المبدع في شرح المقنعصفحات 310-349

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 310-349

فَإِنْ قَطَعَهُمَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الزَّائِدِ حُكُومَةٌ.

وَفِي مَارِنِ الْأَنْفِ وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ وَحَلَمَتَيِ الثَّدْيَيْنِ وَكَسْرِ ظَاهِرِ السِّنِّ دِيَةُ الْعُضْوِ كَامِلَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَ مَنِ اسْتَوْعَبَ الْأَنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ

[المبدع في شرح المقنع]

لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ مُعْظَمِ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ لِلْمَنْكِبِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ مَسَحَ الصَّحَابَةُ إِلَى الْمَنَاكِبِ، لَا يُقَالُ: يَجِبُ أَنْ لَا يَجِبَ بِقَطْعِهِمَا مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ وَالْكَعْبِ الدِّيَةُ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي شَيْءٍ عَدَمُ وُجُوبِهَا فِيمَا دُونَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي الْيَدَيْنِ مِنَ الْكُوعِ وَتَجِبُ فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ دُونَ الْكَفِّ (وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الزَّائِدِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ فِي الْيَدِ مِنَ الْبَطْشِ، وَالْأَخْذِ، وَالدَّفْعِ بِالْكَفِّ، وَمَا زَادَ تَابِعٌ لَهُ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ فِي قَطْعِهَا مِنَ الْكُوعِ وَالْكَعْبِ، فَيَجِبُ فِي الزَّائِدِ حُكُومَةٌ، وَلِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ إِلَى الْكُوعِ، وَالْكَعْبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَطَعَ مِنَ الْكُوعِ ثُمَّ قَطَعَهَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ فَفِيهِ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ، ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ كَفَّانِ عَلَى ذِرَاعٍ، أَوْ يَدٌ وَذِرَاعَانِ عَلَى عَضُدٍ وَإِحْدَاهُمَا بَاطِشَةٌ دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ إِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ بَطْشًا، أَوْ فِي سَمْتِ الذِّرَاعِ، وَالْأُخْرَى مُنْحَرِفَةٌ أَوْ تَامَّةٌ، وَالْأُخْرَى نَاقِصَةٌ، فَالْأُولَى هِيَ الْأَصْلِيَّةُ فَفِيهَا دِيَتُهَا، وَالْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا عَمْدًا، وَفِي الْأُخْرَى حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا مُنْفَرِدَةً، أَوْ مَعَ الْأَصْلِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا شَيْءَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا عَيْبٌ، فَلَوِ اسْتَوَيَا وَكَانَتَا غَيْرَ بَاطِشَتَيْنِ فَفِيهِمَا ثُلُثُ دِيَةِ الْيَدِ، أَوْ حُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَتَا بَاطِشَتَيْنِ فَفِيهِمَا دِيَةُ الْيَدِ، وَهَلْ تَجِبُ الْحُكُومَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

[دِيَةُ جُزْءٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ]

(وَفِي مَارِنِ الْأَنْفِ) وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ (وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ وَحَلَمَتَيِ الثَّدْيَيْنِ وَكَسْرِ ظَاهِرِ السِّنِّ دِيَةُ الْعُضْوِ كَامِلَةً) لِأَنَّ قَطْعَ الْمَارِنِ يُذْهِبُ الْجَمَالَ، أَشْبَهَ الْأَنْفَ كُلَّهُ، وَحَشَفَةُ الذَّكَرِ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ كَمَنْفَعَةِ الْيَدِ بِالْأَصَابِعِ وَحَلَمَتَيِ الثَّدْيَيْنِ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ مِنَ الثَّدْيَيْنِ مَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ

فِي الْقَصَبَةِ، وَفِي قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ، وَالْأُذُنِ، وَالْحَلَمَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَةِ، وَالْحَشَفَةِ، وَالْأُنْمُلَةِ، وَالسِّنِّ، وَشَقِّ الْحَشَفَةِ طُولًا بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ، تُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ.

وَفِي شَلَلِ الْعُضْوِ، أَوْ إِذْهَابِ نَفْعِهِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى الشَّفَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَنْطَبِقَانِ عَلَى الْأَسْنَانِ

[المبدع في شرح المقنع]

بِذَهَابِهِ فَوَجَبَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي كَسْرِ ظَاهِرِ السِّنِّ دِيَتُهُ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّثَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُسَمَّى سِنًّا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَمَا فِي اللِّثَةِ يُسَمَّى سِنْخًا، فَإِذَا كَسَرَ السِّنَّ، ثُمَّ قَلَعَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ السِّنْخَ فَفِي السِّنِّ دِيَتُهَا، وَفِي السِّنْخِ حُكُومَةٌ، وَالدِّيَةُ فِي قَدْرِ الظَّاهِرِ عَادَةً، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الظَّاهِرِ اعْتُبِرَ بِأَخَوَاتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ قُبِلَ قَوْلُ الْجَانِي (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَ مَنِ اسْتَوْعَبَ الْأَنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ فِي الْقَصَبَةِ) لِمَا رَوَى طَاوُسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْحُكُومَةُ فِي الْقَصَبَةِ لِمَا مَرَّ فِي قَطْعِ الْيَدِ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ، فَإِنْ قَطَعَ الْأَنْفَ، وَمَا تَحْتَهُ مِنَ اللَّحْمِ فَفِي اللَّحْمِ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَنْفِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ، وَاللَّحْمَ الَّذِي تَحْتَهُ (وَفِي قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ، وَالْأُذُنِ، وَالْحَلَمَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَةِ، وَالْحَشَفَةِ، وَالْأُنْمُلَةِ، وَالسِّنِّ، وَشَقِّ الْحَشَفَةِ طُولًا بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ تُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ) كَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ مَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي جَمِيعِهِ وَجَبَتْ فِي بَعْضِهِ وَكَمَا تُقَسَّطُ دِيَةُ الْيَدِ عَلَى الْأَصَابِعِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةٌ: تَجِبُ ثُلُثُ دِيَةٍ كَشَحْمَةِ أُذُنٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": فِيمَا بَقِيَ مِنْ أُذُنٍ بِلَا نَفْعٍ الدِّيَةُ وَإِلَّا حُكُومَةٌ.

[دِيَةُ شَلَلِ الْعُضْوِ أَوْ إِذْهَابِ نَفْعِهِ]

(وَفِي شَلَلِ الْعُضْوِ، أَوْ إِذْهَابِ نَفْعِهِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى الشَّفَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَنْطَبِقَانِ عَلَى الْأَسْنَانِ) الدِّيَةُ ; لِأَنَّهُ عَطَّلَ نَفْعَهُمَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ يَدَهُ، أَوْ لِسَانَهُ، أَوْ شَفَتَهُ وَسَائِرَ الْأَعْضَاءِ إِلَّا الْأُذُنَ، وَالْأَنْفَ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": وَكَذَا إِذَا اسْتَرْخَيَا فَصَارَا لَا يَنْفَصِلَانِ عَنِ الْأَسْنَانِ ; لِأَنَّهُ عَطَّلَ جَمَالَهَا، وَفِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّرْغِيبِ " فِي التَّقَلُّصِ حُكُومَةٌ (وَتَسْوِيدِ السِّنِّ، وَالظُّفُرِ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ) عَنْهُ (دِيَتُهُ) رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَالَهُ ابْنُ

وَتَسْوِيدِ السِّنِّ، وَالظُّفُرِ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ دِيَتُهُ، وَعَنْهُ: فِي تَسْوِيدِ السِّنِّ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا حُكُومَةٌ.

وَفِي الْعُضْوِ الْأَشَلِّ مِنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَالذَّكَرِ، وَالثَّدْيِ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ وَشَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالثَّدْيِ دُونَ حَلَمَتِهِ، وَالذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِهِ، وَقَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَالْيَدِ، وَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَتَيْنِ –

[المبدع في شرح المقنع]

سِيرِينَ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ (وَعَنْهُ: فِي تَسْوِيدِ السِّنِّ ثُلُثُ دِيَتِهَا) وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ وَكَتَسْوِيدِ أَنْفِهِ مَعَ بَقَاءِ نَفْعِهِ، قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ " (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا حُكُومَةٌ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْهِبْهَا بِمَنْفَعَتِهَا، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهَا كَمَا لَوِ احْمَرَّتْ، أَوِ اصْفَرَّتْ، أَوْ كَلَّتْ، وَعَنْهُ: إِنْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا مِنَ الْمَضْغِ عَلَيْهَا فَفِيهَا دِيَتُهَا وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ قَوْلُ زَيْدٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ فَكَمُلَتْ دِيَتُهَا كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَ الْأَصَمِّ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَى عَلَى سِنِّهِ فَاخْصَرَّتْ فَعَنْهُ كَتَسْوِيدِهَا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُنْتَخَبِ "، وَعَنْهُ: حُكُومَةٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَشْهَرُ، وَذَكَرَهُمَا فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالَيْنِ.

[دِيَةُ الْعُضْوِ الْأَشَلِّ أَوِ الزَّائِدِ وَدِيَةُ عُضْوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ]

(وَفِي الْعُضْوِ الْأَشَلِّ مِنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَالذَّكَرِ، وَالثَّدْيِ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ) فِي مَوْضِعِهَا صَحِيحَةً غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَ نَظَرَهَا (وَشَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالثَّدْيِ دُونَ حَلَمَتِهِ، وَالذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِهِ، وَقَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَالْيَدِ، وَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَتَيْنِ حُكُومَةٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِيجَابُ دِيَةٍ كَامِلَةٍ لِكَوْنِهَا قَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَلَا مُقَدَّرَ فِيهَا فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ (وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ) لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إِذَا قُطِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إِذَا قُلِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا» . وَعَنْ عُمَرَ مَعْنَى ذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَحُكْمُ الرِّجْلِ الشَّلَّاءِ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ رَجَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ:

حُكُومَةٌ، وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَعَنْهُ: فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ كَمَالُ دِيَتِهِ.
فَلَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ،

[المبدع في شرح المقنع]

قَوْلُهُمْ لَا يُمْكِنُ إِيجَابٌ مُقَدَّرٌ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا التَّقْدِيرَ وَبَيَّنَّاهُ، فَأَمَّا الْيَدُ، وَالرِّجْلُ، وَالْإِصْبَعُ، وَالسِّنُّ الزَّوَائِدُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَ جَمَالُهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الزَّوَائِدَ لَا جَمَالَ فِيهَا، إِنَّمَا هِيَ شَيْنٌ فِي الْخِلْقَةِ وَعَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ وَتَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ، قَالَ الْقَاضِيَ: هُوَ فِي مَعْنَى الْيَدِ الشَّلَّاءِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا كُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ، وَالْكَفُّ الَّذِي لَا أَصَابِعَ عَلَيْهِ وَسَاقٌ لَا قَدَمَ فِيهِ وَذِرَاعٌ لَا كَفَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرٌ لَا حَشَفَةَ لَهُ (وَعَنْهُ: فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ كَمَالُ دِيَتِهِ) ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ لِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ جِمَاعِهِ، وَهُوَ عُضْوٌ سَلِيمٌ فِي نَفْسِهِ، أَشْبَهَ ذَكَرَ الشَّيْخِ، وَعَنْهُ لَا تَكْمُلُ دِيَتُهُ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْإِنْزَالِ، وَالْإِحْبَالِ بِالْجِمَاعِ، وَقَدْ عُدِمَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ، أَشْبَهَ الْأَشَلَّ، وَبِهَذَا فَارَقَ ذَكَرَ الشَّيْخِ، وَأَمَّا ذَكَرُ الْخَصِيِّ فَعَنْهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ، وَهِيَ الْجِمَاعُ بَاقِيَةٌ فِيهِ، وَعَنْهُ: لَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَحْصِيلُ النَّسْلِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ، وَعَنْهُ: تَكْمِيلُهَا لِذَكَرِ الْعِنِّينِ دُونَ الْخَصِيِّ، وَخَرَّجَ مِنْهُ فِي " الِانْتِصَارِ " فِي لِسَانِ أَخْرَسَ، وَقَدَّمَ فِي " الرَّوْضَةِ " فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ إِنْ لَمْ يُجَامَعْ بِمِثْلِهِ فَثُلُثُ دِيَتِهِ وَإِلَّا دِيَةٌ، قَالَ: فِي عَيْنٍ قَائِمَةٍ نِصْفُ دِيَةٍ.
فَرْعٌ: إِذَا نَبَتَتْ أَسْنَانُ صَبِيٍّ سَوْدَاءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ فَدِيَتُهَا تَامَّةٌ كَمَنْ خُلِقَ أَسْوَدَ الْوَجْهِ وَالْجِسْمِ جَمِيعًا، وَإِنْ نَبَتَتْ أَوَّلًا بَيْضَاءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: لَيْسَ السَّواد لِمَرَضٍ وَلَا عِلَّةٍ فَفِيهَا كَمَالُ دِيَتِهَا، وَإِلَّا فَثُلُثُ دِيَةٍ، أَوْ حُكُومَةٌ (فَلَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ، وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعًا) أَيْ: دُفْعَةً وَاحِدَةً (أَوِ الذَّكَرَ، ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ لَزِمَهُ دِيَتَانِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ لَوَجَبَ فِي قَطْعِهِ الدِّيَةُ، فَكَذَا لَوِ اجْتَمَعَ (وَلَوْ قَطَعَ

وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعًا، أَوِ الذَّكَرَ، ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ - لَزِمَهُ دِيَتَانِ، وَلَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ وَجَبَتْ دِيَةُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَفِي الذَّكَرِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: دِيَةٌ، وَالْأُخْرَى حُكُومَةٌ، أَوْ ثُلُثُ دِيَتِهِ.
وَإِنْ أَشَلَّ الْأَنْفَ، أَوِ الْأُذُنَ، أَوْ عَوَّجَهُمَا فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَفِي قَطْعِ الْأَشَلِّ مِنْهُمَا كَمَالُ دِيَتِهِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَنْفِ الْأَخْشَمِ وَالْمَخْرُومِ، وَأُذُنَيِ الْأَصَمِّ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ وَجَبَتْ دِيَةُ الْأُنْثَيَيْنِ) لِأَنَّ قَطْعَهُمَا لَمْ يُصَادِفْ مَا يُوجِبُ نَقْصَهُمَا عَنْ دِيَتِهِمَا (وَفِي الذَّكَرِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " (إِحْدَاهُمَا: دِيَةٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» (وَالْأُخْرَى) وَهِيَ أَشْهَرُ (حُكُومَةٌ، أَوْ ثُلُثُ دِيَتِهِ) لِأَنَّهُ ذَكَرُ خَصِيٍّ.
فَرْعٌ: إِذَا قَطَعَ نِصْفَ الذَّكَرِ طُولًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَنَصَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ كَامِلَةً ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ مَنْفَعَةُ الْجِمَاعِ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَشَلَّهُ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً فَمَا دُونَ الْحَشَفَةِ وَخَرَجَ الْبَوْلُ عَلَى عَادَتِهِ وَجَبَ بِقَدْرِ الْقِطْعَةِ مِنْ جَمِيعِ الذَّكَرِ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَجَبَ الْأَكْثَرُ مِنَ الدِّيَةِ، أَوِ الْحُكُومَةُ (وَإِنْ أَشَلَّ الْأَنْفَ، أَوِ الْأُذُنَ، أَوْ عَوَّجَهُمَا فَفِيهِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّ نَفْعَ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ بَاقٍ مَعَ الشَّلَلِ، بِخِلَافِ الْيَدِ، فَإِنَّ نَفْعَهَا قَدْ زَالَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِبَقَاءِ نَفْعِ الْأُذُنِ كَوْنَهَا تَجْمَعُ الصَّوْتَ وَتَمْنَعُ دُخُولَ الْهَوَاءِ فِي الصِّمَاخِ، وَهَذَا بَاقٍ مَعَ الشَّلَلِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْفُ، فَنَفْعُهُ جَمْعُ الرَّائِحَةِ وَمَنْعُ وُصُولِ شَيْءٍ إِلَى دِمَاغِهِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَوْ تَغْيِيرُ لَوْنِهِمَا، وَقِيلَ: الدِّيَةُ كَشَلَلِ يَدٍ وَمَثَانَةٍ وَنَحْوِهِمَا (وَفِي قَطْعِ الْأَشَلِّ مِنْهُمَا كَمَالُ دِيَتِهِ) لِأَنَّهُ قَطَعَ أُذُنًا فِيهَا جَمَالُهَا وَنَفْعُهَا كَالصَّحِيحَةِ وَكَمَا لَوْ قَطَعَ عَيْنًا عَمْشَاءَ، أَوْ حَوْلَاءَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَطَعَ الْأَنْفَ إِلَّا جِلْدَةً بَقِيَ مُعَلَّقًا بِهَا، فَلَمْ يَلْتَحِمْ وَاحْتِيجَ إِلَى قَطْعِ الْجِلْدَةِ فَفِيهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ رَدَّهُ، فَالْتَحَمَ فَحُكُومَةٌ، وَإِنْ أَبَانَهُ فَرَدَّهُ، فَالْتَحَمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ حُكُومَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دِيَتُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَلْتَحِمْ (وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَنْفِ الْأَخْشَمِ)

وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَذَهَبَ شَمُّهُ، أَوْ أُذُنَيْهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَجَبَتْ دِيَتَانِ.
وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ إِذَا أَذْهَبَهَا بِمَنَافِعِهَا لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.

فَصْلٌ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَهِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ.
وَكَذَلِكَ

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ لَا عَيْبَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْعَيْبُ فِي غَيْرِهِ (وَالْمَخْرُومِ) لِأَنَّ أَنْفَهُ كَامِلٌ غَيْرَ أَنَّهُ مَعِيبٌ كَالْعُضْوِ الْمَرِيضِ (وأُذُنَيِ الْأَصَمِّ) لِأَنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " إِذَا قُلْنَا: يُؤْخَذُ بِهِ السَّالِمُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ، وَإِلَّا فَفِيهِ حُكُومَةٌ (وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَذَهَبَ شَمُّهُ) لَزِمَهُ دِيَتَانِ ; لِأَنَّ الشَّمَّ مِنْ غَيْرِ الْأَنْفِ، فَلَا تُدْخَلُ دِيَةُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ (أَوْ أُذُنَيْهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَجَبَتْ دِيَتَانِ) لِأَنَّ السَّمْعَ مِنْ غَيْرِ الْأُذُنِ، فَهُوَ كَالْبَصَرِ مَعَ الْأَجْفَانِ، وَالنُّطْقِ مَعَ الشَّفَتَيْنِ، فَلَوْ ذَهَبَ شَمُّ أَحَدِهِمَا فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي بَعْضِهِ حُكُومَةٌ (وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ) كَالْعَيْنَيْنِ، وَنَحْوِهِمَا (إِذَا أَذْهَبَهَا بِمَنَافِعِهَا لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ نَفْعَهَا فِيهَا، وَهُوَ تَابِعٌ لَهَا يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ، فَوَجَبَتْ دِيَةُ الْعُضْوِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ لَمْ تَجِبْ دِيَتُهُ.

[فَصْلٌ: دِيَةُ الْمَنَافِعِ]

[دِيَةُ ذَهَابِ الْمَنَافِعِ أَوْ نُقْصَانِهَا]

فَصْلٌ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ كَالْعَيْنَيْنِ، وَنَحْوِهِمَا - شَرَعَ يَتَكَلَّمُ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ، وَهِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَنَحْوُهُمَا (وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) كَذَا عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ، يُقَالُ: حَسَّ وَأَحَسَّ، أَيْ: عَلِمَ وَأَيْقَنَ، وَبِأَلِفٍ أَفْصَحُ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ قَوْلُهُمُ: الْحَاسَّةُ، وَالْحَوَاسُّ الْخَمْسُ عَلَى اللُّغَةِ الْقَلِيلَةِ، وَالْأَشْهَرُ فِي حَسَّ بِلَا أَلِفٍ بِمَعْنَى قَتَلَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَوَاسُّ الْمَشَاعِرُ الْخَمْسُ: السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ.
(وَهِيَ السَّمْعُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَفِي السَّمْعِ

تَجِبُ فِي الْكَلَامِ وَالْعَقْلِ وَالْمَشْيِ وَالْأَكْلِ وَالنِّكَاحِ وَتَجِبُ فِي الْحَدَبِ، وَالصَّعَرِ،

[المبدع في شرح المقنع]

الدِّيَةُ» وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي رَجُلٍ رَمَى آخَرَ بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَنِكَاحُهُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَالرَّجُلُ حَيٌّ.
رَوَاهُ أَبُو الْمُهَلَّبِ، وَلِأَنَّهَا حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِنَفْعٍ، فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ كَالْبَصَرِ، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَجَبَ نِصْفُهَا كَالْبَصَرِ (وَالْبَصَرُ) مِنَ الْعَيْنَيْنِ الْمُبْصِرَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إِجْمَاعًا (وَالشَّمُّ) لِأَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَلِأَنَّهُ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ كَسَائِرِ الْحَوَاسِّ (وَالذَّوْقُ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُعَظَّمُ ; لِأَنَّ الذَّوْقَ حَاسَّةٌ، أَشْبَهَ الشَّمَّ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْحُكُومَةُ.
صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّ لِسَانَ الْأَخْرَسِ لَا دِيَةَ فِيهِ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ فِي ذَهَابِ الذَّوْقِ بِمُفْرَدِهِ ; لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِيهِ بِمَنْفَعَتِهِ، لَا تَكْمُلُ فِي مَنْفَعَتِهِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (وَكَذَلِكَ تَجِبُ فِي الْكَلَامِ) لِأَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّقَتِ الدِّيَةُ بِإِتْلَافِهِ تَعَلَّقَتْ بِإِتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ كَالْيَدِ (وَالْعَقْلِ) بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ مَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْمَعَانِي قَدْرًا وَأَعْظَمُ الْحَوَاسِّ نَفْعًا، فَإِنَّهُ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنِ الْبَهِيمَةِ، وَيَعْرِفُ بِهِ صِحَّةَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ، وَيَهْتَدِي بِهِ إِلَى الْمَصَالِحِ، وَيَدْخُلُ بِهِ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَاتِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ.
فَرْعٌ: إِذَا نَقَصَ نَقْصًا مَعْلُومًا وَجَبَ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ قَدْرُهُ فَحُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ الْمُذْهِبَةُ لِلْعَقْلِ - وَلَهَا أَرْشٌ كَالْمُوضِحَةِ - وَجَبَتِ الدِّيَةُ وَأَرْشُ الْجُرْحِ، وَلَا تَدْخُلُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ الْمُذْهِبَةِ لَهُ فِي دِيَتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ (وَالْمَشْيِ) لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مَقْصُودَةٌ، أَشْبَهَ الْكَلَامَ (وَالْأَكْلِ) لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ كَالشَّمِّ (وَالنِّكَاحِ) أَيْ: إِذَا كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ نِكَاحُهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ; لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ، أَشْبَهَ ذَهَابَ الْمَشْيِ (وَتَجِبُ فِي الْحَدَبِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ

وَهُوَ أَنْ يَضْرِبَهُ فَيَصِيرُ الْوَجْهُ فِي جَانِبٍ، وَفِي تَسْوِيدِ الْوَجْهِ إِذَا لَمْ يُزَلْ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكِ الْغَائِطَ أَوِ الْبَوْلَ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وَفِي نَقْصِ شَيْءٍ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

مَصْدَرُ حَدِبَ بِكَسْرِ الدَّالِ إِذَا صَارَ أَحْدَبَ ; لِأَنَّ بِذَلِكَ تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ، وَالْجَمَالُ ; لِأَنَّ انْتِصَابَ الْقَامَةِ مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ، وَبِهِ يَشْرُفُ الْآدَمِيُّ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْكَلَامِ وَمَا بَعْدَهُ هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَخَالَفَ فِيهِ الْقَاضِي وَغَيْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ (وَالصَّعَرِ، وَهُوَ أَنْ يَضْرِبَهُ فَيَصِيرُ الْوَجْهُ فِي جَانِبٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَصْلُ الصَّعَرِ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فِي عُنُقِهِ فَيَلْتَوِي مِنْهُ عُنُقُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18] أَيْ: لَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ بِوَجْهِكَ تَكَبُّرًا، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ، رَوَاهُ مَكْحُولٌ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَوَجَبَ فِيهِ دِيَتُهُ كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ، وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " التَّرْغِيبِ ": أَوْ لَا يَبْلَعُ رِيقَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ ; لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ لَيْسَ لَهَا مِثْلٌ فِي الْبَدَنِ (وَفِي تَسْوِيدِ الْوَجْهِ إِذَا لَمْ يُزَلْ) لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ فَضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَيِ الْأَصَمِّ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا صَفَّرَ وَجْهَهُ، أَوْ حَمَّرَهُ تَجِبُ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبِ الْجَمَالُ عَلَى الْكَمَالِ، وَفِي " الْمُبْهِجِ "، وَ " التَّرْغِيبِ " إِذَا أَزَالَ لَوْنَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ (وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكِ الْغَائِطَ، أَوِ الْبَوْلَ) بِأَنْ ضَرَبَ بَطْنَهُ، فَلَمْ يَسْتَمْسِكِ الْغَائِطَ، أَوِ الْمَثَانَةَ فَلَمْ يَسْتَمْسِكِ الْبَوْلَ (فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّ أَبَا مُوسَى ذَكَرَ فِي الْمَثَانَةِ رِوَايَةَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، كَإِفْضَاءِ الْمَرْأَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ عُضْوٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهَا، فَإِنَّ نَفْعَ الْمَثَانَةِ حَبْسُ الْبَوْلِ، وَحَبْسُ الْبَطْنِ الْغَائِطَ مَنْفَعَةٌ مِثْلُهَا، وَالضَّرَرُ بِفَوَاتِهِمَا عَظِيمٌ، فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الدِّيَةُ كَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، فَإِنْ فَاتَتِ الْمَنْفَعَتَانِ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ دِيَتَانِ.

