث من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، أخرجه ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ المناوى: كناية عن كونه كافرا إذ لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون وهذا زجر وتهويل أو المراد يستمر.
هذا حاله حتى يطهر بالنار ثم يخرج.
اه وقال الحفتى: ان استحل ذلك فهو كافر قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) فان كان المرهون عصيرا فصار في يد المرتهن خمرا زال ملك الراهن عنه وبطل الرهن لانه صار محرما لا يجوز التصرف فيه فزال الملك فيه وبطل الرهن كالحيوان إذا مات، فان تخللت عاد الملك فيه لانه عاد مباحا يجوز التصرف فيه فعاد الملك فيه كجلد الميتة إذا دبغ، ويعود رهنا لانه عاد إلى الملك السابق، وقد كان في الملك السابق رهنا فعاد رهنا، فان كان المرهون حيوانا فمات وأخذ الراهن جلده ودبغه فهل يعود الرهن فيه وجهان.
قال أبو على ابن خبران يعود رهنا، كما لو رهنه عصيرا فصار خمرا ثم صار خلا.
وقال أبو إسحاق لا يعود الرهن لانه عاد الملك فيه بمعالجة وأمر أحدثه فلم يعد رهنا بخلاف الخمر فانها صارت خلا بغير معنى من جهته (الشرح) الاحكام: إذا رهنه عصيرا صح رهنه كالثياب، ولان أكثر ما فيه أنه يخشى تلفه بأن يصير خمرا، وينفسخ الرهن، وذلك لا يمنع صحة الرهن،

كالحيوان يجوز رهنه، وإذا جاز أن يموت، فإذا رهنه عصيرا فاستحال خلا أو مالا يسكر كثيره، فالرهن فيه بحاله لانه يتغير إلى حالة لا تخرجه عن كونه مالا فلم يخرجه من الرهن، كما لو رهنه عبدا شابا فصار شيخا، فإذا رهنه عصيرا فاستحال خمرا زال ملك الراهن عنه وبطل الرهن فيه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزول ملك الراهن عنه، ولا يبطل الرهن به لانه يجوز أن تصير له قيمة دليلنا أن كونه خمرا يمنع صحة التصرف فيه، والضمان على متلفه، فبطل به الملك والرهن، كموت الشاة.
إذا ثبت هذا فإنه يجب إراقته، فان أتلف فلا كلام، ولا خيار للمرتهن في البيع - إن كان شرط رهنه فيه - إذا كان انقلابه بيده، لان التلف حصل بيده، وإن استحال الخمر خلا بنفسه من غير معالجة عاد الملك فيه للراهن بلا خلاف، وعاد الرهن فيه للمرتهن، لانا إنما حكمنا بزوال ملك الراهن عنه وبطلان الرهن بحدوث الاسكار، وقد زالت تلك الصفة من غير أن تخلف نجاسة فوجب أن يعود إلى سابق ملكه كما كان.
فان قيل: أليس العقد إذا بطل لم يصح حتى يبتدأ، والرهن قد بطل فكيف عاد من غير أن يجدد عقده؟ قيل إنما يقال ذلك إذا وقع العقد فاسدا، وأما وقد وقع العقد صحيحا ابتداء ثم طرأ عليه ما أخرجه عن حكم العقد فانه إذا زال ذلك المعنى عاد العقد صحيحا، كما نقول: إذا أسلمت زوجة الكافر يحرم عليه وطؤها فإذا أسلم الزوج قبل انقضاء العدة عاد العقد كما كان، وكذلك إذا ارتد الزوجان أو أحدهما، فإذا استحال الخمر خلا بصنعة آدمى لم يطهر بذلك.
بل تزول الخمرية عنه، ويكون خلا نجسا لا يحل الائتدام به، ولا يعود امتلاكه ولا رهنه.
وقال أبو حنيفة: يكون طاهرا يحل شربه والرهن فيه بحاله دليلنا ما روى أبو طلحة رضى الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر قلت: يا رسول الله ان عندي خمرا لايتام ورثوه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرقه قلت أفلا أخلله؟ قال لا، فنهاه عن تخليله، وهذا يقتضى التحريم، فان كان مع رجل خمر فأراقه فأخذه آخر وصار في يده خلا أو وهبه لغيره فصار في يد الموهوب خلا، ففيه وجهان.

من أصحابنا من قال يكون لمن أراقه، لانه يعود إلى سابق ملكه، والملك للمريق، فهو كما لو غصب من رجل خمرا وصار في يده خلا (والثانى) يكون ملكا لمن هو في يده، لانه إذا أراقه صاحبه فقد رفع يده عنه، فإذا جمعه الآخر صارت له عليه يد والاول أصح.
قال ابن الصباغ: إذا رهنه عصيرا فصار خمرا في يد الراهن قبل القبض بطل الرهن، فان عاد خلا لم يعد الرهن، ويخالف إذا كان بعد القبض لان الرهن قد لزم، وقد صار مانعا للملك، وكذلك إذا اشترى عصيرا فصار خمرا في يد البائع وعاد خلا فسد العقد ولم يكن ملكا للمشترى بعوده خلا، والفرق بينه وبين الرهن أن الرهن عاد تبعا لملك الراهن، وها هنا يعود لملك البائع لعدم العقد.
(فرع) إذا رهن عند رجل شاة وأقبضه اياها فماتت زال ملك الراهن وبطل الرهن فيها لانها خرجت عن أن تكون مالا، فان أخذ الراهن جلدها فدبغها عاد ملكه على الجلد بلا خلاف، وهل يعود رهنا؟ فيه وجهان قال ابن خيران: انما عاد بمعالجته، ومعنى أحدثه بخلاف الخمر، وسئل أبو إسحاق عن رجل ماتت له شاة، فجاء آخر وأخذ جلدها فدبغه، فقال إذا لم يطرحها مالكها فان الجلد لمالك الشاة دون الدابغ، لان الملك وان عاد بمعنى أحدثه الدابغ إلا أن يد المالك كانت مستقرة على الجلد وجوز له استصلاحه فإذا غصبه غاصب ودبغه لم ينقل يد المالك كما لو كان له جرو كلب يريد تعليمه الصيد فغصبه إنسان وعلمه، فان المغصوب منه أحق به، لان يده كانت مستقرة عليه، قال فأما إذا طرح صاحب الشاة شاته على المزبلة فأخذ رجل جلدها ودبغه ملكه لان المالك قد أزال يده عنها.
قيل له: أليس من يحجر مواتا يكون أحق بإحيائها من غيره ثم جاء غيره فأحياها ملكها، فقال الفرق بينهما أن من يحجر على شئ من الموات صار به بمعنى أثره فيه، وهو الحجز ويده ضعيفة لاستبدال ملك، فإذا وجد سبب الملك وهو الاحياء بطلت يده، وكذلك من ماتت له شاة لان يده مقرة عليها بالملك.

قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن تلف الرهن في يد المرتهن من غير تفريط تلف من ضمان الراهن ولا يسقط من دينه شئ لما روى سعيد بن المسيب رضى الله عنه قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ لا يغلق الرهن ممن رهنه، ولانه وثيقة بدين ليس بعوض منه فلم يسقط الدين بهلاكه كالضامن، فإن غصب عينا ورهنها بدين ولم يعلم المرتهن وهلكت عنده من غير تفريط فهل يجوز للمالك أن يغرمه فيه وجهان (أحدهما) لا يغرمه لانه دخل على الامانة (والثانى) له أن يغرمه لانه أخذه من يد ضامنة، فان قلنا انه يغرمه فغرمه فهل يرجع بما غرم على الراهن فيه وجهان (أحدهما) يرجع لانه عره (والثانى) لا يرجع لانه حصل التلف في يده فاستقر الضمان عليه، فان بدأ وغرم الراهن، فان قلنا ان المرتهن إذا غرم رجع على الراهن لم يرجع الراهن على المرتهن بما غرمه، وإن قلنا ان المرتهن إذا غرم لا يرجع على الراهن رجع عليه الراهن بما غرمه، فان رهن عند رجل عينا وقال رهنتك هذا إلى شهر فان لم أعطك مالك فهو لك بالدين فالرهن باطل لانه وقته والبيع باطل لانه علقه على شرط فان هلك العين قبل الشهر لم يضمن لانه مقبوض بحكم الرهن فلم يضمنه كالمقبوض عن رهن صحيح، وان هلك بعد الشهر ضمنه لانه مقبوض بحكم البيع فضمنه كالمقبوض عن بيع صحيح (الشرح) الحديث مر تخريجه في غير موضع أما الاحكام فانه إذا قبض المرتهن الرهن فهلك في يده من غير تفريط لم يلزمه ضمانه ولا يسقط من دينه شئ، وبه قال الاوزاعي وعطاء وأحمد وأبو عبيد وهى إحدى الروايتين عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، وذهب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن الرهن مضمون على المرتهن بأقل الامرين من قيمته، أو قدر الدين، فإذا هلك فان كان الدين مائة وقيمة الرهن تسعين ضمنه بتسعين وبقى له من الدين عشرة، وان كان الدين تسعين وقيمة الرهن مائة فهلك الرهن سقط الرهن وسقط جميع دينه، ولا يرجع الراهن عليه بشئ لسقوط الدين، وروى ذلك عن عمر رضى الله عنه.

وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن الرهن مضمون على المرتهن بكمال قيمته، ثم يترادان، وهى الرواية الثانية عن على رضى الله عنه.
وذهب الشعبى والحسن البصري إلى أن الرهن إذا هلك في يد المرتهن سقط جميع دينه، سواء كانت قيمته أكثر من قدر الدين أو أقل أو كانا متساويين.
وقال مالك: إن هلك الرهن هلاكا ظاهرا، مثل أن كان عبدا فمات أو دارا فاحترقت فهو غير مضمون على المرتهن، وان هلك هلاكا خفيا، مثل أن يدعى المرتهن أنه هلك، فهو مضمون كما قال اسحاق بن راهويه.
دليلنا ما روى سعيد بن المسيب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال " لا يغلق الرهن من راهنه الذى رهنه له غنمه وعليه غرمه " فهذا الحديث دليل في ثلاثة أمور: (أحدها) قوله صلى الله عليه وسلم " لا يغلق الرهن " وله ثلاثة تأويلات.
أحدهما: لا يكون الرهن للمرتهن بحقه إذا حل الحق.
والتأويل الثاني: لا يسقط الحق بتلفه.
والثالث: أي لا ينغلق حتى لا يكون للراهن فكه عن الرهن بل له فكه.
فإن قيل فهذا حجة عليكم لان قوله صلى الله عليه وسلم " لا يغلق الرهن " أي لا يهلك بغير عوض.
قال زهير: وفارقتك رهن لا فكاك له

  • يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا يعنى ارتهن فخلبه الحب يوم الوداع، فأمسى وقد غلق الرهن، أي هلك بغير عوض.
    قلنا هذا غلط لان القلب لا يهلك، وانما معناه أن القلب صار رهنا بحقه وقد انغلق انغلاقا لا ينفك (الثاني) قوله صلى الله عليه وسلم " من راهنه " يعنى من ضمانه، قال الشافعي رضى الله عنه: وهذه أبلغ كلمة للعرب في أنهم إذا قالوا هذا الشئ من فلان يريدون من ضمانه.
    (الثالث) قوله صلى الله عليه وسلم " له غنمه وعليه غرمه " قال الشافعي رضى الله عنه وغرمه هلاكه وعطبه، ولانه مقبوض عن عقد لو كان فاسدا لم يضمن فوجب إذا كان صحيحا أن لا يضمن أصله، كالوديعة ومال المضاربة والوكالة والشركة، وعكسه المقبوض عن البيع والقرض

