الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِنْ مُمَيَّزٍ، فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ
[المبدع في شرح المقنع]
يُنْقِصُ قِيمَتَهُ وَيُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُمْ: وَتَعَرُّضُهُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ كَالزِّنَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي عُيُوبٌ فِيمَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ، فَكَذَا مَا دُونَهَا، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ بَلَغَ عَشْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ تَكَرَّرَ مِنْهُ أَوْ لَا، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ لَا يَكُونُ عَيْبًا إِلَّا إِذَا تَكَرَّرَ، وَقِيلَ: بَوْلٌ كَبِيرٌ إِذَا تَكَرَّرَ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": بَالِغٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ وَجُودَهَا يَدُلُّ عَلَى نُقْصَانِ عقله، وَضَعْفِ بِنْيَتِهِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خُبْثِ طَوِيَّتِهِ، وَالْبَوْلُ عَلَى دَاءٍ فِي بَطْنِهِ.
أَصْلٌ: الْعُيُوبُ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ غَيْرِهَا فَالْأَوَّلُ: كَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْعَمَى وَالْعَوَرِ وَالْعَرَجِ وَالْقَرْعِ وَالصَّمَمِ وَالطَّرَشِ وَالْخَرَسِ وَالْبَخْرِ وَالْحَوَلِ وَالتَّخَنُّثِ وَكَوْنِهِ خُنْثَى وَالْخَصْيِ وَالتَّزْوِيجِ فِي الْأَمَةِ وَتَحْرِيمٍ عَامٍّ كَالْمَجُوسِيَّةِ، وَحَمْلِ الْأَمَةِ دُونَ الْبَهِيمَةِ، وَعَدَمِ خِتَانٍ فِي كَبِيرٍ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَيْسَ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَتِنُونَ وَحُمْقٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مِنَ الْكَبِيرِ ارْتِكَابُ الْجَهْلِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَحُمْقٌ شَدِيدٌ وَاسْتِطَالَةٌ عَلَى النَّاسِ، وَلَيْسَ عُجْمَةُ اللِّسَانِ وَفَأْفَاءٌ وَتِمْتَامٌ وَقُرَابَةُ وَارِثٍ، وَأَلْثَغُ وَعَدَمُ حَيْضٍ فِي الْمَنْصُوصِ فِيهِ عَيْبًا، وَمِثْلُهُ عَقِيمٌ، وَفِي الثَّيُّوبَةِ وَمَعْرِفَةِ الْغِنَاءِ، وَالْكُفْرِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: وَفِسْقٌ بِاعْتِقَادٍ، أَوْ فِعْلٌ وَتَغْفِيلٌ وَالثَّانِي: كَوْنُ الدَّارِ يَنْزِلُهَا الْجُنْدُ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ الْقَاضِي قَدْ نَزَلَهَا الْجُنْدُ قَالَا: أَوِ اشْتَرَى قَرْيَةً وَجَدَ فِيهَا سَبْعًا أَوْ حَيَّةً عَظِيمَةً تُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَبَقٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَفَزَعٌ شَدِيدٌ مِنْ كَبِيرٍ، وَكَوْنُهُ أَعْسَرَ، وَالْمُرَادُ لَا يَعْمَلُ بِالْيَمِينِ عَمَلَهَا الْمُعْتَادَ، وَإِلَّا فَزِيَادَةُ خَيْرٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَيْسَ بِعَيْبٍ لِعَمَلِهِ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَرُدُّ بِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْجَارُ السُّوءُ عَيْبٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
1 -
(فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ) ثُمَّ عَلِمَ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ) وَأَخْذِ الثَّمَنِ
وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ، وَهُوَ قِسْطٌ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ، وَمَا
[المبدع في شرح المقنع]
(وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ مَعَ أَنَّهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَمْ يَذْكُرَا خِلَافًا أَمَّا الرَّدُّ، فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، إِذْ مُطْلَقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ بِدَلِيلِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى مَمْلُوكًا فَكَتَبَ: هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا، أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ وَلَا خِبَثَةَ وَلَا غَائِلَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ» وَإِذًا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِظُهُورِ الْمَبِيعِ مَعِيبًا اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَهُ، وَإِزَالَةً لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ فِي بَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ نَاقِصًا عَنْ حَقِّهِ، وَأَمَّا الْإِمْسَاكُ مَعَ الْأَرْشِ فَلِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَرَاضَيَا عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنَ الْعِوَضِ يُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَوَّضِ وَمَعَ الْعَيْبِ فَاتَ جُزْءٌ مِنْهُ فَيَرْجِعُ بِبَدَلِهِ، وَهُوَ الْأَرْشُ، وَعَنْهُ: لَا أَرْشَ لِمُمْسِكٍ لَهُ الرَّدُّ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ حِذَارًا مِنْ أَنْ يَلْزَمَ الْبَائِعُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإِخْرَاجِ مِلْكِهِ إِلَّا بِهَذَا الْعِوَضِ، فَإِلْزَامُهُ بِالْأَرْشِ إِلْزَامٌ لَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ، يُحَقِّقُهُ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ لَيْسَ فِيهَا عَيْبٌ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَإِنَّمَا مَلَكَ الْخِيَارَ فِيهَا بِالتَّدْلِيسِ لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ أَرْشًا بِخِلَافِ الْمَعِيبِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَهَلْ يَأْخُذُ الْأَرْشُ مِنْ عَيِنِ الثَّمَنِ، أَوْ حَيْثُ شَاءَ الْبَائِعُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرِهَا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَمُفْرَدَاتِ أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ: لَا فَسْخَ بِعَيْبٍ يَسِيرٍ كَصُدَاعٍ وَحُمَّى يَسِيرَةٍ وَآيَاتٍ فِي الْمُصْحَفِ لِلْعَادَةِ كَغَبَنٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ مِنْ وَلِيٍّ، وَكَذَا قَالَهُ أَبُو الْوَفَاءِ، وَالْقَاضِي فِي جَامِعِهِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَادَةً مِنْ ذَلِكَ كَيَسِيرِ التُّرَابِ وَالْعَقْدِ فِي الْبُرِّ وَمَحَلِّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الرِّبَا لِشِرَاءِ فِضَّةٍ بِزِنَتِهَا دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا مَعِيبَةً، أَوْ قَفِيزًا مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا
كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ، وَعَنْهُ: لَا يَرُدُّهُ إِلَّا مَعَ نَمَائِهِ، وَوَطْءُ
[المبدع في شرح المقنع]
بِمِثْلِهِ فَلَهُ الرَّدُّ، أَوِ الْإِمْسَاكُ مَجَّانًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ لَا خِيَارَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ، وَلَمْ يَرْضَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ (وَهُوَ) أَيِ: الْأَرْشُ (قِسْطٌ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ، وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ، فَعَلَى هَذَا يَقُومُ الْمَبِيعُ صَحِيحًا، ثُمَّ مَعِيبًا فَيُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الثَّمَنِ، كَمَا إِذَا قَوَّمَ صَحِيحًا بِعَشَرَةٍ وَمَعِيبًا بِثَمَانِيَةٍ، وَالثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا، فَقَدْ نَقَصَهُ الْعَيْبُ خمسة فَيَرْجِعُ بِخُمُسِ الثَّمَنِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ، فَفَوَاتُ جُزْءٍ مِنْهُ يُسْقِطُ عَنْهُ ضَمَانَ مَا قَابَلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّا لَوْ ضَمِنَّاهُ نَقْصَ الْقِيمَةِ لَأَفْضَى إِلَى اجْتِمَاعِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْمُشْتَرِي فِي صُورَةِ مَا إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَنْقُصُهُ النِّصْفُ فَأَخَذَهَا، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.
(وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ) وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ رَدَّ الْمَعِيبِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَالِهِ أَوْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كَالسَّمْنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، وَالْحَمْلِ وَالثَّمَرَةِ قَبْلَ ظُهُورِهَا فَيَرُدُّهَا بِنَمَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِ رَدِّهَا بِدُونِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعُ قِيمَتُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ مُعَاوَضَةٌ لَمْ يَلْتَزِمْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْقِيَاسُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ وَكَالصَّدَاقِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ.
والثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً وَهِيَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ كَالْكَسْبِ وَالْأُجْرَةِ وَمَا يُوهَبُ لَهُ، أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ فَهَذَا لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْفُرُوعِ ". والثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَبِيعِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ الْمَجْذُوذَةِ
الثَّيِّبِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَعَنْهُ: يَمْنَعُ وَإِنْ وَطِئَ الْبِكْرَ أَوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ فَلَهُ الْأَرْشُ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَاللَّبَنِ الْمَحْلُوبِ، فَالْمَذْهَبُ الْمَعْمُولُ بِهِ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا وَيَرُدُّ الْأَصْلَ بِدُونِهَا لِقَوْلِهِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»
(وَعَنْهُ: لَا يَرُدُّهُ إِلَّا مَعَ نَمَائِهِ) الْمُنْفَصِلِ حَكَاهَا الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ جَعَلَا لِلنَّمَاءِ كَالْجُزْءِ مِنَ الْأَصْلِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْفَسْخَ رُفِعَ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ حُكْمًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْكَسْبَ وَنَحْوَهُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَنَاقَشَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْقَاضِيَ وَغَيْرَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّهُمْ أَخَذُوهَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَفِي الْأَخْذِ نَظَرٌ، فَلَوْ حَدَثَ الْعَقْدُ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ رَدَّهَا رَدَّ وَلَدَهَا مَعَهَا صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ، وَالْوِلَادَةُ هُنَا نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ بِالْمَبِيعِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فَمُرَادُهُمْ بِالْوَلَدِ هُنَا وَلَدُ الْبَهِيمَةِ لَا الْأَمَةِ، فَإِنْ تَلِفَ الْوَلَدُ فَهُوَ كَتَعَيُّبِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ إِمْسَاكُ الْوَلَدِ وَرَدُّ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْ حُرًّا فَبَاعَهَا دُونَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ بِأَخْذِ الْأَرْشِ أَوْرَدَهُمَا مَعًا، وَأَمَّا النَّقْصُ فَسَيَأْتِي.
1 -
(وَوَطْءُ الثَّيِّبِ) إِذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا (لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ نَقْصُ جُزْءٍ وَلَا صِفَةٍ، وَلَمْ يَتَضَمَّنِ الرِّضَى بِالْعَيْبِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الرَّدَّ كَالِاسْتِخْدَامِ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ، فَعَلَى هَذَا يَرُدُّهَا مَجَّانًا وَلِهَذَا لَهُ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً بِلَا إِجْبَارٍ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَعَنْهُ: يَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، لِأَنَّهُ إِذَا فَسَخَ صَارَ وَاطِئًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ (وَعَنْهُ: يَمْنَعُ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ كَالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ عُقُوبَةٍ أَوْ مَالٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ كَالْبِكْرِ (وَإِنْ وَطِئَ الْبِكْرَ أَوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ) كَقَطْعِ الثَّوْبِ (فَلَهُ الْأَرْشُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي
وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدِّهِ، وَأَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ.
