. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
نِصْفَيْنِ، فَيَجْعَلُ لِلْعَامِلِ الثُّلُثَيْنِ، فَيَصِيرُ السُّدْسُ حِصَّتَهُ فِي الْمُزَارَعَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: زَارَعْتُكَ عَلَى نَصِيبِي بِالثُّلُثِ فَصَحَّ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالثَّانِي: لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ النِّصْفَ لِلْمُزَارِعِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُزَارِعَ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا فَسَدَ فِي نَصِيبِهِ، فَسَدَ فِي الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ جَمَعَ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ، مِنْ أَحَدِهِمُ الْبَذْرُ، وَمِنَ الْآخَرِ الْأَرْضُ، وَمِنَ الثَّالِثِ الْعَمَلُ عَلَى أَنَّ مَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ فَهُوَ فَاسِدٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ أَوِ الْعَامِلِ، وَلَيْسَتْ شَرِكَةً وَلَا إِجَارَةً، فَعَلَى هَذَا الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِمَا، وَفِي الصِّحَّةِ تَخْرِيجٌ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً وَاخْتَارَهُ.
وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ، فَإِنْ كَانَ الْبَقَرُ مِنْ رَابِعٍ، فَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ فِيهِ الزَّرْعَ لِرَبِّ الْبَذْرِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ.
الثَّانِيَةُ: اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي أَرْضٍ لَهُمْ عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا بِبَذْرِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا لَهُمْ، جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
الثَّالِثَةُ: مَا سَقَطَ مِنْ حَبٍّ وَقْتَ حَصَادٍ فَنَبَتَ عَامًا آخَرَ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " وَجْهٌ لَهُمَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": لِرَبِّ الْأَرْضِ مَالِكًا، أَوْ مُسْتَأْجِرًا، أَوْ مُسْتَعِيرًا، وَقِيلَ: لَهُ حُكْمُ عَارِيَةٍ، وَقِيلَ: غَصْبٍ، وَكَذَا نَصَّ فِيمَنْ بَاعَ فَصِيلًا فَحَصَدَ وَبَقِيَ يَسِيرٌ فَصَارَ سُنْبُلَا، فَلِرَبِّ الْأَرْضِ.
الرَّابِعَةُ: لَا خِلَافَ فِي إِبَاحَةِ مَا يَتْرُكُهُ الْحَصَادُ، وَكَذَا اللِّقَاطُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَحْرُمُ مَنْعُهُ، نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاحِ، وَنُقِلَ عَنْهُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ مَزْرَعَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَقَالَ: لَمْ يَرَ بَأْسًا بِدُخُولِهِ يَأْخُذُ كَلًّا وَشَوْكًا لِإِبَاحَتِهِ ظَاهِرًا، وَعُرْفًا، وَعَادَةً.
بَابُ الْإِجَارَةِ وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَفِي
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
[مَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجَارَةُ]
ِ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْأَجْرِ وَهُوَ الْعِوَضُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّوَابُ أَجْرًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَوِّضُ الْعَبْدَ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ أَوْ صَبْرِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصَمِّ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَ ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: 26] الْآيَةَ، وَ ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] وَعَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ قَالَتْ: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، «وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَرَأَ " طسم " حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ: 32 إِنَّ مُوسَى آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِ سِنِينَ، أَوْ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ، وَطَعَامِ بَطْنِهِ» 32 رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا إِذْ كَلُّ أَحَدٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَقَارٍ يَسْكُنُهُ، وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ يَرْكَبُهُ، وَلَا عَلَى صَنْعَةٍ يَعْمَلُهَا، وَهُمْ لَا يَبْذُلُونَ ذَلِكَ مَجَّانًا، فَجَوَّزَتْ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الرِّزْقِ، وَحَدَّهَا فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ فِي مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ فِي عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمَمَرِّ، وَعُلُوُّ بَيْتٍ وَنَحْوُهُ، وَالْمَنَافِعُ الْمُحَرَّمَةُ، وَمَا فُتِحَ عُنْوَةً وَلَمْ يُقْسَمْ فِيمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ; لِأَنَّهَا الْمَوْجُودَةُ، وَالْعَقْدُ يُضَافُ إِلَيْهَا، فَتَقُولُ: أَجَرْتُكَ دَارِي، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُسْتَوْفَى بِالْعَقْدِ، ذَلِكَ هُوَ الْمَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ، إِذِ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَضْمَنُ دُونَ الْعَيْنِ، وَإِضَافَةُ الْعَقْدِ إِلَى الْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ كَمَا يُضَافُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ إِلَى الْبُسْتَانِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الثَّمَرَةُ فَتُؤْخَذُ الْمَنَافِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَانْتِفَاعُهُ تَابِعٌ لَهُ، وَقَدْ قِيلَ: هِيَ خِلَافُ الْقِيَاسِ، وَالْأَصَحُّ لَا ; لِأَنَّ مَنْ لَا يُخَصِّصُ الْعِلَّةَ لَا يُتَصَوَّرُ
لَفْظِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ إِمَّا بِالْعُرْفِ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ سَنَةً، وَإِمَّا بِالْوَصْفِ كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا
[المبدع في شرح المقنع]
عِنْدَهُ مُخَالَفَةُ قِيَاسٍ صَحِيحٍ، وَمَنْ خَصَّصَهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ خِلَافَ الْقِيَاسِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْحِكَمِ مَوْجُودًا فِيهِ، وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ، وَفِي " الْبُلْغَةِ " لَهَا خَمْسَةُ أَرْكَانٍ: الصِّيغَةُ، وَالْأُجْرَةُ، وَالْمُتَعَاقِدَانِ، وَالْمَنْفَعَةُ.
(تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ) لِأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لَهَا (وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ إِنْ أَضَافَهُ إِلَى الْعَيْنِ، فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ بِأَنْ قَالَ: أَجَرْتُكَ مَنْفَعَةَ دَارِي شَهْرًا صَحَّ فِي الْأَصَحِّ (وَفِي لَفْظِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا تَنْعَقِدُ بِهِ ; لِأَنَّهَا بَيْعٌ فَانْعَقَدَتْ بِلَفْظِهِ كَالصَّرْفِ، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى خَاصًّا فَافْتَقَرَتْ إِلَى لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَى الْعَيْنِ الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا إِضَافَةً وَاحِدَةً، فَافْتَقَرَتْ إِلَى لَفْظٍ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا كَالْعُقُودِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَبَنَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُعَاوَضَةَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ، أَوْ شَبِيهٌ بِهِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " مُضَافًا إِلَى النَّفْعِ كَبِعْتُكَ نَفْعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ نَحْوَ: بِعْتُكَهَا شَهْرًا، وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ]
(وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ) لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْمَبِيعِ (إِمَّا بِالْعُرْفِ) أَيْ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ (كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا) لِأَنَّهَا لَا تُكْرَى إِلَّا لِذَلِكَ فَلَا يَعْمَلُ فِيهَا حِدَادَةً وَلَا قِصَارَةً، وَلَا دَابَّةً، وَالْأَشْهَرُ وَلَا مَخْزَنًا لِلطَّعَامِ، وَيُسْتَحَقُّ مَاءُ الْبِئْرِ تَبَعًا لِلدَّارِ فِي الْأَصَحِّ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: يَجِيءُ زُوَّارٌ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ صَاحِبَ الْبَيْتِ بِهِمْ؟ قَالَ: رُبَّمَا كَثُرُوا، وَرَأَى أَنْ يُخْبِرَ، وَلَهُ إِسْكَانُ ضَيْفٍ وَزَائِرٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": يَجِبُ ذِكْرُ السُّكْنَى، وَصِفَتِهَا، وَعَدَدِ مَنْ يَسْكُنُهَا، وَصِفَتِهِمْ إِنِ اخْتَلَفَتِ الْأُجْرَةُ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي السُّكْنَى يَسِيرٌ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى ضَبْطِهِ (وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ) وَلَوْ عَبَّرَ بِالْآدَمِيِّ لَعَمَّ (سَنَةً) لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ بِالْعُرْفِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَيَانِهَا كَالسُّكْنَى، وَفِي " النَّوَادِرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " يَخْدِمُ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ اسْتَحَقَّهُ لَيْلًا، قَالَ أَحْمَدُ: أَجِيرُ
إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ يُذْكَرُ طُولُهُ، وَعَرْضُهُ، وَسُمْكُهُ، وَآلَتُهُ، وَإِجَارَةِ أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ لِغَرْسِ كَذَا أَوْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ، وَإِنِ اسْتَأْجَرَ لِلرُّكُوبِ، ذَكَرَ الْمَرْكُوبَ فَرَسًا أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُشَاهَرَةِ يَشْهَدُ الْأَعْيَادَ وَالْجُمَعَ، قِيلَ لَهُ: فَيَتَطَوَّعُ بِالرَّكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: مَا لَمْ يَضُرَّ بِصَاحِبِهِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْخِدْمَةِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً لِلْخِدْمَةِ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ، وَعُلِمَ مِنْهُ إِبَاحَةُ إِجَارَةِ الْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا.
(وَإِمَّا بِالْوَصْفِ كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَزْنِ وَالْمَكَانِ الَّذِي تُحْمَلُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِذَلِكَ، فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَحْمُولٍ، فَلَوْ كَانَ كِتَابًا فَوَجَدَ الْمَحْمُولَ إِلَيْهِ غَائِبًا، فَلَهُ الْأَجْرُ لِذَهَابِهِ وَرَدِّهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " التَّرْغِيبِ " إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَالْمُسَمَّى فَقَطْ وَيَرُدُّهُ (وَبِنَاءِ حَائِطٍ يُذْكَرُ طُولُهُ، وَعَرْضُهُ، وَسُمْكُهُ، وَآلَتُهُ) لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَالْغَرَضُ يَخْتَلِفُ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهِ، فَيَذْكُرُ آلَةَ الْبِنَاءِ مِنْ حِجَارَةٍ، أَوْ آجُرٍّ، أَوْ لَبِنٍ، فَلَوْ عَمِلَهُ ثُمَّ سَقَطَ فَلَهُ أَجْرُهُ ; لِأَنَّهُ وَفَّى بِعَمَلِهِ، وَإِنْ فَرَّطَ أَوْ بَنَاهُ مَحْلُولًا فَسَقَطَ لَزِمَهُ إِعَادَتُهُ وَغَرَامَةُ مَا تَلِفَ مِنْهُ، وَإِنْ شَارَطَهُ عَلَى رَفْعِهِ أَذْرُعًا مَعْلُومَةً، فَرَفَعَ بَعْضَهُ ثُمَّ سَقَطَ فَعَلَيْهِ مَا سَقَطَ وَإِتْمَامُ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ مِنَ الذَّرْعِ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِضَرْبِ اللَّبِنِ، وَيَكُونُ عَلَى مُدَّةٍ وَعَمَلٍ، فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْعَمَلِ احْتَاجَ إِلَى تَعْيِينِ عَدَدِهِ، وَذِكْرِ قَالَبِهِ، وَمَوْضِعِ الضَّرْبِ ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَلَا يُكْتَفي بِمُشَاهَدَةِ الْقَالَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا كَالسَّلَمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِقَامَتُهُ لِيَجِفَّ، وَقِيلَ: بَلَى إِنْ كَانَ عَرَفَ مَكَانَهُ.
(وَإِجَارَةِ أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ) أَيْ مَعْلُومَةٍ (لِغَرْسِ كَذَا أَوْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ) لِأَنَّهَا تُؤَجَّرُ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَضَرَرُهُ يَخْتَلِفُ، فَوَجَبَ بَيَانُهُ، وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ.
(وَإِنِ اسْتَأْجَرَ لِلرُّكُوبِ ذَكَرَ الْمَرْكُوبَ فَرَسًا أَوْ بَعِيرًا وَنَحْوَهُ) لِأَنَّ مَنَافِعَهَا تَخْتَلِفُ، وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ كَمَبِيعٍ، وَمَا يُرْكَبُ بِهِ مِنْ سَرْجِ وَغَيْرِهِ، وَكَيْفِيَّةُ سَيْرِهِ كَقُطُوفٍ وَنَحْوَهُ، وَقَدَّمَ فِي " التَّرْغِيبِ " لَا يُشْتَرَطُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى ذُكُورِيَّتِهِ، وَأُنُوثِيَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا يَسِيرٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّاكِبِ كَمَبِيعٍ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ: لَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الرُّؤْيَةُ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ، وَمَعْرِفَةُ
بَعِيرًا وَنَحْوَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْحَمْلِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِ.