وان غصب رجل من رجل عينا فرهنها عند آخر وقبضها المرتهن فأتلفها أو تلفت عنده بغير تفريط، فإن كان عالما بأنها مغصوبة فللمغصوب منه أن يرجع بقيمتها على الغاصب أو المرتهن لانه أتلفها ولانه كان عالما بغصبها فيستقر عليه الضمان لحصول التلف في يده، وان رجع المغصوب منه على المرتهن لم يرجع المرتهن على الراهن لان الضمان استقر عليه.
وان كان المرتهن غير عالم لكونها مغصوبة وتلفت عنده من غير تفريط فللمغصوب منه أن يرجع على الغاصب لانه أخذها من مالكها متعديا.
وهل للمالك أن يرجع على المرتهن؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يرجع عليه لانه أخذها على وجه الامانة (والثانى) يرجع عليه لانه أخذها من يد ضامنه.
وإذا قلنا يرجع على المرتهن، فهل للمرتهن أن يرجع بما ضمنه على الراهن؟ قال أبو العباس بن سريج من أئمتنا: لا يرجع لانه تلف في يده فاستقر الضمان عليه.
وفيه وجه آخر.
ولم يقل الشيخ أبو حامد في التعليق غير أنه يرجع عليه، لان المرتهن أمين فلا يضمن بغير تعد، فيكون تلف الرهن من ضمان الراهن، فرجع بالقيمة عليه لانه غره.
وان بدا المغصوب منه المرتهن أنه لا يرجع على الراهن رجع الراهن ها هنا على المرتهن وقال في الام " ولو رهنه رهنا على أنه إذا دفع الحق وقضاه أخذ الرهن، وان لم يقض له بدينه فالرهن والبيع فاسدان " وهذا صحيح قال العمرانى: أما الرهن فبطل لانه مؤقت لمحل الدين ومن شأنه أن يكون مطلقا.
وأما البيع فبطل لانه ملق بزمان مستقبل، فيكون هذا الرهن في يد المرتهن إلى أن يحل الحق غير مضمون عليه لانه مقبوض عن رهن فاسد، وحكم المقبوض في الضمان عن العقد الفاسد كالمقبوض عن العقد الصحيح، فان تلف الرهن لم يضمن وإذا حل الحق كان مضمونا على المرتهن لانه مقبوض عن بيع فاسد فضمنه كالمقبوض عن بيع صحيح فعلى هذا إذا تلف في يده لزمه ضمانه سواء فرط فيه أو لم يفرط

قال المصنف رحمه الله:

باب اختلاف المتراهنين

إذا اختلف المتراهنان فقال الراهن ما رهنتك، وقال المرتهن رهنتني فالقول قول الراهن مع يمينه لان الاصل عدم العقد.

(فصل) إذا اختلفا في عين الرهن فقال الراهن رهنتك العبد وقال المرتهن بل رهنتني الثوب فالقول قول الراهن أنه لم يرهن الثوب فإذا حلف خرج الثوب عن أن يكون رهنا بيمينه وخرج العبد عن أن يكون رهنا برد المرتهن.
(الشرح) الاحكام: أولا: إذا اختلف المتراهنان، فقال أحدهما للآخر لقد رهنتني عينا بدين لى عليك، فقال الآخر: ما رهنتكها - ولم تكن ثم بينه، فالقول قول من عليه الدين مع يمينه أنه ما رهنه، لان الاصل عدم الرهن.
ثانيا: اختلفا في عين الرهن فادعى المرتهن أنه ارتهن منه راديو (مذياع) فقال الراهن: ما رهنتك هذا المذياع وإنما رهنتك مرناة (تليفزيون) حلف الراهن أنه ما رهنه الراديو وإنما رهنه التليفزيون.
فخرج المذياع عن أن يكون رهنا بيمين الراهن وخرج التليفزيون عن أن يكون رهنا بإنكار المرتهن له.
ثالثا: اختلفا في قدر الرهن، فقال المرتهن: رهنتني هاتين الدراجتين بعشرة جنيهات فقال الراهن: بل رهنتك إحداهما بعشرة.
رابعا: اختلفا في قدر الدين المرهون به فقال المرتهن: رهنتني هذه السيارة بمائة لى عليك، وقال الراهن: بل رهنتكها بخمسين.
فالقول في الثالث والرابع قول الراهن مع يمينه في كل من المثلين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رضى الله عنهما وقال مالك رضى الله عنه: القول قول من الظاهر معه، فإن كانت الدراجة التى أقر الراهن برهنها تساوى عشرة أو دونها ويرهن مثلها بعشرة فالقول قول الراهن وان كانت لا تساوى عشرة ولا يرهن مثلها في العادة بعشرة فالقول قول المرتهن

