المبدع في شرح المقنعصفحات 350-389

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 350-389

الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ إِلَى شَيْءٍ فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ، وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ، أَوِ افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ، وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَعَنْهُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ: أَنَّ عَمْدَهُ فِي مَالِهِ.

بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً خَطَأً أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَاهُ، أَوْ شَارَكَ فِيهَا، أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ حَالَةُ الْوُجُوبِ، سَوَاءٌ كَانَ قَتْلًا مُوجَبًا، أَوْ عَنْ سِرَايَةِ جُرْحٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ إِلَى شَيْءٍ فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ) لِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ، وَهُوَ ذِمِّيٌّ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ انْدَمَلَتْ وَجَبَ نِصْفُ دِيَةِ ذِمِّيٍّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ فِي الْقَتْلِ الْمُوحِي وَالْجُرْحِ الَّذِي لَمْ يَسْرِ عَنْ مَحَلِّهِ مِنْ حِينِ الْجِنَايَةِ، وَقِيلَ: فِي الْكُلِّ عند التَّرَافُعِ إِلَى الْحَاكِمِ (وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَوِ افْتَقَرَ) قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ (سَقَطَ مَا عَلَيْهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، أَشْبَهَ الزَّكَاةَ، (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ لَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ فِي حَيَاتِهِ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ لِحَوَلَانِ الْحَوْلِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَالزَّكَاةِ (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا كَمَالُ الْقَصْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَخَطَأِ الْبَالِغِ (تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَحَمَلَتْهُ غَيْرُهُ (وَعَنْهُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ: أَنَّ عَمْدَهُ فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ عَمْدٌ يَجُوزُ تَأْدِيبُهُ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُمَيِّزُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيُّ: تَجِبُ مُغَلَّظَةً، وَفِي الْوَاضِحِ رِوَايَةٌ: فِي مَالِهِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا أَصَابَ الصَّبِيُّ مِنْ شَيْءٍ فَعَلَى الْأَبِ إِلَى قَدْرِ ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذَا جَاوَزَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، فَهَذَا رِوَايَةٌ لَا تَحْمِلُ الثُّلْثَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ.

[بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ]

[كَفَّارَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ]

بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الْكَفَّارَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَهُوَ: السَّتْرُ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي الذَّنْبِ وَتَسْتُرُهُ، وَالْأَصْلُ فِيهَا

امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، مُسْلِمًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ: كَبِيرًا عَاقِلًا، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، حُرًّا

[المبدع في شرح المقنع]

الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فَذَكَرَ فِي الْآيَةِ ثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَطَأً، الثَّانِي: يُقْتَلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إِيمَانُهُ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ، الثَّالِثُ: يُقْتَلُ الْمُعَاهَدُ، وَهُوَ: الذِّمِّيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالْقَتْلِ فِي الْجُمْلَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً خَطَأً لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، سَوَاءٌ قَتَلَهَا بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ بِسَبَبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ (أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَاهُ) لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرَاهُ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَاهُ فِي الْكَفَّارَةِ (أَوْ شَارَكَ فِيهَا) أَيْ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةٌ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ كَالْقِصَاصِ (أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً، أَشْبَهَ قَتْلَ الْآدَمِيِّ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَفِي الْإِرْشَادِ: إِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَلْقَتْ جَنِينَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَقِيلَ: كَفَّارَةٌ، وَقِيلَ: تَتَعَدَّدُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَخْرُجُ مِثْلُهُ فِي جَنِينٍ وَأُمِّهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِلْقَاءِ جَنِينٍ كَامِلٍ، لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَانَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمَوْلُودِ، وَقِيلَ: تَجِبُ وَلَوْ بِإِلْقَاءِ مُضْغَةٍ لَمْ تَتَصَوَّرْ (مُسْلِمًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ كَافِرًا) لِأَنَّ الْكَافِرَ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ ظُلْمًا، فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ كَالْمُسْلِمِ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] وَلِأَنَّهُ يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ فِي الْجُمْلَةِ، فَوَجَبَ بِقَتْلِهِ الْكَفَّارَةُ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ (وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ: كَبِيرًا عَاقِلًا، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، حُرًّا، أَوْ عَبْدًا) مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا، لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِمْ كَالدِّيَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ، وَهَذِهِ مَالِيَّةٌ أَشْبَهَتْ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ، وَلَا قَوْلَ لَهُمَا، وَهَذِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، وَفِعْلُهُمَا مُتَحَقِّقٌ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ، بِدَلِيلِ إِحْبَالِهِمَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَكُونُ عُقُوبَةً لَهُ

أَوْ عَبْدًا.
وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ، وَعَنْهُ: عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ.
فَأَمَّا الْقَتْلُ الْمُبَاحُ كَالْقِصَاصِ، وَالْحَدِّ، وَقَتْلِ الْبَاغِي، وَالصَّائِلِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.

فَصْلٌ وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَالْأُخْرَى: فِيهِ الْكَفَّارَةُ.

[المبدع في شرح المقنع]

كَالْحُدُودِ، وَعَنْهُ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، نَقَلَهَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَجِبُ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ كَالصَّوْمِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ (وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ) لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ (وَعَنْهُ: عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] الْآيَةَ، وَ " مَنْ " تَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَتَعَدَّدُ، فَكَذَا الْكَفَّارَةُ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ فَلَمْ تَتَعَدَّدْ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ مَعَ اتِّحَادِ الْمَقْتُولِ كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ (فَأَمَّا الْقَتْلُ الْمُبَاحُ كَالْقِصَاصِ، وَالْحَدِّ، وَقَتْلِ الْبَاغِي، وَالصَّائِلِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ قَتْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْخَطَأُ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا إِبَاحَةٍ، لِأَنَّهُ كَقَتْلِ الْمَجْنُونِ، لَكِنَّ النَّفْسَ الذَّاهِبَةَ بِهِ مَعْصُومَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ فِيهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: الْخَطَأُ مُحَرَّمٌ وَلَا إِثْمَ فِيهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ مَا أَثِمَ فَاعِلُهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ، " وَإِلَّا " فِي مَوْضِعِ " لَكِنْ "، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ لَا، أَيْ: وَلَا خَطَأَ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ النَّهْيُ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.

[قَتْلُ الْعَمْدِ هَلْ فِيهِ كَفَّارَةٌ]

فَصْلٌ لَا تَلْزَمُ قَاتِلًا حَرْبِيًّا، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ، وَلَا قَاتِلًا نِسَاءَ حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ.
وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ وَلَا أَمَانَ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ قَتْلِهِمْ لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ بِصَيْرُورَتِهِمْ أَرِقَّاءَ (وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ) وَشِبْهُ الْعَمْدِ (رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَالْأُخْرَى: فِيهِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

الْكَفَّارَةُ) أَمَّا الْعَمْدُ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ بِالتَّكْفِيرِ احْتَاجَ دَلِيلًا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ نَسْخُ الْقُرْآنِ، زَادَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَابَ أَوْ كَفَّرَ قَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَجِبُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ الْقَتْلَ، فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً، يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
وَلِأَنَّهَا إِذَا وَجَبَتْ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ فَلَأَنْ تَجِبَ فِي الْعَمْدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْأُولَى أَصَحُّ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: ذَكَرَ قَتْلَ الْخَطَأِ وَأَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ الْعَمْدِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ كَفَّارَةٍ فِيهِ، مَعَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ الصَّامِتِ قَتَلَ رَجُلًا فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَوَدَ وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ خَطَأً، وَسَمَّاهُ مُوجِبًا لِأَنَّهُ فَوَّتَ النَّفْسَ بِالْقَتْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ تَبَرُّعًا، وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَجِبُ بِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي الْمُغْنِي: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا أَعْلَمُ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا، لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرَى

بَابُ الْقَسَامَةِ وَهِيَ الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ.

وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا:

[المبدع في شرح المقنع]

الْخَطَأِ فِي نَفْسِ الْقِصَاصِ، وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ دِيَتَهُ وَتَأْجِيلِهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَجَرَى مَجْرَاهُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ، وَبَعَّدَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِأَنَّ دِيَتَهُ مُغَلَّظَةٌ.
تَذْنِيبٌ: مَنْ لَزِمَتْهُ فَفِي مَالِهِ، وَقِيلَ: مَا حَمَلَهُ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ خَطَأِ إِمَامٍ وَحَاكِمٍ فَفِيهِ، وَيُكَفِّرُ عَنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلِيُّهُ، نَقَلَ مُهَنَّا: الْقَتْلُ لَهُ كَفَّارَةٌ وَكَذَا الزِّنَا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَيْسَ بَعْدَ الْقَتْلِ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا.

[بَابُ الْقَسَامَةِ]

[تَعْرِيفُ القسامة وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا]

بَابُ الْقَسَامَةِ الْقَسَامَةُ اسْمٌ لِلْقَسَمِ، أُقِيمَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ مِنْ: أَقْسَمَ إِقْسَامًا وَقَسَامَةً، هِيَ الْحَلِفُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُقْسِمُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ صَاحِبَهُمْ، سُمُّوا قَسَامَةً بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَعَدْلٍ وَرِضًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَيْمَانُ إِذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ (وَهِيَ الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ) أَيْ: فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ بِهِ، فَجَاءَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فَقَالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ، فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا، قَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، قَالَ: فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَنْصَارِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فِي الْمَعَارِفِ

دَعْوَى الْقَتْلِ، ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ.

الثَّانِي: اللَّوْثُ، وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ، كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،

[المبدع في شرح المقنع]

أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ.

[شُرُوطُ ثُبُوتِ الْقَسَامَةِ]

[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ دَعْوَى الْقَتْلِ]

(وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: دَعْوَى الْقَتْلِ) عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ لَا يَثْبُتُ لِشَخْصٍ إِلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ، وَالْقَتْلُ مِنَ الْحُقُوقِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا قَسَامَةَ فِي خَطَأٍ (ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِيهَا، فَشُرِعَتِ الْقَسَامَةُ فِيهَا كَذَلِكَ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا) وَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَالذِّمِّيَّ يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي الْمُمَاثِلِ لَهُ، فَأَوْجَبَ الْقَسَامَةَ فِي ذَلِكَ كَالْحُرِّ وَالْمُسْلِمِ، أَمَّا الْمَقْتُولُ إِذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا فَلَا خِلَافَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، لِقَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ.
وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمَكَاتَبُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَالْقِنِّ، وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ قَوْلًا، لِأَنَّ الْقَسَامَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، وَكَقَتْلِ الْبَهِيمَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ وَكَلَامِ الْأَكْثَرِ تُشْرَعُ، لِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فَشُرِعَتِ الْقَسَامَةُ فِيهِ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ (وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّ الْقَسَامَةَ ثَبَتَتْ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا، فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ وَكَالْأَطْرَافِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالدَّعْوَى فِيهِ كَالدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً، لِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ، كَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ.

