المبدع في شرح المقنعصفحات 95-134

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 95-134

فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَسْمَاءُ الْحَقِيقِيَّةُ، وإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أَوِ الْمُخَّ، أَوِ الْكَبِدَ، أَوِ الطِّحَالَ، أَوِ الْقَلْبَ، أَوِ الْكِرْشَ، أَوِ الْمُصْرَانَ، أَوِ الْإِلْيَةَ وَالدِّمَاغَ وَالْقَانِصَةَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ أَكَلَ الْمَرَقَ لَمْ يَحْنَثْ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي، قَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

[الْقِسْمُ الثَّانِي الْأَسْمَاءُ الْحَقِيقِيَّةُ]

فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَسْمَاءُ الْحَقِيقِيَّةُ) وَهِيَ نِسْبَةً إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ.
(وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أَوِ الْمُخَّ، أَوِ الْكَبِدَ، أَوِ الطِّحَالَ، أَوِ الْقَلْبَ، أَوِ الْكِرْشَ، أَوِ الْمُصْرَانَ، أَوِ الْإِلْيَةَ وَالدِّمَاغَ وَالْقَانِصَةَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا وَيَنْفَرِدُ، عَلَّقَهُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، وَلَوْ أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ لَحْمٍ فَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا، وَلَا يَنْفُذُ الشِّرَاءُ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالْعَظْمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَحْنَثُ إِذَا قَصَدَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ كَارِعٍ وَذَنَبٍ، فَإِنْ أَكَلَ مِنَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ وَفِي تَضَاعِيفِ اللَّحْمِ لَمْ يَحْنَثْ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا، وَلَا بَائِعُهُ شَحَّامًا، وَيُسَمَّى لَحْمًا سَمِينًا، وَلَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ اللَّحْمِ فَاشْتَرَاهُ لَزِمَهُ، وَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾ [الأنعام: 146] ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي صِفَتِهِ وَذَوْبِهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا، وَلَا أَنَّهُ بِمُفْرَدِهِ يُسَمَّى لَحْمًا، وَلَا يُسَمَّى بَائِعُهُ شَحَّامًا، بَلْ لَحَّامًا، لِأَنَّهُ يُسَمَّى مَا هُوَ الْأَصْلُ دُونَ التَّبَعِ، وَفِي كِلَا الدَّلِيلَيْنِ نَظَرٌ، إِذْ بِمُجَرَّدِ شَبَهِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يُسَمَّى بِاسْمِهِ وَيُعْطَى حُكْمَهُ، عَلَى أَنَّ شَبَهَ سَمِينِ الظَّهْرِ بِالْإِلْيَةِ أَقْرَبُ مِنْ شَبَهِهِ بِالشَّحْمِ.
فَرْعٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِحُكْمِ لَحْمِ الرَّأْسِ وَاللِّسَانِ وَالسَّنَامِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، أَوْ أَكْلِ السَّمِينِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ لَا يَنْصَرِفُ

أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فَأَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ سَمْنًا، أَوْ كِشْكًا، أَوْ مَصْلًا، أَوْ جُبْنًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ، فَأَكَلَ لَبَنًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ

[المبدع في شرح المقنع]

عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَيْهِ، وَعَنْهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا فَاشْتَرَى رَأْسًا أَوْ كَارِعًا لَا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ.
وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّهُ لَحْمٌ، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَكَلَ الْمَرَقَ لَمْ يَحْنَثْ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَحْمٍ (وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي) ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو (مِنْ قِطَعِ اللَّحْمِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَحْمٍ حَقِيقَةً، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ كَالْكَبِدِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَجْزَاءَ اللَّحْمِ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ مَاءُ اللَّحْمِ، وَدُهْنُهُ.
1 (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فَأَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ حَنِثَ) أَيْ: إِذَا أَكَلَ بَيَاضَ اللَّحْمِ كَسَمِينِ الظَّهْرِ، يَحْنَثُ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى شَحْمًا، وَيُشَارِكُ شَحْمَ الْبَطْنِ فِي اللَّوْنِ وَالذَّوْبِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ وَالْعُرْفِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ طَلْحَةَ الْعَاقُولِيِّ، وَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْإِلْيَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الشَّحْمُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَوْفِ مِنْ شَحْمِ الْكُلَى وَغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْإِلْيَةِ، أَوِ اللَّحْمِ الْأَبْيَضِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنْ أَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشَّحْمِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ، لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ.
1 - (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ سَمْنًا، أَوْ كِشْكًا، أَوْ مَصْلًا، أَوْ جُبْنًا) أَوْ أَقِطًا (لَمْ يَحْنَثْ) نَصَّ عَلَيْهِ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَبَنًا، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَظْهَرْ طَعْمُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بَعْدُ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ فِيهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي الزُّبْدِ إِنْ ظَهَرَ فِيهِ لَبَنٌ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَكَلَ مِنْ لَبَنِ الْأَنْعَامِ، أَوِ الصَّيْدِ، أَوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ، حَنِثَ، حَلِيبًا كَانَ، أَوْ رَائِبًا، مَائِعًا، أَوْ جَامِدًا، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَبَنٌ.
(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ، فَأَكَلَ لَبَنًا لَمْ يَحْنَثْ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى زُبْدًا وَلَا سَمْنًا، وَفِي الْمُغْنِي إِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الزُّبْدُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ ظَهَرَ حَنِثَ، لِأَنَّ ظُهُورَهُ كَوُجُودِهِ، وَكَذَا إِنْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ، فَأَكَلَ

لَا يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ، فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتَّمْرِ، وَالرُّمَّانِ، حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ الْبِطِّيخَ حَنِثَ، وَيُحْتَمَلُ أَلا يَحْنَثَ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ مُذَنِّبًا حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ تَمْرًا أَوْ بُسْرًا، أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا، فَأَكَلَ

[المبدع في شرح المقنع]

سَمْنًا، وَإِنْ أَكَلَ سَمْنًا وَإِنْ أَكَلَ جُبْنًا لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُصْنَعُ مِنَ اللَّبَنِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ شَيْئًا مِمَّا يُصْنَعُ مِنَ اللَّبَنِ سِوَى السَّمْنِ لَمْ يَحْنَثْ، وَفِي الزُّبْدِ وَجْهٌ، فَإِنْ أَكَلَ السَّمْنَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي طَبِيخٍ يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ حَنِثَ.
1 (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ) غَيْرَ بَرِّيٍّ (كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتَّمْرِ، وَالرُّمَّانِ) وَالْمَوْزِ، وَالْأُتْرُجِّ، وَالنَّبْقِ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ يَابِسًا كَصَنَوْبَرٍ وَعُنَّابٍ (حَنِثَ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى فَاكِهَةً عُرْفًا وَشَرْعًا، وَيُسَمَّى بَائِعُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ فَاكِهَانِيًّا، لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا لَيْسَا مِنَ الْفَاكِهَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] لِأَنَّهُمَا ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهِمَا كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَالْعَطْفُ لَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، بَلْ لِتَشْرِيفِهِمَا وَتَخْصِيصِهِمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 98] وَلَيْسَ مِنْهَا زَيْتُونٌ، وَبَلُّوطٌ، وَبُطْمٌ، وَزُعْرُورٌ أَحْمَرُ، وَآسٌ، وَسَائِرُ ثَمَرٍ بَرِّيٍّ لَا يُسْتَطَابُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ حَنِثَ بِالثَّمَرَةِ فَقَطْ، وَلَوْ لَقَطَ مِنْ تَحْتِهَا (وَإِنْ أَكَلَ الْبِطِّيخَ حَنِثَ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ يَنْضَجُ وَيَحْلُو، أَشْبَهَ ثَمَرَةَ الشَّجَرِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ) ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَجْهًا، لِأَنَّهُ ثَمَرٌ بَقْلُهُ كَالْخِيَارِ (وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ) وَسَائِرِ الْخُضْرَوَاتِ، كَقَرْعٍ، وَبَاذِنْجَانٍ، وَجَزَرٍ، وَلِفْتٍ، وَفُجْلٍ، وَقُلْقَاسٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَاكِهَةً، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.
1 (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلَ مُذَنِّبًا) وَهُوَ الَّذِي بَدَا فِيهِ الْإِرْطَابُ مِنْ ذَنَبِهِ، وَبَاقِيهِ بُسْرًا وَمُنْصِفًا، وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ بُسْرٌ وَبَعْضُهُ رُطَبٌ، أَوْ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا، فَأَكَلَ ذَلِكَ (حَنِثَ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ آكِلَهُ قَدْ أَكَلَ الرُّطَبَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُطَبًا.
فَرْعٌ: حَلَفَ وَاحِدٌ: لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا، وَآخَرُ: لَيَأْكُلَنَّ بُسْرًا، فَأَكَلَ الْأَوَّلُ مَا فِي النِّصْفِ مِنَ الرَّطْبَةِ، وَأَكَلَ الْآخَرُ بَاقِيَهَا، بَرَّ.
(وَإِنْ أَكَلَ تَمْرًا أَوْ بُسْرًا) لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُطَبٍ (أَوْ

رُطَبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ نَاطِفًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ أُدُمًا حَنِثَ بِأَكْلِ الْبَيْضِ وَالشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْمِلْحِ وَالزَّيْتُونِ وَاللَّبَنِ وَسَائِرِ مَا يُصْبَغُ بِهِ، وَفِي التَّمْرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ تَمْرًا، فَأَكَلَ رُطَبًا، أَوْ دِبْسًا، أَوْ نَاطِفًا، لَمْ يَحْنَثْ) ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَمَرٍ، وَإِنْ أَكَلَ رُطَبًا غَيْرَ بُسْرٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ هُمَا عَنْ مُذَنِّبٍ، فَلَا حِنْثَ.

(وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ أُدُمًا حَنِثَ بِأَكْلِ الْبَيْضِ وَالشِّوَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْجُبْنِ وَالْمِلْحِ) فِي الْأَشْهَرِ فِيهِ (وَالزَّيْتُونِ، وَاللَّبَنِ، وَسَائِرِ مَا يُصْبَغُ بِهِ) أَيْ: مَا يُغْمَسُ فيه الخبز، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْمَغْمُوسُ فِيهِ صَبْغًا، لِأَنَّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بأكل الخبز بِهِ هُوَ التَّأَدُّمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20] «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
«وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ، وَادَّهِنُوا بِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَيِّدُ أُدُمِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» . رَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِهِ، «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَيِّدُ إِدَامِكُمُ الْمِلْحُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ به الخبز عَادَةً وَيُعَدُّ لِلتَّأَدُّمِ، فَكَانَ أُدْمًا، (وَفِي التَّمْرِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: هُوَ أُدْمٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ، وَقَالَ: هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَدَمُ بِهِ عَادَةً، وَهُوَ فَاكِهَةٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا زَبِيبٌ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لَا يَحْنَثُ.
فَرْعٌ: الْقُوتُ: خُبْزٌ، وَفَاكِهَةٌ يَابِسَةٌ، وَلَبَنٌ، وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ: قُوتُ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَيَحْنَثُ بِحَبٍّ يُقْتَاتُ فِي الْأَصَحِّ، وَالطَّعَامُ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ، وَفِي مَاءٍ، وَدَوَاءٍ، وَوَرَقِ شَجَرٍ، وَتُرَابٍ،

حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا، فَلَبِسَ ثَوْبًا، أَوْ دِرْعًا، أَوْ جَوْشَنًا، أَوْ خُفًّا، أَوْ نَعْلًا، حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ حَنِثَ، وَإِنْ لَبِسَ عَقِيقًا