ذَلِكَ إِنْ عُلِمَ بِقَدْرِهِ مِثْلُ نَقْصِ الْعَقْلِ بِأَنْ يُجَنَّ يَوْمًا وَيُفِيقَ يَوْمًا، أَوْ ذَهَابِ بَصَرِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، أَوْ سَمْعِ إِحْدَى الْأُذُنَيْنِ، وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ بِالْحِسَابِ يُقْسَمُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْسَمَ عَلَى الْحُرُوفِ الَّتِي لِلِّسَانِ فِيهَا عَمَلٌ دُونَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا جَنَى عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَلِسَانُهُ وَجَبَ أَرْبَعُ دِيَاتٍ لِقَضَاءِ عُمَرَ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَاتٍ، فَأَذْهَبَهَا، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَرْشُ الْجِرَاحِ، فَإِنَّ مَاتَ مِنَ الْجِنَايَةِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ دِيَاتِ الْمَنَافِعِ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ كَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ (وَفِي نَقْصِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِنْ عُلِمَ بِقَدْرِهِ) لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِي جَمِيعِ الشَّيْءِ وَجَبَ فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ كَإِتْلَافِ الْمَالِ (مِثْلُ نَقْصِ الْعَقْلِ بِأَنْ يُجَنَّ يَوْمًا وَيُفِيقَ يَوْمًا، أَوْ ذَهَابِ بَصَرِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، أَوْ سَمْعِ إِحْدَى الْأُذُنَيْنِ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ وَجَبَ بَعْضُهَا فِي بَعْضِهِ كَالْأَصَابِعِ، وَالْيَدَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: وَمَنْفَعَةُ الصَّوْتِ وَمَنْفَعَةُ الْبَطْشِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ الدِّيَةُ، وَفِي " الْفُنُونِ " لَوْ سَقَاهُ ذَرْقَ حَمَامٍ فَذَهَبَ صَوْتُهُ لَزِمَهُ حُكُومَةٌ (وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ بِالْحِسَابِ يُقْسَمُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا) سِوَى " لَا " فَإِنَّ مَخْرَجَهَا مَخْرَجُ اللَّامِ وَالْأَلِفِ، فَمَهْمَا نَقَصَ مِنَ الْحُرُوفِ نَقَصَ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ يَتِمُّ بِجَمِيعِهَا، فَالذَّاهِبُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِوَضُهُ مِنَ الدِّيَةِ كَقَدْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ، فَفِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ رُبُعُ سُبُعِ الدِّيَةِ، وَفِي الْحَرْفَيْنِ نِصْفُ سُبُعِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا خَفَّ عَلَى اللِّسَانِ أَوْ ثَقُلَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْمُقَدَّرُ لَمْ يَخْتَلِفْ لِاخْتِلَافِ قَدْرِهِ كَالْأَصَابِعِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْسَمَ عَلَى الْحُرُوفِ الَّتِي لِلِّسَانِ فِيهَا عَمَلٌ دُونَ الشَّفَوِيَّةِ كَالْبَاءِ، وَالْفَاءِ، وَالْمِيمِ) وَالْوَاوِ دُونَ حُرُوفِ الْحَلْقِ السِّتَّةِ، وَهِيَ: الْهَمْزَةُ، وَالْهَاءُ، وَالْحَاءُ، وَالْخَاءُ، وَالْعَيْنُ، وَالْغَيْنُ.
فَهَذِهِ عَشَرَةٌ، بَقِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَاللِّسَانُ تُقْسَمُ دِيَتُهُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِقَطْعِ اللِّسَانِ وَذَهَابِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَحْدَهَا مَعَ بَقَائِهِ، فَإِذَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِيهَا بِمُفْرَدِهَا وَجَبَتْ فِي بَعْضِهَا بِقِسْطِهِ مِنْهَا، وَفِي " الْكَافِي ": إِنَّ اللِّسَانَ لَا عَمَلَ لَهُ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يَنْطِقُ بِهَا اللِّسَانُ أَيْضًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا (وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ مِثْلُ أَنْ

الشَّفَوِيَّةِ كَالْبَاءِ، وَالْفَاءِ، وَالْمِيمِ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ، مِثْلُ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا، أَوْ نَقَصَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ حَصَلَ فِي كَلَامِهِ تَمْتَمَةٌ، أَوْ عَجَلَةٌ، أَوْ نَقَصَ مَشْيُهُ، أَوِ انْحَنَى قَلِيلًا، أَوْ تَقَلَّسَتْ شَفَتُهُ بَعْضَ التَّقَلُّسِ، أَوْ تَحَرَّكَتْ سِنُّهُ، أَوْ ذَهَبَ اللَّبَنُ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.

وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ بَعْضُ

[المبدع في شرح المقنع]

صَارَ مَدْهُوشًا) يَفْزَعُ مِمَّا لَا يُفْزَعُ مِنْهُ وَيَسْتَوْحِشُ إِذَا خَلَا (أَوْ نَقَصَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ) وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِي نَقْصِ بَصَرٍ، نَزِنُهُ بِالْمَسَافَةِ، فَلَوْ نَظَرَ الشَّخْصَ عَلَى مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، فَنَظَرَهُ عَلَى مِائَةٍ، فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": لَوْ لَطَمَهُ فَذَهَبَ بَعْضُ بَصَرِهِ، فَالدِّيَةُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ (أَوْ شَمُّهُ، أَوْ حَصَلَ فِي كَلَامِهِ تَمْتَمَةٌ، أَوْ عَجَلَةٌ) أَوْ صَارَ أَلْثَغَ (أَوْ نَقَصَ مَشْيُهُ، أَوِ انْحَنَى قَلِيلًا، أَوْ تَقَلَّسَتْ شَفَتُهُ بَعْضَ التَّقَلُّسِ، أَوْ تَحَرَّكَتْ سِنُّهُ، أَوْ ذَهَبَ اللَّبَنُ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ) لِمَا حَصَلَ مِنَ النَّقْصِ، وَالشَّيْنِ، وَلَمْ تَجِبِ الدِّيَةُ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بَاقِيَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ ذَهَبَ اللَّبَنُ فَالدِّيَةُ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جَانٍ آخَرُ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ، فَالدِّيَةُ كَامِلَةً كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى عَيْنِهِ جَانٍ فَعَمِشَتْ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ آخَرُ فَأَذْهَبَ بَصَرَهَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَذْهَبَ كَلَامَ الْأَلْثَغِ، فَإِنْ كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ ذَهَابِ لُثْغَتِهِ، فَفِيهِ بِقِسْطِ مَا ذَهَبَ مِنَ الْحُرُوفِ وَغَيْرُ الْمَأْيُوسِ كَصَغِيرٍ فِيهِ الدِّيَةُ، وَكَذَا كَبِيرٌ إِذَا أَمْكَنَ إِزَالَةُ لُثْغَتِهِ بِالتَّعْلِيمِ.
أَصْلٌ: إِذَا نَقَصَ ذَوْقُهُ نَقْصًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِأَنْ يُحْسِنَ الْمَذَاقَ الْخَمْسَ، وَهِيَ الْحَلَاوَةُ، وَالْحُمُوضَةُ، وَالْمَرَارَةُ، وَالْمُلُوحَةُ، وَالْعُذُوبَةُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ عَلَى الْكَمَالِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ كَنَقْصِ بَصَرِهِ نَقْصًا لَا يَتَقَدَّرُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدَهَا وَأَدْرَكَ الْبَاقِيَ فَفِيهِ خُمُسُ الدِّيَةِ، وَفِي اثْنَيْنِ خُمُسَاهَا، وَفِي ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ وَاحِدَةً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ إِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فِيهِ وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ.

[دِيَةُ قَطْعِ جُزْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ]

(وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا) أَيْ: تَجِبُ دِيَةُ الْأَكْثَرِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ رُبُعَ لِسَانِهِ فَيَذْهَبُ رُبُعُ كَلَامِهِ وَجَبَ رُبُعُ الدِّيَةِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَلَعَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَذَهَبَ بَصَرُهَا (فَلَوْ ذَهَبَ رُبُعُ اللِّسَانِ وَنِصْفُ الْكَلَامِ، أَوْ رُبُعُ الْكَلَامِ وَنِصْفُ اللِّسَانِ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ مُنْفَرِدًا، فَإِذَا انْفَرَدَ نِصْفُهُ بِالذَّهَابِ وَجَبَ

الْكَلَامِ اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا، فَلَوْ ذَهَبَ رُبُعُ اللِّسَانِ وَنِصْفُ الْكَلَامِ، أَوْ رُبُعُ الْكَلَامِ وَنِصْفُ اللِّسَانِ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنْ قَطَعَ رُبُعَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ نصف نِصْفُ الْكَلَامِ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحُكُومَةٌ لِرُبُعِ اللِّسَانِ.
وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ

[المبدع في شرح المقنع]

النِّصْفُ ; لِأَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ نِصْفُ اللِّسَانِ فَقَطْ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَا عَكْسُهُ (فَإِنْ قَطَعَ رُبُعَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُ أَذْهَبَ بِجِنَايَتِهِ نِصْفَ الْكَلَامِ (وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُهَا) وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ السَّالِمَ نِصْفُ اللِّسَانِ، وَبَاقِيهِ أَشَلُّ بِدَلِيلِ ذَهَابِ نِصْفِ الْكَلَامِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الثَّانِي (نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحُكُومَةٌ لِرُبُعِ اللِّسَانِ) هَذَا وَجْهٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ أَشَلَّ كَانَ فِيهِ حُكُومَةٌ، فَكَذَا فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَوَّلًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ بَعْضَهُ أَشَلُّ ; لِأَنَّ الْعُضْوَ شَيْءٌ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ أَشَلَّ كَضَعْفِ بَصَرِ الْعَيْنِ وَبَطْشِ الْيَدِ، فَلَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبُعُ كَلَامِهِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنْ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ، فَلَوْ ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَلَامٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، فَمَعَ قَطْعِ نِصْفِهِ أَوْلَى، وَقِيلَ: النِّصْفُ فَقَطْ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَى عَلَى لِسَانِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ مِثْلَ جِنَايَتِهِ فَذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْجَانِي مِثْلُ جِنَايَتِهِ وَذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْجَانِي كَذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَإِنْ ذَهَبَ أَقَلُّ فَلِلْمُقْتَصِّ دِيَةُ مَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ، وَلَوْ كَانَ اللِّسَانُ ذَا طَرَفَيْنِ فَقُطِعَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنَ الْكَلَامِ شَيْءٌ، وَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْخِلْقَةِ فَهُمَا كَلِسَانٍ مَشْقُوقٍ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا

نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ، وَإِنْ ذَهَبَا مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ فَفِيهِ دِيَتَانِ.
وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَنِكَاحُهُ فَفِيهِ دِيَتَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.

وَإِنِ اخْتَلَفَا

[المبدع في شرح المقنع]

تَامَّ الْخِلْقَةِ، وَالْآخَرُ نَاقِصٌ، فَالتَّامُّ فِيهِ الدِّيَةُ، وَالنَّاقِصُ زَائِدٌ، فِيهِ حُكُومَةٌ (وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ) أَوْ كَانَ أَخْرَسَ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَسَبَقَهُمَا إِلَى ذَلِكَ " الْمُحَرَّرُ " (لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةً) وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُمَا ذَهَبَا تَبَعًا فَوَجَبَ دِيَتُهُ دُونَ دِيَتِهِمَا كَمَا لَوْ قَتَلَ إِنْسَانًا، فَلَوْ عَادَ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ تَجِبْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ، وَلَوْ ذَهَبَ لَمْ يَعُدْ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا رَدَّهَا، وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ، ثُمَّ عَادَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: حُكُومَةٌ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يَجِبُ أَرْشُ الْقَطْعِ، فَإِنْ قَطَعَهُ قَاطِعٌ فَالْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْضَحَهُ، فَانْدَمَلَتْ، ثُمَّ أَوْضَحَهُ آخَرُ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، بَلْ تَجِبُ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّ الْجِلْدَ لَا يَعُودُ، بِخِلَافِ اللِّسَانِ، فَإِنْ نَقَصَ صُورَةً أَوْ مَعْنًى وَجَبَ أَرْشُهُ (وَإِنْ ذَهَبَا مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ فَفِيهِ دِيَتَانِ) عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُ الْإِنْسَانِ مَعَ بَقَائِهِ، فَعَلَى هَذَا فِي كُلِّ مَنْفَعَةٍ دِيَةٌ، وَعَنْهُ: تَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
فَرْعٌ: إِذَا قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ كَلَامُهُ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ فَعَادَ كَلَامُهُ لَمْ يَجِبْ رَدُّ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ بِاللِّسَانِ قَدْ ذَهَبَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى اللِّسَانِ، وَإِنَّمَا عَادَ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ (وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَنِكَاحُهُ فَفِيهِ دِيَتَانِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةً مُنْفَرِدًا، فَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَا وَكَذَهَابِ شَمٍّ، أَوْ سَمْعٍ بِقَطْعِ أَنْفِهِ، أَوْ أُذُنِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) هَذَا رِوَايَةٌ ; لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَةُ عُضْوٍ كَبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ الذَّاهِبَةِ بِنَفْعِهَا، فَلَوْ ضَعُفَ الْمَشْيُ وَالْجِمَاعُ، أَوْ نَقَصَ فَحُكُومَةٌ.
فَرْعٌ: إِذَا كَسَرَ صُلْبَهُ فَجُبِرَ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ فَحُكُومَةٌ لِلْكَسْرِ، وَإِنِ احْدَوْدَبَ فَحُكُومَةٌ لَهُمَا، وَإِنْ ذَهَبَ مَاؤُهُ، أَوْ إِحْبَالُهُ، فَالدِّيَةُ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَكَذَا فِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ ذَهَبَ نَسْلُهُ فَالدِّيَةُ، وَفِي " الْمُغْنِي " فِي ذَهَابِ مَائِهِ احْتِمَالَانِ.