[الشَّرْطُ الثَّانِي اللَّوْثُ]

(الثَّانِي: اللَّوْثُ، وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ وَلَوْ مَعَ سَيِّدِ عَبْدٍ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَصَبَةُ مَقْتُولٍ (كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ فِي ظَاهِرِ

وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى بِهِ، كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ، وَوُجُودِ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، فَلَيْسَ بِلَوْثٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَذْهَبِ) وَكَمَا بَيْنَ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ، وَبَيْنَ الشُّرْطَةِ وَاللُّصُوصِ عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ لَا تُشْرَعَ الْقَسَامَةُ، تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِي الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ، وَنَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: أَوْ عَصَبِيَّةٌ لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَلَّا يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ القتل غير الْعَدُوُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْأَلِ الْأَنْصَارَ: هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهَا لِأَخْذِ غِلَالِ أَمْلَاكِهِمْ، وَشَرَطَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ قُتِلَ فِي خَيْبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا إِلَّا الْيَهُودُ، وَهُمْ أَعْدَاءٌ، ثُمَّ نَاقَضَ قَوْلَهُ بِأَنْ قَالَ: فِي قَوْمٍ ازْدَحَمُوا فِي مَضِيقٍ وَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَتَلَهُ فَهُوَ لَوْثٌ، فَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ لَوْثًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِ الْعَدُوِّ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى بِهِ كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ، وَوُجُودُ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) وَيُعْتَبَرُ مَجِيئُهُمْ مُتَفَرِّقِينَ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وابن رزين وَالشيخ تَقِيِّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي، أَشْبَهَتِ الْعَدَاوَةَ، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَوْثٍ لِقَوْلِهِ فِي الَّذِي قُتِلَ فِي الزِّحَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ فِيمَنْ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: يُنْظَرُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي حَيَاتِهِ عَدَاوَةٌ، لِأَنَّ اللَّوْثَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعَدَاوَةِ، لِقَضِيَّةِ الْأَنْصَارِيِّ، وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِالْمَظِنَّةِ وَلَا يُقَاسُ فِي الْمَظَانِّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِتَعَدِّي سَبَبِهِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْمَظَانِّ جَمْعٌ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ وَغَلَبَةِ الظُّنُونِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ لَمْ تَثْبُتِ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَوْثًا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الْقَتِيلَ قَتَلَهُ أَحَدُ هَذَيْنِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا قَتَلَهُ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِكِّينٍ

مالك والليث وَمَتَى ادَّعَى الْقَتْلَ مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْكَمُ لَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

لَمْ تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَوْثًا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِقَتْلِهِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِقَتْلِهِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَتْلُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ هُنَا، وَفِيمَا إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَالْآخَرُ بِسِكِّينٍ، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَتْلِ، وَاخْتَلَفَا فِي صِيغَتِهِ (فَأَمَّا قَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، فَلَيْسَ بِلَوْثٍ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمُ» الْخَبَرَ.
وَكَالْوَلِيِّ، وَقَالَ: مالك والليث هُوَ لَوْثٌ، لِأَنَّ قَتِيلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: فُلَانٌ قَتَلَنِي فَكَانَ حُجَّةً، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُعْجِزَاتِ نَبِيِّهِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ثُمَّ ذَاكَ فِي تَبْرِئَةِ الْمُتَّهَمِينَ فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيَتُهُ إِلَى تُهْمَةِ الْبَرِيئِينَ، لَكِنْ نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَذْهَبُ إِلَى الْقَسَامَةِ إِذَا كَانَ ثَمَّ لَطْخٌ، إِذَا كَانَ سَبَبٌ بَيِّنٌ، إِذَا كَانَ ثَمَّ عَدَاوَةٌ، إِذَا كَانَ مِثْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَا لَوْثٌ فَهِيَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا، وَإِلَّا قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَخْتَارَ مِنَ الْمَوْضِعِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ، فَإِنْ نَقَصُوا عَنِ الْخَمْسِينَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَتِمَّ، فَإِنْ حَلَفُوا وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى بَانِي الْخُطَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، وَجَبَتْ عَلَى سُكَّانِ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا حُبِسُوا حَتَّى يُقِرُّوا أَوْ يَحْلِفُوا، لِأَثَرٍ عَنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: سَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ بِخَيْبَرَ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِالْقَتِيلِ أَثَرٌ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْأَلِ الْأَنْصَارَ

بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ خَطَأً حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً.

الثَّالِثُ: اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الدَّعْوَى، فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ، لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ، وَلَا مَدْخَلَ

[المبدع في شرح المقنع]

هَلْ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ يَحْصُلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ كَغَمِّ الْوَجْهِ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ احْتُمِلَ أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، فَعَلَى هَذِهِ إِنْ خَرَجَ دَمٌ مِنْ أُذُنِهِ فَهُوَ لَوْثٌ، وَكَذَا إِنْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ فِي وَجْهٍ، وَقِيلَ: أَوْ شَفَتِهِ، وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ (وَمَتَى ادَّعَى الْقَتْلَ مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْكَمُ لَهُ بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا) هَذَا رِوَايَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَهِيَ أَشْهَرُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الدَّعْوَى خَطَأً أَوْ عَمْدًا، لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ، أَشْبَهَ الْحُدُودَ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْقَسَامَةِ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا الْقَتْلُ أَوِ الدِّيَةُ وَوُجُودُ اللَّوْثِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (وَعَنْ أَحْمَدَ: يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَكَدَعْوَى الْمَالِ (وَهِيَ الْأَوْلَى) وَالْأَصَحُّ، فَعَلَى هَذِهِ: إِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَظَاهِرٌ، وَإِنِ امْتَنَعَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِقَوَدٍ، بَلْ بِدِيَةٍ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ وَيُخْلَى سَبِيلُهُ، وَعَنْهُ: يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ دَعْوَى فِي قَتْلٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ لَوْثٌ (وَإِنْ كَانَ خَطَأً حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً) لِأَنَّ النُّكُولَ هُنَا يُقْضَى بِهِ، لِأَنَّ مُوجِبَهُ مَالٌ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ.

[الشَّرْطُ الثَّالِثُ اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الدَّعْوَى]

(الثَّالِثُ: اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الدَّعْوَى) لِأَنَّهَا دَعْوَى قَتْلٍ فَاشْتُرِطَ اتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ فِيهَا كَالْقِصَاصِ (فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ) بِأَنْ قَالَ: قَتَلَهُ هَذَا، أَوْ قَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا، أَوْ قَالَ: بَلْ قَتَلَهُ هَذَا الْآخَرُ (لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ)

لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فِي الْقَسَامَةِ، عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَهَلْ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ

[المبدع في شرح المقنع]

نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُكَذِّبُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْرِئَةِ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ بِقَتْلٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَيَا دَيْنًا لَهُمَا.

[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ]

(الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» . وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ، فَاعْتُبِرَ كَوْنُهَا مِنْ رِجَالٍ عُقَلَاءَ كَالشَّهَادَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُرْتَدُّ وَقْتَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ الْحُرِّ، لِعَدَمِ إِرْثِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ، بَلْ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ) فِي الْقَسَامَةِ أَيْ: لَمْ يُسْتَحْلَفْنَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُدَّعَاةَ الَّتِي تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهَا هِيَ الْقَتْلُ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي إِثْبَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تُقْسِمُ فِي الْخَطَأِ فَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الذُّرِّيَّةِ نِسَاءً فَاحْتِمَالَانِ، وَفِي الْخُنْثَى وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُقْسِمُ، لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنَ الدِّيَةِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَانِعُ مِنْ يَمِينِهِ، وَالثَّانِي: لَا يُقْسِمُ، كَالْمَرْأَةِ (وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فِي الْقَسَامَةِ) لِأَنَّ قَوْلَهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ أَقَرَّا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَمْ يُقْبَلْ، فَكَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً) لِأَنَّ الْخَطَأَ أَحَدُ الْقَتْلَيْنِ أَشْبَهَ الْآخَرَ، لَا يُقَالُ: الْخَطَأُ يُثْبِتُ الْمَالَ وَلِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِيهِ، لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِثُبُوتِ الْقَتْلِ، وَمِثْلُهُ لَا يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا لِيَرِثَهَا، وَأَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ (فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ (أَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) أَوْ نَاكِلٌ عَنِ الْيَمِينِ، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ (فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حَقٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَقِيَامُ الْمَانِعِ بِصَاحِبِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حَلِفِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ نَصِيبَهُ كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا (وَهَلْ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ خَمْسًا

أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَلَهُ بَقِيمتُهَا، وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَلَّا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يَحْلِفَ الْآخَرُ وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَمْدًا تُوجِبُ الْقِصَاصَ إِذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ، وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعِشْرِينَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ: أَحَدُهُمَا يَحْلِفُ خَمْسِينَ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ، وَالْبَيِّنَةُ هُنَا هِيَ الْأَيْمَانُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدَهُمَا دَيْنًا لِأَبِيهِمَا.
الثَّانِي: يَحْلِفُ بِقِسْطِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَهُوَ أَشْهَرُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ، فَكَذَا مَعَ الْمَانِعِ، لَكِنْ لَا قَسَامَةَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَهِيَ الْأَيْمَانُ هُنَا، وَلِأَنَّ الْحَقَّ إِنْ كَانَ قِصَاصًا فَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ، وَغَيْرُهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ ثُبُوتِ الْقَتْلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْمَالِ فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُقْسِمُ بِقِسْطِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ قِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ (وَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ) وَجْهًا وَاحِدًا (وَلَهُ بَقِيَّتُهَا) لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ صَاحِبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: يَحْلِفُ خَمْسِينَ كَصَاحِبِهِ، فَكَذَا هُوَ، فَلَوْ قَدِمَ ثَالِثٌ أَوْ بَلَغَ فَعَلَى قَوْلِهِمَا يَحْلِفُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسِينَ، وَإِذَا قَدِمَ رَابِعٌ، فَهَلْ يَحْلِفُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا، أَوْ خَمْسِينَ؟ فِيهِ الْخِلَافُ (وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَلَّا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يَحْلِفَ الْآخَرُ لِأَنَّ) ذَلِكَ مُوجِبُ أَيْمَانِهِ (وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَمْدًا) لِأَنَّ اللَّوْثَ مِنْ شُرُوطِهَا وِفَاقًا، وَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الْعَمْدِ، لِأَنَّ الْخَطَأَ يَصْدُرُ عنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَدُوُّ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الْخَطَأُ فِي الْمَعْنَى كَالْعَمْدِ الَّذِي لَا لَوْثَ فِيهِ وَلَا قَسَامَةَ (تُوجِبُ الْقِصَاصَ إِذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ

بِشَرْطٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا، لَمْ يُقْسِمُوا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ.

فَصْلٌ وَيَبْدَأُ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْقِصَاصُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً لَهُ كَدَعْوَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ لَمْ يُوجَدِ الْغَرَضُ (وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ مِنْ قَتْلِ الْوَاحِدِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مَا عَدَاهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاتِلِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا لِتَصِحَّ الدَّعْوَى، وَإِمْكَانُ الْقَتْلِ وَصِفَةُ الْقَتْلِ، فَلَوِ اسْتَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِعَدَمِ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى وَطَلَبِ الْوَرَثَةِ (وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ (لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا لَمْ يُقْسِمُوا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ) لِخَبَرِ سَهْلٍ (وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ) لِأَنَّهَا حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْعَمْدُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ، فَيَثْبُتُ بِهَا غَيْرُهُ وَهُوَ الْمَالُ كَالْبَيِّنَةِ.

[أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ يَبْدَؤُهَا الْمُدَّعُونَ]

فَصْلٌ (وَيُبْدَأُ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ) أَيْ: ذُكُورِ الْعَصَبَةِ الْعُدُولِ أَوَّلًا، نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» (فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا) أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ خَمْسُونَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَإِذَا حَلَفَ ثَبَتَ الْحَقُّ فِي قِبَلِهِ لِحَدِيثِ سَهْلٍ، وَلِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ، وَذُكِرَ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا، وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهَا، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ،

بِالْوَارِثِ، فَتُقَسَّمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَ الرِّجَالِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا حَلَفَهَا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قُسِّمَتْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا كَسْرٌ جُبِرَ عَلَيْهِمْ، مِثْلُ زَوْجٍ وَابْنٍ، يَحْلِفُ الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا، وَالِابْنُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ، وَلَوْ خَلَفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا، وَعَنْهُ: يَحْلِفُ مِنَ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْوَارِثِ، خَمْسُونَ رَجُلًا، كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا حَلَفَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَيُبْدَأُ فِيهَا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ كَاللِّعَانِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ الْمَجْلِسِ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَفِيهِ قَوْلٌ حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَارِثِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فِي دَعْوَى، فَلَمْ تُشْرَعْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْوَارِثِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ (فَتُقَسَّمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَ الرِّجَالِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ) أَيْ: تُقَسَّمُ بَيْنَ الرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ إِنْ كَانُوا جَمَاعَةً (فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا حَلَفَهَا) لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ، فَكَذَا فِي الْأَيْمَانِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ» فَمَنِ احْتَجَّ لِلْأَوَّلِ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، فَرَدَدَهَا عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ادُّعِيَ عَلَيْهِمْ، فَحَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يَحْلِفُ وَلِيٌّ يَمِينًا (وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قُسِّمَتْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ) لِأَنَّ مُوجِبَهَا الدِّيَةُ، وَهِيَ تُقَسَّمُ كَذَلِكَ، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ تُقَسَّمَ هِيَ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ حَلَفَ خَمْسُونَ، كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا (فَإِنْ كَانَ فِيهَا كَسْرٌ جُبِرَ عَلَيْهِمْ، مِثْلُ زَوْجٍ وَابْنٍ يَحْلِفُ الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا، وَالِابْنُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ) لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْخَمْسِينَ وَاجِبٌ وَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهَا، وَالْخَبَرُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْمِزْيَةِ، فَالزَّوْجُ لَهُ الرُّبُعُ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفًا فَيُكْمِلُ، وَالِابْنُ لَهُ الْبَاقِي، وَهُوَ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفًا فَيُكَمَّلُ، فَيَصِيرُ كَمَا ذَكَرَهُ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتٌ حَلَفَ الزَّوْجُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا، وَالِابْنُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ (وَلَوْ خَلَفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا) لِأَنَّ لِكُلِّ ابْنٍ ثُلُثَ الْأَيْمَانِ: سِتَّ عَشْرَةَ يَمِينًا وَثُلُثَيْنِ، ثُمَّ تُكَمَّلُ (وَعَنْهُ: يَحْلِفُ مِنَ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْوَارِثِ، خَمْسُونَ رَجُلًا، كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَبَرِئَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُونَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَدَاهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ طَلَبُوا أَيْمَانَهُمْ فَنَكَلُوا لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ خَمْسُونَ رَجُلًا وَارِثًا، لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ إِلَّا أَخُوهُ أَوْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، أَوْ أَقْرَبُ مِنْهُ نَسَبًا، وَلِأَنَّهُ خَاطَبَ ابْنَيْ عَمِّهِ وَهُمَا غَيْرُ وَارِثِينَ، لَكِنْ يَحْلِفُ الْوَارِثُ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا يُؤْخَذُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ قَبِيلَتِهِ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَيَعْرِفُ لِنَفْسِهِ نَسَبَهُ مِنَ الْمَقْتُولِ، فَأَمَّا مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنَ الْقَبِيلَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ وَجْهُ النَّسَبِ لَمْ يُقْسِمْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَسَأَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوْلِيَاءُ؟ قَالَ: فَقَبِيلَتُهُ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ فَوَارِثُهُ كَهُوَ، وَيَسْتَأْنِفُ وَارِثُهُ الْأَيْمَانَ سَوَاءٌ حَلَفَ قَبْلَ مَوْتِهِ شَيْئًا أَوْ لَا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَلَوْ حَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ بَعْضَ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ جُنَّ، ثُمَّ أَفَاقَ، أَوْ عُزِلَ الْحَاكِمُ، فَإِنَّهُ يَبْنِي (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَبَرِئَ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» أَيْ: يَبْرَءُونَ مِنْكُمْ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُغَرِّمِ الْيَهُودَ، وَأَنَّهُ أَدَّاهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَتَبْرَأُ بِهَا كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَعَنْهُ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ وَيُغَرَّمُونَ الدِّيَةَ لِقَضَاءِ عُمَرَ بِالدِّيَةِ مَعَ الْيَمِينِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا قَضَى عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، وَيُعْتَبَرُ حُضُورُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقْتَ يَمِينِهِ كَالْبَيِّنَةِ وَحُضُورِ الْمُدَّعِي، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُونَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَدَاهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ: أَدَّى دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِقَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ (وَإِنْ طَلَبُوا أَيْمَانَهُمْ) أَيْ: أَيْمَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ (فَنَكَلُوا لَمْ يُحْبَسُوا) فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُحْبَسْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَعَنْهُ: يُحْبَسُ حَتَّى يَقْرَ أَوْ يَحْلِفَ، لِأَنَّهَا دَعْوَى فَيُحْبَسُ فِيهَا بِالنُّكُولِ كَالْمَالِ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا يَجِبُ قَوَدٌ بِنُكُولٍ،

يُحْبَسُوا، وَهَلْ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ، أَوْ تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ كَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي (وَهَلْ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ، أَوْ تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنُّكُولِ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَالٌ بِنُكُولِهِ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْيَمِينِ لَخَلَا مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ: فِي بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنِ الْيَمِينِ أَشْبَهَ امْتِنَاعَ الْمُدَّعِيَيْنِ، إِذَا لَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: يَقُولُ تَاللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَوَاللَّهِ بِالْجَرِّ، فَإِنْ قَالَهُ مَضْمُومًا أَوْ مَنْصُوبًا فَقَدْ لَحَنَ، قَالَ الْقَاضِي: وَيُجْزِئُهُ إِنْ تَعَمَّدَ، أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ، لِأَنَّهُ لَحْنٌ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي أَلْفَاظِ الْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ تَأْكِيدًا.
فَرْعٌ: سَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ قَتِيلٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، قَالَ: هَذَا قَسَامَةٌ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: احْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ: " قِيسُوا مَا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ فَخُذْهُمْ بِهِ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذُرِعَ مَا بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إِلَى أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شِبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَلْقَاهُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

كِتَابُ الْحُدُودِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْحُدُودِ]

[تَعْرِيفُ الحدود وَشُرُوطُ إِقَامَتِهَا]

ِ وَهِيَ جَمْعُ حَدٍّ، وَهُوَ الْمَنْعُ، وَحُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى مَحَارِمُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] وَهِيَ مَا حَدَّهُ وَقَدَّرَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى، كَتَزْوِيجِ الْأَرْبَعِ وَنَحْوِهِ، وَمَا حَدَّهُ الشَّرْعُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، وَالْحُدُودُ: الْعُقُوبَاتُ الْمُقَدَّرَةُ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنَ الْمَنْعِ، لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وَأَنْ تَكُونَ سُمِّيَتِ الْحُدُودَ الَّتِي هِيَ الْمَحَارِمُ لِكَوْنِهَا زَوَاجِرَ عَنْهَا، أَوْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ الْمُقَدَّرَاتُ، وَشَرْعًا: عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِتَمْنَعَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهِ.
(لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ) وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِمَا لِلنُّصُوصِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْإِثْمِ فِي الْمَعَاصِي، فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبَهَاتِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ يَفِيقُ فِي وَقْتٍ فَأَقَرَّ فِيهِ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ يَفِيقُ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لَكِنْ لَوْ أَقَرَّ فِي إِفَاقَتِهِ أَنَّهُ زَنَى وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى حَالٍ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِهِ، وَلَمْ تُضِفْهُ إِلَى حَالِ إِفَاقَتِهِ، فَلَا حَدَّ لِلِاحْتِمَالِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى نَائِمٍ وَلَا نَائِمَةٍ (عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ) لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ، سَوَاءٌ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِ الْمَرْأَةِ، زَادَ فِي الْوَجِيزِ: مُلْتَزِمٌ، وَهُوَ مُرَادٌ.

[مَنْ يُقِيمُ الْحُدُودَ]

(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إِلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ الْحَيْفُ فَوَجَبَ تَفْوِيضُهُ

الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ إِلَّا السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ، وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِي الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

إِلَى نَائِبِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي حَيَاتِهِ، وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِلَّا لِقَرِينَةٍ كَتَطَلُّبِ الْإِمَامِ لَهُ لِيَقْتُلَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَقَامَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ تَعَدَّى عَلَى الْإِمَامِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا كَالْمُرْتَدِّ، وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ حُضُورُ إِقَامِتِهِ، لِقَوْلِهِ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، وَلِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ: مَنْ أَقَامَ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَزِمَهُ مِنْ حَدِّ زَنًا أَوْ قَذْفٍ بِإِذْنِ إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (إِلَّا السَّيِّدُ) الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الْعَالِمُ (فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ) أَيِ: الْكَامِلِ رِقُّهُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِأَنَّ لِلسَّيِّدِ تَأْدِيبَ أَمَتِهِ بِتَزْوِيجِهَا، فَمَلَكَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهَا كَالسُّلْطَانِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الصَّبِيَّ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ فَلَمْ يَمْلِكْهُ، كَالْقَطْعِ وَحَدِّ الْحُرِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَهُ سَمَاعُ بَيِّنَةٍ تَقْتَضِي الْعُقُوبَةَ وَالْعَمَلُ بِهَا إِنْ عَرَفَ شُرُوطَهَا، وَإِلَّا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ أَوْ سَيِّدُهُ بِإِذْنِهِ، وَقِيلَ: لَا يَسْمَعُهَا غَيْرُ حَاكِمٍ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ (وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِي الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَمْلِكُهُ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ

وَلَا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَلَا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا أَوِ امْرَأَةً فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَمْلِكَهُ، وَلَا يَمْلِكَهُ الْمُكَاتَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهُ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَإِنْ ثَبَتَ بِعِلْمِهِ، فَلَهُ إِقَامَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَمْلِكَهُ كَالْإِمَامِ، وَلَا يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ.

وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ.

[المبدع في شرح المقنع]

  • عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا أَمَرَ بِالْجَلْدِ فَلَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ فِي الْجَلْدِ سَتْرًا عَلَى رَقِيقِهِ، لِئَلَّا يَفْتَضِحَ بِإِقَامَةِ الْإِمَامِ لَهُ فَتَنْقُصَ قِيمَتُهُ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِيهِمَا، وَالثَّانِيَةُ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَطَعَ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ، وَحَفْصَةً قَتَلَتْ أَمَةً لَهَا سَحَرَتْهَا (وَلَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ) قَطَعَ بِهِ فِي: الْمُغْنِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْآدَمِيُّ، وَابْنُ عَبْدُوسَ، وَغَيْرُهُمْ، لِأَنَّهُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمُ الْمَذْهَبَ، لِأَنَّهُ عَبْدٌ (وَلَا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى كُلِّهِ، وَالْحَدُّ تَصَرُّفٌ فِي الْكُلِّ (وَلَا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ، أَشْبَهَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَفِيهَا وَجْهٌ صَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً فَالسُّلْطَانُ، وَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا حَتَّى تُحَدَّ، وَيُخَرَّجُ فِي مَرْهُونَةٍ وَمُسْتَأْجَرَةٍ وَجْهَانِ، وَجَعَلَ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ مَرْهُونَةً وَمُكَاتَبَةً أَصْلًا كَمُزَوَّجَةٍ (وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا أَوِ امْرَأَةً فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ ثَبَتَتْ بِالْمِلْكِ أَشْبَهَتْ وِلَايَةَ التَّأْدِيبِ، وَالْمَرْأَةُ تَامَّةُ الْمَلِكِ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفَاتِ، أَشْبَهَتِ الرَّجُلَ، وَلِأَنَّ فَاطِمَةَ جَلَدَتْ أَمَةً لَهَا، وَعَائِشَةَ قَطَعَتْ أَمَةً لَهَا سَرَقَتْ (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَمْلِكَهُ) لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَلَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ بِالذَّكَرِ الْعَدْلِ، وَقِيلَ: يُقِيمُهُ وَلِيُّ امْرَأَةٍ، وَهَلْ لِلْوَصِيِّ حَدُّ رَقِيقِ مُولِّيهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ) صَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ، وَمِلْكُهُ عَلَى عَبْدِهِ نَاقِصٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهُ) لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ أَشْبَهَ تَصَرُّفَاتِهِ (وَسَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ) إِنْ كَانَ يَعْلَمُ شُرُوطَهُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ فِي ثُبُوتِهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَخْتَلِفَ حَالُ السَّيِّدِ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْمَعَ إِقْرَارَهُ وَيُقِيمَ الْحَدَّ عَلَيْهِ، وَيُقَدِّمَ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ (وَإِنْ ثَبَتَ بِعِلْمِهِ فَلَهُ إِقَامَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَمَلَكَ إِقَامَتَهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَأْدِيبَهُ بِعِلْمِهِ، فَكَذَا هُنَا (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَمْلِكَهُ كَالْإِمَامِ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ لِلْحَدِّ أَقْوَى مِنْ وِلَايَةِ السَّيِّدِ، لِكَوْنِهَا مُتَّفَقًا

وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِمًا بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ، وَلَا يُمَدُّ وَلَا يُرْبَطُ وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهَا، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَدُّ بِالْعِلْمِ، فَهَاهُنَا، أَوْلَى وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ مُتَّهَمٌ (وَلَا يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ.
مَسْأَلَةٌ: نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ وُجُوبَ بَيْعِ رَقِيقٍ زَنَى فِي رَابِعَةٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ عَصَى الرَّقِيقُ عَلَانِيَةً أَقَامَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنْ عَصَى سِرًّا فَيَنْبَغِي أَلَّا تَجِبَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ سَتْرِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَخَيَّرَ الشُّهُودَ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَبَيْنَ سَتْرٍ عَلَى الْمَشْهُودِ وَاسْتِتَابَتِهِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَتُوبُ سَتَرُوهُ، وَإِنْ كَانَ فِي تَرْكِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِلنَّاسِ، كَانَ الرَّاجِحُ رَفْعَهُ إِلَى الْإِمَامِ.

[إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ]

(وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، جَلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» ، رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ زَنَى، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَاضْرِبُوهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَطَعَ يَدَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ فَيُنَجِّسَهُ وَيُؤْذِيَهُ، وَفِي الْمَذْهَبِ: يَنْبَغِي تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى ذَمِّيٍّ فِي الْمَسْجِدِ

[كَيْفِيَّةُ الْجَلْدِ]

(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِمًا) فِي الْأَشْهَرِ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّ قِيَامَهُ وَسِيلَةٌ إِلَى إِعْطَاءِ كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنَ الضَّرْبِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ قَاعِدًا: لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ (بِسَوْطٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ لِلْحَنَفِيَّةِ: السَّوْطُ فَوْقَ الْقَضِيبِ وَدُونَ الْعَصَا، وَفِي الْمُخْتَارِ لَهُمْ: بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْجَلْدِ (لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ الْبَالِي، لِخَبَرٍ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا، وَرُوِيَ

يُجَرَّدُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ وَالْقَمِيصَانِ، وَلَا يُبَالَغُ فِي ضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ إِلَّا الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ وَالْفَرْجَ وَمَوْضِعَ الْمَقْتَلِ، وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً وَتَشُدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلَّا تَنْكَشِفَ.

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ الْإِيلَامُ دُونَ الْجُرْحِ، إِذِ الْجَدِيدُ يَجْرَحُ، وَالْبَالِي لَا يُؤْلِمُ، فَلَوْ كَانَ السَّوْطُ مَغْصُوبًا أَجْزَأَ، عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى النَّهْيِ، لِلْإِجْمَاعِ، ذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ (وَلَا يُمَدُّ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ (وَلَا يُرْبَطُ وَلَا يُجَرَّدُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ وَلَا قَيْدٌ وَلَا تَجْرِيدٌ (بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ وَالْقَمِيصَانِ) صِيَانَةً لَهُ عَنِ التَّجْرِيدِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ أَلَمَ الضَّرْبِ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُمَا عَلَيْهِ، نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ وَالْفَضْلُ: عَلَيْهِ ثِيَابُهُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ تَجْرِيدُهُ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْوٌ أَوْ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ نُزِعَتْ، لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِالضَّرْبِ (وَلَا يُبَالَغُ فِي ضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ) لِأَنَّ الْغَرَضَ تَأْدِيبُهُ وَزَجْرُهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لَا قَتْلُهُ، وَالْمُبَالَغَةُ تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ (وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ) لِأَنَّ تَوَالِيَ الضَّرْبِ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ يُؤَدِّي إِلَى الْقَتْلِ، وَأَوْجَبَهُ الْقَاضِي، وَلَا يُبْدِي إِبْطَهُ فِي رَفْعِ يَدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ، وَأَوْجِعْ، وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ، وَلِأَنَّهُمَا أَجْمَلُ مَا فِي الْإِنْسَانِ، وَفِي إِصَابَةِ الضَّرْبِ لَهُمَا خَطَرٌ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَمِيَ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ، أَوْ قَتَلَهُ (وَالْفَرْجَ وَمَوْضِعَ الْمَقْتَلِ) لِأَنَّ ضَرْبَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْقَتْلِ، وَهُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، بَلْ مَأْمُورٌ بِعَدَمِهِ، وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي مَوَاضِعِ اللَّحْمِ كَالْإِلْيَتَيْنِ وَالْفَخْذَيْنِ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ فِي الْحَدِّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي مُوَالَاةِ الْعُضْوِ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ وَلِسُقُوطِهِ بِالشُّبْهَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا نِيَّةَ مَنْ يُقِيمُهُ أَنَّهُ حَدٌّ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ يُقِيمُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَمَرَ عَبْدًا عَجَمِيًّا يَضْرِبُ لَا عِلْمَ لَهُ بِالنِّيَّةِ أَجْزَأَتْ نِيَّتُهُ، وَالْعَبْدُ كَالْآلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُعْتَبَرَ نِيَّتُهُمَا، كَمَا نَقُولُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ تُعْتَبَرُ نِيَّةُ غَاسِلِهِ، وَاحْتَجَّ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ فِي اعْتِبَارِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ بِأَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّمْيِيزِ كَالْجَلْدِ فِي الْحُدُودِ (وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ) أَيِ: الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِيمَا ذَكَرْنَا، عَمَلًا بِالْأَصْلِ السَّالِمِ عَنِ الْمَعَارِضِ (إِلَّا أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً وَتَشُدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا) نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَتُمْسَكَ يَدَاهَا لِئَلَّا تَنْكَشِفَ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ:

وَالْجَلَدُ فِي الزِّنَا أَشَدُّ الْجَلْدِ، ثُمَّ جَلْدُ الْقَذْفِ، ثُمَّ الشُّرْبُ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ.
وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الضَّرْبَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، فَلَهُ ذَلِكَ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُؤَخَّرُ

[المبدع في شرح المقنع]

تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُلُ قَائِمًا وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَهَذَا أَسْتَرُ لَهَا، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُشْرَعُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَجْمَعَ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ

[أَشَدُّ الْجَلْدِ حَدُّ الزِّنَا]

(وَالْجَلْدُ فِي الزِّنَا أَشَدُّ الْجَلْدِ، ثُمَّ جَلْدُ الْقَذْفِ، ثُمَّ الشُّرْبُ) نَصَّ عَلَيْهِ (ثُمَّ التَّعْزِيرُ) قَالَ مَالِكٌ: كُلُّهَا وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الزَّجْرُ، فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الصِّفَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَشُدُّهَا التَّعْزِيرُ، ثُمَّ الزِّنَا، ثُمَّ شُرْبُ الْخَمْرِ، ثُمَّ الْقَذْفُ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ: لِأَنَّ سَبَبَ عُقُوبَتِهِ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، إِلَّا أَنَّهُ عُوقِبَ صِيَانَةً لِلْأَعْرَاضِ، وَرَدْعًا بِمَنْ هَتَكَهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ خَصَّ الزِّنَا بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ عَدَدًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ فِي إِيلَامِهِ وَوَجَعِهِ، وَلِأَنَّ مَا خَفَّ فِي عَدَدِهِ كَانَ أَخَفَّ فِي صِفَتِهِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ آدَمِيٌّ، وَحَدُّ الشُّرْبِ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ، وَالتَّعْزِيرُ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ، وَقِيلَ: أَخَفُّهَا حَدُّ الشُّرْبِ، إِنْ قُلْنَا: هُوَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ (الضَّرْبَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُتِيَ بِشَارِبٍ، فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَحُثُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ» وَفِي الْمَذْهَبِ وَالْبُلْغَةِ: وَأَيَّدَ لِلْخَبَرِ، وَفِي الْوَسِيلَةِ: يُسْتَوْفَى بِالسَّوْطِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، وَفِي الْمُوجَزِ: لَا يُجْزِئُ بِيَدٍ وَطَرَفِ ثَوْبٍ، وَفِي التَّبْصِرَةِ: لَا يُجْزِئُ بِطَرَفٍ ثَوْبٍ وَنَعْلٍ، وَيُؤَخَّرُ سَكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ احْتَمَلَ السُّقُوطَ، وَهُوَ أَوْلَى، وَاحْتَمَلَ عَدَمَهُ.