[المبدع في شرح المقنع]

وَنَحْوِهَا، وَجْهَانِ، وَالْعَيْشُ عرفا: الخبز، وَفِي اللُّغَةِ الْعَيْشُ: الْحَيَاةُ، فَيَتَوَجَّهُ مَا يَعِيشُ بِهِ، فَيَكُونُ كَالطَّعَامِ.
1 - (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا فَلَبِسَ ثَوْبًا أَوْ دِرْعًا، أَوْ جَوْشَنًا، أَوْ خُفًّا، أَوْ نَعْلًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، فَحَنِثَ بِهِ كَالثِّيَابِ، لَكِنْ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْخُفِّ أَوِ النَّعْلِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا حَنِثَ كَيْفَ لَبِسَهُ، وَلَوْ تَعَمَّمَ بِهِ، وَلَوِ ارْتَدَى بِسَرَاوِيلَ، أَوِ اتَّزَرَ بِقَمِيصٍ لا بطيه، وَلَا بِتَرْكِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَلَا بِنَوْمِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَدَثَّرَ بِهِ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ قَالَ: قَمِيصًا، فَاتَّزَرَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنِ ارْتَدَى فَوَجْهَانِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ، حَنِثَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: 23] ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ: إِنِّي جَاعِلٌ فِيكَ الْحِلْيَةَ، وَالصَّيْدَ، وَالطِّيبَ، وَكَذَهَبٍ وَجَدَهُ، (وَإِنْ لَبِسَ عَقِيقًا أَوْ سَبَجًا) وَحَرِيرًا (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ كَخَرَزِ الزُّجَاجِ، وَفِي الْوَسِيلَةِ: تَحْنَثُ الْمَرْأَةُ بِحَرِيرٍ، (وَإِنْ لَبِسَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ) زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: الْمُفْرَدِينَ، وَمِنْطَقَةٌ مُحَلَّاةٌ لَا سَيْفٌ، (فِي مُرْسَلَةٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا حِنْثَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ إِذَا لَمْ يَلْبَسْهُ، فَكَذَا إِذَا لَبِسَهُ، وَالثَّانِي: بَلَى، كَلَبْسِ سُوَارٍ وَخَاتَمٍ، وَلِأَنَّهَا مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ، وَلَا يُقْصَدُ بِلَبْسِهَا مُحَلَّاةً إِلَّا التَّجَمُّلُ بِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ خَاتَمًا فَلَبِسَهُ فِي غَيْرِ خِنْصَرٍ حَنِثَ، لِأَنَّهُ لَابِسٌ، وَلَا فَرْقَ

أَوْ سَبَجًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَبِسَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَغَيْرِهِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الِاصْطِلَاحُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالْخِنْصَرِ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً، فَجَعَلَهَا فِي رِجْلِهِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ عَيْبٌ وَمَشَقَّةٌ بِخِلَافِهِ هُنَا.
1 - (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ، فَلَا حِنْثَ) نَقُولُ إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، فَدَخَلَ دَارَ عَبْدِهِ، حَنِثَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ دَارَ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، وَالثَّوْبُ وَالدَّابَّةُ كَالدَّارِ، لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ للسيد فَيَتَنَاوَلُهُمَا يَمِينُ الْحَالِفِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَحْنَثُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فُلَانٌ لِأَنَّ الدَّارَ تُضَافُ إِلَى سَاكِنِهَا كَإِضَافَتِهَا إِلَى مَالِكِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] ، وَلِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَلِأَنَّ سَاكِنَ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بِهَا، فَكَانَتْ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ صَحِيحَةً، وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعُرْفِ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ دَارُ زَيْدٍ، وَفَسَّرَ إِقْرَارَهُ بِسُكْنَاهَا، احْتُمِلَ أَنْ يُقْبَلَ تَفْسِيرُهُ، وَلَوْ سَلَّمَ بِقَرِينَةِ الْإِقْرَارِ يَصْرِفُهُ إِلَى الْمِلْكِ، وَلَوْ حَلَفَ: لَا دَخَلْتُ مَسْكَنَ زَيْدٍ، حَنِثَ بِدُخُولِهِ الدَّارَ الَّتِي يَسْكُنُهَا، وَلَوْ قَالَ: هَذَا السَّكَنُ لِزَيْدٍ كَانَ مُقِرًّا لَهُ بِهَا (وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعَارَهَا فُلَانٌ) أَوْ غَصَبَهَا (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ فُلَانًا لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَ الدَّابَّةِ، وَفَارَقَ مَسْأَلَةَ الدَّارِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي الدَّارِ، لِكَوْنِهِ اسْتَعَارَهَا أَوْ غَصَبَهَا، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ لِسُكْنَاهُ بِهَا، فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ، وَلَوْ غَصَبَهَا أَوِ اسْتَعَارَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْكُنَهَا لَمْ تَصِحَّ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ بِدُخُولِ الدَّارِ الْمُسْتَعَارَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: وإِنْ قَالَ: لَا أَسْكُنُ مَسْكَنَهُ، فَفِيمَا لَا يَسْكُنُهُ زَيْدٌ مِنْ مِلْكِهِ، وَمَا يَسْكُنُهُ بِغَصْبٍ وَجْهَانِ، وَفِي التَّرْغِيبِ الْأَقْوَى: إِنْ كَانَ سَكَنَهُ مَرَّةً حَنِثَ، وَإِنْ قَالَ: مَلَكَهُ، فَفِيمَا اسْتَأْجَرَهُ خِلَافٌ فِي الِانْتِصَارِ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِهِ فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا حِينَئِذٍ، كَحَلِفِهِ لَا يَرْكَبُ رَحْلَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، وَلَا يَبِيعُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَ سَطْحَهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ مِنَ الدَّارِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ، وَمَنْعِ الْجُنُبِ مِنَ اللُّبْثِ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ إِذَا دَخَلَهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَ الدَّارَ نَفْسَهَا، وَإِنْ حَلَفَ

وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ، فَلَا حِنْثَ، وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعَارَهَا فُلَانٌ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِهِ فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَهَا حَنِثَ، وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَإِنْ زَجَرَهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ، أَوِ اسْكُتْ، حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ، فَتَكَلَّمَا مَعًا حَنِثَ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَصَعِدَ سَطْحَهَا لَمْ يَبِرَّ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ أَوْ قرينة عمل بِهَا، فَإِنْ صَعِدَ عَلَى شَجَرَةٍ حَتَّى صَارَ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا بَيْنَ حِيطَانِهَا حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بَيْنَ حِيطَانِهَا، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ فِي غَيْرِ الدَّارِ، فَتَعَلَّقَ بِفَرْعٍ مَادٍّ عَلَى الدَّارِ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى حَائِطِ الدَّارِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَدِّهَا، أَشْبَهَ الْقَائِمَ عَلَى سَطْحِهَا.
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا (وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ) : أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي حَدِّهَا.
وَالثَّانِي: لَا، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ قَامَ فِي مَوْضِعٍ إِذَا أَغْلَقَ الْبَابَ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
1 (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ) لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، وَلِفِعْلِهِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ حَنِثَ، لَأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، فَيَحْنَثُ بِهِ كَغَيْرِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ ولم يعرفه فَوَجْهَانِ، وَإِنْ صَلَّى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إِمَامًا، وَسَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ، لَمْ يَحْنَثْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ فِيهَا فَفَتَحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ (وَإِنْ زَجَرَهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ، أَوِ اسْكُتْ، حَنِثَ) لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ، فَيَدْخُلُ فِي مَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا، فَلَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ رَاسَلَهُ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَلَّا يُشَافِهَهُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ: لَا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ، أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَلَوْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ تَكْلِيمًا لَتَنَاوَلَ مُوسَى وَغَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِكَوْنِهِ كَلِيمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [الشورى: 51] ، لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِفْهَامِ الْآدَمِيِّينَ، أَشْبَهَ الْخِطَابَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] ، وَالرَّمْزُ لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ، لَكِنْ إِنْ نَوَى تَرْكَ مُوَاصَلَةٍ، أَوْ سَبَبٍ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ

حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: زَمَنًا، أَوْ دَهْرًا، أَوْ بَعِيدًا، أَوْ مَلِيًّا، رَجَعَ إِلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، وَإِنْ قَالَ: عُمُرًا، احْتَمَلَ ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ

[المبدع في شرح المقنع]

يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ) أَوْ لَا كَلَّمْتُ فُلَانًا حَتَّى يُكَلِّمَنِي، أَوْ حَتَّى يَبْدَأَنِي بِكَلَامٍ، (فَتَكَلَّمَا مَعًا، حَنِثَ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبْتَدِئٌ، إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ كَلَامٌ سِوَاهُ، وَفِي الرِّعَايَةِ: قُلْتُ: لَا، لَكِنْ إِذَا قَالَ: لَا بَدَأْتُهُ بِكَلَامٍ، فَتَكَلَّمَا مَعًا، لَمْ يَحْنَثْ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، لِعَدَمِ الْبِدَايَةِ، وَالثَّانِي: بَلَى، لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا) وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا (فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْحِينَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَقَلُّهُ سِتَّةٌ، فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَيَتَوَجَّهُ أَقَلُّ زَمَنٍ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ كَالْكَثِيرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] ، فَإِنْ قُلْتَ تَرِدُ لِلسَّنَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: 25] ، وَيُرَادُ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] ، وَيُرَادُ بِهِ سَاعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] وقال: جِئْتُهُ مُنْذُ حِينٍ، وَإِنْ كَانَ أَتَاهُ مِنْ سَاعَةٍ، وَيُرَادُ بِهِ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: 54] ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْإِطْلَاقِ الْخَالِي عَنِ الْإِرَادَةِ، مَعَ أَنَّ عِكْرِمَةَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَبَا عُبَيْدَةَ قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: 25] ، سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا اسْتُشْهِدُوا بِهِ مِنَ الْمُطْلَقِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا ذَكَرْنَاهُ أَقَلُّ، فَحُمِلَ عَلَى الْيَقِينِ، وَقِيلَ: إِنْ عَرَّفَهُ فَلِلْأَبَدِ، كَالدَّهْرِ وَالْعُمُرِ، أَمَّا إِذَا قَيَّدَ لَفْظَهُ، أَوْ بَيَّنَهُ بِزَمَنٍ، فَإِنَّهَا تَتَقَيَّدُ بِهِ، (وَإِنْ قَالَ: زَمَنًا، أَوْ دَهْرًا، أَوْ بَعِيدًا، أَوْ مَلِيًّا، رَجَعَ إِلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِي إِرَادَتِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: إِنَّ زَمَنًا كَحِينٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِي وَقْتٍ وَنَحْوِهِ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا مَا يُؤَثِّرُ فِي مِثْلِهِ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ وَالزَّمَانِ كَحِينٍ، وَاخْتَارَه فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ أَنَّهُ لِلْأَبَدِ كَالدَّهْرِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ زَمَانًا، فَهُوَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، (وَإِنْ قَالَ: عُمُرًا، احْتَمَلَ ذَلِكَ) أَيْ: يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى أَقَلِّ مَا تَنَاوَلَهُ

ذلك، واحتمل أَنْ يَكُونَ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِثْلَ الْحِينِ، إِلَّا بَعِيدًا أَوْ مَلِيًّا، فَإِنَّهُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ قَالَ: الْأَبَدَ، وَالدَّهْرَ، فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ، وَالْحُقْبُ: ثَمَانُونَ سَنَةً، وَالشُّهُورُ: اثْنَا عَشَرَ، عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ ثَلَاثًا كَالْأَشْهُرِ، وَالْأَيَّامُ: ثَلَاثَةٌ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ فَحَوَّلَ