[اخْتِلَافُ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ]

(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نَقْصِ

فِي نَقْصِ بَصَرِهِ، أَوْ سَمْعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ، أُرِيَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ به، وَقُرِّبَ الشَّيْءُ إِلَى عَيْنِهِ فِي وَقْتِ غَفْلَتِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ، أَوْ شَمِّهِ، أَوْ ذَوْقِهِ صِيحَ بِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ، وَتُتُبِّعَ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ، وَأُطْعِمَ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ، فَإِنْ فَزِعَ مِمَّا يَدْنُو مِنْ بَصَرِهِ، أَوِ انْزَعَجَ لِلصَّوْتِ، أَوْ عَبَسَ لِلرَّائِحَةِ، أَوِ الطَّعْمِ الْمُرِّ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ.
وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

فَصْلٌ وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ، وَلَا دِيَةُ سِنٍّ، وَلَا ظُفُرٍ، وَلَا مَنْفَعَةٍ حَتَّى

[المبدع في شرح المقنع]

بَصَرِهِ، أَوْ سَمْعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَقَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ وَتَجِبُ بِقَدْرِ نَقْصِهِ، وَقِيلَ: حُكُومَةٌ كَمَا لَوْ جَهِلَ قَدْرَ نَقْصِهِ، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إِنَّهُ يُرْجَى عَوْدُهُ إِلَى مُدَّةٍ، انْتَظَرَ إِلَيْهَا (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ أُرِيَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ به) بِأَنْ يُمْتَحَنَ فِي ذَلِكَ (وَقُرِّبَ الشَّيْءُ إِلَى عَيْنِهِ فِي وَقْتِ غَفْلَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِنْهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ كَالْبَيِّنَةِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ، أَوْ شَمِّهِ، أَوْ ذَوْقِهِ صِيحَ بِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ، وَتُتُبِّعَ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ وَأُطْعِمَ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ، فَإِنْ فَزِعَ مِمَّا يَدْنُو مِنْ بَصَرِهِ، أَوِ انْزَعَجَ لِلصَّوْتِ، أَوْ عَبَسَ لِلرَّائِحَةِ، أَوِ الطَّعْمِ الْمُرِّ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْجَانِي ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَيَحْلِفُ لِئَلَّا يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ أَمَارَاتِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ (مَعَ يَمِينِهِ) لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ تَحَفُّظِهِ وَمَتَى حُكِمَ لَهُ بِالدِّيَةِ، ثُمَّ انْزَعَجَ عِنْدَ صَوْتٍ، أَوْ غَطَّى أَنْفَهُ عِنْدَ رَائِحَةٍ مُنْتِنَةٍ فَطُولِبَ بِالدِّيَةِ فَادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا قُبِلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالِاحْتِمَالِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ يُعْلَمُ صِحَّةُ سَمْعِهِ وَشَمِّهِ رَدَّ مَا أَخَذَ ; لِأَنَّا تَبَيَّنَّا كَذِبَهُ، فَإِنِ ادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ وُلِدَ أَبْكَمَ، وَلَا بَيِّنَةَ تُكَذِّبُهُ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَقِيلَ: تُرَدُّ كَمَا لَوْ وُلِدَ نَاطِقًا، ثُمَّ خُرِسَ.

[فَصْلٌ: لَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ]

فَصْلٌ (وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ) لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَقَتْلٌ هُوَ أَمْ لَيْسَ بِقَتْلٍ؟ فَيُنْتَظَرُ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ، وَمَا الْوَاجِبُ فِيهِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِيفَاءُ فِي الْعَمْدِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَكَذَا

يُيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا، وَلَوْ قُلِعَ سِنٌّ كَبِيرٌ، أَوْ ظُفُرٌ، ثُمَّ نَبَتَتْ، أَوْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ، أَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ، أَوْ عَقْلُهُ، ثُمَّ عَادَ سَقَطَتْ دِيَتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا، وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا، أَوْ عَادَتِ السِّنُّ، أَوِ الظُّفُرُ قَصِيرًا، أَوْ مُتَغَيِّرًا فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ، وَإِنْ قُلِعَ سِنٌّ صَغِيرٌ وَيُئِسَ مِنْ عَوْدِهَا وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا

[المبدع في شرح المقنع]

فِي الْخَطَأِ (وَلَا) تَجِبُ (دِيَةُ سِنٍّ، وَلَا ظُفُرٍ، وَلَا مَنْفَعَةٍ حَتَّى يُيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا) لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَمَلُ الْعَوْدُ، فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مَعَ الِاحْتِمَالِ كَالشَّعْرِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ: إِنَّهَا لَا تَعُودُ أَبَدًا، لَكِنْ إِنْ مَاتَ قَبْلَهُ وَجَبَتْ (وَلَوْ قُلِعَ سَنٌّ كَبِيرٌ، أَوْ ظُفُرٌ، ثُمَّ نَبَتَتْ، أَوْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ) لَمْ تَجِبْ دِيَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي السِّنِّ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَالظُّفُرُ فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَجِبُ دِيَتُهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِيهَا حُكُومَةٌ إِنْ نَقَصَتْ، أَوْ ضَعُفَتْ، وَإِنْ قَلَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَعَلَى الثَّانِي: نَبْنِي حُكْمَهَا عَلَى وُجُوبِ قَلْعِهَا، فَإِذَا قَبِلَ بِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى قَالِعِهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِهِ فَاحْتِمَالَانِ، فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهَا سِنًّا أُخْرَى، أَوْ عَظْمًا فَنَبَتَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا وَجْهًا وَاحِدًا كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَكَانَهَا شَيْئًا، وَإِنْ قُلِعَتِ الثَّانِيَةُ فَحُكُومَةٌ فِي الْأَشْهَرِ (أَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ، أَوْ عَقْلُهُ، ثُمَّ عَادَ سَقَطَتْ دِيَتُهُ) لِزَوَالِ سَبَبِهَا (وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا، أَوْ عَادَتِ السِّنُّ، أَوِ الظُّفُرُ قَصِيرًا، أَوْ مُتَغَيِّرًا فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ) خَاصَّةً.
نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ كَمَا لَوْ نَقَّصَهُ مَعَ بَقَائِهِ (وَإِنْ قُلِعَ سِنٌّ صَغِيرٌ وَيُئِسَ مِنْ عَوْدِهَا) وَحَدُّ الْإِيَاسِ سَنَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ فِي نَبَاتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا سَقَطَتْ أَخَوَاتُهَا، وَلَمْ تَنْبُتْ (وَجَبَتْ دِيَتُهَا) لِأَنَّهُ أَذْهَبَهَا بِجِنَايَتِهِ إِذْهَابًا مُسْتَمِرًّا كَسِنِّ الْكَبِيرِ (وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا حُكُومَةٌ) لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُهَا، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهَا كَالشَّعْرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الشَّعْرَ لَوْ لَمْ يَعُدْ وَجَبَ دِيَتُهُ مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُهُ (وَعَنْهُ: فِي قَلْعِ الظُّفُرِ إِذَا نَبَتَ عَلَى صِفَتِهِ فَفِيهِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ نَبَتَ أَسْوَدَ فَفِيهِ عَشَرَةٌ) إِذِ التَّقْدِيرَاتُ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ تَوْقِيفًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ إِذَا عَادَ عَلَى صِفَتِهِ، وَإِنْ نَبَتَ مُتَغَيِّرًا

حُكُومَةٌ، وَعَنْهُ: فِي قَلْعِ الظُّفُرِ إِذَا نَبَتَ عَلَى صِفَتِهِ فَفِيهِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ نَبَتَ أَسْوَدَ فَفِيهِ عَشَرَةٌ، وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ مَا أَذْهَبَهُ فَأَنْكَرَهُ الْوَلِيُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

فَصْلٌ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَفِي كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا، وَفِي كُلِّ هُدْبٍ رُبُعُهَا، وَفِي

[المبدع في شرح المقنع]

فَفِيهِ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِيهَا فِي كُلِّ الْجُرُوحِ، خُولِفَ ذَلِكَ فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ (وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ مَا أَذْهَبَهُ) فِي نَقْصِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ (فَأَنْكَرَهُ الْوَلِيُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَوْدِ (وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ادَّعَى نَقْصَ سَمْعِهِ.

[فَصْلٌ: الدِّيَةُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ أَوِ الْحَاجِبَيْنِ أَوِ الْأَهْدَابِ]

فَصْلٌ (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدٍ أَنَّهُمَا قَالَا: فِي الشَّعْرِ الدِّيَةُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَعَنْهُ: فِيهِ حُكُومَةٌ كَالشَّارِبِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُهُمْ، لأنه إِتْلَافُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ فَوَجَبَ فِيهِ دِيَةٌ كَأُذُنِ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ، وَالْحَاجِبُ يَرُدُّ الْعَرَقَ عَنِ الْعَيْنِ وَيُفَرِّقُهُ، وَهُدْبُ الْعَيْنِ يَرُدُّ عَنْهَا وَيَصُونُهَا فَجَرَى مَجْرَى أَجْفَانِهَا، وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ لَيْسَ جَمَالُهَا كَامِلًا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ كَوْنِهَا كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً، جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ; لِأَنَّ سَائِرَ مَا فِيهِ الدِّيَةُ مِنَ الْأَعْضَاءِ لَا يُفَرَّقُ الْحَالُ فِيهِ بِذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَفِي كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا) كَالْيَدَيْنِ (وَفِي كُلِّ هُدْبٍ رَبُعُهَا) كَالْأَجْفَانِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ فِيهِ أَرْبَعَةٌ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَطَرَدَهُ الْقَاضِي فِي جِلْدَةِ وَجْهٍ (وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ) يُقَدَّرُ بِالْمِسَاحَةِ كَالْأُذُنَيْنِ، وَمَارِنِ الْأَنْفِ،

بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ دِيَتُهُ إِذَا أَزَالَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ، فَإِنْ عَادَ سَقَطَتِ الدِّيَةُ، وَإِذَا أَبْقَى مِنْ لِحْيَتِهِ مَا لَا جَمَالَ فِيهِ احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قَلَعَ الْجَفْنَ بِهُدْبِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْجَفْنِ، وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَسْنَانِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْأَصَابِعِ، وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابِعِ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا: تَجِبُ حُكُومَةٌ (وَإِنَّمَا تَجِبُ دِيَتُهُ إِذَا أَزَالَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ) لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَوْدِ يَمْنَعُ مِنَ الْوُجُوبِ كَالسِّنِّ الصَّغِيرِ (فَإِنْ عَادَ) بِصِفَتِهِ (سَقَطَتِ الدِّيَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ كَالسِّنِّ (وَإِذَا أَبْقَى مِنْ لِحْيَتِهِ) أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الشُّعُورِ (مَا لَا جَمَالَ فِيهِ احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوْ أَبْقَى مِنْ أُذُنِهِ يَسِيرًا (وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْمَقْصُودَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذْهَبَ ضَوْءَ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُ رُبَّمَا أَحْوَجَتْ إِلَى ذَهَابِ الْبَاقِي لِزِيَادَته فِي الْقُبْحِ عَلَى ذَهَابِ الْكُلِّ، فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ سَبَبًا لِذَهَابِ الْكُلِّ، وَقِيلَ: تَجِبُ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنَ الشُّعُورِ ; لِأَنَّ إِتْلَافَهَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَحَلِّهَا، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ، وَلَا يُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهَا، فَلَا تَجِبُ (وَإِنْ قَلَعَ الْجَفْنَ بِهُدْبِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْجَفْنِ) لِأَنَّ الشُّعُورَ تَزُولُ تَبَعًا كَالْأَصَابِعِ إِذَا قَطَعَ الْكَفَّ، وَهِيَ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَسْنَانِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ) أَيْ: عَلَيْهِ دِيَةُ الْكُلِّ، وَلَمْ تَدْخُلْ دِيَةُ الْأَسْنَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ كَمَا تَدْخُلُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ فِي الْيَدِ لِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّ الْأَسْنَانَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِاللَّحْيَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُفْرَدَةٌ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ.
ثَانِيهَا: أَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ عَنِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّحْيَيْنِ يُوجَدَانِ مُنْفَرِدَيْنِ عَنِ الْأَسْنَانِ لِوُجُودِهِمَا قَبْلَ وُجُودِ الْأَسْنَانِ وَيَبْقَيَانِ بَعْدَ قَلْعِهَا، بِخِلَافِ الْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِعِ.
(وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْأَصَابِعِ) لِدُخُولِ الْجَمِيعِ فِي مُسَمَّى الْيَدِ، وَكَمَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرًا بِحَشَفَتِهِ لَمْ تَجِبْ دِيَةُ الْحَشَفَةِ لِدُخُولِهَا فِي مُسَمَّى الذَّكَرِ، وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي سُقُوطَ مَا يَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الْكَفِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ: لَمْ

فِي دِيَتِهَا وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِي الْكَفِّ.
وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفُرِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَتُهَا.

فَصْلٌ وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُمَاثِلَةً

[المبدع في شرح المقنع]

تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْيَدِ (وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابِعِ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ فِي دِيَتِهَا) لِأَنَّ حُصُولَ الْكُلِّ فِي الْيَدِ يَقْتَضِي دُخُولَ الْبَعْضِ (وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِي الْكَفِّ) لِأَنَّ الْأَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً كُلَّهَا لَدَخَلَ أَرْشُ الْكَفِّ كُلِّهِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَكَذَا مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ السَّالِمَةَ يَدْخُلُ فِي دِيَتِهَا، وَمَا حَاذَى الْمَقْطُوعَاتِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي دِيَتِهِ فَوَجَبَ أَرْشُهُ كَمَا لَوْ كَانَتِ الْأَصَابِعُ كُلُّهَا مَقْطُوعَةً، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْيَدِ كَامِلَةً يُنْقَصُ مِنْهَا دِيَةُ الْأَصَابِعِ الْمَعْدُومَةِ (وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفُرِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَتُهَا) كَمَا لَوْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَطَعَ كَفًّا بِلَا أَصَابِعَ وَذِرَاعًا بِلَا كَفٍّ فَثُلُثُ دِيَتِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: كَعَيْنٍ قَائِمَةٍ، وَعَنْهُ: حُكُومَةٌ، ذَكَرَهُمَا فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْعَضُدُ وَمَفْصِلُ الرِّجْلِ.

[فَصْلٌ: دِيَةُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ]

فَصْلٌ (وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ مَعَ نَظِيرِهِ ضُمِنَ مَعَ ذَهَابِهِ كَالْأُذُنِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَابْنَ عُمَرَ قَضَوْا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ بِالدِّيَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَأَخَذَ بِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ الْبَعِيدَةِ وَإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ اللَّطِيفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَكَكَمَالِ قِيمَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ الْأَعْوَرِ، لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ فِي ذَهَابِ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِعَدَمِ نُقْصَانِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ فِي دِيَةِ الْعَيْنَيْنِ نَقْصُ دِيَةِ الْبَاقِي، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَعُمِشَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ النَّقْصِ، وَلَا تَنْقُصُ دِيَتُهَا بِذَلِكَ، فَإِنْ قَلَعَهَا صَحِيحٌ عَمْدًا فَلَهُ نَظِيرَتُهَا مِنْهُ، وَأَخْذُ نِصْفِ الدِّيَةِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ مَعَ الْقَلْعِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": إِنْ قَلَعَهَا خَطَأً فَنِصْفُ الدِّيَةِ (وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ

لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ وَيُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَلَعَهَا خَطَأً فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ عَيْنِهِ - وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا - وَبَيْنَ الدِّيَةِ.
وَفِي يَدِ الْأَقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي رِجْلِهِ، وَعَنْهُ: فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

مُمَاثِلَةً لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ) قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، نَقَلَ مُهَنَّا: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ قَالُوا: الْأَعْوَرُ إِذَا فُقِئَتْ عَيْنُهُ لَهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إِذَا فَقَأَ عَيْنَ صَحِيحٍ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِخِلَافِهِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ، وَلِأَنَّهُ مَنَعْنَاهُ مِنْ إِتْلَافِ ضَوْءٍ، يَضْمَنُ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ وَكَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنَيْ سَلِيمٍ، ثُمَّ عَمِيَ، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ الْقِصَاصَ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ فَأُضْعِفَتِ الدِّيَةُ كَقَاتِلِ الذِّمِّيِّ عَمْدًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ) لِأَثَرٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ، وَكَقَتْلِ الرَّجُلِ بِامْرَأَةٍ وَالْأَشْهَرُ (يُعْطَى نِصْفُ الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَضَى فِي رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأَتَهُ يُقْتَلُ بِهَا، وَيُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ، وَخَرَّجَهُ فِي " التَّعْلِيقِ "، وَ " الِانْتِصَارِ " مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ (وَإِنْ قَلَعَهَا خَطَأً فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ يَجِبُ فِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَمَا لَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنًا لَا تُمَاثِلُ عَيْنَهُ الصَّحِيحَةَ (وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ عَيْنِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَبَيْنَ الدِّيَةِ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَضَاءِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ أَذْهَبَ بَصَرَهُ كُلَّهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ إِذْهَابِ بَصَرِهِ، وَإِنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنَيْنِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ لَهُ الْقِصَاصَ وَنِصْفَ الدِّيَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ دِيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: فِي الْعَيْنِ الَّتِي اسْتُحِقَّ بِهَا قَلْعُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ، وَالْأُخْرَى: فِي الْأُخْرَى عَيْنُ الْأَعْوَرِ، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» كَمَا لَوْ كَانَ الْقَالِعُ صَحِيحًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَطَأً فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الدِّيَةُ كَمَا لَوْ قَلَعَهُمَا صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ (وَفِي يَدِ الْأَقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي رِجْلِهِ) إِذَا أُزِيلَتْ عَمْدًا ; لِأَنَّ فِيهِمَا دِيَةً وَاحِدَةً، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا كَمَا لَوْ قَلَعَ أُذُنَ مَنْ لَهُ أُذُنٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحْصُلُ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ، لَا يَقُومُ مَقَامَ

بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ، الشَّجَّةُ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً، وَهِيَ عَشْرٌ، خَمْسٌ لَا مِقْدَارَ فِيهَا، أَوَّلُهَا: الْحَارِصَةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَلِيلًا وَلَا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ الَّتِي بَيْنَهَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْعُضْوَيْنِ، وَكَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ الْقَوَدَ فَلَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عُضْوٌ أَمْكَنَ الْقَوَدُ فِي مِثْلِهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ (وَعَنْهُ: فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ) قِيَاسًا عَلَى عَيْنِ الْأَعْوَرِ، وَعَنْهُ: إِنْ ذَهَبَتِ الْأُولَى هَدَرًا فَفِي الثَّانِيَةِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِلَّا فَنِصْفُهَا ; لِأَنَّهُ عَطَّلَ مَنَافِعَهُ مِنَ الْعُضْوَيْنِ جُمْلَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ عَيْنَ أَعْوَرٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ ذَهَبَتْ بِحَدٍّ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَهَبَتْ بِجِهَادٍ فَرِوَايَتَانِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى عَيْنِ الْأَعْوَرِ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْأَحْكَامِ إِلَّا اخْتِلَافًا يَسِيرًا، بِخِلَافِ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا، فَلَوْ قَطَعَ يَدَ صَحِيحٍ قُطِعَتْ يَدُهُ.

[بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ]

[الشِّجَاجُ الَّتِي لَا مُقَدَّرَ فِيهَا]

بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ (الشَّجَّةُ) وَاحِدَةُ الشِّجَاجِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَهِيَ (اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً) وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ، (وَهِيَ عَشْرٌ، خَمْسٌ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا.
(أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ) بِالْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَلِيلًا وَلَا تُدْمِيهِ) وَمِنْهُ: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إِذَا شَقَّهُ قَلِيلًا، وَهِيَ الْقَاشِرَةُ وَالْمُقَشِّرَةُ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ تَبَعًا لِلْقَاضِي: وَتُسَمَّى الْمِلْطَا (ثُمَّ الْبَازِلَةُ) وَهِيَ (الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ) وَتُسَمَّى الدَّامِيَةَ وَالدَّامِعَةَ ; لِقِلَّةِ سَيَلَانِ دَمِهَا، تَشْبِيهًا لَهَا بِخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنَ الْعَيْنِ، وَقُدِّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّ الْبَازِلَةَ مَا سَالَ دَمُهَا ; لِأَنَّهَا تَنْضَحُ اللَّحْمَ وَتَقْطَعُ فِيهِ عُرُوقًا، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُدْمِي وَلَا تَشُقُّ اللَّحْمَ (ثُمَّ الْبَاضِعَةُ) وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ وَابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى

وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكُومَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ: فِي الْبَازِلَةِ بَعِيرٌ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةٌ.

فَصْلٌ وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ، أَوَّلُهَا الْمُوَضِّحَةُ الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ، أَيْ: تُبْرِزُهُ، وَفِيهَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْبَازِلَةِ، وَهِيَ (الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ) أَيْ: تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، وَقِيلَ: وَلَمْ يَسِلْ دَمُهَا (ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ) وَهِيَ (الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ) أَيْ: دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا كَثِيرًا، تَزِيدُ عَلَى الْبَاضِعَةِ (ثُمَّ السِّمْحَاقُ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ) فَوْقَ الْعَظْمِ تُسَمَّى الْقِشْرَةُ سِمْحَاقًا، فَسُمِّيَتِ الْجِرَاحُ الْوَاصِلَةُ إِلَيْهَا بِهَا، وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمِلْطَا وَالْمِلْطَاةَ (فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكُومَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهَا الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهَا جِرَاحَاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا تَوْقِيتٌ مِنَ الشَّرْعِ، أَشْبَهَ جِرَاحَاتِ الْبَدَنِ، وَكَالْحَارِصَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ مِنَ الْمُوَضِّحَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُوَضِّحَةٌ إِلَى جَانِبِهَا قُدِّرَتْ هَذِهِ الْجِرَاحَاتُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ تُقَدَّرُ النِّصْفَ وَجَبَ نِصْفُ أَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ إِلَّا أَنْ تَزِيدَ الْحُكُومَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَكَانَ فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ مِنْ دِيَتِهِ كَالْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ، وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ لِجِرَاحَةِ الْبَدَنِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ، وَلَا نَعْلَمُ لِمَا ذَكَرُوهُ نَظِيرًا (وَعَنْهُ: فِي الْبَازِلَةِ بَعِيرٌ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةٌ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ زَيْدٍ، وَهَذِهِ نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ، وَقَالَ أَنَا أَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَقَدِ اعْتَمَدَ أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلِ زَيْدٍ فِي تَقْدِيرِ أَرْش

ِ الْهَاشِمَةِ

بِعَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَيْهِ هُنَا.

[الشِّجَاجُ الَّتِي فِيهَا مُقَدَّرٌ]

[الْمُوَضِّحَةُ]

فَصْلٌ (وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ) مِنَ الشَّرْعِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ (أَوَّلُهَا الْمُوَضِّحَةُ) وَالْجَمْعُ الْمَوَاضِحُ (الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ، أَيْ: تُبْرِزُهُ) وَلَوْ بِقَدْرِ إِبْرَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي، وَالْوَضِحُ: الْبَيَاضُ، يَعْنِي: أَنَّهَا أَبْدَتْ وَضَحَ الْعَظْمِ، أَيْ: بَيَاضَهُ (وَفِيهَا خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ)

خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ.
وَعَنْهُ: فِي مُوَضِّحَةِ الْوَجْهِ عَشْرَةٌ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ أَوْضَحَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

أَيْ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْمُوَضِّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَرْفُوعًا، قَالَ: «وَفِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مُوَضِّحَةُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُوَضِّحَةَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِلْعُمُومِ، وَيَشْمَلُ: الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ، وَالْبَارِزَةَ وَالْمُسْتَتِرَةَ بِالشَّعْرِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْمُوَضِّحَةِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ (وَعَنْهُ: فِي مُوَضِّحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ) مِنَ الْإِبِلِ، وَهِيَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; لِأَنَّها شَيْنَهَا أَكْثَرُ، وَمُوَضِّحَةُ الرَّأْسِ يَسْتُرُهَا الشَّعْرُ وَالْعِمَامَةُ (وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ) لِأَنَّهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلِأَنَّ مُوَضِّحَةَ الْوَجْهِ مُوَضِّحَةٌ فَكَانَ أَرْشُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ كَغَيْرِهَا، وَكَثْرَةُ السِّتْرِ لَا عِبْرَةَ بِهِ بِدَلِيلِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مُقَدَّرٌ فِي موضحة غير الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْمُوَضِّحَةِ إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِرَاحَةِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَقَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ: الْمُوَضِّحَةُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الشَّيْنَ فِيهِمَا أَكْثَرُ وَأَخْطَرُ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِمَا غَيْرُهُمَا (فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، أَحَدُهُمَا: وَاحِدَةٌ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِأَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي عُضْوَيْنِ، فَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ

مُوَضِّحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَا مُوَضِّحَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَهِيَ ثَلَاثُ مَوَاضِحَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَنْ خَرَقَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعِ امْرَأَةٍ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ عَادَ إِلَى عِشْرِينَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَاطِعِهَا،

[المبدع في شرح المقنع]

نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي الرَّأْسِ وَنَزَلَ إِلَى الْقَفَا، وَأَطْلَقَ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: إِذَا كَانَ بَعْضُهَا فِي الرَّأْسِ وَبَعْضُهَا فِي الْوَجْهِ وَإِنْ لَمْ تَعُمَّ الرَّأْسَ فِيهَا الْوَجْهَانِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ (وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوَضِّحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ مِنْ الإِبِلٍ) لِأَنَّهُمَا مُوَضِّحَتَانِ (فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا) صَارَا مُوَضِّحَةً وَاحِدَةً كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُلَّ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ يَبْقَى بَيْنَهُمَا (أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ) قَبْلَ الِانْدِمَالِ (صَارَا مُوَضِّحَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ لَهَا حُكْمُ أَصْلِ الْجِنَايَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَتْلَفَ مَا بَيْنَهُمَا بِنَفْسِهِ (وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ) أَيِ: الْمَجْرُوحُ (أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَهِيَ ثَلَاثُ مَوَاضِحَ) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَوَّلَتَيْنِ بِالِانْدِمَالِ، ثُمَّ لَزِمَتْهُ الثَّالِثَةُ بِالْخَرْقِ، فَإِنِ انْدَمَلَتْ إِحْدَاهُمَا وَزَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ أَوْ سِرَايَةِ الْأُخْرَى فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوَضِّحَتَيْنِ ; لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَالْفِعْلِ وَأَمَّا إِذَا خَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوَضِّحَتَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ، لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنَايَتِهِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَنْ خَرَقَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ سَبَبَ أَرْشِ مُوَضِّحَتَيْنِ قَدْ وُجِدَ وَالْجَانِي يَدَّعِي زَوَالَهُ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: يُصَدَّقُ مَنْ يُصَدِّقُهُ الظَّاهِرُ بِقُرْبِ زَمَنٍ وَبُعْدِهِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَالْمَجْرُوحُ، قَالَ: وَلَهُ أَرْشَانِ، وَفِي ثَالِثٍ وَجْهَانِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ مَا إِذَا أَوْضَحَهُ مُوَضِّحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، ثُمَّ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا (لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعِ امْرَأَةٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ عَادَ إِلَى عِشْرِينَ) لِأَنَّ جِرَاحَ الْمَرْأَةِ تُسَاوِي جِرَاحَ الرَّجُلِ إِلَى الثُّلْثِ، فَإِذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَاطِعِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ

فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ الْمُوَضِّحَتَيْنِ فِي الْبَاطِنِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ.

ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثْقَلٍ فَهَشَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَضِّحَهُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ،

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهِ) أَيْ: فِي بَقَاءِ الثُّلْثَيْنِ عَلَيْهِ (وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ الْمُوَضِّحَتَيْنِ فِي الْبَاطِنِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ أَرْشُ مُوَضِّحَتَيْنِ لِانْفِصَالِهِمَا فِي الظَّاهِرِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَرْشُ وَاحِدَةٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِاتِّصَالِهِمَا فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ أَوْضَحَهُ جَمَاعَةٌ مُوَضِّحَةً، فَهَلْ يُوَضِّحُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِهَا أَوْ يُوَزِّعُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ وَمَدَّ السِّكِّينَ إِلَى قَفَاهُ فَدِيَةُ مُوَضِّحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لَجُرْحِ الْقَفَا، وَيُرَاعَي نِسْبَةُ الْمُوَضِّحَةِ فِي الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، وَيَتَعَدَّدُ الْأَرْشُ بِتَعَدُّدِ مُوَضِّحَةٍ (وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ؟ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ) لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ الْجَمِيعَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوَضِّحَةٍ، فَلَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ فِي الْإِيضَاحِ فِي الْبَعْضِ وَشَجِّ الْبَاقِي - أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؟ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَذَا لَوْ شَجَّهُ شَجَّةً بَعْضُهَا هَاشِمَةٌ وَبَاقِيهَا دُونَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.