الْحَدُّ لِلْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ جَلْدًا وَخُشِيَ عليه مِنَ السَّوْطِ، أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ، وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: يَحْرُمُ حَبْسُهُ بَعْدَ حَدٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَذَاهُ بِكَلَامٍ كَالتَّعْيِيرِ عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ الْجَوْزِيِّ، لِنَسْخِهِ بِشَرْعِ الْحَدِّ، كَنَسْخِ حَبْسِ الْمَرْأَةِ.

[لَا يُؤَخَّرُ الْحَدُّ إِلَّا لِلْمَرَضِ]

(قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُؤَخَّرُ الْحَدُّ لِلْمَرَضِ) وَقَالَهُ فِي الْوَجِيزِ وَزَادَ: وَالضَّعْفِ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إِذَا كَانَ قَتْلُهُ مُتَحَتِّمًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ جَلْدًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، لِأَنَّ عُمَرَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يُؤَخَّرُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الَّتِي هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ إِتْلَافٍ، فَكَانَ أَوْلَى، وَمَرَضُ قُدَامَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ خَفِيفًا لَا يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْكَمَالِ، ثُمَّ إِنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقَدَّمَ عَلَى فِعْلِ عُمَرَ مَعَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ عَلِيٍّ وَفِعْلُهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَأْخِيرِهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ (فَإِنْ كَانَ جَلْدًا وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ) لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْأَصَحِّ (أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ) لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا شِمْرَاخًا فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعَا أَبَا أُمَامَةَ مُرْسَلًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَلَا جَلْدُهُ تَامًّا لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِتْلَافِهِ، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ) لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فَوَاتِهِ، وَبِهِ فَارَقَ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، لِأَنَّهُ يُخَافُ فَوَاتُ الْحَدِّ.
فَرْعٌ: ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ أَنَّ الْعَبْدَ يُضْرَبُ بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ، لِأَنَّ حَدَّهُ أَقَلُّ عَدَدًا فَيَكُونُ أَخَفَّ سَوْطًا، وَالظَّاهِرُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَلَا يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ إِذَا نَصَّفْنَا الْعَدَدَ إِلَّا مَعَ تَسَاوِي الشَّرِطَيْنِ

الْجَلْدِ فَالْحَقُّ قَتْلُهُ، وَإِنْ زَادَ سَوْطًا أَوْ أَكْثَرَ فَتَلِفَ، ضَمِنَهُ، وَهَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ، أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِي الْجَلْدِ) وَلَوْ حَدُّ خَمْرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ تَأْدِيبٍ أَوْ تَعْزِيرٍ، وَلَمْ يَلْزَمْ تَأْخِيرُهُ (فَالْحَقُّ قَتْلُهُ) وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، جَلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَهَذَا إِذَا أَتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ التَّلَفُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْمُؤَدِّبُ (وَإِنْ زَادَ سَوْطًا) أَوْ فِي السَّوْطِ (أَوْ أَكْثَرَ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ الْحَدِّ (وَهَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ، أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: وَهُوَ رِوَايَةٌ، أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ كُلُّهَا، ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ قَتْلٌ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعُدْوَانِ الضَّارِبِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْعَادِي كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا سَوْطًا فَقَتَلَهُ، وَكَمَا لَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَالثَّانِي: نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وَغَيْرِهِ، فَوَجَبَ نِصْفُهَا، كَمَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، أَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ، فَمَاتَ وَسَوَاءٌ زَادَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، لِأَنَّهُ يَضْمَنُ كَالْعَمْدِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: اضْرِبْ مَا شِئْتَ، وَقِيلَ: دِيَتُهُ عَلَى الْأَسْوَاطِ إِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: إِنْ وَضَعَ فِي سَفِينَةٍ كَذَا، فَلَمْ تَغْرَقْ، ثُمَّ وَضَعَ قَفِيزًا فَغَرِقَتْ، فَغَرَقُهَا بِهِمَا فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ.
وَالثَّانِي: بِالْقَفِيزِ، وَكَذَا الشِّبَعُ وَالرَّيُّ، وَالسَّيْرُ بِالدَّابَّةِ فَرَاسِخَ، وَالسُّكْرُ بِالْقَدَحِ أَوِ الْأَقْدَاحِ، كَمَا يُنْشَأُ الْغَضَبُ بِكَلِمَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَيَمْتَلِئُ الْإِنَاءُ بِقَطْرَةٍ بَعْدَ قَطْرَةٍ، وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِوَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ.
فَرْعٌ: إِذَا أُمِرَ بِزِيَادَةٍ فَزَادَ جَهْلًا، ضَمِنَهُ الْآمِرُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ تَعَمَّدَهُ الْعَادُّ فَقَطْ أَوْ أَخْطَأَ وَادَّعَى الضَّارِبُ الْجَهْلَ ضَمِنَهُ الْعَادُّ، وَتَعَمُّدُ الْإِمَامِ الزِّيَادَةَ شِبْهُ عَمْدٍ تَحْمِلُهُ

فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ: إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِإِقْرَارِهَا، لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ حُفِرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ، وَإِنْ ثَبَتَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْعَاقِلَةُ، وَقِيلَ: كَخَطَأٍ، فِيهِ الرِّوَايَتَانِ (وَإِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجْمِ مَاعِزٍ خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَوَاللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَكِنْ قَامَ لَنَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ.
نَصَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ (وَفِي الْآخَرِ: إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِإِقْرَارِهَا، لَمْ يَحْفِرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ حَفَرَ لَهَا) إِلَى الصَّدْرِ اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفُصُولِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ: أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ الْحَفْرَ أَسْتَرُ لَهَا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَمْكِينِهَا مِنَ الْهَرَبِ، بِخِلَافِ مَنْ أَقَرَّتْ، لِأَنَّ رُجُوعَهَا عَنِ الْإِقْرَارِ مَقْبُولٌ، وَالْحَفْرُ يَمْنَعُهَا مِنَ الْهَرَبِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ قَوْلًا، وَأَطْلَقَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَابْنُ رَزِينٍ: يُحْفَرُ لَهَا فَهُوَ سَتْرٌ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ شَدَّ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا لِئَلَّا تَنْكَشِفَ، لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ) أَيْ: إِذَا ثَبَتَ بِهَا، وَيَجِبُ حُضُورُ

بِإِقْرَارٍ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ الْإِمَامُ.

وَمَتَى رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالْحَدِّ عَنْ إِقْرَارِهِ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ لَمْ يُتَمَّمْ، وَإِنْ رُجِمَ بِبَيِّنَةٍ فَهَرَبَ لَمْ يُتْرَكْ، وَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ تُرِكَ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ قَوْلِ مَاعِزٍ: رُدُّونِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ قَوْمِي غَرُّونِي، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَحْضُرْ رَجْمَهُ، فَبِهَذَا أَقُولُ، وَحُضُورُ طَائِفَةٍ وَلَوْ وَاحِدًا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَاخْتَارَ فِي الْبُلْغَةِ اثْنَانِ، لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْجَمَاعَةُ، وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ يَجِيءُ النَّاسُ صُفُوفًا لَا يَخْتَلِطُونَ، ثُمَّ يَمْضُونَ صَفًّا صَفًّا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ الطَّائِفَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: 2] لِأَنَّهُ أَوَّلُ شُهُودِ الزِّنَا (وَإِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ اسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ الْإِمَامُ بِهِ) أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ

[رُجُوعُ الْمُقِرِّ بِالْحَدِّ عَنْ إِقْرَارِهِ]

(وَمَتَى رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالْحَدِّ) أَيْ: بِحَدِّ الزِّنَا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ شُرْبٍ (عَنْ إِقْرَارِهِ قُبِلَ مِنْهُ) أَيْ: يُشْتَرَطُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بِالْإِقْرَارِ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ إِلَى تَمَامِ الْحَدِّ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَهُ كُفَّ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَنُعَيْمٍ وَنَصْرِ بْنِ دَهْرٍ وَغَيْرِهِمْ «أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ، وَقَالَ لَهُمْ: رُدُّونِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ رُجُوعَهُ شُبْهَةٌ، وَكَالْبَيِّنَةِ إِذَا رَجَعَتْ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِي الزِّنَا فَقَطْ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ رُجُوعُ مُقِرٍّ بِمَالٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِذَا تُمِّمَ ضَمِنَ الرَّاجِعُ بِالْمَالِ لَا الْهَارِبُ، وَلَا قَوَدَ لِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ، وَكَانَ شُبْهَةً (وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ لَمْ يُتَمَّمْ) لِأَنَّ جَمِيعَهُ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، فَلَأَنْ يَسْقُطَ تَمَامُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ رُجِمَ بِبَيِّنَةٍ فَهَرَبَ لَمْ يُتْرَكْ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَحْكَامِ (وَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ تُرِكَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» فَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ، وَقِيلَ: فَلَا ضَمَانَ، لِقِصَّةِ مَاعِزٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي رُجُوعِهِ، فَإِنْ قَالَ: رُدُّونِي إِلَى الْحَاكِمِ وَجَبَ رَدُّهُ، وَلَمْ يَجُزْ إِتْمَامُ الْحَدِّ، فَإِنْ أُتِمَّ فَلَا ضَمَانَ، لِمَا ذُكِرَ فِي هَرَبِهِ.

فَصْلٌ وَإِذَا اجْتَمَعَتْ حُدُودٌ للَّهِ تَعَالَى، فِيهَا قَتْلٌ، اسْتُوفِيَ الْقَتْلُ وَسَقَطَ سَائِرُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ، مِثْلُ إِنْ زَنَى، أَوْ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا، وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ.

[المبدع في شرح المقنع]

مَسَائِلُ: إِذَا أَتَى حَدًّا سَتَرَ نَفْسَهُ، نَقَلَ مُهَنَّا: رَجُلٌ زَنَى يَذْهَبُ يُقِرُّ؟ قَالَ: بَلْ يَسْتُرُ نَفْسَهُ.
وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي إِنْ شَاعَ رَفَعَهُ إِلَى حَاكِمٍ لِيُقِيمَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ تَعَلَّقَتِ التَّوْبَةُ بِظَاهِرٍ كَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، أَظْهَرَهَا وَإِلَّا أَسَرَّ.
وَإِنْ قَالَ لِإِمَامٍ: أَصَبْتُ حَدًّا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ.
وَيُحَدُّ مَنْ زَنَى هَزِيلًا، وَلَوْ بَعْدَ سِمَنِهِ، كَذَا عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ كَمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ زَنَى أُعِيدَتْ بَعْدَ بَعْثِهِ وَعُوقِبَ، ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ، فَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ الذَّنْبِ لِلْخَبَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ.