وكذلك في السيارة القول قول المرتهن في قدر الرهن إن كانت قيمة السيارة مائة، وإن كانت قيمتها أكثر من مائة فالقول قول الراهن.
دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " وهذا الراهن منكر فيهما، ولانهما لو اختلفا في أصل العقد لكان القول قول الراهن، فكذلك إذا اختلفا في قدر المعقود عليه.
خامسا: ان كان له عليه ألف مؤجلة وألف معجلة فرهنه سيارة بألف ثم اختلفا، فقال المرتهن: رهنتنيه بالالف الحال.
وقال الراهن: بل رهنتكه بالالف المؤجل، فالقول قول الراهن مع يمينه، لما ذكرناه في المسائل قبلها.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإذا اختلفا في قدر الرهن فقال الراهن رهنتك هذا العبد وقال: بل رهنتني هذين العبدين فالقول قول الراهن، لان الاصل عدم الرهن إلا فيما أقر به، ولان كل من كان القول قوله إذا اختلفا في أصله كان القول قوله إذا اختلفا في قدره كالزوج في الطلاق فإن رهنه أرضا وأقبضه ووجد فيها نخيل يجوز أن يكون حدث بعد الرهن، ويجوز أن يكون قبله فقال الراهن حدث بعد الرهن فهو خارج من الرهن.
وقال المرتهن: بل كان قبل الرهن ورهنتنيه مع الارض فالقول قول الراهن.
وقال المزني: القول قول المرتهن لانه في يده وهذا خطأ لما ذكرناه في العبدين.
وقوله: إنه في يده لا يصح، لان اليد إنما يقدم بها في الملك دون العقد، ولهذا لو اختلفا في أصل العقد كان القول قول الراهن، وإن كانت العين في يد المرتهن، فان رهن حمل شجرة تحمل حملين وحدث حمل آخر وقلنا: إنه يصح العقد فاختلفا في مقدار الحمل الاول، فالقول قول الراهن، وقال المزني: القول قول المرتهن، لانه في يده، وهذا لا يصح، لان الاصل أنه لم يدخل في العقد إلا ما أقر به، وأما اليد فقد بينا أنه لا يرجح بها في العقد.
(الشرح) الاحكام: إذا رهنه أرضا ووجد فيها نخل أو شجر، فقال المرتهن: كان هذا موجودا وقت الرهن فهو داخل في الرهن.
وقال الراهن:

بل حدث بعد الرهن فهو خارج من الرهن، فإن كان ما قاله المرتهن غير ممكن كان يكون النخل صغيرا وكان العقد من مدة لا تسمح بأن يكون النخل باقيا على صغره لحداثة مظهره فلا يجوز من ثم أن يكون النخل موجودا وقت العقد، فالقول قول الراهن من غير يمين، لانه لا يمكن صدق المرتهن.
وإن كان ما قاله الراهن غير ممكن، كأن يكون لعقد الرهن مدة لا يمكن حدوث النخل بعدها لكبر النخل وقصر مدة العقد وما إلى ذلك فالقول قول المرتهن بلا يمين لان ما يقوله الراهن مستحيل فلم يقبل قوله.
وإن كان يمكن صدق كل منهما كأن يكون احتمال وجود النخل مساويا لاحتمال حدوثه بعد العقد، قال الشافعي رضى الله عنه: فالقول قول الراهن مع يمينه.
قال المزني قولا ضعيفا في المذهب: القول قول المرتهن، لانه في يده.
والمذهب الاول، لان المرتهن قد اعترف للراهن بملك النخل، وقد صار يدعى عليه عقد الرهن، والراهن ينكر ذلك، فكان القول قول الراهن، كما لو ادعى عليه عقد الرهن في النخل مفردا دون الارض واما اليد التى تعلل بها المزني فلا يرجح بها في دعوى لعقد وانما يرجح بها في دعاوى الملك فإذا حلف الراهن نظرت فإن كان الرهن في القرض أو كان متطوعا به في الثمن غير مشروطا في البيع بقى الرهن في الارض ولا كلام وإن كان الرهن مشروطا في البيع فإن هذ الاختلاف يوجب التحالف وقد حلف الراهن وخرج الرهن عن الراهن، فان رضى المرتهن بذلك فلا كلام، وان لم يرض حلف المرتهن أن النخل كان داخلا في الرهن.
وهل ينفسخ البيع والرهن بنفس التحالف أو بالفسخ؟ على الوجهين في التحالف.
فان قلنا لا ينفسخ فتطوع الراهن بتسليم النخل رهنا فليس للمرتهن فسخ البيع.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن اختلفا في قدر الدين فقال الراهن: رهنتك هذا العبد بألف وقال المرتهن: بل رهنتيه بألفين فالقول قول الراهن، لان الاصل عدم الالف فان قال رهنته بألف وزادني ألفا آخر على أن يكون رهنا بالالفين.
وقال المرتهن

بل رهنتني بالالفين، وقلنا: لا تجوز الزيادة في الدين في رهن واحد ففيه وجهان أحدهما: أن القول قول الراهن لانهما لو اختلفا في أصل العقد كان القول قوله فكذلك إذا اختلفا في صفته.
والثانى: أن القول قول المرتهن، لانهما اتفقا على صحة الرهن والدين، والراهن يدعى أن ذلك كان في عقد آخر، والاصل عدمه، فكان القول قول المرتهن، فان بعث عبده مع رجل ليرهنه عند رجل بمال ففعل، ثم اختلف الراهن والمرتهن فقال الراهن أذنت له في الرهن بعشرة، وقال المرتهن بل بعشرين نظرت، فان صدق الرسول الراهن حلف الرسول أنه ما رهن إلا بعشرة، ولا يمين على الراهن، لانه لم يعقد العقد، وإن صدق الرسول المرتهن فالقول قول الراهن مع يمينه، فإذا حلف بقى الرهن على عشرة، وعلى الرسول عشرة، لانه أقر بقبضها.
(الشرح) إذا اختلفا فقال الراهن رهنتك شيئا بمائة بعقد ثم زدتني مائة أخرى فعقدت الرهن بها على هذا الشئ قبل فسخ العقد، إذا حدث هذا وقلنا: لا يصح ذلك، وقال المرتهن بل ارتهنته منه بالمائتين بعقد واحد ففيه وجهان.