قَالَ الْخِرَقِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ الْعَيْبَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلًا، قَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى السَّلَامَةَ، فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيمَا قَابَلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَفِي الرَّدِّ ضَرَرٌ عَلَى الْبَائِعِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، إِذْ ضَرَرُ الْمُشْتَرِي يُخَيَّرُ بِالْأَرْشِ فَتَعَيَّنَ، وَلِأَنَّ وَطْأَهَا يَعِيبُهَا عُرْفًا وَيَنْقُصُهَا حِسًّا لِكَوْنِهِ يُذْهِبُ جُزْءًا مِنْهَا (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ) وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ، وَالْمُؤَلِّفُ قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَعَلَيْهَا الْأَصْحَابُ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ مَعَ ذَهَابِ جُزْءٍ مِنَ الْمَبِيعِ، وَهُوَ اللَّبَنُ وَجَعَلَ التَّمْرَ بَدَلًا لَهُ، وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى ثَوْبًا وَلَبِسَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ فَأَجَازَ الرَّدَّ مَعَ النُّقْصَانِ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ عَيْبُ حَدَثٍ عِنْدَ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْخِيَارُ الْمَذْكُورُ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَمْكَنَ عَوْدُهُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ كَزَوَالِهِ قَبْلَ رَدِّهِ، وَإِنْ زَالَ بَعْدَهُ فَفِي رُجُوعِ مُشْتَرٍ عَلَى بَائِعٍ بِمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ احْتِمَالَانِ فَعَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكَ وَأَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ كَالْآخَرِ، فَإِذَا كَانَتْ بِكْرًا قِيمَتُهَا مِائَةً وَثَيِّبًا ثَمَانِينَ رَدَّ مَعَهَا عِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ بِفَسْخِ الْعَقْدِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ بِخِلَافِ أَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي، وَعَنْهُ: الْوَاجِبُ فِي وَطْءِ الْبِكْرِ الْمَهْرُ مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ الْعَيْبَ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلًا) أَيْ: إِذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ أَيْ: كَتَمَهُ وَأَخْفَاهُ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرُدُّ بِلَا أَرْشٍ وَيَلْزَمُ الْبَائِعُ رَدَّ الثَّمَنِ بِكَمَالِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبَالَغَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَهُ الرَّدُّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا عَقْدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَّطَ الْمُشْتَرِيَ وَغَرَّهُ فَصَارَ كَالْغَارِّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْعَيْبِ الْحَادِثِ سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي كَوَطْءِ الْبِكْرِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، أَوْ بِفِعْلِ الْعَبْدِ كَالْإِبَاقِ، وَالسَّرِقَةِ، أَوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَرَضِ وَسَوَاءٌ كَانَ نَاقِصًا
الْقَاضِي: وَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضُ الْعَيْنِ إِذَا تَلِفَتْ، وَأَرْشُ الْبِكْرِ إِذَا وَطِئَهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَكَمَا يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْمَبِيعِ، أَوْ مُذْهِبًا لِجَمِيعِهِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
(قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ) وَابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ الْإِمَامَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ مِنْ يَدِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ إِبَاقَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْبَائِعِ: يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَيَتَّبِعُ الْبَائِعُ عَبْدَهُ حَيْثُ كَانَ، وَيُحْكَى عَنِ الْحَكَمِ وَمَالِكٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضُ الْعَيْنِ إِذَا تَلِفَتْ، وَأَرْشُ الْبِكْرِ إِذَا وَطِئَهَا) حَكَاهُ الْمَجْدُ رِوَايَةً، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُخَلَّدِ بْنِ خُفَافٍ وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِمَا (وَكَمَا يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى الْمُشْتَرِي) مَعَ كَوْنِهِ قَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي عِوَضَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ تُعُيِّبَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُدَلِّسْهُ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا، وَلَا يُشْبِهُ التَّغْرِيرَ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدَهَا وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ التَّدْلِيسُ مِنْ وَكِيلِ الْبَائِعِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ شَمِلَ مَا ذَكَرْنَا كُلَّ مَبِيعٍ كَانَ مَعِيبًا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ آخَرُ كَزِنَى
عَلَى الْمشرِي وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدُ، أَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ رَجَعَ بِأَرْشِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ باعه غير
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُرِفَ مِنْهَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَنِسْيَانُ صَنْعَةٍ وَكِتَابَةٍ، وَعَنْهُ: يَرُدُّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْعَيْنِ وَيُمْكِنُ عَوْدُهُ بِالتَّذْكِيرِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ سَمِينًا فَهَزَلَ، وَالْعَيْبُ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي كَالْعَيْبِ قَبْلَهُ فِيمَا ضَمَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا أَرْشَ إِلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي غَرَّمَهُ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَعَنْهُ: عُهْدَةُ الْحَيَوَانِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ: سَنَةٌ.
قَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": وَبَعْدَهَا قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ فِي الْعُهْدَةِ حَدِيثٌ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةُ، وَإِجْمَاعُ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ) ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ (رَجَعَ بِأَرْشِهِ) أَيْ: إِذَا ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بَعْدَ أَنْ تَلِفَتْ تَلَفًا مَعْنَوِيًّا كَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهِ كَالْوَقْفِ، وَالِاسْتِيلَادِ، أَوْ حِسِّيًّا كَالْمَوْتِ وَتَلَفِ الثَّوْبِ فَلَهُ الْأَرْشُ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ، إِذِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَقْتَضِي تَعْيِينَ أَحَدِهِمَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْآخَرِ، وَخَرَجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ وَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ.
وَفَرَّقَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " بِأَنَّ هَذَا يَعْتَمِدُ الرَّدَّ وَلَا مَرْدُودَ، ثُمَّ يَعْتَمِدُ الْفَسْخَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَرْشَ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ فِي الرِّقَابِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، إِذِ الْعِتْقُ إِنَّمَا صَادَفَ الرَّقَبَةَ لَا الْجُزْءَ الْفَائِتَ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الرَّقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ظَانًّا سَلَامَتَهَا فَاقْتَضَى خُرُوجَهُ عَنْ هَذَا الْجُزْءِ، وَحَمَلَهَا الْمُؤَلِّفُ على الاستحباب وَالْقَاضِي عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعِتْقُ فِي وَاجِبٍ، فَأَمَّا التَّبَرُّعُ، فَلَا أَرْشَ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا (وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَعْرِفْ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْعَقْدُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَى بِهِ نَاقِصًا فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ (وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ) فَلَهُ أَرْشُهُ جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ أَشْبَهَ
عَالَمَ بِعَيْبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِيمَنْ بَاعَهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعُ فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ، وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِي، وَفِي أَرْشِ الْبيعِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَقْفَ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ إِمْكَانِ الرَّدِّ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ الْمَوْهُوبِ إِلَيْهِ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ إِمْكَانَ الرَّدِّ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ أَخْذِ الْأَرْشِ، كَمَا قَبِلَ الْهِبَةَ.
فَرْعٌ: إِذَا زَالَ مِلْكُهُ عِنْدَ غَيْرِ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ وَقُلْنَا: لَهُ الْأَرْشُ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي قِيمَتِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " (وَإِنْ فَعَلَهُ) فِي الْعِتْقِ وَنَحْوِهِ (عَالِمًا بِعَيْبِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ) عَلَى الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْمَبِيعِ نَاقِصًا فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْأَرْشِ كَالرَّدِّ بِلَا نِزَاعٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْإِمْسَاكِ مَعَ الْعِلْمِ، إِذِ الْأَرْشُ عِوَضُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِيمَنْ بَاعَهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ) أَيْ: لَا أَرْشَ لَهُ مُطْلَقًا، وَهَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ كَانَ بِفِعْلِهِ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ بِبَيْعِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ (إِلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ) لِأَنَّهُ إِذَا عَادَ مِلْكُهُ ثَبَتَتِ الْخِيَرَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبِعْهُ.
فَرْعٌ: لَوْ بَاعَهُ مُشْتَرٍ لِبَائِعِهِ فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي، ثُمَّ لِلثَّانِي رَدُّهُ عَلَيْهِ وَفَائِدَتُهُ اخْتِلَافُ الثَّمَنَيْنِ.
(وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِي) فِي مِلْكِهِ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَاتَ مِنْهُ جُزْءٌ اقْتَضَى الْعَقْدُ سَلَامَتَهُ، فَكَانَ لَهُ عِوَضُهُ، وَيَكُونُ بِالْحِسَابِ، فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْأَرْشِ، أَوِ الرُّبْعَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْبَيْعِ بَلْ إِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْ بَعْضِهِ، فَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْبَيْعِ لِكَثْرَتِهِ (وَفِي أَرْشِ الْبَيْعِ الرِّوَايَتَانِ) فِيمَا إِذَا بَاعَ الْجَمِيعُ، ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ مَعَ تَدْلِيسِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَاقِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ
الرِّوَايَتَانِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَهُ رَدُّ مِلْكِهِ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَأَرْشُ الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَإِنْ صَبَغَهُ، أَوْ نَسَجَهُ فَلَهُ الْأَرْشُ، وَعَنْهُ: لَهُ الرَّدُّ، وَيَكُونُ شَرِيكًا بِصَبْغِهِ وَنَسْجِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْمَدَ (لَهُ رَدُّ مِلْكِهِ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ مَبِيعٌ ظَهَرَ عَلَى عَيْبِهِ وَأَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَمَلَكَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ بَاقِيًا (وَأَرْشُ الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ عَيْنَيْنِ.
وَخَصَّ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْخِلَافَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيينِ، وَلَمْ يَنْقُصْهُمَا التَّفْرِيقُ كَالْعَبْدَيْنِ، وَالثَّوْبَيْنِ، فَإِذَا نَقَصَهُمَا التَّفْرِيقُ كَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَوْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ دَفْعًا لِضَرَرِ الْبَائِعِ لِنَقْصِهِمَا بِالتَّفْرِيقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَنْدَفِعُ بِرَدِّ أَرْشِ النَّقْصِ وَحَمَلَا قَوْلَ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا إِذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ لَا أَثَرَ لَهُ مَعَ التَّدْلِيسِ كَمَا مَرَّ.
(وَإِنْ صَبَغَهُ أَوْ نَسَجَهُ فَلَهُ الْأَرْشُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكَ ظَلَامَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْبَائِعِ، فَتَعَيَّنَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْمَبِيعَ بِمِلْكِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكَمَا لَوْ فَصَلَهُ (وَعَنْهُ: لَهُ الرَّدُّ، وَيَكُونُ) الْمُشْتَرِي (شَرِيكًا بِصَبْغِهِ وَنَسْجِهِ) أَيْ: يَكُونُ شَرِيكًا بِقِيمَةِ الزِّيَادَةِ كَالْغَاصِبِ، وَبَعْدَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى بَذْلِ عِوَضِ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا الْمُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَإِنِ اشْتَرَى مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ الدَّجَاجِ) وَالْجَوْزِ وَالرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ (رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ لِكَوْنِهِ وَقَعَ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَبَيْعِ الْحَشَرَاتِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فَاسِدًا رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ الْمَبِيعِ إِلَى بَائِعِهِ لعدم
مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ الدَّجَاجِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ النَّعَامِ وَجَوْزِ الْهِنْدِ فَلَهُ أَرْشُهُ، وَعَنْهُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَرْشِهِ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ مَا نَقَصَهُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَنْ عَلِمَ الْعَيْبَ فَأَخَّرَ
[المبدع في شرح المقنع]
الفائدة فِيهِ (وَإِنْ كَانَ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ النَّعَامِ، وَجَوْزِ الْهِنْدِ) وَالْبِطِّيخِ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ (فَلَهُ أَرْشُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِكَسْرِهِ فَتَعَيَّنَ الْأَرْشُ (وَعَنْهُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَرْشِهِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ مَا نَقَصَهُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ مَعَ رَدِّ بَدَلِ الْمُتْلِفِ بِيَدِهِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَهُوَ اللَّبَنُ مَعَ تَدْلِيسِ الْبَائِعِ وَغَرَرِهِ فَهُنَا أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لَا يُمْكِنُ الِاسْتِعْلَامُ إِلَّا بِهِ فَلَهُ رَدُّهُ اسْتِدْرَاكًا لِظَلَامَتِهِ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَسْرَ حَصَلَ ضَرُورَةَ الِاسْتِعْلَامِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا يُمْكِنُ الِاسْتِعْلَامُ بِدُونِهِ فَيُبْنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذَا تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّ أَرْشِ الْكَسْرِ الْمُسْتَعْلَمِ بِهِ، وَالرَّدُّ إِنْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِعْلَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَدْلِيسٌ وَلَا تَفْرِيطٌ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِعَيْبِهِ.
زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِلَّا مَعَ شَرْطِ سَلَامَتِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ.
تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى رِبَوِيًّا بجنسه فبان مَعِيبًا فَلَهُ الْفَسْخُ لِلضَّرُورَةِ دُونَ الْأَرْشِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّفَاضُلِ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ الْفَائِتِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: من غير جِنْسه قِيَاسًا عَلَى مَدِّ عَجْوَةٍ، فَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ، عند الْمُشْتَرِي، فَرِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ أَرْشُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ.
وَالْأُخْرَى: يَفْسَخُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَيُطَالِبُ بِقِيمَةِ الْحُلِيِّ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إِهْمَالُ الْعَيْبِ، وَلَا أَخْذُ الْأَرْشِ.
1 -
الرَّدَّ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى مِنَ التَّصَرُّفِ وَنَحْوِهِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ إِلَى رِضًى وَلَا قَضَاءٍ وَلَا حُضُورِ صَاحِبِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى
[المبدع في شرح المقنع]
(وَمَنْ عَلِمَ الْعَيْبَ فَأَخَّرَ الرَّدَّ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ) لِأَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقَّقٍ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِالتَّأْخِيرِ الْخَالِي عَنِ الرِّضَى بِهِ كَخِيَارِ الْقِصَاصِ (إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى مِنَ التَّصَرُّفِ وَنَحْوِهِ) كَالْوَطْءِ وَالسَّوْمِ وَالِاسْتِغْلَالِ، ذَكَرَهُ مُعْظَمُهُمْ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الرِّضَى مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِهِ، لَكِنْ لَوِ احْتَلَبَ الْمَبِيعُ وَنَحْوُهُ لَمْ يَمْنَعِ الرَّدَّ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ فَيُسْتَثْنَى.
قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": أَوْ رَكِبَهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ عَلَفَهَا.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنِ اسْتُخْدِمَ لَا لِلِاخْتِبَارِ بَطَلَ رَدُّهُ بِالْكَثِيرِ، وَإِلَّا فَلَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَأَنَّهُ لَا أَرْشَ أَيْضًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَرْشُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الرِّضَى فَمَعَ الْأَرْشِ كَإِمْسَاكِهِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ.
قَالَ: وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " قَالَ فِي " التَّنْبِيهِ ": وَالِاسْتِخْدَامُ، وَالرُّكُوبُ لَا يَمْنَعُ أَرْشَ الْعَيْبِ إِذَا ظَهَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إِنَّمَا نَصَّ أَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْأَرْشَ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ) لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمَالِ أَشْبَهَ الشُّفْعَةَ، فَعَلَى هَذَا مَتَى عَلِمَ الْعَيْبَ وَأَخَّرَ الرَّدَّ مَعَ إِمْكَانِهِ بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى كَالتَّصَرُّفِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَت لِدَفْعِ ضَرَرٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
(وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ إِلَى رِضًى وَلَا قَضَاءٍ وَلَا حُضُورِ صَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ جُعِلَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ كَالطَّلَاقِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، (وَإِنِ اشْتَرَى
اثْنَانِ شَيْئًا، وَشَرَطَا الْخِيَارَ، أَوْ وَجَدَاهُ مَعِيبًا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا، فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ فِي نَصِيبِهِ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا رَدُّهُمَا أَوْ إِمْسَاكَهُمَا، فَإِنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا: فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ، وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
اثْنَانِ شَيْئًا، وَشَرَطَا الْخِيَارَ، أَوْ وَجَدَاهُ مَعِيبًا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ، فِي نَصِيبِهِ) فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ جَمِيعُ مَا يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ، فَجَازَ لَهُ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ تَارَةً وَبِالشَّرْطِ أُخْرَى، وَكَشِرَاءِ وَاحِدٍ مِنِ اثْنَيْنِ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ فَكَأَنَّهُ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ مُفْرَدًا فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ مَا بَاعَهُ إِيَّاهُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ مُشَقَّصَةً (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِذَا رَدَّ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ رَدَّهُ مُشْتَرِكًا مُشَقِّصًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ، أَوْ وَرِثَاهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَعِيبِ.
وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فَلَا، فَعَلَى هَذَا لَهُ الْأَرْشُ وَقِيَاسُ الْأَوَّلِ لِلْحَاضِرِ مِنْهُمَا نَقْدُ نِصْفِ ثَمَنِهِ وقبض نِصْفَهُ، وَإِنْ نَقَدَ كُلَّهُ قَبَضَ نِصْفَهُ، وَفِي رُجُوعِهِ الرِّوَايَتَانِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ " وَغَيْرِهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَالَ: بِعْتُكُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَبِلْتُ، جَازَ.
1 -
(وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ مَعِيبَيْنِ) أَوْ طَعَامًا فِي وِعَاءَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ (صَفْقَةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا رَدُّهُمَا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا) .
قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ فِي رَدِّ أَحَدِهِمَا تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ لَا يُفَرِّقَهَا أَشْبَهَ رَدَّ بَعْضِ الْمَعِيبِ الْوَاحِدِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَمْسَكَ فَلَهُ الْأَرْشُ، وَعَنْهُ: لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا، وَعَنْهُ: يَتَعَيَّنُ (فَإِنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ) مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ رَدٌّ لِلْمَعِيبِ عَلَى وَجْهٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْبَائِعِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ رَدَّ الْجَمِيعَ.
التَّالِفِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا رَدُّهُمَا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَنْقُصُهُ التَّفْرِيقُ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ أو زَوْجَيْ خُفٍّ، أَوْ مَنْ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا بِالْعَيْبِ، هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَفِي
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّ الرَّدَّ هُنَا مَبْنِيٌّ فِي رَدِّ أَحَدِهِمَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَاقِي إِذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا (وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ الْمُشْتَرِي (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَتِهِ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِ.
وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا) وَأَبَى أَخْذَ الْأَرْشِ (فَلَهُ رَدُّهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ رَدٌّ لِلْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْبَائِعِ، كَمَا سَبَقَ (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا رَدُّهُمَا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا) لِأَنَّ فِي رَدِّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئًا، (وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَنْقُصُهُ التَّفْرِيقُ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، أَوْ زَوْجَيْ خُفٍّ، أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ بَلْ يَتَعَيَّنُ إِمَّا رَدُّهُمَا، أَوْ إِمْسَاكُهُمَا لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ وَسُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَالنَّهْيِ الْخَاصِّ عَنِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ محرم كَذَلِكَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَمِثْلُهُ بَيْعُ جَانٍّ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ يُبَاعَانِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ لِمَوْلَاهُ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي) وَكَانَ مُحْتَمِلًا لِقَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَالْخَرْقِ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ رِوَايَتَانِ) .
وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ
أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ رِوَايَتَانِ.
إِلَّا أَنْ لا يَحْتَمِلَ إِلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ
[المبدع في شرح المقنع]
يَنْفِيهِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ وَيَمِينِهِ عَلَى الْبَتِّ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ، أَوْ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ أَنَصُّهُمَا.
وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ وَعَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ، وَيَمِينُهُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ، فَإِنْ أَجَابَ أَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَجَابَ أَنَّهُ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الرَّدِّ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا عَلَى الْبَتِّ إِلَّا عَلَى النَّفْيِ فِي فِعْلِ الْغَيْرِ، وَعَنْهُ: عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَفِي الْإِيضَاحِ يَتَحَالَفَانِ (إِلَّا أَنْ لا يَحْتَمِلَ إِلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا) كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَالْجُرْحِ الْمُنْدَمِلِ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَالْجُرْحِ الطَّرِيِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ) مَنْ يَدَّعِيهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِلْعِلْمِ بِصِدْقِهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى اسْتِحْلَافِهِ، وَقِيلَ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ.
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي بَكَارَتَهَا أُرِيَتِ الثِّقَاتِ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا، وَقَالَ: مَا وَجَدْتُهَا بِكْرًا، فَوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْعَيْبِ الْحَادِثِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: إِذَا وَكَّلَ فِي الْبَيْعِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ بِالْمَبِيعِ فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ فَأَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ، وَأَنْكَرَ مُوَكَّلُهُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى مُوَكَّلِهِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّدَّ، فَقُبِلَ كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَصَحَّحَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَمْ يُقْبَلْ كَالْأَجْنَبِيِّ فَعَلَيْهِ لَوْ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ، لِأَنَّ رَدَّهُ بِإِقْرَارِهِ وهو غير مقبول عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَهُ الْوَكِيلُ وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ عَنْهَا، فَرُدَّ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
يَمِينٍ، وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا تَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ غَيْرِهِ يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَهُ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ الْأَرْشُ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، وَالسَّيِّدُ مُعْسِرٌ قَدَّمَ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِذِمَّتِهِ، وَالْبَيْعُ لَازِمٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِي: إِذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ بِخِيَارِ شَرْطٍ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، نَصَّ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ نَقَلَهُ مُهَنَّا.
(وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا تَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ غَيْرِهِ يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ مَعِيبًا أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَعِيبَاتِ (وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَلَهُ الرَّدُّ) وَأَخَذَ الثَّمَنَ (أَوِ) الْإِمْسَاكُ مَعَ (الْأَرْشُ) لِأَنَّهُ عَيْبٌ فَمَلَكَ بِهِ الْخِيَرَةَ كَبَقِيَّةِ الْعُيُوبِ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ الْأَرْشُ) لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ، وَهُوَ قِسْطٌ مَا بَيْنَ كَوْنِهِ جَانِيًا، وَغَيْرَ جَانٍ، فَيُقَالُ: ثمنه غير جَان بِمِائَةٍ وَجَان بِخَمْسِينَ، فَمَا بَيْنَهُمَا النِّصْفُ، فَالْأَرْشُ إِذَنْ نِصْفُ الثَّمَنِ، فَإِنْ قَطَعَ فَهَلْ يَمْنَعُ مَنْ رَدِّهِ قِيمَتَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
(وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ) أَوِ الْقِصَاصِ فَعُفِيَ عَنْهُ إِلَى مَالٍ (وَالسَّيِّدُ) أَيِ: الْبَائِعُ (مُعْسِرٌ قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ حَقَّ الْجِنَايَةِ سَابِقٌ عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا تَعَذَّرَ إِمْضَاؤُهُمَا قُدِّمَ حَقُّ السَّابِقِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا) لِأَنَّ تَمَكُّنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ انْتِزَاعِهِ عَيْبٌ فَمَلَكَ بِهِ الْخِيَارَ كَغَيْرِهِ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ وَكَانَتِ الْجِنَايَةُ مُسْتَوْعِبَةً لِرَقَبَةِ الْعَبْدِ وَأَخَذَ بِهَا رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَرْشَ مِثْلِ ذَلِكَ جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوْعِبَةً رَجَعَ بِقَدْرِ أَرْشِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ لَا خِيَارَ لَهُ (وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِذِمَّتِهِ) لِأَنَّ الْخِيَرَةَ لَهُ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ فِي الْجِنَايَةِ وَفِدَائِهِ، فَإِذَا بَاعَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ لِإِخْرَاجِ الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ عَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ الْأَرْشُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ (وَالْبَيْعُ لَازِمٌ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِرُجُوعِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ.
فَصْلٌ السَّادِسُ: خِيَارٌ يَثْبُتُ فِي التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُرَابَحَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ، وَلَا بُدَّ فِي جَمِيعِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشْتَرِي رَأْسَ الْمَالِ، وَمَعْنَى التَّوْلِيَةِ: الْبَيْعُ بِرَأْسِ الْمَالِ فَيَقُولُ: وَلَّيْتُكَهُ أَوْ بِعْتُكَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ، بِمَا اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ بِرَقْمِهِ، وَالشَّرِكَةُ: بَيْعُ بَعْضِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
[السَّادِسُ خِيَارٌ يَثْبُتُ فِي التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُرَابَحَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ]
فَصْلٌ (السَّادِسُ: خِيَارٌ يَثْبُتُ فِي التَّوْلِيَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُرَابَحَةِ، وَالْمُوَاضَعَةِ) هَذِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْبَيْعِ، وَاخْتُصَّتْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ كَاخْتِصَاصِ السَّلَمِ، وَالْمُشْتَرِي قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ لِكَوْنِهِ حَالِفًا أَوْ وَصِيًّا فِي الشِّرَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشْتَرِي رَأْسَ الْمَالِ) لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الثَّمَنِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَالْعِلْمُ بِالثَّمَنِ شَرْطٌ، فَمَتَى فَاتَ لَمْ يَصِحَّ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَخَصَّ الْمُشْتَرِي بِهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَمَتَى جَهِلَاهُ، أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ نَسِيَ الْبَائِعُ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً بَلْ مُسَاوَمَةً؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ عَالِمًا أَوْ ظَانًّا بِذَلِكَ كَانَ كَاذِبًا (وَمَعْنَى التَّوْلِيَةِ) فِي الْأَصْلِ تَقْلِيدُ الْعَمَلِ يُقَالُ: وَلِيَ فُلَانٌ الْقَضَاءَ، وَالْعَمَلَ الْفُلَانِيَّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ هُنَا فِي (الْبَيْعِ بِرَأْسِ الْمَالِ فَيَقُولُ: وَلَّيْتُكَهُ، أَوْ بِعْتُكَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ) وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ عَلَى أَنَّ لِلتَّوْلِيَةِ لَفْظَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: صَرِيحُ لَفْظِهَا.
وَالثَّانِي: لَفْظُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي مَعْنَاهُ فَإِذَا قَالَ: بِعْتُكَ (بِمَا اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ بِرَقْمِهِ) الْمَعْلُومِ، صَحَّ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَيَّنَ الثَّمَنَ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الرَّقْمِ، وَهُوَ الثَّمَنُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمَا حَالَ الْعَقْدِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ دَفَعَ ثِيَابًا إِلَى قِصَارٍ، وَأَمَرَهُ بِرَقْمِهَا فَرَقَمَ ثَمَنَهَا عَلَيْهَا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً حَتَّى يَرْقُمَهَا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فَعَلَ الْقَصَّارُ، (وَالشَّرِكَةُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَيَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَشْرَكْتُكَ فِي نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ) لِأَنَّهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلشَّرِكَةِ حَقِيقَةً، فَصَحَّ بِهِ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ نِصْفَهُ بِنِصْفِ رَأْسِ مَالِهِ، صَحَّ لِإِفَادَتِهِ الْمَقْصُودَ.
بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَيَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَشْرَكْتُكَ فِي نِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ، وَالْمُرَابَحَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ بِرِبْحٍ فَيَقُولُ: رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ بِعْتُكَهُ بِهَا وَرِبْحٌ عَشَرَةٌ، أَوْ عَلي أَنْ أَرْبَحَ فِي كُلِّ
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهٌ: إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقَالَ آخَرُ أَشْرِكْنِي انْصَرَفَ إِلَى النِّصْفِ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بِإِطْلَاقِهَا.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ قَالَهُ الْآخَرُ عَالِمًا بِشَرِكَةِ الْأَوَّلِ فَلَهُ نِصْفُ نَصِيبِهِ، وَهُوَ الرُّبُعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالْأَصَحُّ يَصِحُّ فَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّ طَلَبَ مِنْهُ نِصْفَ الْمَبِيعِ فَأَجَابَ إِلَيْهِ كَالْبَيْعِ.
وَقِيلَ: نِصْفُ نَصِيبِهِ، وَهُوَ الرُّبُعُ.
وَقِيلَ: وَنِصْفُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ إِنْ أُجِيزَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَعَلَى الْأَخِيرَيْنِ لِطَالِبِ الشَّرِكَةِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَ النِّصْفَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ بِوُقُوفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ هَذِهِ الشَّرِكَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي نِصْفَ هَذَا الْعَبْدِ فَقَالَ: بِعْتُكَ رُبُعَهُ وَلَوْ قَالَ: أَشْرِكَانِي فَأَشْرَكَاهُ مَعًا، فَفِي أَخْذِ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ - صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالَانِ، وَإِنْ شَرَكَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدًا كَانَ لَهُ النِّصْفُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الرُّبُعُ، وَإِنْ شَرَكَهُ أَحَدُهُمَا فَنِصْفُ نَصِيبِهِ، أَوْ ثُلُثُهُ.
1 -
(وَالْمُرَابَحَةُ أَنْ يَبِيعَهُ بِرِبْحٍ فَيَقُولُ: رَأْسُ مَالِي مِائَةٌ بِعْتُكَهُ بِهَا وَرِبْحٌ عَشَرَةٌ) فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ وَالرِّبْحَ مَعْلُومَانِ (أَوْ عَلَي أَنْ أَرْبَحَ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا) فَيُكْرَهُ وَيَصِحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِكَرَاهَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ نَقَلَ أَبُو النَّصْرِ هُوَ الرِّبَا.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " زَادِ الْمُسَافِرِ ".
وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ كَأَنَّهُ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ لَا يَصِحُّ.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ جَهِلَ مُشْتَرٍ ثَمَنَهُ عِنْدَ عَقْدٍ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: دَهْ يَازْدَهْ، أَوْ دَهْ دَوَازْدَهْ؛ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
قَالَهُ أَحْمَدُ، لِأَنَّهُ بَيْعُ الْأَعَاجِمِ وَلِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ لَا يُعْلَمُ فِي الْحَالِ.
عَشَرَةٍ دِرْهَمًا، وَالْمُوَاضَعَةُ: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَهُ بِهَا، وَوَضِيعَةُ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: الْمُسَاوَمَةُ أَسْهَلُ عِنْدِي مِنَ الْمُرَابَحَةِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الصِّدْقِ وَاجْتِنَابِ الرِّيبَةِ.
مَسَائِلُ: إِذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ مُرَابَحَةً فَأَخْبَرَهُ أَنَّ ثَمَنَهَا مِائَةٌ بِرِبْحِ عَشَرَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تِسْعُونَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الثَّمَنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِالزِّيَادَةِ، وَهُوَ عَشَرَةٌ وَحَظُّهَا مِنَ الرِّبْحِ، وَهُوَ دِرْهَمٌ فَيَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ وَبَيْنَ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْخِيَانَةَ فِي هَذَا الثَّمَنِ أَيْضًا وَرُبَّمَا كَانَ حَالِفًا أَوْ وَكِيلًا.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِمِائَةٍ وعشرة يرضى بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، فَلَوْ أَخْبَرَ الْبَائِعَ أَنَّ ثَمَنَهَا أَكْثَرُ، وَأَنَّهُ غَلِطَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَعَهُ فِي الْمُرَابَحَةِ، فَقَدِ ائْتَمَنَهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ، وَلَهُ تَحْلِيفُ بَائِعٍ إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ بَيْعِهَا أَكْثَرُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنْ نَكَلَ أَوْ أَقَرَّ قُضِيَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُسْمَعُ مِنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
وَعَنْهُ: يُقْبَلُ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ لِتَرَجُّحِهِ إِذَنْ.
وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً لِتَكْذِيبِهِ لَهَا ظَاهِرًا إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَحْلِفُ مُشْتَرٍ بِدَعْوَى بَائِعٍ عَلَيْهِ عَلِمَ الْغَلَطَ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " خِلَافَهُ، وَبِكُلِّ حَالٍ إِذَا صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ أُخِذَ بِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَّفَهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَنَاءِ، وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِهَا عَالِمًا، لَزِمَهُ.
1 -
(وَالْمُوَاضَعَةُ) : الْمُتَارَكَةُ فِي الْبَيْعِ وَسُمِّيَ بِالْمُوَاضَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِدُونِ رَأْسِ الْمَالِ بِخِلَافِ الْمُرَابَحَةِ، وَيُكْرَهُ فِيهَا مَا يُكْرَهُ فِيهَا، وَهِيَ (أَنْ يَقُولَ) الْبَائِعُ: (بِعْتُكَهُ بِهَا) أَيْ: بِرَأْسِ مَالِهِ (وَوَضِيعَةُ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ) لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُحَصَّلٌ لِمَقْصُودِ الْبَيْعِ بِدُونِ رَأْسِ الْمَالِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِهِ وَأَضَعُ لَكَ عَشَرَةً (فَيَلْزَمُ
فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ قَالَ: وَوَضِيعَةُ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعُونَ، وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ، وَمَتَى اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً، أَوْ بَاعَ بَعْضَ الصَّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْبِيرِهِ بِالثَّمَنِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُشْتَرِيَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا) إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً، لِأَنَّهَا عَشْرُ عَشَرَاتٍ، فَإِذَا سَقَطَ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمٌ بَقِيَ تِسْعُونَ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ تِسْعُونَ وَتِسْعَةُ أَعْشَارِ دِرْهَمٍ وَحَكَاهُ الْأَزَجِيُّ رِوَايَةً.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ كَالثَّانِيَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَطًّا مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وهو غير مَا قَالَهُ (وَإِنْ قَالَ: وَوَضِيعَةُ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعُونَ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ) لِأَنَّهُ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْحَطُّ مِنْ غَيْرِ الْعَشَرَةِ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ تِسْعَةٌ وَمِنْ دِرْهَمٍ جُزْءٌ، فَيَبْقَى مَا ذُكِرَ، كَعَنْ كُلٍّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْحَطُّ هُنَا عَشَرَةٌ كَالْأُولَى، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ الْمَوْجُودَةُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهَا تَزُولُ بِالْحِسَابِ.