[المبدع في شرح المقنع]

اللَّفْظُ (وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعِينَ عَامًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس: 16] ، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كَالْحِينِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ، وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنَ الْعُمُرِ وَالدَّهْرِ، (وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِثْلَ الْحِينِ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (إِلَّا بَعِيدًا أَوْ مَلِيًّا) زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ طَوِيلًا، (فَإِنَّهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ قَالَ: الْأَبَدَ، وَالدَّهْرَ) وَالْعُمُرَ (فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ) ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ الزَّمَانِ كُلِّهِ.
(وَالْحُقْبُ) ، بِضَمِّ الْحَاءِ: (ثَمَانُونَ سَنَةً) ، نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ أَدْنَى زَمَانٍ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ عَامًا، وَقِيلَ: لِلْأَبَدِ (وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ عِنْدَ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36] ، (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ (ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ جَمْعٌ (كَالْأَشْهُرِ) فَإِنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَجْهًا وَاحِدًا، (وَالْأَيَّامُ ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَإِنْ عَيَّنَ أَيَّامًا تَبِعَتْهَا اللَّيَالِي.
1 - (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ فَحَوَّلَ وَدَخَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَكَذَا إِذَا جَعَلَ لَهَا بَابًا آخَرَ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ، أَوْ قَلَعَ الْبَابَ وَنَصَبَهُ فِي دَارٍ أُخْرَى، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي نُصِبَ فِيهِ الْبَابُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ بَابِهَا، فَدَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَابِ لَمْ يَحْنَثْ، وَيَتَخَرَّجُ، بَلَى، إِذَا أَرَادَ بِيَمِينِهِ اجْتِنَابَ الدَّارِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ الْيَمِينَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَ زَوْجَتِهِ فِي دَارٍ، فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى حِينِ الْحَصَادِ، انْتَهَتْ يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ) لِأَنَّ إِلَى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، فَتَنْتَهِي عِنْدَ

وَدَخَلَهُ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى حِينِ الْحَصَادِ، انْتَهَتْ يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مُدَّتِهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ، حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ.

[المبدع في شرح المقنع]

أَوَّلِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مُدَّتِهِ) هذه رِوَايَةٌ، لِأَنَّ إِلَى تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: 14] ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَصَدَ هِجْرَانَهُ، وَاللَّفْظُ صَالِحٌ لِتَنَاوُلِ الْجَمِيعِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ، حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَالٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ لِلْمُخَالَفَةِ فِي يَمِينِهِ، وَالدَّيْنُ مَالٌ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ، أَشْبَهَ الْمُودَعَ، وَلِأَنَّ الْمَالَ مَا تَنَاوَلَهُ النَّاسُ عَادَةً لِطَلَبِ الرِّبْحِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَيْلِ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ، وَجَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، قَالَهُ فِي الْوَاضِحِ، وَالْمِلْكُ يَخْتَصُّ الْأَعْيَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلَا يَعُمُّ الدَّيْنَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ نَذْرُهُ الصَّامِتَ مِنْ مَالِهِ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْمَالِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ حَنِثَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ ضَائِعًا فِي وَجْهٍ، فَإِنْ ضَاعَ عَلَى وَجْهٍ قَدْ أَيِسَ مِنْ عَوْدِهِ، لَمْ يَحْنَثْ فِي الْأَشْهَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ أَوِ اشْتَرَى عَقَارًا وَنَحْوَهُ لَا يَحْنَثُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ فِعْلَ وَكِيلِهِ كَفِعْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُوَكَّلِ فِيهِ وَالْآمِرِ بِهِ، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ جَارِيَةً بِمُبَاشَرَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ، فَلَا.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، فَإِذَا وَكَّلَ فِيهِ وَأَضَافَ إِلَى الْمُوَكَّلِ فَلَا حِنْثَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، فَكَلَّمَ عَبْدًا اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ، أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ، فَضَرَبَهُ بِأَمْرِهِ حَنِثَ.
قَاعِدَةٌ: تُطَلَّقُ امْرَأَةُ مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زِنْدِيقًا بِقَائِلٍ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، قَالَهُ سَجَّادَةُ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَبْعَدَهُ، وَالسَّفَلَةُ مَنْ لَمْ يُبَالِ بِمَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَلَا يُبَالِي عَلَى أَيِّ مَعْصِيَةٍ رُئِيَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الرِّعَاعُ السَّفَلَةُ وَالْغَوْغَاءُ نَحْوُ ذَلِكَ، وَأَصْلُ الْغَوْغَاءِ: صِغَارُ الْجَرَادِ.

فَصْلٌ فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ اشْتَهَرَ مَجَازُهَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، كَالرَّاوِيَةِ، وَالظَّعِينَةِ، وَالدَّابَّةِ، وَالْغَائِطِ، وَالْعَذِرَةِ، وَنَحْوِهَا، فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقَةِ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ دَارٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِدُخُولِهَا رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا، أَوْ حَافِيًا، أَوْ مُنْتَعِلًا، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ

[المبدع في شرح المقنع]

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ]

فَصْلٌ (فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ اشْتَهَرَ مَجَازُهَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ) لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَشْتَهِرْ تَكُونُ مَجَازًا لُغَةً، وَسُمِّيَتْ عُرْفِيَّةً لِاسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ لَهَا فِي غَيْرِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً فِي مَعْنًى، ثُمَّ يَصِيرُ مَدْلُولُهُ عَلَى مَعْنًى آخَرَ عُرْفِيٍّ، وَلَا شُبْهَةَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ (كَالرَّاوِيَةِ) لِلْمَزَادَةِ فِي الْعُرْفِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْجَمَلُ: الَّذِي يستقى عَلَيْهِ، (وَالظَّعِينَةِ) هِيَ فِي الْعُرْفِ لِلْمَرْأَةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلنَّاقَةِ الَّتِي يُظْعَنُ عَلَيْهَا، (وَالدَّابَّةِ) : اسْمٌ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ: اسْمٌ لِمَا دَبَّ، (وَالْغَائِطِ، وَالْعَذِرَةِ) فِي الْعُرْفِ: الْخَارِجُ الْمُسْتَقْذَرُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْغَائِطُ: الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْعَذِرَةُ: فِنَاءُ الدَّارِ، (وَنَحْوِهَا) أَيْ: نَحْوِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، (فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ) لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْحَالِفَ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ، فَصَارَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ (دُونَ الْحَقِيقَةِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مَهْجُورَةً، وَلَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ.
(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا) لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْصَرِفُ اللَّفْظُ فِي الْعُرْفِ إِلَيْهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَسَرَّى، حَنِثَ بِوَطْئِهَا أَيْضًا، وَقَدْ سَبَقَ (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ دَارٍ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِدُخُولِهَا) لِأَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْجِمَاعِ، فَوَجَبَ تَعَلُّقُ يَمِينِهِ بِدُخُولِهَا، (رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا، أَوْ حَافِيًا، أَوْ مُنْتَعِلًا) لِأَنَّ الْيَمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الدُّخُولِ، وَكَذَا إِنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِنْ دَخَلَهَا رَاكِبًا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ فِيهَا، وَهَلْ يَحْنَثُ بِدُخُولِ مَقْبَرَةٍ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ لَا، إِنْ قُدِّمَ الْعُرْفُ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» ، إِنَّ اسْمَ

الرَّيْحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ، أَوْ لَا يَشُمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُمَا أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَحْنَثُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الدَّارِ يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ الدَّارَ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى الرَّبْعِ الْمَسْكُونِ، وَعَلَى الْخَرَابِ غَيْرِ الْمَأْهُولِ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ) ، وَلَوْ كَانَ يَابِسًا، (أَوْ لَا يَشُمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُمَا، أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ) ، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى عُرْفًا، وَيَمِينُهُ تَخْتَصُّ بالريحان الفارسي، (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَحْنَثُ) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ بِشَمِّ كُلِّ نَبْتٍ رِيحُهُ طَيِّبٌ كَمِرْزَجُوشَ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرَّيْحَانِ حَقِيقَةً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِشَمِّ الْفَاكِهَةِ، وَجْهًا وَاحِدًا.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَشُمُّ طِيبًا، فَشَمَّ نَبْتًا طَيِّبَ الرِّيحِ كَالْخُزَامِ وَنَحْوِهِ، حَنِثَ فِي الْأَشْهَرِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] ، وَلِأَنَّهُ جِسْمُ حَيَوَانٍ يُسَمَّى لَحْمًا، فَحَنِثَ بِأَكْلِهِ كَلَحْمِ الطَّيْرِ، وَتَقْدِيمًا لِلشَّرْعِ وَاللُّغَةِ (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى) إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ إِطْلَاقُ اسْمِ اللَّحْمِ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ، فَاشْتَرَى لَهُ

حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا، وَلَا بَيْضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطَّيْرِ، وَالسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بِيضٍ يُزَايَلُ بَائِضُهُ حَالَ الْحَيَاةِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيْتَ شَعْرٍ، أَوْ أُدْمٍ، أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عِنْدَ

[المبدع في شرح المقنع]

سَمَكًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الِاسْمَ، فَيُقَالُ مَا أَكَلْتُ لَحْمًا، وَإِنَّمَا أَكَلْتُ سَمَكًا، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا قَعَدْتُ تَحْتَ سَقْفٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِقُعُودِهِ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى سَقْفًا مَحْفُوظًا، لِأَنَّهُ مَجَازٌ، كَذَا هُنَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ وَالسَّقْفِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالسَّمَاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِيَمِينِهِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجَازٌ، وَهُنَا حَقِيقَةٌ لِكَوْنِهِ مِنْ حَيَوَانٍ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ، فَكَانَ الِاسْمُ فِيهِ حَقِيقَةً كَلَحْمِ الطَّيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21] ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا، وَلَا بَيْضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ (عِنْدَ الْقَاضِي) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِعُمُومِ الِاسْمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرْبِ الْمَاءِ الْمِلْحِ وَالْمَاءِ النَّجِسِ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا حَنِثَ بِكُلِّ خُبْزٍ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ كَانَ خُبْزُ بَلَدِهِ الْأُرْزَ حَنِثَ بِهِ، وَفِي حِنْثِهِ بِخُبْزِ غَيْرِهِ الْوَجْهَانِ، (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رَأَسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيْضٍ يُزَايَلُ بَائِضَهُ حَالَ الْحَيَاةِ) لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ اللَّفْظُ عُرْفًا، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شِوَاءً فَأَكَلَ بَيْضًا، وَنَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: بَيْضُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ يُزَايِلُهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يُؤْكَلُ فِي حَيَاتِهِمَا، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ كَالْمُقْنِعِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ كَانَ بِمَكَانٍ الْعَادَةُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فِيهِ حَنِثَ، وَفِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَجْهَانِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْعَادَةِ أَوْ عَادَةِ الْحَالِفِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى بَيْضًا غَيْرَ بَيْضِ الْحَيَوَانِ، وَلَا بِشَيْءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غَيْرَ رُءُوسِ الْحَيَوَانِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَأْسٍ وَلَا بَيْضٍ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيْتَ شَعْرٍ، أَوْ أُدْمٍ) حَنِثَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا بَيْتَانِ حَقِيقَةً، لِقَوْلِهِ

أَصْحَابِنَا، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ، فَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ أَوْ سَبَّحَ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ دَقَّ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ فَقَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96] ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَإِذَا كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْتًا وَفِي عُرْفِ الشَّارِعِ حَنِثَ بِدُخُولِهِ كَبَيْتِ الْإِنْسَانِ، وَأَمَّا بَيْتُ الشَّعْرِ وَالْأُدْمِ، فَلِأَنَّ اسْمَ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: 80] وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْخَيْمَةَ كَذَلِكَ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّامِرِيُّ، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا، لَكِنْ إِنْ عَيَّنَ خَيْمَةً اقْتُلِعَتْ وَضُرِبَتْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ نَقَلَهَا حَنِثَ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ دِهْلِيزِ دَارٍ أَوْ صُفَّتِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا.
(أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) لِأَنَّهُ رُكُوبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: 41] ، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: 65] ، (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا وَلَا رُكُوبًا فِي الْعُرْفِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَظَاهِرُ الْمُغْنِي: أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ فَقَطْ، قَالَ: لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا تُسَمِّي ذَلِكَ بَيْتًا، (فَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَحْنَثْ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ، وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى زَكَرِيَّا بِالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ، وَقَالَ: إِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26] ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ» . الْخَبَرَ.
وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، لِأَنَّ مَا لَا يُحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُحْنَثُ بِهِ خَارِجًا مِنْهَا، كَالْإِشَارَةِ،

لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يُبِرَّ فِي يَمِينِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ (وَإِنْ دَقَّ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ) بَابَهُ (فَقَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ) بِالْقُرْآنِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَمِينُهُ إِنَّمَا تَنْصَرِفُ إِلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ لَبَطَلَتْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ لَمَا بَطَلَتْ، قِيلَ: فِي ذَلِكَ مَنْعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا يَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا بِخِلَافِ الْحَلِفِ، فَإِنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ فِيهِ كَوْنُ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ، وَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيهِ، فَلَا يَحْنَثُ بِالشَّكِّ فِي شَرْطِهِ، وَفِي الْمَذْهَبِ وَجْهٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْقُرْآنَ أَنَّهُ يَحْنَثُ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَحَقِيقَةُ الذِّكْرِ مَا نُطِقَ بِهِ، فَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ فِعْلًا كَالْحَرَكَةِ، وَيَتَضَمَّنُ مَا يَقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي، فَلِهَذَا يُجْعَلُ الْقَوْلُ قِسْمًا لِلْفِعْلِ، وَقِسْمًا آخَرَ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَعْمَلُ عَمَلًا، فَقَالَ قَوْلًا كَالْقِرَاءَةِ، هَلْ يَحْنَثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ فَسَمِعَ الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إِجْمَاعًا، قَالَهُ أَبُو الْوَفَاءِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ) لِأَنَّهُ قَصَدَ تَرْكَ تَأْلِيمِهَا، وَقَدْ آلَمَهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَلَّا يَحْنَثَ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ أَلَّا يُؤْلِمَهَا، أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، لَكِنْ لَوْ عَضَّهَا لِلتَّلَذُّذِ وَلَمْ يَقْصِدْ تَأْلِيمَهَا لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بَرَّ، لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ بِالضَّرْبِ، وَإِنْ ضَرَبَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا لَمْ يَبِرَّ، وَهَلِ اللَّطْمُ وَالْوَكْزُ ضَرْبٌ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبِرَّ فِي يَمِينِهِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ

فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ، أَوْ طَعْمُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ فِي الْعُرْفِ، لِأَنَّ السَّوْطَ هُنَا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ، لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: لَأَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ يَمِينِهِ وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ لُغَةً، فَلَا يَبِرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: يَبِرُّ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَدُّ: يُضْرَبُ بِعُثْكَالِ النَّخْلِ، يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَكَحَلِفِهِ لَيَضْرِبَنَّهُ بِمِائَةٍ، وَأَجَابَ فِي الشَّرْحِ عَنْ قِصَّةِ أَيُّوبَ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمَا خُصَّ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ، وَعَنِ الْمَرِيضِ الْمَجْلُودِ، بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ، فَلَأَنْ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْيَمِينِ أَوْلَى.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا بَرَّ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَمْ يَبِرَّ بِضَرْبِهِ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَا إِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ.

[حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ]

فَصْلٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي فِي اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الَّذِي حُلِفَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ تَمْرًا، وَلِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ فِي الشَّيْءِ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا حَلَفَ لِمَعْنًى في

شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ.
.

فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ:

[المبدع في شرح المقنع]

المحلوف عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ عَدَمُ الْحِنْثِ، لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الْمَحْلُوفِ مِنْ أَجْلِهِ، (وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ، أَوْ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ) ، كَمَا لَوْ أَكَلَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا، وَكَحَلِفِهِ عَلَى اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِمُسَمَّاهُ، وَلَوْ مِنْ صَيْدٍ وَآدَمِيَّةٍ، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ فَيَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الطَّبِيخِ، فَيَبِينُ عَلَى وَجْهِ الْمَرَقِ، وفارق مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ طَعْمُهُ، وَلَا لَوْنُهُ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ يَظْهَرُ الدُّهْنُ فِيهِ، (وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ) لِأَنَّ الشَّعِيرَ يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ بِتَرْكِهِ فِيهِ، وَأَكْلُهُ لَهُ أَكْلٌ لِمَا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَكْلِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ مُنْفَرِدًا، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ طَحَنَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ فِي الْأَصَحِّ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، فَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً، فَأَكَلَهَا خُبْزًا أَوْ طَحِينًا حَنِثَ، لِأَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تُؤْكَلُ حَبًّا عَادَةً، فَانْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إِلَى أَكْلِهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَأَكَلَ فِيهَا، أَوْ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِهَا، حَنِثَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ، فَأَوَى إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا، مِمَّا هُوَ فِي حَدِّهَا، حَنِثَ، لِأَنَّ النَّاحِيَةَ وَالْحَدَّ مِنْ جُمْلَةِ الْقَرْيَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.

[حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ]

فَصْلٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ) ، هَذَا رِوَايَةٌ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ يَقْصِدُ بِهِ فِي الْعُرْفِ اجْتِنَابَ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَحُمِلَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2] ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ تَحْرِيمَ شُرْبِهَا، وَلَوْ قَالَ طَبِيبٌ لِمَرِيضٍ: لَا تَأْكُلِ الْعَسَلَ، كَانَ نَاهِيًا لَهُ عَنْ شُرْبِهِ، وَبِالْعَكْسِ، (وَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَّدَ فِيهِ وَأَكَلَهُ:

يَحْنَثُ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَّدَ فِيهِ وَأَكَلَهُ: لَا يَحْنَثُ، فَيَخْرُجُ فِي كُلِّ مَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ، وَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَعَيِّنْهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَإِنْ ذَاقَ وَلَمْ يَبْلَعْهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا، فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ حَنِثَ.

[المبدع في شرح المقنع]

لَا يَحْنَثُ) هَذِهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ نَقَلَهَا مُهَنَّا، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ أَنْوَاعٌ كَالْأَعْيَانِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ الْأَفْعَالُ (فَيَخْرُجُ فِي كُلِّ مَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ وَجْهَانِ) مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لَمْ يَحْنَثْ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ تَغَيُّرَ صِفَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَا يَنْفِي الْحِنْثَ، فَكَذَلِكَ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْفِعْلِ، وَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ فَلَا حِنْثَ، لِأَنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ الْمُخَالَفَةُ مِنْ جِهَةِ الِاسْمِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَيْسَ لِلتَّعْيِينِ أَثَرٌ فِي الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْحِنْثَ فِي الْمُعَيَّنِ إِنَّمَا كَانَ لِتَنَاوُلِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِجْرَاءِ مَعْنَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى التَّنَاوُلِ الْعَامِّ فِيهِمَا، وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْحِنْثِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الْفِعْلَ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ غَيْرَهُ، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ كَهُوَ فِي الْمُطْلَقِ، لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، أَوْ لَا يَفْعَلُهُمَا، فَمَصَّ رُمَّانًا، أَوْ قَصَبَ سُكَّرٍ، فَرِوَايَتَانِ أَنَصُّهُمَا: لَا حِنْثَ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ، أَوِ الرُّمَّانَ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَتَرَكَهُ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ، وَابْتَلَعَهُ فَعَلَى الْخِلَافِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ) وَمَصِّهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: 249] ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طُعْمٌ (وَإِنْ ذَاقَ وَلَمْ يَبْلَعْهُ لَمْ يَحْنَثْ) فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِهِ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُهُ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ أَوْ ذَوْقِهِ، لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَفِي الرِّعَايَةِ: حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَلْتُ فِيمَنْ لَا ذَوْقَ لَهُ نَظَرٌ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ حَنِثَ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:

فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ وَلَا يَلْبَسُ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا

[المبدع في شرح المقنع]

كُلُوا الزَّيْتَ» . وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى أَكْلًا، وَيُؤْكَلُ فِي الْعَادَةِ كَذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنَ الْكُوزِ، فَصَبَّ مِنْهُ فِي إِنَاءٍ، وَشَرِبَ لَمْ يَحْنَثْ، وَعَكْسُهُ إِنِ اغْتَرَفَ بِإِنَاءٍ مِنَ النَّهَرِ أَوِ الْبِئْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ عَدَمُ حِنْثِهِ بِكَرْعِهِ مِنَ النَّهْرِ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، كَحَلِفِهِ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ فَتَعَمَّمَ بِهِ.

[حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَطَهَّرُ وَلَا يَتَطَيَّبُ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ]

فَصْلٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ) فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقِ اسْمُ الْفِعْلِ عَلَى مُسْتَدِيمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا يُقَالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا، وَلَا تَطَهَّرْتُ شَهْرًا، وَلَا تَطَيَّبْتُ شَهْرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: مُنْذُ شَهْرٍ، وَلَمْ يُنْزِلِ الشَّارِعُ اسْتِدَامَةَ التَّزْوِيجِ وَالطِّيبِ مَنْزِلَةَ اسْتَدَامَتِهِ فِي تحريمه في الْإِحْرَامِ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ، وَلَا يَلْبَسُ) وَلَا يَقُومُ، وَلَا يَقْعُدُ، وَلَا يُسَافِرُ (فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِيمَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: رَكِبَ شَهْرًا، وَلَبِسَ شَهْرًا، وَقَدِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ هَذَا فِي الْإِحْرَامِ، حَيْثُ حَرَّمَ لُبْسَ الْمَخِيطِ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِاسْتِدَامَتِهِ، كَمَا أَوْجَبَهَا فِي ابْتِدَائِهِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: فِي اللُّبْسِ اسْتِدَامَةً حِنْثٌ إِنْ قَدَرَ عَلَى نَزْعِهِ، وَيُلْحَقُ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا، وَعَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَطَأُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، أَوْ لَا يُضَاجِعُهَا عَلَى فِرَاشٍ فَضَاجَعَتْهُ وَدَامَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُضَاجَعَةَ تَقَعُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: اضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ لَيْلَةً، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ شِهَابٍ: الْخُرُوجُ وَالنَّزْعُ لَا يُسَمَّى سَكَنًا وَلَا لَبْسًا، وَالنَّزْعُ جِمَاعٌ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إِيلَاجٍ وَإِخْرَاجٍ، فَهُوَ شَطْرُهُ، وَجَزَمَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ لَا يَحْنَثُ بِالنَّزْعِ فِي الْحَالِ وِفَاقًا، وَكَذَا إِذَا حَلَفَ لَا يُمْسِكُ، ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ، أَوْ لَا يُشَارِكُهُ فَدَامَ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي) لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَهُ،

يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا، أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ، أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ، فَيُقِيمَ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُ، وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أَوْ يُعِيرَهُ، أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَقَامِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِدَامَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: دَخَلْتُهَا مُنْذُ شَهْرٍ، وَلَا يُقَالُ: دَخَلْتُهَا شَهْرًا، فَجَرَى مَجْرَى التَّزْوِيجِ، وَلِأَنَّ الِانْفِصَالَ مِنْ خَارِجٍ إِلَى دَاخِلٍ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ، قَالَ السَّامِرِيُّ: فَحَمَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْكَوْنِ فِي دَاخِلِهَا، وَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ، حَتَّى يَبْتَدِئَ دُخُولَهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ فُرْقَةَ أَهْلِهَا، أَوْ عَدَمَ الْكَوْنِ فِيهَا، أَوِ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ وَإِلَّا إِذَا دَخَلَ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ) ، لِأَنَّ الْإِقَامَةَ هُنَا كَالْإِقَامَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْأَصَحُّ الْحِنْثُ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا) وَهُوَ سَاكِنُهَا، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً هُوَ رَاكِبُهَا، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا هُوَ لَابِسُهُ، (أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ، حَنِثَ) ، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: سَكَنَ الدَّارَ شَهْرًا، (إِلَّا أَنْ يُقِيمَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ) وَأَهْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَيَكُونُ نَقْلُهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، لَا لَيْلًا، وَإِنْ تَرَدَّدَ إِلَى الدَّارِ لِنَقْلِ الْمَتَاعِ، أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، لَمْ يَحْنَثْ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ إِنْ دَخَلَهَا، وَإِنْ تَرَدَّدَ زَائِرًا فَلَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سُكْنَى، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا، وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا (أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ، فَيُقِيمُ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُ) ، لِأَنَّهُ أَقَامَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَإِزَالَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ (وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ) الْمَقْصُودِ (وَأَهْلِهِ) مَعَ إِمْكَانِ نَقْلِهِمْ، وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ هَانِئٍ، وَهُوَ

وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلٌّ وَاحِدٍ حُجْرَةً، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

ظَاهِرُ الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ، أَوْ تَرَكَ لَهُ بِهِ شَيْئًا (حَنِثَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ السُّكْنَى تَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ سَاكِنٌ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، وَإِنْ نَزَلَ بَلَدًا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَيُقَالُ: سَكَنَهُ، لَكِنْ إِنْ خَرَجَ عَازِمًا عَلَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا عَنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ فِي الدَّارِ، لَمْ يَحْنَثْ، زَادَ فِي الشَّرْحِ: فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ بِأَهْلِهِ، فَسَكَنَ بِمَوْضِعٍ، وَقِيلَ: أَوْ وَجَدَهُ بِمَا يَتَأَثَّثُ بِهِ فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَامَ فِي الدَّارِ لِإِكْرَاهٍ، أَوْ لَيْلٍ، أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ، أَوْ لِعَدَمِ مَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ، أَوْ مَنْزِلٍ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ فِي طَلَبِ النَّقْلَةِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَقَامَ غَيْرَ نَاوٍ لَهَا حَنِثَ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ.
(إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أَوْ يُعِيرَهُ) ، أَوْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ، (أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْنَثُ) ، لِأَنَّ زَوَالَ الْيَدِ وَالْعَجْزَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُمَا حِنْثٌ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، إِذَا كَانَا فِي دَارٍ حَالَةَ الْيَمِينِ، وَتَشَاغَلَا بِبِنَاءِ الْحَائِطِ، لِأَنَّهُمَا مُتَسَاكِنَانِ قَبْلَ انْفِرَادِ إِحْدَى الدَّارَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَالْمَجْدُ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، فَإِنْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا، وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ، وَفَتَحَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا، وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، وَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً، لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ، وَقَالَ مَرَّةً: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، لِكَوْنِهِ عَيْنُ الدَّارِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَاكِنْهُ فِيهَا (وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً) وَلَا نِيَّةَ، وَلَا سَبَبَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَاكِنٌ فِي حُجْرَتِهِ، فَلَا يَكُونُ مساكنا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا إِنْ سَكَنَا فِي دَارَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُنُونِ فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ دَخَلْتِ عَلَيَّ الْبَيْتَ، وَلَا كُنْتِ لِي زَوْجَةً إِنْ لَمْ

الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ بَرَّ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ لَمْ يَبِرَّ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

تَكْتُبِي لِي نِصْفَ مَالِكِ، فَكَتَبَتْ لَهُ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، تَقَعُ الثَّلَاثُ، لِأَنَّهُ يَقَعُ بِاسْتِدَامَةِ الْمَقَامِ، فَكَذَا اسْتِدَامَةُ الزَّوْجِيَّةِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ بَرَّ) لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ لَمْ يُعَارِضْهَا مُعَارِضٌ، فَوَجَبَ حُصُولُ الْبِرِّ لِحُصُولِ الْحَقِيقَةِ، وَكَذَا إِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ وَلَا يَأْوِي أَوْ يَنْزِلُ فِيهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا، أَوْ لَا يَسْكُنُ الْبَلَدَ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ مِنْهُ، فَكَحَلِفِهِ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ لَمْ يَبِرَّ) لِأَنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ مِنْهَا صَاحِبُهَا كُلَّ يَوْمٍ عَادَةً، وَظَاهِرُ حَالِهِ إِرَادَةُ خروج غير الْمُعْتَادِ، بِخِلَافِ الْبَلَدِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا فَدَخَلَهَا، أَوْ كَانَ فِيهَا غَيْرَ سَاكِنٍ فَدَامَ جُلُوسُهُ، فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْكَوْنِ فِيهَا حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِنِ انْتَقَلَ إِلَيْهَا بِرَحْلِهِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ السَّاكِنُ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ بَاتَ لَيْلَتَيْنِ فَلَا حِنْثَ، وَفِي الشَّرْحِ: إِذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ منْ بَلَدٍ لَمْ يَبِرَّ إِلَّا بِرَحِيلِ أَهْلِهِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعُودُ إِلَيْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْعُودِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَرَجَّحَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَقَدْ خَرَجَ فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ، وَلِقَوْلِهِ: إِنْ خَرَجْتُ فَلَكَ دِرْهَمٌ، اسْتَحَقَّ بِخُرُوجٍ أَوَّلَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَحْنَثُ بِالْعَوْدِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ قَصْدُ هِجْرَانِ مَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهُ، وَالْعَوْدُ يُنَافِي مَقْصُودَ يَمِينِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ، أَوْ سَبَبٌ، أَوْ قَرِينَةٌ، عُمِلَ بِهَا.

فَصْلٌ إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، وَيُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ، أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

[حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا]

فَصْلٌ (إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا) وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، لَمْ يَحْنَثْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ حُمِلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ (وَيُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ) حَنِثَ فِي الْمَنْصُوصِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَلِي لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: كَيْفَمَا دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ، حَنِثَ مُطْلَقًا، وَلَوْ من غير بَابَهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ أُكْرِهَ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، (أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ قَصَدَ اجْتِنَابَ خِدْمَتِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ (وَيُحْتَمَلْ أَنْ لَا يَحْنَثَ) وَهُوَ وَجْهٌ، لِأَنَّهُ اسْتَخْدَمَهُ، وَالسُّكُوتُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الَّذِي شَقَّ ثَوْبَهُ مُطَالَبَةَ الَّذِي شَقَّهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَبْدَهُ حَنِثَ، لِأَنَّ عَبْدَهُ يَخْدِمُهُ عَادَةً، فَمَعْنَى يَمِينِهِ لَأَمْنَعَنَّكَ خِدْمَتِي، فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، بِخِلَافِ عَبْدِ غَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ فِيهِمَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَّنَّ الْعَامَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ لِمَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ ضَرْبَ الْعَبْدِ لِصِغَرٍ بِهِ، أَوْ تَرَكَ الْحَالِفُ الْحَجَّ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ، وَيَحْنَثُ عُقَيْبَ تَلَفِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقِيلَ: فِي آخِرِ الْغَدِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ) وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، لَا مِنْ جِهَتِهِ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، أَمَّا لَوْ تَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدُ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، فَكَمَا لَوْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ، وَإِنْ مَاتَ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، حَنِثَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ ضَرَبَهُ

لَا يَحْنَثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ، وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فَأَبْرَأَهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ، فَقَضَى وَرَثَتُهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ، وَإِنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرَضًا لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْيَوْمَ لَمْ يَبِرَّ، نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَبِرُّ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَإِنْ جُنَّ الْعَبْدُ فَضَرَبَهُ بَرَّ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ) أَيْ: قَبْلَ الْغَدِ، أَوْ جُنَّ فَلَمْ يَفُقْ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْغَدِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْحِنْثَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بفوات المحلوف عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ، وَهُوَ الْغَدُ، وَالْحَالِفُ قَدْ خَرَجَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يُمْكِنُ حِنْثُهُ بِخِلَافِ مَوْتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ فِي غَدٍ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ، حَنِثَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَكَذَا إِنْ هَرَبَ الْعَبْدُ أَوْ مَرِضَ، أَوِ الْحَالِفُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَرْبِهِ (وَإِنْ حَلَفَ لِيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فَأَبْرَأَهُ) مِنْهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ (فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا إِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَتَلِفَ قَبْلَ فِعْلِهِ.
أَحَدُهُمَا: الْحِنْثُ، لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَالْإِبْرَاءُ لَيْسَ بِقَضَاءٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَا قَضَانِي حَقِّي، وَإِنَّمَا أَبْرَأْتُهُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ: عَدَمُهُ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْقَضَاءِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَلَا يَحْنَثُ، وَفِي التَّرْغِيبِ: أَصْلُهُمَا إِذَا مُنِعَ مِنَ الْإِيفَاءِ فِي غَدٍ كَرْهًا لَا يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَطْلَقَ فِي التَّبْصِرَةِ فِيهِمَا الْخِلَافَ (وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ فَقَضَى وَرَثَتُهُ لَمْ يَحْنَثْ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، فَكَذَلِكَ فِي يَمِينِهِ، (وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ) كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا، فَمَاتَ الْعَبْدُ الْيَوْمَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ، لَأَنَّ مَوْتَ الْعَبْدِ يُخَالِفُ ذَلِكَ، لِأَنَّ ضَرْبَ غَيْرِهِ لَا يَقُومُ مَقَامَ ضَرْبِهِ (وَإِنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرَضًا، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ) قَدَّمَهُ

عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ بَرَّ، وَإِنْ حَلَفَ لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي، فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ حَلَفَ: لَا

[المبدع في شرح المقنع]

السَّامِرِيُّ وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ قَضَاهُ حَقَّهُ (وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُكَ وَلِي قِبَلَكَ حَقٌّ، لَمْ يَحْنَثْ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ فَالرِّوَايَتَانِ، وَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ إِنْ كُرِهَ، (وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ) أَوْ مَعَ رَأْسِهِ، أَوْ إِلَى رَأْسِهِ، أَوْ إِلَى اسْتِهْلَالِهِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ، (فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ بَرَّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الوقت المحلوف عَلَيْهِ، لِأَنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ هُوَ آخِرُهُ، وَلَوْ تَأَخَّرَ فَرَاغُ كَيْلِهِ لِكَثْرَتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، أَنَّهُ إِذَا قَضَاهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ بَرَّ، وَإِنْ فَاتَهُ حَنِثَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قُلْتُ: فَيَخْرُجُ ضِدُّهُ إِنْ عُذِرَ، وَيَحْنَثُ إِذَا تَأَخَّرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ إِمْكَانِهِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا تُعْتَبَرُ الْمُقَارَنَةُ، فَتَكْفِي حَالَةُ الْغُرُوبِ (وَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي، فَهَرَبَ مِنْهُ حَنِثَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ لَا حَصَلَ مِنَّا فُرْقَةٌ، وَقَدْ حَصَلَ، وَكَإِذْنِهِ، وَلِقَوْلِهِ: لَا افْتَرَقْنَا، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَحْنَثُ) هَذَا رِوَايَةٌ، قَدَّمَهَا فِي الْكَافِي وَالتَّرْغِيبِ، وَنَصَرَهَا فِي الشَّرْحِ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ حَمْدَانَ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَلَمْ تُوجَدِ الْمُفَارَقَةُ إِلَّا مِنْ غَيْرِهِ، وَاخْتَارَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ وَإِمْسَاكُهُ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْحَالِفُ فِي الْفُرْقَةِ فَفَارَقَهُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْنَثُ (وَإِنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) فِي الْإِكْرَاهِ إِذَا فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَصَدَّهُ عَنْهُ، وَالْمَذْهَبُ الْحِنْثُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِفِرَاقِهِ، فَفَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَصُدَّهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ فَلَسِهِ حَنِثَ، وَقِيلَ: إِنْ قَضَاهُ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ نَاوٍ الْوَفَاءَ، فَفَارَقَهُ، فَلَا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ لَفْظُهُ: لَا فَارَقْتُكَ وَلِي قِبَلَكَ حَقٌّ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَالَ: حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ

افْتَرَقْنَا، فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ، وَقُدِّرَ الْفِرَاقُ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا، كَفُرْقَةِ الْبَيْعِ.

بَابُ النَّذْرِ وَهُوَ: أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى شَيْئًا وَلَا يَصْحُ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

حَنِثَ، وَكَذَا إِنْ أَحَالَهُ بِهِ، فَقَبِلَ وَانْصَرَفَ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ بَرَّ، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ فَارَقَهُ عَنْ كَفِيلٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، حَنِثَ، وَإِنْ وَجَدَهَا مُسْتَحِقُّهَا وَأَخَذَهَا، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ أَلَّا يُعْطِيَهُ شَيْئًا، فَوَفَّاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ بِلَا إِذْنِهِ، فَلَا حِنْثَ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى آخُذَ حَقِّي، فَفَرَّ الْغَرِيمُ، حَنِثَ الْحَالِفُ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ فَرَّ الْحَالِفُ، فَلَا، عَلَى الْأَشْهَرِ.
(وَإِنْ حَلَفَ: لَا افْتَرَقْنَا، فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ) لِأَنَّ يَمِينَهُ تَقْتَضِي أَلَّا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ حَصَلَتْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا أَخَذْتَ حَقَّكَ مِنِّي، فَأُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهِ حَنِثَ، وَإِنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ فِي حِجْرِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ بِمِثْلِ هَذَا مَالٌ وَلَا صَيْدٌ، وَيَحْنَثُ لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا أُعْطِيكَ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ عَطَاءً، إِذْ هُوَ تَمْكِينٌ وَتَسْلِيمٌ بِحَقٍّ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَأُجْرَةٍ وَزَكَاةٍ، وَإِنْ أَخَذَهُ حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ إِلَى الْغَرِيمِ وَأَخَذَهُ حَنِثَ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: لَا تَأْخُذُ حَقَّكَ عَلَيَّ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا، كَقَوْلِهِ: وَلَا أُعْطِيكَهُ.
(وَقُدِّرَ الْفِرَاقُ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا كَفُرْقَةِ الْبَيْعِ) لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَهُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ

[بَابُ النَّذْرِ]

[تَعْرِيفُ النذر وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ]

بَابُ النَّذْرِ يُقَالُ: نَذَرْتُ أَنْذُرُ ـ بِكَسْرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا ـ نَذْرًا، فَأَنَا نَاذِرٌ، أَيْ: أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا تَبَرُّعًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] ، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَيَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا

كَافِرًا، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَصِحُّ فِي مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، أَوْ صَوْمُ رَمَضَانَ، لَمْ يَنْعَقِدْ.

وَالنَّذْرُ

[المبدع في شرح المقنع]

يُسْتَحَبُّ، لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا، لَمَا مَدَحَ الْمُوفِينَ بِهِ، لَأَنَّ ذَمَّهُمْ مِنَ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَرُدُّ قَضَاءً، وَلَا يَمْلِكُ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا، وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَحَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْمَذْهَبُ مُبَاحٌ (وَهُوَ: أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى شَيْئًا) يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِلَّا مَعَ دَلَالَةِ حَالٍ، وَفِي الْمَذْهَبِ: بِشَرْطِ إِضَافَتِهِ، فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ) فَلَا يَنْعَقِدُ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، كَالْإِقْرَارِ وَكَالطِّفْلِ، (مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا) ذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَصِحُّ مِنْهُ، وَلَوْ بِعِبَادَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عُمَرَ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ.» وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ، وَالْمَخْزُومِيِّ، وَالْبُخَارِيِّ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ، وَحَمَلُوا خَبَرَ عُمَرَ عَلَى النَّدْبِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرَ عِبَادَةٍ، لِأَنَّ نَذْرَهُ لَهَا كَالْعِبَادَةِ لَا الْيَمِينِ (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِغَيْرِهِ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، (وَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ) كَالْيَمِينِ (وَلَا يَصِحُّ فِي مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، أَوْ صَوْمُ رَمَضَانَ، لَمْ يَنْعَقِدْ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ، كَصَوْمِ أَمْسِ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ، وَالْوَفَاءُ بِهِ أَشْبَهَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَمُوجِبُهُ مُوجِبُهَا، إِلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ قُرْبَةً، وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأُخْتِ عُقْبَةَ، لَمَّا نَذَرَتِ الْمَشْيَ، وَلَمْ تُطِقْهُ، فَقَالَ: «لِتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا، وَلْتَرْكَبْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ:

الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، فَتَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

الثَّانِي: نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ أَوِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، أَوْ عِتْقُ عَبْدِي، أَوِ الصَّدَقَةُ بِمَالِي، فَهَذَا يَمِينٌ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ.

الثَّالِثُ: نَذْرُ

[المبدع في شرح المقنع]

«وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» . قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ، وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ، فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِهِ، سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْوَاجِبِ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ، قَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ يَمِينٍ إِنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ، فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ.
فَرْعٌ: مَنْ نَذَرَ فِعْلَ وَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، مَعَ بَقَاءِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالْإِبَاحَةِ بِحَالِهِنَّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَاغٍ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.

[أَقْسَامُ النَّذْرِ]

[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ]

(وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ) وَلَا نِيَّةَ لَهُ، وَفَعَلَهُ (فَتَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ.

[الْقِسْمُ الثَّانِي نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ]

(الثَّانِي: نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَا) عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ (يُقْصَدُ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ، أَوِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، أَوْ عِتْقُ عَبْدِي، أَوِ الصَّدَقَةُ بِمَالِي فَهَذَا) إِنْ وُجِدَ شَرْطُهُ فَهُوَ (يَمِينٌ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ

الْمُبَاحِ، كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي، أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، فَهَذَا كَالْيَمِينِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا كَالطَّلَاقِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَهُ.

[المبدع في شرح المقنع]

كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فَيَتَخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ هَذَا جَمْعٌ لِلصِّفَتَيْنِ، فَيَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَنْهُ: يَتَعَيَّنُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِلْخَبَرِ، وَفِي الْوَاضِحِ: يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا قَالَ، نَقَلَ صَالِحٌ: إِذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ، أَوْ لَا أُقَلِّدُ مَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَوْكِيلٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ كَأَنْتِ طَالِقٌ بَتَّةً، قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنْ قَصَدَ لُزُومَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَزِمَهُ مُطْلَقًا عِنْدَ أَحْمَدَ، نَقَلَ الْجَمَاعَةُ فِيمَنْ حَلَفَ بِحَجَّةٍ: إِنْ أَرَادَ يَمِينًا كَفَّرَ يَمِينَهُ، وَإِنْ أَرَادَ نَذْرًا فَعَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ، فَفَعَلَهُ عُتِقَ، لِأَنَّ الْعِتْقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، أَشْبَهَ الطَّلَاقَ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ بِعْتُكَ ثَوْبِي فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَقَالَ: فَإِنِ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ.

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ نَذْرُ الْمُبَاحِ]

(الثَّالِثُ: نَذْرُ الْمُبَاحِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي، أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، فَهَذَا كَالْيَمِينِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ، وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ) لِمَا سَبَقَ، وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ.» وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بَرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَأَنْ يَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ، فَإِنْ وَفَى بِهِ أَجْزَأَهُ، «لِأَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، فَقَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ بِمَعْنَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ بَرَّ بِفِعْلِهِ، فَكَذَا إِذَا نَذَرَهُ، لَأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ.
(وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا كَالطَّلَاقِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ) لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ نَذْرِهِ (وَلَا يَفْعَلَهُ)

الرَّابِعُ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَيُكَفَّرُ، إِلَّا أَنْ يَنْذِرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَذَلِكَ.

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى، فَإِنْ فَعَلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ.

[الْقِسْمُ الرَّابِعُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ]

(الرَّابِعُ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ) وَفِيهِ وَجْهٌ، كَصَوْمِ يَوْمِ عِيدٍ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ (وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ.» (وَيُكَفِّرُ) فِي الثَّلَاثَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِمْرَانُ، وَسَمُرَةُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ كَفَّرَ فَهُوَ أَعْجَبُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: إِذَا نَذَرَ نَذْرًا يَجْمَعُ فِي يَمِينِهِ الْبِرَّ وَالْمَعْصِيَةَ، يُنَفِّذُ فِي الْبِرِّ، وَيُكَفِّرُ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَإِذَا نَذَرَ نُذُورًا كَثِيرَةً لَا يُطِيقُهَا، أَوْ مَا لَا يَمْلِكُ، فَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمِثْلُهُ نَذْرُ سِرَاجِ بِئْرٍ وَشَجَرَةٍ مُجَاوِرَةٍ عِنْدَهُ، قَالَ: مَنْ يُعَظِّمُ شَجَرَةً، أَوْ جَبَلًا، أَوْ مَغَارَةً، أَوْ مَقْبَرَةً، إِذَا نَذَرَ لَهُ، أَوْ لِسُكَّانِهِ، أَوْ لِلْمُضَافِينَ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ إِجْمَاعًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (إِلَّا أَنْ يَنْذُرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ) ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَلِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أَشْبَهَ نَذْرَ ذَبْحِ أَخِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلِأَنَّ مَا يُوجِبُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ أَوْجَبَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إِذَا عَلَّقَهُ عَلَى وَلَدِهِ

وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ، وَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ أَوِ الِاعْتِكَافَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

كَالْقَسَمِ، وَأَبُوهُ وَكُلُّ مَعْصُومٍ كَالْوَلَدِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ فِي الِانْتِصَارِ مَا لَمْ نَقِسْ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ الْعَمُّ وَالْأَخُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وِلَايَةً.
(وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ أَظْهَرُ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَبْشَ عِوَضًا عَنْ ذَبْحِ إِسْمَاعِيلَ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ، وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] ، وَنَذْرُ الْآدَمِيِّ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْإِلْزَامَ، كَالْأَمْرِ قَبْلَ إِمْكَانِهِ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَقِيلَ: كَهَدْيٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَلْزَمَانِهِ، وَعَنْهُ: إِنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُهُ فَعَلَيَّ كَذَا، أَوْ نَجَزَهُ وَقَصَدَ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِلَّا فَنَذْرُ مَعْصِيَةٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ، وَلَوْ نَذَرَ طَاعَةً حَالِفًا بِهَا أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِلَا خِلَافٍ عَنْ أَحْمَدَ، فَكَيْفَ لَا يُجْزِئُهُ إِذَا نَذَرَ مَعْصِيَةً حَالِفًا بِهَا؛ فَعَلَى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَلْزَمَانِ النَّاذِرَ، وَالْحَالِفُ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ بَنُوهُ ثَلَاثَةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَهُمْ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ كِبَاشٍ، أَوْ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ إِذَا أُضِيفَ اقْتَضَى الْعُمُومَ (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: نَذَرَتْ «أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَذَكَرَ الْآدَمِيُّ: نَذْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ لَغْوٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ لَغْوٌ، قَالَ: وَنَذْرُهُ لِشَيْخٍ مُعَيَّنٍ حَيٍّ لِلِاسْتِعَانَةِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَحَلِفِهِ بِغَيْرِهِ (وَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» . أَيْ: لَا نَذْرَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي انْعِقَادِهِ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، ثُمَّ أَكَّدَ الِاحْتِمَالَ بِقَوْلِهِ: (وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ أَوْ الِاعْتِكَافَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ) غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ (فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلْفٍ لَزِمَهُ جَمِيعُهَا، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُنُونِ: يُكْرَهُ إِشْعَالُ الْقُبُورِ وَتَبْخِيرُهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ نَذَرَ قِنْدِيلَ نَقْدٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَصْرِفُ لِجِيرَانِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قِيمَتَهُ، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْخَتْمَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ كَمَنْ وَقَفَهُ عَلَى مَسْجِدٍ لَا يَصِحُّ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فَيَكْسِرُ، وَهُوَ لِمَصْلَحَتِهِ، (وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِ كَعْبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي قِصَّةِ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ: «وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالْجَمِيعِ مَكْرُوهٌ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَيْسَ لَنَا فِي نَذْرِ الطَّاعَةَ مَا يُجْزِئُ بَعْضُهُ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِوُجُوبِهَا، وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، هَلْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ أَوِ الصَّامِتَ خَاصَّةً؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِمَّا يَمْلِكُهُ، أَجْزَأَهُ الثُّلُثُ، فَإِنْ نفذ هَذَا الْمَالُ وَأَنْشَأَ غَيْرَهُ فَقَضَى دَيْنَهُ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُ ثُلُثِهِ يَوْمَ حِنْثِهِ، وَفِي الْهَدْيِ: يَوْمَ نَذْرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يَوْمَ نَذْرِهِ، وَلَا يُسْقِطُ مِنْهُ قَدْرَ دَيْنِهِ (وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلْفٍ لَزِمَهُ جَمِيعُهَا) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّهُ مَنْذُورٌ وَهُوَ قُرْبَةٌ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَنْذُورَاتِ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ مَالُ نَذْرٍ لِلصَّدَقَةِ، فَأَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ لِجَمِيعِ الْمَالِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْمَالِ لِلْأَثَرِ فِيهِ، وَلِمَا فِي الصَّدَقَةِ بِالْمَالِ كُلِّهِ مِنَ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ

فَصْلٌ الْخَامِسُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ، كَنَذْرِ الصِّيَامِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ التَّقَرُّبِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ، فَقَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَ مَالِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَمَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ انْعَقَدَ نَذْرُهُ، وَلَزِمَهُ فِعْلُهُ.

وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ صَوْمُ رَمَضَانَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَنْذُورُ هَاهُنَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ، فَيَكُونَ كَنَذْرِ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: إِنْ زَادَ عَلَى ثُلُثِ الْكُلِّ أَجْزَأَهُ قَدْرُ الثُّلْثِ، صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَلْزَمُ الْمُسَمَّى رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ قَالَ: إِنْ مَلَكْتُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَهِيَ صَدَقَةٌ، إِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ أَرَادَ النَّذْرَ أَجْزَأَهُ الثُّلُثُ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ لَا رَدَدْتُ سَائِلًا، فَقِيَاسُ قَوْلِنَا: إِنَّهُ كَمَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ إِلَّا مَا يَحْتَاجُهُ، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ الزَّائِدِ، وَحَبَّةُ بُرٍّ لَيْسَتْ سُؤَالَ السَّائِلِ، وَالْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ، وَيُحْتَمَلُ خُرُوجُهُ مِنْ نَذْرِهِ بِحَبَّةِ بُرٍّ لِتَعْلِيقِ حُكْمِ الرِّبَا عَلَيْهَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ.

[الْقِسْمُ الْخَامِسُ نَذْرُ التَّبَرُّرِ]

فَصْلٌ (الْخَامِسُ: 1 نَذْرُ التَّبَرُّرِ) وَهُوَ التَّقَرُّبُ، يُقَالُ: تَبَرَّرَ تَبَرُّرًا، أَيْ: تَقَرَّبَ تَقَرُّبًا (كَنَذْرِ الصِّيَامِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ التَّقَرُّبِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَنَحْوِهِ (سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ) لِشُمُولِهِ لَهُمَا (فَقَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ سَلَّمَ مَالِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَمَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ انْعَقَدَ نَذْرُهُ، وَلَزِمَهُ فِعْلُهُ) أَقُولُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ، وَهُوَ نَذْرُ الْمُسْتَحَبِّ، يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا، مِنْهَا: مَا إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا، أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا، وَتَكُونُ الطَّاعَةُ الْمُلْتَزِمَةُ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، فَلِهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إِجْمَاعًا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، أَوْ فَعَلْتُ كَذَا لِدَلَالَةِ الْحَالِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي: إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَصُومُ كَذَا: هَذَا نَذْرٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَإِنِ ابْتَلَانِي اللَّهُ

وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمَيِ

[المبدع في شرح المقنع]

لَأَصْبِرَنَّ، وَلَإِنْ لَقِيتُ عَدُوَّ اللَّهِ لَأُجَاهِدَنَّ، نَذْرٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، كَقَوْلِ الْآخَرِ: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] ، وَمِنْهَا الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ كَذَا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِقَوْلِ أَبِي عَمْرٍو، غُلَامِ ثَعْلَبٍ: النَّذْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعْدٌ بِشَرْطٍ، لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ الْآدَمِيُّ بَعِوَضٍ يَلْزَمُهُ كَالْبَيْعِ، وَمَا الْتَزَمَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْهِبَةِ، وَمِنْهَا نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ، كَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ الْعَامَّةِ، لِقَوْلِهِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ.» وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ الَّذِينَ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَلِأَنَّهُ الْتِزَامٌ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَزِمَهُ لِمَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَكَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهَا وهي غير وَاجِبَة عِنْدَهُمْ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمُلْتَزَمَ نَذْرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، وَالْجِعَالَةُ وَعْدٌ بِشَرْطٍ، وَلَيْسَتْ بِنَذْرٍ.
مَسَائِلُ: إِذَا نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ الْحَجُّ عَنْهُمَا، وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ حَجَّةٌ أُخْرَى، أَصْلُهُمَا: إِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ، فَوَافَقَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَإِذَا نَذَرَ صِيَامًا، وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا، أَجْزَأَهُ صَوْمُ يَوْمٍ بِلَا خِلَافٍ، وَيَنْوِيهِ لَيْلًا، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَإِذَا نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي فَرْضٍ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ بِنَاءً عَلَى التَّنَفُّلِ بِهَا، فَدَلَّ أَنَّ فِي لُزُومِهَا قَائِمًا الْخِلَافُ.
وَإِنْ نَذَرَهَا قَائِمًا لَمْ تَجُزْ جَالِسًا، وَلَوْ عَكَسَ جَازَ، فَإِنْ صَلَّى جَالِسًا لِعَجْزٍ كَفَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، هِيَ بِمَوْضِعِ غَصْبٍ مَعَ الصِّحَّةِ، وَلَهُ الصَّلَاةُ قَائِمًا مِنْ نَذْرٍ جَالِسًا، وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، كَشَرْطِ تَفْرِيقِ صَوْمٍ، وَفِي النَّوَادِرِ: لَوْ نَذَرَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ، أَوْ أَطْلَقَ، لَمْ يَجِبْ، وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ إِنْ عَيَّنَ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَالْمَنْصُوصُ لَوْ حَلَفَ يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ، بِأَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَإِنْ سَلِمَ مَالِي لِأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا، فَوَجَدَ شَرْطَهُ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ، وَيَجُوزُ فِعْلُهُ قَبْلَهُ، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَالْفُنُونِ، لِوُجُودِ أَحَدِ سَبَبَيْهِ، وَمَنَعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ مَنَعَ كَوْنَهُ سَبَبًا

[إِذَا نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ]

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ) مُعَيَّنَةٍ (لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ صَوْمُ رَمَضَانَ وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الصَّوْمُ عَنِ النَّذْرِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ كَاللَّيْلِ (وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ) وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ صَوْمَهَا عَنِ الْفَرْضِ هَلْ هُوَ جَائِزٌ، أَمْ لَا؟ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ

الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ، أَفْطَرَ وَقَضَى وَكَفَّرَ، وَعَنْهُ: يُكَفِّرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ صَحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا، فَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) فَيَتَنَاوَلُهَا نَذْرُهُ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ صَوْمِهَا عَنِ الْفَرْضِ، وَيُكَفِّرُ فِي الْأَصَحِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَعَنْهُ: يَتَنَاوَلُ أَيَّامَ النَّهْيِ دُونَ أَيَّامِ رَمَضَانَ، فَإِنْ وَجَبَ فَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَمَا أَفْطَرَهُ بِلَا عُذْرٍ قَضَاهُ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قَالَ: سَنَةً، وَأَطْلَقَ، فَيَصُومُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ وَأَيَّامِ النَّهْيِ، وَيَقْضِيهِمَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي الْأَقْيَسِ، وَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي رِوَايَةٍ، وَعَيَّنَ أَوَّلَهُمَا، فَفِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ، وَمَعَ جَوَازِ التَّفَرُّقِ تُكْمَلُ أَيَّامُهَا، وَقِيلَ: بَلَى عِدَّةَ الشُّهُورِ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَصُومُ مَعَ التَّفْرِيقِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ صَامَهَا مُتَتَابِعَةً فَهِيَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ تَمَامٍ، وَإِنْ قَالَ سَنَةً مِنَ الْآنِ فَكَمُعَيَّنَةٍ، وَقِيلَ: كَمُطْلَقَةٍ فِي لُزُومِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لِلنَّذْرِ (وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسَ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ، أَفْطَرَ) لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَهُ، (وَقَضَى) لِأَنَّهُ فَاتَهُ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ، (وَكَفَّرَ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ، وَكَمَا لَوْ فَاتَهُ لَمَرَضٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنَّ مَنِ ابْتَدَأَ بِصَوْمِ كُلِّ اثْنَيْنٍ وَخَمِيسٍ لَزِمَهُ، فَإِنْ صَادَفَ مَرَضًا أَوْ حَيْضًا غَيْرَ مُعْتَادٍ قَضَى، وَقِيلَ: وَكَفَّرَ، كَمَا لَوْ صَادَفَ عِيدًا، وَعَنْهُ: تَكْفِي الْكَفَّارَةُ عَنْهُمَا، وَقِيلَ: لا قَضَاء، وَلَا كَفَّارَةَ مَعَ حَيْضٍ وَعِيدٍ، (وَعَنْهُ: يُكَفِّرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ) كَمَا لَوْ نَذَرَتِ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا (وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ صَحَّ صَوْمُهُ) لِأَنَّهُ وَفَّى بِنَذْرِهِ (وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهَا عَنِ الْفَرْضِ، لِأَنَّ النَّذْرَ إِذَا صَادَفَ زَمَنًا قَابِلًا لِلصَّوْمِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَفِي الْمُغْنِي رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: أَنَّهُ يَقْضِي، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ) صَحَّ نَذْرُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ لِصَوْمِهِ كَمَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، وَقَالَ: لِلَّهِ

عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا إِتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَفْطَرَ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَوَاءٌ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ، وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمِي، وَلَا نُسَلِّمُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ قُدُومَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَنَوَى صَوْمَهُ، وَكَانَ صَوْمًا يَجُوزُ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ أَجْزَأَهُ (فَقَدِمَ لَيْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ، فَلَمْ يَجِبْ نَذْرُهُ، وَلَا يَلْزَمْهُ أَنْ يَصُومَ صَبِيحَتَهُ، وَفِي الْمُنْتَخَبِ: يُسْتَحَبُّ (وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا) وَهُوَ مُفْطِرٌ، فَالْمَذْهَبُ يَقْضِي، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ كَقُدُومِهِ لَيْلًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (فَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ صَوْمُهُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا إِتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَفْطَرَ) كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ بَقِيَّةَ يَوْمِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا عَلَى عَدَمِ الِانْعِقَادِ، لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَوَاءٌ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ) لِأَنَّهُ أَفَطَرَ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَلَمْ يَصُمْهُ، (أَوْ صَائِمٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنْ قَدِمَ وَلَمْ يُفْطِرْ، فَنَوَى، أَجْزَأَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ الصَّوْمُ مِنْ قُدُومِهِ، وَعَلَى الْقَضَاءِ يُكَفِّرُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: لَا، كَالْأُخْرَى، وَإِنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ أَكَلَ فِيهِ قَضَى فِي وَجْهٍ، وَفِي الِانْتِصَارِ: وَيُكَفِّرُ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ) لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمَهُ، وَقَدْ وَفَى بِهِ، وَكَوْنُهُ يُجْزِئُهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ النَّذْرَ صَحِيحٌ مُنْعَقِدٌ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ النَّذْرَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، لِأَنَّ نَذْرَهُ وَافَقَ زَمَنًا يَسْتَحِقُّ صِيَامُهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا (وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ عَنْ نَذْرِهِ (وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ.
إِحْدَاهُمَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ أَشْهَرُ، لِتَأَخُّرِ النَّذْرِ عَنْ زَمَنِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَّرَ صَوْمَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِمَا يَأْتِي، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُكَفِّرُ إِنْ لَمْ يَصُمْهُ، وَعَنْهُ: يَكْفِيهِ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ، وَفِي نِيَّةِ

وَلَا كَفَّارَةَ.

وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

نَذْرِهِ وَجْهَانِ، وَفِي الْفُصُولِ: لَا يَلْزَمُهُ صَوْمُ آخَرَ، لِأَنَّ صَوْمَهُ أَغْنَى عَنْهُمَا، بَلْ لِتَعَذُّرِهِ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَيْضًا: إِذَا نَوَى صَوْمَهُ عَنْهُمَا، فَقِيلَ: لَغْوٌ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ (وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ وَقْتِ النَّذْرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَهُ.
وَبَقِيَ هُنَا مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا قَدِمَ يَوْمَ عِيدٍ، فَعَنْهُ: لَا يَصُومُهُ وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ: يَقْضِي فَقَطْ كَالْمُكْرَهِ، وَعَنْهُ: إِنْ صَامَهُ صَحَّ، كَمَا لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً وَفَعَلَهَا، وَقِيلَ: يُكَفِّرُ من غير قَضَاء، كَمَا لَوْ نَذَرَتِ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا وَافَقَ يَوْمَ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، فَكَمَا لَوْ وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَصُومُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَعَلَى هَذَا تَقْضِي وَتُكَفِّرُ عَلَى الْأَشْهَرِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا قَدِمَ وَهُوَ صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ، فَعَنْهُ: يَكْفِيهِ لَهُمَا، وَالْأَصَحُّ يُتِمُّهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ، بَلْ يَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ، كَصَوْمِهِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَدِمَ وَهُوَ صَائِمٌ تَطَوُّعًا، فَعَنْهُ: يُتِمُّهُ وَيَعْتَقِدُهُ عَنْ نَذْرِهِ، وَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي بَعْضِهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إِتْمَامَ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، كَمَا لَوْ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ.
خَاتِمَةٌ: نَذْرُ اعْتِكَافِهِ كَصَوْمِهِ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالْفُصُولِ وَالتَّرْغِيبِ: يَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ لِصِحَّتِهِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ، إِلَّا إِذَا اشْتَرَطَ الصَّوْمَ، فَكَنَذْرِ صَوْمِهِ، وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَهُ بَعْضَ يَوْمٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ.

[إِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ]

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ مُعَيَّنٌ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ (وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِتَأَخُّرِ النَّذْرِ عَنْ وَقْتِهِ، لِأَنَّهُ يَمِينٌ (وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: يُكَفِّرُ، قَدَّمَهَا فِي

لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَيُكَفِّرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتِمَّ بَاقِيَهُ، وَيَقْضِيَ وَيُكَفِّرَ.

وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ عَنْ وَقْتِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، كَتَأْخِيرِ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ (وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) وَكَذَا الْحَجُّ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إِذَا كَانَ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ، لَكِنْ إِذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، فَتَصَدَّقَ قَبْلَهُ، أَجْزَأَهُ وِفَاقًا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى زَمَنٍ أَفْضَلَ، وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الدَّهْرَ، أَوْ صَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَلَهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ كَالْمَكَانِ، قَالَ: وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ لِمَنْ نَذَرَ الْحَجَّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَنْ يَتَمَتَّعَ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ (وَإِنْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ) لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ التَّتَابُعَ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُ مُتَتَابِعًا مُتَّصِلًا بِإِتْمَامِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّوْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ، أَنَّ تَتَابُعَ رَمَضَانَ بِالشَّرْعِ، وَتَتَابُعَ النَّذْرِ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَرَّقهَا، (وَيُكَفِّرُ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ لِفَوَاتِ زَمَنِ النَّذْرِ، وَقِيلَ: لَا يُكَفِّرُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ التَّتَابُعَ، لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ لَا النَّذْرِ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ كَشَهْرِ رَمَضَانَ، فَعَلَى هَذَا يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ، وَيَقْضِي أَيَّامَ فِطْرِهِ بَعْدَ إِتْمَامِ صَوْمِهِ، وَهَذَا أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا الاحتمال رِوَايَةٌ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ (أَنْ يُتِمَّ بَاقِيَهُ) لِأَنَّ التَّتَابُعَ فِيمَا نَذَرَهُ وَجَبَ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ، لَا مِنْ حَيْثُ الشَّرْطِ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ كَصَوْمِ رَمَضَانَ (وَيَقْضِي) كَمَا لَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ (وَيُكَفِّرُ) لِفَوَاتِ زَمَنِ النَّذْرِ.
فَرْعٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْنِي وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ،

مَعْدُودَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ، وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَفِي وَصْلِ الْقَضَاءِ وَتَتَابُعِهِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفُ مُتَتَابِعًا، أَوْ يَبْنِي وَيُكَفِّرُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ َلَمْ يُكَفِّرْ، وَإِنْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي رَمَضَانَ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.

[حُكْمُ نَذْرِ الصَّوْمِ]

(وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ) خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ، وَكَمَنَ نَوَاهُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا نِيَّةٌ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ قَطَعَهُ بِلَا عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ، وَبِعُذْرٍ يُخَيَّرُ بَيْنَهُ بِلَا كَفَّارَةٍ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ، وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ وَيُكَفِّرُ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ) وَلَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا (لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْأَيَّامَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى التَّتَابُعِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ، وَعَنْهُ فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَصُومُهَا مُتَتَابِعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ نَوَى التَّتَابُعَ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) فَيَلْزَمُهُ لِلْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا هَلْ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيمَا دُونَ الثَلَاثِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، صَحَّحَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي الْعَشَرَةِ دُونَ الثَلَاثِينَ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ شَرَطَ تَفْرِيقَهَا لَزِمَهُ فِي الْأَقْيَسِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَالْأَيَّامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، فَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ لَمْ يَقْضِهِ وَيُكَفِّرُ، وَإِنْ لَزِمَهُ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةٌ قَدَّمَهُ عَلَى النَّذْرِ، وَإِذَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَكَانَتْ كَفَّارَتُهُ الصِّيَامُ احْتُمِلَ أَنْ لَا تَجِبَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ تَجِبَ، وَلَا تَجِبُ بِفِعْلِهَا كَفَّارَةٌ، (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا) غَيْرَ مُعَيَّنٍ (فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ قَضَى لَا غَيْرَ) كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، وَالْمَرَضُ وَالْحَيْضُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، فَلَمْ يَجِبْ الِاسْتِئْنَافُ لِبَقَاءِ التَّتَابُعِ حُكْمًا، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ مُتَتَابِعًا بِلَا كَفَّارَةٍ، وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَقَضَاءِ

حَيْضٍ، قَضَى لَا غَيْرَ، وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ، وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ، أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ، لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

وَإِنْ نَذَرَ

[المبدع في شرح المقنع]

مَا تَرَكَ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْبِنَاءِ فَهَلْ يُتِمُّ ثَلَاثِينَ، أَوِ الْأَيَّامَ الْفَائِتَةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي التَّكْفِيرِ وَجْهٌ كَشَهْرَيِ الْكَفَّارَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) وِفَاقًا ضَرُورَةَ الْوَفَاءِ بِالتَّتَابُعِ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ، أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَيْ: إِذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ، كَالسَّفَرِ، فَقِيلَ: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ، كَالْمَرَضِ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِاخْتِيَارِهِ كَالْفِطْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ، وَالسِّفْرِ الْمُبِيحِ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ السَّفَرِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَقْطَعَ السَّفَرُ التَّتَابُعَ، لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ، لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَسَبَبُ الْإِطْعَامِ الْعَجْزُ عَنْ وَاجِبِ الصَّوْمِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا، فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا الْإِطْعَامُ فَقَطْ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) هَذَا رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهَا فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ أَنَّها أَقْيَسُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَسَائِرِ النُّذُورِ، وَقِيَاسُ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى، لِأَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَفِي النَّوَادِرِ احْتِمَالٌ يُصَامُ عَنْهُ، وَسَبَقَ فِعْلُ الْوَلِيِّ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا إِنْ نَذَرَهُ عَاجِزًا عَنْهُ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمُرَادُهُمْ غَيْرُ الْحَجِّ، وَإِلَّا فَلَوْ نَذَرَ مَعْضُوبٌ أَوْ صَحِيحٌ أَلْفَ حَجَّةٍ لَزِمَهُ، وَيُحَجُّ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ لَا يُطِيقُهُ وَلَا

جارٍ التحميل