[الْهَاشِمَةُ]

(ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ) سُمِّيَتْ بِهِ لِهَشْمِهَا الْعَظْمَ (فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ) وَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ، وَلِأَنَّهَا شَجَّةٌ فَوْقَ الْمُوَضِّحَةِ، تَخْتَصُّ بِاسْمٍ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ كَالْمَأْمُومَةِ (فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَضِّحَهُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ كَسْرُ عَظْمٍ لَا جُرْحَ مَعَهُ، أَشْبَهَ قَصَبَةَ الْأَنْفِ (وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ

وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ.

ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، فَفِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْإِبِلِ.

ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ آمَّةً، فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.

ثُمَّ الدَّامِعَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ، فَفِيهَا مَا فِي الْمَأْمُومَةِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْإِبِلِ) لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ وَهَشَمَ لَوَجَبَ عَشْرٌ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ خَمْسٌ كَالْإِيضَاحِ وَحْدَهُ، وَكَمَا لَوْ هَشَمَهُ عَلَى مُوَضِّحَةٍ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّ الْأَرْشَ الْمُقَدَّرَ وَجَبَ فِي هَاشِمَةٍ مَعَهَا مُوَضِّحَةٌ.
أَصْلٌ: إِذَا هَشَمَهُ هَاشِمَةً لَهَا مَخْرَجَانِ فَثِنْتَانِ، فَلَوْ أَوْضَحَ إِنْسَانًا فِي رَأْسِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ رَأْسَ السِّكِّينِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَمُوَضِّحَتَانِ، وَكَذَا إِذَا أَوْضَحَهُ مُوَضِّحَتَيْنِ، هَشَمَ الْعَظْمَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاتَّصَلَ الْهَشْمُ فِي الْبَاطِنِ، فَهُمَا هَاشِمَتَانِ، لِأَنَّ الْهَشْمَ يَكُونُ تَبَعًا لِلْإِيضَاحِ، فَإِذَا كَانَتَا مُوَضِّحَتَيْنِ كَانَ الْهَشْمُ هَاشِمَتَيْنِ، بِخِلَافِ الْمُوَضِّحَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا

[الْمُنَقِّلَةُ]

(ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَهِيَ: زَائِدَةٌ عَلَى الْهَاشِمَةِ، وَقِيلَ: تَنْقُلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ (فَفِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْإِبِلِ) بِالْإِجْمَاعِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَسَنَدُهُ: مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ.

[الْمَأْمُومَةُ]

(ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الدِّمَاغِ) لِأَنَّهَا تُحَوِّطُهُ وَتَجْمَعُهُ (وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ آمَّةً) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ لَهَا الْآمَّةَ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ: الْمَأْمُومَةَ، وَهِيَ: الْجِرَاحَةُ الْوَاصِلَةُ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ، وَهِيَ جِلْدَةُ فِيهَا الدِّمَاغُ، يُقَالُ: أَمَّ الرَّجُلُ آمَّةً وَمَأْمُومَةً (فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِمَا فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَوَافَقَ مَكْحُولٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَفِيهَا ثُلُثَاهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا شَجَّةٌ فَلَا يَخْتَلِفُ أَرْشُهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَسَائِرِ الشِّجَاجِ

[الدَّامِعَةُ]

(ثُمَّ الدَّامِعَةُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَهِيَ: الَّتِي تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ) أَيْ: جِلْدَةَ الدِّمَاغِ (فَفِيهَا مَا فِي الْمَأْمُومَةِ) قَالَ الْقَاضِي: لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الدَّامِعَةَ لِمُسَاوَاتِهَا الْمَأْمُومَةَ فِي أَرْشِهَا، وَيُحْتَمَلُ

فصل وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ الْجَوْفِ، مِنْ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرٍ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ، فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

أَنَّهُمْ تَرَكُوا ذِكْرَهَا لِكَوْنِهَا لَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا فِي الْغَالِبِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلْ يَجِبُ فِيهَا كُلُّ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ، وَقِيلَ: فِيهَا مَعَ مَا ذُكِرَ حُكُومَةٌ لِخَرْقِ جِلْدَةِ الدِّمَاغِ.
مَسْأَلَةٌ: أَوْضَحَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ هَشَّمَهُ آخَرُ، ثُمَّ جَعَلَهَا ثَالِثٌ مُنَقِّلَةً، ثُمَّ جَعَلَهَا رَابِعٌ مَأْمُومَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسٌ تَمَامَ أَرْشِ الْهَاشِمَةِ، وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسٌ تَمَامَ أَرْشِ الْمُنَقِّلَةِ، وَعَلَى الرَّابِعِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وثلث تَمَامَ أَرْشِ الْمَأْمُومَةِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَقِيلَ: عَلَى مَنْ هَشَّمَ خَمْسٌ أُخْرَى، وَعَلَى مَنْ نَقَّلَهُ عَشْرٌ أُخْرَى، وَعَلَى مَنْ أَمَّهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَعِيرًا وَثُلُثُ بَعِيرٍ، وَكَمَنْ أَوْضَحَهُ إِيضَاحَةً فَقَطْ.

[الْجَائِفَةُ]

فَصْلٌ (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» ، وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَلِأَنَّهَا جِرَاحَةٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَرْشُهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَالْمُوَضِّحَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جِرَاحِ الْبَدَنِ الْخَالِيَةِ عَنْ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ مُقَدَّرًا غَيْرَ الْجَائِفَةِ (وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ الْجَوْفِ) وَلَوْ لَمْ يَخْرِقِ الْأَمْعَاءَ (مِنْ: بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرٍ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحَلْقٍ، وَمَثَانَةٍ، وَبَيْنَ خُصْيَتَيْنِ، وَدُبُرٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَهِيَ مَا وَصَلَ جَوْفًا فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ لِلْغِذَاءِ، مِنْ: ظَهْرٍ، أَوْ بَطْنٍ، وَإِنْ لَمْ يَخْرِقِ الْأَمْعَاءَ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ، أَوْ دِمَاغٍ، وَإِنْ لَمْ يَخْرِقِ الْخَرِيطَةَ، أَوْ مَثَانَةٍ، أَوْ مَا بَيْنَ وِعَاءِ الْخُصْيَتَيْنِ وَالدُّبُرِ.

طَعَنَهُ فِي خَدِّهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى فَمِهِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ جَائِفَةً، فَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَثُلُثَا الدِّيَةِ وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ فَجَائِفَةٌ، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ أَوِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا لِلْمُدَاوَاةِ فَخَرَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، أَوْ خَرَقَهَا وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الطَّبِيبُ بِأَمْرِهِ، فَلَا شَيْءَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثُ الدِّيَةِ (فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الْجَائِفَةِ إِذَا نَفَذَتْ بِأَرْشِ جَائِفَتَيْنِ.
وَكَمَا لَوْ طَعَنَهُ مِنْ جَانِبَيْنِ فَالْتَقَيَا، وَلِأَنَّهُ أَنْفَذَهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، كَمَا لَوْ أَنْفَذَهُ بِضَرْبَتَيْنِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ هِيَ الَّتِي تَنْفُذُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ، وَهَذِهِ أَيِ: الثَّانِيَةُ إِنَّمَا نَفَذَتْ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إِلَى الْجَوْفِ لَا بِكَيْفِيَّةِ إِيصَالِهِ، إِذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى (وَإِنْ طَعَنَهُ فِي خَدِّهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى فَمِهِ) أَوْ نَفَذَ أَنْفًا، أَوْ ذَكَرًا، أَوْ جَفْنًا إِلَى بَيْضَةِ الْعَيْنِ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ بَاطِنَ الْفَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ لَا الْبَاطِنِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ جَائِفَةً) لِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى جَوْفِ مَخُوفٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَلَتْ إِلَى الْبَاطِنِ.
فَرْعٌ: إِذَا وَطِئَ زَوْجَةً صَغِيرَةً، أَوْ نَحِيفَةً لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَخَرَقَ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ، فَالدِّيَةُ إِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلٌ وَإِلَّا فَجَائِفَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ مُطَاوِعَةٌ، وَلَا شُبْهَةَ فِيهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَدَرٌ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ، أَيْ: لَهُ طَلَبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَهَا مَعَ الشُّبْهَةِ وَالْإِكْرَاهِ الدِّيَةُ إِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلٌ، وَإِلَّا ثُلُثُهَا، وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَةٍ مَعَ الْفَتْقِ، وَلَا يَنْدَرِجُ

جَرَحَهُ فِي وِرْكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوَضِّحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوِرْكِ، وَإِنْ أَجَافَهُ وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ، فَهِما جَائِفَتَانِ، وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطِنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَإِنِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، فَهِيَ جَائِفَةٌ أُخْرَى.

فَصْلٌ وَفِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ، وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرَانِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ: الذِّرَاعِ، وَالزَّنْدِ،

[المبدع في شرح المقنع]

فِي دِيَةِ إِفْضَاءٍ عَلَى الْأَصَحِّ (فَإِنْ جَرَحَهُ فِي وِرْكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوَضِّحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوِرْكِ) لِأَنَّ الْجِرَاحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَائِفَةِ، فَانْفَرَدَ فِيهِ بِالضَّمَانِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا جَائِفَةٌ، وَأَمَّا الْحُكُومَةُ فَلِأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وَقَدْ جَرَحَ قَفَاهُ، وَكَمَا لَوِ انْفَرَدَ (وَإِنْ أَجَافَهُ وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ، فَهِما جَائِفَتَانِ) لِأَنَّ فِعْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ كَانَ جَائِفَةً، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إِلَى فِعْلِ غَيْرِهِ (وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطَنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ) لِتَوْسِيعِهِ، لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغِ الْجَائِفَةَ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَجْهٌ: عَلَيْهِ حَقُّ جَائِفَةٍ (وَإِنِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، فَهِيَ جَائِفَةٌ أُخْرَى) عَلَيْهِ أَرْشُهَا، لِأَنَّهُ عَادَ إِلَى الصِّحَّةِ فَصَارَ كَالَّذِي لَمْ يُجْرَحْ، وَحَاصِلُهُ: إِنْ فَتَقَ مُوَضِّحَةً نَبَتَ شَعْرُهَا فَجَائِفَةٌ، وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنِ انْدَمَلَتْ فَأَوْضَحَهَا آخَرُ، فَقِيلَ: مُوَضِّحَةٌ، فَحُكُومَةٌ، وَذَكَرَ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِنْ أَوْضَحَهُ فَبَرِئَ وَلَمْ يَنْبُتِ الشَّعْرُ، ثُمَّ أَوْضَحَهُ آخَرُ فَحُكُومَةٌ، وَإِنِ الْتَحَمَ مَا أَرْشُهُ مُقَدَّرٌ لَمْ يَسْقُطْ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَدْخَلَ خَشَبَةً فِي دُبُرِهِ وَفَتَحَ جِلْدَهُ فِي الْبَاطِنِ فَوَجْهَانِ.

[فِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرَانِ]

فَصْلٌ (وَفِي الضِّلْعِ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالنَّظْمِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ

وَالْعَضُدِ، وَالْفَخْذِ، وَالسَّاقِ بَعِيرَانِ.
وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ، مِثْلُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَغَيْرِهِمْ: إِنْ جُبِرَ مُسْتَقِيمًا (بَعِيرٌ) وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ (وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ) وَاحِدُهُمَا تَرْقُوَةٌ، وَهُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعُنُقِ مِنَ النَّحْرِ إِلَى الْكَتِفِ (بَعِيرَانِ) وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَعِيرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، قَالَ عُمَرُ: فِي الضِّلْعِ جَمَلٌ وَالتَّرْقُوَةُ جَمَلٌ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ: أَنَّ فِي الْوَاحِدَةِ بَعِيرَيْنِ، فَيَكُونُ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوتَانِ مَعًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ: الذِّرَاعِ، وَالزَّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخْذِ، وَالسَّاقِ بَعِيرَانِ) فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إِذَا كُسِرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَانِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، أَنَّ الْوَاجِبَ بَعِيرٌ، نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَرَوَاهُ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ أَحْمَدَ، فِي الزَّنْدِ الْوَاحِدِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ، وَفِيمَا سِوَاهُ بَعِيرَانِ، وَزَادَ أَبُو الْخَطَّابِ فَجَعَلَ فِي عَظْمِ الْقَدَمِ بَعِيرَيْنِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَالزَّنْدُ هُوَ الذِّرَاعُ، وَيُسَمَّى السَّاعِدَ أَيْضًا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي غَيْرِ الضِّلْعِ وَالتَّرْقُوَتَيْنِ وَالزَّنْدَيْنِ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْحُكُومَةِ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ لِقَضَاءِ عُمَرَ، فَفِيمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهَا: وَفِي ضِلْعٍ حُكُومَةٌ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ كُسِرَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ: فِيهَا حُكُومَةٌ وَإِنِ انْجَبَرَتْ (وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ مِثْلُ خَرَزَةِ الصُّلْبِ

خَرَزَةِ الصُّلْبِ وَالْعُصْعُصِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ فِي شَيْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يَبْلُغَ بِهَا أَرْشَ الْمُقَدَّرِ.
وَإِذَا كَانَتْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْعُصْعُصِ) وَالْعَانَةِ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى ذَلِكَ لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، أَشْبَهَ الْجِرَاحَ الَّتِي لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ أَحَدٌ فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: خَرَزَةُ الصُّلْبِ فَقَارُهُ، إِنْ أُرِيدَ بِهَا كَسْرُ الصُّلْبِ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ حُكُومَةٌ.
وَالْعُصْعُصُ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ (وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ) مِنَ الْقِيمَةِ (فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ) هَذَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ، فَأَجْزَاؤُهُ مَضْمُونَةٌ مِنْهَا، كَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، كَانَ أَرْشُ عَيْبِهِ مُقَدَّرًا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا يُقْبَلُ الْحُكُومَةُ إِلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ خَبِيرَيْنِ بِالْقِيمَةِ، وَلَا تَقْوِيمَ إِلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ، لِأَنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ الْمُقَدَّرِ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بَعْدَ بُرْئِهِ (فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ) لِأَنَّ النَّاقِصَ بِالتَّقْوِيمِ دِرْهَمٌ مِنْ عِشْرِينَ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهَا، فَيَكُونُ فِيهِ هُنَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الدِّيَةِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ فِي شَيْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يَبْلُغُ بِهَا أَرْشَ الْمُقَدَّرِ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْحُكُومَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، وَحُكْمُهُ سَبَقَ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ هُوَ بَعْضُ الْمُقَدَّرِ، فَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِيهِ عَدَمُ مُجَاوَزَةِ أَرْشِ الْمُؤَقَّتِ، مِثْلُ أَنْ يَشُجَّهُ سِمْحَاقًا، وَهُوَ دُونَ الْمُوَضِّحَةِ، فَإِنْ بَلَغَ بِالتَّقْوِيمِ أَرْشُهَا أَكْثَرَ مِنْ مُوَضِّحَةٍ مِثْلُ أَنْ تَنْقُصَ

فِي الشِّجَاجِ الَّتِي دُونَ الْمُوَضِّحَةِ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا أَرْشَ الْمُوَضِّحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أُصْبُعٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الْأُصْبُعِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أُنْمُلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ، فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا، فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ، لَمْ يَجِبُ الزَّائِدُ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ وَجَبَ فِي شَيْءٍ لَا يَبْلُغُ مُوَضِّحَةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ الْمُوَضِّحَةَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالشَّيْنَ بِهَا أَعْظَمُ، وَالْمَحَلَّ وَاحِدٌ (وَإِذَا كَانَتْ فِي الشِّجَاجِ الَّتِي دُونَ الْمُوَضِّحَةِ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا أَرْشَ الْمُوَضِّحَةِ) وَهَلْ يَبْلُغُ بِهَا أَرْشَ الْمُؤَقَّتِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ أَرْشَ الْمُؤَقَّتِ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَالنَّقْصُ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَلَا يُزَادُ بِحُكُومَةٍ فِي مُقَدَّرٍ عَلَى دِيَتِهِ، وَفِي جَوَازِ مُسَاوَاتِهِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُنْقِصُ الْحَاكِمُ مَا شَاءَ، لَا يُقَالُ: قَدْ وَجَبَ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ أَكْثَرُ مِمَّا وَجَبَ فِي جَمِيعِهِ، وَوَجَبَ فِي مَنَافِعِ الْإِنْسَانِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَاجِبِ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ دِيَةُ النَّفْسِ دِيَةً عَنِ الرُّوحِ، وَلَيْسَتِ الْأَطْرَافُ بَعْضُهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (وَإِنْ كَانَتْ فِي أُصْبُعٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الْأُصْبُعِ) لِأَنَّهُ إِذَا جَرَحَ أُصْبُعًا فَبَلَغَ أَرْشُهُ أَكْثَرَ مِنْ عُشْرِ الدِّيَةِ لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ عُشْرِهَا (وَإِنْ كَانَتْ فِي أُنْمُلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا) أَيْ: إِذَا كَانَتِ الْجِرَاحُ فِي أُنْمُلَةٍ فَبَلَغَ أَرْشُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثُلُثٍ مِنَ الْأَوَّلِ، لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثُلُثٍ، لِأَنَّهُ دِيَةُ الْأُنْمُلَةِ (وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْصٍ لِأَجْلِ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا كَانَ التَّقْوِيمُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ يَبْقَى ذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ فِي حَالِ انْدِمَالِ جَرَيَانِ الدَّمِ لِيَحْصُلَ النَّقْصُ (فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا، فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِالْجِنَايَةِ نَقْصٌ فِي جَمَالٍ وَلَا نَفْعٍ، كَقَطْعِ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ، أَوْ قَلْعِ سِنٍّ زَائِدَةٍ، وَلِحْيَةِ امْرَأَةٍ، فَانْدَمَلَ الْمَوْضِعُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، أَوْ زَادَ جَمَالًا أَوْ قِيمَةً فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ نَقْصٌ، فَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَكَمَهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ، وَالثَّانِي: يَجِبُ ضَمَانُهُ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَضْمُونٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا قَطَعَ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ، فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ كَأَنَّهَا رَجُلٌ لَهُ لِحْيَةٌ، ثُمَّ

بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ قَرِيبُهُمْ وَبِعِيدُهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، إِلَّا عَمُودَيْ

[المبدع في شرح المقنع]

يُقَوَّمُ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَتْ، فَمَا نَقَصَ وَجَبَ بِقِسْطِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ لِحْيَةَ الرَّجُلِ زَيْنٌ لَهُ وَعَيْبٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَتَقْدِيرُ الْعَيْبِ بِالزَّيْنِ لَا يَصِحُّ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً لَهَا أَرْشٌ ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ دَخَلَ أَرْشُهُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ، وَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ وَجَبَ أَرْشُ الْجُرْحِ كَمَا لَوِ انْدَمَلَ، وَإِنْ لَطَمَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ، كَمَا لَوْ شَتَمَهُ.

[بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ]

[عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ]

بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ جَمْعُ عَاقِلٍ، وَهُوَ الْمُؤَدِّي لِلدِّيَةِ، يُقَالُ: عَقَلْتُ فُلَانًا إِذَا أَعْطَيْتُهُ دِيَتَهُ، وَعَقَلْتُ عَنْ فُلَانٍ إِذَا عَزَمْتُ عَنْهُ دِيَتَهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْلِ الْإِبِلِ بِالْعَقْلِ، وَهِيَ: الْحِبَالُ الَّتِي تُثْنَى بِهَا أَيْدِيهَا إِلَى رُكَبِهَا، وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَقْلِ، وَهُوَ الْمَنْعُ، لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ عَنِ الْقَاتِلِ، وَالْعَقْلُ الْمَنْعُ، وَيُسَمَّى بَعْضُ الْعُلُومِ عَقْلًا، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَضَارِّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يَحَمَّلُونَ الْعَقْلَ، وَهُوَ الدِّيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَهِيَ: مَنْ غُرِّمَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ بِسَبَبِ جِنَايَةِ غَيْرِهِ، وَمَا تَحْمِلُهُ، أَيْ: مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً؟ أَوْ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ تَحْمِلُهَا عَنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، كَمَا قِيلَ فِي فِطْرَةِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَخْرُجُ عَنْهُ غَيْرُهُ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، أَوْ عَلَى الْمُخْرِجِ؟ وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ هَلْ تَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الدِّيَةُ أَوْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
(عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ عِصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ قَرِيبُهُمْ وَبِعِيدُهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ) وَهُمُ: الْأَحْرَارُ، الْعَاقِلُونَ، الْبُلَّغُ، الْأَغْنِيَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَصَبَتِهَا مَنْ كَانُوا لَا يَرِثُونَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا، وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ أَشْبَهُوا سَائِرَ

نَسَبِهِ، آبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا، وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا رَقِيقٍ، وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِ الْجَانِي - حَمْلُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْعَصَبَاتِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعَقْلَ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّ الْعَصَبَةَ فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ كَـ (هُمْ) فِي الْمِيرَاثِ فِي تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَكَوْنُ الْبَعِيدِ عَصَبَةً لِأَنَّهُ يَرِثُ الْمَالَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَقْرَبَ مِنْهُ، فَهُوَ كَالْقَرِيبِ، وَكَوْنُ عَصَبَاتِ الْإِنْسَانِ فِي الْوَلَاءِ مِنَ الْعَاقِلَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (إِلَّا عَمُودَيْ نَسَبِهِ، آبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ قَتَلَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا، فَقَالَ: عَاقِلَةُ الْمَقْتُولَةِ مِيرَاثُهَا لَنَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا، مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْلَادَ لَيْسُوا مِنَ الْعَاقِلَةِ وَكَذَا الْآبَاءُ قِيَاسًا لِإِحْدَى الْعَمُودَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَلِأَنَّ مَالَ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ كَمَالِهِ، وَخَرَجَ مِنْهُ الْإِخْوَةُ بِدَلِيلٍ، لِأَنَّ الْخِرَقِيَّ خَصَّ الْعَاقِلَةَ بِالْعُمُومَةِ وَأَوْلَادَهُمْ (وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّرِيفُ، بَلْ وَالْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ مِنَ الْعَصَبَاتِ بِمِيرَاثِهِ فَكَانُوا أَوْلَى بِتَحَمُّلِ عَقْلِهِ، وَعَنْهُ: هُمْ عَصَبَتُهُ إِلَّا أَبْنَاءَهُ إِذَا كَانَ امْرَأَةً، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، نَقَلَ حَرْبٌ: الِابْنُ لَا يَعْقِلُ عَنْ أُمِّهِ، لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الِابْنُ مِنْ عَصَبَةِ أُمِّهِ فَيَكُونَ مِنْ عَاقِلَتِهَا، وَكَذَا فِي الْبُلْغَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَصَبَاتِ مِنَ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ وَذَوِي الْأَرْحَامِ وَالنِّسَاءِ، لَيْسُوا مِنَ الْعَاقِلَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَعُمْدَةُ الْعَقْلِ النُّصْرَةُ، وَلَيْسُوا مِنْهَا كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَالدِّيوَانِ (وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنِ الْقَاتِلِ، فَلَا يَجُوزُ التَّثْقِيلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ (وَلَا صَبِيٍّ وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ) حَمْلُ شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّ الْحَمْلَ لِلتَّنَاصُرِ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وَقِيلَ: يَحْمِلُ الْمُمَيِّزُ، لِأَنَّهُ قَارَبَ الْبُلُوغَ (وَلَا امْرَأَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ) لِاحْتِمَالِ

شَيْءٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ، وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ.

وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّيٌّ عَنْ حَرْبِيٍّ، وَلَا حَرْبِيٌّ عَنْ ذَمِّيٍّ.
وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

كَوْنِهِ امْرَأَةً، فَيَحْمِلُ جِنَايَةَ عَتِيقِهِمَا مَنْ تَحَمَّلَ جِنَايَتَهُمَا، وَعَنْهُ: تَعْقِلُ امْرَأَةٌ وَخُنْثَى بِوَلَاءٍ (وَلَا رَقِيقٍ) لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ (وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِ الْجَانِي - حَمْلُ شَيْءٍ) لِأَنَّ حَمْلَهَا لِلنُّصْرَةِ، وَلَا نُصْرَةَ لِمُخَالِفٍ لَهُ فِي دِينِهِ (وَعَنْهُ أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُعْتَمِلَ) أَيِ: الْمُحْتَرِفَ (يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ) حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ فَكَانَ مِنَ الْعَاقِلَةِ كَالْغَنِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ وَالشَّيْخَ يَحْمِلَانِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِي: هَرِمٍ، وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى وَجْهَانِ، فَلَوْ عُرِفَ نَسَبُ قَاتِلٍ مِنْ قَتِيلِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ بُطُونِهَا لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ (وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُمُ اسْتَوَوْا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ، فَاسْتَوَوْا فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ كَالْحَاضِرِينَ.

[الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ خَطَؤُهُمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ]

(وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ فَيُجْحِفُ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ اللَّهِ، فَكَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فِي مَالِ اللَّهِ، وَكَخَطَأِ وَكِيلٍ، وَعَلَيْهَا لِلْإِمَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ: عَلَى عَاقِلَتِهِمَا، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِعُمَرَ: دِيَتُهُ عَلَيْكَ، لِأَنَّكَ أَفْزَعْتَهَا، وَلِأَنَّهُ جَانٍ.
فَكَانَ خَطَؤُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَغَيْرِهِ، وَكَخَطَئِهِمَا فِي غَيْرِ حُكْمٍ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ زَادَ سَوْطًا كَخَطَأٍ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، أَوْ جَهْلًا حَمْلًا، أَوْ بَانَ مَنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِ غَيْرَ أَهْلٍ (وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ يَتَعَاقَلُونَ، لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ تَقْتَضِي التَّوْرِيثَ فَاقْتَضَتِ التَّعَاقُلَ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ كَالْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ يَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِحُرْمَةِ قَرَابَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُرْمَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْمِلَّةُ كَالْيَهُودِ

أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحَمَّلَ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ، أَوْ بَاقِيهَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالنَّصَارَى فَوَجْهَانِ، وَفِي التَّرْغِيبِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى تَوْرِيثِهِمْ وَعَدَمِهِ (وَلَا يَعْقِلُ ذَمِّيٌّ عَنْ حَرْبِيٍّ وَلَا حَرْبِيٌّ عَنْ ذَمِّيٍّ) لِعَدَمِ التَّوَارُثِ، وَكَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ تَوَارَثَا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَعْقِلُ الْمُعَاهَدُ إِنْ بَقِيَ عَهْدُهُ إِلَى أَصْلِ الْوَاجِبِ، وَإِلَّا فَلَا.
تَذْنِيبٌ: الْمُرْتَدُّ لَا يُعْقَلُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ فَيَعْقِلُ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَا ذِمِّيٌّ فَيَعْقِلُ عَنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي مَالِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ (وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحَمَّلَ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ، وَكَمَنَ رَمَى سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ كَفَرَ قَبْلَ إِصَابَتِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الْفُرُوعِ شَيْئًا (وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ عَاقِلَتِهِ كَعَصَبَاتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْمِلُ الْعَقْلَ بِحَالٍ، رَجَّحَهَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ فِيهِ حَقٌّ لِلصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَا عَقْلَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ فِيمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ حَالَّةً تُؤْخَذُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَدَّى دِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا عُمَرُ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَإِنَّمَا أَجَّلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَالْعَاقِلَةِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) أَيْ: إِذَا تَعَذَّرَ سَقَطَتْ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ) لِأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ الْعَاقِلَةَ ابْتِدَاءً، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُمْ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهُمْ وَلَا رِضَاهُمْ بِهَا، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وَجَبَتْ

تَجِبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَهُوَ أَوْلَى، كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ: يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ، كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ، ثُمَّ انْجَر وَلَاؤُهُ، ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ، لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ، فَكَذَا هَذَا.

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ عُدِمَ الْقَاتِلُ فَإِنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُهَا عَلَى الْجَانِي جَبْرًا لِلْمَحَلِّ الَّذِي فَوَّتَهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ لِقِيَامِ الْعَاقِلَةِ مَقَامَهُ فِي جَبْرِ الْمَحَلِّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ تَرَدَّدَ بَيْنَ إِبْطَالِ دَمِ الْمَقْتُولِ وَبَيْنَ إِيجَابِ دِيَتِهِ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ لِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَلِأَنَّ إِهْدَارَ الدَّمِ الْمَضْمُونِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَإِيجَابَ الدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ لَهُ نَظَائِرُ (وَهُوَ أَوْلَى) مِنْ إِهْدَارِ دَمِ الْأَحْرَارِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ لَا تَكَادُ تُوجَدُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كُلَّهَا، ولَا سَبِيلَ إِلَى الْأَخْذِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَتَضِيعُ الدِّمَاءُ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَيْهِمُ ابْتِدَاءً لَكِنْ مَعَ وُجُودِهِمْ (كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَحْمِلُهَا (وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ فَلَمْ يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ) إِذَا تَغَيَّرَ دِينُ جَارِحٍ حَالَتَيْ جُرْحٍ وَزُهُوقٍ، فَالْمَذْهَبُ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ حَالَ الْجُرْحِ، وَقِيلَ: أَرْشُ الْجُرْحِ وَالزِّيَادَةِ بِالسِّرَايَةِ فِي مَالِهِ، وَقِيلَ: الْكُلُّ فِي مَالِهِ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ هُنَا، لِأَنَّهُ قَتِيلٌ قُتِلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَعْصُومٌ، فَتَعَذَّرَ حَمْلُ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ فَوَجَبَ عَلَى قَاتِلِهِ (وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ انْجَر وَلَاؤُهُ ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ، لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ، فَكَذَا هَذَا) وَصُورَتُهَا: إِذَا رَمَى مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِمَوَالِي أُمِّهِ فَانْجَرَّ وَلَاؤُهُ إِلَى مَوَالِي أَبِيهِ، ثم وَقَعَ سَهْمُهُ فِي شَخْصٍ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ: فَهُوَ كَتَغَيُّرِ دِينٍ.

فَصْلٌ وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ

[المبدع في شرح المقنع]

[الْعَمْدُ وَالْعَبْدُ وَالصُّلْحُ وَالِاعْتِرَافُ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ]

فَصْلٌ (وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا) سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَصَاصُ أَوْ لَا، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ: عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا» . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَيَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ، وَعَنْ عُمَرَ، قَالَ: الْعَمْدُ، وَالْعَبْدُ، وَالصُّلْحُ، وَالِاعْتِرَافُ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَحَكَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا.
رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَلِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي الْخَطَأِ لِكَوْنِ الْجَانِي مَعْذُورًا، تَخْفِيفًا عَنْهُ وَمُوَاسَاةً لَهُ، وَالْعَامِدُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ، فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، فَلَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ مَسْمُومَةٍ، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ قَتَلَ بِمَا لَمْ يَقْتُلْ مِثْلُهَا غَالِبًا، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ الْقَصَاصُ (وَلَا عَبْدًا) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَعْنَاهُ: إِذَا قَتَلَ الْعَبْدَ قَاتِلٌ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا (وَلَا صُلْحًا) لِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ أَدَّى إِلَى أَنْ يُصَالِحَ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا بِقَوْلِهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَيُنْكِرَهُ، وَيُصَالِحَ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِمُصَالَحَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ كَالَّذِي ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنْ يُصَالِحَ الْأَوْلِيَاءَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إِلَى الدِّيَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ هَذَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِذِكْرِ الْعَمْدِ، بَلْ مَعْنَاهُ صَالَحَ عَنْهُ صُلْحَ إِنْكَارٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ (وَلَا اعْتِرَافًا) أَيْ: لَمْ تُصَدِّقْهُ بِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنْ يُوَاطِئَ مَنْ يُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ لِيَأْخُذَ الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَتِهِ فَيُقَاسِمَهُ إِيَّاهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ شَخْصٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ مَا اعْتَرَفَ، وَمَعْنَاهُ بِأَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ فَوَجَبَ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَأَكْثَرُ إِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ الْعَاقِلَةُ (وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ) كَأَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِقَضَاءِ عُمَرَ أَنَّهَا لَا

الدِّيَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا، إِلَّا غُرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ، لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلْثِ، وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلْثَ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَيَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.

وَمَا يَحْمِلُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

تَحْمِلُ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ عَقْلَ الْمَأْمُومَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ، فَكَانَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمَتْلَفَاتِ، لَكِنْ خُولِفَ فِي الثُّلْثِ لِإِجْحَافِهِ بِالْجَانِي لِكَثْرَتِهِ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَالثُّلْثُ حَدُّ الْكَثِيرِ لِلْخَبَرِ (وَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ: دِيَةُ الْعَمْدِ وَمَا بَعْدَهُ (فِي مَالِ الْجَانِي) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُقْتَضَى الْأَصْلِ وُجُوبُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي (حَالًّا) لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَكَانَ حَالًّا كَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ مِنَ الْمَتَاعِ (إِلَّا غِرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَجَبَتْ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ زِيَادَتِهَا عَلَى الثُّلْثِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ سَبَقَتْهُ بِالزُّهُوقِ أَوْ سَبَقَهَا بِهِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ بَعْضُ أَثَرِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ: الْجِنَايَةُ عَلَيْهِمَا وَاحِدَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَعَلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةً، فَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ خَبَرُ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَتَلَتِ الْمَرْأَةَ وَجَنِينَهَا، قَالَ: فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ قَضَى بِدِيَةِ الْجَنِينِ عَلَى الْجَانِيَةِ حَيْثُ لَمْ تَبْلُغُ الثُّلْثَ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا شَرِبَتْ دَوَاءً عَمْدًا فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالُ تَحَمُّلِ الْقَلِيلِ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْجَنِينِ، لِكَوْنِ دِيَتِهِ دِيَةَ نَفْسٍ، فَيَكُونُ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الثُّلْثِ لِكَوْنِهِ دِيَةَ نَفْسٍ (وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ) بِجِنَايَتَيْنِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ (لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلْثِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ غِرَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَهِيَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ (وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلْثَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي تَقْيِيدِهِ بِالْخَطَأِ وَالْحُرِّ وَبُلُوغِ الثُّلْثِ احْتِرَازٌ عَنِ: الْعَمْدِ، وَالْعَبْدِ، وَمَا دُونَ الثُّلْثِ.

[لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شِبْهَ الْعَمْدِ]

(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ) هَذَا رِوَايَةٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، لِأَنَّهَا مُوجَبُ فِعْلٍ قَصَدَهُ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ، وَهِيَ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَشْبَهَتْ دِيَةَ الْعَمْدِ (وَيَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَمُ

كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَلَكِنْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَيُحَمِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعًا، وَهَلْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

خِلَافًا فِي أَنَّهَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً: هُوَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا، وَحَكَاهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ قَوْمٍ لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا تُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ، وَاقْتَضَى تَغْلِيظَهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الْأَسْنَانُ، وَتَخْفِيفَهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا وَتَأْجِيلُهَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ» الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا كَالْخَطَأِ، وَعَنْهُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا كَذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي، وَقِيلَ: حَالًّا، قَدَّمَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَالرِّعَايَةِ كَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ حَالًّا، وَفِي التَّبْصِرَةِ: لَا تَحْمِلُ عَمْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ الثُّلْثِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي مَالِ جَانٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَفِي الرَّوْضَةِ دِيَةُ الْخَطَأِ فِي خَمْسِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ خُمْسُهَا

[مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ]

(وَمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ (وَلَكِنْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ) لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ كَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ (فَيَحْمِلُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَلَا يُخَفَّفُ عَنِ الْجَانِي مَا يَثْقُلُ عَلَى غَيْرِهِ وَيُجْحِفُ بِهِ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ الْإِجْحَافَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا كَانَ الْجَانِي أَحَقَّ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ) وَهُوَ مَالِكُ نِصَابٍ عِنْدَ حُلُولِ الْحَوْلِ فَاضِلًا عَنْهُ كَحَجٍّ وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ (نِصْفَ دِينَارٍ) لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَتَقَدَّرُ فِي الزَّكَاةِ (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعًا) قَوْلُهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ تَافِهٌ

وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، فَمَتَى اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ، وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ، وَإِنْ تَسَاوَى جَمَاعَةٌ فِي الْقُرْبِ وُزِّعَ الْقَدْرُ الَّذِي يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ.

فَصْلٌ وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إِنْ كَانَ دِيَةً كَامِلَةً، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيهِ (وَهَلْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، أَحَدُهُمَا: يَتَكَرَّرُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَيَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الْحَوْلِ كَالزَّكَاةِ، وَالثَّانِي: لَا، لأنه يفضي إِلَى إِيجَابِ أَكْثَرِ مِنْ أَقَلِّ الزَّكَاةِ، فَيَكُونُ مُضِرًّا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ دِينَارٌ وَنِصْفٌ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ لِتَكَرُّرِهِ، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفٌ عَلَى الْمُوسِرِ وَرُبْعٌ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ (وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ) كَالْمِيرَاثِ سَوَاءٌ (فَمَتَى اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ، فَقُدِّمَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَيُقَدَّمُ مَنْ يُدْلِي بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ فِي الْأَشْهَرِ كَالْمِيرَاثِ، وَفِي الْآخَرِ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُسَاوَاةِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ رِوَايَتَيْنِ، وَخَرَجَ مِنْهَا مُسَاوَاةُ بِعِيدٍ لِقَرِيبٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ بَعِيدٍ لِغَيْبَةِ قَرِيبٍ، وَقِيلَ: يَكْتُبُ الْإِمَامُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ لِيُطَالِبَهُ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَتَّسِعْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا (انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ) لِأَنَّ الْأَقْرَبِينَ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ فَعُلِّقَتِ الدِّيَةُ بِمَنْ يَلِيهِمْ، وَكَذَا إِذَا تَحَمَّلَ الْأَقْرَبُونَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ (وَإِنْ تَسَاوَى جَمَاعَةٌ في القرب وُزِّعَ الْقَدْرُ الَّذِي يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمُ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ، فَكَانُوا سَوَاءً كَمَا لَوْ قَتَلُوا، وَكَالْمِيرَاثِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامُ مِمَّنْ شَاءَ.

[مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجِّلًا]

فَصْلٌ (وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ دِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ (إِنْ كَانَ دِيَةً كَامِلَةً) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِبَعْضِ السِّنِينَ عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ

كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ، وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا كَدِيَةِ الْيَدِ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوَلِ الْأَوَّلِ الثُّلْثُ، وَبَاقِيهِ فِي رَأْسِ الْحَوَلِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ دِيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ كِتَابِيٍّ فَكَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقَسَّمَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلْثِ وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِي الْجُرْحِ مِنَ الِانْدِمَالِ، وَقَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُوَاسَاةِ، فَلَمْ يَجِبْ حَالًّا كَالزَّكَاةِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ثُلُثُهَا، وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ مِنْ حِينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ (وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ، وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ) أَيْ: فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يَجِبْ مِنْهُ شَيْءٌ حَالًّا، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ حَالًّا (وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا كَدِيَةِ الْيَدِ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ الثُّلْثُ) لِأَنَّهُ قَدْرُ مَا يُؤَدَّى مِنَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، فَوَجَبَ لِتَسَاوِيهِمَا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ (وَبَاقِيهِ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الثَّانِي) لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ الْقِسْطِ الثَّانِي مِنَ الْكَامِلَةِ (وَإِنْ كَانَ دِيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ كِتَابِيٍّ) لَمْ يَقْتُلْ عَمْدًا، قَالَهُ فِي الْوَجِيزِ وَفِيهِ شَيْءٌ (فَكَذَلِكَ) لِأَنَّ هَذَا يَنْقُصُ عَنْ دِيَةٍ كَامِلَةٍ أَشْبَهَتْ أَرْشَ الطَّرَفِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقَسَّمَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) لِأَنَّ ذَلِكَ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ، أَشْبَهَ دِيَةَ الْمُسْلِمِ (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلْثِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ لَمْ يَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنِ الثُّلْثِ، فَكَذَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ إِذَا زَادَ عَلَى الثُّلْثِ، وَكَذَا إِذَا قُتِلَتِ الْمَرْأَةُ وَجَنِينُهَا بِضَرْبَةٍ بَعْدَ مَا اسْتَهَلَّ، لَمْ تَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى قَدْرِ الثُّلْثِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: دِيَةُ نَفْسٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ: الْكُلُّ، فَلَوْ قَتَلَ اثْنَيْنِ فَدِيَتُهُمَا فِي ثَلَاثٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ دِيَةٌ فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَهَا كَمَا لَوِ انْفَرَدَ حَقُّهُ، وَقِيلَ: فِي سِتِّ سِنِينَ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ الثُّلْثِ كَدِيَةِ الْأُصْبُعِ لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ، وَيَجِبْ حَالًّا لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ (وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِي الْجُرْحِ مِنَ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالْبُرْءِ (وَفِي الْقَتْلِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ)

جارٍ التحميل