الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ نَذَرَ
[المبدع في شرح المقنع]
شَيْئًا مِنْهُ، وَإِلَّا أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِنْهُ، وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ، فَإِنْ كَانَ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَفَاتَ وَقْتُهُ قَضَاهُ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
[نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ]
(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) الْحَرَامِ (أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ) لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . (لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) أَيْ: لَزِمَهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُ مَشى إِلَى عِبَادَةِ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ، مَا لَمْ يَنْوِ إِتْيَانَهُ لَا حَقِيقَةَ مَشْيٍ مِنْ مَكَانِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي إِجْمَاعًا، مُحْتَجًّا بِهِ وَبِمَا لَوْ نَذَرَهُ مِنْ مَحَلِّهِ لَمْ يَجُزْ مِنْ مِيقَاتِهِ عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ مِنَ الْأَبْعَدِ مِنْ إِحْرَامِهِ، أَوْ مِنْ مِيقَاتِهِ (فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) قَدَّمَهُ الْأَصْحَابُ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، «لِقَوْلِ عُقْبَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، لِتَخْرُجْ رَاكِبَةً، وَلْتَكْفُرْ يَمِينَهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ، وَلِأَنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ بِمَوْضِعٍ، كَنَذْرِ التَّحَفِّي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَادِرًا، وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ رِوَايَةً: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ) وَأَفْتَى بِهِ عَطَاءٌ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: مَا «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا، إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ، وَفِيهِ: وَإِنَّ مِنَ الْمُثْلَةِ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَإِذَا نَذَرَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَلْيُهْدِ هَدْيًا، وَلِيَرْكَبْ» ، وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْإِحْرَامِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَفِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَسْتَأْنِفُهُ مَاشِيًا، لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ، كَتَفْرِيقِهِ صَوْمًا مُتَتَابِعًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ كَفَّارَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَهَلْ عَلَيْهِ
الرُّكُوبَ فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ.
وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلَّا أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
هَدْيٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا» .
فَرْعٌ: إِذَا عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ بَعْدَ الْحَجِّ كَفَّرَ وَأَجْزَأَهُ، وَإِنْ مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَيَرْكَبُ مَا مَشَى، وَيَمْشِي مَا رَكِبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلَّا حَجٌّ يَمْشِي فِي جَمِيعِهِ.
أَصْلٌ: يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَمْشِي مِنْ مِيقَاتِهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ، قَالَ: وَالْخَبَرُ فِيهِ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَيَلْزَمُهُ الْمَنْذُورُ مِنْهُمَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ، لِأَنَّ ذَلِكَ انْقِضَاءٌ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ فَرَغَ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالتَّحَلُّلَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا نَذَرَ، فَهُوَ بِمَعْنَى الرُّكُوبِ إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ، وَلِأَنَّ الرُّكُوبَ فِي نفسه غير طَاعَةٍ.
إِحْدَاهُمَا: تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ دُونَ الدَّمِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي.
وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ، وَفِي الشَّرْحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: إِلَّا أَنَّهُ إِذَا مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ مَعَ إِمْكَانِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ.
فَائِدَةٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوِ الْأَقْصَى، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِتْيَانُهُمَا، وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادُهُمْ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ، لِأَفْضَلِيَّةِ بَيْتِهَا، وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ حَرَمٍ لَزِمَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ رَكْعَتَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَأْتِهِمَا أَصْلًا، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا فَلْيَأْتِهِمَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا، وَجَبَ الْقَضَاءُ مَشْيًا، وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ، وَإِذَا عَيَّنَ لِنَحْرِ الْهَدْيِ مَوْضِعًا مِنَ الْحَرَمِ تَعَيَّنَ، وَكَانَ لِفُقَرَائِهِ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ مَعْصِيَةً، لِلْخَبَرِ، وَإِنْ نَذَرَ سَتْرَ الْبَيْتِ وَتَطْيِيبَهُ لَزِمَهُ.
يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا، وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ، طَافَ طَوَافَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: إِذَا نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ فَلَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ نَذَرَ أُخْرَى فِي الْعَامِ الثَّانِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ يَصِحُّ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِالثَّانِيَةِ لِفَوْتِهَا، وَيُكَفِّرَ لِتَأْخِيرِ الْأُولَى، وَفِي الْمَعْذُورِ الْخِلَافُ (وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا) فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالنِّيَّةِ كَالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ، لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ، أَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ تُصْرَفُ قِيمَتُهُ فِي الرِّقَابِ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْوَلَاءِ، إِذِ الْأَصْلُ فِيهِ ذَلِكَ، وَفِي الرِّعَايَةِ: مَنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ أَوْ نِيَّتِهِ شَيْئًا مِنْ عَدَدِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ هَدْيِ رِقَابٍ كَفَاهُ مَا عَيَّنَهُ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بِاللَّفْظِ بِهِ، لَا مَا نَوَاهُ فَقَطْ، وَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِغَيْرِ حَيَوَانٍ جَازَ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِمَا يُنْقَلُ لَزِمَهُ إِنْفَاذُهُ إِلَى الْحَرَمِ، لِيُفَرَّقَ هُنَاكَ، وَإِلَّا بِيعَ، وَأَنْفَذَ ثَمَنَهُ لِيُفَرَّقَ هُنَاكَ (وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ) فَأَقَلُّهُ أُسْبُوعٌ (وَإِنْ نَذَرَهُ عَلَى أَرْبَعٍ طَافَ طَوَافَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِخَبَرٍ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ الْكِنْدِيُّ أَنَّهُ «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ أُمُّهُ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِي كَرِبَ عَمَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: طُوفِي عَلَى رِجْلَيْكِ سَبْعِينَ: سَبْعًا عَنْ يَدَيْكِ، وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْكِ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّهُ بَدَلٌ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ فِيهِ عَلَى أَرْبَعٍ مِثْلَهُ، وَعَنْهُ: يَطُوفُ عَلَى رِجْلَيْهِ وَاحِدًا، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لُزُومُهَا، وَمِثْلُهُ نَذْرُ السَّعْيِ عَلَى أَرْبَعٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ سَعْيَانِ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، كَنَذْرِهِ صَلَاةً عُرْيَانًا، أَوِ الْحَجَّ حَافِيًا حَاسِرًا، وَفَى بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَفِي الْكَفَّارَةِ لِتَرْكِهِ الْمَنْهِيِّ وَجْهَانِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْفَوْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَهْدِيَ هَدَايَا، لَزِمَهُ أَنْ يَهْدِيَ إِلَى الْحَرَمِ لِيَنْحَرَ هُنَاكَ وَيُفَرِّقَ، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا بِغَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ يُضَحِّيَ أُضْحِيَّةً فِي مَوْضِعٍ عَيَّنَهُ، لَزِمَهُ نَحْرُ ذَلِكَ، وَيُفَرِّقُ لَحْمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ.
الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: 23] وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا يَلْزَمُ وَاخْتَارَهُ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ مِنْ تَأْجِيلِ الْعَارِيَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ عِوَضِ الْمُتْلَفِ بِمُؤَجَّلٍ، وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: بِمَ يُعْرَفُ الْكَذَّابُونَ؟ قَالَ: بِخُلْفِ الْمَوَاعِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3] ، وَلِخَبَرِ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «الْعِدَةُ عَطِيَّةٌ» وَبِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «الْعِدَةُ دَيْنٌ» وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَلْزَمُ بِسَبَبٍ كَمَنْ قَالَ: تَزَوَّجْ وَأُعْطِكَ كَذَا، وَاحْلِفْ لَا تَشْتُمْنِي وَلَكَ كَذَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
كِتَابُ الْقَضَاءِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْقَضَاءِ]
[تَعْرِيفُ القضاء وَأَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ]
ِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ فِي الْأَصْلِ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12] ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى إِمْضَاءِ الْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: 4] ، أَيْ: أَمْضَيْنَا وَأَنْهَيْنَا.
وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا ; لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيُحْكِمُهَا.
وَيَكُونُ بِمَعْنَى أَوْجَبَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِهِ لِإِيجَابِهِ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ يُجِبُ عَلَيْهِ.
وَاصْطِلَاحًا: النَّظَرُ بَيْنَ الْمُتَرَافِعِينَ لَهُ لِلْإِلْزَامِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: 26] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65] .
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
[حُكْمُ القضاء]
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ.
(وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كَالْإِمَامَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأْمِيرَ
النَّاسِ؟ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ قَاضِيًا، وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ، وَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُهَا دِينًا وَقُرْبَةً، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ بَعْضِهِمْ لِطَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ بِهَا، وَمَنْ فَعَلَ مَا يُمْكِنُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ.
وَعَنْهُ: سُنَّةٌ.
نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ دُخُولُهُ فِيهِ.
نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُعْجِبُنِي، هُوَ أَسْلَمُ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ (قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!) لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، كَالْجِهَادِ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ إِنْ لَمْ يُؤَدَّ الْحَقُّ فِيهِ.
لِمَا رَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» . قَالَ مَسْرُوقٌ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَعَلَى هَذَا: إِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ أَثِمُوا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ لَمْ يَحْتَكِمُوا فِي غَيْرَةٍ (فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ) هُوَ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ.
(قَاضِيًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ، الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ، الْمَسْؤُولُ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إِلَى الْأَمْصَارِ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَلِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إِلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سُورٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
(وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ،
يَجِدُ، وَأَوْرَعَهُمْ، وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ.
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ الدُّخُولُ فِيهِ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالِامْتِنَاعِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا يَأْثَمُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَوْرَعَهُمْ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْقَضَاءِ.
(وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى اهْتِمَامِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ.
(وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) أَيْ: نَاحِيَةٍ.
(أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى مَصْلَحَةِ رَعِيَّةِ بَلَدِ الْقَاضِي، وَحَثًّا لَهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْأَصْلَحِ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ: أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ نَصْبَ مَنْ يُكْتَفَى بِهِ.
(وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إِذَا طُلِبَ) وَلَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ أَهَمَّ مِنْهُ.
(وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ الدُّخُولُ فِيهِ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ.
وَقِيلَ: وَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ كَانَ فِيهِ غَيْرَ أَهْلٍ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إِزَالَتَهُ أُثِيبَ.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ لِيُخْتَصَّ بِالنَّظَرِ أُبِيحَ، فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ تَمْكِينِهِ فَاحْتِمَالَانِ.
وَقِيلَ: يُحْرَمُ بِخَوْفِهِ مَيْلًا.
(وَعَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالِامْتِنَاعِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؛) مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؟ (قَالَ: لَا يَأْثَمُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ) ، نَقَلَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ
خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ طُلِبَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُجِيبَ إِلَيْهِ.