(أحدهما) القول قول الراهن مع يمينه، لانهما لو اختلفا في أصل العقد لكان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في صفته (والثانى) القول قول المرتهن مع يمينه، لانهما اتفقا على عقد الرهن، والراهن يدعى معنى يقتضى بطلانه، والاصل عدم ما يبطله.
(فرع) إذا قال الرجل لغيره هذه السيارة التى عندي هي لك رهنتنيها بألف لى عليك، فقال له: هذه السيارة لى وديعة لى عندك، وإنما رهنتك بألف على سيارة أخرى أحرقتها، وأنا استحق عليك قيمتها، فالقول قول المقر مع يمينه، أنه ما أحرق له سيارة ولا شئ له عليه من القيمة لان الاصل براءة ذمته والقول قول المقر له مع يمينه أنه ما رهنه هذه السيارة، وعليه الالف لانه مقر بوجوبها (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ " إذا قال الرجل لغيره رهنتك عبدى هذا بألف درهم لك على، فقال المرتهن بل رهنتنيه أنا وزيدا بألفى درهم ألف درهم لى وألف درهم لزيد، وادعى زيد بذلك، فالقول قول الراهن أنه

ما رهن زيدا شيئا، فإذا حلف كان العبد رهنا عند الذى أقر له به " قال الشيخ أبو حامد: وهذا لا يجئ على أصل الشافعي رحمه الله، لان المالك أقر للمرتهن برهن جميع العبد، وهو لا يدعى نصفه، وإنما ادعى وقد حلف له المالك، فيجب ألا يبقى عند المقر له إلا نصف العبد مرهونا.
قال الشافعي رحمه الله: وأما إذا قال لغيره رهنتك عبدى هذا بألف درهم لك على، فقال المرتهن هذا الالف الذى أقررت أنه لى رهنتني به العبد هو لى ولزيد قيل ذلك لانه إقرار في حق نفسه فقبل، فيكون بينه وبين زيد قال الشيخ أبو حامد، ولم يذكر الشافعي رحمه الله حكم الرهن ها هنا، ولكن يكون العبد رهنا بالالف لان المرتهن اعترف بالحق الذى أرهن به أنه له ولغيره فقبل إقراره في ذلك، كما لو كان له ألف برهن، فقال هذا الالف لزيد، كان له الالف بالرهن، كذلك هذا مثله.

قال المصنف رحمه الله تعالى .

(فصل) قال في الام " إذا كان في يد رجل عبد لآخر فقال رهنتنيه بألف وقال السيد بل بعتكه بألف حلف السيد أنه ما رهنه بألف: لان الاصل عدم الرهن، ويحلف الذى في يده العبد انه ما اشتراه، لان الاصل عدم الشراء، ويأخذ السيد عبده، فإن قال السيد رهنتكه بألف قبضتها منك قرضا، وقال الذى في يده العبد بل بعتنيه بألف قبضتها منى ثمنا، حلف كل واحد منهما على نفى ما ادعى عليه، لان الاصل عدم العقد، وعلى السيد الالف لانه مقر بوجوبها، فان قال الذى في يده العبد " بعتنيه بألف " وقال السيد بل رهنتكه بألف حلف السيد انه ما باعه، فإذا حلف خرج العبد من يد من هو في يده لان البيع قد زال والسيد معترف بأنه رهن، والمرتهن ينكر، ومتى أنكر المرتهن الرهن زال الرهن.
(الشرح) ذكر الشافعي رحمه الله في باب الرسالة من الام أربع مسائل الاول، إذا دفع لرجل ثوبا، وأرسله ليرهنه له بحق عند رجل فرهنه، ثم اختلف الراهن والمرتهن، فقال المرتهن جاءني برسالتك في أن أسلفك عشرين

فأعطيته إياها فكذبه الرسول، فالقول قول الرسول والمرسل، ولا أنظر إلى قيمة الرهن.
قال العمرانى فيحلف الرسول أنه ما رهنه إلا بعشرة ولا يمين على المرسل، لان الرسول هو الذى باشر العقد قال ابن الصباغ: وعندي أن المرتهن إذا ادعى مع المرسل أنه أذن له في ذلك وقبض منه عشرين بإذنه أن له أن يحلفه، لان المرسل لو أقر بذلك لزمه ما قاله، فإذا أنكره حلف له.
الثانية: ولو صدقه الرسول فقال: قد قبضت منك عشرين ودفعتها إلى المرسل، وكذبه المرسل، كان القول قول المرسل مع يمينه ما أمره إلا بعشرة ولا دفع إليه إلا هي، وكان الرهن بعشرة، وكان الرسول ضامنا للعشرة التى أقر بقبضها مع العشرة التى أقر بها المرسل - بفتح السين - بقبضها.
قال ابن الصباغ وعندي أن المرتهن إذا صدق الرسول أن الراهن أذن له في ذلك لم يكن له الرجوع على الرسول لانه يقر أن الذى ظلمه هو المرسل الثالثة: قال الشافعي ولو دفع إليه ثوبا فرهنه عند رجل.
وقال الرسول أمرتنى برهن الثوب عند فلان بعشرة فرهنته، وقال المرسل أمرتك أن تستسلف من فلان عشرة بغير رهن.
ولم آذن لك في رهن الثوب، فالقول قول صاحب الثوب والعشرة حالة عليه.
ولو كانت المسألة بحالها فقال أمرتك بأخذ عشرة سلفا في عبدى فلان، وقال الرسول بل في ثوبك هذا أو عبدك هذا العبد غير الذى أقر به الآمر فالقول قول الآمر والعشرة حالة عليه ويسوق العمرانى في البيان المسألة بصورة أخرى فيقول: إذا دفع إليه ثوبا وعبدا وأمره أن يرهن أحدهما عند رجل بشئ يأخذه له منه فرهن الرسول العبد ثم قال المرسل إنما أذنت له في رهن الثوب، وأما العبد فوديعة، وقال الرسول أو المرتهن، إنما أذنت له في رهن العبد، حلف المرسل أنه ما أذن له في رهن العبد وخرج العبد عن الرهن بيمينه.
وخرج الثوب عن الرهن لانه لم يرهن.
الرابعة: إذا قال المرسل أمرتك برهن الثوب ونهيتك عن رهن العبد، وأقام على ذلك بينة، وأقام الرسول بينة أذن له في رهن العبد فيصح، وإذا احتمل هذا

وهذا فقد وجد من الرسول عقد الرهن على العبد، والظاهر أنه عقد صحيح، فلا يحكم ببطلانه لامر محتمل.

قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وان اتفقا على رهن عين، ثم وجدت العين في يد المرتهن، فقال الراهن قبضته بغير اذنى، وقال المرتهن بل قبضته بإذنك فالقول قول الراهن لان الاصل عدم الاذن، ولانهما لو اختلفا في أصل العقد والعين في يد المرتهن كان القول قول الراهن، فكذلك إذا اختلفا في الاذن، فان اتفقا على الاذن فقال الراهن رجعت في الاذن قبل القبض.
وقال المرتهن لم يرجع حتى قبضت فالقول قول المرتهن، لان الاصل بقاء الاذن، وان اتفقا على الاذن واختلفا في القبض فقال الراهن لم تقبضه، وقال المرتهن بل قبضت، فان كانت العين في يد الراهن فالقول قوله لان الاصل عدم القبض، وان كان في يد المرتهن فالقول قوله لانه أذن في قبضه والعين في يده، فالظاهر أنه قبضه بحق، فكان القول قوله.
وان قال رهنته وأقبضته ثم رجع، وقال ما كنت أقبضته حلفوه أنه قبض، فالمنصوص أنه يحلف.
وقال أبو إسحاق ان قال وكيلى أقبضه وبان لى أنه لم يكن أقبضه حلف.
وعليه تأول النص.
وان قال أنا أقبضته ثم رجع لم يحلف لان اقراره المتقدم يكذبه.
وقال أبو على بن خيران وعامة أصحابنا انه يحلف لانه يمكن صدقه بأن يكون قد وعده بالقبض فأقر به، ولم يكن قبض.
(الشرح) إذا كان في يد رجل شئ لغيره فقال من بيده الشئ للمالك رهنتني هذا بألف هي لى عليك قرضا.
وقال المالك بل بعتكه بألف هي لى عليك ثمنا حلف المالك أنه ما رهنه هذا الشئ، لان الاصل عدم الرهن، ويحلف من بيده الشئ أنه ما اشتراه، لان الاصل عدم الشراء، ويبطل العقدان ويسقط المالان ويرد الشئ إلى صاحبه.
فان قال من بيده الشئ رهنتنيه بألف أقبضتكها، وقال المالك بل رهنتكه بألف لم أقبضها - فالقول قول المالك مع يمينه - لان الاصل عدم القبض

قال العمرانى في البيان: وإن قال من بيده العبد (إن كان الرهن عبدا) بعتنيه بألف وقال السيد: رهنتكه بألف، حلف السيد أنه ما باعه العبد، فإذا حلف خرج العبد من يد من هو بيده لان المبيع زال بيمين السيد، وبطل الرهن، لان المالك يقر له به والمرتهن ينكره، ومتى أنكر المرتهن الرهن زال الرهن ثم قال قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب والمحاملى في المجموع: فإن قال السيد: رهنتكه بألف قبضتها منى ثمنا حلف كل واحد منهما على نفى ما ادعى عليه، لان الاصل عدم العقد، وعلى السيد الالف، لانه مقر بوجوبها.
قلت: والذى يقتضى القياس عندي أنه لا يمين على الذى بيده العبد لانه ما ارتهن العبد لما ذكرناه في المسألة قبلها.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن رهن عصيرا وأقبضه، ثم وجده خمرا في يد المرتهن فقال: أقبضتنيه وهو خمر، فلى الخيار في فسخ البيع.
وقال الراهن: بل أقبضتكه وهو عصير، فصار في يدك خمرا، فلا خيار لك، ففيه قولان.

(أحدهما) أن القول قول المرتهن، وهو اختيار المزني، لان الراهن يدعى قبضا صحيحا، والاصل عدمه.

(والثانى) أن القول قول الراهن، وهو الصحيح، لانهما اتفقا على العقد والقبض.
واختلفا في صفة يجوز حدوثها فكان القول قول من ينفى الصفة، كما لو اختلف البائع والمشترى في عيب بعد القبض، وإن اختلفا في العقد فقال المرتهن رهنتنيه وهو خمر.
وقال الراهن: بل رهنتكه وهو عصير.
فصار عندك خمرا، فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثرهم: هي على قولين.
وقال أبو على بن أبى هريرة: القول قول المرتهن قولا واحدا، لانه ينكر العقد والاصل عدمه.
فإن رهن عبدا فأقبضه في محمل أو ملفوفا في ثوب، ووجد ميتا.
فقال المرتهن أقبضتنيه وهو ميت، فلى الخيار في فسخ البيع.
وقال الراهن أقبضتكه حيا ثم مات عندك، فلا خيار لك ففيه طريقان.

(أحدهما) وهو الصحيح: أنه على القولين كالعصير (والثانى) وهو قول

أبى على الطبري أن القول قول المرتهن، لان هذا اختلاف في اصل القبض لان الميت لا يصح قبضه، لانه لا يقبض إلا ظاهرا، بخلاف العصير، فانه يقبض في الظرف، والظاهر منه الصحة.
(الشرح) الاحكام: إذا رهنه عينا فوجدت في يد المرتهن، فقال المرتهن.
قبضتها بإذنك رهنا.
وقال الراهن لم آذن لك بقبضها، وإنما غصبتنيها أو أجرتها منك، فقبضتها عن الاجارة فالقول قول الراهن مع يمينه، لان الاصل عدم الاذن، وإن اتفقا على الرهن والاذن والقبض، ولكن قال الراهن رجعت في الاذن قبل أن يقبض، وقال المرتهن لم ترجع، ولم تقم بينة على الجوع فالقول قول المرتهن مع يمينه أنه ما يعلم أنه رجع، لان الاصل عدم الرجوع.
وان اتفقا على الرهن والاذن، واختلفا في القبض، فقال الراهن.
لم تقبض وقال المرتهن بل قبضت.
قال الشافعي في موضع القول قول المرتهن وقال في موضع القول قول الراهن قال أصحابنا ليست على قولين وإنما هي على حالين فان كانت العين في يد الراهن فالقول قول الراهن لان الاصل عدم القبض والذى يقتضى المذهب عندي أن يحلف أنه ما يعلم أنه قبض، لا يحلف على نفى فعل غيره، وإن كانت العين في يد المرتهن حلف أنه قبض لان الظاهر أنه قبض بحق.
(فرع) وإن أقر أنه رهن عند غيره عينا وأقبضه إياها ثم قال الراهن لم يكن قبضها، وأراد منعه من القبض لم يقبل رجوعه عن إقراره بالقبض، لان إقراره لازم، فإن قال الراهن للمرتهن.
احلف أنك قبضتها.
قال الشافعي رضى الله عنه أحلفته.
قال في البيان واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق ان كان المرهون غائبا فقال أقررت بالقبض لان وكيلى أخبرني أنه أقبضه ثم بان لى أنه لم يقبضه أحلف المرتهن لانه لا يكذب لنفسه، وانما يدعى أمرا محتملا.
فأما إذا كان الرهن حاضرا أو أقر أنه أقبضه بنفسه ثم رجع.
وقال لم يقبض، لم تسمع دعواه، ولم يحلف المرتهن لانه يكذب نفسه.
وقال أبو على بن خيران وعامة أصحابنا يحلف المرتهن بكل حال وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أما مع غيبة الرهن فلما ذكر الشيخ أبو إسحاق مع