[اجْتِمَاعُ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى]

فَصْلٌ (وَإِذَا اجْتَمَعَتْ حُدُودٌ للَّهِ تَعَالَى فِيهَا قَتْلٌ، اسْتُوفِي الْقَتْلُ وَسَقَطَ سَائِرُهَا) قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا يُشْرَعُ غَيْرُهُ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ سَعِيدٌ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَكَالْمُحَارِبِ إِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِقَتْلِهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ، وَقَتْلُهُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ فِيهِ غَرَضَ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ، مِثْلُ إِنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ مِرَارًا أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَرَّةً لِأَنَّ الْغَرَضَ الزَّجْرُ عَنْ إِتْيَانِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْحَدِّ الْوَاحِدِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ التَّدَاخُلُ كَالْكَفَّارَاتِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: لَا تَدَاخُلَ فِي السَّرِقَةِ، وَفِي الْبُلْغَةِ: يُقْطَعُ وَاحِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ رِوَايَةٌ: إِنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ قُطِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهَا، ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ تَتَدَاخَلُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ أَحْكَامٌ، وَإِلَّا فَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يُعْقَلُ فِيهِ تَدَاخُلٌ، فَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَحْكَامٌ، وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْأَئِمَّةُ، قَالَ أَحْمَدُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ: فَأَثْبَتَ فِيهِ تَحْرِيمَيْنِ (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ

وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَيُبْدَأُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَعَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بُدِئَ بِهَا.
فَإِذَا زَنَى وَشَرِبَ وَقَذَفَ وَقَطَعَ

[المبدع في شرح المقنع]

اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، لِأَنَّ التَّدَاخُلَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَلَوْ سَرَقَ وَأَخَذَ الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ قُطِعَ لِذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعَيْنِ وَاحِدٌ (وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ) وُجُوبًا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، فَعَلَى هَذَا يُبْدَأُ بِالْحَدِّ لِلشُّرْبِ، ثُمَّ لِلسَّرِقَةِ، ثُمَّ لِلزِّنَا، لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَفُّ، وَلَا يُوالِي بَيْنَ هَذِهِ الْحُدُودِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُفْضِي إِلَى التَّلَفِ، وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْأَخَفِّ جَازَ.

[حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ تُسْتَوْفَى كُلُّهَا]

(وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ) لِأَنَّهَا حُقُوقُ آدَمِيِّينَ، أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا، فَوَجَبَ كَسَائِرِ حُقُوقِهِمْ، لَا يُقَالُ: يُكْتَفَى بِالْقَتْلِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّهُولَةِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ (وَيُبْدَأُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ) لِأَنَّ الْبَدَاءَةَ بِهِ تُفَوِّتُ اسْتِيفَاءَ بَاقِي الْحُقُوقِ (وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَعَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، بُدِئَ بِهَا) أَيْ: إِذَا اجْتَمَعَتْ حُقُوقُ اللَّهِ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، فَهِيَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: أَلَّا يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ، فَهَذِهِ تُسْتَوْفَى كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَيُبْدَأُ بِحَدِّ الْقَذْفِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا: حَدُّ الشُّرْبِ أَرْبَعُونَ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ لِخِفَّتِهِ، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ، وَأَيُّهُمَا قُدِّمَ فَالْآخَرُ يَلِيهِ، ثُمَّ الزِّنَا، ثُمَّ الْقَطْعُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُبْدَأُ بِالْقَطْعِ قِصَاصًا، ثُمَّ بِالْقَذْفِ، ثُمَّ لِلشُّرْبِ، ثُمَّ لِلزِّنَا.
الثَّانِي: إِذَا كَانَ فِيهَا قَتْلٌ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقَتْلِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا، أَوْ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ، كَالْقِصَاصِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى اسْتُوفِيَتِ الْحُقُوقُ كُلُّهَا مُتَوَالِيَةً، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ انْتَظَرْنَا لِاسْتِيفَاءِ الثَّانِي بُرْأَهُ مِنَ

يَدًا، قُطِعَتْ يَدُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ لِلشُّرْبِ ثُمَّ لِلزِّنَا، وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ حَتَّى يَبْرَأَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

فَصْلٌ وَمَنْ قَتَلَ أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تُفَوِّتَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْقِصَاصِ، فَيَفُوتَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ الْعَفْوَ جَائِزٌ، فَيُحْتَمَلُ بِتَأْخِيرِهِ أَنْ يَعْفُوَ الْوَلِيُّ فَيَحْيَى.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَّفِقَ الْحَقَّانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ قِصَاصًا، قُدِّمَ الْقِصَاصُ عَلَى الرَّجْمِ فِي الزِّنَا، وَيُبْدَأُ بِالْأَسْبَقِ مِنَ الْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْقِصَاصِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقُّ آدَمِيٍّ، وَإِنْ سَبْقَ الْقِصَاصُ قُتِلَ قِصَاصًا وَلَمْ يُصْلَبْ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَيَجِبُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْمُحَارَبَةِ دِيَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ فِي الْمُحَارَبَةِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَقُدِّمَ الْقِصَاصُ عَلَى الْحَدِّ الْمُتَمَحِّضِ فِي الْقَطْعِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ سَبَبُهُ، فَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ اسْتَوْفَى الْحَدَّ، وَالْقَطْعُ فِي الْمُحَارَبَةِ حَدٌّ مَحْضٌ، وَلَيْسَ بِقِصَاصٍ، وَالْقَتْلُ يَتَضَمَّنُ الْقِصَاصَ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَ الْقَتْلُ فِي الْمُحَارَبَةِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ، وَلَوْ فَاتَ الْقَطْعُ لَمْ يَجِبْ لَهُ (بَدَلٌ فَإِذَا زَنَى وَشَرِبَ وَقَذَفَ وَقَطَعَ يَدًا، قُطِعَتْ يَدُهُ أَوَّلًا) لِأَنَّهُ مُتَمَحِّضُ حَقِّ آدَمِيٍّ، بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ (ثُمَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ) لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ لِآدَمِيٍّ (ثُمَّ لِلشُّرْبِ) لِأَنَّهُ أَخَفُّ (ثُمَّ لِلزِّنَا) لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْحُدُودِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: إِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَتْلَانِ بِرِدَّةٍ وَقَوَدٍ، وَقَطْعَانِ بِسَرِقَةٍ وَقَوَدٍ، قُطِعَ وَقُتِلَ لَهُمَا، وَقِيلَ: لِلْقَوَدِ خَاصَّةً، وَفِي الشَّرْحِ: إِذَا سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا وَلَمْ يُصْلَبْ وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ (وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ حَتَّى يَبْرَأَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَلَفِهِ بِتَوَالِي الْحُدُودِ عَلَيْهِ.

[الْقَتْلُ وَإِتْيَانُ الْحَدِّ خَارِجُ الْحَرَمِ]

فَصْلٌ (وَمَنْ قَتَلَ) أَوْ جَرَحَ (أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ لِلنَّصِّ، وَفِي التَّعْلِيقِ وَجْهٌ: أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ كَمَكَّةَ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا، قَالَ:

يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى حَتَّى يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ.

وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ اسْتُوفِيَ مِنْهُ فِيهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

«إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَلَّا يُهْرَقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ» (ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى الْحَرَمِ (لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُسْتَوْفَى فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْقَتْلَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ» وَلَا شَكَّ أَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَعْظَمُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: يُسْتَوْفَى مِنْهُ الْكُلُّ لِلْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ أُبِيحَ قَتْلُهُ، لِعِصْيَانِهِ أَشْبَهَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] أَيْ: فَأَمِّنُوهُ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بِهَا، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» يَدْفَعُ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي شُرَيْحٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ وَجَدْتُ قَاتِلَ عُمَرَ فِي الْحَرَمِ مَا هَيَّجْتُهُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَكَذَا إِذَا لَجَأَ إِلَيْهِ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ بِهِ فِيهِ كَحَيَوَانٍ صَائِلٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (وَلَكِنْ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: وَلَا يُكَلَّمُ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، زَادَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا يُآكَلُ وَلَا يُشَارَبُ، لِأَنَّهُ لَوْ أُطْعِمَ أَوْ أُووِيَ لَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِقَامَةِ دَائِمًا، فَيَضِيعُ الْحَقُّ (حَتَّى يَخْرُجَ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الَّذِي يُصِيبُ حَدًّا ثُمَّ يَلْجَأُ إِلَى الْحَرَمِ: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ، حَكَاهُ أَحْمَدُ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ أُخْرِجَ إِلَى الْحِلِّ فَيُقْتَلُ فِيهِ، وَمَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ، وَالْآدَمِيُّ حُرْمَتُهُ عَظِيمَةٌ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قَتْلُهُ لِعَارِضٍ، أَشْبَهَ الصَّائِلَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُبَاحَةِ، فَإِنَّ الْحَرَمَ لَا يَعْصِمُهَا، فَلَوِ اسْتَوْفَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ، أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

وَمَنْ أَتَى حَدًّا فِي الْغَزْوِ لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ مَنْ أَتَى حَدًّا ثُمَّ لَجَأَ إِلَى دَارِهِ فَهُوَ كَالْحَرَمِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُخْرَجُ مِنْهَا، بَلْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ

[الْقَتْلُ وَإِتْيَانُ الْحَدِّ فِي الْحَرَمِ]

(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ اسْتُوفِيَ مِنْهُ فِيهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، رَوَى الْأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 191] الْآيَةَ، فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْدَ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ إِلَى الزَّجْرِ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يُشْرَعِ الْحَدُّ فِيهِ لَتَعَطَّلَتِ الْحُدُودُ فِي حَقِّهِمْ، وَفَاتَتِ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا.
تَذْنِيبٌ: إِذَا قُوتِلُوا فِي الْحَرَمِ دَفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 191] قُرِئَ بِهِمَا، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، أَنَّ مُجَاهِدًا وَغَيْرَهُ قَالُوا: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ، وَفِي التَّمْهِيدِ: أَنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يُقَاتَلُ الْبُغَاةُ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بَغْيُهُمْ إِلَّا بِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَحِفْظُهَا فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ إِضَاعَتِهَا، وَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَحَمَلَ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ، إِذَا أَمْكَنَ إِصْلَاحٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَوْ تَغَلَّبَ فِيهَا كُفَّارٌ أَوْ بُغَاةٌ وَجَبَ قِتَالُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ تَعَدَّى أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى الرَّكْبِ دَفَعَ الرَّكْبُ كَمَا يَدْفَعُ الصَّائِلُ، وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ مَعَ الرَّكْبِ، بَلْ يَجِبُ إِنْ احْتِيجَ إِلَيْهِ.

[إِتْيَانُ الْحَدِّ فِي الْغَزْوِ]

(وَمَنْ أَتَى حَدًّا فِي الْغَزْوِ) وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَوْ مَا يُوجِبُ قِصَاصًا (لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْمِلُهُ الْغَضَبُ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فِي الْكُفْرِ (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ) وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، وَنَقَلَ صَالِحٌ وَابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ زَنَى الْأَسِيرُ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا رَجَعَ، لِمَا «رَوَى بِشْرُ بْنُ أَرْطَاةَ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فِي الْغُزَاةِ قَدْ سَرَقَ،

بَابُ حَدِّ الزِّنَا إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ، وَهَلْ يُجْلَدُ قَبْلَ الرَّجْمِ؟ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغُزَاةِ لَقَطَعْتُكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي دَارِنَا لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ، فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ جَائِزٌ، فَإِذَا زَالَ أُقِيمَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ.
مَسْأَلَةٌ: تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الثُّغُورِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى زَجْرِ أَهْلِهَا كَالْحَاجَةِ إِلَى زَجْرِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يَجْلِدَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ثَمَانِينَ وَهُوَ بِالشَّامِ بِالثُّغُورِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ حَدِّ الزِّنَا]

[حَدُّ الْحُرِّ الْمُحْصَنِ]

بَابُ حَدِّ الزِّنَا وَهُوَ: فِعْلُ الْفَاحِشَةِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: 32] ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] وَلِمَا «رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ حَدُّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ الْحَبْسَ فِي الْبَيْتِ وَالْأَذَى بِالْكَلَامِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] وَالْمُرَادُ الثَّيِّبُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ نِسَائِكُمْ إِضَافَةُ زَوْجِيَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] وَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِضَافَةِ هُنَا إِلَّا اعْتِبَارُ الثُّيُوبَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ عُقُوبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَغْلَظُ مِنَ الْأُخْرَى، فَأَثْبَتَ الْأَغْلَظَ لِلثَّيِّبِ وَالْأُخْرَى لِلْبِكْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» وَنَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

جَائِزٌ، وَمَنْ مَنَعَ قَالَ: لَيْسَ هَذَا نَسْخًا، إِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ وَتَبْيِينٌ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: نَسْخُهُ حَصَلَ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْجَلْدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالرَّجْمَ كَانَ فِيهِ، فَنُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ) وَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الرَّجْمُ إِلَّا عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ (فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ) وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَجَمَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فِي أَخْبَارٍ تُشْبِهُ التَّوَاتُرَ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ثُمَّ نُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ، لِقَوْلِ عُمَرَ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ.
الْخَبَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ فِي الْمُصْحَفِ لَاجْتَمَعَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا وَثَوَابِ تِلَاوَتِهَا، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَجَابَ ابْنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ بِهِ مِقْدَارُ طَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمُسَارَعَةِ إِلَى بَذْلِ النُّفُوسِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ لِطَلَبِ طَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، كَمَا سَارَعَ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمَنَامٍ، وَهُوَ أَدْنَى طُرُقِ الْوَحْيِ وَأَقَلُّهَا.
قَوْلُهُ: " فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ " أَيْ: يُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا، قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَلْتَكُنِ الْحِجَارَةُ مُتَوَسِّطَةً، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْجُومَ يُدَامُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ (وَهَلْ يُجْلَدُ قَبْلَ الرَّجْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: يُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ أَظْهَرُ وَأَثْبَتُ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: اخْتَارَهَا شُيُوخُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: 2] وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِحَدِيثِ عُبَادَةَ، وَهَذَا صَرِيحٌ، فَلَا يُتْرَكُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ.
وَالثَّانِيَةُ: تُرْجَمُ فَقَطْ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَنَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، وَاخْتَارَهُ الْأَثْرَمُ وَالْجَوْزَجَانِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ وِفَاقٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا،

رِوَايَتَيْنِ.
وَالْمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِجَلْدِهَا، وَكَانَ هَذَا آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ: إِنَّهُ أَوَّلُ حَدٍّ نَزَلَ، وَإِنَّ حَدِيثَ مَاعِزٍ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ الْجَلْدُ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فِيهِ قَتْلٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ كَالرِّدَّةِ (وَالْمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ عَاقِلَانِ حُرَّانِ) أَقُولُ: يُشْتَرَطُ لِلْإِحْصَانِ شُرُوطٌ.
أَحَدُهَا: الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، فَلَوْ وُجِدَ النِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، أَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ ثَيِّبًا، وَلَا تَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْأَبْكَارِ.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي نِكَاحٍ، لِأَنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى إِحْصَانًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 24] يَعْنِي الْمُزَوَّجَاتِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ وَطْءَ الزِّنَا وَالشُّبْهَةِ لَا يَصِيرُ بِهِ الْوَاطِئُ مُحْصَنًا، وَأَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ.
الرَّابِعُ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، فَلَوْ وَطِئَ وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ عَقَلَ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الثَّيِّبِ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ» فَاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَتْ تَحْصُلُ قَبْلَهُ لَكَانَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
الْخَامِسُ: الْحُرِّيَّةُ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَالرَّجْمُ لَا يَتَنَصَّفُ، وَإِيجَابُهُ كُلُّهُ يُخَالِفُ النَّصَّ مَعَ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ الْكَمَالُ فِيهِمَا جَمِيعًا حَالَ الْوَطْءِ، فَيَطَأُ الرَّجُلُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ امْرَأَةً عَاقِلَةً حُرَّةً، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِحْصَانٌ بِوَطْئِهِ فِي حَيْضٍ وَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي الْإِرْشَادِ: وَهُوَ وَجْهٌ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: يُحْصِنُ مُرَاهِقٌ بَالِغَةً وَمُرَاهِقَةٌ بَالِغًا، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ رَقِيقًا

عَاقِلَانِ حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَيَثْبُتُ الْإِحْصَانُ لِلذِّمِّيِّينَ، وَهَلْ تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ لِرِجْلٍ وَلَدٌ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: مَا وَطِئْتُهَا، لَمْ يَثْبُتْ إِحْصَانُهُ.

وَإِنْ زَنَى الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

فَلَا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُحَصِّنْ أَحَدَ الْمُتَوَاطِئَيْنِ فَلَمْ يُحَصِّنِ الْآخَرَ، كَالتَّسَرِّي (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَدِهِمَا فَلَا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ مَا كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى شُرُوطٍ لَا يُوجَدُ بِدُونِهَا (وَلَا يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ) وَهُوَ التَّسَرِّي (وَلَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ) خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، أَشْبَهَ وَطْءَ الشُّبْهَةِ (وَيَثْبُتُ الْإِحْصَانُ لِلذِّمِّيِّينَ) «لِأَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِالزِّنَا اسْتَوَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحَدِّ، وَكَذَا يَثْبُتُ لِمُسْتَأْمَنَيْنِ (وَهَلْ تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: تُحْصِنُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تُحْصِنُهُ، لِأَنَّ الْإِحْصَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْحُرِّيَّةُ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْإِسْلَامُ كَإِحْصَانِ الْقَذْفِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ بِإِحْصَانِ الْقَذْفِ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعِفَّةَ وَلَيْسَتْ شَرْطًا هُنَا (وَلَوْ كَانَ لِرِجْلٍ وَلَدٌ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: مَا وَطِئْتُهَا، لَمْ يَثْبُتْ إِحْصَانُهُ) وَلَا يُرْجَمُ إِذَا زَنَى، لِأَنَّ الْوَلَدَ يُلْحَقُ بِإِمْكَانِ الْوَطْءِ وَاحْتِمَالِهِ، وَالْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ مَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِمْكَانِ وُجُودُ مَا فِيهِ الْحَقِيقَةُ، وَيَثْبُتُ بِقَوْلِهِ: وَطِئْتُهَا أَوْ جَامَعْتُهَا، وَالْأَشْهَرُ: أَوْ دَخَلْتُ بِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا زَنَى مُحْصَنٌ بِبِكْرٍ فَلِكُلٍّ حَدُّهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.

وَغُرِّبَ عَامًا إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْفَى إِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَيَخْرُجُ مَعَهَا مَحْرَمُهَا، فَإِنْ أَرَادَ أُجْرَةً بُذِلَتْ مِنْ مَالِهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أَبَى الْخُرُوجَ مَعَهَا اسْتُؤْجِرَتِ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ نُفِيَتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

[حَدُّ الْحُرِّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ]

(وَإِنْ زَنَى الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ) وَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ وَالْمَيْمُونِيُّ، قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: 2] الْآيَةَ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَيَخْرُجُ مِنْهُ الرَّقِيقُ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُحْصَنُ لِمَا سَبَقَ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالْحُرِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَانْتَشَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَغُرِّبَ عَامًا) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ (إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَضَرِ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْحَوْلِ، أُعِيدَ تَغْرِيبُهُ، وَيُبْنَى عَلَى مَا مَضَى، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، بَلْ يُنْفَى مِنْ عَمَلِهِ إِلَى عَمَلِ غَيْرِهِ، وَإِنْ زَنَى فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إِلَيْهِ غُرِّبَ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَرَّبُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لِوُجُوبِهِ كَالدَّعْوَى (وَعَنْهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْفَى إِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِتَقْرُبَ مِنْ أَهْلِهَا فَيَحْفَظُوهَا، وَعَنْهُ: تُغَرَّبُ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ مَعَ مَحْرَمِهَا، وَمَعَ تَعَذُّرِهِ إِلَى دُونِهَا (وَيَخْرُجُ مَعَهَا مَحْرَمُهَا) وُجُوبًا إِنْ تَيَسَّرَ، لِأَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ، أَشْبَهَ سَفَرَ الْحَجِّ، وَالْمُرَادُ إِذَا كَانَ بَاذِلًا (فَإِنْ أَرَادَ أُجْرَةً بُذِلَتْ مِنْ مَالِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَئُونَةِ سِفْرِهَا، أَشْبَهَ الْمَرْكُوبَ وَالنَّفَقَةَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ فَمِنْ بَيْتِ الْمالِ) لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً، أَشْبَهَ نَفَقَةَ نَفْسِهَا، وَهَذَا قَوْلٌ، وَيُقَيَّدُ بِمَا إِذَا أَمْكَنَ (فَإِنْ أَبَى الْخُرُوجَ مَعَهَا اسْتُؤْجِرَتِ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ) اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَخْصٍ يَكُونُ مَعَهَا لِأَجْلِ حِفْظِهَا، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنِ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحِفْظِ، وَأُجْرَتُهَا عَلَى الْخِلَافِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ نُفِيَتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ) قَالَهُ إِمَامُنَا وَالشَّافِعِيُّ،

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ النَّفْيُ، وَإِنْ كَانَ الزَّانِي رَقِيقًا فَحَدُّهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يُغَرَّبُ.
وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً، وَتَغْرِيبُ نِصْفِ عَامٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ إِذَا مَاتَ الْمَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: مَعَ الْأَمْنِ، وَعَنْهُ: بِلَا مَحْرَمٍ، تَعَذَّرَ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ النَّفْيُ) عَنْهَا إِذَنْ كَسُقُوطِ سَفَرِ الْحَجِّ عَنْهَا، فَكَذَا هُنَا، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهَذَا الاحتمال هُوَ اللَّائِقُ بِالشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ نَفْيَهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ إِغْرَاءٌ لَهَا بِالْفُجُورِ، وَتَعْرِيضٌ لَهَا بِالْفِتْنَةِ، لَا يُقَالُ: حَدِيثُ التَّغْرِيبِ عَامٌّ، لِأَنَّهُ يُخَصُّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (وَإِنْ كَانَ الزَّانِي رَقِيقًا فَحَدُّهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَا: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا» . الْخَبَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: «إِذَا تَعَالَتْ مِنْ نِفَاسِهَا فَاجْلِدْهَا خَمْسِينَ» . رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ (بِكُلِّ حَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ مُزَوَّجًا أَوْ غَيْرَ مُزَوَّجٍ لِلْعُمُومِ، وَخَرَقَ أَبُو ثَوْرٍ الْإِجْمَاعَ فِي إِيجَابِ الرَّجْمِ عَلَى الْمُحْصَنَاتِ، كَمَا خَرَقَ دَاوُدُ الْإِجْمَاعَ فِي تَكْمِيلِ الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ، وَتَضْعِيفِ حَدِّ الْأَبْكَارِ عَلَى الْمُحْصَنَاتِ (وَلَا يُغَرَّبُ) وَلَا يُعَيَّرُ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ كَغَيْرِهِ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ، وَفِي تَغْرِيبِهِ ضَيَاعٌ لَهَا مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ، بِدَلِيلِ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ، وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِالنَّفْيِ، لِأَنَّ عُمَرَ نَفَاهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ: يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: نَفَاهُ، أَيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ صُحْبَتِهِ (وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً) لِأَنَّ أَرْشَ جِرَاحِهِ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرِّ وَالنِّصْفِ مِنَ الْعَبْدِ، فَكَذَا حَدُّهُ، وَفِي الْأَوَّلِ خَمْسُونَ، وَفِي الثَّانِي

وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يُغَرَّبَ.
وَحَدُّ اللُّوطِيِّ كَحَدِّ الزَّانِي سَوَاءٌ، وَعَنْهُ: حَدُّهُ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ.

[المبدع في شرح المقنع]

خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَفِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِالْحِسَابِ، وَهُوَ أَوْلَى (وَتَغْرِيبُ نِصْفِ عَامٍ) فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ الْحُرَّ تَغْرِيبُهُ عَامٌ وَالْعَبْدُ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِ، فَنِصْفُ الْوَاجِبِ مِنَ التَّغْرِيبِ نِصْفُ عَامٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فَبِالْحِسَابِ كَالْحَدِّ (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يُغَرَّبَ) لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ بَعْضُهُ، فَيَقْتَضِي بَقَاءَهُ فِي بَلَدِهِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِحِصَّتِهِ، فَغَلَبَ حَقُّهُ عَلَى التَّغْرِيبِ، لِمَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ مِنَ التَّأْكِيدِ.
فَرْعٌ: إِذَا زَنَى عَبْدٌ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حَدُّ الرَّقِيقِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ حُرًّا وَالْآخِرُ رَقِيقًا فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حَدُّهُ، وَإِنْ زَنَى بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ فَعَلَيْهِ حَدُّ حُرٍّ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنْهُ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّهُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ (وَحَدُّ اللُّوطِيِّ كَحَدِّ الزَّانِي سَوَاءٌ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ» وَلِأَنَّهُ زِنًا، فَكَانَ فَاحِشَةً كَالْإِيلَاجِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ جُلِدَ مِائَةً وَغُرِّبَ عَامًا، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا جُلِدَ خَمْسُونَ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيبٍ (وَعَنْهُ: حَدُّهُ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ) بِكْرًا كَانَ أَوْ ثَيِّبًا، مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَهُ، وَهِيَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبِكْرِ: يُرْجَمُ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَقَدْ عَابَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَذَمَّ فَاعِلَهُ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يُحْرَقُ اللُّوطِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ

وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَعَلَيْهِ حَدُّ اللُّوطِيِّ.
عند القاضي وَاخْتَارَ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يُعَزَّرُ،

[المبدع في شرح المقنع]

قُتِلَ بِلَا اسْتِتَابَةٍ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا، وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَقِيسًا عَلَى الزَّانِي فِي الْغُسْلِ كَذَلِكَ الْحَدُّ، وَإِنَّ الْغُسْلَ قَدْ يَجِبُ وَلَا حَدَّ، لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْغُسْلِ نَفْيُ الْحَدِّ وَأَوْلَى، وَنَصَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، لِخُرُوجِهِ عَنْ هَيْئَةِ الْفُرُوجِ وَأَحْكَامِهَا.
مَسَائِلُ: يُعَزَّرُ غَيْرُ الْبَالِغِ مِنْهُمَا، وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ فِي دُبُرِهَا، بَلْ يُعَزَّرُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَمْلُوكُهُ كَأَجْنَبِيٍّ، وَفِي التَّرْغِيبِ: وَدُبُرُ أَجْنَبِيَّةٍ كَلِوَاطٍ، وَقِيلَ: كَزِنًا، وَزَانٍ بِذَاتِ مَحْرَمٍ كَلِوَاطٍ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: وَيُؤْخَذُ مَالُهُ، لِخَبَرِ الْبَرَاءِ، وَأَوَّلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى عَدَمِ وَارِثٍ، وَأَوَّلَ جَمَاعَةٌ ضَرْبَ الْعُنُقِ فِيهِ عَلَى ظَنِّ الرَّاوِي، قَالَ أَحْمَدُ: يُقْتَلُ وَيُؤْخَذُ مَالُهُ عَلَى خَبَرِ الْبَرَاءِ، إِلَّا رَجُلًا يَرَاهُ مُبَاحًا فَيُجْلَدُ، قُلْتُ: فَالْمَرْأَةُ؟ قَالَ: كِلَاهُمَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ يُقْتَلُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَإِنَّ غَيْرَ الْمُسْتَحِلِّ كَزَانٍ.

[حُكْمُ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً]

(وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً) وَلَوْ سَمَكَةً (فَعَلَيْهِ حَدُّ اللُّوطِيِّ) عِنْدَ الْقَاضِي، لَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (وَاخْتَارَ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ) وَالْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ (أَنَّهُ يُعَزَّرُ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَصٌّ، وَلَا يُمْكِنْ قِيَاسُهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي فَرْجِ الْآدَمِيِّ، لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا، وَالنُّفُوسُ تَعَافُهُ، وَيُبَالَغُ فِي تَعْزِيرِهِ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ لَهُ فِيهِ كَوَطْءِ الْمَيْتَةِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِي الْبَهِيمَةَ فَوَقَفَ عِنْدَهَا، وَلَمْ يُثْبِتْ حَدِيثَ عَمْرٍو، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ) عَلَيْهِمَا، مَأْكُولَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ لِلْخَبَرِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي قَتْلِهَا عَلَى الثَّانِي رِوَايَتَيْنِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالِاخْتِيَارُ قَتْلُهَا، وَإِنْ تُرِكَتْ فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ، إِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَى فِعْلِهِ بِهَا، أَوْ بِإِقْرَارِهِ إِنْ كَانَتْ مِلْكَهُ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهَا بِحَالٍ،

وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَكْلَ لَحْمِهَا، وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

فَصْلٌ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَطَأَ فِي الْفَرْجِ سَوَاءٌ كَانَ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، فَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا.

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِغَيْرِ مَالِكِهَا، وَقِيلَ إِنْ كَانَتْ تُؤْكَلُ ذُبِحَتْ وَحَلَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَكْلَ لَحْمِهَا) لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي حِلِّ الْأَكْلِ (وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ لَحْمُ حَيَوَانٍ وَجَبَ قَتْلُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَحَرُمَ أَكْلُهُ كَسَائِرِ الْمَقْتُولَاتِ، فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُ الْوَاطِئُ كَمَالَ قِيمَتِهَا، وَفِي الِانْتِصَارِ: احْتِمَالٌ، وَالثَّانِي: يَحِلُّ أَكْلُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذَبَحَهُ ذَابِحٌ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَجَازَ أَكْلُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِلشُّبْهَةِ، فَعَلَيْهَا يَضْمَنُ نَقْصَهَا.

[شُرُوطُ إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا]

[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ]

فَصْلٌ (وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ) لِمَا يَأْتِي (أَحَدُهَا: أَنْ يَطَأَ فِي الْفَرْجِ) أَيْ: فَرْجٍ أَصْلِيٍّ (سَوَاءٌ كَانَ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا) أَصْلِيَّيْنِ، لِأَنَّ الدُّبُرَ فَرْجٌ مَقْصُودٌ أَشْبَهَ الْقُبُلَ، وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَهُوَ مِمَّا يُسْتَبَاحُ، فَهَذَا أَوْلَى، وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا بَدَأَ قَوْمُ لُوطٍ بِوَطْءِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، ثُمَّ انْتَقَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ (وَأَقَلُّ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) الْأَصْلِيَّةِ مِنْ خَصِيٍّ أَوْ فَحْلٍ، أَوْ قَدْرِهَا لِعَدِمٍ (فِي الْفَرْجِ) لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ (فَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ) فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً فَأَصَبْتُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ حَدًّا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ إِذَا جَاءَ تَائِبًا (أَوْ أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا) أَيْ: إِذَا تَسَاحَقَتِ امْرَأَتَانِ فَهُمَا مَلْعُونَتَانِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

فَصْلٌ الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ، أَوْ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

«إِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» . رواه مسلم ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ إِيلَاجًا، أَشْبَهَ الْمُبَاشَرَةَ دُونَ الْفَرْجِ، وَعَلَيْهِمَا التَّعْزِيرُ، لِأَنَّهُ زِنًى لَا حَدَّ فِيهِ، أَشْبَهَ مُبَاشَرَةَ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيَّةَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَكَذَا لَوْ جَامَعَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ بِذَكَرِهِ، أَوْ جُومِعَ فِي قُبُلِهِ فَلَا حَدَّ.
فَرْعٌ: إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُقَبِّلُ الْآخَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ، فَإِنْ قَالَا: نَحْنُ زَوْجَانِ قُبِلَ قَوْلُهُمَا، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ شُهِدَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا، فَقَالَا: نَحْنُ زَوْجَانِ، فَقِيلَ: عَلَيْهِمَا الْحَدُّ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِالنِّكَاحِ، وَقِيلَ: لَا إِذَا لَمْ يُعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ، كَمَا لَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ، فَادَّعَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكُهُ.

[الشَّرْطُ الثَّانِي انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ]

فَصْلٌ (الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ) فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ فِيهِ كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» أَضَافَ مَالَ وَلَدِهِ إِلَيْهِ وَجَعَلَهُ لَهُ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ جَعْلِهِ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: مَنْ وَطِئَ أَمَةَ وَلَدِهِ وَلَمْ يَنْوِ تَمَلُّكَهَا بِهِ، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُهُ وَطِئَهَا، وَقِيلَ: أَوْ كَانَ، عُزِّرَ فِي الْأَشْهَرِ بِمِائَةِ سَوْطٍ، وَقِيلَ: إِنْ حَمَلَتْ مِنْهُ مَلَكَهَا، وَإِلَّا عُزِّرَ، وَإِنْ كَانَ ابْنُهُ وَطِئَهَا حُدَّ الْأَبُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ (أَوْ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ) فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ فَرْجٌ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ، أَشْبَهَ الْمُكَاتَبَةَ وَالْمَرْهُونَةَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ

جارٍ التحميل