(وَمَتَى اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً، أَوْ بَاعَ بَعْضَ الصَّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْبِيرِهِ بِالثَّمَنِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ) وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: إِذَا اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْبِيرِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ اسْتِدْرَاكًا لِظَلَامَتِهِ، وَلِأَنَّ الْأَجَلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ حَالًا أَوْ يَفْسَخُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ الْمُسَاوِيَةِ كَبِرَ وَنَحْوَهُ.
وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا خُيِّرَ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِهِ بِالثَّمَنِ مُؤَجَّلًا، لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْبَائِعُ، وَالتَّأْجِيلُ صِفَةٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا حَبَسَ الثَّمَنَ بِقَدْرِ الْأَجَلِ، وَقَالَهُ شُرَيْحٌ.
وَمَا يُزَادُ فِي الثَّمَنِ، أَوْ يَحُطُّ مِنْهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِعَيْبٍ أَوْ جِنَايَةً
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ إِذَا بَانَ مُؤَجَّلًا أَخَذَ بِهِ مُؤَجَّلًا، وَلَا خِيَارَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا اشْتَرَاهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَأَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمْ لِكَوْنِهِ يُحَابِيهِمْ وَيَسْمَحُ لَهُمْ وَكَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ مِنْ مُكَاتِبِهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْبِيرِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ فَذَلِكَ تَدْلِيسٌ، وَهُوَ حَرَامٌ كَتَدْلِيسِ الْعَيْبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ أَشْبَهَ غَيْرَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا بَاعَ غُلَامٌ دُكَّانَهُ سلعة، ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ كَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا بَاعَ بَعْضَ الصَّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْبِيرِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الثَّمَنِ عَلَى ذَلِكَ تَخْمِينٌ وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِيهِ كَثِيرٌ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ نَصِيبِهِ مِمَّا اشْتَرَاهُ وَاقْتَسَمَاهُ مُرَابَحَةً مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَمَنُهُ فَهُوَ صَادِقٌ.
وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، بَلْ مُسَاوَمَةٌ، وَهَذَا فِي الْمُتَقَوِّمَاتِ الَّتِي لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهَا الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ الَّتِي يَنْقَسِمُ عَلَيْهَا الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ كَأَكْثَرِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ مُرَابَحَةً بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَمَا يُزَادُ فِي الثَّمَنِ) أَوِ الْمُثَمَّنِ (أَوْ يَحُطُّ مِنْهُ) أَيْ: يَنْقُصُ (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ، وَيُخْبَرُ بِهِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ، فَوَجَبَ إِلْحَاقُهُ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَالْإِخْبَارُ بِهِ كَأَصْلِهِ، وَمِثْلُهُ خِيَارٌ وَأَجَلٌ.
عَلَيْهِ يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيُخْبَرُ بِهِ، وَإِنْ جَنَى فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ زِيدَ فِي الثَّمَنِ، أَوْ حَطَّ مِنْهُ بَعْدَ لُزُومِهِ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ وَقَصَّرَهُ بِعَشَرَةٍ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنْ قَالَ: تَحْصُلُ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارَيْنِ إِلَى الْمُشْتَرِي، فَلَا خِيَارَ.
قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.
وَقَالَ: لَوْ حَطَّ الْكُلَّ هَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ أَوْ يَصِحُّ، أَوْ يَكُونُ هِبَةً؟ فِيهِ أَوْجُهٍ.
فَرْعٌ: إِذَا وَهَبَ مُشْتَرٍ لِوَكِيلٍ بَاعَهُ فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ، وَمِثْلُهُ عَكْسُهُ، فَإِنْ تَغَيَّرَ سِعْرُ السِّلْعَةِ وَهِيَ بِحَالِهَا، فَإِنْ غَلَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِيهَا، وَكَذَا إِنْ رَخُصَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِدُونِ الْإِخْبَارِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِدُونِ ثَمَنِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحَالَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ (أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِعَيْبٍ، أَوْ جِنَايَةً عَلَيْهِ يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ يُخْبَرُ بِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي أَرْشِ الْعَيْبِ، فَعَلَى هَذَا يَحُطُّ أَرْشُ الْعَيْبِ مِنَ الثَّمَنِ وَيُخْبَرُ بِالْبَاقِي، وَقَالَ الْقَاضِي: يُخْبَرُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَذَا أَرْشُ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنَ الْبَيْعِ وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي " الْفُرُوعِ " فِيهِمَا.
وَقِيلَ: لَا يَحُطُّ أَرْشُ الْجِنَايَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَخَذَ نَمَاءً، أَوْ وَطِئَ، أَوِ اسْتَخْدَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ بَيَانُهُ، وَعَنْهُ: بَلَى لِنَقْصِهِ (وَإِنْ جَنَى فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي) لَمْ يَلْحَقْ بِالثَّمَنِ، وَلَا يُخْبَرْ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ بِهِ الْمَبِيعُ قِيمَةً وَلَا ذَاتًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُزِيلٌ لِنَقْصِهِ بِالْجِنَايَةِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْأَدْوِيَةُ وَالْمُؤْنَةُ وَالْكِسْوَةُ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجْهًا وَاحِدًا (أَوْ زِيدَ فِي الثَّمَنِ، أَوْ حَطَّ مِنْهُ بَعْدَ لُزُومِهِ) أَيْ: لُزُومِ الْعَقْدِ (لَمْ يَلْحَقْ بِهِ) أَيْ: بِرَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْأَصَحِّ كَالْأَجَلِ وَالْخِيَارِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ عِوَضًا.
(وَإِنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ وَقَصَّرَهُ بِعَشَرَةٍ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ ضَمَّ ذَلِكَ إِلَى الثَّمَنِ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ كَانَ كَذِبًا وَتَغْرِيرًا بِالْمُشْتَرِي (فَإِنْ قَالَ: تَحْصُلُ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَلْبِيسًا.
عَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ عَمَلًا يُسَاوِي عَشَرَةً، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ أُخْبِرَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ، جَازَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحُطُّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَيُخْبَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ، وَمِثْلُهُ أُجْرَةُ مَتَاعِهِ وَكَيْلُهُ وَوَزْنُهُ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
قَالَ الْأَزَجِيُّ وَعَلَفُ الدَّابَّةِ، وَخَالَفَهُ الْمُؤَلِّفُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا بَيَّنَ فَلَا بَأْسَ، وَلَا يُقَوِّمُهُ، ثُمَّ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً، وَبَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ أَسْهَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ.
(وَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ عَمَلًا يُسَاوِي عَشَرَةً لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَجْهًا وَاحِدًا) لِأَنَّهُ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ لَمْ يَغْرُمْ بِسَبَبِهِ شَيْئًا، كَمَا لَوْ عَمِلَ لَهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْبَيْعَ مُرَابَحَةً، وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا أَخْبَرَ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزِيدَ أَثْمَانُهَا كَالسَّمْنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ يَحْدُثَ مِنْهَا نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ، فَإِذَا بَاعَهَا مُرَابَحَةً أَخْبَرَ بِالثَّمَنِ من غير زِيَادَةً؛ لِأَنَّهُ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ، وَلَوْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ، كَمَا سَبَقَ.
الثَّانِي: أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَمَلًا كَقِصَرِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، سَوَاءٌ قَصَّرَهُ بِنَفْسِهِ أَوِ اسْتَأْجَرَ مَنْ عَمِلَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنْ قَالَ: تَحْصُلُ عَلَيَّ بِكَذَا فَالْخِلَافُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَغَيَّرَ بِنَقْصٍ كَالْمَرَضِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، أَوْ تَلَفِ بَعْضِهِ، أَوِ اسْتِغْلَالِهِ كَأَخْذِ صُوفِهِ وَلَبَنِهِ، فَإِنَّهُ يُخْبِرُ بِالْحَالِ قَوْلًا وَاحِدًا.
(وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ، وَأَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ (وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ جَازَ) صَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ تُهْمَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْبَحْ فِيهِ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحُطُّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَيُخَبرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ)
فَصْلٌ السَّابِعُ: خِيَارٌ يَثْبُتُ لِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَعْجَبَ أَحْمَدَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ أَحَدُ نَوْعَيِ النَّمَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يُخْبَرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ كَالنَّمَاءِ مِنْ نَفْسِ الْبَيْعِ كَالثَّمَرَةِ وَنَحْوِهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُخْبِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ؛ لِأَنَّهُ حَطَّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي، لَكِنْ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: يَقُومُ عَلَيَّ بِخَمْسَةٍ، وَلَا يَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ، فَإِنَّهُ كَذِبٌ، كَمَا لَوْ ضَمَّ إِلَيْهِ أُجْرَةَ الْقِصَارَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ أَخْبَرَ بِالْحَالِ كَمَنِ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِعِشْرِينَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، بينه وَلَمْ يَضُمَّ خَسَارَةً إِلَى ثَمَنٍ ثَانٍ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَى نِصْفَ سِلْعَةٍ بِعَشَرَةٍ وَاشْتَرَى آخَرُ بَاقِيهَا بِعِشْرِينَ، ثُمَّ بَاعَهَا مُرَابَحَةً زَادَ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ مُوَاضَعَةً أَوْ تَوْلِيَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: عَلَى قَدْرِ رُؤُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَصَحَّحَهَا السَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ.
وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ رَأْسُ مَالِهِ، وَالرِّبْحُ نِصْفَانِ، فَإِنْ بَاعَه مُسَاوَمَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ لِرَغْبَةٍ تَخُصُّهُ لَزِمَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْحَالِ، وَيَصِيرُ كَالشِّرَاءِ بِثَمَنٍ غَالٍ لِأَجْلِ الْمَوْسِمِ الَّذِي كَانَ حَالَ الشِّرَاءِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ ".
[السَّابِعُ خِيَارٌ يَثْبُتُ لِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ]
فَصْلٌ (السَّابِعُ: خِيَارٌ يَثْبُتُ لِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ) وَهُوَ صُوَرٌ (فَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ) بِأَنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: اشْتَرَيْتُ بِثَمَانِينَ، وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا (تَحَالَفَا) نَقَلَهُ
تَحَالَفَا، فَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ فَيَحْلِفُ مَا بِعْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا، ثُمَّ يَحْلِفُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَمَاعَةُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ صُورَةً، وَكَذَا حُكْمًا لِسَمَاعِ بَيِّنَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لَا تُسْمَعُ إِلَّا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي بِاتِّفَاقِنَا وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا تَحَالَفَا» .
وَعَنْهُ: «يُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعٍ مَعَ يَمِينِهِ» ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " الْمَنْصُوصِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ، أَنْ يَتَرَادَّانِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَاخْتِلَافِهِمَا بَعْدَ قَبْضِهِ وَفَسْخِ الْعَقْدِ بِعَيْبٍ، أَوْ إِقَالَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، لَكِنْ قَدْ تَعَدَّدَتِ طرقه، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ، وَقَدِ اشْتُهِرَ بِالْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ شُهْرَةً يَسْتَغْنِي عَنِ الْإِسْنَادِ.
وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ مُشْتَرٍ مَعَ يَمِينِهِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى حُصُولِ الْمِلْكِ لَهُ، ثُمَّ الْبَائِعُ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ بَعْضَهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، أَوْ يَتَرَدَّانِ.
قِيلَ: فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قَالَ: كَذَلِكَ (فَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ أَقْوَى جَنَبَةً مِنَ الْمُشْتَرِي؛ لِكَوْنِ الْمَبِيعِ يُرَدُّ إِلَيْهِ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ (فَيَحْلِفُ: مَا
الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ مَا قَالَ صَاحِبُهُ، وَإِنْ تَحَالَفَا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ أَقَرَّ الْعَقْدَ، وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ
[المبدع في شرح المقنع]
بِعْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ، يَذْكُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، الْإِثْبَاتُ لِدَعْوَاهُ، وَالنَّفْيُ لِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ فَيَبْدَأُ بِالنَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْيَمِينِ أَنَّهَا لِلنَّفْيِ.
وَعَنْهُ: يَبْدَأُ بِالْإِثْبَاتِ، وَظَاهِرُهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى فَصْلِ الْقَضَاءِ (فَإِن نكل أَحَدَهُمَا) سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعَ، أَوِ الْمُشْتَرِيَ (لَزِمَهُ مَا قَالَ صَاحِبُهُ) لِقَضَاءِ عُثْمَانَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ أَنَّهُ بَدَّلَ شِقَّيِ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ نَاكِلًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا بِالْمَجْمُوعِ.
(وَإِنْ تَحَالَفَا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ أَقَرَّ الْعَقْدَ) لِأَنَّ الرَّاضِيَ إِنْ كَانَ الْبَائِعَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي (وَإِلَّا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِاخْتِلَافِهِمَا وَتَعَارُضِهِمَا فِي الْحُجَّةِ، كَمَا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً.
وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ.
وَزَعَمَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ التَّحَالُفِ رَفْعُ الْعَقْدِ فَاعْتماد ذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْأَخْذِ بِقَوْلِ صَاحِبِهِ انْفَسَخَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ.
وَقِيلَ: بَلَى وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ فُسِخَ لِاسْتِدْرَاكِ الظَّلَامَةِ، أَشْبَهَ رَدَّ الْمَعِيبِ، وَلَا يُشْبِهُ النِّكَاحَ لِاسْتِقْلَالِ
مِنْهُمَا الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً، ورَجَعَا إِلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مع يمينه، وَعَنْهُ: لَا يَتَحَالَفَانِ إِذَا كَانَتْ تَالِفَةً، وَالْقَوْلُ
[المبدع في شرح المقنع]
كُلٍّ مِنْهُمَا بِالطَّلَاقِ (وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً) تَحَالَفَا (وَرَجَعَا إِلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، فَيَغْرُمُ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ لِتَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِيهَا، نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أنَّ القِيمَةَ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لعدم الفائدة فِي يَمِينِ الْبَائِعِ، وَفُسِخَ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَاحْتِمَالَانِ، أَحَدُهُمَا: كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْآخَرُ: يَشْرَعُ التَّحَالُفُ لحصول الفائدة لِلْمُشْتَرِي.
(فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الصِّفَةُ عَيْبًا كَالْبَرَصِ وَخَرْقِ الثَّوْبِ، أَوْ لَا كَالسَّمْنِ، وَالْكِتَابَةِ.
وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعٍ فِي نَفْيِ الْعَيْبِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَايَتُهُ تَعَارَضَ أَصْلَانِ فَخَرَجَ قَوْلَانِ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ الثَّمَنَ وَشَارَكَ الْقِيمَةَ، وَكَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَعَارَضَا وَتَسَاقَطَا، وَإِلَّا سَقَطَ الْأَقَلُّ، وَمِثْلُهُ مِنَ الْأَكْثَرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ أَو الْقِيمَةَ إِنْ زَادَتْ عَلَى الثَّمَنِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَلَى وَجْهٍ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ (وَعَنْهُ: لَا يَتَحَالَفَانِ إِذَا كَانَتْ تَالِفَةً) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ عِنْدَ عَدَمِهَا (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ) لأنهما اتفقا عَلَى نَقْلِ السِّلْعَةِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرٍ زَائِدٍ يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ وَيُنْكِرُهُ الْمُشْتَرِي، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَمْ يَقُلْ فِيهِ: " وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ " إِلَّا يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَقَدْ أَخْطَأَ، رَوَاهُ الْخَلْقُ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئًا (وَإِنْ مَاتَا
قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ مَاتَا فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا.
وَمَتَى فَسَخَ الْمَظْلُومُ مِنْهُمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ فَسَخَ الظَّالِمُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا وَعَلَيْهِ إِثْمُ الْغَاصِبِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ، فَيَرْجِعُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا) لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي أَخْذِ مَالِهِ وَإِرْثِ حُقُوقِهِ، فَكَذَا فِيمَا يَلْزَمُهُ، وَكَذَا إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
(وَمَتَى فَسَخَ الْمَظْلُومُ مِنْهُمَا) سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ، أَوِ الْمُشْتَرِي (انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَإِنْ فَسَخَ الظَّالِمُ) أَيِ: الْكَاذِبُ عَالِمًا بِكَذِبِهِ (لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا) لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَسْخُ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا عُذْرَ لَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ بِحُكْم من غير عُدْوَانٍ مِنْهُ (وَعَلَيْهِ) أَيِ: الظَّالِمِ (إِثْمُ الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ غَاصِبٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: لَمْ أَجِدْ مِمَّا قَالَ الْمُؤَلِّفُ نَقْلًا صَرِيحًا يُوَافِقُهُ، وَلَا دَلِيلًا يقتضيه، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُهُ هُنَا.
وَنَقَلَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي " تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إِمْضَاءُ الْعَقْدِ وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ، فَلَا يَنْفَسِخُ بَاطِنًا، وَلَا يُبَاحُ لَهُ بالتَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ظَالِمًا انْفَسَخَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ فُسِخَ لِاسْتِدْرَاكِ ظَلَامَتِهِ، أَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا) أَيْ: إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا، فَوَجَبَ التَّحَالُفُ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعَقْدِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نُقُودٌ وَأَحَدُهَا غَالِبٌ أُخِذَ بِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَأَوْسَطُهَا.
وَعَنْهُ: الْأَقَلُّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَحَالَفَانِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ أَوْ شَرْطٍ) صَحِيحٍ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ
إِلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ أَوْ شَرْطٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ، وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَاسِدًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتَنِي هَذَيْنِ، قَالَ: بَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
يَنْفِيهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَكَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَ الْآخَرِ مُحْتَمَلٌ (وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ تَحَالُفُهُمَا كَالِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ، وَفِي قَدْرِ مَا وَقَعَا بِهِ، وَفِي قَدْرِ الْأَجَلِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَاسِدًا) كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: وَقَعَ بِخَمْرٍ، أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَلِّمِ أَنَّهُ لَا يَتَعَاطَى إِلَّا عَقْدًا صَحِيحًا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْبَلُ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ دُونَ فَسَادِهِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ وَأَنَا صَبِيٌّ أو غير مَأْذُون لِي فِي التِّجَارَةِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي قَدَّمَ قَوْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لَوِ اخْتَلَفَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ قُبِلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مُدَّعِي فَسَادِهِ انْتَهَى.
فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي.
وَقِيلَ: يَسْقُطَانِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْتَنِي هَذَيْنِ) بِمِائَةٍ (قَالَ: بَلْ أَحَدَهُمَا) بِخَمْسِينَ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ قَالَ: بَلْ هُوَ، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ) مَعَ يَمِينِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ فَاخْتَصَّتِ الْيَمِينُ بِهِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.
وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ، صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ كَثَمَنِهِ، وَقَدَّمَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " وَغَيْرِهَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَقْيَسُ وَأَوْلَى (وَإِنْ قَالَ: بِعْتَنِي هَذَا.
قَالَ: بَلْ هَذَا.
حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا عَلَى مَبِيعٍ يُنْكِرُهُ الْآخَرُ، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ (وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي أَنْكَرَهُ الْبَائِعُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَالَّذِي أَقَرَّهُ الْبَائِعُ لَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: " يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، ثُمَّ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مَبِيعًا
أَحَدَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتَنِي هَذَا.
قَالَ: بَلْ هَذَا.
حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ، وَالثَّمَنُ عَيْنٌ، جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
إِنْ كَانَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَفِي " الْمُنْتَخَبِ " لَا يَرُدُّ إِلَيْهِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " يَرُدُّ، كَمَا لَمْ يَدَّعِهِ قَالَ: وَلَا يَطْلُبُهُ إِنْ بَذَلَ ثَمَنَهُ، وَإِلَّا فَسَخَ، فَإِنْ كَانَ أَمَةً وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا لَمْ يَطَأْهَا الْبَائِعُ هِيَ مِلْكٌ لِذَلِكَ، نَقَلَهُ جَعْفَرٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِجُحُودِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ثَبَتَ الْعَقْدَانِ لِعَدَمِ تَنَافِيهِمَا، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً ثَبَتَ وَيَحْلِفُ الْمُنْكِرُ لِلْآخَرِ وَيَبْطُلُ حُكْمُهُ.
(وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ، وَالثَّمَنُ عَيْنٌ) .
وَفِي " الشَّرْحِ " أَوْ عَرَضٌ، وَفِيهِ شَيْءٌ (جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِمَا) الْوَاوُ بِمَعْنَى " ثُمَّ " وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي تَعَلُّقِ حَقِّهِمَا بِعَيْنِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ نَصْبُ عَدْلٍ يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَاتِ، فَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ أَوَّلًا، ثُمَّ الثَّمَنَ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ".
وَقِيلَ: يُسَلِّمُهُمَا مَعًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ لِتَسَاوِيهِمَا.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَمَنْ أَمْكَنَهُ مِنْهُمَا التَّسْلِيمُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، فَأَبَاهُ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ كَغَاصِبٍ، وَأَيُّهُمَا بَدَأَ بِالتَّسْلِيمِ أَجْبَرَ الْآخَرَ، وَأَيُّهُمَا يَلْزَمُهُ الْبِدَاءَةُ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَعَنْهُ: يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَّلًا (وَإِنْ كَانَ دَيْنًا) أَيْ: وَقَعَ الثَّمَنُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ (أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ حَبْسَ الْمَبِيعِ عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهِ حَالًا
التَّسْلِيمِ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا معه، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا بَعِيدًا أَوِ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مَالِهِ كُلِّهِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ قَرِيبًا احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْ مُؤَجَّلًا وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " خِلَافَهُ؛ لِأَنَّ فِي تَسْلِيمِهِ بِدُونِ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ (ثُمَّ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُ) لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ، وَحَقُّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ كَتَقْدِيمِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ عَرَضًا بِعَرَضٍ لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُ الْبَائِعِ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ (وَإِنْ كَانَ) الثَّمَنُ (غَائِبًا بَعِيدًا) أَيْ: فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ (أَوِ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا) .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ مُمَاطِلًا (فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ) ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَأْخِيرِ الثَّمَنِ فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ، وَالرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ كَمُفْلِسٍ وَكَمَبِيعٍ.
نَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ لَا يَكُونُ مُفْلِسًا إِلَّا أَنْ يُفَلِّسَهُ الْقَاضِي، أَوْ يُبَيِّنَ أَمْرَهُ فِي النَّاسِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " إِنْ قَارَنَ الْإِفْلَاسُ الْعَقْدَ، وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَبَضَهُ، ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَهُ الْفَسْخُ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ) أَوْ بَيْنَهُ (حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مَالِهِ كُلِّهِ) وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْمَبِيعُ (حَتَّى يُسَلِّمَهُ) لِئَلَّا يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِالْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بَقِيَ الْحَجْرُ فِيهِ إِلَى أَجَلِهِ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ ".
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبَاعَ الْمَبِيعُ.
وَقِيلَ: وَغَيْرُهُ مِنْ مَالِهِ فِي وَفَاءِ ثَمَنِهِ إِذَا تَعَذَّرَ لِإِعْسَارٍ أَوْ بُعْدٍ (وَإِنْ كَانَ) الثَّمَنُ (غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ قَرِيبًا) أَيْ: دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ) لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ ضَرَرًا عَلَيْهِ (وَاحْتَمَلَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُشْتَرِي) حَتَّى يُسَلِّمَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ.
وَحَكَاهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَالْفَسْخُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ لِتَعَذُّرِ ثَمَنِهِ بِخِلَافِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَحْضَرَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَارِثُهُ أَوْ وَكِيلُهُ نِصْفَ الثَّمَنِ، فَهَلْ يَأْخُذُ نِصْفَ الْمَبِيعِ أَوْ كُلَّهُ أَوْ لَا يَقْبِضُ شَيْئًا حَتَّى يَزِنَ الْبَاقِي، أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَرُدَّ مَا أَخَذَهُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ وَتَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
فَصْلٌ وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: لَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ بِثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ مَعَ خِيَارِ شَرْطٍ، وَمِثْلُهُ الْمُؤَجَّرُ بِالنَّقْدِ فِي الْحَالِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " (وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ) وَفِيهِ صُورَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ كَوْنَهُ مُسْلِمًا أَوْ بِكْرًا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْأَدْنَى فَيَظْهَرَ الْأَعْلَى كَالْكُفْرِ، وَالثَّيُّوبَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِذَا بَانَ بِخِلَافِهِ فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا (وَتَغَيَّرَ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ) أَيْ: إِذَا رَأَيَا الْمَبِيعَ، ثُمَّ عَقَدَا عَلَيْهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ الْمُشْتَرِي مُتَغَيِّرًا (وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) أَيِ: الْخُلْفَ فِي الصِّفَةِ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ، وَتَغَيُّرُ الرُّؤْيَةِ مَذْكُورٌ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنَ الْبَيْعِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.
[بَيْعُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ حَتَّى يَقْبِضَهُ]
فَصْلٌ (وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا) وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَوْ مَعْدُودًا، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْأَشْهَرُ، أَوْ مَذْرُوعًا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَيْ: إِذَا اشْتَرَاهُ بِمَا ذَكَرَ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجْمَاعًا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةٌ: لَا.
نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مِلْكُ الْبَائِعِ فِيهِ قَائِمٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الْمُشْتَرِي، وَفِي " الرَّوْضَةِ " يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْآخَرِ مَا لَمْ يَكِيلَا أَوْ يَزِنَا، وَلَمْ يَرْتَضِهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
ثُمَّ قَالَ: فَيَتَّجِهُ إِذَنْ فِي نَقْلِ الْمِلْكِ؛ رِوَايَتَا الْخِيَارِ (لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ، فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يَضْرِبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ الطَّعَامُ مُسْتَعْمَلًا يَوْمَئِذٍ غَالِبًا فِيمَا يُؤْكَلُ بِوَزْنٍ، وَالْإِجَارَةُ وَالْهِبَةُ وَلَوْ بِلَا عِوَضٍ، وَالرَّهْنُ وَلَوْ قَبَضَ ثَمَنَهُ، وَالْحَوَالَةُ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ، فَلَوْ تَقَابَضَاهُ جُزَافًا لِعِلْمِهِمَا قَدْرَهُ، صَحَّ مُطْلَقًا وَيَصِحُّ عِتْقُهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: وَالْوَصِيَّةُ بِهِ، وَالْخَلْعُ عَلَيْهِ (وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ) وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، فَهَذَا يَنْفَسِخُ فِيهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ رِبْحُ مَا بِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ رِبْحَ مَا بِيعَ بَعْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وِفَاقًا.
والثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (إِلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ) وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ (وَبَيْنَ إِمْضَائِهِ وَمُطَالَبَةِ مُتْلِفِهِ بِبَدَلِهِ) أَيْ: بِمِثْلِهِ، إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ كَالْعَيْبِ، وَقَدْ حَصَلَ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُ الْبَائِعَ ضمانه، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ.
وَقَالَ الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ: الْوَاجِبُ الْقِيمَةُ.
فَقِيلَ: مُرَادُهُمْ مَا تَقَدَّمَ، وَأَرَادُوا بِالْقِيمَةِ الْبَدَلَ الشَّرْعِيَّ، وَنَصَرَ الْقَاضِي مُوَفِّقُ الدِّينِ الْقِيمَةَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمَجْدِ؛ إِذْ هُوَ فِي كَلَامِهِ أَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ وَعِلَلِهِ بِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَا اسْتَقَرَّ عَلَى الْمَالِيَّةِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتِ الْقِيمَةُ وَالْمِثْلِيَّةُ، لَمْ يَسْتَقِرَّ الْمِلْكُ عَلَيْهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ إِتْلَافَ الْبَائِعِ.
وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَا غَيْرَ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ التَّلَفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مُقْتَضَى الضَّمَانِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَتْلَفَهُ، فَإِنَّ إِتْلَافَهُ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالْمِثْلِ، وَحُكْمَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الضَّمَانَ
إِمْضَائِهِ وَمُطَالَبَةِ مُتْلِفِهِ بِمِثْلِهِ، وَعَنْهُ: فِي الصُّبْرَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ: إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فَهو مَال الْمُشْتَرِي، وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالثَّمَنِ، فَكَانَتِ الْخِيَرَةُ إِلَى الْمُشْتَرِي فِي التَّضْمِينِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْقَبْضِ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، فَلَوْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ انْفَسَخَ فِي قَدْرِهِ وَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي فِي بَاقِيهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ "، هَلْ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي بَاقِيهِ، أَوْ يَنْفَسِخُ؟ فِيهِ رِوَايَتَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ شَاةً بِشَعِيرٍ فَأَكَلَتْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ انْفَسَخَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِأَمْرٍ لَا يَنْتَسِبُ إِلَى آدَمِيٍّ، فَهُوَ كَتَلَفِهِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعَنْهُ: فِي الصُّبْرَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ: إِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فَهُوَ مَالُ الْمُشْتَرِي) نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ، وَالْجَوْزَجَانِيُّ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " هِيَ الْمَشْهُورَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ كَالْقَبْضِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ:
وَعَنْهُ: أَوْ مُشَاعًا كَنِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَأَخْذِهِ بِشُفْعَةٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مُبْهَمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَرِطْلٍ مِنْ هَذِهِ الزُّبْرَةِ، فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبْضِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ (وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ) وَكَذَا الْمَعْدُودُ وَالْمَذْرُوعُ (يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّرَاهِمِ فَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّنَانِيرَ، وَبِالْعَكْسِ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِهَا يَوْمَهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهُوَ
فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةً
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَسِمَاكٍ، وَفِيهِمَا كَلَامٌ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نعرفه مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَهَذَا تَصْرُّفٌ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ، وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَالْمَالِ فِي يَدِ الْمُودِعِ، وَالْمُضَارِبِ (وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَهَذَا الْمَبِيعُ لِلْمُشْتَرِي فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَمْنَعْهُ الْبَائِعُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ حَتَّى تَلِفَ ضَمِنَهُ ضَمَانَ غَصْبٍ لَا عَقْدٍ، وَلَيْسَ اللُّزُومُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَبْضِ عَلَى الْأَعْرَفِ، وَسَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ أَوْ لَا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ".
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ.
وَقَالَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الفَرق بَيْنَ مَا تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ وَغَيْرِهِ لَيْسَ هُوَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ وَغَيْرِهِ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ مَا يُخَالِفُهُ (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ) أَيِ: " الِانْتِصَارِ " (رِوَايَةً أُخْرَى) وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ (أَنَّهُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي ذَلِكَ) أَيْ: لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَخَذَهَا أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إِنَّ الصُّبْرَ لَا تُبَاعُ حَتَّى تُنْقَلَ، قَالَ: وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ مُهَنَّا فِي الصَّدَاقِ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى غُلَامٍ بِعَيْنِهِ فَفَقِئَتْ عَيْنَ الْغُلَامِ، وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ.
وَعَنْهُ: أَنَّ مَا كَانَ مَطْعُومًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عَنْ أَحْمَدَ.
وَفِي " الْكَافِي ": إِنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ.
وَعَنْهُ: إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.
تَنْبِيهٌ: الْمَبِيعُ بِصِفَةٍ، أَوْ رُؤْيَةٍ سَابِقَة حكم مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، أَيْ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ مُشْتَرٍ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا، وَثَمَنٌ لَيْسَ فِي ذِمَّةٍ
أُخْرَى أَنَّهُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي ذَلِكَ، وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ
[المبدع في شرح المقنع]
كَمُثَمَّنٍ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَهُ أَخْذُ بَدَلِهِ لِاسْتِقْرَارِهِ، وَكُلُّ عِوَضٍ يُمْلَكُ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَهُ.
وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ التَّصَرُّفَ فِيهِ لِعَدَمِ قَصْدِ الرِّبْحِ، وَمَا لَا يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَهُ كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ وَعِتْقٍ عَلَى مَالٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلتَّصَرُّفِ الْمِلْكُ، وَقَدْ وُجِدَ.
وَقِيلَ: كَبَيْعٍ فَيَجِبُ بِتَلَفِهِ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا فَسْخَ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَهُمَا فَسْخَ النِّكَاحِ لِفَوْتِ بَعْضِ الْمَقْصُودِ كَعَيْبِ مَبِيعٍ وَلَوْ تَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِي مَوْرُوثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ لَمْ يُعْتَبَرْ قَبْضُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِعَدَمِ ضَمَانِهِ بِعَقْدِ مُعَاوَضه كَمَبِيعٍ مَقْبُوضٍ وَكَوَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ مَا قَبَضَهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ عَقْدِهِ كَصَرْفٍ وَسَلَمٍ.
1 -
(وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ) لِمَا رَوَى عُثْمَانُ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا بِعْتَ فَكِلْ وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَبَضَ مَا يُعَدُّ وَيَذْرَعُ بِعَدِّهِ وَذَرَعَهُ نَظَرًا لِلْعُرْفِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ نَقْلَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَشَرْطُهُ حُضُورُ مُسْتَحِقٍّ أَوْ نَائِبِهِ، فَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُ مَكِيلًا بِعَيْنِهِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْوِعَاءَ، وَقَالَ: كِلْهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَقْبُوضًا.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَتَصِحُّ اسْتِنَابَةُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِلْمُسْتَحِقِّ.
وَقِيلَ: لَا، وَنَصُّهُ أَنَّ طَرَفَهُ كَيْدُهُ بِدَلِيلِ تَنَازُعِهِمَا فِيهِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُ وَكِيلٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَهَلْ يكْتَفي بِعِلْمِ كَيْلِ ذَلِكَ قَبْلَ شِرَائِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَخَصَّهُمَا فِي
بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ، وَفِي الصُّبْرَةِ، وَفِيمَا يُنْقَلُ بِالنَّقْلِ، وَفِيمَا يُتَنَاوَلُ بِالتَّنَاوُلِ، وَفِيمَا عَدَا
[المبدع في شرح المقنع]
" التَّلْخِيصِ " بِالْمَجْلِسِ، فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي الْمِكْيَالِ فَفَرَّغَهُ مِنْهُ وَكَالَهُ فَهُوَ قَبْضٌ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِكَيْلِهِ، ثُمَّ بَاعَهُ بِهِ لَمْ يَجُزْ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَكَذَا جُزَافًا.
قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَإِنْ قَبَضَهُ جُزَافًا لِعِلْمِهِ قَدْرَهُ جَازَ، وَفِي الْمَكِيلِ رِوَايَتَانِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَبَضَهُ مُشْتَرٍ فَوَجَدَهُ زَائِدًا مَا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ أَعْلَمَهُ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ يَرُدُّهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ مُصَدِّقًا لِبَائِعِهِ فِي كَيْلِهِ، أَوْ وَزْنِهِ بَرِئَ عَنْ عُهْدَتِهِ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ؛ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ، وَمُؤْنَةِ كَيَّالٍ وَوَزَّانٍ وَعَدَّادٍ وَنَحْوِهِ عَلَى بَاذِلِهِ مِنْ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ، وَفِي " النِّهَايَةِ " أُجْرَةُ نَقْلِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ لَهُ عَلَيْهِ، وَمُؤْنَةُ الْمُتَعَيِّنِ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ قُلْنَا كَمَقْبُوضٍ، وَأَطْلَقَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَضْمَنُ نَاقِدٌ حَاذِقٌ خَطَأً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِتْلَافُ مُشْتَرٍ وَمُتَّهِبٍ بِإِذْنِهِ قَبْضٌ لَا غَصْبُهُ وَغَصْبُ بَائِعٍ ثَمَنًا، أَوْ أَخَذَهُ بِلَا إِذْنِهِ لَيْسَ قَبْضًا إِلَّا مَعَ الْمُقَاصَّةِ وَيَصِحُّ قَبْضُهُ مُشْتَرٍ بِغَيْرِ رِضَى الْبَائِعِ.
(وَفِي الصُّبْرَةِ، وَفِيمَا يُنْقَلُ) كَالثِّيَابِ، وَالْحَيَوَانِ (بِالنَّقْلِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جُزَافًا فَنَهَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مَا بِيعَ بِهِمَا لَا مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فِي نَفْسِهِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا فَقَبْضُهُ بِمَشْيِهِ مِنْ مَكَانِهِ (وَفِيمَا يُتَنَاوَلُ) كَالْجَوَاهِرِ وَالْأَثْمَانِ (بِالتَّنَاوُلِ) إِذِ الْعُرْفُ فِيهِ ذَلِكَ (وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ) كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرِ (بِالتَّخْلِيَةِ) إِذِ الْقَبْضُ مُطْلَقٌ فِي الشَّرْعِ فَيَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ وَالتَّفَرُّقِ.
قَالَ الْخِرَقِيُّ: مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَكَذَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " التَّرْغِيبِ " وَمَعْنَاهُ أَنْ يَفْتَحَ لَهُ
ذَلِكَ بِالتَّخْلِيَةِ، وَعَنْهُ: إنَّ قَبْضَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ وَالْإِقَالَةِ فَسْخٌ
[المبدع في شرح المقنع]
بَابَ الدَّارِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ مِفْتَاحَهَا وَنَحْوَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَتَاعٌ لِلْبَائِعِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَعَنْهُ: إِنْ قَبَضَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ خَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ، فَكَانَ قَبْضًا لَهُ كَالْعَقَارِ.
أَصْلٌ: يُحْرَمُ تَعَاطِيهِمَا بَيْعًا فَاسِدًا، فَلَا يَمْلِكُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَخَرَجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ مِنْ طَلَاقٍ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ كَمَغْصُوبٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: كَمَقْبُوضٍ لِلسَّوْمِ، وَمِنْهُ خَرَجَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: لَا يَضْمَنُهُ وَيَضْمَنُهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ بِقِيمَتِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّهُمْ تَرَاضَوْا بِالْبَدَلِ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ، كَمَا تَرَاضَوْا فِي مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: يَضْمَنُهُ بِالْمُسَمَّى لَا الْقِيمَةِ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، وَفِي " الْفُصُولِ " يَضْمَنُهُ بِالثَّمَنِ، وَالْأَصَحُّ بِقِيمَتِهِ كَمَغْصُوبٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " التَّرْغِيبِ "، أَوْ مِثْلِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ، وَفِي ضَمَانِ زِيَادَةٍ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ أَوَّلًا، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " التَّرْغِيبِ ": إِنْ سَقَطَ الجنين مَيِّتًا فَهَدَرٌ.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: يَضْمَنُهُ وَيَضْمَنُهُ ضَارِبُهُ وَمَتَى ضَرَبَهُ أَجْنَبِيٌّ، فَلِلْبَائِعِ مِنَ الْغُرَّةِ قِيمَةُ الْوَلَدِ، وَالْبَقِيَّةُ لِوَرَثَتِهِ، وَسَوْمُ إِجَارَةٍ كَبَيْعٍ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَوَلَدُهُ كَهَؤُلَاءِ وَلَدُ جَانِيَةٍ وَضَامِنَةٍ.
1 -
(وَالْإِقَالَةُ) مُسْتَحَبَّةٌ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهِيَ (فَسْخٌ) فِي الْأَصَحِّ، إِذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ.
يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةً، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ، وَعَنْهُ:
[المبدع في شرح المقنع]
يُقَالُ: أَقَالَكَ اللَّهُ عَثْرَتَكَ؛ أَيْ: أَزَالَهَا، فَكَانَتْ فَسْخًا لِلْعَقْدِ بِدَلِيلِ جَوَازِهَا فِي السَّلَمِ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَأْتِي إِذَا قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ (يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ: فِيمَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ، وَالْفَسْخُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ (وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةً) لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَهَا هُوَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ) الْأَوَّلِ قَدْرًا وَنَوْعًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا ارْتَفَعَ رَجَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا كَانَ لَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِبْرَاءٍ قَبْلَ الْقَبْضِ وَيَجُوزُ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ إِعَادَةُ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَيْلٍ ثَانٍ إِقَامَةً لِلْفَسْخِ مَقَامَ الْبَيْعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا بَيْعٌ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، مَعَ أَنَّهُ حَكَى فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ اخْتَارَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ عَادَ إِلَى بَائِعِهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْهَا فَكَانَتْ بَيْعًا كَالْأَوَّلِ، (فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ) أَيْ: تَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ (إِلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ "، وَصَحَّحَهُ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِقَالَةِ رَدُّ الْأَمْرِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَاخْتَصَّتْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ كَالتَّوْلِيَةِ، كَمَا اخْتَصَّتِ الْمُرَابَحَةُ بِالرِّبْحِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُهَا بَيْعًا.
وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَصَحَّحَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ بَيْعًا كَانَتْ أَوْ فَسْخًا، فَإِنْ أَقَالَ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ، وَكَانَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ التَّفَاضُلَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّمَاثُلُ فَيَبْطُلُ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ.
فَوَائِدُ: مِنْهَا: أَنَّ الْإِقَالَةَ تَصِحُّ بِلَفْظِهَا وَبِلَفْظِ الْمُصَالَحَةِ إِنْ قِيلَ: هِيَ فَسْخٌ، وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ، فَلَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ مَا يَصْلُحُ لِلْحَلِّ لَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ لَا يَصْلُحُ لِلْحَلِّ.
أَنَّهَا بَيْعٌ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ إِلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ انْعِقَادُهَا بِذَلِكَ، وَتَكُونُ مُعَاطَاةً.
وَمِنْهَا: إِنْ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا شُرُوطُ الْبَيْعِ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ، فَلَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَقِلْنِي، ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ فَأَقَالَهُ عَلَى الْفَوْرِ، صَحَّ إِنْ قِيلَ: هِيَ فَسْخٌ لَا بَيْعٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي تَعْلِيقِهِمَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُشْتَرَطُ لَهُ حُضُورُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَمَا نَقَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ فِي صِحَّةِ قَبُولِ الزَّوْجِ لِلنِّكَاحِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ يَخْتَلِفُ فِي تَأْوِيلِهِ.
وَمِنْهَا النَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ إِنْ قِيلَ: هِيَ بَيْعٌ لَمْ يُتَّبَعْ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ قِيلَ: هِيَ فَسْخٌ.
فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " لِلْبَائِعِ مع ذكرهما إِنَّ نَمَاءَ الْمَعِيبِ لِلْمُشْتَرِي، وَفِي " تَعْلِيقِ " الْقَاضِي وَ " الْمُغْنِي " أَنَّهَا فَسْخٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": هُوَ أَظْهَرُ.
وَمِنْهَا: لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ إِنْ قِيلَ: هِيَ فَسْخٌ، وَإِنْ قِيلَ: بَيْعٌ فَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يَثْبُتُ فِيهَا كَسَائِرِ الْبُيُوعَاتِ.
وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا بَيْعَ فَأَقَالَ، انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ، وَكَذَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَصِحُّ مَعَ تَلَفِ الْمَبِيعِ، فَفِيهِ طَرِيقَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِي: إِنْ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَتَصِحُّ مَعَ تَلَفِ الثَّمَنِ مُطْلَقًا.
بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ.
وَهُوَ نَوْعَانِ: رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسِيئَةِ.
فَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَيَحْرُمُ فِي الْجِنْسِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَمِنْهَا: لَوْ تَقَايَلَا فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّتِهِ وَنُفُوذِهِ، إِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ فَحُكْمُهُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ، وَقَدْ تَأَكَّدَ بِتَرْتِيبِ عَقْدٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قِيلَ: هِيَ فَسْخٌ لَمْ يَنْفُذْ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ ارْتَفَعَ بِالْإِقَالَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْفُذَ وَتُلْغَى الْإِقَالَةُ، لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ قَبْلَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْئًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَصِحُّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ أَنَّ خِيَارَ الْإِقَالَةِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَصِحُّ، وَبَنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى الْخِلَافِ إِنْ قِيلَ: هِيَ بَيْعٌ صَحَتْ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ، فَوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ، وَهِيَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " يَضْمَنُهُ، فيلزمه مؤنة الرَّدّ.
[بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ]
[تَعْرِيفُ الرِّبَا وَحُكْمُهُ]
بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ الرِّبَا مَقْصُورٌ، وَهُوَ لُغَةٌ: الزِّيَادَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] أَيْ: عَلَتْ وَارْتَفَعَتْ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92] أَيْ: أَكْثَرُ عَدَدًا، وَشَرْعًا: زِيَادَةٌ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وَذَكَرَ مِنْهَا أَكْلَ الرِّبَا؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