حضوره فلانه قد يستنيب غيره بالاقباض، فيخبره بأن المرتهن قد قبض، ثم يبين له أنه خان في إخباره، وأيضا فإنه قد يعده بالاقباض مقر له به قبل فعله، فكانت دعواه محتملة.
قالوا: وهكذا لو أن رجلا أقر بأنه أقبض من رجل ألفا ثم قال بعد ذلك: لم أقبضها، وإنما وعدني أن يقرضنى فأقررت به ثم لم يفعل استحلف المقرض، لانه لا يكذب نفسه، فأما إذا شهد شاهدان بأنه رهنه عبده وأقبضه ثم ادعى أنه لم يقبضه، وطلب يمين المرتهن لم تسمع دعواه، ولم يحلف المقر له، لان في ذلك قدحا في البينة اه.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن كان لرجل عبد، وعليه ألفان لرجلين لكل واحد منهما ألف فادعى كل واحد منهما أنه رهن العبد عنده بدينه، والعبد في يد الراهن أو في يد العدل نظرت، فإن كذبهما فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم الرهن، وإن صدقهما وادعى الجهل بالسابق منهما فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف فسخ الرهن على المنصوص، لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر فبطل، كما لو زوج امرأة وليان من رجلين، وجهل السابق منهما، ومن أصحابنا من قال: يجعل بينهما نصفين، لانه يجوز أن يكون مرهونا عندهما بخلاف الزوجة، وإن صدق أحدهما وكذب الآخر أو صدقهما وعين السابق منهما، فالرهن للمصدق، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان.

(أحدهما) يحلف (والثانى) لا يحلف بناء على القولين فيمن أقر بدار لزيد.
ثم أقر بها لعمرو، فهل يغرم لعمرو شيئا أم لا؟ فيه قولان.
فان قلنا لا يغرم لم يحلف، لانه إن نكل لم يغرم فلا فائدة في عرض اليمين، وان قلنا يغرم حلف لانه ربما نكل فيغرم للثاني قيمته، فان قلنا لا يحلف فلا كلام.
وان قلنا يحلف نظرت، فان حلف انصرف الآخر، وإن نكل عرضت اليمين على الثاني، فان نكل انصرف، وإن حلف بنينا على القولين في يمين المدعى مع نكول المدعى عليه.
فان قلنا انها كالبينة نزع العبد وسلم إلى الثاني.
وان قلنا انه كالاقرار، ففيه ثلاثة أوجه.

أحدها: أنه ينفسخ لانه أقر لهما وجهل السابق منهما.
والثانى: يجعل بينهما لانهما استويا، ويجوز أن يكون مرهونا عندهما فجعل بينهما.
والثالث: يقر الرهن في يد المصدق ويغرم للآخر قيمته، ليكون رهنا عنده، لانه جعل كأنه أقر بأنه حال بينه وبين الرهن فلزمه ضمانه، وان كان العبد في يد أحد المرتهنين نظرت، فان كان في يد المقر له أقر في يده، لانه اجتمع له اليد والاقرار؟ وهل يحلف للثاني؟ على القولين، فان كان في يد الذى لم يقر له فقد حصل لاحدهما اليد وللآخر الاقرار، وفيه قولان.

(أحدهما) يقدم الاقرار لانه يخبر عن أمر باطن.

(والثانى) يقدم اليد وهو قول المزني، لان الظاهر معه، والاول أظهر، لان اليد انما تدل على الملك لا على العقد، وان كان في يدهما فللمقر له الاقرار.
واليد على النصف.
وفى النصف الآخر له الاقرار.
وللآخر يد، وفيه قولان.
أحدهما: يقدم الاقرار فيصير الجميع رهنا عند المقر له.
والثانى يقدم اليد فيكون الرهن بينهما نصفين.
(الشرح) الاحكام: إذا باعه شيئا بشرط أن يرهنه عصيرا فرهنه العصير.
وقبض المرتهن فوجد خمرا.
فقال المرتهن: أقبضتنيه خمرا فلى الخيار في فسخ البيع.
وقال الراهن: بل صار خمرا بعد أن أخذته في يدك فلا خيار لك: ففيه قولان.
أحدهما: أن القول قول المرتهن مع يمينه.
وهو قول أبى حنيفة والمزنى لان الراهن يدعى قبضا صحيحا والاصل عدمه.
والثانى: أن القول قول الراهن وهو الصحيح لانهما قد اتفقا على العقد والتسليم.
واختلفا في تغير صفته.
والاصل عدم التغيير.
وبقاء صفته كما لو باعه شيئا وقبضه فوجد به عيب في يد المشترى يمكن حدوثه بيده.
فان القول قول البائع.
وان قال المرتهن: رهنتنيه وهو خمر.
وقال الراهن: رهنتكه وهو عصير.
وقبضته عصيرا.
وانما صار خمرا في يدك.
فاختلف أصحابنا فيه.
فقال أبو على بن أبى هريرة: القول قول المرتهن قولا واحدا.
لانه ينكر أصل العقد.
وقال عامة أصحابنا هي على قولين كالتى قبلها وهو المنصوص في مختصر المزني وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قال المصنف رحمه الله.