فِي ظَاهِرِ الكَلَامِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَطَرِ وَالْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ، لَكِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ.
وَحَكَى ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الثَّلَاثَةِ: أَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الدُّخُولُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَحْمَدُ فِي أَظْهَرِ رِوَايَتَيْهِ: لَيْسَ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الدُّخُولُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ.
(وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ لِقَصْدِ إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَخَوْفًا أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ.
ذَكَرُهُ الْقَاضِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ إِذَنْ، وَقَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ يَحْرُمُ بِدُونِهِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّهُ لِقَصْدِ الْمَنْزِلَةِ وَالْمُبَاهَاةِ يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَإِنَّ طَائِفَةً كَرِهَتْهُ إِذَنْ، وَطَائِفَةً لَا
أَحْمَد.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ.
وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَالَهُ فَغَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَالْمُرَادُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلٌ، وَإِلَّا حُرِمَ وَقُدِحَ فِيهِ (وَإِنْ طُلِبَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُجِيبَ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ أَحْمَدُ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَفِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلِمَا فِي تَرْكِهِ مِنَ السَّلَامَةِ، وَذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، وَقَدْ أَرَادَ عُثْمَانُ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَى.
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ وَأَدَاءَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَرَدَّ الظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ، بِدَلِيلِ تَوْلِيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ كَذَلِكَ.
وَلَا يَخْتَارُ إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَقِيلَ: مَعَ خُمُولِهِ، وَحَمَلَ فِي الْمُغْنِي كَلَامَ ابْنِ حَامِدٍ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: أَوْ فَقْرِهِ.
فَرْعٌ: يَحْرُمُ بَذْلُ مَالٍ فِيهِ وَأَخْذُهُ وَطَلَبُهُ، وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ، وَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِمُ الْكَرَاهَةَ بِالطَّلَبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَوْلِيَةُ الْحَرِيصِ لَا يَنْفِي أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، يُكْرَهُ.
مَسْأَلَةٌ إِذَا جَهِلَ الْقَضَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْ خَافَ الْمَيْلَ حُرِمَ دُخُولُهُ فِيهِ، وَقِيلَ: مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَصْلُحُ لَهُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الدُّخُولَ فِيهِ، وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ.
1 -
(وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ
صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ.
وَتعيينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْبُلْدَانِ وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَإِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا، تَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ.
وَهَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالنَّهْيِ وَهُوَ وَاجِبُ الطَّاعَةِ، مَسْمُوعُ الْكَلِمَةِ، مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْوِلَايَاتِ شَرْعًا وَحِسًّا.
أَوْ نَائِبِهِ لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَشْبَهَ عَقْدَ الذِّمَّةِ.
[شُرُوطُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ]
(وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقَضَاءِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ.
وَحَاصِلُهُ: إِنْ كَانَ يَعْرِفُ صَلَاحِيَتَهُ وَلَّاهُ، وَإِلَّا سَأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِلْمُ، فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ، الْعِلْمُ بِذَلِكَ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ صَلَاحِيَتِهِ.
(وَتعَيين مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ) كَالْكُوفَةِ وَنَوَاحِيهَا.
(وَالْبُلْدَانِ) كَبَغْدَادَ وَنَحْوِهَا، لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ فَيَحْكُمَ فِيهِ وَلَا يَحْكُمَ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْوِكَالَةِ.
(وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ) ، أَيْ: يُشَافِهُهُ الْإِمَامُ بِهَا إِنْ كَانَ حَاضِرًا.
(أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا) إِنْ كَانَ غَائِبًا؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ، كَالتَّوْكِيلِ، وَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ؛ وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ،» وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا.
(وَإِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ) أَيْ: إِذَا كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ بَعِيدًا لَا يَسْتَفِيضُ إِلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا.
(وَقَالَ الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ) لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْوِلَايَةِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ مَعَ قُرْبِ مَا بَيْنَهُمَا، كَخَمْسَةِ أَيَّامٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِالِاسْتِفَاضَةِ إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ الْمُوَلَّى لَهُ.
وَأَطْلَقَ الْآدَمِيُّ: أَوِ اسْتِفَاضَةٌ، وَظَاهِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي؟) بِكَسْرِ اللَّامِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا: تُشْتَرَطُ كَمَا تُشْتَرَطُ فِي الْمُتَوَلِّي.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ الْكُبْرَى تَصِحُّ مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، فَصَحَّتْ وِلَايَتُهُ، كَالْعَدْلِ، وَلِأَنَّهَا لَوِ اعْتُبِرَتْ فِي الْمُوَلِّي أَفْضَى إِلَى تَعَذُّرِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إِذَا
تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الحكم، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ الْحُكْمَ.
فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنَ الْمَوْلَى، انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ.
وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَوَكَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا، حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ.
نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فيه، وَمَا أَشْبَهَهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ.
وَعَنْهُ: سِوَى الْإِمَامِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ أَيْ: إِذَا وَلَّاهُ إِمَامٌ فَاسِقٌ صَحَّ، إِنْ وَلَّاهُ نَائِبُهُ الْفَاسِقُ فَلَا.
فَرْعٌ: لَا يَنْعَزِلُ إِمَامٌ أَعْظَمُ بِفِسْقٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: بَلَى، كَالْحَاكِمِ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى لِفَاسِقٍ، وَعَنْهُ: تَنْعَقِدُ.
وَلَوْ غَلَبَهُمْ بِسَيْفِهِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، وَهِيَ أَشْهَرُ.
فصل وَإِذَا ثَبَتَتِ الْوِلَايَةُ وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ: فَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَدَفْعِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ
[المبدع في شرح المقنع]
[أَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ]
(وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الحكم، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إليك الْحُكْمَ) لِأَنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ دَلَالَةً لَا تَفْتَقِرُ مَعَهَا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَذَلِكَ هُوَ الصَّرِيحُ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ عَلَى هَذِهِ: اسْتَكْفَيْتُكَ، وَقِيلَ: رَدَدْتُهُ، وَفَوَّضْتُهُ، وَجَعَلْتُهُ إِلَيْكَ كِنَايَةً.
(فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا) أَيْ: وَاحِدٌ مِنْهَا.
(وَالْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى) الْحَاضِرِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْغَائِبِ بَعْدَهُ (انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ) لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا ذَلِكَ، فَمَتَى أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَوُجِدَ الْقَبُولُ صَحَّتْ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَيَصِحُّ الْقَبُولُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبٌ عَنِ الشَّرْعِ كَفَى، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ فَلَا.
مَسْأَلَةٌ: تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ مَعَ مَوْجُودٍ فَاضِلٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ وَكَانَ أَصْلَحَ لِلدِّينِ وَالنَّاسِ.
وَإِنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إِلَى إِنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَاضِي جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اخْتِيَارُ نَفْسِهِ وَلَا وَالِدِهِ وَلَا وَلَدِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ اخْتِيَارُهُمَا إِذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْوِلَايَةِ.
(وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَوَكَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وَغَيْرَهَا، مِنْ كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِرَأْيِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى التَّوْلِيَةِ (حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَه) ذلك لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرِينَةَ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ.
[الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى لَا تَصِحُّ إِلَّا لِمُسْلِمٍ]
1
فَصْلٌ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا تَصِحُّ الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى إِلَّا لِمُسْلِمٍ حُرٍّ، ذَكَرٍ، مُكَلَّفٍ، عَدْلٍ، مُجْتَهِدٍ، شُجَاعٍ، مُطَاعٍ، ذِي رَأْيٍ، سَمِيعٍ، بَصِيرٍ، نَاطِقٍ، قُرَشِيٍّ.
وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، وَالِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ.
وَعَنْهُ: لَا يَضُرُّ فِسْقُهُ الْمُقَارِنُ وَجَهْلُهُ.
فَإِنْ شَرَطْنَا حِينَ الْبَيْعَةِ عَدَمَ فِسْقِهِ وَجَهْلِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِفِسْقِهِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَا طَاعَةَ لَهُ فِي مَعْصِيَةٍ.
وَمَنْ ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ قَهْرًا زَالَتْ بِهِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَشُرُوطُ الْقَضَاءِ تَنْقُصُ عَنْ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ بِالشَّجَاعَةِ؛ لِسُقُوطِ الْحَرْبِ عَنِ الْقَاضِي، وَحَاجَةِ الْإِمَامِ إِلَيْهِ.
وَبِالنَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ الدِّينِيَّةِ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا النَّسَبُ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ عَنِ الرَّعِيَّةِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ وَبَايَعُوهُ صَارَ إِمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا؛ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ.
[مَا يُسْتَفَادُ بِالْوِلَايَةِ إِذَا ثَبَتَتْ وَكَانَتْ عَامَّةً]
فَصْلٌ
(وَإِذَا ثَبَتَتِ الْوِلَايَةُ وَكَانَتْ عَامَّةً) أَيْ: لَمْ تُقَيَّدْ بِنَوْعٍ (اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَزَادَ عَلَيْهَا وَاحِدًا: وَهُوَ جِبَايَةُ الْخَرَاجِ، وَفِي الْفُرُوعِ وَالزَّكَاةِ.
وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَالِاحْتِسَابُ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَإِلْزَامُهُمْ بِالشَّرْعِ.
الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرِ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرِ فِي الْوُقُوفِ فِي عَمَلِهِ بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا وَتَزْوِيجِ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ، وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طرقات الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ، وَتَصَفُّحِ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَالِاسْتِبْدَالِ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْوِلَايَةِ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا، بَلْ يُتَلَقَّى مِنَ اللَّفْظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ.
(فَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَدَفْعِهِ إِلَى رَبِّهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقَضَاءِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ! (وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ) لِأَنَّ بَعْضَهُمْ مُخْتَصٌّ بِنَظَرِ الْحَاكِمِ وَهُوَ السَّفِيهُ، وَبَعْضَهُمْ هُوَ بَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَلِيٌّ فَتَرْكُ نَظَرِهِ فِي مَالِهِ يُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلِيٌّ فَتَرْكُ نَظَرِهِ فِي حَالِ الْوَلِيِّ يُؤَدِّي إِلَى طَمَعِهِ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ (وَالْحَجْرِ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ) لِأَنَّ الْحَجْرَ يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، فَلِذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ.
(وَالنَّظَرِ فِي الْوُقُوفِ فِي عَمَلِهِ بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ) لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إِلَى إِجْرَائِهَا عَلَى شُرُوطِهَا سَوَاءٌ أَكَانَ لَهَا نَاظِرٌ خَاصٌّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
(وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا) لِأَنَّ الْمَيِّتَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.
(وَتَزْوِيجِ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ.» وَالْقَاضِي نَائِبُهُ.
(وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُقِيمُهَا وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ.
(وَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ) وَالْعِيدِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ مَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوِ الْوَاقِفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يُقِيمُونَهُمَا.
(وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طرقات الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ) لِأَنَّهُ مَرْصَدٌ لِلْمَصَالِحِ.
(وَتَصَفُّحِ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَالِاسْتِبْدَالِ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ) لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْقَضَاءِ تَوَلِّيهَا، فَعِنْدَ إِطْلَاقِ الْوِلَايَةِ تَنْصَرِفُ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
(فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ) إِذَا لَمْ يُخَصَّا بِعَامِلٍ، قَالَهُ فِي الْوَجِيزِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ.
(فَعَلَى وَجْهَيْنِ) :
وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
أَحَدُهُمَا: يَدْخُلَانِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْخِصَالِ.
الثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ بِتَوَلِّي الْقَضَاءِ لَهُمَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: فِي الْخَرَاجِ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَمِيرُ الْبَلَدِ إِنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْأَدَبِ، وَلَيْسَ إِلَيْهِ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا وَالْفُرُوجُ وَالْحُدُودُ وَالرَّحِمُ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِلْقَاضِي، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، وَهُوَ مَحَلُّ حُكْمِهِ، وَتَجِبُ إِعَادَةُ الشَّهَادَةِ لِتَعْدِيلِهَا (وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ) وَرَخَّصَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَرَزَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِصْفَ شَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِذَا جَازَ لَهُ الطَّلَبُ لِنَفْسِهِ جَازَ لِمَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا، وَإِنْ كَانَ فَبِقَدْرِ عَمَلِهِ، مِثْلَ مَالِ الْيَتِيمِ.
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ الْأُجْرَةَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا.
(فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) .
أحدهما: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.
وَفَرَضَ عُمَرُ لِزَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تولي مِنَ الْقُضَاةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَتْ وَضَاعَتِ الْحُقُوقُ.
فصل وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ، وأَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا،
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مَنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ، فَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ، فَإِنَّ عُمَرَ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَلَا يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا حَتَّى تَجْعَلَا لِي جَعْلًا، جَازَ.
وَقِيلَ: لَا.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلَّدَ الْقَضَاءُ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ.
وَفِي فَسَادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهَانِ، كَالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فِي الْبَيْعِ.
وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَحْدَهُ صَحَّ، وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ إِمَامٍ غَيْرِهِ، وَمَذْهَبِ غَيْرِ مَنْ وَلَّاهُ إِنْ قَوِيَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ، وَقِيلَ: لَا.
وَلِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدِهِ وَفِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ صَحَّ، وَإِنْ نَهَاهُ فَلَا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ الْجَوَازَ.
وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ فِيمَا لَا يُبَاشِرُهُ مِثْلُهُ عُرْفًا أَوْ يَشُقُّ، فَإِنِ اسْتُخْلِفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ الِاسْتِخْلَافُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُولَّ.
وَتَشْتَرِطُ أَهْلِيَّةُ النَّائِبِ لِمَا تَوَلَّاهُ.
[لِلْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّيَ الْقَاضِيَ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ]
فَصْلٌ (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ) بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ
أَوْ فِيهِمَا.
فَيُوَلِّيهِ عُمُومَ النَّظَرِ فِي بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةً فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي أَهْلِهِ، مَنْ طَرَأَ إِلَيْهِ أَوْ يَجْعَلُ إِلَيْهِ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، أَوْ فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، يَجْعَلُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيَجْعَلُ إِلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَى الْآخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
فَإِنْ جَعَلَ إِلَيْهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا جَازَ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ.
(وَأَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا) بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ فِي بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ مِنَ الْمَحَالِّ، وَكَذَا عَكْسُهُ.
(أَوْ فِيهِمَا) بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ، أَوْ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ أَوِ الْمَحَالِّ.
(فَيُوَلِّيهِ عُمُومَ النَّظَرِ فِي بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةً فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي أَهْلِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(مَنْ طَرَأَ إِلَيْهِ) لِأَنَّ الطَّارِئَ يُعْطَى حُكْمَ أَهْلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الدِّمَاءَ الْوَاجِبَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا فِي الطَّارِئِ إِلَيْهَا كَأَهْلِهَا.
(أَوْ يَجْعَلُ إِلَيْهِ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً أَوْ فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا) لِأَنَّ الْخِيَرَةَ فِي التَّوْلِيَةِ إِلَى الْإِمَامِ فَكَذَا فِي صِفَتِهَا، وَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْكُلِّ، فَكَذَا فِي الْبَعْضِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَنِيبُ أَصْحَابَهُ كُلًّا فِي شَيْءٍ، فَوَلَّى عُمَرَ الْقَضَاءَ، وَبَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا بِالْيَمَنِ، وَكَانَ يُرْسِلُ بَعْضَهُمْ لِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالنَّظْمِ؛ لِأَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي قَضَائِهِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوِكَالَةِ.
(قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، يَجْعَلُ إِلَى كُلٍّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيَجْعَلُ إِلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَى الْآخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ) لِأَنَّ الْإِمَامَ كَامِلُ الْوِلَايَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ، إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ كَتَوْلِيَةِ الْقَاضِي الْوَاحِدِ.
(فَإِنْ جَعَلَ إِلَيْهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا جَازَ) صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ فَجَازَ جَعْلُهَا إِلَى اثْنَيْنِ كَالْوَكَالَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَالْإِمَامُ أَوْلَى.
وعِنْدَ القاضي أَبِي الْخَطَّابِ: (لَا
وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي، أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتِهِ، لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَتَبْطُلُ فِي الْآخَرِ، وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
يَجُوزُ) لِأَنَّهُمَا قَدْ يَخْتَلِفَانِ فِي الِاجْتِهَادِ فَتَقِفُ الْحُكُومَةُ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ كُلَّ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ.
وَيُقَدَّمُ قَوْلُ الطَّالِبِ وَلَوْ عِنْدَ نَائِبٍ، فَإِنْ كَانَا مُدَّعِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ، اعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ مِنْهُمَا مَجْلِسًا، فَإِنِ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى حَاكِمٍ.
قَالَ حَرْمَلَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْلَا شُعْبَةُ مَا عُرِفَ الْحَدِيثُ بِالْعِرَاقِ، كَانَ يَجِيءُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَهُ: لِتُحَدِّثْ وَإِلَّا اسْتَعْدَيْتُ عَلَيْكَ السُّلْطَانَ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: يُقَدَّمُ مِنْهُمَا مَنْ طَلَبَ حُكْمَ الْمُسْتَنِيبِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ تَنَازَعَا أُقْرِعَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ كَانَا فِي الْحَاجِزِ كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، لَيْسَ الْحَاكِمُ فِي وِلَايَةِ أَحَدِهِمَا، فَإِلَى الْوَالِي الْأَعْظَمِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ (أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا (مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا لَوْ عَقَدَ الْوَلِيُّ النِّكَاحَ عَلَى مَوْلَاتِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ فَسَخَهُ.
(وَتَبْطُلُ فِي الْآخَرِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، فِي الثَّانِيَةِ: لَا، الْأُولَى: كَالْوَكِيلِ، قَالَ عُمَرُ: لَأَعْزِلَنَّ أَبَا مَرْيَمَ، وَأُوَلِّي رَجُلًا إِذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرِقَهُ.
فَعَزَلَهُ وَوَلَّى كَعْبَ بْنَ سُورٍ، وَوَلَّى عَلِيٌّ أَبَا الْأَسْوَدِ ثُمَّ عَزَلَهُ، فَقَالَ: لِمَ عَزَلْتَنِي وَمَا جَنَيْتُ؛ قَالَ: رَأَيْتُكَ يَعْلُو كَلَامُكَ عَلَى الْخَصْمَيْنِ.
وَجَزَمَ فِي التَّرْغِيبِ: بِأَنَّهُ يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ فِي أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، وَسَمَاعِ
وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِذَا قَالَ الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
شَهَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِحْضَارِ مُسْتَعِدٍ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ عَزَلَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: الْحَاكِمُ نَائِبُ الشَّرْعِ لَمْ يَنْعَزِلْ، وَإِنْ قُلْنَا: نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ انْعَزَلَ.
وَفِي الشَّرْحِ: لَا يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ، وَهَلْ يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهُنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ حَتَّى يُوَلَّى آخَرُ مَكَانَهُ.
وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ الْوَالِي بِمَوْتِ الْإِمَامِ وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَعَقْدِ وَصِيٍّ، وَنَاظَرَ عَقْدًا جَائِزًا كَوِكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ وَمُضَارِبَةٍ.
وَمِثْلُهُ كُلُّ عَقْدٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَوَالٍ وَمَنْ نَصَّبَهُ لِجِبَايَةِ مَالٍ وَصَرْفِهِ، وَأَمْرِ الْجِهَادِ، وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْمُحْتَسِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ.
(وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ: بِأَنَّهُ يَنْعَزِلُ كَالْوَكِيلِ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ فَيَشُقُّ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا تَغَيَّرَ حَالُ الْقَاضِي بِزَوَالِ عَقْلٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقَضَاءِ أَوِ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ الْقَاضِي خَلِيفَةً فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ كَالْوَكِيلِ، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ فِي الْأَرْضِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَفِيهَا لَهُ عَزْلُ نَائِبِهِ بِأَفْضَلَ مِنْهُ.
وَقِيلَ: بِمِثْلِهِ.
وَقِيلَ: بِدُونِهِ؛ لِمَصْلَحَةٍ فِي الدِّينِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عَزْلُ نَفْسِهِ يَتَخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ فِي خَطَأِ الْإِمَامِ، وَفِي الرِّعَايَةِ فِي نَائِبِهِ فِي الْحُكْمِ، وَقِيَمِ الْأَيْتَامِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَنَحْوِهِ أَوْجُهٌ.
ثَالِثُهَا: إِنِ اسْتَخْلَفَهُمْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ فَلَا.
وَرَابِعُهَا: إِنْ قَالَ: اسْتُخْلِفَ عَنْكَ.
انْعَزَلُوا.
وَإِنْ قَالَ: عَنِّي.
فَلَا، وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ فَارِضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْأَشْهَرِ.
وَمَنْ عُزِلَ أَوِ انْعَزَلَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَلَزِمَهُ إِعْلَامُ وَلِيِّ الْأَمْرِ.
فَلَوْ تَابَ الْفَاسِقُ وَحَسُنَ حَالُهُ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ،
فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ قَدْ وَلَّيْتُهُ، لَمْ تَنْعَقِدِ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.
وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْ فَهُوَ خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا، حُرًّا، مُسْلِمًا،
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ بِهِ، فَهَلْ يَعُودُ قَاضِيًا بِلَا تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَمَنْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ قَاضِي بَلَدٍ، وَوَلِيَ غَيْرُهُ فَبَانَ الْأَوَّلُ حَيًّا، لَمْ يَنْعَزِلْ فِي الْأَقْوَى.
(وَإِذَا قَالَ الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ قَدْ وَلَّيْتُهُ لَمْ تَنْعَقِدِ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْعَقِدَ لِمَنْ نَظَرَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ بَعْدَ زَيْدٍ عَلَى شَرْطٍ، فَكَذَا وِلَايَةُ الْحُكْمِ.
(وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ) لِمَنْ نَظَرَ لِأَنَّهُ وَلَّاهُمَا جَمِيعًا، ثُمَّ عَيَّنَ السَّابِقَ مِنْهُمَا.
[شُرُوطُ الْقَاضِي]
فَصْلٌ
(وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا) لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَنْعَقِدُ قَوْلُهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، فَلَأَنْ لَا يُنَفَّذَ فِي غَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا، وَالْقَاضِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَبَيْنَ الْحَالَيْنِ مُنَافَاةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْفَرَجِ فِي كُتُبِهِ: بَالِغًا.
وَفِي الِانْتِصَارِ فِي صِحَّةِ أَشُدِّهِ لَا يُعْرَفُ فِيهِ رِوَايَةٌ.
(ذَكَرًا) وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ.
وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ، وَقَلِيلَةُ الرَّأْيِ، لَيْسَتْ أَهْلًا لِحُضُورِ الرِّجَالِ.
(حُرًّا) لِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِرِقِّهِ، مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ، كَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، لَكِنْ تَصِحُّ وِلَايَةُ
سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا، وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَبْدٍ إِمَارَةً سِرِّيَّةً، وَقَسْمُ صَدَقَةٍ وَفَيْءٍ، وَإِمَامَةُ صَلَاةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَالَ فِيهِ: بِإِذْنِ سَيِّدٍ.
(مُسْلِمًا) لِأَنَّ الْكُفْرَ يَقْتَضِي إِذْلَالَ صَاحِبِهِ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي احْتِرَامَهُ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ، فَكَذَا هُنَا، عَدْلًا؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فَهَذَا أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَوْ فِسْقٍ بِشُبْهَةٍ، فَوَجْهَانِ.
(سَمِيعًا) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ.
(بَصِيرًا) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا الْمُقِرَّ مِنَ الْمُقَرِّ لَهُ.
(مُتَكَلِّمًا) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إِشَارَتَهُ.
(مُجْتَهِدًا) إِجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ لَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إِلَّا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاقِدُ الِاجْتِهَادِ، إِنَّمَا يَحْكُمُ بِالتَّقْلِيدِ! وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَلِأَنَّ الْمُفْتِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا، فَالْحَاكِمُ أَوْلَى.
وَلَكِنْ فِي الْإِفْصَاحِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا تَوْلِيَةُ مُجْتَهِدٍ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا عنى بِهِ مَا كَانَتِ الْحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ هذه الْمَذَاهِبِ.
وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ وَمُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ لِلضَّرُورَةِ.
وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ: أَوْ مُقَلِّدًا.
وَقِيلَ: يُفْتِي بِهِ ضَرُورَةً.
قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: مَا أَعِيبُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِأَحْمَدَ يُفْتِي بِهَا.
وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ: يُفْتِي غَيْرَ مُجْتَهِدٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْحَاجَةِ.
فَعَلَى هذا يُرَاعِي أَلْفَاظَ إِمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا وَتَقْلِيدَ كِبَارِ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ،
وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تعالى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْحَقِيقَةَ والمجاز، وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَحْكُمُ وَلَوِ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الظَّاهِرِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ الْخِلَافُ فِي مُجْتَهِدٍ.
(وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ، نَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ أُمِّيًّا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ مَعْرِفَةُ الْكِتَابَةِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِيَعْلَمَ مَا يَكْتُبُهُ كَاتِبُهُ فَيَأْمَنَ تَحْرِيفَهُ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَشَرَطَ الْخِرَقِيُّ وَالْحَلَوَانِيَّةُ وَابْنُ رَزِينٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنْ يَكُونَ وَرِعًا، وَقِيلَ: وَزَاهِدًا.
وَأَطْلَقَ فِيهِمَا فِي التَّرْغِيبِ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا مُغَفَّلًا، وَهُوَ مُرَادٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا يَكُونُ بَلِيدًا، وَلَا نَافِيًا لِلْقِيَاسِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تُقِيُّ الدِّينِ: الْوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، فَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ تَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ.
وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، فَالشَّابُّ بِالصِّفَاتِ كَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الْأَسَنَّ أَوْلَى، مَعَ التَّسَاوِي يُرَجَّحُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ أَيْضًا.
(وَالْمُجْتَهِدُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ: وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
(مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْحَقِيقَةَ) وَهِيَ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ.
(وَالْمَجَازَ) وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ.
زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ.
(وَالْأَمْرَ) وَهُوَ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
(وَالنَّهْيَ) وَهُوَ: اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، لَا بِقَوْلِ كُفَّ.
(وَالْمُجْمَلَ) وَهُوَ: مَا لَا يُفْهَمُ
وَالْمُقَيَّدَ، وَالنَّاسِخَ الرافع وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا وَتَوَاتُرَهَا مَنْ آحَادِهَا وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، مِمَّا لَهُ تُعَلُّقٌ بِالْأَحْكَامِ خَاصَّةً، وَيَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ.
(وَالْمُبَيَّنَ) وَهُوَ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ مُجْتَمِعَةِ الْأُصُولِ مُتَشَعِّبَةِ الْفُرُوعِ.
(وَالْمُحْكَمَ) الْمُتَّضِحَ الْمَعْنَى.
(وَالْمُتَشَابِهَ) مُقَابِلُهُ: إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ، أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ.
(وَالْخَاصَّ) قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ.
(وَالْعَامَّ) مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقُ أَجْزَائِهِ.
(وَالْمُطْلَقَ) مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ.
(وَالْمُقَيَّدَ) وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
(وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ) فَهُوَ: الرَّافِعُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
(وَالْمَنْسُوخَ) وَهُوَ: مَا ارْتَفَعَ شَرْعًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ شَرْعًا.
(وَالْمُسْتَثْنَى) وَهُوَ الْمُخْرَجُ بِإِلَّا، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ لَفْظٍ شَامِلٍ لَهُ.
(وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) وَهُوَ: الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا دُلَّ عَلَيْهِ بِإِلَّا، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا.
(وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا) وَهُوَ: مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ.
(مِنْ سَقِيمِهَا) وَهُوَ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ كَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُنْكَرِ وَالشَّاذِّ وَغَيْرِهَا.
(وَتَوَاتُرَهَا) هُوَ: الْخَبَرُ الَّذِي نَقَلَهُ جَمْعٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، مُسْتَوِيًا فِي ذَلِكَ طَرَفَاهُ وَوَسَطُهُ.
الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ، بَلْ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعَدَدِ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْهُ ضَرُورِيٌّ فِي الْأَصَحِّ مِنْ آحَادِهَا، وَهُوَ مَا عَدَا التَّوَاتُرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ وَاحِدًا، بَلْ كُلُّ مَا لَمْ يَبْلُغِ التَّوَاتُرَ فَهُوَ آحَادٌ.
وَمُرْسَلَهَا) وَهُوَ: قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا مُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَمُتَّصِلَهَا) وَهُوَ: مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا، (وَمُسْنَدَهَا) وَهُوَ: مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ مِنْ رَاوِيهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ.
وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَمُنْقَطِعَهَا) هُوَ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ سَنَدُهُ، عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الِانْقِطَاعُ.
(مِمَّا لَهُ تُعَلُّقٌ بِالْأَحْكَامِ خَاصَّةً) . وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا الْمُتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حِفْظُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ كَمَا نَقَلَهُ الْمُعْظَمُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الصَّوَابَ بِدَلِيلِهِ، كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا دَلَالَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ
وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ، وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وَرُزِقَ فَهْمُهُ، صَلَحَ للفتيا والْقَضَاءِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِيُعْرَفَ دَلَالَتُهُ، وَوَقْفُ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ.
(وَيَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ) وَهُوَ: اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ (مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ) . (وَالْقِيَاسُ) وَهُوَ: رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ.
(وَحُدُودَهُ) عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
(وَشُرُوطَهُ) بَعْضَهَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ، وَبَعْضَهَا إِلَى الْفَرْعِ، وَبَعْضَهَا إِلَى الْعِلَّةِ.
(وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ) عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَالِّهَا.
(وَالْعَرَبِيَّةَ) هِيَ: الْإِعْرَابُ، أَوِ الْأَلْفَاظُ الْعَرَبِيَّةُ.
وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصِهَا بِأَحْوَالٍ هِيَ: الْإِعْرَابُ، لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ.
(الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) وَالْيَمَنِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ.
(وَمَا يُوَالِيهِمْ) لِيَعْرِفَ بِهِ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لَلْفُتْيَا، فَالْحُكْمُ مِثْلُهُ بَلْ أَشَدُّ.
(وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ) أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ.
(وَرُزِقَ فَهْمُهُ، صَلُحَ لَلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ) لِأَنَّ الْعَالِمَ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَوَضْعِهَا فِي مَوَاضِعِهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: مَنْ حَصَّلَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَفُرُوعَهُ فَمُجْتَهِدٌ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ.
وَقِيلَ: مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: كَخَوْفِهِ عَلَى خُصُومٍ مُسَافِرِينَ فَوَّتَ رُفْقَتَهُمْ فِي الْأَصَحِّ، وَيَتَحَرَّى الِاجْتِهَادَ فِي الْأَصَحِّ.
1 -
مَسَائِلُ: الْأُولَى: تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ، فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ إِجْمَاعًا، فَإِنْ فُسِّقَ بِشُبْهَةٍ فَوَجْهَانِ.
وَمَا مَنَعَ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ مَنَعَ دَوَامَهَا، وَقِيلَ: الْفِسْقُ الطَّارِئُ يَمْنَعُ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ وَدَوَامَهَا، وَفِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى رِوَايَاتٌ: ثَالِثُهَا: يَمْنَعُ انْعِقَادَهَا لَا دَوَامَهَا، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَمَا فُقِدَ مِنْهَا فِي الدَّوَامِ أَزَالَ الْوِلَايَةَ، إِلَّا فَقْدَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ بَاقِيَةٌ فِيهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَإِنْ نَسِيَ الْفِقْهَ أَوْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
خَرِسَ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَمْ تُفْهَمْ إِشَارَتُهُ، أَوْ فَسَقَ، أَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ عَمِيَ انْعَزَلَ، وَيَلْزَمُ الْمُدَّعِي أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفْرُغَ لَهُ الْحَاكِمُ مِنْ شُغْلِهِ، وَلَهُ مُلَازَمَةُ غَرِيمِهِ حَتَّى يَفْرُغَ إِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ حَاضِرَةً أَوْ قَرِيبَةً، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً بَعِيدَةً فَوَجْهَانِ.
الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ فُتْيَا مَسْتُورِ الْحَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ قَرَابَةً، أَوْ أَخْرَسَ تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ أَوْ كِتَابَتُهُ، أَوْ مَعَ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، وَقِيلَ: وَعَدَاوَةٍ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُفْتِيَ.
وَقِيلَ: لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ دُونَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، وَنَحْوِهِمَا.
الثَّالِثَةُ: يُحْرَمُ التَّسَاهُلُ فِي الْفُتْيَا وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ، فَإِنْ عُرِفَ مَا سُئِلَ عَنْهُ وَجَوَابُهُ، أَجَابَ سَرِيعًا.
وَيُحْرَمُ أَنْ يَتْتَبَعَ الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ وَالْمَكْرُوهَةَ وَالتَّرَخُّصَ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، وَالتَّغْلِيظَ لِمَنْ أَرَادَ ضُرَّهُ، وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ فِي حِيلَةٍ لَا شُبَهَ فِيهَا، وَلَا مَفْسَدَةَ لِيَخْلُصَ بِهَا حَالِفًا مِنْ يَمِينِهِ، كَقِصَّةِ أَيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَازَ.
وَيَحْرُمُ التَّحَيُّلُ لِتَحْلِيلِ حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ بِلَا ضَرُورَةٍ.
الرَّابِعَةُ: يُمْنَعُ مِنَ الْفُتْيَا فِي حَالٍ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا فَإِنْ أَفْتَى وَأَصَابَ كُرِهَ وَصَحَّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَلَهُ أَخْذُ رِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ تَعَيَّنَ أَنَّهُ يُفْتِي وَلَهُ كِفَايَةٌ فَوَجْهَانِ.
وَإِنْ كَانَ اشْتِغَالُهُ بِهَا وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا يَقْطَعُهُ عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ، فَلَهُ أَخْذُهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى فُتْيَاهُ أُجْرَةً، وَمَعَ عَدَمِهِ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ خَطِّهِ لَا فُتْيَاهُ.
وَإِنْ جَعَلَ لَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ جَازَ.
وَلَهُ قَبُولُ هَدِيَّةٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ إِنْ كَانَتْ لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ لِنَفْعِهِ بِجَاهِهِ أَوْ مَالِهِ.
وَيُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ عَلَى الْأَوْرَعِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ وَإِمْكَانُ تَوْلِيَةِ سِوَاهُ فِي الْأَقْيَسِ، وَلَا يَكْفِيهِ قَوْلُ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا.
الْخَامِسَةُ: يَلْزَمُ كُلَّ مُقَلِّدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأَشْهَرِ، فَلَا يُقَلِّدَ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: ضَرُورَةً، فَإِنِ الْتَزَمَ فِيمَا أَفْتَى بِهِ أَوْ عَمِلَ بِهِ أَوْ ظَنَّهُ حَقًّا أَوْ لَمْ يَجِدْ مُفْتِيًا لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَا تَجُوزُ الْفَتْوَى فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بَلْ يُنْهَى السَّائِلُ عَنْهُ، وَالْعَامَّةُ أَوْلَى، وَيُؤْمَرُ الْكُلُّ بِالْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ، وَمَا يَلِيقُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ، وَلَا
فصل
وَإِنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا، نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ، والْقِصَاصِ وَالْحَدِّ وَالنِّكَاحِ وَاللِّعَانِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ذَكَرَهُ أَبُو
[المبدع في شرح المقنع]
إِتْيَانُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَيَجُوزُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ، وَإِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ، وَلَا اجْتِهَادَ فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَلَا الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ، وَإِنْ نَهَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ عَنِ الْحُكْمِ فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
[إِنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ]
فَصْلٌ
(وَإِنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ فَحَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا نَفَذَ حُكْمُهُ) لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قُومِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ عَلَيَّ الْفَرِيقَانِ.
فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَحَاكَمَا إِلَيْهِ وَارْتَضَيَا بِهِ، فَلَمْ يَقُلْ بَيْنَهُمَا الْحَقَّ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُهُمَا لَمَا لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ لِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إِلَى جُبَيْرٍ.
لَا يُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا إِمَامَيْنِ فَيَصِيرُ حَاكِمًا مَنْ رَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا أَكْثَرُ مِنَ الرِّضَى بِحُكْمِهِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ لَا يَصِيرُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ قَاضِيًا وَهُوَ حِينَئِذٍ كَحَاكِمِ الْإِمَامِ، وَلَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلَّا فِيمَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ (فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْحَدِّ) كَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَيَّدَهُ فِي الْوَجِيزِ بِحَدِّ الْقَذْفِ خَاصَّةً (وَالنِّكَاحِ وَاللِّعَانِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ الْأَحَادِيثِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: يَنْفُذُ فِي غَيْرِ فَرَجٍ، كَتَصَرُّفِهِ ضَرُورَةً فِي تَرِكَةِ مَيِّتٍ فِي غَيْرِ فَرَجٍ،
الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ إِلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً.
بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي.
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، حَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ وَفِطْنَةٍ، بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ، وَإِذَا وَلِيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، سَأَلَ عَمَّنْ فِيهِ مِنَ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نُفُوذَ حُكْمِهِ بَعْدَ حُكْمِ حَاكِمِ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ إِنْ حَكَّمَ أَحَدُهُمَا خَصْمَهُ أَوْ حَكَّمَا مُفْتِيًا فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ جَازَ، وَأَنَّهُ يَكْفِي وَصْفُ الْقِصَّةِ لَهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِالرِّضَى بِهِ قَبْلَ حُكْمِهِ لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ مِنْهُ جَازَ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَهُ قَبْلَ تَمَامِهِ فَوَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ الرِّضَى بِحُكْمِهِ.
فَائِدَةٌ: لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِحُكْمِهِ، وَيَلْزَمُ الْحُكَّامَ قَبُولُهُ، وَكِتَابُهُ كَكِتَابِ حَاكِمِ الْإِمَامِ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ إِلَّا فِي الْمَالِ خَاصَّةً) هَذِهِ رِوَايَةٌ حَكَاهَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ.
[بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي]
[الْآدَابُ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا]
بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي الْأَدَبُ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ وَضَمِّهَا، لُغَةً: إِذَا صَارَ أَدَبِيًّا فِي خُلُقٍ أَوْ عِلْمٍ.
فَأَدَبُ الْقَاضِي: أَخْلَاقُهُ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهَا، وَالْخُلُقُ صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ.
(يَنْبَغِي) أَيْ: يُسَنُّ.
(أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ) لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ الظَّالِمُ، وَالْعُنْفُ ضِدُّ الرِّفْقِ.
(لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ) لِئَلَّا يَهَابَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَظَاهِرُ الْفُصُولِ يَجِبُ ذَلِكَ.
(حَلِيمًا) لِئَلَّا يَغْضَبَ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمِ، فَيَمْنَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، (ذَا أَنَاةٍ) ، الْأَنَاةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى عَجَلَتِهِ.
(وَفِطْنَةٍ) لِئَلَّا يُخْدَعَ كَغَيْرِهِ.
(بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ،
الْفُقَهَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْعُدُولِ.
وَيُنْفِذُ عِنْدَ مُسِيرِهِ مَنْ يَعْلَمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ.
وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ أَوِ السَّبْتِ، لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ، فَيَأْتِي الْجَامِعَ
[المبدع في شرح المقنع]
حَلِيمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَرِعًا لِيُؤْمَنَ مِنْهُ مَعَ ذَلِكَ أَخْذُ مَا لَا يَحِلُّ، عَفِيفًا: هُوَ الَّذِي يَكُفُّ عَنِ الْحَرَامِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَطْمَعُ فِي مَيْلِهِ مَعَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
فَرْعٌ: إِذَا افْتَأَتَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ، فَفِي الْمُغْنِي: لَهُ تَأْدِيبُهُ وَالْعَفْوُ.
وَفِي الْفُصُولِ: يَزْجُرُهُ فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: يَنْتَهِرُهُ وَيَصِيحُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ: يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ كَالْإِقْرَارِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمُتَظَلِّمِينَ عَلَى الْحُكَّامِ وَأَعْوَانِهِمْ، فَجَازَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ.
وَلِهَذَا شَقَّ رَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَأَدَّبَهُ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ.
(وَإِذَا وَلِيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ سَأَلَ عَمَّنْ فِيهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْعُدُولِ) لِيَعْرِفَ حَالَهُمْ، حَتَّى يُشَاوِرَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْمُشَاوَرَةِ، وَيَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ.
(وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يَعْلَمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ) لِأَنَّ فِي تَلَقِّيهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَذَلِكَ طَرِيقٌ لِقَبُولِ قَوْلِهِ وَنُفُوذِ أَمْرِهِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَأْمُرُهُمْ بِتَلَقِّيهِ.
(وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ أَوِ السَّبْتِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» ، وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ قَدِمَ يَوْمَ الْخَمِيسَ» ، وَلِأَنَّ الِاثْنَيْنَ يَوْمٌ مُبَارَكٌ.
وَفِي الْكَافِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ يَوْمَ الْخَمِيسِ.
وَذَكَرَ آخَرُونَ يُسْتَحَبُّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَوْمَ الْخَمِيسَ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: أَوِ السَّبْتِ.
(لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ) أَيْ: أَحْسَنَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ سُودًا، وَإِلَّا فَالْعِمَامَةُ، فَقَدْ قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَكَذَا أَصْحَابُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ غَيْرُ السَّوَادِ أَوْلَى لِلْأَخْبَارِ.
وَأَنَّهُ يَدْخُلُ ضَحْوَةً
فَيُصَلِّي فيه رَكْعَتَيْنِ وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ، أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ مَنْ يُنَادِي مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا.
ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ، وَيَنْفُذُ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ مِنَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ.
ثُمَّ يَخْرُجُ الْيَوْم الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ، غَيْرَ غَضْبَانَ وَلَا جَائِعٍ وَلَا شَبْعَانَ وَلَا حَاقِدٍ وَلَا مَهْمُومٍ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنِ الْفَهْمِ فَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ، وَلَا يَتَطَيَّرُ بِشَيْءٍ، وَإِنْ تَفَاءَلَ فَحَسَنٌ.
(فَيَأْتِي الْجَامِعَ) لِأَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ أَهْلُ الْبَلَدِ لِلطَّاعَةِ، وَهُوَ أَوْسَعُ الْأَمْكِنَةِ.
(فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» . (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا استقبل بِهِ الْقِبْلَةَ.
(فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الْحَاضِرِينَ لِيَعْلَمُوا تَوْلِيَتَهُ، وَيَعْلَمُوا احْتِيَاطَ الْإِمَامِ عَلَى اتباع أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَالنَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَقَدْرَ الْمُوَلَّى عِنْدَهُ، وَيَعْلَمُوا حُدُودَ وِلَايَتِهِ وَمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهَا.
(وَأَمَرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَحْضِرْ يَوْمَ كَذَا،) لِيَعْلَمَ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَقْصِدَ الْحُضُورَ لِفَصْلِ حَاجَتِهِ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ: وَلْيُقِلَّ مِنْ كَلَامِهِ إِلَّا لِحَاجَةٍ لِلْخَبَرِ.
(ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ) لِيَسْتَرِيحَ مِنْ نَصَبِ سَفَرِهِ، وَيُعِدَّ أَمْرَهُ وَيُرَتِّبَ نُوَّابَهُ، لِيَكُونَ خُرُوجُهُ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ.
(وَيَنْفُذُ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ) بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ.
(مِنَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ) وَهُوَ: الدَّفْتَرُ الْمَنْصُوبُ لِيُثْبِتَ حُجَجَ النَّاسِ وَوَثَائِقَهُمْ وَسِجِلَّاتِهِمْ وَوَدَائِعَهُمْ، وَلِأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَقَدْ صَارَتْ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ.
قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ وَلْيَأْمُرْ كَاتِبًا ثِقَةً يُثْبِتُ مَا تَسَلَّمَهُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ.
(ثُمَّ يَخْرُجُ الْيَوْم الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ غَضْبَانَ، وَلَا جَائِعٍ، وَلَا شَبْعَانَ، وَلَا حَاقِد، وَلَا مَهْمُومٍ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنِ الْفَهْمِ) لِيَكُونَ أَجْمَعَ لِقَلْبِهِ وَأَبْلَغَ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ.
صَرَّحَ بِالْغَضَبِ وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
(فَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا؛
وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ، وَيَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُ سِرًّا أَنْ يَعْصِمَهُ مِنَ الزَّلَلِ وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ وَلِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ فِي مَكَانٍ فَسِيحٍ كَالْجَامِعِ وَالْفَضَاءِ وَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ السُّنَّةَ سَلَامُ الْمَارِّ عَلَى الْمَمْرُورِ بِهِ.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ) لِأَنَّ السُّنَّةَ سَلَامُ الدَّاخِلِ عَلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ.
(وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» . وَالْأَخِيرُ قَالَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ.
وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ.
(وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ) وَنَحْوِهِ فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي هَيْبَتِهِ وَأَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ وَأَعْظَمُ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ عَلَى التُّرَابِ وَلَا عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ.
لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ جُلُوسِهِ عَلَى الْبِسَاطِ دُونَ تُرَابٍ وَحَصِيرٍ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ أَوْلَى، فَيَكُونُ وَجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَنْفَذَ بِسَاطًا أَوْ لَبَّادًا أَوْ حَصِيرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِيُفْرَشَ لَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ.
وَفِي الْكَافِي: وَيَبْسُطُ تَحْتَهُ شَيْئًا يَجْلِسُ عَلَيْهِ لِيَكُونَ أَوْقَرَ لَهُ.
(وَيَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُ سِرًّا أَنْ يَعْصِمَهُ مِنَ الزَّلَلِ وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ وَلِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ مُطْلَقًا، فَفِي وَقْتِ الْحَاجَةِ أَوْلَى، وَالْقَاضِي أَشَدُّ النَّاسِ إِلَيْهِ حَاجَةً.
(ويجعل مَجْلِسَهُ فِي مَكَانٍ فَسِيحٍ كَالْجَامِعِ) وَيَصُونُهُ عَمَّا يُكْرَهُ.
(وَالْفَضَاءِ وَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ إِنْ أَمْكَنَ) لِيَكُونَ ذَلِكَ أَوْسَعَ عَلَى الْخُصُومِ وَأَقْرَبَ إِلَى الْعَدْلِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْجَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ، لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ السُّنَّةُ.
وَالْقَضَاءُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ، فَإِنِ اتَّفَقَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخُصُومِ مَانِعٌ مِنْ دُخُولِهِ كَحَيْضٍ وَكُفْرٍ، وَكَّلَ وَكِيلًا، أَوْ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُحَاكِمَ إِلَيْهِ.
وَسَطِ الْبَلَدِ إِنْ أَمْكَنَ.
وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا، إِلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إِنْ شَاءَ.
وَيُعْرَضُ الْقَصَصُ، فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ حَضَرُوا دُفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قَدَّمَ أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
وَيَعْدِلُ بَيْنَ
[المبدع في شرح المقنع]
[لَا يَتَّخِذُ الْقَاضِي حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا]
(وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ إِمَامٍ أَوْ وَالٍ يَغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، إِلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» . إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
وَلِأَنَّ الْحَاجِبَ رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ.
(إِلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إِنْ شَاءَ) وَفِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: إِلَّا مِنْ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَدْعُو حَاجَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الْخُصُومِ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْحُكُومَةِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا.
وَفِي الْمَذْهَبِ: يَتْرُكُهُ نَدْبًا.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الْخُصُومِ إِذَا تَنَازَعُوا إِلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ، وَلَا لَهُ أَنْ يَحْتَجِبَ إِلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى رَأْسِهِ مَنْ يُرَتِّبُ النَّاسَ.
(وَيُعْرَضُ الْقَصَصُ) لِيَقْضِيَ حَوَائِجَ أَصْحَابِهَا.
(فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) كَمَا لَوْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ.
(وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ) لِئَلَّا يَسْتَوْعِبَ الْمَجْلِسَ بِدَعَاوِيهِ فَيَضُرَّ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلِيهِ سَبَقَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ.
وَقِيلَ: يُقَدِّمُ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لِئَلَّا تَضْجَرَ الْبَيِّنَةُ، وَفِي الرِّعَايَةِ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ مُتَأَخِّرٍ (فَإِذَا حَضَرُوا دُفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قَدَّمَ أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ) لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلتَّرْجِيحِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَكَذَا هُنَا.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: يُقَدِّمُ الْمُسَافِرَ الْمُرْتَحِلَ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْمَرْأَةَ فِي حُكُومَاتٍ يَسِيرَةٍ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْمُسَافِرُونَ مِثْلَ الْمُقِيمِينَ أَوْ أَقَلَّ وَفِي تَقْدِيمِهِمْ ضَرَرٌ اعْتُبِرَ رِضَى الْمُقِيمِينَ، وَقِيلَ: إِنْ كَانُوا مِثْلَهُمْ أَوْ أَكْثَرَ سَوَّى بَيْنَهُمْ، فَإِنِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَضَرَ قَبْلَ الْآخَرِ لِيَدَّعِيَ عَلَيْهِ، فَهَلْ يُقَدِّمُ الْحَاكِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، أَوْ يَصْرِفُهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا، أَوْ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ؛ فِيهِ أَوْجُهٌ.
وَالِاعْتِبَارُ بِسَبْقِ الْمُدَّعِي، لَكِنْ لَوْ قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ أَوْ عَكَسَ، صَحَّ قَضَاؤُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
[الْعَدْلُ بَيْنَ الْخُصُومِ]
(وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) لُزُومًا فِي الْأَصَحِّ،
الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا، فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ فِي الْجُلُوسِ.
وَقِيلَ: يُسَوِّي بَيْنَهُمَا.
وَلَا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا، وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي
[المبدع في شرح المقنع]
(فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ قَضَاةُ الْبَصْرَةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ» . وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى: وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَعَدْلِكَ، حَتَّى لَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِكَ، وَلَا يَطْمَعَ الشَّرِيفُ فِي حَيْفِكَ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ الْهُذَلِيِّ، وَهُوَ وَاهٍ.
وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَفْهَمْ حُجَّتَهُ فَيُؤَدِّي إِلَى ظُلْمِهِ وَانْكِسَارِ قَلْبِهِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّ ذَلِكَ يُسَنُّ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا فَيُقَدِّمَ الْمُسْلِمَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعَهُ فِي الْجُلُوسِ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ.
لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: وَجَدَ عَلِيٌّ دِرْعَهُ مَعَ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: دِرْعِي سَقَطَتْ وَقْتَ كَذَا.
فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: دِرْعِي فِي يَدِي، وَبَيْنِي وَبَيْنَكَ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ.
فَارْتَفَعَا إِلَى شُرَيْحٍ فَلَمَّا رَآهُ شُرَيْحٌ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَأَجْلَسَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَجَلَسَ مَعَ الْيَهُودِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَ خَصْمِي مُسْلِمًا لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجْلِسِ» . وَإِسْنَادُهُ فِيهِ ضَعْفٌ.
وَإِظْهَارًا لِشَرَفِ الْإِسْلَامِ.
(وَقِيلَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْعَدْلَ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَهُوَ وَاجِبُ التَّقْدِيمِ لِأَنَّهُ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ: يُفَضَّلُ عَلَيْهِ دُخُولًا، وَأَمَّا جُلُوسًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
(وَلَا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى ضَعْفِهِ عَنْ إِقَامَةِ حُجَّتِهِ.
(وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُضِيفُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَكَ خَصْمٌ؛ قَالَ: نَعَمُ.
قَالَ:
الْآخَرِ يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنُ تَحْرِيرَهَا.
وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أَوْ لِيَضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَزِنَ عَنْهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ
[المبدع في شرح المقنع]
تَحَوَّلْ عَنَّا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ» . وَفِي الْكَافِي: لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ.
(وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا فِيهِ مِنِ الْإِعَانَةِ عَلَى خَصْمِهِ وَكَسْرِ قَلْبِهِ (وَفِي الْآخَرِ: يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنُ تَحْرِيرَهَا) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى خَصْمِهِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ تَعْلِيمِهِ تَسَبُّبًا إِلَى تَأْخِيرِ حَقِّهِ، وَعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ.
وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يُسَوِّي بَيْنَ خَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِهِ، وَلِحْظِهِ وَلَفْظِهِ، وَلَوْ ذِمِّيًّا فِي وَجْهٍ.
فَرْعٌ: مَا لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعْوَى مِنْ شَرْطٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ عَنْهُ لِيَذْكُرَهُ وَيُحَرِّرَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أَوْ يَضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَزِنَ عَنْهُ) كَذَا فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ مُعَاذًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ، فَلَوْ تَرَكُوا الْأَخْذَ لَتَرَكُوا لِمُعَاذٍ لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -. مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ «أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ.
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُمْ فَاعْطِهِ» . قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا حُكْمٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ مَنْعَ وَزْنِهِ عَنْهُ.
وَفِي سُؤَالِ الْوَضْعِ عَنْهُ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا رَدَّ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: يَصْبِرُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمَا مَعًا إِلَّا أَنْ يَتَمَادَى عُرْفًا.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ قِيَامُهُ لَهُمَا.
نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: سُنَّةُ الْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ.
[إِحْضَارُ الْقَاضِي الْفُقَهَاءَ فِي مَجْلِسِهِ]
(وَيَنْبَغِي) أَيْ: يُسَنُّ (أَنْ يَحْضُرَ
إِنْ أَمْكَنَ وَيُشَاوِرُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ حُكْمٌ، وَإِلَّا أَخَّرَهُ،
وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ
وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا حَاقِنٌ، وَلَا فِي شِدَّةِ الْجُوعِ
[المبدع في شرح المقنع]
مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إِنْ أَمْكَنَ) حَتَّى إِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ، سَأَلَهُمْ عَنْهَا لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا، وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَقْرَبُ إِلَى صَوَابِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ افْتِئَاتًا عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا.
(وَيُشَاوِرُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] «وَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَشَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَشَاوَرَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ» ، وَلَا مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ.
وَالْمُشَاوَرَةُ هُنَا لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ وَيُعْرَفُ الْحَقُّ بِالِاجْتِهَادِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَهُ لَوْ فَعَلَهُ الْحُكَّامُ، يُشَاوِرُونَ وَيَنْتَظِرُونَ.
(فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ حَكَمَ) وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَأْخِيرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْحَقِّ عَنْ مَوْضِعِهِ.
(وَإِلَّا أَخَّرَهُ) حَتَّى يَتَّضِحَ الْحَقُّ فَيَحْكُمَ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَضَاءِ بِالْجَهْلِ.
[لَا يُقَلِّدُ الْقَاضِي غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ]
(وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْمُجْتَهِد لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ.
نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ.
وَلَوْ كَانَ حَكَمَ بِحُكْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ هَذَا.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: لَا تُقَلِّدْ أَمْرَكَ أَحَدًا، وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ للْفَضْل بْن زِيَادٍ: لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ الرِّجَالَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مُسَافِرًا يَخَافُ فَوْتَ رُفْقَتِهِ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ، وَإِنْ فَوَّضَهُ إِلَى مَنِ اتَّضَحَ لَهُ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ صَحَّ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ.
وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ، وَالْوَجَعِ، وَالنُّعَاسِ، وَالْبَرْدِ الْمُؤْلِمِ، وَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ، فَإِنْ خَالَفَ وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَقَّ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ، وَقِيلَ: إِنْ عَرَضَ ذَلِكَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْتَشِيَ، وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إِلَّا مِمَّنْ كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ مِمَّا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا كَالصَّلَاةِ فَعَلَهَا بِحَسَبِ حَالِهِ وَيُعِيدُ إِذَا قَدَرَ، كَمَنَ عَدِمَ الطَّهُورَيْنِ فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّقْلِيدِ، وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ، وَهُوَ التَّقْلِيدُ بِخَوْفِ فَوْتِ وَقْتِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ: إِذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا أَعْرِفُ فِيهَا خَبَرًا قُلْتُ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَالَمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» . فَرْعٌ: إِذَا حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ حَكَمَ بِالْحَقِّ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
[لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ]
(وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ) غَضَبًا كَثِيرًا، لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ، وَفِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَلَا حَاقِنٌ، وَلَا فِي شِدَّةِ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ، وَالْهَمِّ، وَالْوَجَعِ، وَالنُّعَاسِ، وَالْبَرْدِ الْمُؤْلِمِ، وَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ) قِيَاسًا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ: شَهْوَةُ نِكَاحٍ، وَكَسَلٌ، وَحُزْنٌ، وَخَوْفٌ، وَفَرَحٌ غَالِبٌ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ.
(فَإِنْ خَالَفَ وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَقَّ نَفَذَ حُكْمُهُ) فِي الْأَصَحِّ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَكَمَ لِلزُّبَيْرِ فِي شِرَاحِ الْحَرَّةِ وَهُوَ غَضْبَانُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ) لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(وَقِيلَ: إِنْ عَرَضَ ذَلِكَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ مَعَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِشْغَالِ الْفَهْمِ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِيمَا إِذَا عَرَضَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ، مَوْجُودٌ فِيمَا إِذَا عَرَضَ قَبْلَهُ، وَلِغَضَبِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَضِيَّةِ الزُّبَيْرِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي أَحْكَامِهِ: بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحُكْمِ فِي حَالِ الْغَضَبِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يَشْغَلُ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي بَكْرَةَ وَالزُّبَيْرِ.
لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ حَالَةَ غَضَبِهِ.
[لَا يَحِلُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْتَشِيَ وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ]
(وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْتَشِيَ) ، الرَّشْوَةُ: بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهَا، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَادَا فِي الْحُكْمِ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَزَادَ وَالرَّايِشَ، يَعْنِي: الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا بِهَا.
فَإِنْ رَشَاهُ عَلَى وَاجِبٍ، أَوْ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ، فَقَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَالَهُ كَمَا يَسْتَفِيدُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ.
(وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هِدَايَةُ الْعُمَّالِ غُلُولٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
وَعَنْهُ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ.
فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؛ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ عَفْرَةَ إِبْطَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِيمَا مَضَى هَدِيَّةً، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهِيَ رَشْوَةٌ.
يَهْدِي إِلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ حُكُومَةٌ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ.
وَيُسْتَحَبُّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: فَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحَكَمِ.
(إِلَّا مِمَّنْ كَانَ يَهْدِي إِلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونُ لَهُ حُكُومَةٌ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ، لِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِمَالَةِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ الْحُكُومَةِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا، وَفِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ: إِنَّهُ إِنْ أَحَسَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ حُكُومَةٍ، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَهَا حَالَ الْحُكُومَةِ، أَنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُهَا.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْأَوْلَى الْوَرَعُ عَنْهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْحُكُومَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا ارْتَشَى الْحَاكِمُ أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً، فَقِيلَ: تُؤْخَذُ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ.
وَقِيلَ: تُرَدُّ إِلَى مَالِكِهَا، قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِتَعْجِيلِهِ الْمُكَافَأَةَ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: هَدِيَّةُ الْعَامِلِ لِلصَّدَقَاتِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فَدَلَّ أَنَّ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الرَّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَجْهَيْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا، يُرْوَى: هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ، وَالْحَاكِمُ خَاصَّةً لَا أُحِبُّهُ لَهُ، إِلَّا مِمَّنْ كَانَ لَهُ بِهِ خُلْطَةٌ وَصِلَةٌ وَمُكَافَأَةٌ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ.
[تَوَلِّي الْقَاضِي الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ]
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ) خُصُوصًا بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى، فَيَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْ شَقَّ جَازَ لِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ) لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ، وَجَعَلَهَا الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ كَهَدِيَّةِ الْوَالِي.
سَأَلَهُ حَرْبٌ: هَلْ لِلْقَاضِي وَالْوَالِي أَنْ يَتَّجِرَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ شَدَّدَ فِي الْوَالِي.
[يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ وَحُضُورُ الْوَلَائِمِ]
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْحُكْمِ) لِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَقَدْ وَعَدَ الشَّارِعُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا عَظِيمًا، فَيَدْخُلُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ.
وَلَهُ حُضُورُ الْبَعْضِ ; لِأَنَّ
لَهُ عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْحُكْمِ.
وَلَهُ حُضُورُ الْوَلَائِمِ، وَإِنْ كَثُرَتْ تَرَكَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُجِبْ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ.
وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ.
وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ.
وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا عَدْلًا حَافِظًا عَالِمًا
[المبدع في شرح المقنع]
هَذَا يَفْعَلُهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْوَلَائِمِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: وَيُوَدِّعُ الْغَازِيَ وَالْحَاجَّ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَشْغَلَهُ حُضُورُ ذَلِكَ عَنِ الْحُكْمِ فَلَا ; لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَمُبَاشَرَةَ الْحُكْمِ أَوْلَى.
(وَلَهُ حُضُورُ الْوَلَائِمِ) كَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِحُضُورِهَا.
(وَإِنْ كَثُرَتْ تَرَكَهَا كُلَّهَا) لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ، لَكِنَّهُ يَسْأَلُهُمُ التَّحْلِيلَ وَيَعْتَذِرُ.
(وَلَمْ يُجِبْ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ) أَيْ: بِلَا عُذْرٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ، إِلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِعُذْرٍ يمنعه مِنْ مُنْكَرٍ أَوْ بُعْدٍ أَوِ اشْتِغَالٍ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، فَلَهُ الْإِجَابَةُ لِأَنَّ عُذْرَهُ طَاعَةٌ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُكْرَهُ مُسَارَعَتُهُ إِلَى غَيْرِ وَلِيمَةِ عُرْسٍ، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ حُضُورُهَا.
وَفِي التَّرْغِيبِ: يُكْرَهُ، وَقَدَّمَ: لَا يَلْزَمُهُ حُضُورُ وَلِيمَةِ عُرْسٍ، وَذَكَرَ لَهُ الْقَاضِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ حضور وَلِيمَة عُرْسٍ.
وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُهَا.
وَقِيلَ: إِنْ وَجَبَتْ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ.
فَرْعٌ: لَوْ تَضَيَّفَ رَجُلًا، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجُوزُ.
وَفِي الْفُنُونِ: لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ.
[يُوصِي الْقَاضِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ]
(وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ) تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى الْفِعْلِ الْجَمِيلِ اللَّائِقِ بِمَجَالِسِ الْحُكَّامِ وَالْقُضَاةِ (وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ) لِأَنَّ فِي ضِدِّ ذَلِكَ ضَرَرًا بِالنَّاسِ، فَيَجِبُ أَنْ يُوصِيَهُمْ بِمَا يَزُولُ بِهِ الضَّرَرُ عَنْهُمْ، وَالْكُهُولُ وَالشُّيُوخُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَأْتِيهِ النِّسَاءُ وَفِي اجْتِمَاعِ الشَّبَابِ بِهِنَّ ضَرَرٌ.
(وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا) أَيْ: يُبَاحُ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُسَنُّ ; لِأَنَّهُ
يُجْلِسُهُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ، وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَحْكُمَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ.
وَلَا يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ.
[المبدع في شرح المقنع]
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَكْتَبَ زَيْدًا وَغَيْرَهُ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ جَازَ، وَالْأَوْلَى الِاسْتِنَابَةُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ السَّامَرِيِّ: أَنَّهُ لَا يُتَّخَذُ إِلَّا مَعَ الْحَاجَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: 118] ، (مُكَلَّفًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَالْفَاسِقِ.
(عَدْلًا) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ.
(حَافِظًا عالما) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً عَلَى أَمْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَارِفًا قَالَهُ فِي الْكَافِي لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا أَفْسَدَ مَا يَكْتُبُهُ بِجَهْلِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ مَا فِي عَامِلِ الزَّكَاةِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ وَرِعًا نَزِهًا جَيِّدَ الْخَطِّ.
(يُجْلِسُهُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ) أَيْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْلِسَهُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ ; لِأَنَّهُ أَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ وَأَمْكَنُ لِإِمْلَائِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَعَدَ نَاحِيَةً جَازَ ; لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْحَاكِمِ.
مَسْأَلَةٌ: يُشْتَرَطُ فِي الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ حَاسِبًا ; لِأَنَّهُ عَمَلُهُ وَبِهِ يُقَسَّمُ، فَهُوَ كَالْخَطِّ لِلْكَاتِبِ، وَالْعِفَّةِ لِلْحَاكِمِ.
(وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ) هُوَ: بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ الَّذِي تُصَانُ فِيهِ الْكُتُبُ.
(مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ) لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ أَنْ يُغَيَّرَ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَحْكُمَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ) لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمُ الْحُقُوقَ وَيُثْبِتَ بِهِمُ الْحُجَجَ وَالْمَحَاضِرَ، وَيَحْرُمُ تَعْيِينُهُ قَوْمًا بِالْقَبُولِ ; لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ.
(وَلَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ) أَيْ: لَا يُنَفِّذُ حُكْمَهُ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا، وَيَتَحَاكَمُ هُوَ وَخَصْمُهُ إِلَى قَاضٍ آخَرَ أَوْ بَعْضِ خُلَفَائِهِ ; لِأَنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إِلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إِلَى جُبَيْرٍ.
(وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا كَشَهَادَتِهِ لَهُ.
(وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ) لِزَوَالِ التُّهْمَةِ.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ) هَذَا رِوَايَةٌ فِي الْمُبْهِجِ، وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ،
فَصْلٌ وَأَوَّلُ من يَنْظُرُ فِيهِ أَمْرُ الْمُحَبَّسِينَ، فَيَبْعَثُ ثِقَةً إِلَى الْحَبْسِ فَيَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ وَمَنْ حَبَسَهُ وَفِيمَ حَبَسَهُ فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، ثُمَّ يُنَادى فِي الْبَلَدِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحُبَّسِينَ غَدًا، فَمَنْ لَهُ فيهم خَصْمٌ فَلْيَحْضُرْ فَإِذَا كَانَ الْغَدُ، وَحَضَرَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَالْأَجَانِبِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمُ مِنْهُمْ أَوْ أَجْنَبِيًّا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ أَوْ وَلَدَيْهِ لَمْ يَجُزْ فِي الْأَشْهَرِ.
وَقِيلَ: بَلَى ; لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ فَارْتَفَعَتْ تُهْمَةُ الْمَيْلِ، وَلَهُ اسْتِخْلَافُ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ كَحُكْمِهِ لِغَيْرِهِ بِشَهَادَتِهِمَا، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَأَبُو الْوَفَا.
وَزَادَ: إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ تُهْمَةٌ وَلَمْ يُوجَبْ لَهُمَا بِقَبُولِ شَهَادَتِهِمَا رِيبَةٌ لَمْ تَثْبُتْ بِطَرِيقِ التَّزْكِيَةِ.
وَقِيلَ: لَا، فَإِذَا صَارَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ حَاكِمًا حَكَمَ لَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
فَرْعٌ: لَا يَحْكُمُ، وَقِيلَ: لَا يُفْتِي عَلَى عَدُوِّهِ، وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الشَّافِعِيُّ حُكْمَهُ عَلَى عَدُوِّهِ ; لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي عَمُودَيْ نِسْبَةٍ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ لَا يَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ كَالشَّهَادَةِ، وَلَا نَقْلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنَعَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَالشَّهَادَةِ.
[يَسْتَحِبُّ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِ الْمَسَاجِينِ أَوَّلًا]
فَصْلٌ
(وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ فِيهِ أَمْرُ الْمَحَبَّسِينَ) لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ، فَاسْتُحِبَّ الْبَدَاءَةُ بِهِمْ.
(فَيَبْعَثُ ثِقَةً إِلَى الْحَبْسِ فَيَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ وَمَنْ حَبَسَهُ وَفِيمَ حَبَسَهُ فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَالِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا يَتَكَرَّرَ بِكِتَابَتِهِ فِي رُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ النَّظَرُ فِي حَالِ الْأَوَّلِ مِنْهَا فَالْأَوَّلِ، بَلْ يُخْرِجُ وَاحِدَةً مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْقُرْعَةِ.
(ثُمَّ يُنَادِي فِي الْبَلَدِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ غَدًا فَمَنْ لَهُ فِيهِمْ خَصْمٌ فَلْيَحْضُرْ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِعْلَامًا بِيَوْمِ جُلُوسِ الْقَاضِي.
وَفِي الشَّرْحِ: أَنَّ
الْقَاضِي أَحْضَرَ رُقْعَةً، فَقَالَ: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؛ فَإِنْ حَضَرَ خَصْمُهُ نَظَرَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ حُبِسَ فِي تُهْمَةٍ أَوِ افْتِئَاتٍ عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ، خَلَّى سَبِيلَهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَاضِيَ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَدِ بِذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ يَجْعَلُ الرِّقَاعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَمُدُّ يَدَهُ إِلَيْهَا فَمَا رُفِعَ فِي يَدِهِ مِنْهَا نَظَرَ إِلَى اسْمِ الْمَحْبُوسِ، وَقِيلَ: يَخُصُّهُ بِقُرْعَةٍ.
(فَإِذَا كَانَ الْغَدُ وَحَضَرَ الْقَاضِي أَحْضَرَ رُقْعَةً، فَقَالَ: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؟) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ إِلَّا بِذَلِكَ.
(فَإِنْ حَضَرَ خَصْمُهُ نَظَرَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لِذَلِكَ وُلِّيَ، وَلَا يُسْأَلُ خَصْمَهُ لِمَ حَبَسْتَهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا حَبَسَهُ لِحَقٍّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَسْأَلُ الْمَحْبُوسَ لِمَ حُبِسْتَ؛ فَإِنْ قَالَ: جِئْتُ بِحَقٍّ أَمَرَهُ بِقَضَائِهِ.
طَلَبَهُ وَخَصَمَهُ، فَإِنْ أَبَى وَلَهُ مَوْجُودٌ قَضَاهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ كَالْمُدَّعَى بِهِ.
وَفِي الشَّرْحِ: قَالَ لَهُ الْقَاضِي: اقْضِهِ وَإِلَّا رَدَدْتُكَ إِلَى الْحَبْسِ.
فَإِنِ ادَّعَى عَجْزًا وَكَذَّبَهُ خَصْمُهُ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَلَا بَيِّنَةَ تَشْهَدُ بِتَلَفِهِ أَوْ نَفَادِهِ أَوْ عَجْزِهِ أَوْ عُسْرَتِهِ، أُعِيدَ حَبْسُهُ إِنْ طَلَبَهُ غَرِيمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ قَضَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ مَوْجُودِهِ أَوْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعِيدَ حَبْسُهُ بِطَلَبِ غَرِيمِهِ.
وَقِيلَ: إِنْ حَلَفَ خَصْمُهُ أَنَّهُ قَادِرٌ حَبَسَهُ.
وَإِلَّا حَلَفَ الْمُنْكِرُ عَلَى التَّلَفِ وَالْإِعْسَارِ، وَخُلِّيَ كَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ غَرِيمُهُ فِي عَجْزِهِ وَإِعْسَارِهِ، أَوْ ثَبَتَ بَيِّنَةٌ أُطْلِقَ بِلَا يَمِينٍ.
قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالظَّاهِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ لَا يَعْلَمُهُ.
وَإِنْ أَقَامَ خَصْمُهُ بَيِّنَةً بِأَنَّ لَهُ مِلْكًا مُعَيَّنًا، فَقَالَ: هُوَ لِزَيْدٍ.
فَكَذَّبَهُ زَيْدٌ، بِيعَ فِي الدَّيْنِ ; لِأَنَّ إِقْرَارَهُ سَقَطَ بِإِكْذَابِهِ.
وَكَذَا إِنْ صَدَّقَهُ زَيْدٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ لِصَاحِبِ الْيَدِ بِالْمِلْكِ، فَتَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهَا وُجُوبَ الْقَضَاءِ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ قُبِلَتْ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ ; لِأَنَّهَا حَقُّ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ يُثْبِتُ الْإِقْرَارَ وَيُسْقِطُ الْبَيِّنَةَ ; لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيهِ وَيُنْكِرُهُ.
فَإِنْ صَدَّقَهُ زَيْدٌ وَلَهُ بَيِّنَةٌ فَهُوَ لَهُ ; لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ قَوِيَتْ بِإِقْرَارِ صَاحِبِ الْيَدِ.
وَإِنْ عِلْمَ رَبُّ الدَّيْنِ عُسْرَتَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ حَبْسُهُ، وَوَجَبَ إِنْظَارُهُ إِلَى يُسْرَتِهِ.
(فإِنْ كَانَ حُبِسَ فِي تُهْمَةٍ أَوِ افْتِئَاتٍ عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ خَلَّى سَبِيلَهُ) ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِيهِ ظُلْمٌ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّأْدِيبُ، وَقَدْ حَصَلَ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ: أَنَّ الْحَاكِمَ