المبدع في شرح المقنعصفحات 335-374

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 335-374

الْمُدَّعِي، وَهَلْ تُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ـ دُونَ الْقِصَاصِ ـ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

الْخَامِسُ: مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ وَالرَّضَاعِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْحَيْضِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ، فَأَمَّا الْمَوَارِيثُ فَيُقْرَعُ.
وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ الْخَطَأِ إِلَّا رَجُلَانِ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
(وَهَلْ تُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ـ دُونَ الْقِصَاصِ ـ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) نَقُولُ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الَّتِي لَا تُوجِبُ قَوَدًا كَجَائِفَةٍ وَجِنَايَةِ أَبٍ وَقَتْلِ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ وَحُرٍّ بِعَبْدٍ: رِوَايَتَانِ.
ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلُ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ إِلَّا الْمَالَ أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهَا جِنَايَةُ عَمْدٍ، أَشْبَهَتِ الْمُوضِحَةَ.
فَعَلَى الْأُولَى: إِنْ كَانَ الْقَوَدُ فِي بَعْضِهَا كَمَأْمُومَةٍ وَهَاشِمَةٍ، هَلْ يَثْبُتُ الْمَالُ فَقَطْ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَالْمَذْهَبُ ـ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالتَّرْغِيبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ـ: أَنَّهُ يُقْبَلُ ; لِأَنَّ مُوجِبَهَا الْمَالُ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا رَمَى سَهْمًا عَلَى إِنْسَانٍ فَتَعَدَّى مِنْهُ إِلَى آخَرَ فَمَاتَا، ثَبَتَ الثَّانِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَكَذَا الْأَوَّلُ، إِنْ كَانَ مُوجِبَهُ الْقَوَدُ، وَالشَّاهِدُ لَوْثٌ حَلَفَ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَثْبُتُ الدِّيَةُ.
وَقِيلَ: وَالْقَوَدُ أَيْضًا.

[مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ]

(الْخَامِسُ: مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ وَالرَّضَاعِ) وَعَنْهُ: وَتَحْلِفُ فِيهِ.
(وَالِاسْتِهْلَالِ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْحَيْضِ وَنَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ

وَنَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنِ امْرَأَتَيْنِ، وَإِنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ وكَانَ أَوْلَى بِثُبُوتِهِ.

فصل: إِذَا شَهِدَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَإِنْ شَهِدُوا

[المبدع في شرح المقنع]

بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّضَاعِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِهْلَالِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَالَةُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَفِي الْفُرُوعِ: يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَةٌ لَا ذِمِّيَّةٌ.
نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الِانْتِصَارِ: فَيَجِبُ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَا مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَالْخَبَرِ، وَلَا أَعْرِفُ عَنْ إِمَامِنَا مَا يَرُدُّهُ.
(وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنِ امْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّ كُلَّ جِنْسٍ لَمْ يَثْبُتِ الْحَقُّ فِيهِ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِاثْنَيْنِ كَالرِّجَالِ.
(وَإِنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ) كَانَ كَالْمَرْأَةِ.
(كَانَ أَوْلَى بِثُبُوتِهِ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ، كَالرِّوَايَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُهُ: أَنَّ الْجِرَاحَةَ وَغَيْرَهَا فِي الْحَمَّامِ وَالْعُرْسِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ، أَنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ ادَّعَتْ إِقْرَارَ زَوْجِهَا بِأُخُوَّةِ رَضَاعَةٍ فَأَنْكَرَ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَقُلْنَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالْإِقْرَارِ، لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ نِسَاءٌ فَقَطْ.
وَتَرْكُ الْقَابِلَةِ وَنَحْوِهَا الْأُجْرَةَ لِحَاجَةِ الْمَقْبُولَةِ أَفْضَلُ، وَإِلَّا دَفَعَتْهَا إِلَى مُحْتَاجٍ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

فصل فِي شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ

فصل (إِذَا شَهِدَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
(لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَالْمَالُ بَدَلٌ مِنْهُ.
فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْأَصْلُ لَمْ يَجِبْ بَدَلُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ.
فَلَوْ أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ وَحْدَهَا أَوْجَبْنَا مُعَيَّنًا.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمَالُ إِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَوْ حُرًّا.
(وَإِنْ شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ ثَبَتَ الْمَالُ) لِكَمَالِ بَيِّنَتِهِ (دُونَ الْقَطْعِ) كَذَا فِي

بِالسَّرِقَةِ ثَبَتَ الْمَالُ.
وَإِنِ ادَّعَى رَجُلٌ الْخُلْعَ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَإِنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ، وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَوَلَدُهَا مِنْهُ، قُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ.
وَهَلْ تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ ; لِأَنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُهُمَا أَيْ: الْمَالَ وَالْقَطْعَ، فَإِذَا قَصُرَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ الْآخَرُ.
وَاخْتَارَ فِي الْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ: لَا يَثْبُتُ الْمَالُ كَالْقَطْعِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ ـ وَهُوَ أَحَدُ مُوجِبَيْهَا ـ فَإِذَا بَطَلَتْ فِي أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ فِي الْآخَرِ.
وَبَنَى فِي التَّرْغِيبِ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءَ بِالْغُرْمِ عَلَى نَاكِلٍ.
(وَإِنِ ادَّعَى رَجُلٌ الْخُلْعَ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمَالَ الَّذِي خَالَعَتْهُ بِهِ، فَأَمَّا الْبَيْنُونَةُ فَتَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
(وَإِنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ بِذَلِكَ إِلَّا الْفَسْخَ، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِعَدْلَيْنِ.
فَأَمَّا إِنِ اخْتَلَفَا فِي عِوَضِ الْخُلْعِ أَوِ الصَّدَاقِ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ; لِأَنَّهُ مَالٌ.
(وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
(لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهَا مِنْهُ قُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أَمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي مِلْكَهَا، وَقَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً كَافِيَةً فِيهِ، وَيَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بِإِقْرَارِهِ ; لِأَنَّ إِقْرَارَهُ ثَبَتَ، وَالْمِلْكُ ثَبَتَ فِي مِلْكِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ حَصَلَ بِقَوْلِ الْبَيِّنَةِ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُرَادٍ، بَلْ مُرَادُهُ الْحُكْمُ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عِلَّةِ ذَلِكَ، وَعِلَّتُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُقِرٌّ بِأَنَّ وَطْأَهَا كَانَ فِي مِلْكِهِ.
(وَهَلْ يَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ.
الْأَشْهَرُ ـ كَمَا نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ـ: أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَلَا نَسَبُهُ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ.
فَعَلَى هَذَا يَبْقَى الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمُنْكِرِ مَمْلُوكًا لَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَثْبُتَانِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ نَمَاءُ الْجَارِيَةِ وَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُ، فَتَبِعَهَا الْوَلَدُ فِي الْحُكْمِ، ثُمَّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ بِإِقْرَارِهِ.
وَقِيلَ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ أَبِيهِ بِدَعْوَاهُ وَإِنْ بَقِيَ عَبْدًا لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ.
فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
قَدَّمَهُ

بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ، وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِمِلْكٍ قَدِيمٍ فَلَمْ يَثْبُتْ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقِيلَ: تَثْبُتُ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ الْحَلِفُ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ.
كَمَنْ رَأَى خَطَّ مَوْرُوثِهِ بِأَنَّ لَهُ عَلَى زَيْدٍ شَيْئًا، أَوْ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، حَلَفَ إِذَا وَثِقَ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ.
وَإِنْ رَأَى زَيْدٌ بِخَطِّهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى عَمْرٍو أَوْ أَنَّهُ قَضَاهُ وَعَلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ، حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ أَنَّ زَيْدًا قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ غَصَبَهُ شَيْئًا، حَلَفَ عَلَيْهِ وَضَمِنَهُ إِيَّاهُ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ لِغَيْرِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ قَدْ زَوَّرَ عَلَى خَطِّهِ، وَلَا يُحْتَمَلُ هَذَا فِيمَا يُحْلَفُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَالِفِ فَلَا يُزَوِّرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حُقُوقِهِ يَكْثُرُ فَيَنْسَى بَعْضَهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
وَالْأَوْلَى التَّوَرُّعُ عَنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ]

[مَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَمَا تُرَدُّ فِيهِ]

بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
فَقَالَ: هِيَ جَائِزَةٌ.
وَكَانَ قَوْمٌ يُسَمُّونَهَا التَّأْوِيلَ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَجْمَعَتِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إِمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ.
وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَبَطَلَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوُقُوفِ، وَمَا يَتَأَخَّرُ إِثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَوْ مَاتَتْ شُهُودُهُ.
وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَوَجَبَ قَبُولُهَا كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ.
(تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا فَرْعًا لِأَصْلٍ.
وَذَكَرَ

تُقْبَلُ إِلَّا أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ، أَوْ مَرَضٍ، غَيْبَةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ.

وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَه إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ، فَيَقُولُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، أَقَرَّ عِنْدِي، وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا بكَذَا، أَوْ شَهِدْتُ عَلَيْهِ، أَوْ أَقَرَّ

[المبدع في شرح المقنع]

ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّ قَبُولَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْقِصَاصَ وَالْحُدُودَ، فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَلَا تُقْبَلُ) أَيْ: لَا يُحْكَمُ بِهَا، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ.
(إِلَّا أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ) وَعَلَى الْأَصَحِّ (أَوْ مَرَضٍ) أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ (غَيْبَةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ أَقْوَى ; لِأَنَّهَا تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ، وَهَذِهِ لَا تُثْبِتُهُ ; لِأَنَّ سَمَاعَ الْقَاضِي مِنْهُمَا مُتَيَقَّنٌ، وَصِدْقُ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ عَلَيْهِمَا مَظْنُونٌ، فَلَمْ يُقْبَلِ الْأَدْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَقْوَى، وَكَسَائِرِ الْأَبْدَالِ، وَالْغَيْبَةُ هُنَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ.
ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ مَا دُونُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهَا مَا لَا يَتَّسِعُ الْعَوْدُ وَالذَّهَابُ فِي يَوْمٍ.
وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَامِدِ الشَّافِعِيُّ لِلْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ مَا دُونَ الْيَوْمِ.
(وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ) هذا رِوَايَةٌ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَةِ فَرْعٍ فِي حَيَاةِ أَصْلٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَيًّا رُجِيَ حُضُورُهُ، فَكَانَ كَالْحَاضِرِ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ مَاتَ شَاهِدُ الْأَصْلِ.

[لَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ]

(وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يشهده إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَكُونُ شَهَادَةٌ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَكَ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ، وَالنِّيَابَةُ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَا تَجُوزُ.
وَعَنْهُ: تَجُوزُ مُطْلَقًا.
ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا فِي التَّبْصِرَةِ.
(فَيَقُولُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ وَقَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ أَقَرَّ عِنْدِي وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا بِكَذَا، أَوْ شَهِدْتُ عَلَيْهِ، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِذَلِكَ) هَذَا وَجْهُ تَعْدَادِ الشَّهَادَةِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا اسْتَرْعَى غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ بِعَيْنِهِ.
وَرَجَّحَ فِي الْمُغْنِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِحُصُولِ الِاسْتِرْعَاءِ.

عِنْدِي.
وَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزُوهُ إِلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.

وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبٍ وَلَا شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ لَمْ يَسْتَرْعِهِ الشَّهَادَةَ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّهَادَةِ الْعِلْمَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَرْعَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَرْعِيهِ إِلَّا عَلَى وَاجِبٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، فَكَذَا هَذَا.
قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ تَحْتَمِلُ الْعِلْمَ وَلَا تَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ فِي لُزُومِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ فِي الْمَجْهُولِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَدُ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلَيْهَا.
فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدَنِي فُلَانٌ بِكَذَا، أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِكَذَا، أَوْ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَوْ شَهِدْتُ، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِهِ، فَوَجْهَانِ: أَقْوَاهُمَا: الْمَنْعُ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزُوهُ إِلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ.
نَصَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ.
قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إنَّهُ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَنِسْبَتُهُ الْحَقَّ إِلَى سَبَبِهِ يَزُولُ الِاحْتِمَالُ، أَشْبَهُ مَا لَوِ اسْتَرْعَاهُ.
وَيُؤَدِّيهَا الْفَرْعُ بِصِفَةِ تَحَمُّلِهِ.
ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِ: وَإِلَّا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يَكْفِي الْعَارِفَ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُعَيِّنَا شَاهِدَيِ الْأَصْلِ وَيُسَمِّيَاهُمَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا سَمِعَهُ خَارِجَ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ يَقُولُ: عِنْدِي شَهَادَةٌ لِزَيْدٍ أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا.
لَمْ يَصِرْ فَرْعًا.
فَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَعُزِلَ، فَهَلْ يَصِيرُ الْحَاكِمُ الْمَعْزُولُ فَرْعًا عَلَى الشَّاهِدِ؛ قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

[تَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ]

(وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ

يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ، عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ.

وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ.
وَعَنْهُ: لَهُنَّ مَدْخَلٌ

[المبدع في شرح المقنع]

بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى هَذَا.
(سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ الْجَمَاعَةُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقِيلَ: هُوَ إِجْمَاعٌ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ ; وَلِأَنَّ شُهُودَ الْفَرْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ، فَاكْتُفِيَ بِمِثْلِ عَدَدِهِمْ.
(وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ) اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ; لِأَنَّ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ يُثْبِتَانِ شَهَادَةَ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ، فَلَا تَثْبُتُ شَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ، كَمَا لَا يَثْبُتُ إِقْرَارُ مُقِرَّيْنِ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ يَشْهَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَاحِدٍ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ: تَخْرِيجٌ أَنَّهُ يَكْفِي شَهَادَةُ فَرْعَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ.
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: إنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ بَطَّةَ.
وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ قَوْلِ اثْنَيْنِ فَجَازَ بِشَاهِدَيْنِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِ نَفْسَيْنِ.
وَعَنْهُ: تَكْفِي شَهَادَةُ رَجُلٍ عَلَى اثْنَيْنِ.
الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
فَرْعٌ: يَتَحَمَّلُ فَرْعٌ عَلَى فَرْعٍ.
وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ أَصْلٍ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ مَعَهُ.
وَلَا أَنْ يُزَكِّيَ أَصْلٌ رَفِيقَهُ فِي الشَّهَادَةِ.

[هَلْ هُنَاكَ مَدْخَلٌ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ]

(وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَالٍ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ أَشْبَهَ الْقَوَدَ وَالنِّكَاحَ.
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ لَهُنَّ مَدْخَلًا فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ.
وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ قَدَّمَهَا فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَالٍ.
وَصَحَّحَهَا فِي الْمُحَرَّرِ.
(وَعَنْهُ: لَهُنَّ

فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا.

وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُمَا.
وَعَدَالَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ.
وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَلَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

مَدْخَلٌ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَهَادَتِهِنَّ إِثْبَاتُ الْحَقِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ شُهُودُ الْأَصْلِ، فَكَانَ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ كَالْبَيْعِ.
وَعَنْهُ: لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي الْأُصُولِ ; لِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ضَعْفًا فَاعْتُبِرَ تَقْوِيَتُهَا بِالذُّكُورِيَّةِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي الْأَصْلِ.
وَفِي الْفُرُوعِ: رِوَايَتَانِ.
(فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِدُخُولِهِنَّ فِيهِ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ) لِأَنَّ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ ضَعْفًا، فَلَا يُضَمُّ ضَعْفٌ إِلَى ضَعْفٍ.
(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا قُبِلَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَلَى مِثْلِهَا فَلَأَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ رَجُلٍ عَلَى امْرَأَةٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ نَاقِلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ فِيهَا: أَقْبَلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ.
وَهَذَا مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ رَجُلًا وَاحِدًا لَوْ كَانَ أَصْلًا، فَشَهِدَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَمَعَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ لَمْ يُقْبَلْ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ إِذَا شَهِدَ بِهَا وَحْدَهُ وَهُوَ فَرْعٌ وَيُحْكَمُ بِهَا.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ذَلِكَ، حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ.
فَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى شَاهِدٍ وَاحِدٍ كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.

[حُكْمُ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ]

(وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُمَا وَعَدَالَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَى شَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ عَدَّلَ شُهُودُ الْفَرْعِ شُهُودَ الْأَصْلِ كَفَى بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا بِالْحَقِّ مَقْبُولَةٌ، فَكَذَا فِي الْعَدَالَةِ.
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِعَدَالَتِهِمْ تَوَلَّى الْحَاكِمُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِنْ لَمْ يُعَدِّلْ شَاهِدُ الْفَرْعِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ; لِأَنَّ تَرْكَ تَعْدِيلِهِمَا يَرْتَابُ بِهِ الْحَاكِمُ وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَا عَدَالَتَهُمَا،

يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ، وَقَّفَ الْحُكْمَ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ.
وَإِنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ.
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ لَمْ يَضْمَنُوا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنُوا.

[المبدع في شرح المقنع]

وَيَتْرُكَاهَا اكْتِفَاءً بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ عَدَالَتِهِمَا.
(وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ، وَقَّفَ الْحُكْمَ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ) لِأَنَّهُ قُدِرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْبَدَلِ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَفِسْقِ بَعْضِهِمْ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ حُضُورُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ) لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَقَ شُهُودُ الْفَرْعِ أَوْ رَجَعُوا.
(وَإِنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ كَانَ بِشَهَادَتِهِمْ، كَمَا لَوْ أَتْلَفُوا بِأَيْدِيهِمْ.
فَإِنْ قَالُوا: بَانَ لَنَا كَذِبُ الْأَصْلِ أَوْ غَلَطُهُمْ.
لَمْ يَضْمَنُوا.
ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ) أَيْ: بَعْدَ الْحُكْمِ.
(لَمْ يَضْمَنُوا) قَدَّمَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ، كَالْمُتَسَبِّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُلْجِئُوا الْحَاكِمَ إِلَى الْحُكْمِ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنُوا) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَنَصَرَهُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إِلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ سَبَبٌ فِي الْحُكْمِ فَضَمِنُوا كَالْمُزَكِّينَ.
فَإِنْ قَالَ شَاهِدَا الْأَصْلِ: كَذَبْنَا أَوْ غَلَطْنَا.
ضَمِنُوا.
وَقِيلَ: لَا.
وَإِنْ قَالُوا بَعْدَ الْحُكْمِ: مَا أَشْهَدَنَا بِشَيْءٍ.
لَمْ يَضْمَنِ الْفَرِيقَانِ شَيْئًا.
1 - فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ، وَتَعَذَّرَ الْآخَرُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ.
ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ جَمْعٌ: إِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا لِتَأَكُّدِ الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ، فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ قَبْلَ الْحُكْمِ، أَوْ أَدَّى بَعْدَ إِنْكَارِهَا، قُبِلَتْ.
نَصَّ عَلَيْهِمَا.
كَقَوْلِهِ: لَا أَعْرِفُ الشَّهَادَةَ.
وَقِيلَ: لَا، كَبَعْدِ الْحُكْمِ.

فصل: وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ، وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ الْحُكْمِ ـ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ـ لَغَتْ وَلَا حُكْمَ وَلَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ بَلْ قَالَ لِلْحَاكِمِ: تَوَقَّفْ.
فَتَوَقَّفَ، ثُمَّ أَعَادَهَا إليها وقُبِلَتْ، فِي الْأَصَحِّ.
وَفِي وُجُوبِ إِعَادَتِهَا احْتِمَالَانِ.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ شَهَادَةً فَأَنْكَرَ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَقَالَ: كُنْتُ أُنْسِيتُهَا.
قُبِلَتْ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: شَاهِدٌ وَمَشْهُودٌ بِهِ وَمَشْهُودٌ لَهُ وَمَشْهُودٌ عَلَيْهِ وَمَشْهُودٌ فِيهِ، يَعْنِي مَجْلِسَ الْحُكْمِ.

فصل فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ

[رُجُوعُ شُهُودِ الْمَالِ]

فصل.
(وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَزِمَهُمْ) أَيْ: الشُّهُودَ.
(الضَّمَانُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُمَا قَدِ اعْتَرَفَا بِأَنَّهُمَا قَدْ أَخْرَجَا مَالَهُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ.
وَلِأَنَّهُمَا نُسِبَا إِلَى إِتْلَافِ حَقِّهِ بِشَهَادَتِهِمَا بِالزُّورِ عَلَيْهِ فَضَمِنَا كَشَاهِدَيِ الْقِصَاصِ.
بَلْ وُجُوبُ الْمَالِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُمْ مَشْهُودٌ لَهُ، فَأَمَّا الْمُزَكُّونَ فَلَا يَغْرَمُونَ شَيْئًا.
ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ.
وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِشَيْءٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُنْقَضُ وَإِنِ اسْتَوْفَى الْحَقَّ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ.
وَجَوَابُهُ: أَنْ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ فَلَا يَسْقُطُ، كَمَا لَوِ ادَّعَيَاهُ لِأَنْفُسِهِمَا.
يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَلَيْسَ هَذَا وَاحِدًا مِنْهُمَا.
وَفَارَقَ الْكَافِرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ: وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ، وَهُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا.

سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أو بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا.

وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ بعد الحكم غَرِمُوا الْقِيمَةَ.

وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا.

وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْقِصَاصِ أَوِ الْحَدِّ قَبْلَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَتُفَارِقُ الْعُقُوبَاتُ حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى لِأَنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ.
(سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا) لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ـ فِيمَا ذُكِرَ ـ عَلَى السَّوَاءِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِدَيْنٍ فَأَبْرَأَ مِنْهُ مُسْتَحِقَّهُ، ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَغْرِمَاهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.

[رُجُوعُ شُهُودِ الْعِتْقِ]

(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ) بَعْدَ الْحُكْمِ (غَرِمُوا الْقِيمَةَ) لِأَنَّهُمَا أَزَالَا يَدَهُ عَنْ عَبْدِهِ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا، أَشْبَهُ مَا لَوْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَإِنَّمَا غَرِمُوا الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنَ الْمُتَقَوِّمَاتِ.
وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُمُ الْمَشْهُودُ لَهُ.
فَإِنْ قَالَا: أَعْتَقَهُ عَلَى مِائَةٍ.
وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا.

[رُجُوعُ شُهُودِ الطَّلَاقِ]

(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَبَعْدَ الْحُكْمِ (غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى) أَوْ بَدَلَهُ، لَا مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفَهُ ; لِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ.
بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّةٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ لِلزَّوْجِ بِشَهَادَتِهِمَا، كَمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِالنِّصْفِ.
(وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ.
(لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يُقَرِّرَا عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَنْ يُخْرِجَا مِنْ مِلْكِهِ مُتَقَوَّمًا، أَشْبَهُ مَا لَوْ أَخْرَجَاهُ مَنْ مِلْكِهِ بِقَتْلِهَا أَوْ رَضَاعٍ.
وَعَنْهُ: يَضْمَنُ الْمُسَمَّى كُلَّهُ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا شَهِدَ قَوْمٌ بِتَعْلِيقِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ، وَآخَرُونَ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَالْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ.
وَقِيلَ: عَلَى كُلِّ جِهَةٍ نِصْفُهُ.
وَقِيلَ: يَغْرَمُ الْكُلَّ شُهُودُ التَّعْلِيقِ.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ بِالْعَقْدِ، وَاثْنَانِ بِالدُّخُولِ، وَاثْنَانِ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ رَجَعُوا فَالْغُرْمُ عَلَى شَاهِدَيِ الطَّلَاقِ.
وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ ثُمَّ رَجَعَا، غَرِمَا مَهْرَ الْمِثْلِ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: بَلْ نِصْفَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَإِنْ رَجَعَا ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا.
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودٌ بِكِتَابَةٍ غَرِمُوا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمُكَاتَبًا.
فَإِنْ عَتَقَ.. فَمَا قِيمَتِهِ وَمَالَ الْكِتَابَةِ.
وَقِيلَ: كُلَّ قِيمَتِهِ، وَكَذَا شُهُودٌ بِاسْتِيلَاءٍ.

[رُجُوعُ شُهُودِ الْقِصَاصِ]

(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْقِصَاصِ أَوِ الْحَدِّ) بَعْدَ

الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَالُوا: أَخْطَأْنَا.
فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ، وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ بينهم عَلَى عَدَدِهِمْ.
فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ غَرِمَ بِقِسْطِهِ.

وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى،

[المبدع في شرح المقنع]

الْحُكْمِ (قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَالْمَالُ يُمْكِنُ جَبْرُهُ، وَالْقِصَاصُ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي لَا لِلْجَبْرِ.
فَعَلَى هَذَا: تَجِبُ دِيَةُ الْقَوَدِ، فَإِنْ وَجَبَ عَيْنًا فَلَا.
قَالَهُ فِي الْوَاضِحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: يُسْتَوْفَى إِنْ كَانَ لِآدَمِيٍّ كَالْفِسْقِ الطَّارِئِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ.
(وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ.
(وَقَالُوا: أَخْطَأْنَا.
فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ) أَوْ أَرْشُ الضَّرْبِ ـ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ــ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَيُعَزَّرَا وَلَا قَوَدَ ; لِأَنَّ بِإِقْرَارِهِمْ حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبِهِمْ، لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ الْخَطَأِ.
فَلَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً.
فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَمَدْتُ.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْتُ.
فَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظًا، وَعَلَى الْآخَرِ نِصْفُهَا مُخَفَّفًا، وَلَا قَوَدَ، فِي الْأَصَحِّ.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَمَدْنَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْنَا.
قُتِلَ الْمُعْتَرِفُ بِالْعَمْدِ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي رِوَايَةٍ: أَوْ غَرِمَ نِصْفَ الدِّيَةِ مُغَلَّظًا، وَالْمُخْطِئُ نَصِفَهَا مُخَفَّفًا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: عَمَدْتُ، وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ غَيْرِي.
قُتِلَا.
جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ إِقْرَارَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَوَدٌ.
(وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ) بَيْنَهُمْ (عَلَى عَدَدِهِمْ) لِأَنَّ التَّفْوِيتَ حَصَلَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ، فَوَجَبَ تَقْسِيطُ الْغَرَامَةِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، كَمَا لَوِ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ وَأَتْلَفُوا مِلْكًا لِإِنْسَانٍ.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ رَجَعَ شَاهِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ غَرِمَ الْعُشْرَ.
(فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ غَرِمَ بِقِسْطِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
كَمَا لَوْ رَجَعْنَا جَمِيعًا.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْكُلُّ عَلَى الرَّاجِعِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِهِ.
ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعُوا، غَرِمَ الرَّجُلُ النِّصْفَ وَهُمَا النِّصْفَ.
نَصَّ

فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، غَرِمَا ثُلْثَ الدِّيَةِ لأنهما ثلث البينة.
وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا، وَإِنْ شَهِدَ عليه أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ الْجَمِيعُ ولَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، واثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ،

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي ; لِأَنَّهُمَا كَرَجُلٍ، فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ فَعَلَيْهِ السُّدُسُ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ سُدُسٌ.
وَقِيلَ: مُنَاصَفَةً ; لِأَنَّ الرَّجُلَ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ.
وَقِيلَ: هُوَ كَأُنْثَى، وَكَذَا رَضَاعٌ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا تَشْطِيرَ، وَإِنَّا إِنْ قُلْنَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِامْرَأَتَيْنِ فَالْغُرْمُ بِالتَّسْدِيسِ.

[رُجُوعُ شُهُودِ الزِّنَى]

(وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، غَرِمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُمَا ثُلُثُ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قَائِمَةٌ بِغَيْرِهِمَا.
(وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا) لِأَنَّهُمْ سِتَّةٌ فَالْغَرَامَةُ تُقَسَّطُ عَلَيْهِمْ.
(وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ الْجَمِيعُ) ضَمِنُوهُ ; لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِمَجْمُوعِ الشَّهَادَتَيْنِ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا جَمِيعًا بِالزِّنَى.
(وَلَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ كَشُهُودِ الزِّنَى ; لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْ جَمِيعِهِمْ.
(وَفِي الْآخَرِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ (عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْبَيِّنَةِ، فَتُقَسَّمُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا.
وَقِيلَ: لَا يَضْمَنَانِ ; لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالشَّرْطِ لَا بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ.
فَإِنْ شَهِدَ بِزِنَاهُ ثَمَانِيَةٌ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ أَرْبَعَةٌ، ضَمِنُوا نِصْفَ دِيَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُمْ شَيْءٌ.
وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ ضَمِنُوهَا أَثْمَانًا.
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ أَحَدِ الْجِهَتَيْنِ لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ كُلُّهَا.
وَقِيلَ: نَصِفُهَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا شَهِدَ بِالْقَتْلِ ثَلَاثَةٌ، أَوْ بِالزِّنَى خَمْسَةٌ، ثُمَّ رَجَعَ الزَّائِدُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَضُرَّ ; لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الْبَيِّنَةِ كَافٍ.
وَيُحَدُّ الرَّاجِعُ ; لِأَنَّهُ قَاذِفٌ.
وَقِيلَ: لَا يُحَدُّ ; لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِمَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ زَانٍ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ.
وَإِنِ اسْتَوْفَى ثُمَّ رَجَعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ، فَكَشَاهِدَيِ الْقَتْلِ وَأَرْبَعَةِ الزِّنَى، فِيمَا ذَكَرْنَا، نَصَّ

صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ رُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ، فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالْإِحْصَانِ ثُلْثَا الدِّيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا

وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ.

إذا بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْجَمَاعَةُ.
فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ فِي الْقَتْلِ فَالثُّلُثُ، وَفِي الزِّنَى الْخُمُسُ.
وَقِيلَ: لَا يَغْرَمُ شَيْئًا.
وَهُوَ أَقْيَسُ.
فَلَوْ رَجَعَ مِنْ خَمْسَةِ زِنًى اثْنَانِ، فَهَلْ عَلَيْهِمَا خُمُسَانِ أَوْ رُبُعٌ؛ أَوِ اثْنَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ قَتْلٍ، فَالثُّلُثَانِ أَوِ النِّصْفُ؛ فِيهِ الْخِلَافُ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ صَحَّتِ الشَّهَادَةُ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهَا.
(فَإِنْ رُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ، فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالْإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْأَشْهَرُ الثُّلْثُ لِشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ.
والثلث لشهادتهما بالزنى (وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) النِّصْفُ لِشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ، وَالرُّبُعُ لِشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى.
وَالْبَاقِي عَلَى الْآخَرِينَ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَى شَاهِدَيِ الْإِحْصَانِ إِلَّا النِّصْفُ ; لِأَنَّهُمَا كَأَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ، جَنَى اثْنَانِ جِنَايَتَيْنِ وَجَنَى الْآخَرَانِ أَرْبَعَ جِنَايَاتٍ.
فَرْعٌ: لَا ضَمَانَ بِرُجُوعٍ عَنْ كَفَالَةٍ بِنَفْسٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْهَا، أَوْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، أَوْ أَنَّهُ عَفَا عَنْ دَمٍ عَمْدٍ؛ لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ مَالًا.
وَفِي الْمُبْهِجِ: قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْكَفَالَةَ مُتَضَمَّنَةٌ بِهَرَبِ الْمَكْفُولِ، وَالْقَوَدُ قَدْ يَجِبُ مَالًا.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ بِصَدَاقٍ ذَكَرَاهُ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ، لَزِمَ شُهُودَ النِّكَاحِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْمُسَمَّى.
وَقِيلَ: عَلَيْهِمُ النِّصْفُ.
وَعَلَى الْآخَرِينَ النِّصْفُ.
وَإِنْ شَهِدَ مَعَ هَذَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يُوجِبَا عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ

[رُجُوعُ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ]

(وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةُ الدَّعْوَى فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ، كَالشَّاهِدَيْنِ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ.
وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَتِهِ لِلْحَاكِمِ بِالْحُكْمِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حُجَّةٌ لَكِنْ إِنَّمَا جَعَلْنَاهَا حُجَّةَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ.
وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى شَهَادَتِهِ، وَكَيَمِينِهِ عَلَى بَيِّنَةِ غَائِبٍ.

أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ، نُقِضَ، وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٍ فَعَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ: يَجُوزُ فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ أَنْ تُسْمَعَ يَمِينُ الْمُدَّعِي قَبْلَ الشَّاهِدِ.
(وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ) لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيِ الدَّعْوَى كَالشَّاهِدَيْنِ.
فَرْعٌ: رُجُوعُ شُهُودِ تَزْكِيَةٍ كَرُجُوعِ مَنْ زَكُّوهُمْ.
وَمَنْ شَهِدَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمُنَافٍ لِلْأُولَةِ فَكَرُجُوعِهِ وَأَوْلَى.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ

[بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ]

(إِذَا بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ نُقِضَ) أَيْ: إِذَا بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ كُفْرُ الشُّهُودِ نُقِضَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ كَوْنُ الشَّاهِدِ مُسْلِمًا، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَكَذَا إِذَا بَانَ فِسْقُهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نُقِضَ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ الْحَقُّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا أُلْزِمَ بِرَدِّهِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا) كَقَتْلٍ أَوْ كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ بِإِتْلَافٍ حِسِّيٍّ، أَوْ بِمَا سَرَى إِلَيْهِ (فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّينَ) ؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، وَشُهُودُ التَّزْكِيَةِ أَلْجَؤُوا الْحَاكِمَ إِلَى الْفِعْلِ، فَلَزِمَهُمُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِحَقٍّ ثُمَّ حَكَمَ حَاكِمٌ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَا؛ وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، وَالشُّهُودُ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ مِنَ الْمُزَكِّينَ.
قَالَ الْقَاضِي: الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ السَّامَرِّيُّ ; لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحُكْمِ بِمَنْ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ ; لِأَنَّهُمْ فَوَّتُوا الْحَقَّ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ بِشَهَادَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ، كَمَا لَوْ رَجَعُوا.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ فَعَلَى الْحَاكِمِ) لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ مُزَكُّونَ فَمَاتُوا.
ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ وَلَا قَوَدَ ; لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ.

الْحَاكِمِ.
وَعَنْهُ: لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ.

وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، ثُمَّ مَاتُوا حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ.

وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ وعَزَّرَهُ وَطَافَ بِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَيَنْصَبُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ حُكِمَ لَهُ بِمَالٍ فَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ.
قُلْنَا: ثُمَّ حَصَلَ فِي يَدِ الْمُسْتَوْفِي مَالُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَضَمَانُهُ إِنْ تَلِفَ، وَهُنَا لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِخَطَأِ الْإِمَامِ وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا.
(وَعَنْهُ: لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ) لِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلْقَاضِي فِسْقُ الشُّهُودِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ، وَالْكُفْرُ لَا يَخْفَى غَالِبًا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمَا، لَكِنْ تَبَيَّنَ فَقْدُ شَرْطِ الْحُكْمِ فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِنَقْضِهِ.
كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ.
وَإِنْ ظَهَرُوا عَبِيدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا أَوْ عَدُوًّا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَكَمَ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ، لَمْ يُنْقَضْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا، وَإِلَّا نُقِضَ.
فَرْعٌ: إِذَا جَلَدَ الْإِمَامَ إِنْسَانًا بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ بَانَ فِسْقُهُمْ أَوْ كُفْرُهُمْ أَوْ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ، ضَمِنَ الْإِمَامُ مَا حَصَلَ بِسَبَبِ الضَّرْبِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أَوْ قَتَلَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَضْمَنُ فِي الْكُفْرِ وَالرِّقِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

[شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ ثُمَّ مَاتُوا]

(وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقّه، ثُمَّ مَاتُوا حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ) لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا، وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ.
وَكَذَا إِنْ جُنُّوا.
(إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ) لِحُصُولِ الثِّقَةِ لِلْحَاكِمِ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ الْمَوْتِ كَالْحَيَاةِ.

[إِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ]

(وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ) بِإِقْرَارِهِ أَوْ عَلِمَ كَذِبَهُ وَتَعَمُّدَهُ.
وَفِي الْكَافِي: يَثْبُتُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يُقِرَّ بِذَلِكَ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِهِ، أَوْ يَشْهَدَ بِمَا يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ.
(وعَزَّرَهُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ ; وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضُرُّ بِهِ النَّاسَ، أَشْبَهَ النَّسَبَ

فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُشْتَهَرُ فِيهَا، فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاجْتَنِبُوهُ.

وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أَحَقُّ.
لَمْ يُحْكَمْ بِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْقَذْفَ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنِ ارْتِكَابِ مِثْلِ فِعْلِهِ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَابَ.
وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَالثَّانِي: لَا تَعْزِيرَ.
وَهُمَا فِي كُلِّ تَائِبٍ بَعْدَ وُجُوبِ التَّعْزِيرِ.
وَتَعْزِيرُهُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ.
نَقَلَهُ حَنْبَلٌ مَا لَمْ يُخَالِفْ نصا.
وَفِي الْمُغْنِي: أَوْ مَعْنَى نَصٍّ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عُقُوبَاتٍ إِنْ لَمْ يَرْتَدِعْ إِلَّا بِهِ.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا كَرَاهَةَ تَسْوِيدِ الْوَجْهِ.
(وَطَافَ بِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُشْتَهَرُ فِيهَا) لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ، فَيُجْتَنَبُ.
(فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاجْتَنِبُوهُ) لِيَحْصُلَ إِعْلَامُ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَإِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَسَائِرِ التَّائِبِينَ.
وَلَا يُعَزَّرُ بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَةِ وَلَا بِغَلَطِهِ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ رُجُوعِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي ; لِأَنَّ التَّعَارُضَ لَا يُعْلَمُ بِهِ كَذِبُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا، وَالْغَلَطُ قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْلِ وَلَا يَتَعَمَّدُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ.
وَكَذَا إِذَا ظَهَرَ فِسْقُهُ ; لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَمْنَعُ الصِّدْقَ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنِ ادَّعَى شُهُودُ الْقَوَدِ الْخَطَأَ عُزِّرُوا.

[اللَّفْظُ الَّذِي تُقْبَلَ بِهِ الشَّهَادَةُ]

(وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرٌ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا، بِدَلِيلٍ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي اللِّعَانِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا.
(فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أَحَقُّ.
لَمْ يَحْكُمْ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَعْتَمِدُ لَفْظَ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ.
اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ.
وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ.

بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا فِي

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: أَقُولُ: إِنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا أَشْهَدُ.
فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: مَتَى قُلْتَ فَقَدْ شَهِدْتَ.
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهَلْ مَعْنَى الْقَوْلِ وَالشَّهَادَةِ إِلَّا وَاحِدٌ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ شَهَادَةٌ.
فَرْعٌ: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى الْآنَ، بَلْ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى]

[مَشْرُوعِيَّة اليمين في الدعاوي]

بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى الْيَمِينُ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ فِي الْحَالِ، وَلَا تُسْقِطُ الْحَقَّ.
وَتَصِحُّ يَمِينُ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِيمَا يَصِحُّ بَذْلُهُ.
وَمَنْ أَنْكَرَ بُلُوغَهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ، أَوِ ادَّعَاهُ لِتِسْعِ سِنِينَ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ.
فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ.
وَقِيلَ: إِنِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ احْتَاجَ بَيِّنَةً فَلَا يُحَلِّفُهُ.
وَلَا يَحْلِفُ وَصِيٌّ عَلَى نَفْيِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُوصِي.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: بَلْ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهِ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَى الْمُدَّعِي.
وَلَا شَاهِدَ عَلَى صِدْقِهِ إِلَّا الْمُرْضِعَةُ، وَلَا حَاكِمَ عَلَى حُكْمِهِ أَوْ نَفْيِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ نَفْيِ جَوْرِهِ وَظُلْمِهِ، وَلَوْ مَعْزُولًا، وَلَا الْمُدَّعِي إِذَا طَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ، فَقَالَ: لِيَحْلِفْ أَنَّهُ مَا أَحْلَفَنِي.
وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ، فَإِنْ أَبَى حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الرَّدِّ.
وَلَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا قَالَ الْمُدَّعِي: لِيَحْلِفْ أَنَّهُ مَا أَحْلَفَنِي.
وَلَا مَنْ حُكِمَ لَهُ بِشَيْءٍ فَقَالَ خَصْمُهُ: إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَإِنْ ادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّ الْمَيِّتَ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَهُ الْوَرَثَةُ، وَنَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا.
وَقِيلَ: يَحْكُمُ بِذَلِكَ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَصِيُّ.
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ فِي دَفْتَرِهِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ لِمَيِّتٍ لَا وَارِثَ لَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ، حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ.
وَلَا يَحْلِفُ الْحَاكِمُ، فِي الْأَصَحِّ.
(وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ فِي كُلِّ حَقٍّ

النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالرِّقِّ وَالْوَلَاءِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ رِوَايَتَانِ، وَسَائِرُ السِّتَّةِ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَقَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

لِآدَمِيٍّ) فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَدَّمَهَا ابْنُ رَزِينٍ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهَا أَوْلَى ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَجَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّمَاءِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الدَّعْوَى بِالدَّمِ تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ، وَسَائِرُ الْحُقُوقِ إِمَّا مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ فَوَجَبَ مَشْرُوعِيَّةُ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ كَدَعْوَى الْمَالِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تُشْرَعُ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ غَيْرِ الْعَشَرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَسَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ إِمَّا مَالٌ أَوْ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ، إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ.
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ) فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِمَا.
قَالَ: وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ; لِأَنَّ أَمْرَهُمَا أَشَدُّ وَلَا يَدْخُلُهُمَا الْبَدَلُ.
(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ وَالرِّقِّ، وَالْوَلَاءِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَالنَّسَبِ وَالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْآدَمِيُّ، وَزَادُوا: الْإِيلَاءَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ كَالْحُدُودِ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ رِوَايَتَانِ) ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى تَأَكُّدِهَا يَنْبَغِي أَلَا تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِيهَا، وَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهَا حَقُّ آدَمِيٍّ فَتُشْرَعُ فِيهَا.
(وَسَائِرُ السِّتَّةِ) أَيْ: جَمِيعُهَا.
(لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ) لِتَأَكُّدِهَا وَعَدَمِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا.
وَعَنْهُ: يُسْتَحْلَفُ إلا فِي طَلَاقٍ وَإِيلَاءٍ وَقَوَدٍ وَقَذْفٍ.
وَعَنْهُ: يُسْتَحْلَفُ فِيمَا يقضي فِيهِ بِالنُّكُولِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: مَا لَا يَجُوزُ بَدَلُهُ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ.
وَفَسَّرَ الْقَاضِي الِاسْتِيلَادَ بِأَنْ يَدَّعِيَ اسْتِيلَادَ أَمَةٍ، فَتُنْكِرَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ الْمُدَّعِيَةُ.

الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَنْكَرَتِ النِّكَاحَ.
وَتَحْلِفُ إِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُؤلِي مُضِيَّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَلَفَ، وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا بِعِتْقِهِ حَلَفَ مَعَهُ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَذَكَرَ الْقَاضِي وَالسَّامَرِّيُّ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ إِلَيْهِ وَالْوِكَالَةَ لَا يُسْتَحْلُفُ فِيهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُسْتَحْلَفُ فِي إِيلَاءٍ وَلَا فِيهِ.
قَالَ السَّامَرِّيُّ: لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إِذَا ادَّعَيَا عَلَى الرَّجُلِ.
فَإِنِ ادَّعَاهُمَا الرَّجُلُ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ لَا دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ.
(وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ) لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
(وَلَا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَنْكَرَتِ النِّكَاحَ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَدَلُهَا.
(وَتَحْلِفُ إِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا) لِمَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِبُضْعِهَا، وَإِذَا أَحْلَفْنَاهُ فِي ذَلِكَ قَضَيْنَا فِيهِ بِالنُّكُولِ، إِلَّا فِي قَوَدِ النَّفْسِ خَاصَّةً.
قَالَ أَحْمَدُ ـ فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ ـ فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ فَأَنْكَرَ: يَحْلِفُ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أُقِيمَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُقْضَى بِالْقَوَدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: وَهِيَ أَصَحُّ.
وَعَنْهُ: لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ إِلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً.
قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي.
وَمَتَى لَمْ يَثْبُتِ الْقَوَدُ بِنُكُولِهِ، فَهَلْ يَلْزَمُ النَّاكِلَ الدِّيَةُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْقَسَامَةِ.
وَكُلُّ نَاكِلٍ قُلْنَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، فَهَلْ يُخَلَّى سَبِيلُهُ أَوْ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصْلُهُمَا إِذَا نَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ اللِّعَانِ، وَفِي رَدِّ الْيَمِينِ خِلَافٌ سَبَقَ.
فَإِنْ قُلْنَا بِرَدِّ الْيَمِينِ فَتَعَذَّرَ رَدُّهَا، قُضِيَ بِالنُّكُولِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ وَلِيُّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ.
وَقِيلَ: إِنْ بَاشَرَ مَا ادَّعَاهُ.
وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفَا إِذَا زَالَ الْمَانِعُ، وَلَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ قَبْلَ ذَلِكَ.
(وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُؤلِي مُضِيَّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَلَفَ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْلِفْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَضَرُّرِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا.
(وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا بِعِتْقِهِ حَلَفَ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ نَقْلُ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
(وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتِ) أَمَّا الْحُدُودُ فَلَا نَعْلَمُ فِيهَا خِلَافًا ; لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ قُبِلَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَخُلِّيَ، فَلَئِنْ لَا يُسْتَحْلَفَ مَعَ الْإِقْرَارِ أَوْلَى.

وَنَحْوِهَا وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِي الْمَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْبَلَ.
وَلَا يُقْبَلُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ شَاهَدٌ وَيَمِين المدعي وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْيِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ.
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ كَدَعْوَى السَّاعِي عَلَى الزَّكَاةِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَالْحُدُودِ وَكَالصَّلَاةِ وَكَذَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ صَدَقَةٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِيهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
كَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَاهُ حَقًّا لَهُ مِثْلُ: أَنْ يَدَّعِيَ سَرِقَةَ مَالِهِ أَوِ الزِّنَى بِجَارِيَتِهِ لِيَأْخُذَ مَهْرَهَا، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَتَجِبُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَيقضي بِالنُّكُولِ فِي الْمَغْرَمِ.
(وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَشْهُودِ بِهِ.
(وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ) وما (شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٌ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ نَاقِصَةٌ وَإِنَّمَا انْجَبَرَتْ بِانْضِمَامِ الذَّكَرِ إِلَيْهِنَّ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْبَلَ) هَذَا وَجْهٌ ; لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْمَالِ تَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَيَبْطُلُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِجْمَاعًا.
(وَلَا يُقْبَلُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ، شَاهِدٌ وَيَمِينُ) الْمُدَّعِي، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ) مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ مِائَةً عَلَى شَخْصٍ، وَيُقِيمَ شَاهِدًا وَيُرِيدَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ.
(أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ) مِثْلُ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ مِائَةٌ، فَيَقُولُ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا.
(حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَحْلَفَ رَجُلًا، فَقَالَ: قُلْ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ» 1 - (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْيِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ) وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ: يَحْلِفُ فِي إِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ عَلَى الْبَتِّ، إِلَّا لِنَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: أَوْ نَفْيُ دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ فَيَكْفِيهِ نَفْيُ الْعِلْمِ.
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ) مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ غَيْرَهُ غَصَبَهُ ثَوْبَهُ.
(أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ.

غَيْرِهِ أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ.
وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً.
فَرَضُوا جَازَ وَإِنْ أَبَوْا حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.

[المبدع في شرح المقنع]

لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ «وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي غَصَبَنِيهَا أَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِحَاطَةُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ فِعْلِ نَفْسِهِ.
وَكَالشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْقَطْعِ فِيمَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ فِيهِ مِنَ الْعُقُودِ.
وَعَلَى الظَّنِّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقَطْعُ مِنَ الْأَمْلَاكِ وَالْأَنْسَابِ.
وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِانْتِفَائِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ إِلَّا فُلَانٌ وَفُلَانٌ.
وَعَنْهُ: يَمِينُ النَّفْيِ الْعِلْم فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَعَنْهُ: وَغَيْرُهَا عَلَى الْعِلْمِ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَرْفُوعًا «لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِي أَيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ» . وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يَمِينُهُ بَتٌّ عَلَى فِعْلِهِ، وَنَفْيٌ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَعَبْدُهُ كَأَجْنَبِيٍّ فِي حَلِفِهِ عَلَى الْبَتِّ.
وَأَمَّا بَهِيمَتُهُ فَمَا يُنْسَبُ إِلَى تَفْرِيطٍ وَتَقْصِيرٍ فَعَلَى الْبَتِّ، وَإِلَّا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ.
(وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً.
فَرَضُوا جَازَ) ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الْيَمِينِ، كَمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إِذَا قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَكُونُ لِكُلِّ حَقٍّ بَعْضُ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِهَا اثْنَانِ صَارَتِ الْحُجَّةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصَةً، وَالْحَجَّةُ النَّاقِصَةُ لَا تَكْمُلُ بِرِضَى الْخَصْمِ، كَمَا لَوْ رَضِيَ أَنْ يُحْكَمَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
1 - (وَإِنْ أَبَوْا حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَحَكَى الْإِصْطَخْرِيُّ: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ حَلَّفَ رَجُلًا بِحَقٍّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً، فَخَطَّأَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ.

فصل.
وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ: هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى اسْمُهُ.
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَغْلِيظَهَا بِلَفْظٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ، جَازَ فَفِي اللَّفْظِ، يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غيره، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى،

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا تَوَكَّلَ لِجَمَاعَةٍ فِي دَعْوَى وَاحِدَةٍ فِي حُقُوقٍ، صَحَّ دَعْوَاهُ بِالْكُلِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
وَهَلْ تَكْفِي يَمِينٌ لِلْكُلِّ أَوْ أَيْمَانٌ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَمَنِ ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ شَيْئًا بِدَعَاوَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلِكُلِّ دَعْوَى يَمِينٌ.
وَقِيلَ: وَضِدُّهُ.
وَإِنِ ادَّعَى الْكُلُّ دَعْوَى وَاحِدَةً فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنِ ادَّعَى رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنَّهُ كَانَ بَاعَهَا فِي حَوْلِهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَوْ أَخْرَجَ الْفَرْضَ إِلَى سَاعٍ آخَرَ، فَهَلْ يَحْلِفُ وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ وَجَبَ فَنَكَلَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ فَلَا، وَكَذَا الْجِرَاحُ.

فصل: الْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ

فصل (وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى اسْمُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: 109] ، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] . وَالْأَخْبَارُ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
(وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَغْلِيظَهَا بِلَفْظٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ، جَازَ) وَلَمْ يُسْتَحَبَّ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ أَرْدَعُ لِلْمُنْكِرِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ: فِي غَيْرِ لِعِانٍ وَقَسَامَةٍ.
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ.
ذَكَرَهَا فِي التَّبْصِرَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْحُلْوَانِيُّ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهَا تُغَلَّظُ ; لِأَنَّهَا حُجَّةُ أَحَدِهِمَا فَوَجَبَ مَوْضِعُ الدَّعْوَى كَالْبَيِّنَةِ.
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ.
وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ.
(فَفِي اللَّفْظِ، يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) .

وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ، وأنجاه مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ.
وَالنَّصْرَانِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَجَعَلَهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ.
وَالْمَجُوسِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي وَصَوَّرَنِي.
وَالزَّمَانُ: يُحَلِّفُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الطَّالِبُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ طَلَبَ الشَّيْءَ أَيْ: قَصَدَهُ.
وَالْغَالِبُ: اسْمُ فَاعِلٍ مَنْ غَلَبَ يَغْلِبُ بِمَعْنَى قَهَرَ.
وَالضَّارُّ النَّافِعُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى: أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى ضُرِّ مَنْ شَاءَ وَنَفَعِ مَنْ شَاءَ.
وَخَائِنَةُ الْأَعْيُنِ، فُسِّرَ: بِأَنَّهُ يُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا وَيَكُفُّ لِسَانَهُ وَيُومِئُ بِعَيْنِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ سُمِّيَتْ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَلِفَ بِالْمُصْحَفِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُصْحَفِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُهُمْ يُؤَكِّدُونَ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ، وَرَأَيْتُ ابْنَ مَازِنٍ قَاضِي صَنْعَاءَ يُغَلِّظُ الْيَمِينَ بِهِ.
قَالَ أَصْحَابُهُ: فَيُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ بِإِحْضَارِ الْمُصْحَفِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا تُتْرَكُ سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفِعْلِ ابْنِ مَازِنٍ وَلَا غَيْرِهِ.
1 - (وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ، وَأَنْجَاهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْيَهُودِ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(وَالنَّصْرَانِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَجَعَلَهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ) لِأَنَّهُ لَفْظٌ تَتَأَكَّدُ بِهِ يَمِينُهُ، أَشْبَهَ الْيَهُودِيَّ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا تُغَلَّظُ فِي حَقِّ كُلِّ نَصْرَانِيٍّ بِذَلِكَ.
وَفِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ عِيسَى رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ ابْنًا لِلَّهِ.
تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
فَتَغْلِيظُ الْيَمِينِ بِمَا ذُكِرَ يُؤَدِّي إِلَى خُرُوجِ الْيَمِينِ عَنْ أَنْ تَكُونَ يَمِينًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُغَلَّظَةً.
(وَالْمَجُوسِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي وَصَوَّرَنِي) لِأَنَّهُ يُعَظِّمُ خَالِقَهُ وَرَازِقَهُ، أَشْبَهَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمُسْلِمِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ ذَلِكَ بِمَا يُعَظِّمُهُ مِنَ الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهَا.
وَالْوَثَنِيُّ كَالْمَجُوسِيِّ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ هُوَ وَمَنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ.
(وَالزَّمَانُ يُحَلِّفُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 106] . قِيلَ: الْمُرَادُ صَلَاةُ الْعَصْرِ (أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ) أَيْ: بَيْنَ الْأَذَانِ

وَالْمَكَانُ يُحَلِّفُهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَفِي الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
وَيَحْلِفُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا.
وَلَا تُغَلَّظُ الْيَمِينُ إِلَّا فِيمَا لَهُ خَطَرٌ، كَالْجِنَايَاتِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْمَالِ.
وَقِيلَ: مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَرْكَ التَّغْلِيظِ، فَتَرَكَهُ كَانَ مُصِيبًا.

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْإِقَامَةِ ; لِأَنَّهُ وَقْتٌ تُرْجَى فِيهِ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ، فَتُرْجَى فِيهِ مُعَالَجَةُ الْكَاذِبِ.
(وَالْمَكَانُ يُحَلِّفُهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ) لِأَنَّهُ مَقَامٌ شَرِيفٌ زَائِدٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْفَضِيلَةِ.
(وَفِي الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَقَدْ وَرَدَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هِيَ مِنَ الْجَنَّةِ» . (وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ) كَمَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (عِنْدَ الْمِنْبَرِ) قِيَاسًا عَلَى الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ مَالِكُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . وَفِي الْوَاضِحِ: هَلْ يَرْقَى مُتَلَاعِنَانِ الْمِنْبَرَ؛ الْجَوَازُ، وَعَدَمُهُ.
وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ النَّاسُ لَمْ يَجُزِ الصُّعُودُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: يَرْقَيَانِهِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ: قِيَامُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ.
1 - (وَيَحْلِفُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا) لِأَنَّ الْيَمِينَ تُغَلَّظُ فِي حَقِّهِمْ زَمَانًا، فَكَذَا مَكَانًا.
قَالَ الشَّعْبِيُّ لِنَصْرَانِيٍّ: اذْهَبْ إِلَى الْبِيعَةِ.
قَالَ كَعْبُ بْنُ سَوْرٍ فِي نَصْرَانِيٍّ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْمَذْبَحِ.
(وَلَا تُغَلَّظُ الْيَمِينُ إِلَّا فِيمَا لَهُ خَطَرٌ، كَالْجِنَايَاتِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الْمَالِ) قَدَّمَهُ السَّامَرِّيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ التَّغْلِيظَ لِلتَّأْكِيدِ، وَمَا لَا خَطَرَ فِيهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ.
(وَقِيلَ: مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ) لِأَنَّ قَطْعَهُ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَالتَّأْكِيدُ يُنَاسِبُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَتُغَلَّظُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
(وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَرْكَ التَّغْلِيظِ فَتَرَكَهُ كَانَ مُصِيبًا) لِمُوَافَقَتِهِ مُطْلَقَ النَّصِّ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ.
وَتَرْكُ التَّغْلِيظِ أَوْلَى، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَنَصَرَهُ لِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ، إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَصَحَّ؛ «لِتَحْلِيفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَهُودَ بِقَوْلِهِ: نَشَدْتُكُمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» . وَمَنْ بَذَلَ الْيَمِينَ دُونَ التَّغْلِيظِ لَمْ يَكُنْ نَاكِلًا.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ.
وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُحَلِّفُ بِطَلَاقٍ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا، وَابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ إِجْمَاعًا.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لِلْوَالِي إِحْلَافُ الْمُتَّهَمِ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ؛ اسْتِبْرَاءً وَتَغْلِيظًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ آدَمِيٍّ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى حَقًّا عَلَى مُعْسِرٍ عَاجِزٍ عَنْهُ وَعَنْ بَعْضِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
وَسَوَاءٌ خَافَ حَبْسًا أَوْ لَا.
وَجَوَّزَهُ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَابِيسِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
فَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِعُسْرَتِهِ لَزِمَهُ إِنْظَارُهُ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ مَنْعُهُ، إِذَا الْتَمَسَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا ادَّعَى جَمَاعَةٌ مَالًا لَهُمْ بِشَاهِدٍ، أَوْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ شَاهِدًا بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ، وَغَيْرِهِ، وَحَلَفُوا اسْتَحَقُّوا.
وَمَنْ نَكَلَ عَنْهَا لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
وَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْلِفْ وَرَثَتُهُ.
وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَنْكُلْ حَلَفُوا.
وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ غَائِبٌ فَحَضَرَ، أَوْ مَجْنُونٌ فَأَفَاقَ، حَلَفَ وَأَخَذَ حَقَّهُ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُخَلَّفُ دَارًا فَحَلَفَ أَحَدُهُمْ، اشْتَرَكُوا فِيمَا أَخَذَهُ.
فَلَوْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ مَعَ شَاهِدٍ، وَالْآخَرُ مَجْنُونٌ أَوْ غَائِبٌ ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ، أُعِيدَتِ الشَّهَادَةُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا تُجْزِئُ يَمِينٌ قَبْلَ الشَّهَادَةِ وَالتَّزْكِيَةِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ لِمَيِّتٍ دَيْنٌ بِشَاهِدٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَمْ يَحْلِفِ الْوَارِثُ مَعَ الشَّاهِدِ، فَهَلْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ؟ قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَالْأَصَحُّ ـ إِنْ قُلْنَا التَّرِكَةُ لِلْوَارِثِ وَتُوَفَّى مِنْ حَيْثُ شَاءَ ـ: لَمْ يَحْلِفِ الْغَرِيمُ.
وَإِنْ قُلْنَا لَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْوَفَاءِ، حَلَفَ الْغَرِيمُ أَنِّي أَسْتَحِقُّ مِنْ دَيْنِي عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنَ كَذَا.
الثَّالِثَةُ: إِذَا ادَّعَى الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ حَقًّا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَادَّعَى وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ حَقًّا لَهُمْ مِنْ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا، أَوِ ادَّعَى نَاظِرُ وَقْفٍ أَوْ قَيِّمُ مَسْجِدٍ حَقًّا لَهُمَا، فَأَنْكَرَهُمَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْلِفْ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأُخِذَ مِنْهُ الْمُدَّعَى بِهِ.
وَقِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ.
وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: وَلَا يَحْلِفُ إِمَامٌ وَلَا حَاكِمٌ.
وَإِنْ قُلْنَا بِحَلِفِ أَحَدِهِمْ فَأَقَامَ شَاهِدًا بِمَا ادَّعَاهُ، حَلَفَ لِإِتْمَامِ الْبَيِّنَةِ.

كِتَابُ الْإِقْرَارِ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ

فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]

[تَعْرِيفُ الْإِقْرَارِ]

الْإِقْرَارُ: الِاعْتِرَافُ، وَهُوَ إِظْهَارُ الْحَقِّ لَفْظًا.
وَقِيلَ: تَصْدِيقُ الْمُدَّعِي حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا.
وَشَرْعًا: إِظْهَارُ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ الْمُخْتَارِ مَا عَلَيْهِ: لَفْظًا أَوْ كِتَابَةً فِي الْأَقْيَسِ، أَوْ إِشَارَةً، أَوْ عَلَى مُوَكِّلِهِ، أَوْ مَوْرُوثِهِ، أَوْ مُوَلِّيهِ، بِمَا يُمْكِنُ صِدْقُهُ فِيهِ وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ.
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: 81] الآية.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] ، وَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] . وَرَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ بِهِ.
وَقَالَ لِأُنَيْسٍ: «اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَلِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَلَى وَجْهٍ تَنْتَفِي عَنْهُ التُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ.
وَلِهَذَا كَانَ آكَدَ مِنَ الشَّهَادَةِ.
فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا اعْتَرَفَ لَا تُسْمَعُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ.
وَإِنْ كَذَّبَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ لَمْ تُسْمَعْ.
فَلَوْ كَذَّبَ الْمُقِرَّ ثُمَّ صَدَّقَهُ سُمِعَ.
(يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ) كَذَا فِي الْوَجِيزِ.
أَيْ: يَصِحُّ بِمَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْتِزَامُهُ، كَحَقِّ

فَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فيه دُونَ مَا زَادَ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.

وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ

[المبدع في شرح المقنع]

آدَمِيٍّ وَحَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ بِيَدِهِ وَوِلَايَتِهِ وَاخْتِصَاصِهِ.
لَا مَعْلُومًا، وَلَا مَا هُوَ فِي مِلْكِهِ حِينَ الْإِقْرَارِ بِهِ عَلَى الْأَشْهَرِ.
وَلَا مَا يَسْتَحِيلُ مِنْهُ.
وَلَا لِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ بِحَالٍ.
وَأَمَّا إِقْرَارُهُ عَلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَتَصَرُّفِهِ شَرْعًا، فَدَعْوَى أَوْ شَهَادَةٌ.
فَإِذَا صَارَتْ بِيَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ شَرْعًا، لَزِمَهُ حُكْمُ إِقْرَارِهِ.
وَيَصِحُّ مَعَ إِضَافَةِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ، كَدَارِي، عَلَى الْأَصَحِّ.

[إِقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ]

(فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُمَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» الْخَبَرَ.
وَكَذَا حَكَمُ الْمُبَرْسَمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; وَلِأَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ بِالْقَوْلِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ كَالْبَيْعِ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ الْجُنُونُ مُطْبِقًا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطْبِقٍ فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِي إِفَاقَتِهِ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ) فِيهِ كَالْبَالِغِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
كَعَبْدٍ قَبِلَ حَجْرَ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَزَادَ: مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَاتِّفَاقِهِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
وَمَنَعَ فِي الِانْتِصَارِ عَدَمَ صِحَّتِهِ، ثُمَّ سَلَّمَ لِعَدَمِ مَصْلَحَتِهِ فِيهِ.
وَكَذَا الدَّعْوَى وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَالتَّحْلِيفُ وَنَحْوُهُ.
وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ صِحَّةَ إِقْرَارِ مُمَيِّزٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِي إِقْرَارِهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ إِذَا أَقَرَّ فِي قَدْرِ إِذْنِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ ; لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَكَالطِّفْلِ.
وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى غَيْرِ الْمَأْذُونِ.
قَالَ الْأَزَجِيُّ: هُوَ حَمْلٌ بِلَا دَلِيلٍ.
(دُونَ مَا زَادَ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ.

السَّكْرَانِ، وَيَتَخَرَّجُ صِحَّتُهُ بِنَاءً عَلَى إطلاقه.

وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمُكْرَهِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِغَيْرِ

[المبدع في شرح المقنع]

تَنْبِيهٌ: إِذَا أَقَرَّ مَنْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِ فَأَنْكَرَهُ: صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ.
قَالَهُ الشَّيْخَانِ.
لِحُكْمِنَا بِعَدَمِ يَمِينِهِ، أَيْ: بِعَدَمِ يَمِينِ الصَّبِيِّ.
وَلَوِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ قُبِلَ بِبَيِّنَةٍ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: يُصَدَّقُ صَبِيٌّ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِلَا يَمِينٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا صَبِيٌّ.
لَمْ يُحَلَّفْ وَيُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ.
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يُصَدَّقُ فِي سَنٍّ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ، وَهُوَ تِسْعُ سِنِينَ، وَيَلْزَمُهُ بِهَذَا الْبُلُوغِ مَا أَقَرَّ بِهِ.
قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِهِ الْجَارِيَةُ.
فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَنْبَتَ بِعِلَاجٍ أَوْ دَوَاءٍ لَا بِالْبُلُوغِ لَمْ يُقْبَلْ.
ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَتَاوِيهِ.
أَمَّا لَوْ قَالَ بَعْدَ الْبُلُوغِ: لَمْ أَكُنْ بَالِغًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ.
قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِذِمَّتِهِ ظَاهِرًا.
وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ.
وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: يُقْبَلُ إِذَا كَانَ عُهِدَ مِنْهُ جُنُونٌ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ قَبُولُهُ مِمَّنْ غُلِبَ عَلَيْهِ.
(وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ) قِيَاسًا عَلَيْهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَلَا يُحْبَسُ بِهِ.
وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ: يَصِحُّ بَعْدَ حَجْرِ سَيِّدِهِ.
نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فَأَقَرَّ، جَازَ.
وَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ ثُمَّ أَذِنَ فَأَقَرَّ بِهِ، صَحَّ.
ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَغَيْرُهُمَا.

[إِقْرَارُ السَّكْرَانِ]

(وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ السَّكْرَانِ) أَيْ: فِي حَالِ غَيْرِ إِفَاقَتِهِ.
نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْمَجْنُونِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ.
(أو يَتَخَرَّجُ صِحَّتُهُ بِنَاءً عَلَى إطلاقِهِ) ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَجْرِي مَجْرَى أَفْعَالِ الصَّاحِي.
وَقَالَ فِي الْكَافِي: السَّكْرَانُ بِمَعْصِيَةٍ، حُكْمُ إِقْرَارِهِ: حُكْمُ طَلَاقِهِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: أَمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، فَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ.

[إِقْرَارُ الْمُكْرَهِ]

(وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمُكْرَهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْبَيْعِ.

مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِإِنْسَانٍ فَيُقِرَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَيُقِرَّ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا.
أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِدَنَانِيرَ فَيُقِرَّ بِدَرَاهِمَ، فَيَصِحُّ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ ثَمَرِهِ، فَبَاعَ دَارَهُ فِي ذَلِكَ، صَحَّ.

وَأَمَّا الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ، صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى: لَا

[المبدع في شرح المقنع]

فَعَلَى هَذَا: تَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَكَتْبُ حُجَّةٍ.
قَالَهُ فِي النُّكَتِ.
(إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِإِنْسَانٍ فَيُقِرَّ لِغَيْرِهِ.
أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَيَقَرَّ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا.
أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِدَنَانِيرَ فَيُقِرَّ بِدَرَاهِمَ فَيَصِحُّ) إِقْرَارُهُ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ فَصَحَّ مِنْهُ.
كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً.
وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ أَنْ يُقِرَّ بِأَلْفٍ، فَأَقَرَّ بِبَعْضِهَا لَمْ يَصِحَّ.
فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامُ.
لَكِنْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُقَيَّدًا أَوْ مَحْبُوسًا أَوْ مُوَكَّلًا بِهِ أَوْ هَدَّدَهُ قَادِرٌ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ هَذَا دَلَالَةُ الْإِكْرَاهِ.
قَالَ الْأَزَجِيُّ: لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَمَارَةِ الْإِكْرَاهِ: اسْتَفَادَ بِهَا أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، فَيُحَلَّفُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَلَمْ يَرْتَضِهِ فِي الْفُرُوعِ.
فَرْعٌ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الطَّوَاعِيَةِ.
وَقِيلَ: يَتَعَارَضَانِ وَتَبْقَى الطَّوَاعِيَةُ فَلَا يُقْضَى بِهَا.
وَلَوْ قَالَ مَنْ ظَاهِرُهُ الْإِكْرَاهُ: عَلِمْتُ لَوْ لَمْ أُقِرَّ أَيْضًا أُطْلِقْتُ، فَلَمْ أَكُنْ مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْهُ، فَلَا يُعَارِضُ يَقِينَ الْإِكْرَاهِ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ ثَمَره، فَبَاعَ دَارَهُ فِي ذَلِكَ، صَحَّ) وَكُرِهَ شِرَاؤُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْبَيْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُكْرَهْ أَصْلًا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ لِمَا سَبَقَ.
1 - مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَقَرَّ بِغَيْرِ حَدٍّ خَالِصٍ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ زَادَ: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ.
وَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: إنَّ مَنْ أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ حَدٍّ أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ.
قَالَ السَّامَرِّيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبًا.
وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي.
وَإِنْ أَقَرَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَالٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ.
تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.

[إِقْرَارُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ]

(وَأَمَّا الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
(وَإِنْ

يَصِحُّ، بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ.
وَلَا يُحَاصُّ الْمُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي: يُحَاصُّهُمْ وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، إِلَّا أَنْ يُقِرَّ لِامْرَأَتِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

أَقَرَّ بِمَالٍ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ، صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) كَذَا صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَفِي الْكَافِي: أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الْوَارِثِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ إِجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ.
فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ.
(وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ) لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ ذَلِكَ لِلْأَجْنَبِيٍّ، بِخِلَافِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ.
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا.
ذَكَرَهَا فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ كَالْإِقْرَارِ لِوَارِثٍ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ، أَشْبَهَ الْمُفْلِسَ.
(وَلَا يُحَاصُّ الْمُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ) قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَصَحَّحَهُ السَّامَرِّيُّ، سَوَاءٌ أَخَبَرَ بِلُزُومِهِ قَبْلَ الْمَرَضِ أَوْ بَعْدَهُ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِتَرِكَتِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْفَلَسِ.
(وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي) وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: (يُحَاصُّهُمْ) إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ وَفَاءٌ لِلْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَتَسَاوَيَا كَدَيْنِ الصِّحَّةِ، وَكَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ.
وَعَلَى الثَّانِيَةِ الَّتِي تَقُولُ: لَا تَصِحُّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ: لَا يُحَاصُّ.
فَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا فِي الْمَرَضِ تَسَاوَيَا ; لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَالِ، كَغَرِيمَيِ الصِّحَّةِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِعَيْنٍ ثُمَّ بِدَيْنٍ، أَوْ عَكْسِهِ: فَرَبُّ الْعَيْنِ أَحَقُّ.
وَفِي الثَّانِيَةِ: احْتِمَالٌ فِي نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ، كَإِقْرَارِهِ بِدَيْنٍ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لَزِمَهُ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا الْمُقَرُّ لَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْغُرَمَاءُ فِي الْأَشْهَرِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ أَجَازَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ.
وَظَاهِرُ نَصِّهِ: لَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ الِانْتِصَارِ.
وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِيصَالُ الْمَالِ إِلَى وَارِثِهِ بِقَوْلِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْهِبَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَهُ

بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَيَصِحَّ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ، فَهَلْ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ؛ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

بَيِّنَةٌ أَوْ أَجَازَ الْوَارِثُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ إِذَا لَمْ يُتَّهَمْ، كَمَنْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ عَمٍّ، فَأَقَرَّ لِابْنَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ أَقَرَّ لِابْنِ عَمِّهِ قُبِلَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ التُّهْمَةَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِمَظِنَّتِهَا، وَهُوَ الْإِرْثُ.
وَعَنْهُ: يَصِحُّ مُطْلَقًا.
وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ فِي الصِّحَّةِ صَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ (إِلَّا أَنْ يُقِرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَيَصِحُّ) نَصَّ عَلَيْهِ.
بِالزَّوْجِيَّةِ لَا بِإِقْرَارِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِمَا يُحَقَّقُ سَبَبُهُ، وَعُلِمَ وُجُوبُهُ، وَلَمْ تُعْلَمِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَقَرَّ لِلْبَائِعِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ وَنِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ وَالْمُغْنِي وَالتَّرْغِيبِ: يَصِحُّ بِمَهْرِ مِثْلِهَا.
فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ لَهَا بِالْإِقْرَارِ لَا بِالزَّوْجِيَّةِ.
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ.
فَلَوْ أَقَرَّتْ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهَا أَخَذَتْهُ مِنْهُ، نَقَلَهُ مُهَنَّا.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ) بِمَالٍ (فَهَلْ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) . أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ.
نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِلَفْظَيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ شَهِدَ لِابْنِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِشَيْءٍ.
وَفَرَّقَ فِي الشَّرْحِ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى، وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إِنْ عَزَاهُ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِأَخْذِ دَيْنِ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.

وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ، لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ

[المبدع في شرح المقنع]

وَذَكَرَ الشَّرِيفُ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِاسْتِيفَاءِ دُيُونِهِ، قُبِلَ مِنْهُ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: لَا يَصِحُّ بِقَبْضِ مَهْرٍ وَخُلْعٍ، بَلْ حَوَالَةٍ وَمَبِيعٍ وَقَرْضٍ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ، لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ صَحَّ.
وَإِنْ صَارَ وَارِثًا صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الْإِقْرَارِ لَا الْمَوْتِ.
فَيَصِحُّ فِي الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى ; لِلتُّهْمَةِ فِيهَا، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ كَالشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ؛ وَصَحَّ لِوُجُودِهِ مِنْ أَهْلِهِ خَالِيًا عَنْ تُهْمَةٍ، فَثَبَتَ الْحَقُّ بِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مُسْقِطٌ فَلَا يَسْقُطُ.
وَإِذَا أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَقَعَ بَاطِلًا لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِهِ، فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ: لَا يَلْزَمُ ـ لَا بُطْلَانُهُ ـ ; لِأَنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ.
(وَقِيلَ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْمَوْتِ، فَيَصِحُّ فِي الْأُولَى، وَلَا يَصِحُّ فِي الثَّانِيَةِ، كَالْوَصِيَّةِ) وهو رِوَايَةٌ ; لِأَنَّهُ مَعْنًى يُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَمُ الْمِيرَاثِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ حَالَةُ الْمَوْتِ كَالْوَصِيَّةِ.
وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا حَالَةُ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَأَطْلَقَ فِي الْوَجِيزِ: الصِّحَّةَ فِيهِمَا.
وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَكَذَا الْحُكْمُ إِنْ أَعْطَاهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ ثُمَّ صَارَ وَارِثًا.
ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ) أَيْ: إِذَا مَاتَ فِي مَرَضِهِ ; لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ لِوَارِثٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُبِنْهَا؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ إِمَّا بِحَالِ الْإِقْرَارِ، أَوْ بِحَالِ الْمَوْتِ، وَالزَّوْجَةُ وَارِثَةٌ فِي الْحَالَيْنِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَوْ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَمَاتَ، بَطَلَ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ مَرِيضٌ بِهِبَةٍ أَنَّهَا صَدَرَتْ مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ لِأَجْنَبِيٍّ، صَحَّ ; لِأَنَّهُ وَهَبَ وَارِثًا.
وَفِي نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ: يَصِحُّ لِأَجْنَبِيٍّ كَإِنْشَائِهِ.
وَفِيهِ لِوَارِثٍ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ كَالْإِنْشَاءِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَوْ صُدِّقَ فِيهِ، ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْوَارِثِ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَبُولِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَالِانْتِصَارِ: لَا يَصِحُّ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ.

لِغَيْرِ وَارِثٍ صَحَّ.
وَإِنْ صَارَ وَارِثًا صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْمَوْتِ، فَيَصِحُّ فِي الْأُولَى، وَلَا يَصِحُّ فِي الثَّانِيَةِ، كَالْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِوَارِثٍ، صَحَّ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فِي صِحَّتِهِ، لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُهَا.

فصل وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ طَلَاقٍ، صَحَّ وَأُخِذَ بِهِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِقِصَاصٍ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِوَارِثٍ، صَحَّ) صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْح، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ ; لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ، فَصَحَّ.
كَمَا لَوْ لَمْ يَصِرْ وَارِثًا.
(وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) لِأَنَّهُ حِينَ الْمَوْتِ وَارِثٌ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ بِمَالٍ.
وَجَوَابُهُ هُنَا: إِقْرَارٌ بِمَالٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَهُنَاكَ مِنْ طَرِيقِ الصَّرِيحِ، وَالْأُصُولُ فَرَّقْتَ بَيْنَ الْإِقْرَارَيْنِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فِي صِحَّتِهِ، لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُهَا) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَكَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِإِحْبَالِ الْأَمَةِ ; لِأَنَّهم يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ.
وَكَذَا كُلُّ مَا مَلَكَهُ: مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ.
فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مِلْكِهِ، فَوَلَدُهُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَإِنْ قَالَ: مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ.
عَتَقَ الْوَلَدُ، وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ نِكَاحٍ فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ ; لِأَنَّهُ مَسَّهُ رِقٌّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ فَالْأَصْلُ الرِّقُّ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِيلَادُهَا فِي مِلْكِهِ.
وَلَا وَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ، قَامَ مَقَامَهُ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِيلَادِهَا.

فصل فِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ

[إِقْرَارُ الْعَبْدِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ طَلَاقٍ]

فصل (وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ طَلَاقٍ، صَحَّ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ

فِي النَّفْسِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فِيمَا يَجِبُ بِهِ مِنَ الْمَالِ.

وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِمَالٍ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحَالِ وَيُتْبَعْ بِهِ بَعْدَ

[المبدع في شرح المقنع]

يُسْتَوْفَى مِنْ بَدَنِهِ، وَذَلِكَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ إِلَّا الْمَالَ.
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» . وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ.
(وَأَخَذَ بِهِ) فِي الْحَالِ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ أُخِذَ بِهِ كَالْحَدِّ، وَكَسَفِيهٍ وَمُفْلِسٍ، وَسَوَاءٌ أَبَقَ أَمْ لَا.
(إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِقِصَاصٍ فِي النَّفْسِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَالَهُ زُفَرُ وَالْمُزَنِيُّ ; لِأَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ السَّيِّدِ بِهِ، أَشْبَهَ الْإِقْرَارَ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّهُ يُقِرُّ لِمَنْ يَعْفُو عَلَى مَالٍ، فَيَسْتَحِقُّ رَقَبَتَهُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ طَلَبُ الدَّعْوَى مِنْهُ وَمِنْ سَيِّدِهِ جَمِيعًا.
(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: (يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ) كَالْأَطْرَافِ؛ وَلِأَنَّ إِقْرَارَ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ بِهِ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ لَتَعَطَّلَ.
وَعَلَى هَذَا: يَطْلُبُهَا مِنْهُ فَقَطْ.
وَلَيْسَ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالْقَوَدِ الْعَفْوُ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ مَالٍ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِقَوَدٍ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا.
وَقِيلَ: فِي إِقْرَارِهِ بِالْعُقُوبَاتِ رِوَايَتَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
وَنَصُّهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ قَتْلٍ.
(وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ) ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ إِلَّا الْمَالَ.
وَقِيلَ: إِنْ أَقَرَّ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، وَجَبَ الْمَالُ دُونَ الْقَوَدِ ; لِأَنَّ الْمَالَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَهِيَ مَالٌ لِلسَّيِّدِ، فَصَحَّ إِقْرَارُهُ بِهِ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ.
اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي.
(إِلَّا فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَيُقْبَلُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ الْمَالُ) لِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ.
وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لِلْعَبْدِ لَا لِلسَّيِّدِ.

[إِقْرَارُ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِمَالٍ]

(وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِمَالٍ) أَوْ بِمَا يُوجِبُهُ، أَوْ مَأْذُونٌ لَهُ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتِّجَارَةِ كَقَرْضٍ وَجِنَايَةٍ (لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
(وَيُتْبَعُ بِهِ

الْعِتْقِ.
وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ.

وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِمَالٍ أَوْ بمَا يُوجِبُهُ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ قُبِلَ.

وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ، وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ، قُبِلَ إِقْرَارُهُ فِي الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ.

وَإِنْ أَقَرَّ لِعَبْدِهِ، أَوِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ عَبَدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَلْفٍ، وَأَقَرَّ

[المبدع في شرح المقنع]

بَعْدَ الْعِتْقِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ كَالْمُفْلِسِ.
(وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ كَجِنَايَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْجِنَايَةَ فِعْلٌ، وَفِعْلُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرٌ، وَمَا صَحَّ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيهِ فَهُوَ الْخَصْمُ فِيهِ، وَإِلَّا فَسَيِّدُهُ.

[أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَالٍ أَوْ بِمَا يُوجِبُهُ]

(وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِمَالٍ أَوْ بِمَا يُوجِبُهُ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ قُبِلَ) لِأَنَّ الْمَالَ حَقُّهُ، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ وَجَبَ قَبُولُهُ كَسَائِرِ مَالِهِ.
وَفِي الْكَافِي: إِنْ أَقَرَّ بِقَوَدٍ وَجَبَ الْمَالُ، وَيَفْدِي السَّيِّدُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ.
فَائِدَةٌ: الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَالْقَنِّ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ مُكَاتَبٌ بِجِنَايَةٍ، تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ وَرَقَبَتِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِذِمَّتِهِ كَالْمَأْذُونِ.
وَقَالَ السَّامَرِّيُّ: إِنْ أَقَرَّ مُكَاتَبٌ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ لَزِمَتْهُ، فَإِنْ عَجَزَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالسَّيِّدِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَهُ الْقَاضِي.

[أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ]

(وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ، وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ، قُبِلَ إِقْرَارُهُ فِي الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ) لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ لَهُ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقِصَاصٍ فِي طَرْفٍ.
وَأَمَّا الْمَالُ فَهُوَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ فَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُ الْعَبْدِ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ.
وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ: الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُعْتَقَ، وَيُتْبَعُ بِالْمَالِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ.
وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَيَفْدِيهِ سَيِّدُهُ أَوْ يُسَلِّمُهُ بِهِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.

[أَقَرَّ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَوِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ]

(وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَوِ الْعَبْدُ) غَيْرُ مُكَاتَبٍ (لِسَيِّدِهِ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ إِقْرَارُهُمَا بِمَا بِيَدِهِمَا إِنْ قُلْنَا الْعَبْدُ يَمْلِكُ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ عَبْدٌ بِرِقِّهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِذَلِكَ، قُبِلَ ; لِأَنَّهُ فِي يَدِ السَّيِّدِ لَا فِي يَدِ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَلْفٍ، وَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِهِ ثَبَتَ) لِاتِّفَاقِهِمَا

الْعَبْدُ بِهِ ثَبَتَ.
وَإِنْ أَنْكَرَ عَتَقَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْأَلْفُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لَعَبْدِ غَيْرِهِ بِمَالٍ صَحَّ، ويكون لِمَالِكِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ لَمْ يَصِحَّ.

وَإِنْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ، فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهَا.
وَعَنْهُ: يُقْبَلُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا يُقْبَلُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَرِقِّ الْأَوْلَادِ.
وَإِنْ أَوْلَدَهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَلَدًا كَانَ رَقِيقًا.
وَإِذَا أَقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ هَلْ أَتَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهِ، وَتَكُونُ كَالْكِتَابَةِ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ عَتَقَ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ.
(وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْأَلْفُ) لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لَهَا.
وَيَحْلِفُ الْعَبْدُ، عَلَى الْأَشْهَرِ.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ أَجْنَبِيًّا فَأَعْتَقَهُ فَأَنْكَرَهُ، عَتَقَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَحَلَفَ الْمُنْكِرُ عَلَى الثَّمَنِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِعَبْدِ غَيْرِهِ بِمَالٍ صَحَّ، وَيَكُونُ لِمَالِكِهِ) لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْجِهَةُ الَّتِي يَصِحُّ بِهَا الْإِقْرَارُ، فَتَعَيَّنَ جَعْلُ الْمَالِ لَهُ، فَكَانَ الْإِقْرَارُ لِسَيِّدِهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ بِتَصْدِيقِهِ وَيَبْطُلُ بِرَدِّهِ ; لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ لَمْ يَصِحَّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ، وَلَا لَهَا أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ، كَقَوْلِهِ: بِسَبَبِهَا.
زَادَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: يَدْفَعُ لِمَالِكِهَا كَالْإِقْرَارِ لِعَبْدِهِ فَيُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ.
لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا لِأَحَدٍ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ ذِكْرُ الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: لِمَالِكِهَا، أَوْ لِزَيْدٍ عَلَيَّ بِسَبَبِهَا أَلْفٌ صَحَّ.
وَفِي الْفُرُوعِ: لَوْ قَالَ: لِمَالِكِهَا عَلَيَّ بِسَبَبِ حَمْلِهَا.
فَإِنِ انْفَصَلَ وَادَّعَى أَنَّهُ بِسَبَبِهِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِدَارٍ إِلَّا مَعَ السَّبَبِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، وَذَكَرَ سَبَبًا صَحِيحًا لعله وَقْفِهِ صَحَّ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَالْأَشْهَرُ صِحَّتُهُ.

[تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ]

(وَإِنْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ، فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهَا) لِأَنَّ الْحُرِيَّةَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَمْ تَرْتَفِعْ بِقَوْلِ أَحَدٍ، كَالْإِقْرَارِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ.
(وَعَنْهُ: يُقْبَلُ فِي نَفْسِهَا) صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِمَالٍ.
(وَلَا يُقْبَلُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَرِقِّ الْأَوْلَادِ) لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ.
(وَإِنْ أَوْلَدَهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَلَدًا كَانَ رَقِيقًا) لِأَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ ثُبُوتِ رِقِّهَا.
(وَإِذَا أَقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ هَلْ أَتَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) :

فصل وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِنَسَبٍ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، أَنَّهُ ابْنُهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَرِثَهُ.
وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا عَاقِلًا لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يُصَدِّقَهُ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا

[المبدع في شرح المقنع]

أَحَدُهُمَا: ـ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ـ إنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِوَلَدِهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مِلْكِهِ.

فصل الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ

[أَقَرَّ الرَّجُلُ بِنَسَبٍ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ أَنَّهُ ابْنُهُ]

فصل (وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِنَسَبِ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، أَنَّهُ ابْنُهُ، ثَبْتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يُلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ صِدْقُهُ، وَأَنْ لَا يَدْفَعَ بِهِ نَسَبًا لِغَيْرِهِ، وَلَا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ.
وَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ.
زَادَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ: وَلَوْ أَسْقَطَ وَارِثًا مَعْرُوفًا، فَإِذَا بَلَغَ أَوْ عَقَلَ فَأَنْكَرَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ نَسَبٌ حُكِمَ بِثُبُوتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِرَدِّهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ.
وَلَوْ طَلَبَ إِحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ ; لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ عَادَ فَجَحَدَ النَّسَبَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ، كَالْمَالِ.
وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ ; لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ.
(وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَرِثَهُ) الْمُقِرُّ.
نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِهِ مَعَ الْحَيَاةِ الْإِقْرَارُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا.
وَقِيلَ: لَا يَرِثُهُ لِلتُّهْمَةِ فِي أَخْذِ مِيرَاثِهِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إِذَا مَاتَ الْمُقِرُّ وَرِثَهُ الْمُقَرُّ بِهِ.
(وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا عَاقِلًا لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يُصَدِّقَهُ) لِأَنَّ لَهُ قَوْلًا صَحِيحًا فَاعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ.
وَحِينَئِذٍ إِذَا صَدَّقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ ; لِأَنَّ بِتَصْدِيقِهِ يَحْصُلُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى التَّوَارُثِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا.
(وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) :

فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ، فَادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ.

وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ

[المبدع في شرح المقنع]

أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ، أَشْبَهَ الصَّغِيرَ.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ نَسَبَ الْمُكَلَّفِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِتَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَأَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ تَكْرَارُهُ فِي الْمَنْصُوصِ، فَيَشْهَدُ الشَّاهِدَانِ بِنَسَبِهِمَا بِدُونِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ بِأَبٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ مَوْلَى أَعْتَقَهُ، قُبِلَ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ.
وَفِي الْوَسِيلَةِ: إِذَا قَالَ عَنْ بَالِغٍ: هُوَ ابْنِي، أَوْ أَبِي.
فَسَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَبَتَ نَسَبُهُ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِ.
فَائِدَةٌ: قَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ وَمَعَهَا طِفْلٌ، فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ، لَحِقَهُ لِوُجُودِ الْإِمْكَانِ وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ.
وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ.
وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتِ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْبَتِهِ، لَحِقَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قُدُومٌ إِلَيْهَا، وَلَا عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا.
(وَمَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ فَادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَيَدْخُلُ فِيهِ: مَا إِذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ.
وَكَذَا دَعْوَى أُخْتِهِ الْبُنُوَّةَ.
ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَهُ أَمَتَانِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ وَلَا زَوْجَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا، فَقَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ: ابْنِي.
أُخِذَ بِالْبَيَانِ.
فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ، وَيُطَالَبُ بِبَيَانِ الِاسْتِيلَادِ.
فَإِنْ قَالَ: اسْتَوْلَدْتُهَا فِي مِلْكِي.
فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ، أُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ.
وَإِنْ قَالَ: مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ.
فَالْأَمَةُ وولدها رَقِيقُ قِنٍّ.
ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
وَتُرَقُّ الْأُخْرَى وَوَلَدُهَا.
وَإِنِ ادَّعَتِ الْأُخْرَى أَنَّهَا الْمُسْتَوْلَدَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْوَارِثُ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةً أَوْ أُشْكِلَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَيُعْتَقُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.

مَوْتِهِمَا ـ وَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ ـ صَحَّ إِقْرَارُهُ، وَثَبَتَ النَّسَبُ.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ، وَلِلْمُقَرِّ لَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَا فَضَلَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ.

وَإِنْ أَقَرَّ مَنْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ بِنَسَبِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيَرِثُ.
ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَثْبُتَانِ ; لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِي تَمْيِيزِ النَّسَبِ، وَلَهَا مَدْخَلٌ فِي تَمْيِيزِ الرِّقِّ مِنَ الْحُرِّيَّةِ.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّامَرِّيُّ، ثُمَّ ذَكَرَ: أَنَّهُ يُجْعَلُ سَهْمُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ وَلَدٍ وَلَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ، فَلَا تَسْتَحِقُّهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، فَيَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ وَلَا يُرَقَّانِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ وَاشْتَرَى، ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ لِزَيْدٍ، صَحَّ وَلَمْ تَبْطُلْ عُقُودُهُ الْمَاضِيَةُ.

[أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ]

(وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ لَمْ يُقْبَلْ) لِأَنَّ إِقْرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
(وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِمَا ـ وَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ ـ صَحَّ إِقْرَارُهُ، وَثَبَتَ النَّسَبُ) لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، وهي مُتَّفَقٌ عليها مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ؛ وَلِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ مَوْرُوثِهِ فِي حُقُوقِهِ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ، إِلَّا اللَّهُمَّ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدْ نَفَاهُ، فَلَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى غَيْرِهِ نَسَبًا حُكِمَ بِنَفْيِهِ.
وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ: مَا إِذَا كَانَ الْوَارِثُ ابْنَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهَا تَحُوزُ الْمَالَ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ، فَإِنْ أَقَرَّتِ الزَّوْجَةُ بِابْنٍ لِزَوْجِهَا الْمَيِّتِ ـ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: مَنْ غَيْرِهَا ـ أَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِابْنٍ لَهَا مَنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَصَدَّقَهُمَا نَائِبُ الْإِمَامِ ثَبَتَ النَّسَبُ.
وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمُقِرَّ إِذَا كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ، فَكَذَا فِي النَّسَبِ.
(وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ.
فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ عَاقِلًا وَمَجْنُونًا، فَأَقَرَّ الْعَاقِلُ بِأَخٍ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ.
فَإِنْ مَاتَ الْمَجْنُونُ وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ أَخِيهِ اعْتُبِرَ وِفَاقُهُ، وَإِلَّا كَفَى إِقْرَارُهُ.
(وَلِلْمُقَرِّ لَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَا فَضَلَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ) أَوْ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ يُسْقِطُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرَائِضِ.
وَلَوْ مَاتَ الْمُنْكِرُ، وَالْمُقِرُّ وَارِثُهُ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ مِنْهُمَا.
وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ، لَكِنْ يُعْطِيهِ الْفَاضِلَ فِي يَدِهِ عَنْ إِرْثِهِ.

جارٍ التحميل