(فصل) وإن رهن عبدا وأقبضه ثم أقر أنه جنى قبل الرهن على رجل وصدقه المقر له، وأنكر المرتهن ففيه قولان (أحدهما) أن القول قول المرتهن وهو اختيار المزني لانه عقد إذا تم منع البيع فمنع الاقرار كالبيع (والثانى) أن القول قول الراهن، لانه أقر في ملكه بما لا يجر نفعا إلى نفسه فقبل إقراره كما لو لم يكن مرهونا، ويخالف هذا إذا باعه لان هناك زال ملكه عن العبد فلم يقبل اقراره عليه وهذا باق على ملكه فقبل اقراره عليه، فان قلنا ان القول قول الراهن فهل يحلف؟ فيه قولان (أحدهما) لا يحلف لان اليمين انما يعرض ليخاف فيرجع إن كان كاذبا والراهن لو رجع لم يقبل رجوعه، فلا معنى لعرض اليمين، ولانه أقر في ملكه لغيره فلم يحلف عليه كالمريض إذا أقر بدين (والثانى) يحلف لانه يحتمل أن يكون كاذبا بأن واطأ المقر له ليسقط بالاقرار حق المرتهن فحلف فإذا ثبت أنه رهنه وهو جان ففى رهن الجاني قولان (أحدهما) أنه باطل (والثانى) أنه صحيح، وقد بينا ذلك في أول الرهن، فإن قلنا انه باطل وجب بيعه في أرش الجناية، فإن استغرق الارش قيمته بيع الجميع، وإن لم يستغرق بيع منه بقدر الارش.
وفى الباقي وجهان (أحدهما) أنه مرهون لانه إنما حكم ببطلانه لحق المجني عليه، وقد زال.

(والثانى) أنه لا يكون مرهونا لانا حكمنا ببطلان الرهن من أصله فلا يصير مرهونا من غير عقد، وإن قلنا إنه صحيح فإن استغرق الارش قيمته بيع الجميع وان لم يستغرق بيع منه بقدر الارش ويكون الباقي مرهونا، فإن اختار السيد أن يفديه على هذا القول فبكم يفديه؟ فيه قولان (أحدهما) يفديه بأقل الامرين من قيمته أو أرش الجناية (والثانى) يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلم المبيع فان قلنا إن القول قول المرتهن لم يقبل قوله من غير يمين، لانه لو رجع قبل رجوعه فحلف فإذا ثبت أنه غير جان فهل يغرم الراهن أرش الجناية؟ ففيه قولان بناء على القولين فيمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو.
أحدهما يغرم لانه منع بالرهن حق المجني عليه.
والثانى لا يغرم لانه إن كان كاذبا فلا حق عليه،

وإن كان صادقا وجب تسليم العبد، فإن قلنا انه لا يغرم فرجع إليه تعلق الارش برقبته كما لو أقر على رجل أنه أعتق عبده ثم ملك العبد فإنه يتق عليه.
وان قلنا يغرم فكم يغرم؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قولان كالقسم قبله.
ومنهم من قال يغرم أقل الامرين قولا واحدا، لان القول الثاني انما يجئ في الموضع الذى يمكن بيعه فيمتنع.
وههنا لا يمكن بيعه فصار كجناية أم الولد، وان نكل المرتهن عن اليمين فعل من ترد اليمين؟ فيه طريقان (أحدهما) ترد على الراهن وان نكل، فهل ترد على المجني عليه.
فيه قولان كما قلنا في غرماء الميت.
ومن أصحابنا من قال نرد اليمين على المجني عليه أولا، فإن نكل فهل ترد على الراهن.
على قولين لان المجني عليه يثبت الحق لنفسه وغرماء الميت يثبتون الحق للميت.
(الشرح) الاحكام: في هذا الفصل وان كان المثل فيها بالعبد، وكان المثل لا يقتضيه ولا يسوغه عصرنا، لما قام عليه الاجماع البشرى من تحرير الرقاب الآدمية، وكان هذا من مقاصد الشريعة السمحة، وأهدافها وغاياتها، على ما سنبينه ان شاء الله تعالى في أبواب العتق، فإنه يمكن أن ينطبق الحكم على نحو شئ آخر يمتلك ويرتهن ويقع عليه الخلاف احتمالا، فنقول وبالله التوفيق: إذا كان لرجلين على رجل مائتا دينار، ولكل واحد منهما مائة وله سيارة، فادعى عليه كل واحد منهما أنه رهن عنده السيارة وأقبضه اياها ولا بينة لهما، فان كذبهما حلف لكل واحد منهما يمينا، لان الاصل عدم الرهن، سواء كانت السيارة في أيديهما أو في يده لان اليد لا ترجح بها في العقد، وان صدق أحدهما وكذب الآخر حكم بالرهن للمصدق، وسواء كانت السيارة في يد المصدق أو المكذب، وهل يحلف الراهن للمكذب، فيه قولان بناء على من أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو، هل يغرم لعمرو قيمتها.
فيه قولان، فان قلنا يغرم حلف ها هنا لجواز أن يخلف اليمين فيقر للمكذب فيثبت له القيمة.
فان قلنا لا يغرم لم يحلف، لانه لو أقر له بعد الاقرار الاول لم يحكم له بشئ فلا فائدة في تحليفه، وان أقر لهما بالرهن والتسليم فادعى كل واحد منهما أنه هو

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل