. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِقَوْلِ حُذَيْفَةَ: وَجِّهُونِي.
وَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا، وَعَنْهُ: مُسْتَلْقِيًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: سَوَاءٌ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَلِيلًا لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ.
ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ تَطْهِيرُ ثِيَابِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ «لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فلبسها ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَقُولُ: الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِثِيَابِهِ عَمَلُهُ (فَإِذَا مَاتَ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ، وَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِئَلَّا يُقَبَّحَ مَنْظَرُهُ، وَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ، وَيَقُولُ مَنْ يُغْمِضُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: يُغْمِضُ الرَّجُلُ ذَاتَ مَحْرَمٍ وَتُغْمِضُهُ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ تُغْمِضَهُ حَائِضٌ أَوْ جُنُبٌ أَوْ يَقْرَبَاهُ، وَتُغْمِضُ الْأُنْثَى مِثْلُهَا أَوْ صَبِيٌّ، وَفِي الْخُنْثَى وَجْهَانِ.
(وَشَدَّ لِحْيَيْهِ) لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ أَوِ الْمَاءُ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ (وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ)
ثِيَابَهُ، وَسَجَاهُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ، وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً أَوْ نَحْوَهَا، وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غُسْلِهِ، مُتَوَجِّهًا مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ، وَيُسَارِعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِتَبْقَى أَعْضَاؤُهُ سَهْلَةً عَلَى الْغَاسِلِ لَيِّنَةً، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرُدُّ ذِرَاعَيْهِ إِلَى عَضُدَيْهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى جَنْبَيْهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا وَيَرُدُّ سَاقَيْهِ إِلَى فَخْذَيْهِ، وَهُمَا إِلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَقِبَ مَوْتِهِ قَبْلَ قَسْوَتِهَا، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ تَرَكَهُ (وَخَلَعَ ثِيَابَهُ) لِئَلَّا يَحْمَى جَسَدُهُ فَيُسْرِعَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ وَيَتَغَيَّرَ، وَرُبَّمَا خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ فَلَوَّثَتْهَا (وَسَجَّاهُ) أَيْ: غَطَّاهُ (بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي كَرَامَتِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْطِفَ فَاضِلَ الثَّوَابِ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ بِالرِّيحِ (وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ، الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا (أَوْ نَحْوَهَا) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ طِينٍ لِقَوْلِ أَنَسٍ: ضَعُوا عَلَى بَطْنِهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيدٍ.
وَلِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُهُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى ظَهْرِهِ (وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غُسْلِهِ) لِأَنَّهُ يَبْعُدُ عَنِ الْهَوَامِّ، وَيَرْتَفِعُ عَنْ نَدَاوَةِ الْأَرْضِ (مُتَوَجِّهًا) إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ: عَلَى ظَهْرِهِ (مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ) أَيْ: يَكُونُ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ رِجْلَيْهِ، لِيَنْصَبَّ عَنْهُ مَاءُ الْغُسْلِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يُسَارِعَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " قَبْلَ غُسْلِهِ.
وَتَجْهِيزُهُ إِذَا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ بِانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ، وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ السَّامِرِيُّ: قَبْلَ دَفْنِهِ بِوَفَائِهِ أَوْ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمِينٍ عَنْهُ إِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ عَاجِلًا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ.
(وَ) يُسَنُّ (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْأَجْرِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ تَقْدِيمَ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَى عكسه لظاهر النَّصِّ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا أَشْبَهَتِ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلَا عَرَضٍ، فَكَانَ فِي إِخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إِخْرَاجِهَا.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلِذَلِكَ جِيءَ بِكَلِمَةِ (أَوِ) الَّتِي لِلتَّسْوِيَةِ أَيْ: فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاهْتِمَامِ وَعَدَمِ التَّضْيِيعِ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا (وَتَجْهِيزُهُ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَهْلِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُ، وَأَحْفَظُ مِنَ التَّغْيِيرِ، لَكِنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَنْتَظِرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ وَلِيِّهِ وَغَيْرِهِ إِنْ كَانَ قَرِيبًا، وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ أَوْ يُشَقَّ عَلَى الْحَاضِرِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ انْتَظَرَ بِهِ حَتَّى يعلم مَوْتِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُرِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَخَفْ فَسَادَهُ (إِذَا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ بِانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَمَيْلِ أنفه، وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ دَالَّةٌ عَلَى الْمَوْتِ يَقِينًا، زَادَ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَامْتِدَادُ جِلْدَةِ وَجْهِهِ، وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسَارَعَةِ فِي تَجْهِيزِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ تَمِيمٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّه رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَا وَلَاءَ بِهِ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّجْهِيزُ قَبْلَ تَيَقُّنِ الْمَوْتِ تَفْرِيطٌ.
فَصْلٌ
فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ
غُسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: لَا يُسْتَحَبُّ النَّعْيُ؛ وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِهِ، بَلْ يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ إِعْلَامُ غَيْرِ صَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَوْ جَارٍ، وَعَنْهُ: أَوْ أَهْلِ دَيْنٍ، وَيَتَوَجَّهُ.
يُسْتَحَبُّ «لِإِعْلَامِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَصْحَابَهُ بِالنَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ كَثْرَةُ الْمُصَلِّينَ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ ثَوَابٌ وَنَفْعٌ لِلْمَيِّتِ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِهِ، وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَوْ بَعْدَ تَكْفِينِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ]
[حُكْمُ غسل الميت وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ]
فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ (غُسْلُ الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ (وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ، فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ «اغْسِلُوه بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَضَعَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ طُرُقَهُ كُلَّهَا، وَالسُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهِ أَذًى لِلنَّاسِ، وَهَتْكًا لِحُرْمَتِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " أَنَّ حَمْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَصَرَّحَ فِي الْمَذْهَبِ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَأَمَّا اتِّبَاعُهُ فَسُنَّةٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَابْنُ تَمِيمٍ لِحَدِيثِ
وَصِيُّهُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ إِلَّا
[المبدع في شرح المقنع]
الْبَرَاءِ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِرَجُلٍ أَوْ خُنْثَى أَوِ امْرَأَةٍ.
وَيُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُشْتَرَطُ لِغُسْلِهِ مَاءٌ طَهُورٌ، وَإِسْلَامُ غَاسِلٍ، وَعَقْلُهُ، وَلَوْ جُنُبًا وَحَائِضًا، وَفِي مُمَيِّزٍ رِوَايَتَانِ كَأَذَانِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَكْفِي إِنْ عُلِمَ.
تَذْنِيبٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ لِلْغَاسِلِ وَالْحَفَّارِ أَخْذَ أُجْرَةٍ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا، فَيُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعْطِيَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ.
لَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " أَنَّهُ إِذَا أُعْطِيَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَأَحْسَنُهُ كَلَامُهُ فِي الْخِصَالِ إِذَا اخْتَصَّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ إِذَا فَعَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ عَادَ نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ كَالْجِهَادِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْإِمَامَةِ، جَازَ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَخْتَصَّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ كَالْبِنَاءِ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَقَطْ.
(وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ) الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ، وَأَوْصَى أَنَسٌ أَنْ يُغَسِّلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ يُقَدَّمُ فِيهِ وَصِيُّهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَوْ فَاسِقٌ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: بِالصَّلَاةِ فَقَطْ مَعَ وُجُودِ عَصَبَتِهِ الصَّالِحِ لِلْإِمَامَةِ (ثُمَّ أَبَوْهُ) لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِابْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ (ثُمَّ جَدُّهُ) وَإِنْ عَلَا، فَلِمُشَارَكَةِ الْأَبِ فِي الْمَعْنَى، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْجَدِّ لَا عَلَى الْأَبِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ فِي نِكَاحٍ (ثُمَّ الأقرب فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ)
الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيِّهِ، وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ فِي أَصَحِّ
[المبدع في شرح المقنع]
فَيُقَدَّمُ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، ثُمَّ الْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأَبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ أَخٌ وَابْنُهُ عَلَى جَدٍّ، وَعَنْهُ: سَوَاءٌ (ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ) كَالْمِيرَاثِ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ، وَهُمْ أَوْلَى مِنْ زَوْجِهِ، وَأَجْنَبِيَّةٌ أَوْلَى مَنْ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ، وَزَوْجٌ أَوْلَى مِنْ سَيِّدٍ، وَزَوْجَةٌ أَوْلَى مِنْ أُمِّ وَلَدٍ، ثُمَّ صَدِيقُهُ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْجَارِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ (إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْأَمِيرَ) وَهُوَ الْإِمَامُ أَوِ الْحَاكِمُ مِنْ قَبْلِهِ (أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيِّهِ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَأْذِنُ أَحَدًا مِنَ الْعَصَبَاتِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ، قَالَهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ: أَوْصَى عُمَرُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَأَوْصَتْ أَمُّ سَلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَإِنْ قَدَّمَ الْوَصِيُّ غَيْرَهُ، فَوَجْهَانِ، فَإِنْ وَصَّى إِلَى اثْنَيْنِ قِيلَ: يُصَلِّيَانِ مَعًا، وَقِيلَ: مُنْفَرِدَيْنِ، وَوَصَّيْتُهُ إِلَى فَاسِقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ.
(وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ) وَصِيَّتُهَا، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " زَادَ فِي " الْوَجِيزِ ": وَغَيْرُ الْفَاسِقَةِ، وَالْمُؤَلِّفُ تَرَكَ ذِكْرَهَا اسْتِغْنَاءً بِمَا سَبَقَ (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا) فَتُقَدَّمُ أُمُّهَا وَإِنْ عَلَتْ، ثُمَّ بِنْتُهَا وَإِنْ نَزَلَتْ، ثُمَّ الْقُرْبَى كَالْمِيرَاثِ، وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا سَوَاءٌ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْب وَالْمَحْرَمِيَّةُ، وَكَذَا بِنْتُ أَخِيهَا وَبِنْتُ أُخْتِهَا، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بِنْتُ الْأَخِ ثُمَّ أَقْرَبُ نِسَاءِ مَحَارِمِهَا ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ.
فَرْعٌ: تُسَنُّ الْبَدَاءَةُ بِمَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِأَقْرَبَ، ثُمَّ بِأَفْضَلَ ثُمَّ بِأَسَنَّ، ثُمَّ بِقُرْعَةٍ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِقَوْلِ
الرِّوَايَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سُرِّيَّتِهِ.
وَلِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ غُسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ،
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لِعَائِشَةَ: «مَا ضَرُّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَوِ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا نِسَاؤُهُ.
وَقَدْ وَقَعَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَلِأَنَّ آثَارَ النِّكَاحِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْإِرْثِ بَاقِيَةٌ، فَكَذَا الْغُسْلُ، وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ تُبَاحُ بِهَا أُخْتُهَا، وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ النَّظَرُ وَاللَّمْسُ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ حَصَلَتْ بِالْمَوْتِ، وَمَا زَالَتْ عِصْمَةُ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِعَدَمِ غَيْرِهِ، فَيَحْرُمُ نَظَرُ عَوْرَةٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا كَالْمَذْهَبِ فِيمَنْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لَهَا دُونَهُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ رُخْصَةً فِي النَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيِّ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، إِذْ مَحْذُورُ الشَّهْوَةِ فِيهَا أَخَفُّ، وَقَدْ نَفَاهُ الْمُؤَلِّفُ، وَحَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ ظَاهِرُ رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَعَلَى الْأُولَى يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَنَّهَا تُغَسِّلُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي عِدَّةٍ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ إِنْ أُبِيحَتْ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ بِنَاءً عَلَى تَحْرِيمِهَا (وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سُرِّيَّتِهِ) لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ وَمَمْلُوكَةٌ، وَحُكْمُ الْمَلْكِ فِي إِبَاحَةِ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِي الْحَيَاةِ، بَلْ بَقَاءُ الْمَلْكِ أَوْلَى لِبَقَاءِ وُجُوبِ تَكْفِينِهَا، وَمُؤْنَةُ دَفْنِهَا كَالْحَيَاةِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْمَلْكَ يَنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ وَالْمُعْتَدَّةَ مِنْ زَوْجٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِي اسْتِبْرَاءٍ فَوَجْهَانِ، وَلَا الْمُعَتَقَ بَعْضُهَا، وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، لِأَنَّهَا عُتِقَتْ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَقَةٌ مِنْ مِيرَاثٍ وَنَحْوِهِ.
فَائِدَةٌ: السُّرِّيَّةُ: هِيَ الْأَمَةُ الَّتِي بَوَّأَهَا بَيْتًا مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّرِّ؛ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَضَمُّوا السِّينَ؛ لِأَنَّ الْحَرَكَاتِ قَدْ تُغَيَّرُ فِي الْأَبْنِيَةِ خَاصَّةً، كَمَا قَالُوا فِي النِّسْبَةِ إِلَى الدَّهْرِ دُهْرِيٌّ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السِّرِّ؛ لِأَنَّهُ يُسِرُّ بِهَا.
وَفِي ابْنِ السَّبْعِ وَجْهَانِ
وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ، أَوِ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ، أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ، يُمِّمَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِي الْأُخْرَى يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَلِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ غُسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا عَوْرَةَ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ غَسَّلَهُ النِّسَاءُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ، فَتُغَسِّلُهُ مُجَرَّدًا بِغَيْرِ سُتْرَةٍ، وَتَمَسُّ عَوْرَتَهُ، والنْظُرُ إِلَيْهَا، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ فِي الرَّجُلِ لِلْجَارِيَةِ، وَقِيلَ: بِمَنْعِهِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ، وَعَنْهُ: يُغَسِّلُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ دُونَ السَّبْعِ إِلَى ثَلَاثٍ (وَفِي ابْنِ السَّبْعِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّهُ فَاقِدُ أَهْلِيَّةِ فَهْمِ الْخِطَابِ، وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، أَشْبَهَ الطِّفْلَ.
لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَرُ إِذَا بَلَغَ السَّبْعَ، وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ سِنًّا يَحْصُلُ فِيهِ التَّمْيِيزُ، أَشْبَهَ مَنْ فَوْقَهَا، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ، وَقِيلَ: تُحَدُّ الْجَارِيَةُ بِتِسْعٍ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى السَّبْعِ لَا يُغَسِّلُهُ غَيْرُ نَوْعِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " النِّهَايَةِ " وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَتِهِ الْمُغَلَّظَةِ كَالْبَالِغِ، وَعَنْهُ: إِلَى عَشْرٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، أَمْكَنَ الْوَطْءَ أَوْ لَا.
[حُكْمُ الرَّجُلِ إِذَا مَاتَ بَيْنَ نِسْوَةٍ وَالْعَكْسُ]
(وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ، أَوِ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ، أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ يُمِّمَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ فِي الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي " فَوَائِدِهِ " عَنْ وَاثِلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: «إِذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ بينها وبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ تتُيَمَّمُ كَمَا يُتيَمَّمُ الرِّجَالُ» وَلِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ تَنْظِيفٌ، وَلَا إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، بَلْ رُبَّمَا
الْقَمِيصِ، وَلَا يُمَسُّ
وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا وَلَا يَدْفِنُهُ.
إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ
[المبدع في شرح المقنع]
كَثُرَتْ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً لِئَلَّا يَمَسَّهُ، وَقِيلَ: لَا يَجِبْ إِنْ كَانَ ذَا رَحِمِ مَحْرَمٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرِّجَالِ فِي غُسْلِ الْأَقَارِبِ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَا بِالْعَكْسِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ لِتَحْرِيمِهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَبَنَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِغُسْلِ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْ فَوْقِ قَمِيصٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وفي الأخرى: يصب عليه الماء من فوق القميص) لأنه أمكن غسله مَعَ سَتْرِ مَا حُرِّمَ النَّظَرُ إِلَيْهِ (وَلَا يَمَسُّ) وَتُغَطَّى وُجُوهُهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ يَمَسُّ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَعَنْهُ: هُوَ وَالتَّيَمُّمُ سَوَاءٌ، وَالرِّجَالُ أَوْلَى بِالْخُنْثَى، وَقِيلَ: النِّسَاءُ.
[لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ]
(وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 13] وَفِي غُسْلِهِ تَوَلٍّ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَلَا يَدْفِنُهُ) وَلَا يَحْمِلُهُ، وَلَا يُكَفِّنُهُ، وَلَا يَتَّبِعُ جَنَازَتَهُ لِلنَّهْيِ عَنِ الْمُوَالَاةِ؛ وَهُوَ عَامٌّ، وَلِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ وَتَطْهِيرٌ لَهُ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ غُسْلَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو حَفْصٍ قَالَ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ دُونَ غُسْلِهِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ.
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَنْهُ: دَفْنُهُ خَاصَّةً كَالْعَدَمِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أُخْبِرَ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِعَلِيٍّ: اذْهَبْ فَوَارِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَإِذَا غُسِّلَ، فَكَثَوْبٍ نَجِسٍ، فَلَا وُضُوءَ وَلَا نِيَّةَ لِلْغُسْلِ، وَيُلْقَى فِي حُفْرَةٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، رَكِبَ وَسَارَ أَمَامَهُ (إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُنَا دَفْنُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ قَتْلَى بَدْرٍ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، وَلِأَنَّهُ يُتَضَرَّرُ بِتَرْكِهِ، وَيَتَغَيَّرُ بِبَقَائِهِ.
زَادَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَا حَمْلُهُ وَتَغْسِيلُهُ.
وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ
غَيْرَهُ.
وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ، وَجَرَّدَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُغَسِّلُهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ.
وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ عَنِ الْعُيُونِ، وَلَا يَحْضُرُ إِلَّا مَنْ يُعَيَّنُ
[المبدع في شرح المقنع]
مُسْلِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجُوزُ إِنْ لَمْ تَجِبْ نِيَّةُ غُسْلِهِ، وَيُغَسِّلُ حَلَالٌ مُحْرِمًا، وَبِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَغُسْلُهُ.
(وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ) وَهُوَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ حَذَارًا مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا؛ «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِعَلِيٍّ: لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» (وَجَرَّدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي تَغْسِيلِهِ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ، وَأَشْبَهُ بِغُسْلِ الْحَيِّ، وَأَصُونُ لَهُ مِنَ التَّنْجِيسِ، إِذْ يُحْتَمَلُ خُرُوجُهَا مِنْهُ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ (وَقَالَ الْقَاضِي:) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حِكَايَتِهَا عَنْهُ فَقَطْ، وَاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " (يُغَسِّلُهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ.
قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ، يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ، وَلِأَنَّهُ أَسْتُرُ لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاسِعَ الْكُمَّيْنِ تَوَجَّهَ أَنْ يَفْتُقَ رُؤوسَ الدَّخَارِيصِ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَغُسْلُهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي قَمِيصٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَاحْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، وظاهره أنه لَا يُغَطِّي وَجْهَهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِيهِ لَا أَصْلَ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ يُسَنُّ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَغَيَّرَ لِدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيُظَنُّ السُّوءُ.
[صِفَةُ غُسْلِ الميت]
(وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ عَنِ الْعُيُونِ) تَحْتَ سِتْرٍ أَوْ سَقْفٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِهِ عَيْبٌ يَسْتُرُهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ تَظْهَرُ عَوْرَتُهُ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ مُظْلِمًا، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَغْسِيلُهُ تَحْتَ السَّمَاءِ لِئَلَّا يَسْتَقْبِلَهَا بِعَوْرَتِهِ،
فِي غُسْلِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْجُلُوسِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنْجِيهِ.
وَلَا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِهِ إِلَّا بِخِرْقَةٍ، ثُمَّ يَنْوِي غُسْلَهُ وَيُسَمِّي،
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِلْخَبَرِ، وَلَا يَنْظُرُ الْغَاسِلُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ (وَلَا يَحْضُرُهُ إِلَّا مَنْ يُعَيَّنُ فِي غُسْلِهِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ أَمْرٌ يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ؛ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ، فَيُتَحَدَّثُ بِهِ، فَيَكُونُ فَضِيحَةً، وَالْحَاجَةُ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إِلَى حُضُورِهِ، بِخِلَافِ مَنْ يُعِينُ الْغَاسِلَ بِصَبٍّ وَنَحْوِهِ، وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ لِوَلِيِّهِ الدُّخُولَ عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْجُلُوسِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ) لِيَخُرِجَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ (عَصْرًا رَفِيقًا) لِأَنَّ الْمَيِّتَ فِي مَحَلِّ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَعَنْهُ: يَفْعَلُهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَنْهُ: بَلْ فِي الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِينُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَاءُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَامِلُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْصَرُ بَطْنُهَا لِخَبَرٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْلِسُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَذِيَّةً لَهُ، وَيَكُونُ ثَمَّ بُخُورٌ لِئَلَّا يَظْهَرَ مِنْهُ رِيحٌ (وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ) لِيُذْهِبَ مَا خَرَجَ، وَلَا يَظْهَرُ رَائِحَتُهُ (ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنْجِيهِ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ، وَطَهَارَةً لِلْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إِلَى الْغَاسِلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَسْحُهَا، وَلَا وُصُولُ الْمَاءِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُنَجَّى، وَيَكْفِيهِ خِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ فِي الْمُجَرَّدِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَا بُدَّ لِكُلِّ فَرْجٍ مِنْ خِرْقَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ خِرْقَةٍ خَرَجَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إِلَّا أَنْ تُغْسَلَ (وَلَا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَته) لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَيْهَا حَرَامٌ، فَمَسُّهَا أَوْلَى (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِهِ إِلَّا بِخِرْقَةٍ) لِفِعْلِ عَلِيٍّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِيُزِيلَ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَيَأْمَنَ مَسَّ الْعَوْرَةِ الْمُحَرَّمِ مَسُّهَا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: بَدَنُهُ عَوْرَةٌ إِكْرَامًا لَهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ سَتْرُ جَمِيعِهِ، فَيَحْرُمُ نظره، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَهُ إِلَّا مَنْ يُعَيَّنُ فِي أَمْرِهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، فَحِينَئِذٍ يُعِدُّ الْغَاسِلُ خِرْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا لِلسَّبِيلَيْنِ، وَالْأُخْرَى لِبَقِيَّةِ بَدَنِهِ (ثُمَّ يَنْوِي غُسْلَهُ) وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى
وَيُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفِي مِنْخَرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا، وَيُوَضِّئُهُ.
وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَلَا أَنْفِهِ، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ، فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْغَاسِلِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ، أَشْبَهَتْ غُسْلَ الْجَنَابَةِ.
وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ ": لَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْظِيفُ، أَشْبَهَ غُسْلَ النَّجَاسَةِ، وَالْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ، وَلَجَازَ غُسْلُهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْفِعْلُ، وَهُوَ وَجْهٌ، فَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ تَحْتَ مِيزَابٍ، فَنَوَى غُسْلَهُ إِنْسَانٌ، وَمَضَى زَمَنٌ بَعْدَ النِّيَّةِ أَجْزَأَ، وَيَجِبُ فِي آخَرَ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُ، فَلَوْ حُمِلَ وَوُضِعَ تَحْتَ مِيزَابٍ بِنِيَّةِ غُسْلِهِ أَجْزَأَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَكَذَا حُكْمُ الْغَرِيقِ (وَيُسَمِّي) وَفِيهَا الرِّوَايَاتُ السَّابِقَةُ (ويدخل أُصْبُعَيْهِ) وَهُمَا السَّبَّابَةُ وَالْإِبْهَامُ بَعْدَ غَسْلِ كَفَّيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (مَبْلُولَتَيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفِي مِنْخَرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) لِإِزَالَةِ مَا عَلَى تِلْكَ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْأَذَى، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِخِرْقَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، صِيَانَةً لِلْيَدِ، وَإِكْرَامًا لِلْمَيِّتِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ، وَلَا يُدْخِلُهُ فِيهِمَا (وَيُوَضِّئُهُ) كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُعَادُ؛ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقِيَامِ مُوجِبِهِ؛ وَهُوَ زَوَالُ عَقْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ (وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ، وَلَا أنفه) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إِلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إِلَى الْمُثْلَةِ، وَرُبَّمَا حَصَلَ مِنَه الِانْفِجَارِ، وَبِهَذَا عَلَّلَ أَحْمَدُ (وَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ) هُوَ مُثَلَّثُ الرَّاءِ (رَأْسَهُ، وَلِحْيَتَهُ، وَسَائِرَ بَدَنِهِ) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي الْمُحْرِمِ:
وَلِحْيَتَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ الْأَيْسَرَ.
ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ
[المبدع في شرح المقنع]
اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» ، «وَقَوْلُهُ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» وَلِأَنَّ الرَّغْوَةَ تُزِيلُ الدَّرَنَ، وَلَا تَعْلُقُ بِالشَّعْرِ، وَتَزُولُ بِمُجَرَّدِ مُرُورِ الْمَاءِ، وَصَرِيحُهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَقَطْ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ يَسِيرًا خِلَافًا لِابْنِ حَامِدٍ.
وَقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي وُجِدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ، وَيَكُونُ الْمَاءُ بَاقِيًا عَلَى إِطْلَاقِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثُمَّ يُغَسَّلُ عَقِبَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً، وَالِاعْتِدَادُ بِالْآخَرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ شَبَّهَ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ السِّدْرَ إِنْ كَثُرَ سَلَبَ الطَّهُورِيَّةَ، وَالْيَسِيرُ لَا يُؤَثِّرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَاءَ تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ بِتَغَيُّرِهِ بِالطَّهَارَاتِ، وَالْمُؤَلِّفُ لَا يَرَاهُ، لَكِنْ إِنْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي كُلِّ الْغَسَلَاتِ (ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» وَلِأَنَّهُ مَسْنُونٌ فِي غُسْلِ الْحَيِّ فَكَذَا الْمَيِّتُ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ) لِيَعُمَّهُ بِالْغُسْلِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدَهُ الْيُمْنَى مِنْ مَنْكِبِهِ إِلَى كَتِفِهِ، وَصَفْحَةَ عُنُقِهِ الْيُمْنَى، وَشِقَّ صَدْرِهِ وَفَخْذَهُ وَسَاقَهُ، فَيَغْسِلُ الظَّاهِرَ مِنْهُ؛ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَلَا يَكُبُّهُ لِوَجْهِهِ، فَيَغْسِلُ الظَّهْرَ وَمَا هُنَاكَ مِنْ وِرْكِهِ وَفَخْذِهِ وَسَاقِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّةَ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، فَيَفْرُغُ مِنْ غَسْلِهِ مَرَّةً فِي أَرْبَعِ دُفْعَاتٍ، وَظَاهِرُ
بَدَنِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، يُمِرُّ يَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِالثَّلَاثِ، أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَّلَهُ إِلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ.
وَيَجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا، وَالْمَاءَ الْحَارَّ، وَالْخِلَالَ، وَالْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَيَقُصُّ
[المبدع في شرح المقنع]
كَلَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ: يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي دُفْعَتَيْنِ، فَيُحَرِّفُهُ أَوَّلًا عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ، وَكَيْفَمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ (فَيَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا) لِمَا تَقَدَّمَ إِلَّا الْوُضُوءَ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَقِيلَ: يُعَادُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً.
وَالتَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ، وَيُجْزِئُ مَرَّةً كَالْجَنَابَةِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (يمر يَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) عَلَى بَطْنِهِ بِرِفْقٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِخْرَاجًا لِمَا تَخَلَّفَ، وَأَمْنًا مِنْ فَسَادِ الْغُسْلِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدُ (فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِالثَّلَاثِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَّلَهُ إِلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ) لِمَا سَبَقَ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ، بَلْ يغُسِلَ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَيُوَضَّأُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَيِّ كَذَلِكَ، فَالْمَيِّتُ مِثْلُهُ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا كَرَّرَ الْأَمْرَ بِغَسْلِهَا مِنْ أَجْلِ تَوَقُّعِ النَّجَاسَةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْخَارِجَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ: فِي الدَّمِ هُوَ أَسْهَلُ، فَعَلَيْهَا فِي الْإِعَادَةِ احْتِمَالَانِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ خَضْبُ لِحْيَةِ الرَّجُلِ وَرَأْسِ الْمَرْأَةِ بِالْحِنَّاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يُصْلِبُ الْجِسْمَ، وَيُبْرِدُهُ، وَيُطَيِّبُهُ، وَيَطْرُدُ عَنْهُ الْهَوَامَّ بِرِيحِهِ، قِيلَ: مَعَ السِّدْرِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ، وَقِيلَ: وَحْدَهُ فِي مَاءٍ قَرَاحٍ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ فِي الْكُلِّ (وَالْمَاءُ الْحَارُّ وَالْخِلَالُ) هُوَ الْعُودُ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِهِ (وَالْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ) كَشِدَّةِ بَرْدٍ أَوْ إِزَالَةِ وَسَخٍ؛ لِأَنَّ إِزَالَتَهُ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْخِلَالُ مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ تُنَقِّي مِنْ غَيْرِ جَرْحٍ، كَالصَّفْصَافِ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا
شَارِبَهُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ.
وَلَا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ وَلَا لِحْيَتَهُ، وَيُضَفَّرُ شَعْرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ
[المبدع في شرح المقنع]
يَسْتَعْمِلُهُ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِالْكَرَاهَةِ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ، بِلَا حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَرِدْ بِهِ، وَالْمُسَخِّنُ يُرْخِيهِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِي مَا لَا يُنْقِي الْبَارِدُ.
(وَيَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ) أَيْ: إِنْ طَالَا لِقَوْلِ أَنَسٍ: اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ.
وَلِأَنَّ تَرْكَهُ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ، فَشَرَعَ إِزَالَتَهُ، كَقُبْحِ عَيْنَيْهِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَسْنُونٌ فِي الْحَيَاةِ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، أَشْبَهَ الْغُسْلَ، وَعَنْهُ: لَا يُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ، بَلْ يُنَقِّي وَسَخَهَا لِكَوْنِهَا لَا تَظْهَرُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، فَيَخْرُجُ فِي نَتْفِ الْإِبِطِ وَجْهَانِ، وَيَأْخُذُ شَعْرَ إِبِطِهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَكَذَا عَانَتُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَتُزَالُ بِالْمُوسَى أَوِ الْمِقْرَاضِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: بِنَوْرَةٍ، لِأَنَّهَا أَسْهَلُ، وَلَا يَمَسَّهَا بِيَدِهِ، بَلْ بِحَائِلٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ الْعَوْرَةِ، وَرُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى نَظْرِهَا؛ وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَلَا تُفْعَلُ لِأَجْلِ مَنْدُوبٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَحْرَمِ، وَيُدْفَنُ مَعَهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ كَعُضْوٍ سَاقِطٍ، وَيُعَادُ غَسْلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ كَعُضْوٍ، وَالْمُرَادُ: يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُكْرَهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْحَيَاةِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الزِّينَةُ أَوِ النُّسُكُ، وَهُمَا لَا يُطْلَبَانِ هُنَا، وَكَذَا لَا يُخْتَنُ؛ لِأَنَّهُ إِبَانَةُ جُزْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ.
مَسْأَلَةٌ: يُزَالُ عَظْمٌ نَجِسٌ جُبِرَ بِهِ كَسْرٌ إِذَا أَمْكَنَ مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ كَالْحَيَاةِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ جَبِيرَةٌ قُلِعَتْ لِلْغُسْلِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ بَقِيَتْ وَمُسِحَ عَلَيْهَا، وَلَا يَبْقَى خَاتَمٌ وَنَحْوُهُ، وَلَوْ بِبُرْدَةٍ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ إِتْلَافٌ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: يَرْبُطُ أَسْنَانَهُ بِذَهَبٍ إِنْ خِيفَ سُقُوطُهَا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ سَقَطَتْ لَمْ تُرْبَطْ بِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيُؤْخَذُ إِنْ لَمْ تَسْقُطْ (وَلَا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ، وَلَا لِحْيَتَهُ) نَصَّ
قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ وَرَائِهَا.
ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ حَشَاهُ بِالْقُطْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ، ثُمَّ يُغْسَلُ الْمَحَلُّ وَيُوَضَّأُ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: عَلَامَ تَقُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ ! أَيْ: لَا تُسَرِّحُوا رَأْسَهُ بِالْمُشْطِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الشَّعْرَ وَيَنْتِفُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ إِذَا كَانَ خَفِيفًا، وَحَكَى ابْنُ الْمُنَجَّا عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ اسْتِحْبَابَ تَسْرِيحِ الشَّعْرِ مُطْلَقًا (وَيُضَفَّرُ شَعْرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ وَرَائِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ: فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهُ مِنْ خَلْفِهَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ: فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْهَا وَنَاصِيَتَهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَامَهَا؛ لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عَلَى صَدْرِهَا، قِيلَ لِأَحْمَدَ: الْعَرُوسُ تَمُوتُ فَتُجْلَى، فَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا (ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) هَكَذَا فُعِلَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِئَلَّا يَنْبَلَّ كَفَنُهُ فَيَفْسُدَ بِهِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْحَيِّ، فِي رِوَايَةٍ، وَلَا يَتَنَجَّسُ مَا نُشِّفَ بِهِ فِي الْمَنْصُوصِ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ حَشَاهُ) أَيْ: مَحَلَّ الْخَارِجِ (بِالْقُطْنِ) لِيمَنْعِ الْخَارِجِ، وَكَالْمُسْتَحَاضَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " النِّهَايَةِ ": إِنَّهُ يُلْجِمُ الْمَحَلَّ بِالْقُطْنِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ حَشَاهُ بِهِ، إِذَ الْحَشْوُ يُوَسِّعُ الْمَحَلَّ، فَلَا يُفْعَلُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكِ) الْخَارِجُ بِالْقُطْنِ (فَبِالطِّينِ الْحُرِّ) أَيِ: الْخَالِصِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ قُوَّةٌ تَمْنَعُ الْخَارِجَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وِفَاقًا لِمَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ بَعْدَ السَّبْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا.
خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْغُسْلِ
وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ، وَلَا يَقْرُبُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّهُ يُعَادُ غُسْلُهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ لِأَجْلِ الْإِنْقَاءِ، فَكَذَا مَا بَعْدَ السَّبْعِ (ثُمَّ يَغْسِلُ الْمَحَلَّ) أَيْ: مَحَلَّ النَّجَاسَةِ (وَيُوَضَّأُ) وُجُوبًا كَالْجُنُبِ إِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ لِتَكُونَ طَهَارَتُهُ كَامِلَةً، وَعَنْهُ: لَا؛ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِلْمَشَقَّةِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْغُسْلِ) بَلْ يُحْمَلُ عَلَى حَالِهِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِخْرَاجِهِ وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ وَتَطْهِيرِ أَكْفَانِهِ وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إِبْدَالِهَا فَيَتَأَخَّرُ دَفْنُهُ؛ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ هَذَا بَعْدَهُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَعَنْهُ: يُعَادُ غُسْلُهُ وَيُطَهَّرُ كَفَنُهُ، وَعَنْهُ: مِنَ الْكَثِيرِ، لَكِنْ إِنْ وُضِعَ عَلَى الْكَفَنِ وَلَمْ يُلَفَّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أُعِيدَ غُسْلُهُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
[وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ]
(وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ، وَلَا يَقْرُبُ طِيبًا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ فِي مُحْرِمٍ مَاتَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَلَا تَمَسُّوهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا» ، وَحِينَئِذٍ يُجَنَّبُ مَا يُجَنَّبُ الْحَيُّ لِبَقَاءِ إِحْرَامِهِ، وَقِيلَ: وَيَفْدِي الْفَاعِلُ، وَلَا يُوقَفُ بِعَرَفَةَ، وَلَا يُطَافُ بِهِ، بِدَلِيلِ الْمُحْرِمِ الَّذِي مَاتَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ جُنَّ، وَعَنْهُ: وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا، وَلَا يُفْعَلُ بِهِ كَالْحَلَالِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ شَعْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ وَكَذَا رِجْلَيْهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَجِبُ كَشْفُهُمَا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " قَالَ الْخَلَّالُ: هِيَ وَهُمٌ مِنْ حَنْبَلٍ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالرِّجْلَيْنِ.
لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَلَامُ الْخِرَقِيِّ خَرَجَ عَلَى الْمُعْتَادِ، إِذْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ: الرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ، وَالْعَادَةُ عَدَمُ تَغْطِيَتِهِمَا لِلرِّجْلَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ لَا يُزَادُ، أَيْ: يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ
طِيبًا
وَالشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا، بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ والجلود،
[المبدع في شرح المقنع]
بَعْدَهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنَ الطِّيبِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حِلٌّ بِهَا، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ رَجُلًا، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَحُكْمُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمُهَا فِي الْحَيَاةِ، لَا تُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ، وَيُغَطَّى رَأْسُهَا لَا وَجْهُهَا.
فَرْعٌ: لَا تُمْنَعُ الْمُعْتَدَّةُ لِلْوَفَاةِ مِنَ الطِّيبِ فِي الْأَصَحِّ.
[الشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ]
(وَالشَّهِيدُ) وَهُوَ مَنْ قُتِلَ بِأَيْدِي الْكُفَّارِ فِي مَعْرَكَتِهِمْ (لَا يُغَسَّلُ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي بِتَحْرِيمِهِ، وَحُكِيَ رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الشَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَهُوَ حَيٌّ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُنُبًا) فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلَهُ الْمَلَائِكَةُ، يَعْنِي حَنْظَلَةَ، قَالُوا لِأَهْلِهِ: مَا شَأْنُهُ؟ فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ لِغَيْرِ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ لِلْعُمُومِ، وَمِثْلُهُ حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ طَهُرَتَا أَوَّ لًا، وَعَلَى الْوُجُوبِ: لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ، فَهَلْ يَوَضَّأُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اسْتُشْهِدَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِلْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَصْرَمَ بْنَ عَبْدِ الْأَشْهَلَ أَسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلَ فَلَمْ يَأْمُرْ بِغُسْلِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ: وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدٌ إِلَّا لِمُوجِبِهِ (بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الشَّهِيدِ لَأْمَةُ الْحَرْبِ مِنْ (السِّلَاحِ وَالْجُلُودِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بِالشُّهَدَاءِ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَقَالَ: ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وثيابهم» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَكَذَا يُنْزَعُ عَنْهُ خُفٌّ وَفَرْوٌ، نَصَّ
وَيُزَمَّلُ فِي ثِيَابِهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ كَفَّنَهُ بِغَيْرِهَا، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا، وَلَا أَثَرَ بِهِ أَوْ حُمِلَ، فَأَكَلَ أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، وَتُغْسَلُ نَجَاسَةٌ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ بَقَاءُ دَمٍ لَا تُخَالِطُهُ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ خَالَطَتْهُ، غُسِلَا فِي الْأَصَحِّ (وَيُزَمَّلُ) أَيْ: يُلَفُّ (فِي ثِيَابِهِ) وَيُدْفَنُ فِيهَا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ» وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْعِبَادَةِ، فَعَلَيْهِ لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ بِحَسَبِ الْمَسْنُونِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ لَابِسًا الْحَرِيرَ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: لَا بَأْسَ بِهِمَا (وَإِنْ أَحَبَّ كَفَّنَهُ) الْوَلِي (بِغَيْرِهَا) تَبِعَ الْقَاضِيَ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَحَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا، وَنَسَبَهُ الزَّرْكَشِيُّ إِلَى الشُّذُوذِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ صَفِيَّةَ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ثَوْبَيْنِ لِيُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ، فَكَفَّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا، وَكَفَّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ» رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ، وَقَالَ: هُوَ صَالِحُ الْإِسْنَادِ، وَأَجَابَ فِي " الْخِلَافِ " بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ثِيَابَهُ سُلِبَتْ، أَوْ أَنَّهُمَا ضُمَّا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَي فِي الْمُعْتَمَدِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَهَلْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ، أَوْ لِغِنَاهُمْ عَنِ الشَّفَاعَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَالثَّانِيَةُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ «لِصَلَاتِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ بِدَلِيلِ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
تَوْدِيعًا لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَالثَّالِثَةُ: يُخَيَّرُ لِتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ، فَيُخَيَّرُ، كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُذُنَيْنِ أَوْ إِلَى الْمِنْكَبَيْنِ، وَحُكِيَ عَنْهُ التَّحْرِيمُ.
(وَإِنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ، أَوْ حُمِلَ) بَعْدَ جُرْحِهِ (فَأَكَلَ، أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) وَفِيهِ أُمُورٌ.
طَالَ بَقَاؤُهُ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا سَقَطَ فِي الْمَعْرَكَةِ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ شَاهِقٍ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَمَاتَ فِيهَا أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِغَيْرِ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِفِعْلِهِمْ فَلَا.
الثَّانِي: إِذَا وُجِدَ مَيِّتًا، وَلَا أَثَرَ به، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالِاحْتِمَالِ، وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِهِ أَثَرٌ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا دَمَ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: اعْتَبَرْنَا الْأَثَرَ هُنَا احْتِيَاطًا لِلْغُسْلِ، وَلَمْ نَعْتَبِرْهُ فِي الْقَسَامَةِ احْتِيَاطًا، لِوُجُوبِ الدَّمِ، فَإِنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ غُسِّلَ، كَمَنْ رُدَّ عَلَيْهِ سَهْمُهُ فَقَتَلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ كَقَتْلِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ بَارَزَ رَجُلًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَعَادَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَلَمْ يُفْرَدْ عَنِ الشُّهَدَاءِ بِحُكْمٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا حُمِلَ بَعْدَ جُرْحِهِ فَأَكَلَ، أَنَّهُ يُغَسَّلُ «لِتَغْسِيلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ» ، وَلِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَظَاهِرُهُ: إِذَا شَرِبَ أَوْ تَكَلَّمَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يُغَسِّلْ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ، وَأَصْرَمَ بْنَ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَقَدْ تَكَلَّمَا وَمَاتَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ قَدَّمَ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ وَالْجَدُّ أَنَّ مَنْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ بَالَ كَمَنْ أَكَلَ، زَادَ جَمَاعَةٌ: أَوْ عَطَسَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفًا لَا وَقْتَ صَلَاةٍ، أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ وَهُوَ يَعْقِلُ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِغُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ طُولُ الْفَصْلِ، بَلْ لَوْ مَاتَ عَقِبَ الْحَمْلِ وَفِيهِ رَمَقٌ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَوْرَدَهُ الْمَجْدُ مَذْهَبًا، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: إِنَّمَا يُتْرَكُ غُسْلُ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ.
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُلْحَقُ بِهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَيْهَا لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى
رِوَايَتَيْنِ.
وَإِذَا وُلِدَ السَّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَالْحُسَيْنَ قُتِلُوا ظُلْمًا، وَغُسِّلُوا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، أَشْبَهَ الْمَبْطُونَ، وَعَلَى الْأُولَى: مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَا يُغَسَّلُ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ كُلَّ شَهِيدٍ غُسِّلَ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وُجُوبًا، وَمَنْ لَا يُغَسَّلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
تَذْنِيبٌ: يُغَسَّلُ الْبَاغِي وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُلْحَقُ بِشَهِيدِ أَهْلِ الْعَدْلِ، لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ غُسْلُ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصَفِّينَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ أَوِ الْكُفَّارُ خَطَأً غُسِّلَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا النُّفَسَاءُ تُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهَا كَالشَّهِيدِ بِغَيْرِ قَتْلٍ، كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَهَدْمٍ، وَهُمْ بِضْعَةَ عَشْرَ، وَمِنْ أَغْرَبِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ» ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ الْمُنَجَّا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْعَاشِقَ مِنْهَا، وَأَشَارُوا إِلَى الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ «مَنْ عَشِقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ، فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» . وَهَذَا الْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَةِ سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ.
مَسْأَلَةٌ: قَاطِعُ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ أَوَّلًا وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرَانِ عَنِ الصَّلْبِ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ".
[السَّقْطُ هَلْ يُغَسَّلُ]
(وَإِذَا وُلِدَ السَّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَصَالِحٍ؛ «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى
تَعَذَّرَ غُسْلَهُ يُمِّمَ.
وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا.
[المبدع في شرح المقنع]
لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلَفْظُهُمَا: «وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، وَأَنَّهُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا بَانَ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا.
فَائِدَةٌ: تُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْعَثُ قَبْلَهَا، وَاخْتَارَ فِي " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّهُ يُبْعَثُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: فَإِنْ جَهِلَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، سُمِّيَ بِصَالِحٍ لَهُمَا، كَطَلْحَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الكَافِرَيْنِ، فَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَمُسْلِمٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ.
تَتْمِيمٌ: إِذَا مَاتَ بِدَارِنَا مَجْهُولُ الْإِسْلَامِ غُسِّلَ، وَصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِنَا، وَلَوْ كَانَ أَقْلَفَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ إِذَا وُجِدَ الطفل فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَيِّتًا يَجِبُ غُسْلُهُ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِنَا، وَإِنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ غُسِّلَ، وَصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَكْفِينِهِ، وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ سَلًا، كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ مَعَ خَوْفِ فَسَادِهِ أَوْ حَاجَةٍ، وَيُثْقَلُ بِشَيْءٍ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَصْحَابِنَا.
قَالَ: وَلَا مَوْضِعَ لَنَا، الْمَاءُ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ التُّرَابِ، إِلَّا هُنَا، وَمَنْ مَاتَ بِبِئْرٍ أُخْرِجَ مِنْهَا إِذَا أَمْكَنَ بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إخراجه إِلَّا بِمِثْلِهِ طُمَّتْ، وَجُعِلَتْ قَبْرَهُ، وَمَعَ حَاجَةِ الْأَحْيَاءِ يَخْرُجُ، وَقِيلَ: لَا مَعَ مُثْلَةٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
[مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلَهُ]
(وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلَهُ) لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عُذْرٍ غَيْرِهِ، كَالْحَرْقِ، وَالْجُذَامِ، وَالتَّبْضِيعِ (يُمِّمَ) لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ طَهَارَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَقَامَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ مَقَامَهُ كَالْجَنَابَةِ، وَهَلْ يَلُفُّ مَنْ يُيَمِّمُهُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً؟ سَبَقَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُ بَعْضِهِ، غُسِّلَ بَعْضُهُ، مَا أَمْكَنَ، وَيُيَمَّمُ لِلْبَاقِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ: يُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ، وَلَا تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بالغسل التَّنْظِيفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْمُحْتَرِقُ، وَالْمَجْذُومُ، وَالْمِبْضَعُ، يُصَبُّ الماء عَلَيْهِ صَبًّا، ثُمَّ يُكَفَّنُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ يُمِّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ دَفْنِهِ غُسِّلَ، وَكَذَا إِنْ وَجَدَهُ فِيهَا، فَلَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لَمْ يُنْبَشْ، وَإِنْ بَذَلَهُ أَجْنَبِيٌّ لَزِمَ الْوَارِثَ قَبُولُهُ، بِخِلَافِ ثَمَنِهِ، فَإِنْ عُدِمَا صُلِّيَ عَلَيْهِ بِدُونِهِمَا وَدُفِنَ، فَإِنْ وُجِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ دَفْنِهِ لَمْ يُنْبَشْ، وَيَجُوزُ إِنْ أُمِنَ تَفَسُّخُهُ، وَإِنْ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ دَفْنِهِ غُسِّلَ، وَإِنْ وُجِدَ التُّرَابُ وَحْدَهُ، فَفِي إِنْشَاءِ التَّيَمُّمِ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ احْتِمَالَانِ.
[عَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ]
(وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ أَمِينًا لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَبَرِ مَرْفُوعًا «لَيُغَسِّلَ مَوْتَاكُمُ الْمَأْمُونُونَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ.
عَارِفًا بِالْغُسِلِ دَيِّنًا فَاضِلًا، وَظَاهِرُهُ: يَلْزَمُهُ سَتْرُ الشَّرِّ، لَا إِظْهَارُ الْخَيْرِ، لِيُتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِي السَّتْرِ اخْتِصَاصُهُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، أَوْ مَعْرُوفٌ بِفُجُورٍ، فَيُسَنُّ إِظْهَارُ شَرِّهِ، وَسَتْرُ خَيْرِهِ، وَنَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ، وَلَا نَشْهَدُ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ أَوِ الْإِسَاءَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُرَادُ الْأَكْثَرِ.
فَصْلٌ
فِي الْكَفَنِ يَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ فِي مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ]
[الْكَفَنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ]
فَصْلٌ
فِي الْكَفَنِ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ أَتْبَعَهُ الْكَفَنَ فَقَالَ: (يَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ) وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْمَيِّتِ (فِي مَالِهِ) «لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي الْمُحْرِمِ: كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» وَلِأَنَّ حَاجَةَ الْمَيِّتِ مُقَدَّمَةٌ فِي مَالِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ بِدَلِيلِ قَضَاءِ دَيْنِهِ (مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِالْكُسْوَةِ عَلَى الدَّيْنِ فَكَذَا الْمَيِّتُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ عَلَى الدَّيْنِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الرَّهْنِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أَوْ أَكْثَرُ، لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِتَحْسِينِهِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، فَيَجِبُ مَلْبُوسُ مِثْلِهِ، جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُوصَ بِدُونِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِهِ كَنَفَقَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ لِعَدَمِ وُجُوبِهِمَا فِي الْحَيَاةِ، وَقِيلَ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالْمِسْكِ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِيلِ لَمْ يُجَابُوا، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ قَبُولُهُ، لَكِنْ لَيْسَ لِلْبَقِيَّةِ نَقْلُهُ، وَسَلْبُهُ مِنْ كَفَنِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ، بِخِلَافِ مُبَادَرَتِهِ إِلَى دَفْنِهِ فِي مِلْكِ الْمَيِّتِ لِانْتِقَالِهِ إِلَيْهِمْ، لَكِنْ يُكَرَهُ لَهُمْ، وَلَا يُسْتَرُ بِحَشِيشٍ، وَيُقْضَى دَيْنُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
فَرْعٌ: الْجَدِيدُ أَفْضَلُ فِي الْمَنْصُوصِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِهِ،
فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَتَمَثَّلُ لِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعَتِيقُ غَيْرُ الْبَالِي أَفْضَلُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِقَدْرِ إِرْثِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ الْأَبُ، فَإِنْ عُدِمَ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَالِمِينَ بِحَالِهِ.
قَالَ فِي الْفُنُونِ: قَالَ حَنْبَلٌ: بِثَمَنِهِ كَالْمُضْطَرِّ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا جِبي لَهُ ثَمَنُ كَفَنٍ، فَفَضُلَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ كَفَّنَهُ وَرَثَتُهُ، صُرِفَ فِي كَفَنٍ آخَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، تُصُدِّقَ بِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ وَرَثَتُهُ فِي الْأَصَحِّ (إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ وَجَبَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدِ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَانَتْ فِي الْحَيَاةِ، أَشْبَهَتِ الْأَجْنَبِيَّةَ، وَدَلِيلُ الِانْقِطَاعِ إباحته أُخْتُهَا وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَحُكِيَ رِوَايَةً؛ وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَرِكَةٌ فَعَلَيْهِ كَفَنُهَا، وَقِيلَ: يُكَفِّنُ الزَّوْجَةَ الذِّمِّيَّةَ أَقَارِبُهَا، فَإِنْ عُدِمُوا أَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْأَصَحُّ لَا، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَكَفَنُهُ عَلَى مَالِكِهِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةٍ مُسْبَلَةٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ، وَعَكْسُهُ، الْكَفَنُ وَالْمُؤْنَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: مَاتَ إِنْسَانٌ مَعَ جَمَاعَةٍ فِي سَفَرٍ، كَفَّنُوهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّنُوهُ وَرَجَعُوا، فَإِنْ أَبَى الْحَاكِمُ الْإِذْنَ أَوْ تَعَذَّرَ إِذْنُهُ، أَوْ أَمْكَنَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ، أَوْ لَمْ يَنْوُوا الرُّجُوعَ، فَوَجْهَانِ.
ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ.
يُبْسَطُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ بَعْدَ تَجْمِيرِهَا، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي قُطْنٍ يُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّالِثَةُ: إِذَا سُرِقَ كَفَنُهُ، كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ ثَانِيًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُسِّمَتْ، فَإِنْ كَانَتْ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ أَوْ وَصِيَّته لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهَا كَفَنٌ آخَرُ، فَإِنْ أَكَلَهُ سَبُعٌ، فَكَفَنُهُ تَرِكَةٌ.
[كَفَنُ الرَّجُلِ]
(وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْبَسُوا الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّ حَالَ الْإِحْرَامِ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيِّ؛ وَهُوَ لَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ فَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَظَاهِرُهُ: يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْبَيَاضِ مِنْ مُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ، لِأَمْرِهِ بِالْبَيَاضِ، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " خِلَافُهُ، وأَنَّهُ يُكْرَهُ بِمَا زَادَ كَالْخَمْسَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِمَا، وَصَحَّحَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، بَلْ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُعَمَّمُ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَيَكُفنُ فِي وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَيَكُونُ مِنْ قُطْنٍ، وَقِيلَ: وَكَتَّانٍ (يَبْسُطُ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أَوْسَعُهَا وَأَحْسَنُهَا أَعْلَاهَا، ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْحَيِّ جَعْلُ الظَّاهِرِ أَفْخَرَ ثِيَابِهِ (بَعْدَ تَجْمِيرِهَا) أَيْ: تَبْخِيرِهَا، زَادَ جَمَاعَةٌ: ثَلَاثًا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: إِذَا جَهَّزْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» ، وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ عِنْدَ غُسْلِهِ وَتَجْدِيدِ ثِيَابِهِ، فَكَذَا الْمَيِّتُ، بَعْدَ رَشِّهَا بِمَاءِ وَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَعْلُقَ (ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا (وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ)
وَيُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ تَجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتَهُ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَإِنْ طَيَّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَانَ حَسَنًا، ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُرَدُّ طَرَفُهَا الْآخَرُ فَوْقَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ أَخْلَاطٌ مِنْ طِيبٍ مُعَدٍّ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً (فِيمَا بَيْنَهَا) لِأَنَّهُ مَشْرُوعُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ فَوْقَ الْعُلْيَا لِكَرَاهَةِ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَجْعَلُ فَوْقَ الْأُولَى حَنُوطًا فَقَطْ، وَقِيلَ: بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طِيبٌ وَكَافُورٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَذَرُ عَلَى اللَّفَائِفِ شَيْئًا، كَمَا لَا يُوضَعُ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ النَّعْشَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُجْعَلُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَنُوطِ (فِي قُطْنٍ يُجْعَلُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ) بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ ذَلِكَ لِيَرُدَّ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ، (وَيَشُدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ) وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ (تَجْمَعُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتِهِ) بِشَدِّ الْخِرْقَةِ (وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ) فِي الْقُطْنِ (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ) وَهِيَ عَيْنَاهُ، وَمَنْخِرَاهُ، وَأُذُنَاهُ، وَفَمُهُ؛ لِأَنَّ فِي جَعْلِهَا عَلَى الْمَنَافِذِ مَنْعًا مِنْ دُخُولِ الْهَوَامِّ، وَلِأَنَّهَا تَمْنَعُ سُرْعَةَ الْفَسَادِ إِذَا حَدَثَ حَدَثٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْشَى بِالْقُطْنِ.
وِفِي " الْغُنْيَةِ " إِنْ خَافَ حَشَاهُ بِقُطْنٍ وَكَافُورٍ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِنْ خَافَ لَا بَأْسَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ) وَهِيَ رُكْبَتَاهُ وَيَدَاهُ وَجَبْهَتُهُ، وَأَطْرَافُ قَدَمِهِ تَشْرِيفًا لَهَا، لِكَوْنِهَا مُخْتَصَّةً بِالسُّجُودِ، وَيُطَيِّبُهَا مَعَ مَغَابِنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ طَيَّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَانَ حَسَنًا) لِأَنَّ أَنَسًا طُلِيَ بَدَنُهُ بِالْمِسْكِ، وَطُلِيَ ابْنُ عُمَرَ مَيِّتًا بِالْمِسْكِ، وَذَكَرَ السَّامُرِّيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِالصَّنْدَلِ وَالْكَافُورِ لِدَفْعِ الْهَوَامِّ، وَالْمَنْصُوصُ: يُكْرَهُ دَاخِلَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهَا، وَيُكْرَهُ خَلْطُ زَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ بِحَنُوطٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ لَوْنُهُ عَلَى الْكَفَنِ؛ ولِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ غِذَاءً وَزِينَةً، وَلَا يُعْتَادُ التَّطَيُّبُ بِهِ، وَيُكْرَهُ طَلْيُهُ بِصَبْرٍ لِيُمْسِكَهُ وَبِغَيْرِهِ لِعَدَمِ نَقْلِهِ (ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا) مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ) أَيْ: مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ (فَوْقَهُ) أَيْ: فَوْقَ الطَّرَفِ الْآخَرِ؛ وَهُوَ الْأَيْمَنُ؛ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْسَرُ إِذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْقَبْرِ، وَعَكَسَ صَاحِبُ " الْفُصُولِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ ".
وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا، وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ.
وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ، إِزَارٍ وَخِمَارٍ وَقَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ.
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ جَمِيعَهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ: لِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِ الْحَيِّ مِنْ قَبَاءٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
(ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ) أَيْ كَالْأُولَى، لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهِمَا (وَيَجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ) كَالْحَيِّ لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالسَّتْرِ مِنْ رِجْلَيْهِ، وَيُعِيدُ الْفَاضِلَ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ بَعْدَ جَمْعِهِ، لِيَصِيرَ الْكَفَنُ كَالْكِيسِ فَلَا يَنْتَشِرَ (ثُمَّ يَعْقِدُهَا) إِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا (وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمَّا أَدْخَلَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْقَبْرَ نَزَعَ الْأَخِلَّةَ بِفِيهِ» ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّ الْخَوْفَ قَدْ زَالَ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي، وَغَيْرُهُ: وَلَوْ نَسِيَ بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ قَرِيبًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، لَكِنْ لَا يَحِلُّ الْإِزَارَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَخْرِقُ الْكَفَنَ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِفْسَادِهِ، وَتَقْبِيحِ الْكَفَنِ الْمَأْمُورِ بِتَحْسِينِهِ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: بِأَنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَجَوَّزَهُ أَبُو الْمَعَالِي مع خَوْفَ نَبْشِهِ.
قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: وَلَوْ خِيفَ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ (وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ، وَلِفَافَةٍ، جَازَ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُؤْزَرُ، وَيُقَمَّصُ، وَيُلَفُّ بِالثَّالِثَةِ، وَهَذَا عَادَةُ الْحَيِّ.
وَصَرَّحَ فِي " الشَّرْحِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَالْمَنْصُوصُ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ بِكُمَّيْنِ، وَدَخَارِيصَ لَا يُزَرُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِلْحَيِّ زَرُّهُ فَوْقَ إِزَارٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ لِلْحَيِّ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِي الْعُرْفِ، فَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ يُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ، وَقِيلَ: بِزِرِّهِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ "، وَيُجْزِئُ، وَفِيهَا شَيْءٌ.
[كَفَنُ الْمَرْأَةِ]
(وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ) اسْتِحْبَابًا، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ «عَنْ لَيْلَى الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا الْحِقْيَ، ثُمَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
الدرع، ثم الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ» .
قَالَ أَحْمَدُ: الْحِقْيُ: الْإِزَارُ، وَالدِّرْعُ: الْقَمِيصُ، فَعَلَى هَذَا تُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ تَلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ تُخَمَّرُ بِمُقَنَّعَةٍ، ثُمَّ تُلَفُّ بِاللِّفَافَتَيْنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْخَامِسَةَ تَشُدُّ بِهَا فَخِذَيْهَا تَحْتَ الْمِئْزَرِ، وَصَرَحَّ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُنَقَّبُ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَتُكَفَّنُ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إِلَى خِمَارٍ فِي حَيَاتِهَا، فَكَذَا فِي مَوْتِهَا، وَكَذَا بِنْتُ تِسْعٍ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ كَالْبَالِغَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
فَرْعٌ: الْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ جَمِيعَهُ) لِأَنَّ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ يُجْزِئُ فِي سَتْرِهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَكَفَنُ الْمَيِّتِ أَوْلَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ ثَلَاثَةٌ، احْتَجَّ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ لَمْ يَجُزْ مَعَ وَارِثٍ صَغِيرٍ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِالْكَفَنِ الْحَسَنِ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ الثَّلَاثَةِ عَلَى غَيْرِ الدَّيْنِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي.
قَالَ: وَإِنْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَثَوْبٌ، وَفِي الزَّائِدِ لِلْكَمَالِ وَجْهَانِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَصِفَ الْبَشْرَةَ، وَيُكْرَهْ رِقَّةٌ تَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَشَعْرٌ وَصُوفٌ، وَكَذَا مَنْقُوشٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَيَحْرُمُ بِجِلُودٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَكَذَا تَكْفِينُهَا بِحَرِيرٍ لِصَبِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا، وَمِثْلُهُ الْمَذْهَبُ، وَيَجُوزُ لِعَدَمِ تَكْفِينِهِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ حَرِيرٍ لِلضَّرُورَةِ لَا مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا بَعْضَ ثَوْبٍ سَتَرَ الْعَوْرَةَ كَحَالِ الْحَيَاةِ، وَذَكَرَ السَّامُرِّيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَسْتُرُ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِيهِ، وَالْبَاقِيَ بِحَشِيشٍ أَوْ وَرَقٍ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَحْرُمُ دَفْنُ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ غَيْرِ الْكَفَنِ؛ لِأَنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ، وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإمَامِ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَوْصَى بِدُونِ مَا يَسْتُرُ بَدَنَهُ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِتَكْفِينِهِ فِي ثِيَابٍ ثَمِينَةٍ لَا يَلِيقُ بِهِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَإِنْ وَصَّى فِي ثَوْبٍ، أَوْ دُونَ مَلْبُوسٍ مِثْلِهِ، جَازَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا، وَإِنْ وَصَّى بِثَوْبٍ، وَقُلْنَا: يَجِبُ أَكْثَرُ، فَفِي صِحَّةِ وَصِيَّتِهِ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ سِوَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، جُمِعَ فِيهِ مَا أَمْكَنَ، لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي قَتْلَى أُحُدٍ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ شَيْخُنَا: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، وَيَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَا يُجْمَعُونَ فِيهِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ كَفَنٌ، وَثَمَّ حَيٌّ يَحْتَاجُهُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَالْأَصَحُّ لَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ، زَادَ الْمَجْدُ: إِنْ خَشِيَ التَّلَفَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلَّى عَلَيْهِ عَادِم فِي أَحَدِ لِفَافَتَيْهِ، وَالْأَشْهُرُ: عُرْيَانًا كَلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ بِهَا.
[فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]
[مَوْقِفُ الْإِمَامِ مِنَ الْجِنَازَةِ]
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِمَا قَبْلَهُ (السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَجُلٍ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ وَسَطَهَا، فَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَقُومُ؟ قَالَ: نَعَمْ» ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَلَى امْرَأَةٍ، فَقَامَ وَسَطَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَعَنْهُ: يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَعَنْهُ: عِنْدَ صَدْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَالْخُنْثَى بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْمَقَامِ مِنَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " أَنَّهُمَا كَمَا سَبَقَ، فَلَوْ خَالَفَ الْمَوْضِعَ صَحَّتْ وَلَمْ يُصِبِ السُّنَّةَ، وَيُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، وَلَمْ يُصَلُّوهَا عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بِإِمَامٍ إِجْمَاعًا احْتِرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ كَغُسْلِهِ، وَفِي سُقُوطِهِ بِفِعْلِ خُنْثَيَيْنِ وَجْهَانِ (وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإمَامِ) إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزَهُمَا (أَفْضَلُهُمْ) لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ يُسْتَحَقُّ بِهَا التَّقْدِيرُ فِي الْإِمَامَةِ، فَكَذَا هُنَا، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ كَانَ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ يُقَدِّمُ فِي الْقَبْرِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا، وَقِيلَ: الْأَدْيَنُ، وَقِيلَ: الْأَكْبَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا إِلَّا الْمَرْأَةَ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، كَمَا لَا يُؤَخَّرُ الْمَفْضُولُ فِي صَفِّ الْمَكْتُوبَةِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَقُرْبِ الْإِمَامِ، فَإِنْ تَسَاوُوا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ، فَإِنْ تَشَاحُّوا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ مَعَ التَّشَاحِّ فَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ أَحَقُّ بِهَا أَوْ مَنْ مَيِّتُهُ سَبَقَ الْحُضُورَ أَوِ الْمَوْتَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَيُحْتَمَلُ مَنْ سَبَقَ مَيِّتُهُ التَّطْهِيرَ، فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْحُرِّ، ثُمَّ الْعَبْدِ الْمُكَلَّفِ، ثُمَّ الصَّبِيِّ، ثم الخنثى، ثُمَّ الْمَرْأَةِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، كَالْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى الْعَبْدِ، وَعَنْهُ: عَبْدٌ عَلَى حَرٍّ دُونَهُ، وَعَنْهُ: الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، كَمَا قَدَّمَهَا الصَّحَابَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو الْوَفَاءِ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَلِحَاجَتِهَا إِلَى الشَّفَاعَةِ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ أَمَامَهَا فِي الْمَسِيرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَيُقَدَّمُ فِي أَوْلِيَاءِ مَوْلًى أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ، ثُمَّ قُرْعَةً، وَلِوَلِيِّ كُلِّ مَيِّتٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
أَفْضَلُهُمْ.
وَيُجْعَلَ وَسَطُ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَوِّي بَيْنَ رُؤوسِهِمْ.
فصل وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: جَمْعُ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ أَوْ شُقَّ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِالتَّسْوِيَةِ (وَيَجْعَلُ وَسَطَ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، لِيَقِفَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْقِفَهُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يُجْعَلُ وَسَطُهَا حِذَاءَ صَدْرِ الرَّجُلِ، وَخُنْثَى بَيْنَهُمَا (وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَوِّي بَيْنَ رُؤوسِهِمْ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ وَابْنَهَا زَيْدًا تُوُفِّيَا جَمِيعًا، فَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَسَوَّى بَيْنَ رُؤوسِهِمَا.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعٌ لَا حُكْمَ لَهَا، وَعَلَيْهِ: يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الرَّجُلِ.
اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ، يَجْعَلُونَ دَرَجًا، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَإِنَّ هَذَا وَالتَّسْوِيَةَ سَوَاءٌ، قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ.
فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ صُفُوفِ الْجِنَازَةِ، وَأَنْ لَا يُنْقِصُهُمْ عَنْ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ، لِخَبَرِ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ» ، وَسَبَقَ حُكْمُ الْفَذِّ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى أَنْ لَا يَبْرَحَ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ.
[صِفَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
(وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) «لِتَكْبِيرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاشْتَهَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِهِ (يَقْرَأُ فِي الْأَوْلَى الْفَاتِحَةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ
الثَّانِيَةِ.
وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا،
[المبدع في شرح المقنع]
أُمِّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَرَأَ بِالْفَاتِحَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» ، وَكَالْمَكْتُوبَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَعَنْهُ: بِلَى، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " ثُمَّ يَتَعَوَّذُ لِلْآيَةِ، وَعَنْهُ: لَا، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُهُ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمَا، وَيَبْتَدِئُ الْحَمْدَ بِالْبَسْمَلَةِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي مَذْهَبِنَا، وَجَزَمَ فِي " التَّبْصِرَةِ " بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ سِرًّا، وَلَوْ لَيْلًا، لَا يُقَالُ: ابْنُ عَبَّاسٍ جَهَرَ بِهَا.
وَقَالَ: سُنَّةٌ وَحَقٌّ، لِأَجْلِ تَعْلِيمِهِمْ (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الثَّانِيَةِ) سِرًّا، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ: أَنَا مُطْرَفُ بْنُ مَازِنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» وَيَكُونُ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي بَعْدَهَا " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِكَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَهْلِ طَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ " وَفِي " الْكَافِي " لَا يَتَعَيَّنُ صَلَاةٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ (وَيَدْعُو) لِنَفْسِهِ، وَلِوَالِدَيْهِ، وَالْمَيِّتِ، وَالْمُسْلِمِينَ (فِي الثَّالِثَةِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا له
وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفِّهُ عَلَيْهِمَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ.
وَافْسَحْ لَهُ قَبْرَهُ، وَنَوِّرْ
[المبدع في شرح المقنع]
الدُّعَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ (فَيَقُولَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفِّهِ عَلَيْهَمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ: وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَفْظُ " السُّنَّةِ " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَقُولُ عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ، وَفِيهِ: «وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ» ، وَزَادَ الْمُؤَلِّفُ لَفْظَ مِنَ الذُّنُوبِ «وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً أَنَّثَ الضمير، وَإِنْ كَانَ خُنْثَى قَالَ: هَذَا الْمَيِّتُ وَنَحْوَهُ.
تَذْنِيبٌ: " نُزُلَهُ " بِضَمِّ الزَّايِ، وَقَدْ يُسَكَّنُ، " وَمَدْخَلَهُ " بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَبِضَمِّهَا: الْإِدْخَالُ، وَالزَّوْجُ بِغَيْرِ هَاءٍ: لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَقَدْ يُقَالُ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: زَوْجَةٌ، حَكَاهَا الْخَلِيلُ وَالْجَوْهَرِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ،
لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطًا وَأَجْرًا وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ، وَيَقِفُ بَعْدَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ، وَلَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، إِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَرًّا مِنَ الْمَيِّتِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، لِلْخَبَرِ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ بِالْإِصْبَعِ حَالَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا) وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ أَوْلَى (قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطَا، وَأَجْرًا، وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدُّعَاءِ لَائِقٌ بِحَالِهِ مُنَاسِبٌ لِمَا مَرَّ فِيهِ، فَشُرِعَ كَالِاسْتِغْفَارِ لِلْبَالِغِ، زَادَ جَمَاعَةٌ: سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ لَهُ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ، هَذَا هُوَ السُّنَّةُ.
فَرْعٌ: إِذَا لَمْ يُعْرَفُ إِسْلَامُ وَالِدَيْهِ دَعَا لِمُوَالِيهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَمُرَادُهُمْ فِيمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا ومَاتَ أَنَّهُ كَصَغِيرٍ (وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا) لِمَا رَوَى الْجُرْجَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقِفُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَكُنْتُ أَحْسَبُ هَذِهِ الْوَقْفَةَ لِيُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ» وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ بَعْدَهَا دُعَاءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ
الرَّابِعَةِ قَلِيلًا.
وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْخِرَقِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمُ الْوُقُوفَ.
وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: يَدْعُو فِيهَا كَالثَّالِثَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَالْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى فَعَلَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَعَلَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَصْلَحُ مَا رُوِيَ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُخَالِفُهُ، وَلِأَنَّهُ قِيَامٌ فِي جِنَازَةٍ، أَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَيَقُولُ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنِ الْأَكْثَرِ، وَصَحَّ أَنَّ أَنَسًا كَانَ لَا يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا خَتَمَهُ بِهَذَا، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ " رِوَايَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ؛ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ وَلَا يُسَبِّحُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ حَرْبٌ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ (وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ رَوَى عَطَاءُ بْنُ السائب «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةٍ تَسْلِيمَةً» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا تَسْلِيمَتَيْنِ فَهُوَ جَاهِلٌ، وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَجُوزُ ثَانِيَةٌ، وَاسْتَحَبَّهَا الْقَاضِي، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ رِوَايَةً، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى تَسْلِيمَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ، وَقِيلَ: يُسِرُّ وَيُتَابِعُ إِمَامًا فِي الثَّانِيَةِ كَالْقُنُوتِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ الْقِيَامُ وَالتَّكْبِيرَاتُ وَالْفَاتِحَةُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ وَالسَّلَامُ.
صلوا كما رأيتموني أصلي، وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا، كُبِّرَ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعُمَرُ عَمُّ زِيدِ بْنِ ثَابِتٍ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ طَرَفُهَا بِسُجُودٍ وَلَا قُعُودٍ، فَسُنَّ فِيهَا الرَّفْعُ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَحَكَى فِي " الشَّرْحِ " الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي الْأُولَى، وَصِفَةُ الرَّفْعِ وَانْتِهَاؤُهُ كَمَا سَبَقَ
[وَاجِبَاتُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
(والْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ التَّكْبِيرَاتُ) الْأَرْبَعُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ «أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ نَقَصَ تَكْبِيرَةً عَمْدًا بَطَلَتْ، وَسَهْوًا يُكْرَهُ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ، وَقِيلَ: يُعِيدُهَا لِفِعْلِ أَنَسٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُهَا إِلَّا إِذَا أَطَالَ، أَوْ وَجَدَ مُنَافٍ مِنْ كَلَامٍ أَوْ نَحْوِهِ (والْفَاتِحَةُ) وَلَمْ يُوجِبِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قِرَاءَةً، بَلِ اسْتَحَبَّهَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي طَالِبٍ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ» .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ هُنَا (وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ (وَالسَّلَامُ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: ثِنْتَانِ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْكَافِي " وهنا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَى، وَالصَّلَاةُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالدُّعَاءُ فِي الثَّالِثَةِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " خِلَافَهُ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، فَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِالذَّكَرِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ جَهِلَهُ، نَوَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ، فَإِنْ نَوَى عَلَى رَجُلٍ فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُجْزِئُهُ لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ، وَالْقِيَامُ فِي فَرْضِهَا، لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ كَالْمَكْتُوبَةِ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ قَاعِدٍ، وَلَا عَلَى رَاحِلَةٍ بِلَا عُذْرٍ،
بِتَكْبِيرِهِ، وَعَنْهُ: لَا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ، وَعَنْهُ: يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.
وَإِنْ فَاتَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَكَرَّرَتْ إِنْ قِيلَ: الثانية فَرْضٌ.
وَالْمُؤَلِّفُ تَرَكَ ذِكْرَهُمَا لِظُهُورِهِمَا، وَإِسْلَامُ الْمَيِّتِ وَالطَّهَارَةُ مِنْ حَدَثٍ وَنَجَسٍ، وَالِاسْتِقْبَالُ وَالسُّتْرَةُ كَمَكْتُوبَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَحُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلَا تَصِحُّ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْبُوقِ، لِأَنَّهَا كَإِمَامٍ، وَلِهَذَا لَا صَلَاةَ بِدُونِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: قُرْبُهَا مِنَ الْإِمَامِ مَفْصُولَةٌ كَقُرْبِ الْمَأْمُومِ مِنَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الدُّنُوُّ مِنْهَا، وَلَوْ صَلَّى؛ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ لَمْ يَصِحَّ.
(وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسًا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُكَبِّرُهَا» ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَعَنْهُ لَا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ) نَقَلَهَا حَرْبٌ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ كَالْقُنُوتِ فِي الْأُولَى، وَكَمَا لَوْ زَادَ عَلَى عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ، أَوْ ظَنَّ بِدْعَةً، وَأَجَابَ الثَّوْرِيُّ عَمَّا سَبَقَ بِالنَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَعَنْهُ: يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ، وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا، وَسِتًّا، وَسَبْعًا رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يُتَابِعُ إِمَامَهُ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، فَكَذَا هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ، وَلَا تَبْطُلُ مُجَاوَزَةُ سَبْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا: تَبْطُلُ مُجَاوَزَةُ أَرْبَعٍ عَمْدًا،
شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا، فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَبِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ لَا يُتَابَعُ فِيهَا، وَفِي " الْخِلَافِ " قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِسَالَةِ مُسَدَّدٍ: خَالَفَنِي الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا فَقَالَ: إِذَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ تُعَادُ الصَّلَاةُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّجَاشِيِّ، قَالَ أَحْمَدُ: وَالْحُجَّةُ لَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى أَرْبَعٍ تَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَغَيْرَهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَتَتَعَيَّنُ الْمُتَابَعَةُ، وَإِذَا لَمْ يُتَابَعْ فِي الزِّيَادَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ السَّلَامُ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا: يَنْوِي مُفَارَقَتَهُ وَيُسَلِّمُ، كَمَا لَوْ قَامَ إِلَى خَامِسَةٍ، وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مَا وَرَدَ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إِمَامُكَ.
تَنْبِيهٌ: الْمُنْفَرِدُ كَإِمَامٍ فِي زِيَادَةٍ، وَلَوْ كَبَّرَ فَجِيءَ بِثَانِيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَبَّرَ الْإِمَامُ، وَنَوَاهُمَا، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِذَا بَقِيَ مِنْ تَكْبِيرِهِ أَرْبَعٌ، فَيَقْرَأُ فِي الْخَامِسَةِ، وَيُصَلِّي [عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] فِي السَّادِسَةِ، وَيَدْعُو فِي السَّابِعَةِ، وَلَوْ جِيءَ بِخَامِسَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَيْهَا الْخَامِسَةَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى زِيَادَةِ التَّكْبِيرِ عَلَى سَبْعٍ، أَوْ نُقْصَانِ الْخَامِسَةِ مِنْ أَرْبَعٍ، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْجِنَازَةِ الْأُولَى رَفَعَهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَسْبُوقِ إِذَا حَضَرَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ أَنْ يُحْرِمَ وَيَدْخُلَ مَعَهُ كَالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَرَكْعَةٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِقَضَائِهَا، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ اشْتِغَالًا بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ، وَخَيَّرَهُ فِي " الْفُصُولِ " كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَمَسْأَلَتُهَا: إِنْ شَرَعَ بَعْدَ ذِكْرٍ كَبَّرَ وَتَبِعَهُ
[وَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي الْجِنَازَةِ]
(وَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ، قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَحَلُّ الْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَقْضِيُّ أَوَّلُ صَلَاتِهِ يَأْتِي فِيهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ هُنَا، فَيَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ، وَهَذَا ظَاهِرُ " التَّلْخِيصِ " لَكِنْ إِذَا خَشِيَ رَفْعَهَا تَابَعَ، رُفِعَتْ أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ،
يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَقْضِي، فَإِنْ كَبَّرَ سَابِعًا فَلَا بَأْسَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ: إِنْ رُفِعَتْ قَبْلَ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ سَابِعًا لِعَدَمِ مَنْ يُدْعَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ (فَإِنَّ سَلَّمَ) مَعَ الْإِمَامِ (وَلَمْ يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِعَائِشَةَ «مَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ» وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ لِقَوْلِهِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» .
أَصْلٌ: إِذَا صَلَّى لَمْ يُصَلِّ ثَانِيًا، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ رَدُّ السَّلَامِ ثَانِيًا، ذَكْرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " نصا كَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي، اخْتَارَهُ فِي " الْفُنُونِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمَجْدُ: يُصَلِّي تَبَعًا، وَإِلَّا فَلَا إِجْمَاعًا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بَلْ يُسْتَحَبُّ، كَصَلَاتِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ بِلَا إِذْنِ وَالٍ حَاضِرٍ أَوْ وَلِيٍّ بَعْدَهُ حَاضِرٍ، وَإِنَّمَا تُعَادُ تَبَعًا، وَمَتَّى رُفِعَتْ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تُوضَعْ لِأَحَدٍ، وَيُبَادَرُ إِلَى دَفْنِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِلَّا أَنْ يُرْجَى مَجِيءُ الْوَلِيِّ فَيُؤَخَّرَ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ تَغَيُّرَهُ.
[فَاتَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ]
(وَمَنْ فَاتَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ» ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَائِبٌ، فَلَمَّا