فَصْلٌ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ إِلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَحَامِلِ، وَالْأَوْطِئَةِ، وَالْأَغْطِيَةِ، وَنَحْوِهَا إِمَّا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ، أَوْ وَزْنٍ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذِكْرُ تَوَابِعِ الرَّاكِبِ، فَلَوْ شَرَطَ حَمْلَ زَادٍ مَعْلُومٍ وَأَطْلَقَ فَلَهُ حَمْلُ مَا نَقَصَ كَالْمَاءِ، وَقِيلَ: لَا، بِأَكْلٍ مُعْتَادٍ، وَفِي وُجُوبِ تَقْدِيرِ الطَّعَامِ فِي السَّفَرِ احْتِمَالَانِ (وَإِنْ كَانَ لِلْحَمْلِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ فِي ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَحْمُولُ خَزَفًا أَوْ زُجَاجًا تَعَيَّنَ مَعْرِفَةُ الدَّابَّةِ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ فِيهِ غَرَضًا، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مُطْلَقًا، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُ مَا يُدِيرُ دُولَابًا أَوْ رَحًى، وَاعْتَبَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ مَحْمُولٍ بِرُؤْيَةٍ، أَوْ صِفَةٍ، وَيُذْكَرُ جِنْسُهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَقُطْنٍ ; لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَخْتَلِفُ، وَاكْتَفَى ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " التَّرْغِيبِ " بِالْوَزْنِ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ]
فَصْلٌ (الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنِ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ أَجْرُهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهَا مَضْبُوطًا بِالْكَيْلِ، أَوِ الْوَزْنِ ; لِأَنَّهَا أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَتُهَا كَالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ كَصَبْرَةِ نَقْدٍ، أَوْ طَعَامٍ، فَوَجْهَانِ، فَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَكَالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، فَكَالْمَبِيعِ، فَلَوْ آجَرَ الدَّارَ بِعِمَارَتِهَا لَمْ تَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ، وَلَوْ آجَرَهَا بِمُعَيَّنٍ عَلَى أَنَّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفَقَةِ الْمُسْتَأْجِرِ مُحْتَسَبًا بِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ صَحَّ ; لِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ عَلَى الْمَالِكِ، وَقَدْ وَكَّلَهُ فِيهِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ خَارِجًا عَنِ الْأُجْرَةِ لَمْ يَصِحَّ (إِلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى» الْخَبَرَ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى الظِّئْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَقَامَ الْعِوَضُ فِيهِ مَقام التَّسْمِيَةِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الظِّئْرِ لِلنَّصِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ كَالزَّوْجَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: كَمِسْكِينٍ فِي الْكَفَّارَةِ.
الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُعْطَى عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لِأَنَّ لِلْكُسْوَةِ عُرْفًا، وَهِيَ كُسْوَةُ الزَّوْجَاتِ، وَلِلْإِطْعَامِ عُرْفًا، وَهُوَ الْإِطْعَامُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَفِي الْمَلْبُوسِ إِلَى أَقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُجْزِئُ فِيهِ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ كَالْوَصِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ إِلَّا مَا يُوَافِقُهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى دَوَاءٍ لِمَرَضِهِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُسْتَأْجِرَ لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي دَابَّةٍ بِعَلَفِهَا (وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ، وَاسْتَرْضَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الطِّفْلَ فِي الْعَادَةِ لَا يَعِيشُ إِلَّا بِالرَّضَاعِ، فَإِنْ جَعَلَ الْأُجْرَةَ طَعَامَهَا وَكُسْوَتَهَا جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] ، وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ مَجْهُولًا، فَعَلَى الصِّحَّةِ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِلرَّضَاعِ دُونَ الْحَضَانَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ اتُّبِعَ، فَإِنْ أَطْلَقَ للرَّضَاعَ دَخَلَتِ الْحَضَانَةُ فِي وَجْهٍ لِلْعُرْفِ، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا إِذِ الْحَضَانَةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ وَحِفْظِهِ، وَجَعْلِهِ فِي سَرِيرِهِ، وَدُهْنِهِ، وَكُحْلِهِ، وَغَسْلِ خِرَقِهِ، وَنَحْوِهِ، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ الْعِلْمُ بِمُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَمَعْرِفَةُ الطِّفْلِ بِالْمُشَاهَدَةِ، قَالَ الْقَاضِي: أَوْ بِالصِّفَةِ، وَمَوْضِعِ الرَّضَاعِ، وَمَعْرِفَةُ الْعِوَضِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الرِّضَاعِ خِدْمَةُ الطِّفْلِ، وَحَمْلُهُ، وَوَضْعُ الثَّدْيِ فِي فِيهِ، وَاللَّبَنُ تَبَعٌ كَالصَّبْغِ، وَقِيلَ: اللَّبَنُ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ أَشْبَهُ ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَلِهَذَا يُسْتَحَقُّ الْأَجْرُ بِالرِّضَاعِ دُونَ الْخِدْمَةِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّينَ لِلضَّرُورَةِ إِلَى حِفْظِهِ وَبَقَائِهِ.
مَسْأَلَةٌ: لِلْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ مَا يُدِرُّ لَبَنَهَا، وَيَصْلُحُ بِهِ، وَلِلْمُكْتَرِي مُطَالَبَتُهَا بِذَلِكَ، فَلَوْ سَقَتْهُ لَبَنَ غَنَمٍ، أَوْ دَفَعَتْهُ إِلَى غَيْرِهَا فَلَا أُجْرَةَ لَهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَفِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
(وَيَسْتَحِبُّ أَنْ تُعْطَى) إِذَا كَانَتْ حُرَّةً (عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قَلْتُ يَا
إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا، وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ صَحَّ وَلَهُمَا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ، وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَالرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ، وَتَجُوزُ إِجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةُ عَبْدٍ، وَتَزْوِيجُ
[المبدع في شرح المقنع]
رَسُولَ اللَّهِ مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟ قَالَ: " الْغُرَّةُ الْعَبْدُ أَوِ الْأَمَةُ» الْمَذَمَّةُ بِكَسْرِ الذَّالِ مِنَ الذِّمَامِ، وَبِفَتْحِهَا مِنَ الذَّمِّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ حَيَاةِ الْوَلَدِ وَبَقَائِهِ، فَاسْتُحِبَّ لِلْمُوسِرِ جَعْلُ الْجَزَاءِ رَقَبَةً لِتَنَاسُبِ مَا بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالشُّكْرِ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُرْضِعَةُ أَمَةً سُنَّ إِعْتَاقُهَا ; لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الْمُجَازَاةُ (وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ) أَيْ بِالْقَصْرِ أَوِ الْخِيَاطَةِ (وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ صَحَّ وَلَهُمَا ذَلِكَ) أَيْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ (وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ) لِأَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ بِذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ، فَصَارَ كَنَقْدِ الْبَلَدِ، وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ مَنْ عُرِفَ بِأَخْذِهَا، وَهَذَا إِذَا كَانَا مُنْتَصِبَيْنِ لِذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّا أَجْرًا إِلَّا بِعَقْدٍ، أَوْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، أَوْ تَعْرِيضٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يجر عُرْفٌ يَقُومُ مَقَامَ الْعَقْدِ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَمِلَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ، وَكَذَا لَوْ دَفَعَ مَتَاعَهُ لِيَبِيعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوِ اسْتَعْمَلَ حَمَّالًا، أَوْ شَاهِدًا، أَوْ نَحْوَهُ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ (وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَالرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ) أَيْ يَسْتَحِقَّانِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ بِدُونِ الْعَقْدِ ; لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَقْتَضِيهِ فَصَارَ كَالتَّعْرِيضِ، وَكَذَا لَوْ حَلَقَ رَأَسَهُ، أَوْ غَسَلَهُ، أَوْ شَرِبَ مِنْهُ مَاءً، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَمَا يُعْطَاهُ الْحَمَّامِيُّ فَهُوَ أُجْرَةُ الْمَكَانِ، وَالسَّطْلِ، وَالْمِئْزَرِ وَيَدْخُلُ الْمَاءُ تَبَعًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الثِّيَابِ إِلَّا أَنْ يَسْتَحْفِظَهُ إِيَّاهَا بِالْقَوْلِ صَرِيحًا، ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ". (وَتَجُوزُ إِجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةِ عَبْدٍ، وَتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ) لِقِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ; لِأَنَّهُ جَعَلَ النِّكَاحَ عِوَضَ الْأُجْرَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ، فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَيْنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْفَعَةً سَوَاءٌ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا كَالْأَوَّلِ، أَوْ مُخْتَلِفًا كَالثَّانِي، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُتَّفِقِ دُونَ الْمُخْتَلِفِ كَسُكْنَى دَارٍ بِمَنْفَعَةِ بَهِيمَةٍ ; لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ عِنْدَهُ يَحْرُمُ فِيهِ النَّسَاءُ،
امْرَأَةٍ، وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحُلِيِّ بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَيْسَتْ فِي تَقْدِيرِ النَّسِيئَةِ، وَلَوْ كَانَتْ نَسِيئَةً مَا جَازَ فِي جِنْسَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ بِيعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
(وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحُلِيِّ) لِلُبْسٍ وَالْعَارِيَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ) لِأَنَّ الْحُلِيَّ عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَقْصُودَةً مَعَ بَقَائِهَا، فَجَازَ كَالْأَرَاضِي (وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ) لِأَنَّهَا تَحْتَكُّ بِالِاسْتِعْمَالِ فَيَذْهَبُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً، فَيَحْصُلُ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَتِهَا وَمُقَابَلَةُ الِانْتِفَاعِ بِهَا يُفْضِي إِلَى بَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَشَيْءٍ آخَرَ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إِجَارَتِهِ بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ، فَأَمَّا بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا بَأْسَ لِتَصْرِيحِهِ بِجَوَازِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا هُوَ الْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ نَقَصُهَا فَهُوَ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ، وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فِي وَزْنٍ، وَلَوْ ظَهَرَ فَالْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ لَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَجْرِ ; لِأَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا هُوَ عِوَضُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الذَّاهِبِ لَمَا جَازَ إِجَارَةُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَسْلُخُ لَهُ بَهِيمَةً بِجِلْدِهَا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ يَخْرُجُ سَلِيمًا أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ ثَخِينٌ أَوْ رَقِيقٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ، فَكَذَا هُنَا، فَلَوْ سَلَخَهَا بِذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا بِثُلُثِ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَصُوفِهَا أَوْ جَمِيعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَائِيِّ إِذِ الْعِوَضُ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي هَلْ يُوجَدُ أَمْ لَا، وَلَا يَصْلُحُ ثَمَنًا، لَا يُقَالُ: قَدْ جَوَّزْتُمْ دَفْعَ الدَّابَّةِ إِلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ مِنْ مَغْلِهَا ; لِأَنَّهُ جَازَ تَشْبِيهًا بِالْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّهَا عَيْنٌ تنْمى بِالْعَمَلِ فَجَازَ بِخِلَافِهِ هُنَا مَعَ أَنَّ الْمَجْدَ حَكَى رِوَايَةً بِالْجَوَازِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ لَوْ دَفَعَ نَحْلَهُ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مِنْ عَسَلِهِ، أَوْ شَمْعِهِ، وَالْمَذْهَبُ لَا يَصِحُّ
هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنَّ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً، فَقَالَ: إِنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤُهَا خَمْسَةٌ، وَإِنْ رَدَدْتَهَا غَدًا فَكِرَاؤُهَا عَشَرَةٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَمَا
[المبدع في شرح المقنع]
لِحُصُولِ نَمَائِهِ بِغَيْرِ عَمَلِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْجَوَازَ، فَلَوِ اكْتَرَاهُ عَلَى رَعْيِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهَا صَحَّ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالْمُدَّةَ وَالْأَجْرَ مَعْلُومٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَهُ دَرَاهِمَ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعِوَضُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِدِينَارٍ نَقْدًا بِدِينَارَيْنِ نَسِيئَةً، فَعَلَى هَذَا لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ إِنْ فَعَلَ، وَالثَّانِيَةُ يَصِحُّ، قَالَهُ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ; لِأَنَّهُ سَمَّى لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا كَمَا لَوْ قَالَ: كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ زَرَعَهَا بُرًّا، فَبِخَمْسَةٍ، وَذُرَةً بِعَشَرَةٍ.
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ خِطْتَهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنَّ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) بِنَاءً عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهِ الْعِوَضُ، وَلَا الْمُعَوَّضُ بِخِلَافِ كُلِّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَمَلَ الثَّانِيَ يَنْضَمُّ إِلَى الْأَوَّلِ، وَلِكُلٍّ عِوَضٌ مُقَدَّرٌ، وَعَنْهُ فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ كِتَابًا إِلَى الْكُوفَةِ، وَقَالَ: إِنْ أَوْصَلْتَهُ يَوْمَ كَذَا فَلَكَ عِشْرُونَ، وَإِنْ تَأَخَّرْتَ بَعْدَهُ فَلَكَ عَشَرَةٌ، أَنَّهَا فَاسِدَةٌ وَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ! .
(وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً، فَقَالَ: إِنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤُهَا خَمْسَةٌ، وَإِنْ رَدَدْتَهَا غَدًا فَكِرَاؤُهَا عَشَرَةٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ) نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى التَّنَازُعِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ (دُونَ الثَّانِي) .
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ فَسَادُ الْعَقْدِ عَلَى قِيَاسِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيَاسُ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَالْأَنْصَارِيِّ صِحَّتُهُ (وَإِنْ أَكْرَاهُ دَابَّةً عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ
زَادَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ جَائِزٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْعَشْرَةِ وَحْدَهَا، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ، وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا فَجَائِزٌ.
وَإِنْ أَكْرَاهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإِجَارَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
[المبدع في شرح المقنع]
فَمَا زَادَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ (هُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا فَهُوَ كَمَا لَوِ اسْتَقَى كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ مَنْصُورٍ نَحْوَهُ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الْعَشْرَةِ وَحْدَهَا) لِأَنَّ الْمُؤَجَّرَ الَّذِي تُقَابِلُهُ الْعَشْرَةُ مَعْلُومٌ دُونَ مَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّ مُدَّتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَلَمْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْمِلَ هَذِهِ الصَّبْرَةَ وَهِيَ عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ بِدِرْهَمٍ وَمَا زَادَ فَلَكَ بِحِسَابِهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ لَا نَصَّ لِلْإِمَامِ فِيهَا، وَقِيَاسُ قَوْلِهِ صِحَّتُهَا، وَلَوْ سَلِمَ فَسَادُهَا فَالْقُفْزَانُ الَّذِي شَرَطَ حَمْلَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِجَهَالَتِهَا بِخِلَافِ الْأَيَّامِ فَإِنَّهَا مَعْلُومَةٌ (وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ وَالْعَمَلَ مَجْهُولَانِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ لِمُدَّةِ سِفْرِهِ فِي تِجَارَتِهِ لِاخْتِلَافِهَا طُولًا وَقِصَرًا، فَإِنْ فَعَلَ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ (وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا فَجَائِزٌ.) «لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ آجَرَ نَفْسَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَلِأَنَّ الْأَجْرَ وَكُلَّ يَوْمٍ مَعْلُومَانِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ آجَرَه شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ كَذَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يُسْتَأْجَرُ لَهُ مِنْ رُكُوبٍ وَحَمْلٍ مَعْلُومٍ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى سَوَاءٌ أَقَامَتْ أَوْ سَارَتْ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ ذَهَبَتْ فِي مُدَّتِهِ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ دَارًا وَأَغْلَقَهَا، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَجْهُولَةٌ.
(وَإِنْ أَكْرَاهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَصِحُّ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَالشَّيْخَانِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: جُعْتُ مَرَّةً جُوعًا شَدِيدًا، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الْعَمَلَ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ جَمَعَتْ مَدَرًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُرِيدُ بَلَّهُ، فَقَاطَعْتُهَا كُلَّ ذَنُوبٍ بِتَمْرَةٍ، فَمَدَرْتُ سِتَّةَ عَشَرَ ذَنُوبًا، فَعَدَّتْ لِي سِتَّةَ عَشَرَ تَمْرَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ فَأَكَلَ مَعِيَ مِنْهَا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمِثْلُهُ إِذَا بَاعَهُ الصَّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، فَالْعِلْمُ بِالثَّمَنِ يَتْبَعُ الْعِلْمَ بِالْمُثَمَّنِ، فَهُنَا كَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْأَجْرِ يَتْبَعُ
الْفَسْخُ عِنْدَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْرٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مَقْصُودَةً، فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الزِّنَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْعِلْمَ بِالْمَنْفَعَةِ، فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُ الْإِجَارَةُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَمَا بَعْدَهُ يَكُونُ مُرَاعًى، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإِجَارَةِ) وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ دُخُولَهُ بِمَنْزِلَةِ إِيقَاعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ ابْتِدَاءً (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ) بِأَنْ يَقُولَ: فَسَخْتُ الْإِجَارَةَ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ بِفَسْخٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ لَمْ يَثْبُتْ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (عِنْدَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْرٍ) لِأَنَّ اللُّزُومَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الدُّخُولِ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ إِيقَاعِ الْعَقْدِ ابْتِدَاءً وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الشَّهْرِ الْآخَرِ يَلْزَمُ، وَلَمْ يَمْلِكَا الْفَسْخَ.
قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: يَلْزَمُ بَقِيَّةَ الشُّهُورِ إِذَا شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الْفَسْخُ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ الْمَجْدُ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ مَذْهَبًا، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِذَا تَرَكَ التَّلَبُّسَ بِهِ فَهُوَ كَالْفَسْخِ لَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ لِعَدَمِ الْعَقْدِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ) وَابْنُ عَقِيلٍ حَكَاهُ عَنْهُ فِي " الشَّرْحِ " (لَا يَصِحُّ) الْعَقْدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَجْهُولَةٌ، وَحَمَلَا كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى مُعَيَّنَةٍ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ أَمَّا لَوْ قَالَ: آجَرْتُكَ دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ وَالْأَجْرَ مَعْلُومَانِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ ; لِأَنَّهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَجَرْتُكَ عِشْرِينَ شَهْرًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: آجَرْتُكَ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ صَحَّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ تَلَبَّسَ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: أَجَرْتُكَ هَذَا الشَّهْرَ بِدِرْهَمٍ وَكُلَّ شَهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فِي الْأَوَّلِ وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً]
فَصْلٌ (الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً) لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي
وَالزَّمْرِ وَالْغِنَاءِ، وَلَا إِجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ لِبَيْعِ الْخَمْرِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَيُكْرَهُ أَكْلُ أُجْرَتِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " كَإِجَارَةِ دَارٍ يَجْعَلُهَا مَسْجِدًا، وَشَجَرٍ لِنَشْرِ ثِيَابِهِ وَقُعُودِهِ بِظِلِّهِ (مَقْصُودَةً) فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ شَمْعٍ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ وَيَرُدَّهُ، وَطَعَامٍ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ، وَلَا ثَوْبٍ يُوضَعُ عَلَى سَرِيرِ الْمَيِّتِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْصَدُ لَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُتَقَوَّمَةً، فَلَوِ اسْتَأْجَرَ تُفَّاحَةً لِلشَّمِّ لَمْ يَصِحَّ، وَمَمْلُوكَةً لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَلَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبِ الْمُؤَجِّرِ فَلَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ (فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الزِّنَا وَالزَّمْرِ وَالْغِنَاءِ) لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ مَطْلُوبٌ عَدَمُهَا، وَصِحَّةُ الْإِجَارَةِ تُنَافِيهَا، إِذِ الْمَنْفَعَةُ الْمُحَرَّمَةُ لَا تُقَابَلُ بِالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ، فَكَذَا فِي الْإِجَارَةِ أَشْبَهَ إِجَارَةَ أَمَتِهِ لِلزِّنَا.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا فِي الْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ (وَلَا إِجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ) مَعَ ظَنِّ الْفِعْلِ سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ لَا، وَالْمُرَادُ بِهَا النَّارُ الَّتِي يَعْبُدُهَا الْمَجُوسُ أَوْ مَنْ يَعْبُدُهَا (أَوْ لِبَيْعِ الْخَمْرِ) وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ فَلَمْ تَجُزِ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ كَإِجَارَةَ عَبْدِهِ لِلْفُجُورِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْمَيْتَةِ) أَيْ لِلْأَكْلِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُضْطَرُّ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا (وَالْخَمْرِ) أَيْ لِلشُّرْبِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَعَنَ حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَيَصِحُّ لِإِلْقَائِهَا وَإِرَاقَتِهَا، وَفِي " الْفُرُوعِ " إِنَّ طَرْحَهَا كَأَكْلِهَا (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ (وَيُكْرَهُ أَكْلُ أُجْرَتِهِ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حُرْمَتِهِ، وَعَنْهُ فِيمَنْ حَمَلَ خِنْزِيرًا لِذِمِّيَّةٍ أَوْ خَمْرًا لِنَصْرَانِيٍّ: أَكْرَهُ أَكْلَ أُجْرَتِهِ، وَيُقْضَى لِلْحَمَّالِ بِالْكِرَاءِ، فَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ فَهُوَ أَشَدُّ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيُرِيقَهَا، فَأَمَّا لِلشُّرْبِ فَمَحْظُورٌ لَا
فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِجَارَةُ عَيْنٍ، فَيَجُوزُ إِجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا.
فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ، وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ إِلَّا الْكَلْبَ، وَاسْتِئْجَارُ كِتَابٍ لِيَقْرَأَ فِيهِ إِلَّا الْمُصْحَفَ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
يَحِلُّ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَبَعيد فِي " الْمُغْنِي " هَذَا التَّأْوِيلَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " هَلْ يَأْكُلُ الْأَجْرَ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
[وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ]
[الضَّرْبُ الْأَوَّلُ إِجَارَةُ الْعَيْنِ]
[إِجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا]
فَصْلٌ (وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِجَارَةُ عَيْنٍ، فَيَجُوزُ إِجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا) كَالْأَرْضِ، وَالدُّورِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا (فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ) أَيْ إِذَا كَانَ الْخَشَبُ مَعْلُومًا ; لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، فَجَازَتْ كَالسَّطْحِ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ (وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ) كَالْفَهِدِ وَالْبَازِي فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ; لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا تَجُوزُ إِعَارَتُهُ لَهُ فَكَذَا إِجَارَتُهُ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " أَنَّهُ يَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِلصَّيْدِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَيْعِهَا الْخِلَافَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ الَّتِي لَا يَصْلُحُ لِلصَّيْدِ لَا تَجُوزُ إِجَارَتُهَا لِعَدَمِ النَّفْعِ فِيهَا (إِلَّا الْكَلْبَ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَالْخِنْزِيرِ لِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِصَيْدٍ وَحِرَاسَةٍ لِوُجُودِ النَّفْعِ الْمُبَاحِ (وَاسْتِئْجَارِ كِتَابٍ) فِيهِ عِلْمٌ مُبَاحٌ (لِيَقْرَأَ فِيهِ) لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَكَذَا النَّسْخُ، وَالرِّوَايَةُ مِنْهُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالِانْتِفَاعِ لَعَمَّ، وَتَجُوزُ إِجَارَةُ كِتَابٍ فِيهِ خَطٌّ حَسَنٌ يَنْقُلُ مِنْهُ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ عَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (إِلَّا الْمُصْحَفَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إِجْلَالًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ عَنِ الْمُعَاوَضَةِ بِهِ فَلَمْ تَجُزْ إِجَارَتُهُ، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ كَالْإِعَارَةِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْبَيْعِ عَدَمُ جَوَازِ الْإِجَارَةِ كَالْحُرِّ، وَالْوَقْفِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ نَسْخُ الْمُصْحَفِ بِأُجْرَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَسَخَهُ ذِمِّيٌّ وَلَمْ يَحْمِلْهُ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَاسْتِئْجَارُ النَّقْدِ لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ لَا غَيْرَ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ لَمْ تَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَتَصِحُّ فِي الْآخَرِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي ذَلِكَ، وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ وَامْرَأَةٍ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ وَحَضَانَتِهِ.
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يُعْقَدَ عَلَى نَفْعِ الْعَيْنِ دُونَ أَجْزَائِهَا، فَلَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الطَّعَامِ لِلْأَكْلِ، وَلَا الشَّمْعِ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَاسْتِئْجَارُ النَّقْدِ لِلتَّحَلِّي) أَيْ لِتَحْلِيَةِ امْرَأَةٍ (وَالْوَزْنِ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِيهِ بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ (لَا غَيْرَ) مِنَ الِاتِّفَاقِ، وَنَحْوِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِذْهَابِ عَيْنِهَا وَبَقَاؤُهَا شَرْطٌ (فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ لَمْ تَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ، وَهُوَ فِي النَّقْدَيْنِ إِنَّمَا هُوَ بِأَعْيَانِهِمَا، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَرْضًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ الِانْتِفَاعُ حُمِلَ عَلَى الْمُعْتَادِ (وَتَصِحُّ فِي الْآخَرِ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " ; لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ كَانَ أَوْلَى مِنْ إِفْسَادِهِ (وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْوَزْنِ وَالتَّحَلِّي لِأَنَّهُمَا هُمَا اللَّذَانِ حُمِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا أَشَبَهَ اسْتِئْجَارَ الدَّارِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى السُّكْنَى وَوَضْعِ الْمَتَاعِ فِيهَا.
(وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ) كَالْأَجْنَبِيِّ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ غَيْرَ الْأَبِ، وَلَهُ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِعَمَلٍ مُبَاحٍ، وَعَنْهُ غَيْرَ خِدْمَةٍ، وَقِيلَ: إِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ مُبَاحٍ فِي ذِمَّتِهِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا، وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ (وَامْرَأَةٍ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ وَحَضَانَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: 6] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - 32 «لَا تُرْضِعْ لَكُمُ الْحَمْقَاءُ» 32 يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَازِ اسْتِرْضَاعِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَصِحُّ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ فَيَصِحُّ مَعَهُ كَالْبَيْعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً فِي الْأَصَحِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ، وَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهَا فِي حِبَالِ زَوْجٍ آخَرَ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي حِبَالِ زَوْجٍ آخَرَ لَسَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ ثُمَّ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُرْضِعَ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، وَبَقِيَّةُ الْأَقَارِبِ كَالْأُمِّ فِي الْجَوَازِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ إِجَارَةِ الْعَيْنِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَى نَفْعِ الْعَيْنِ دُونَ أَجْزَائِهَا]
(وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يُعْقَدَ عَلَى نَفْعِ الْعَيْنِ دُونَ أَجْزَائِهَا) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ هِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ فَلَا تَدْخُلُ الْأَجْزَاءُ فِيهَا (فَلَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الطَّعَامِ لِلْأَكْلِ، وَلَا الشَّمْعِ
لِشَعْلِهِ، وَلَا حَيَوَانٍ لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ إِلَّا فِي الظِّئْرِ، وَنَقْعِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا.
الثَّانِي:
[المبدع في شرح المقنع]
لِشَعْلِهِ) لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا بِإِتْلَافِ عَيْنِهِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ دِينَارًا لِيُنْفِقَهُ، فَلَوِ اكْتَرَى شَمْعَةً لِيُسْرِجَهَا وَيَرُدَّ بَقِيَّتَهَا وَثَمَنَ مَا ذَهَبَ وَأَجْرَ الْبَاقِي فَهُوَ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ يَشْمَلُ بَيْعًا وَإِجَارَةً، وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ عَقْدُ الْبَيْعِ مَجْهُولٌ، وَحَيْثُ جُهِلَ جُهِلَ الْآخَرَانِ (وَلَا حَيَوَانٍ لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ) كَالْإِبِلِ وَنَحْوِهَا، وَأَخْذُ الصُّوفِ، وَالشَّعْرِ، وَالْوَبَرِ كَاللَّبَنِ، وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجَارَةَ الْحَيَوَانِ لِأَخْذِ لَبَنِهِ، فَإِنْ قَامَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَعَلَفَهَا فَكَاسْتِئْجَارِ الشَّجَرِ، وَإِنْ عَلَفَهَا رَبُّهَا وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي اللَّبَنَ فَبَيْعٌ، وَلَيْسَ هَذَا بِغَرَرٍ، فَإِنَّهُ كَمَنِيحَةِ الشَّاةِ وَهُوَ عَارِيَتُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِلَبَنِهَا كَمَا يُعِيرُهُ الدَّابَّةَ لِرُكُوبِهَا ; لِأَنَّ هَذَا يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَهُوَ بِالْمَنَافِعِ أَشْبَهُ، فَإِلْحَاقُهُ بِهَا أَوْلَى (إِلَّا فِي الظِّئْرِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَنَقَعِ الْبِئْرِ) أَيْ مَاؤُهَا الْمُسْتَنْقَعُ فِيهَا، قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَعَبَّرَ فِي " الْمُبْهِجِ " وَغَيْرِهِ: وَمَاءُ بِئْرٍ (فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا) هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْأَجِيرِ لِإِفْرَادِهِ الضَّمِيرَ، وَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إِلَى الظِّئْرِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْخِدْمَةَ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهَا مِمَّا ذُكِرَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ; لِأَنَّ خِدْمَةَ الْمُرْضِعَةِ تَقَعُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنَ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: يَدْخُلُ تَبَعًا ; لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَهُوَ أَصْلٌ لَا تَبَعٌ بِخِلَافِ نَقْعِ الْبِئْرِ فَإِنَّ هَوَاءَ الْبِئْرِ وَعُمْقَهُ فِيهِ نَوْعُ انْتِفَاعٍ لِمُرُورِ الدَّلْوِ فِيهِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " يَعُودُ ذَلِكَ إِلَيْهِمَا.
انْتَهَى.
وَكَذَا حِبْرُ نَاسِخٍ، وَخُيُوطُ خَيَّاطٍ، وَكُحْلُ كَحَّالٍ، وَمَرْهَمُ طَبِيبٍ، وَمَنَعَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْبِئْرِ لِيُسْقي مِنْهُ أَيَّامًا مَعْلُومًا، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمْلِكُ بِحِيَازَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِجَارَةُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَاءُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْمَيْتَةِ، وَصَرَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِجَوَازِهِ بِنَاءً عَلَى إِجَارَةِ الظِّئْرِ وَالْبِئْرِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُوقِعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَمَلِ، وَيُقَدِّرَهُ بِمَرَّةٍ أَوْ
مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَتَصِحُّ فِي الْآخَرِ بِدُونِهِ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
الثَّالِثُ: الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الْآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ، وَلَا يَجُوزُ إِجَارَةُ الْمُشَاعِ
[المبدع في شرح المقنع]
مَرَّتَيْنِ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُه بِالْمُدَّةِ وَهُوَ بَعِيدٌ إِلَّا أَنْ يَكْتَرِيَ فَحْلًا لِإِطْرَاقِ مَاشِيَةٍ كَثِيرَةٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَطْرُقُهُ لَهُ جَازَ أَنْ يَبْذُلَ الْكِرَاءَ وَلَيْسَ لِلْمُطْرِقِ أَخْذُهُ، فَإِنْ أَطْرَقَ إِنْسَانٌ فَحْلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ لِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى شَيْئًا كَالْحَجَّامِ، فَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ مُقْتَضَى النَّظَرِ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى الْوَرَعِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَلَوْ أَنْزَاهُ عَلَى فَرَسِهِ فَنَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ]
(الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ) الْمُؤَجَّرَةِ (بِرُؤْيَةٍ) إِنْ كَانَتْ لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ كَالدَّارِ، وَالْحَمَّامِ (أَوْ صِفَةٍ) إِنْ كَانَتْ تَنْضَبِطُ بِهَا كَالْبَيْعِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، فَلَوِ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ حَمَّامًا فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ كَالْمَبِيعِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَمَعْرِفَةِ مَائِهِ، وَمُشَاهَدَةِ الْإِيوَانِ، وَمَطْرَحِ الرَّمَادِ، وَمَصْرِفِ الْمَاءِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ كَرِهَ كِرَاءَ الْحَمَّامِ ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ مَنْ تَنْكَشِفُ عَوْرَتُهُ فِيهِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْعَقْدِ صَحِيحٍ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا حَيْثُ حَدَّدَهُ وَذَكَرَ جَمِيعَ آلَتِهِ شُهُورًا مُسَمَّاةً (وَتَصِحُّ فِي الْآخَرِ بِدُونِهِ) كَالْبَيْعِ إِذِ الْخِلَافُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْبَيْعِ (وَلِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ الْخِيَارُ، فَكَذَا هُنَا.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ]
(الثَّالِثُ: الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ) لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ، أَشْبَهَتْ بَيْعَ الْأَعْيَانِ (فَلَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الْآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ إِجَارَتُهُ كَبَيْعِهِ (وَلَا يَجُوزُ إِجَارَةُ الْمُشَاعِ مُفْرَدًا
مُفْرِدًا لِغَيْرِ شَرِيكِهِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ.
الرَّابِعُ: اشْتِمَالُ الْعَيْنِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، فَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا أَرْضٍ لَا تُنْبِتُ الزَّرْعَ.
الْخَامِسُ: كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤَجِّرِ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ يَقُومُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِغَيْرِ شَرِيكِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَنَقَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إِلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْمَغْصُوبِ (وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ) اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَالْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي حَوَاشِيهِ، وَصَاحِبُ " الْفَائِقِ "، وَغَيْرُهُمْ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَجَازَتْ إِجَارَتُهُ كَالْمُفْرَزِ، وَكَشَرِيكِهِ، وَكَمَا لَوْ آجَرَهُ الشَّرِيكَانِ مَعًا.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي طَرِيقَتِهِ: وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ رَهْنِهِ، وَإِجَارَتِهِ، وَهِبَتِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَهَلْ إِيجَارٌ لِاثْنَيْنِ وَهُمَا الْوَاحِدُ أَوْ تَصِحُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا وَصِيَّتُهُ بِمَنْفَعَتِهِ، فَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ لِوَاحِدٍ فَآجَرَ نِصْفَهَا صَحَّ ثُمَّ إِنْ آجَرَ الْآخَرَ لِلْأَوَّلِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا لِلْخِدْمَةِ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ حَبْسٌ يَتَضَمَّنُ إِذْلَالَ الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا إِذَا آجَرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فِي الذِّمَّةِ كَالْخِيَاطَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَائِدَةٌ: إِذَا اسْتَأْجَرَ دِيكًا يُوقِظُهُ لِلصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ نَقَلَهُ إِبْرَاهِيمُ.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ اشْتِمَالُ الْعَيْنِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ]
(الرَّابِعُ: اشْتِمَالُ الْعَيْنِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِلْحَمْلِ وَلَا أَرْضٍ) سَبَخَةٍ (لَا تُنْبِتُ الزَّرْعَ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ فَلَا تَصِحُّ إِجَارَتُهَا كَالْآبِقِ قَالَ فِي " الْمُوجَزِ ": وَحَمَامٍ لِحَمْلِ الْكُتُبِ لِتُعَذِّبَهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
قَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ ": هُوَ أَوْلَى.
[الشَّرْطُ الْخَامِسُ كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤَجِّرِ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا]
(الْخَامِسُ: كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤَجِّرِ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا) لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ كَالْبَيْعِ، فَلَوْ تَصَرَّفَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا إِذَنْ لَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ كَبَيْعِهِ، وَقِيلَ: بَلَى وَيَقِفُ عَلَى الْإِجَارَةِ كَالْبَيْعِ (فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ) أَيْ بَعْدَ قَبْضِهَا،
مَقَامَهُ، وَيَجُوزُ لِلْمُؤَجِّرِ وَغَيْرِهِ بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ وَزِيَادَةٍ، وَعَنْهُ: لَا تَجُوزُ بِزِيَادَةٍ، وَعَنْهُ: إِنْ جَدَّدَ فِيهَا عِمَارَةً جَازَتِ الزِّيَادَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَلِلْمُسْتَعِيرِ إِجَارَتُهَا إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمُعِيرُ
[المبدع في شرح المقنع]
نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَالَهُ جَمْعٌ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، فَجَازَ لَهُ إِجَارَتُهَا كَبَيْعِ الْمَبِيعِ (لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) أَيْ فِي الِانْتِفَاعِ، أَوْ دُونَهُ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لِمَّا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إِجَارَتُهَا لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضَمَّنْ، وَالْمَنَافِعُ لَمْ تَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ لِعَدَمِ قَبْضِهَا أَشْبَهَ بَيْعَ الْمَكِيلِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ قَائِمٌ مُقَامَ قَبْضِ الْمَنَافِعِ كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرة، فَأَمَّا إِجَارَتُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجَّرِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ ; لِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ لَا يَنْتَقِلُ بِهِ الضَّمَانُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَمْلُوكَةٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَاعْتُبِرَ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا الْقَبْضُ كَالْأَعْيَانِ.
(وَيَجُوزُ لِلْمُؤَجِّرِ) مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً كَعِينَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَجُزْ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ فَوَجْهَانِ هُنَا، أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي بَلَى ; لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَأَصْلُهُمَا بِيعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ هَلْ يَصِحُّ مِنْ بَائِعِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (وَغَيْرِهِ) وَقَدْ سَبَقَ (بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ) فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ (وَزِيَادَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ بِرَأْسِ الْمَالِ جَازَ بِأَكْثَرَ كَبَيْعِ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِهِ (وَعَنْهُ: لَا تَجُوزُ بِزِيَادَةٍ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ رِبْحٍ مَا لَمْ يُضَمَّنْ، وَالْمَنْفَعَةُ فِي الْإِجَارَةِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ (وَعَنْهُ: إِنْ جَدَّدَ فِيهَا عِمَارَةً جَازَتِ الزِّيَادَةُ) لِأَنَّ الرِّبْحَ وَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ فِيهَا عِمَارَةً لَمْ تَجُزِ الزِّيَادَةُ، فَلَوْ فَعَلَ تَصَدَّقَ بِالزِّيَادَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَذِنَ الْمُؤَجِّرُ فِيهَا جَازَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ يَتَقَبَّلُ عَمَلَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَتَقَبَّلَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجُوزُ
مُدَّةً بِعَيْنِهَا
وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ فَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلِلثَّانِي حِصَّتُهُ مِنَ الْأُجْرَةِ
وَإِنْ آجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتِيمَ،
[المبدع في شرح المقنع]
لَهُ الْفَضْلُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي هِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا بَعْضُ الشَّيْءِ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ فِي الْخَيَّاطِ إِذَا تَقَبَّلَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ أَعَانَ فِيهَا أَخَذَ فَضَلَّا، وَإِلَّا فَلَهُ، وَحَمَلَ قَوْلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى مَذْهَبِهِ فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا لَا يُؤَجِّرُهُ بِزِيَادَةٍ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ سَوَاءٌ أَعَانَ فِيهِ شَيْءٌ أَمْ لَا كَالْبَيْعِ.
(وَلِلْمُسْتَعِيرِ إِجَارَتُهَا) لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا لَجَازَ فَكَذَا إِجَارَتُهَا، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَجَازَ بِإِذْنِهِ (إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمُعِيرُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا تَجُوزُ إِلَّا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
[إِجَارَةُ الْوَقْفِ]
(وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ) لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَجَازَ لَهُ إِجَارَتُهَا كَالْمُسْتَأْجِرِ (فَإِنْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ فَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ آجَرَ مِلْكَهُ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ فَلَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِهِ كَمَا لَوْ أَجَرَ مِلْكَهُ الطَّلْقَ (وَلِلثَّانِي حِصَّتُهُ مِنَ الْأُجْرَةِ) أَيْ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا رَجَعَ فِي تَرِكَتِهِ بِحِصَّتِهِ ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لَهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا تَسْقُطُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ فَمِنْ مُسْتَأْجِرٍ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَيْسَ لِنَاظِرِ وَقْفٍ وَنَحْوِهِ تَعْجِيلُهَا كُلِّهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَلَوْ شَرَطَهُ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَأْخُذُ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْآنَ، وَعَلَيْهِ لِلْبَطْنِ الثَّانِي أَنْ يُطَالِبُوا بِالْأُجْرَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ التَّسَلُّفُ، وَلَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوا النَّاظِرَ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَقَالَ: إِنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَابْنِهِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَابْنِ شَاقِلَا، وَابْنِ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ يَسْتَحِقُّ الْعَيْنَ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا تَلَقِّيًا مِنَ الْوَاقِفِ بِانْقِرَاضِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الطَّلْقِ، فَإِنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ مِنْ جِهَةِ الْمَوْرُوثِ فَلَا يَمْلِكُ إِلَّا مَا خَلَّفَهُ، وَحَقُّ الْمَالِكِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ مِيرَاثِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ آثَارُهُ بَاقِيَةٌ فِيهِ، وَلِهَذَا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى وَرَثَةِ مُؤَجِّرٍ قَابِضٍ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْبَاقِي، وَخَرَّجَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَجْهًا بِبُطْلَانِ الْإِجَارَةِ مِنْ أَصْلِهَا بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ
أَوِ السَّيِّدُ الْعَبْدَ ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعُتِقَ الْعَبْدُ لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْفَسِخَ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُسْتَأْجِرَ أَجْرُ الْمِثْلِ ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ مُقَسَّطَةً عَلَى أَشْهُرِ الْإِجَارَةِ، أَوْ أَعْوَامِهَا فَهِيَ صَفْقَتَانِ فِي الْأَصَحِّ لَا تَبْطُلُ جَمِيعُهَا بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَسَّطَةً فَهِيَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَطَّرِدُ فِيهَا الْخِلَافُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ إِذَا كَانَ الْآجِرُ النَّاظِرَ الْعَامَّ، أَوْ مَنْ شَرَطَهُ لَهُ وَكَانَ أَجْنَبِيًّا بِمَوْتِهِ وَلَا عِزَّ لَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا آجَرَ الْوَقْفَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَطَلَبَهُ غَيْرُ مُسْتَأْجِرِهِ بِزِيَادَةٍ فَلَا فَسْخَ، وَكَذَا لَوْ آجَرَهُ الْمُتَوَلِّي عَلَى مَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقَالَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ فِي الْمُفِيدِ لَهُمْ: لَا يُعْرَفُ لَهُ وَجْهٌ.
أَصْلٌ: تَجُوزُ إِجَارَةُ الْإِقْطَاعِ كَمَوْقُوفٍ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَخَالَفَ فِيهِ جَمْعٌ، فَلَوْ آجَرَهُ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ بِإِقْطَاعٍ آخَرَ فَكَمَوْقُوفٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ ".
[آجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتِيمَ أَوْ مَالَهُ مُدَّةً ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَرَشَدَ]
(وَإِنْ آجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتِيمَ) أَوْ مَالَهُ (أَوِ السَّيِّدُ الْعَبْدَ) مُدَّةً (ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ) وَرَشَدَ (وَعُتِقَ الْعَبْدُ) فِي أَثْنَائِهَا (لَمْ تَنْفَسِخِ الْإِجَارَةُ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ لَهُ تَصَرُّفًا لَازِمًا فَلَا تَنْفَسِخُ بِبُلُوغِ الصَّبِيِّ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ أَوْ بَاعَ عَقَارَهُ وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْفَسِخَ) هَذَا وَجْهٌ ; لِأَنَّهُ أَجَرَهُ مُدَّةً لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَشْبَهَ إِجَارَةَ الْوَقْفِ، وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَنْبَرِمُ فِي الْحَالِ وَيَنْقَطِعُ عَنْهُ، نَعَمْ لَوْ كَانَ بُلُوغُهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ يَنْبَرِمُ مِنْ حِينِهِ، وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ فِيهِ بِالدُّخُولِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تُقَسَّطُ عَلَى الْمُدَّةِ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ فِيهَا إِلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَجْهًا أَنَّهُ إِذَا آجَرَهُ مُدَّةً يُعْلَمُ بُلُوغُهُ فِيهَا قَطْعًا لَمْ يَصِحَّ فِي الزَّائِدِ وَيَخْرُجُ الْبَاقِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا مَاتَ الْوَلِيُّ أَوْ عُزِلَ، وَانْتَقَلَتْ عَنْهُ الْوِلَايَةُ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُهُ ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ وَهُوَ مَنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِيمَا لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْطُلْ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ نَاظِرُ الْوَقْفِ، أَوْ عُزِلَ، أَوِ الْحَاكِمُ.
فَصْلٌ وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَإِجَارَةِ الدَّارِ شَهْرًا، وَالْأَرْضِ عَامًا، وَالْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلرَّعْيِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَيُسَمَّى الْأَجِيرُ فِيهَا الْأَجِيرَ الْخَاصَّ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْعَيْنِ فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَلِيَ الْعَقْدَ، فَلَوْ أَجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
[إِجَارَةُ الْعَيْنِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ]
فَصْلٌ (وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَإِجَارَةِ الدَّارِ شَهْرًا) وَهُوَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا (وَالْأَرْضِ عَامًا) وَشَاهِدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] ، فَلَوْ قَدَّرَهَا بِسَنَةٍ مُطْلَقَةٍ حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيَّةِ ; لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ، فَإِذَا وَصَفَهَا بِهِ كَانَ تَأْكِيدًا، فَإِنْ قَالَ: عَدَدِيَّةً، فَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، فَإِنْ قَالَ: رُومِيَّةً، أَوْ شَمْسِيَّةً، أَوْ فَارِسِيَّةً، أَوْ قِبْطِيَّةً، وَهُمَا يَعْلَمَانِ جَازَ، وَكَانَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ يَوْمًا، فَإِنَّ أَشْهُرَ الرُّومِ مِنْهَا سَبْعَةٌ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَأَرْبَعَةٌ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَوَاحِدٌ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَهُوَ شُبَاطُ، وَزَادَهُ الْحِسَابُ رُبُعًا، وَشُهُورُ الْقِبْطِ كُلُّهَا ثَلَاثُونَ ثَلَاثُونَ، وَزَادُوهَا خَمْسَةً لِتُسَاوِيَ سَنَتُهُمُ السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ (وَالْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلرَّعْيِ مُدَّةً مَعْلُومَةً) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ إِجَارَةَ الْعَيْنِ تَارَةً تَكُونُ فِي الْآدَمِيِّ، وَتَارَةً فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالدَّوَابِّ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا (وَيُسَمَّى الْأَجِيرُ فِيهَا الْأَجِيرَ الْخَاصَّ) لِاخْتِصَاصِ الْمُسْتَأْجِرِ بِمَنْفَعَتِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ.
(وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً) هَذَا تَكْرَارٌ (يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْعَيْنِ فِيهَا) لِأَنَّ الْمُدَّةَ هِيَ الضَّابِطَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمُعَرِّفَةُ لَهُ، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْمَكِيلَاتِ (وَإِنْ طَالَتْ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لَهَا كَوْنُ الْمُسْتَأْجِرِ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا غَالِبًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ظَنَّ عَدَمَ الْعَاقِدِ وَلَوْ مُدَّةً لَا يَظُنُّ فَنَاءَ الدُّنْيَا فِيهَا، وَقِيلَ: بَلَى تَصِحُّ إِلَى سَنَةٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثِينَ، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " نصا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَبْقَى إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا وَتَتَغَيَّرُ الْأَسْعَارُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْمِلْكِ بَلِ الْوَقْفُ أَوْلَى، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالسَّقْفُ وَالْبَسِيطُ سَوَاءٌ.
أَرْبَعٍ صَحَّ سَوَاءٌ كَانَتِ الْعَيْنُ مَشْغُولَةً وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَإِذَا آجَرَهُ فِي أَثْنَاءِ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: لَيْسَ لِوَكِيلٍ مُطْلَقُ إِيجَارِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً بَلِ الْعُرْفُ كَسَنَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ عَلَّقَهَا عَلَى مَا يَقَعُ اسْمُهُ عَلَى شَيْئَيْنِ كَالْعِيدِ وَرَبِيعٍ صَحَّ وَانْصَرَفَ إِلَى الْأَوَّلِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُعَيِّنَ ذَلِكَ عَلَى شَهْرٍ مُفْرَدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ مِنْ أَيِّ سَنَةٍ وَعَلَى يَوْمٍ يُبَيِّنُهُ مِنْ أَيِّ أُسْبُوعٍ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَلِيَ الْعَقْدَ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَعَ غَيْرِهَا، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً كَالَّتِي تَلِي الْعَقْدَ (فَلَوْ أَجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ صَحَّ سَوَاءٌ كَانَتِ الْعَيْنُ مَشْغُولَةً وَقْتَ الْعَقْدِ) بِإِجَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ إِنْ قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا عِنْدَ وُجُوبِهِ (أَوْ لَمْ تَكُنْ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجُوبِهِ كَالسَّلَمِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَالَ الْعَقْدِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَتَصَرَّفُ مَالِكُ الْعَقَارِ فِي الْمَنَافِعِ بِإِجَارَةٍ، وَلَا عَارِيَةٍ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَيْهِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفَاتُ الْمَالِكِ فِي مَحْبُوسٍ بِحَقٍّ ; لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ، فَمُرَادُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِجَارَةُ الْمُؤَجِّرِ، وَيُعْتَبَرُ التَّسْلِيمُ وَقْتَ وُجُوبِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِيجَارُهُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْمُؤَجِّرِ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِجَارَةُ الْمَشْغُولِ بِمِلْكِ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِجَوَازِهِ فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ جُنْدِيٍّ وَغَرَسَهَا قَصَبًا ثُمَّ انْتَقَلَ الْإِقْطَاعُ عَنِ الْجُنْدِيِّ أَنَّ الثَّانِيَ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ، وَأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِمَنْ لَهُ الْقَصَبُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَقَعَتِ عَلَى مُدَّةٍ تَلِي الْعَقْدَ لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ ابْتِدَائِهَا وَهِيَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ كَالِانْتِهَاءِ، فَلَوْ آجَرَهُ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، فَافْتَقَرَ إِلَى التَّعْيِينِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَنَصَرَهُ
شَهْرٍ سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بِالْعَدَدِ، وَسَائِرَهَا بِالْأَهِلَّةِ، وَعَنْهُ: يَسْتَوْفِي الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَشْهُرُ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَشَهْرَيْ صِيَامِ الْكَفَّارَةِ.
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: إِجَارَتُهَا لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ كَإِجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثِ مَكَانٍ أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ، أَوِ اسْتِئْجَارِ عَبْدٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى طَرِيقٍ، أَوْ رَحًى
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الشَّرْحِ "، وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ لِقِصَّةِ شُعَيْبٍ، وَكَمُدَّةِ التَّسْلِيمِ.
(وَإِذَا آجَرَهُ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بِالْعَدَدِ) أَيِ الْأَوَّلَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي نَذْرٍ وَصَوْمٍ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ بِالْهِلَالِ فَتَمَّمْنَاهُ بِالْعَدَدِ (وَسَائِرَهَا بِالْأَهِلَّةِ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِالْأَهِلَّةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَعَنْهُ: يَسْتَوْفِي الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ) لِأَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْمَلَ مِنَ الثَّانِي فَيَحْصُلُ ابْتِدَاءُ الشَّهْرِ الثَّانِي فِي أَثْنَائِهِ، وَكَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ يَأْتِي بَعْدَهُ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَشْهُرُ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَشَهْرَيْ صِيَامِ الْكَفَّارَةِ) نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي نَذْرٍ وَلِأَنَّهُ سَاوَى مَا تَقَدَّمَ مَعْنًى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ إِجَارَتُهَا لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ]
فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّانِي إِجَارَتُهَا) أَيِ الْعَيْنِ (لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهَا مَعْلُومًا لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ كَالْبَيْعِ (كَإِجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثِ مَكَانٍ) لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَتُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْأَرْضِ بِالْمُشَاهَدَةِ لِاخْتِلَافِهَا بِالصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ، وَتَقْدِيرُ الْعَمَلِ إِمَّا بِالْمُدَّةِ كَيَوْمٍ، وَإِمَّا بِمَعْرِفَةِ الْأَرْضِ كَهَذِهِ، أَوْ بِالْمِسَاحَةِ كَجَرِيبٍ، فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْمُدَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْبَقَرة الَّتِي تَعْمَلُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مُفْرَدَةً لِيَتَوَلَّى رَبُّ الْأَرْضِ الْحَرْثَ بِهَا وَمَعَ صَاحِبِهَا بِآلَتِهَا وَبِدُونِهَا، وَتَكُونُ
لِطَحْنِ قُفْزَانٍ مَعْلُومَةٍ، فَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَمَلِ وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْآلَةُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ (أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ) لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ كَالْحَرْثِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَا لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى مُدَّةٍ احْتِيجَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَيَوَانِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ فَمِنْهُ مَا رَوْثُهُ طَاهِرٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ نَجِسٌ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى زَرْعٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ فَلَا كَالْحَرْثِ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ اكْتِرَاءُ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ كَالْبَقَرِ لِلرُّكُوبِ، أَوِ الْحَمْلِ، وَالْإِبِلِ، وَالْحُمُرِ لِلْحَرْثِ ; لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنَ الْحَيَوَانِ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا فَجَازَ كَالَّتِي خُلِقَتْ لَهُ، وَقَوْلُهَا: إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، أَيْ مُعْظَمُ نَفْعِهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ.
(أَوِ اسْتِئْجَارِ عَبْدٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى طَرِيقٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبَا بَكْرٍ اسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأُرَيْقِطِ هَادِيًا خِرِّيتًا - وَهُوَ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - لِيَدُلَّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَنْ لَعَمَّ (أَوْ رَحًى لِطَحْنِ قُفْزَانٍ مَعْلُومَةٍ) وَيُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِ الْمَطْحُونِ ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَمِنْهُ مَا يَسْهُلُ، وَمِنْهُ مَا يَعْسُرُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ لِتَزُولَ الْجَهَالَةُ (فَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَمَلِ وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ) لِأَنَّ الْعَمَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا مَضْبُوطًا بِمَا ذُكِرَ يَكُونُ مَجْهُولًا فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ مَعَهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَتُهُ وَضَبْطُهُ بِمَا ذُكِرَ كَالْمَبِيعِ.
[مَسَائِل في الإجارة]
1
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ بَهِيمَةٍ لِإِدَارَةِ الرَّحَى، وَتَفْتَقِرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَجَرِ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوِ الصِّفَةِ ; لِأَنَّ عَمَلَهُمَا فِيهِ يَخْتَلِفُ، وَإِلَى تَقْدِيرِ الْعَمَلِ بِالزَّمَانِ كَيَوْمٍ، أَوْ بِالطَّعَامِ كَقَفِيزٍ، وَيُذْكَرُ جِنْسُهُ إِنِ اخْتَلَفَ، وَإِنْ أَكْرَاهَا لِإِدَارَةِ دُولَابٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ، وَيُقَدَّرُ بِالزَّمَانِ وَمَلْءِ الْحَوْضِ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ كَيَّالٍ أَوْ وَزَّانٍ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ أَوْ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ مَضْبُوطَةٍ بِصِفَاتٍ كَالسَّلَمِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِيُلَازِمَ غَرِيمًا يَسْتَحِقُّ مُلَازَمَتَهُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ.
الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِحَفْرِ الْآبَارِ، وَالْأَنْهَارِ، وَالْقُنِيِّ كَالْخِدْمَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَرْضِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فَعَلَيْهِ شَيْلُ التُّرَابِ، فَإِنْ تَهَرَّرَ مِنْ جَانِبَيْهِ، أَوْ سَقَطَتْ بَهِيمَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْلُهُ وَكَانَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ، فَإِنْ وَصَلَ إِلَى صَخْرَةٍ أَوْ جَمَادٍ يَمْنَعُ الْحَفْرَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَهُ الْفَسْخُ، فَإِنْ فَسَخَ فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِسْطِ مَا عَمِلَ، فَيُقَسَّطُ الْأَجْرُ عَلَى مَا عَمِلَ وَعَلَى مَا بَقِيَ وَلَا يُقَسَّطُ عَلَى أَذْرُعٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّ أَعْلَاهُ يَسْهُلُ نَقْلُ التُّرَابِ مِنْهُ بِخِلَافِ أَسْفَلِهِ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْهُ كَالصَّخْرَةِ إِذَا ظَهَرَتْ.
الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَبِيعُ لَهُ أَثْوَابًا مُعَيَّنَةً، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى شِرَاءِ ثِيَابٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَفِي الصِّحَّةِ احْتِمَالَانِ.
[الضَّرْبُ الثَّانِي عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ مَضْبُوطَةٍ بِصِفَاتٍ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ مَضْبُوطَةٍ بِصِفَاتٍ كَالسَّلَمِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَحَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ) نَقُولُ: يَجُوزُ لِلْآدَمِيِّ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آجَرَ نَفْسَهُ لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ، وَلِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ أَشْبَهَ الْأَرْضَ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ بِعَيْنِهَا وَعَمَلٍ بِعَيْنِهِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ فَيَكُونُ كَالسَّلَمِ أَيْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِصِفَاتِ السَّلَمِ لِيَحْصُلَ الْعِلْمُ بِهِ (وَلَا يَكُونُ الْأَجِيرُ فِيهَا إِلَّا آدَمِيًّا) لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ، وَلَا ذِمَّةَ لِغَيْرِ الْآدَمِيِّ (جَائِزَ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (وَيُسَمَّى الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ) لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ أَعْمَالًا لِجَمَاعَةٍ، فَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ، وَيَلْزَمُهُ الشُّرُوعُ عَقِبَ الْعَقْدِ وَإِنْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِلَا عُذْرٍ - فَتَلِفَ بِسَبَبِهِ ضَمِنَهُ وَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ، فَإِنْ مَرِضَ أَوْ
كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَحَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَكُونُ الْأَجِيرُ فِيهَا إِلَّا آدَمِيًّا جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَيُسَمَّى الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَصِحَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ كَالْحَجِّ وَالْأَذَانِ
[المبدع في شرح المقنع]
هَرَبَ اكْتَرَى مَنْ يَعْمَلُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَرَطَ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا عَمَلَ وَلَا اسْتِنَابَةَ إِذًا، وَفِي " الْمُغْنِي ": إِنِ اخْتَلَفَ الْقَصْدُ فِيهِ كَنَسْخ لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَا الْمُكْتَرِيَ قَبُولُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَهُ الْفَسْخُ، وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِ مَحَلِّ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ.
(وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَصِحَّ) فِي الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَزِيدُ الْإِجَارَةَ غَرَرًا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَفْرَغُ مِنَ الْعَمَلِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ، فَإِنِ اسْتَعْمَلَ فِي بَقِيَّتِهِ فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَانَ تَارِكًا لِلْعَمَلِ فِي بَعْضِهِ فَهَذَا غَرَرٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ فَلَمْ يَجُزِ الْعَقْدُ مَعَهُ (وَيُحْتَمَلْ أَنْ يَصِحَّ) هَذَا رِوَايَةٌ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْعَمَلِ، وَالْمُدَّةُ إِنَّمَا ذُكِرَتْ لِلتَّعْجِيلِ فَلَا يَفْسَدُ الْعَقْدُ، وَكَجُعَالَةٍ، وَفِيهَا وَجْهٌ قَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ ": وَإِنِ اشْتَرَطَ تَعْجِيلَ الْعَمَلِ فِي أَقْصَى مُمْكِنٍ فَلَهُ شَرْطُهُ وَعَلَيْهَا إِذَا تَمَّ الْعَمَلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّتِهَا كَقَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ أَجْلِهِ، وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْعَمَلِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْبَقَاءِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ الْفَسْخُ، فَإِنِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْعَقْدِ طَالَبَهُ بِالْعَمَلِ فَقَطْ كَالْمُسَلَّمِ إِذَا صَبَرَ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ الْعَمَلِ سَقَطَ الْأَجْرُ وَالْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ عَمَلِ بَعْضِهِ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ انْفَسَخَ وَسَقَطَ الْمُسَمَّى.
(وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ) أَيْ مُسْلِمًا (كَالْحَجِّ) أَيِ النِّيَابَةِ فِيهِ (وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهِمَا) كَإِمَامَةِ صَلَاةٍ، وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ فِي الْمَشْهُورِ لِمَا «رَوَى عُبَادَةُ قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى لِي رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُقَلِّدَكَ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» ، «وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَأَهْدَى لَهُ خَمِيصَةً أَوْ ثَوْبًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ
وَنَحْوِهِمَا، وَعَنْهُ: تَصِحُّ، وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ صَحَّ، وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ، إِنَّكَ لَوْ لَبِسْتَهَا أَلْبَسَكَ اللَّهُ مَكَانَهَا ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» ، رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَوْنَهَا قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ (وَعَنْهُ: تَصِحُّ) لِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَوَّجَ رَجُلًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَازَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ وَقَامَ مَقَامَ الْمَهْرِ جَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرُّقْيَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَجَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَكَمَنْ أَعْطَى بِلَا شَرْطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَجِعَالَةٍ، وَفِيهَا وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " الْجُعْلُ فِي حَجٍّ كَأُجْرَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَجَعْلَهُ صَدَاقًا فِيهِ عَنْهُ اخْتِلَافٌ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ إِكْرَامًا لَهُ كَمَا زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَلَوْ سَلِمَ جَوَازُهُ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْأَجْرِ أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ بِعِوَضٍ مَحْضٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَقْدِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ، وَيَصِحُّ مَعَ فَسَادِهِ بِخِلَافِ الْأَجْرِ، وَأَمَّا الرُّقْيَةُ فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ ; لِأَنَّهَا مُدَاوَاةٌ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهَا جُعْلٌ، وَفِي حَدِيثٍ وَفْقَهُ وَجْهَانِ أَشْهَرُهَا الْمَنْعُ، وَكَذَا الْقَضَاءُ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.
وَجَوَّزَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِحَاجَةٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَيَجُوزُ كَتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " لَا مُشَاهَرَةً، وَلَهُ أَخْذُ رِزْقٍ عَلَى مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ لَا عَلَى مَا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ كَصَوْمٍ، وَصَلَاةٍ خَلْفَهُ، وَنَحْوِهِ.
(وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ صَحَّ) فِي الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أُجْرَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ.
فَصْلٌ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِمِثْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَالْفَصْدِ، وَالْخِتَانِ، وَنَحْوِهِمَا (وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ، فَإِنَّهُ قَدْ سَمَّى الْبَصَلَ وَالثُّومَ خَبِيثَيْنِ مَعَ إِبَاحَتِهِمَا، وَخَصَّ الْحُرَّ بِذَلِكَ تَنْزِيهًا لَهُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَمَنَعَ فِي " الشَّرْحِ " أَنْ يَكُونَ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ ": يَحْرُمُ عَلَى السَّيِّدِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَحْرَارِ، وَاسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ (وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ، وَرَقِيقَكَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " مِثْلُهُ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ، إِذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، فَإِنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيٌّ يُمْنَعُ مِنْهُ مَا يُمْنَعُ الْحُرُّ (وَقَالَ الْقَاضِي) وَالْحُلْوَانِيُّ (لَا تَصِحُّ) الْإِجَارَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَكَذَا أَخْذُهُ بِلَا شَرْطٍ، وَجَوَّزَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَيَصْرِفُهُ فِي عَلَفِ دَابَّتِهِ، وَمُؤْنَةِ صِنَاعَتِهِ، وَيَحِلُّ أَكْلُهُ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْحُلْوَانِيُّ لِغَيْرِ حُرٍّ.
[فَصْلٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ]
فَصْلٌ (وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِمِثْلِهِ) لِأَنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ يُرَادُ لِلْعَاقِدِ، فَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَهَا بِنَفْسِهِ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا صِحَّةُ الْعَقْدِ وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى
وَلَا بِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ مِنْ جِنْسِهَا، فَإِذَا اكْتَرَى لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ فَلَهُ زَرْعُ الشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ لَهُ زَرْعُ دُخْنٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْغَرْسَ وَلَا الْبِنَاءَ، وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ، وإِنِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَقْدِ إِذْ مُوجَبُهُ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، وَالتَّسْلِيطُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَخْصِيصِهِ (وَبِمِثْلِهِ) أَيْ إِذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الضَّرَرِ أَوْ دُونَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَيُعْتَبَرُ كَوْنُ رَاكِبٍ مِثْلِهِ فِي طُولٍ، وَقِصَرٍ لَا الْمَعْرِفَةُ بِالرُّكُوبِ خِلَافًا لِلْقَاضِي ; لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي غَيْرِ هَذَا يَسِيرٌ (وَلَا يَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ) لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةٍ فَلَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا عَقَدَ عَلَيْهِ (وَلَا بِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ) لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ غَيْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ (وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ) الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ (وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ مِنْ جِنْسِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ نَفْسِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا فَمَا دُونَهَا أَوْلَى.
قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا تَمْرًا فَحَمَلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إِذَا كَانَ الْوَزْنُ وَاحِدًا (فَإِذَا اكْتَرَى لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ فَلَهُ زَرْعُ الشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ) كَبَاقِلَّاءَ ; لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ، وَعُلِمَ مِنْهُ جَوَازُ زَرْعِ الْحِنْطَةِ ; لِأَنَّهَا الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا، فَلَوْ قَالَ: ازْرَعْ حِنْطَةً وَلَا تَزْرَعْ غَيْرَهَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي بُطْلَانَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ كَيْفَ شَاءَ، فَلَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ زَرْعُ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ حَتَّى لَوْ وَصَفَ الْحِنْطَةَ بِأَنَّهَا سَمْرَاءُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَزْرَعَ بَيْضَاءَ ; لِأَنَّهُ عَيَّنَهُ، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهُ كَالدَّرَاهِمِ فِي الثَّمَنِ، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ، وَالْمَاءُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ (وَلَيْسَ لَهُ زَرْعُ دُخْنٍ وَنَحْوِهِ) كَقُطْنٍ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ فِي الضَّرَرِ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الْمُسَمَّى مَعَ تَفَاوُتِهِمَا فِي أَجْرِ الْمِثْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَوْجَبَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤَلِّفُ أَجْرَ الْمِثْلِ خَاصَّةً، وَمِثْلُهُ لَوْ سَلَكَ طَرِيقًا أَشَقَّ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ ".
(وَلَا يَمْلِكُ الْغَرْسَ وَلَا الْبِنَاءَ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ) لِأَنَّ ضَرَرَ كُلِّ وَاحِدٍ يُخَالِفُ ضَرَرَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْغَرْسَ يَضُرُّ بِبَاطِنِ الْأَرْضِ، وَالْبِنَاءَ يَضُرُّ بِظَاهِرِهَا (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْغَرْسِ مَلَكَ الزَّرْعَ) لِأَنَّ ضَرَرَهُ
اكْتَرَاهَا لِلْغَرْسِ مَلَكَ الزَّرْعَ، وَإِنِ اكْتَرَى دَابَّةً لِلرُّكُوبِ أَوِ الْحَمْلِ لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ، وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْحَدِيدِ أَوِ الْقُطْنِ لَمْ يَمْلِكْ حَمْلَ الْآخَرِ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحُمُولَةِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ، فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ
[المبدع في شرح المقنع]
أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ الْغَرْسِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَضُرُّ بِبَاطِنِ الْأَرْضِ، وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْبِنَاءِ هَلْ يَمْلِكُ الزَّرْعَ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا، أَوْ يَغْرِسَهَا لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ، فَلَوْ قَالَ: لِزَرْعِ مَا شَاءَ، أَوْ غَرْسِهِ، أَوْ وَغَرْسِهِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا كَزَرْعِ مَا شِئْتُ، وَغَرْسِ مَا شِئْتُ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَتَصْلُحُ لِزَرْعٍ وَغَيْرِهِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ أَطْلَقَ، أَوْ قَالَ: انْتَفِعْ بِهَا بِمَا شِئْتَ، فَلَهُ زَرْعٌ، وَغَرْسٌ، وَبِنَاءٌ.
(وَإِنِ اكْتَرَى دَابَّةً لِلرُّكُوبِ، أَوِ الْحَمْلِ لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ) لِاخْتِلَافِ الضَّرَرِ ; لِأَنَّ الرَّاكِبَ يُعَيِّنُ الظَّهْرَ بِحَرَكَتِهِ فَلَا يَمْلِكُ الْحَمْلَ، وَالرُّكُوبُ أَشَدُّ عَلَى الظَّهْرِ ; لِأَنَّهُ يَقْعُدُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَالْمَتَاعُ يَتَفَرَّقُ عَلَى جَنْبَيْهِ فَلَا يَمْلِكُ الرُّكُوبَ، فَإِذَا اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ دَقِيقٍ مِنْ طَاحُونٍ فَلَمْ يَجِدْهُ طُحِنَ وَجَبَتْ أُجْرَتُهَا، وَإِنِ اكْتَرَاهَا إِلَى بَلَدٍ، فَلَهُ الرُّكُوبُ إِلَى مَقَرِّهِ، وَقِيلَ: بَلْ إِلَى أَوَّلِ عِمَارَتِهِ (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْحَدِيدِ، أَوِ الْقُطْنِ لَمْ يَمْلِكْ حَمْلَ الْآخَرِ) عَلَى الْمَعْرُوفِ ; لِأَنَّهُ إِذَا اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْحَدِيدِ لَمْ يَحْمِلْ قُطْنًا ; لِأَنَّهُ يَتَجَافَى، وَتَهُبُّ فِيهِ الرِّيحُ، فَيَتْعَبُ الظَّهْرُ، وَعَكْسُهُ، وَلِأَنَّ الْحَدِيدَ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى بِوَزْنِهِ، وَلَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ (فَإِنْ فَعَلَ) كَانَ ضَامِنًا (فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ الْمَقْعُودِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَ غَيْرَهَا (وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحُمُولَةِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ، فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ) أَيِ الْمُسَمَّاةُ لِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ (وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) .
قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابُنَا أَيْ فِي الثَّانِيَةِ، وَحَكَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَغَاصِبٍ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ) لِأَنَّهُ
الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ، وَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ صَاحِبِهَا فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَدَلَ عَنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ بِغَيْرِ إِجَارَةٍ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فِيمَا إِذَا اكْتَرَى لِحُمُولَةِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعِ شَعِيرٍ، فَزَرَعَهَا حِنْطَةً أَنَّ عَلَيْهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ، فَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ، وَمَسْأَلَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَيَنْقُلُ كُلًّا مِنْهُمَا إِلَى الْأُخْرَى لِتَسَاوِيهِمَا فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَتَمَيَّزُ، فَيَكُونُ فِيهِمَا وَجْهَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ مَا حَصَلَ التَّعَدِّي فِيهِ فِي الْحَمْلِ مُتَمَيِّزٌ بِخِلَافِ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِهِ كُلِّهِ أَشْبَهَ الْغَاصِبَ، وَلِهَذَا عَلَّلَ أَبُو بَكْرٍ بِالْعُدُولِ عَنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِلْحَاقُهَا بِمَا إِذَا اكْتَرَى إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ أَشَدُّ لِشِدَّةِ شَبَهِهَا بِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ " مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي الزَّرْعِ أَنَّهُ يُنْظَرُ مَا يَدْخُلُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ النُّقْصَانِ، فَيُعْطَاهُ رَبُّ الْأَرْضِ، فَيُقَالُ أُجْرَةُ مِثْلِهَا إِذَا زَرَعَهَا حِنْطَةً مِائَةٌ، وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا إِذَا زَرَعَهَا شَعِيرًا ثَمَانُونَ، فَالْوَاجِبُ مَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ عِشْرُونَ.
وَنَظِيرُهُ مَا لَوِ اكْتَرَى غُرْفَةً لِيَجْعَلَ فِيهَا أَقْفِزَةً مَعْلُومَةً، فَزَادَ عَلَيْهَا، وَلَوِ اكْتَرَاهَا لِيَجْعَلَ فِيهَا قِنْطَارَ قُطْنٍ فَجَعَلَ قِنْطَارَ حَدِيدٍ فَفِي الْأُولَى لَهُ الْمُسَمَّى وَأُجراء الزِّيَادَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَخْرُجُ فِيهَا الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ (وَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا) سَوَاءٌ تَلِفَتْ فِي الزِّيَادَةِ، أَوْ بَعْدَ رَدِّهَا إِلَى الْمَسَافَةِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ أَشْبَهَ الْغَاصِبَ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ صَاحِبِهَا) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا (فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا يَدَانِ يَدُ صَاحِبِهَا، وَيَدُ الْمُسْتَأْجِرِ، فَالَّذِي يُقَابِلُهُ النِّصْفُ، فَيَضْمَنُ، وَكَمَا لَوْ زَادَ شَوْطًا فِي الْحَدِّ، وَالثَّانِي: تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ كُلُّهَا حَيْثُ لَمْ يَرْضَ مَالِكُهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُ إِنَاطَةً بِالتَّعَدِّي.
وَسُكُوتُ صَاحِبِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا كَمَا لَوْ أُبِيعَ مِلْكُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ لَمْ يَمْنَعْهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الشَّرْحِ الصَّغِيرِ " أَنَّهُ لَا ضَمَانَ لِوُجُودِ يَدِ الْمَالِكِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِ رَاكِبِهَا، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ ضَمِنَهَا، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَهَا لِمَالِكِهَا لِيَسْقِيَهَا، أَوْ لِيُمْسِكَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَوَافَقَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمَا اسْتَثْنَيَا فِيمَا إِذَا تَلِفَتْ فِي يَدِ مَالِكِهَا بِسَبَبِ تَعَبِهَا مِنَ الْحَمْلِ وَنَحْوِهِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَعَدِّي كَمَا لَوْ أَلْقَى حَجَرًا فِي سَفِينَةٍ مُوقَرَةٍ فَغَرَّقَهَا، وَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ بِرَدِّهَا إِلَى الْمَسَافَةِ.
فَصْلٌ وَيَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ كُلُّ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الْأَحْمَالِ وَالْمَحَامِلِ، أَوِ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ، وَلُزُومِ الْبَعِيرِ لِيَنْزِلَ لِصَلَاةِ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: لَوِ اكْتَرَى زَوْرَقًا، فَزَوَاهُ مَعَ زَوْرَقٍ، فَغَرِقَا ضَمِنَ لِأَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ لِاحْتِيَاجِهِمَا إِلَى الْمُسَاوَاةِ كَكِفَّةِ الْمِيزَانِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْرًا لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، فَجُعِلَ، فَدَّانًا.
أَصْلٌ: إِذَا اكْتَرَى لِنَسْخِ كِتَابٍ يُبَاحُ مَا فِيهِ، أَوْ خِيَاطَةٍ، أَوْ قِصَارَةٍ، أَوْ صَبْغٍ، أَوْ كُحْلٍ، أَوْ مُدَاوَاةِ جُرْحٍ صَحَّ، وَلَزِمَهُ حِبْرٌ، وَخُيُوطٌ، وَكُحْلٌ، وَمَرْهَمٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ مُسْتَأْجِرًا، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَقِيلَ: بَلْ يَتَّبِعُ الْعُرْفَ، وَقِيلَ: الْكُلُّ عَلَى الْأَجِيرِ إِلَّا الْخُيُوطَ، فَإِنَّهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَجَزَمَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الدَّوَاءِ عَلَى الطَّبِيبِ بِخِلَافِ الْكُحْلِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ مُحَادَثَتُهُ حَالَ النَّسْخِ، وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسِخُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ عُفِيَ عَنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ فَلَا، وَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ.
مَسْأَلَةٌ: اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً فَكَحَلَهُ فَلَمْ تَبْرَأْ عَيْنُهُ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ شَارَطَهُ عَلَى الْبُرْءِ، فَهِيَ جُعَالَةٌ، فَلَوْ بَرَأَ بِغَيْرِ كُحْلِهِ، أَوْ تَعَذَّرَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
[فَصْلٌ يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ كُلُّ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ]
فَصْلٌ (وَيَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ كُلُّ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ) وَهُوَ الَّذِي يَقُودُهُ بِهِ (وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ مَا تُحْزَمُ بِهِ الْبَرْدَعَةُ، وَنَحْوُهَا (وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الْأَحْمَالِ وَالْمَحَامِلِ، أَوِ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ، وَلُزُومِ الْبَعِيرِ لِيَنْزِلَ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ) وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَالطَّهَارَةِ، وَيَدَعُ الْبَعِيرَ وَاقِفًا حَتَّى يَقْضِيَ ذَلِكَ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ كَالْعَيْنِ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ نُزُولَهُ لِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَفَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ، وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ، فَعَلَى الْجَمَّالِ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ الْبَعِيرَ لِرُكُوبِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ، فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا حَالَ الْعَقْدِ ثُمَّ عَرَضَ الضَّعْفُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرُّكُوبِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى رُكُوبَهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي آخِرَ: لَا، فَلَوْ أَرَادَ إِطَالَةَ الصَّلَاةِ، فَطَالَبَهُ الْجَمَّالُ بِقَصْرِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالْمَشْيُ الْمُعْتَادُ قُرْبَ الْمَنْزِلِ لَا يَلْزَمُ رَاكِبًا ضَعِيفًا أَوِ امْرَأَةً، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا قَوِيًّا، فَاحْتِمَالَانِ.
الْفَرْضِ، وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ وَعِمَارَتِهَا وَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ، فَأَمَّا تَفْرِيغُ الْبَالُوعَةِ وَالْكَنِيفِ فَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا استَلَّمَهَا فَارِغَةً.
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: أُجْرَةُ دَلِيلٍ، وَبَكَرَةٍ، وَحَبْلٍ، وَدَلْوٍ عَلَى مُكْتِرٍ كَمَحْمَلٍ، وَغِطَاءٍ، وَوِطَاءٍ فَوْقَ الرَّحْلِ.
قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": وَعَدَلَ الْقَمَّاشُ عَلَى مَكْرٍ إِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ (وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ) أَيْ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ مَفَاتِيحِهَا ; لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّمْكِينَ مِنَ الِانْتِفَاعِ، وَبِهِ يَحْصُلُ، وَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ (وَعِمَارَتِهَا) فَلَوْ سَقَطَ حَائِطٌ أَوْ خَشَبَةٌ، أَوِ انْكَسَرَتْ فَعَلَيْهِ بِنَاءُ الْحَائِطِ، وَإِبْدَالُ الْخَشَبَةِ، وَتَبْلِيطُ الْحَمَّامِ، وَعَمَلُ الْأَبْوَابِ وَالْبِرَكِ، وَمَجْرَى الْمَاءِ ; لِأَنَّ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ وَيُتَمَكَّنُ مِنْهُ (وَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ) كَالْقَتْبِ لِلْجَمَلِ، وَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ لِلْفَرَسِ، وَالْبَرْدَعَةِ وَالْإِكَافِ لِلْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، وَيَلْزَمُهُ سَائِقٌ وَقَائِدٌ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى تَسْلِيمِ الرَّاكِبِ الْبَهِيمَةَ لِيَرْكَبَهَا لِنَفْسِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَلَّمَهَا، وَتَنْظِيفُ السَّطْحِ مِنَ الثَّلْجِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " (فَأَمَّا تَفْرِيغُ الْبَالُوعَةِ وَالْكَنِيفِ) وَمَا فِي الدَّارِ مِنْ زِبْلٍ، وَقُمَامَةٍ، وَمَصَارِفِ حَمَّامٍ (فَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ) تَنْظِيفُهَا (إِذَا اسَتلمَهَا فَارِغَةً) مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمُكْتَرِي، فَكَانَ عَلَيْهِ تَنْظِيفُهُ كَمَا لَوْ طَرَحَ فِيهَا قُمَاشًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا شَرَطَ عَلَى مُكْتَرِي الْحَمَّامِ، أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ مُدَّةَ تَعْطِيلِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ مُدَّةً لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ فِي بَعْضِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ أَنَّهُ يَسْتَوْفِي بِقَدْرِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَتَعَطَّلَ خُيِّرَ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ بِكُلِّ الْأَجْرِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ، وَقِيلَ: لَهُ أَرْشُ الْعَبِيدِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَجْرِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُنْفِقَ مُسْتَأْجِرٌ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ عِمَارَةٍ وَاجِبَةٍ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ أَنْفَقَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْآجِرِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَا رُجُوعَ بِشَيْءٍ.
خَاتِمَةٌ: يَصِحُّ كِرَاءُ الْعَقَبَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، وَيَمْشِيَ فِي بَعْضٍ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ إِمَّا بِالْفَرَاسِخِ، أَوْ بِالزَّمَانِ، فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَرْكَبَ يَوْمًا، وَيَمْشِيَ آخَرَ
فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ قَبْلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، وَإِنْ حَوَّلَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ تَقَضِّيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ لِمَا سَكَنَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ هَرَبَ الْأَجِيرُ حَتَّى
[المبدع في شرح المقنع]
جاز، فإن أطلق فاحتمالان، وإن اكترى اثنان جملا يتعاقبان عليه جَازَ، وَالِاسْتِيفَاءُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ، فَإِنْ تَشَاحَّا قُسِمَ بَيْنَهُمَا بِالْفَرَاسِخِ، أَوْ بِالزَّمَانِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْبَادِي مِنْهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصَحِّ.
[فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا]
فَصْلٌ (وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَتِ الْبَيْعَ، وَلِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّتْ بِاسْمٍ كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ (لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا) لِلُزُومِهَا إِلَّا أَنْ يَجِدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً عَيْبًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَلَهُ الْفَسْخُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَالْعَيْبُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ مَا تَنْقُصُ بِهِ الْمَنْفَعَةُ كَالْبَعِيرِ الَّذِي يَتَأَخَّرُ عَنِ الْقَافِلَةِ، وَرَبْضِ الْبَهِيمَةِ بِالْحَمْلِ، وَكَوْنِهَا جَمُوحًا، أَوْ عَضُوضًا وَنَحْوَهُ، وَفِي الْمُكْتَرَى لِلْخِدْمَةِ ضَعْفُ الْبَصَرِ، وَالْجُنُونُ، وَفِي الدَّارِ انْهِدَامُ الْحَائِطِ، وَالْخَوْفُ مِنْ سُقُوطِهَا، وَانْقِطَاعُ الْمَاءِ مِنْ بِئْرِهَا، فَإِنْ رَضِيَ بِالْمَقَامِ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ رَجَعَ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، هَذَا إِذَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَى الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ لَمْ تَنْفَسِخْ، وَعَلَى الْمُكْرِي إِبْدَالُهُ كَالْمُسْلِمِ فِيهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِبْدَالِ، أَوِ امْتَنَعَ مِنْهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ (فَإِنْ بَدَا لَهُ قَبْلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ) لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ يَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ الْمُؤَجِّرُ الْأَجْرَ، وَالْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ، وَقَدْ وُجِدَتْ، فَتَرَتَّبَ مُقْتَضَاهَا، فَإِنْ سَكَنَ الْآجِرُ بَعْضَ الْمُدَّةِ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، أَوْ بِالْقِسْطِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَإِنْ حَوَّلَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ تَقَضِّيهَا) أَيْ تَقَضِّي الْمُدَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا (لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ لِمَا سَكَنَ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْفِرَ لَهُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، فَحَفَرَ بَعْضَهَا، وَامْتَنَعَ مِنَ الْبَاقِي، أَوْ لِيَحْمِلَ لَهُ كِتَابًا إِلَى بَلَدٍ، فَحَمَلَهُ بَعْضَ الطَّرِيقِ (وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مِلْكَ غَيْرِهِ
انْقَضَتِ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالصَّبْرِ، وَإِنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ أَوْ مَاتَ وَتَرَكَ الْجِمَالَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ أَوْ أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، فَإِذَا انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهُ كَالْمَبِيعِ إِذَا اسْتَوْفَى بَعْضَهُ وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ بَقِيَّتَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَبَى الْمُؤَجِّرُ تَسْلِيمَ مَا أَجَّرَهُ، أَوْ مَنَعَ مُسْتَأْجِرَهُ الِانْتِفَاعَ بِهِ كُلَّ الْمُدَّةِ، فَلَهُ الْفَسْخُ وَجْهًا وَاحِدًا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ مَجَّانًا، وَكَذَا إِذَا اكْتَرَى عَبْدَهُ لِلْخِدْمَةِ مُدَّةً، وَامْتَنَعَ مِنْ تَمَامِهَا، أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ لِبِنَاءِ حَائِطٍ أَوْ خِيَاطَةٍ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِتْمَامِ الْعَمَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ هَرَبَ الْأَجِيرُ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَفُوتُ بِانْقِضَائِهَا، أَشْبَهَ تَلَفَ الْعَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ إِذَا لَمْ تَنْقَضِ لَمْ يَفُتِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَقَدْ فَاتَ بَعْضُهُ (وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ) كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ، أَوْ حَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ (خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالصَّبْرِ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ فِي الذِّمَّةِ لَيْسَ لَهُ مُدَّةٌ يَفُوتُ بِفَوَاتِهَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي زَمَنِ الْهَرَبِ، وَقِيلَ: وَلَا قَبْلَهُ، وَحُكْمُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ مُدَّةً وَهَرَبَ، أَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ آجَرَهُ دَابَّةً ثُمَّ شَرَدَتْ (وَإِنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ أَوْ مَاتَ وَتَرَكَ الْجِمَالَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ) إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ; لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَالِكِ وَهُوَ غَائِبٌ، وَالْحَاكِمُ نَائِبُهُ (أَوْ أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا) مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ لِيَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَلِأَنَّ إِقَامَةَ أَمِينٍ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ تَشُقُّ، وَتَتَعَذَّرُ مُبَاشَرَتُهُ كُلَّ وَقْتٍ، فَإِذَا رَجَعَ، وَاخْتَلَفَا فِي النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدَّرَهَا قُبِلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ، وَكَانَتْ بِالْمَعْرُوفِ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، أَوْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَأَشْهَدَ رَجَعَ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَوَجْهَانِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَرْجِعُ قِيَاسًا عَلَى نَفَقَةِ الْآبِقِ، وَعِيَالِ الْغَائِبِ، قَالَهُ فِي
بَاعَهَا الْحَاكِمُ، وَوَفَّى الْمُنْفِقَ وَحَفِظَ بَاقِيَ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهِ.
وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُرْتَضِعِ، وَمَوْتِ الرَّاكِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُغْنِي "، فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ مَالٌ يُنْفِقُ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمَالِكِ، أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ (فَإِذَا انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ بَاعَهَا الْحَاكِمُ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلَةٌ عَنِ الْكِرَاءِ (وَوَفَّى الْمُنْفِقَ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَخْلِيصًا لِذِمَّةِ الْجَمَّالِ وَإِيفَاءً لِحَقِّ صَاحِبِ النَّفَقَةِ (وَحَفِظَ بَاقِيَ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهِ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُهُ حِفْظَ مَالِ الْغَائِبِ، فَلَوْ هَرَبَ الْجَمَّالُ بِجِمَالِهِ، وَلَمْ يَجِدِ الْمُسْتَأْجِرُ مَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقَّهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَبْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَسَخَ وَكَانَ الْجَمَّالُ قَدْ قَبَضَ الْأَجْرَ فَهُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنِ اخْتَارَ الْمُقَامَ وَكَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ فَلَهُ ذَلِكَ فَيُطَالِبُهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ وَانْقَضَتْ فِي هَرَبِهِ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ، وَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا اكْتَرَى بِهِ وَإِلَّا اقْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا يَكْتَرِي بِهِ، فَإِنْ دَفَعَهُ لِيَكْتَرِيَ بِنَفْسِهِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ مِنَ الْمُكْتَرِي جَازَ وَصَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَمَّالِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ إِبْدَالُهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ فَيُخَيَّرُ الْمُكْتَرِي.
[مَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ وَمَا لَا تَنْفَسِخُ]
(وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا) كَدَابَّةٍ نَفَقَتْ وَعَبْدٍ مَاتَ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَانْفَسَخَتْ كَتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَتْلَفَ الْعَيْنُ قَبْلَ قَبْضِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي انْفِسَاخِهَا.
الثَّانِي: أَنْ تَتْلَفَ عَقِبَ قَبْضِهَا، وَقَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَا أَجْرَ لَهَا، فَتَنْفَسِخُ أَيْضًا وَيَسْقُطُ الْأَجْرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَتْلَفَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ، فَيَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ خَاصَّةً فِي
فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَانْقِلَاعِ الضِّرْسِ الَّذِي اكْتَرَى لِقَلْعِهِ أَوْ بُرْئِهِ وَنَحْوَ هَذَا، وَإِنِ اكْتَرَى دَارَا فَانْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَصَحِّ كَمَا لَوِ اشْتَرَى صَبْرَتَيْنِ فَقَبَضَ إِحْدَاهُمَا وَتَلَفَتِ الْأُخْرَى بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ قَبْلَ قَبْضِهَا ثُمَّ إِنْ كَانَ آخِرَ الْمُدَّةِ مُتَسَاوِيًا وَقَدِ اسْتَوْفَى نِصْفَهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ بِأَنْ يَكُونَ أَجْرُهَا فِي الصَّيْفِ أَكْثَرَ مِنَ الشِّتَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى يُقَسَّطُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذا قِيلَ: أَجْرُهَا فِي الصَّيْفِ يُسَاوِي مِائَةً وَفِي الشِّتَاءِ يُسَاوِي خَمْسِينَ، وَكَانَ قَدْ سَكَنَ الصَّيْفَ فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ ثُلُثَيِ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى (وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُرْتَضِعِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ غَيْرِهِ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الرِّضَاعِ، وَقَدْ يَدِرُّ اللَّبَنُ عَلَى وَلَدٍ دُونَ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ عَقِبَ الْعَقْدِ زَالَتِ الْإِجَارَةُ مَنْ أَصْلِهَا، وَرَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ رَجَعَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ، وَكَذَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُرْضِعَةِ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ بِهَلَاكِ مَحَلِّهَا، وَعَنْهُ: لَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَيَجِبُ فِي مَالِهَا أَجْرُ مَنْ تُرْضِعُهُ تَمَامَ الْوَقْتِ كَالدَّيْنِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هَلَكَ أَشْبَهَ هَلَاكَ الْبَهِيمَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ (وَمَوْتِ الرَّاكِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، أَوْ كَانَ غَائِبًا كَمَنْ يَمُوتُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَيَتْرُكُ جَمَلَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ غُصِبَتْ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقْدِ ضَرَرٌ فِي حَقِّهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ; لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَلَا الْمُكْتَرِي (وَانْقِلَاعِ الضِّرْسِ الَّذِي اكْتَرَى لِقَلْعِهِ أَوْ بُرْئِهِ) لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْمَوْتِ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ وَامْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ قَلْعِهِ لَمْ يُجْبَرْ (وَنَحْوَ هَذَا) كَاسْتِئْجَارِ طَبِيبٍ لِيُدَاوِيهِ، فَبَرَأَ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا أَتْلَفَ الْعَيْنَ، فَإِنَّهَا يَثْبُتُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ، وَمِثْلُهُ جَبُّ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فَإِنَّهَا تَضْمَنُ وَلَهَا الْفَسْخُ.
(وَإِنِ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ قَدْ
مِنَ الْمُدَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَلَا الْمُكْتَرِي وَلَا بِعُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ لِلْحَجِّ فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ، أَوْ دُكَّانًا فَيَحْتَرِقُ مَتَاعُهُ، وَإِنْ غُصِبَتِ الْعَيْنُ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَمُطَالَبَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
فَاتَ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ، وَقِيلَ: وَتَنْفَسِخُ فِيمَا مَضَى (وَفِي الْآخَرِ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ) صَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الدَّارِ لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِالْعَرْصَةِ بِنَصْبِ خَيْمَةٍ، أَوْ جَمْعِ حَطَبٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ نَقْصَ الْعَيْنِ، أَمَّا لَوْ زَالَتْ مَنَافِعُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، أَوِ الَّذِي بَقِيَ فِيهَا لَا يُبَاحُ اسْتِيفَاؤُهُ بِالْعَقْدِ كَدَابَّةٍ اسْتَأْجَرَهَا لِلرُّكُوبِ فَصَارَتْ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلْحَمْلِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَرْضِ وَالَّتِي انْقَطَعَ مَاؤُهَا: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَيُخَيَّرُ، فَإِنِ اخْتَارَ الْمُقَامَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْفَسْخَ وَلَا الْإِمْضَاءَ إِمَّا لِجَهْلِهِ بِأَنَّ لَهُ الْفَسْخَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَهُ الْفَسْخُ.
فَرْعٌ: إِذَا آجَرَهُ أَرْضًا بِلَا مَاءٍ صَحَّ، فَإِنْ أَطْلَقَ، فَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ صِحَّتَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا، وَقِيلَ: لَا كَظَنِّهِ إِمْكَانَ تَحْصِيلِهِ، وَإِنْ ظَنَّ وَجُودَهُ بِالْأَمْطَارِ، وَزِيَادَةِ الْأَنْهَارِ صَحَّ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ كَالْعِلْمِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ.
(وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَلَا الْمُكْتَرِي) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ مَعَ سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ مُكْتَرٍ لَا قَائِمَ مَقَامَهُ كَبُرْءِ ضِرْسٍ اكْتَرَى لِقَلْعِهِ ; لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ يَتَعَذَّرُ بِمَوْتِهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ مَلَكَ الْمَنَافِعَ، وَإِنَّ الْأُجْرَةَ قَدْ مُلِّكَتْ عَلَيْهِ كَامِلَةً وَقْتَ الْعَقْدِ، وَيَلْزَمُهُمْ مَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ مَاتَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَمَاتَ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَعَنْهُ: لَا بَلْ وَارِثُهُ كَهُوَ، وَقِيلَ: إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا قَطَعَ مِنَ الْمَسَافَةِ الْوَاجِبِ قَطْعُهَا، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْأَرْكَانِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا بَقِيَ، وَإِنْ عَمِلَ بَعْضَهَا فَلَهُ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَنْ يَعْمَلُ الْبَاقِيَ (وَلَا) تَنْفَسِخُ (بِعُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ لِلْحَجِّ فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ، أَوْ دُكَّانًا فَيَحْتَرِقُ مَتَاعُهُ) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَمْ يَجُزْ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ، وَيُفَارِقُ الْإِبَاقَ، فَإِنَّهُ عُذْرٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ غُصِبَتِ الْعَيْنُ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ
الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: فإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجِزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَعَلَيْهِ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ.
وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ فَمَرِضَ أُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ وَالْأُجْرَةُ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ تَأْخِيرًا لِحَقِّهِ، وَلِأَنَّ تَعَذُّرَ الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَمِلْكُ الْخِيَرَةِ بِهِ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَحِينَئِذٍ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالْمُسَمَّى فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ الْغَصْبِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَفُتْ مُطْلَقًا بَلْ فَاتَ إِلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقِيمَةُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الثَّمَرَةَ الْمَبِيعَةَ آدَمِيٌّ قَبْلَ قَطْعِهَا، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ الِانْفِسَاخَ إِنْ قِيلَ بِعَدَمِ ضَمَانِ مَنَافِعِ الْغَصْبِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " تَنْفَسِخُ تِلْكَ الْمُدَّةُ وَالْأُجْرَةُ لِلْمُؤَجِّرِ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْ غَصَبَهَا مَالِكُهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى كَغَصْبٍ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى) وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ، فَإِنْ رُدَّتْ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ فَسْخٌ اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَيَكُونُ فِيمَا مَضَى مُخَيَّرًا، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ لَزِمَهُ بَدَلُهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ لِعَمَلٍ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالْفَسْخِ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجِزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَعَلَيْهِ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ) هَذَا تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ فِيمَا مَضَى، وَقَوْلُهُ شَامِلٌ لِغَصْبِ الْعَيْنِ وَتَلَفِهَا وَحُدُوثِ مَا يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا كَانْهِدَامِ دَارٍ، وَغَرَقِ الْأَرْضِ، وَحُدُوثِ خَوْفٍ عَامٍّ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَغَصْبِ الْعَيْنِ، فَلَوْ كَانَ خَاصًّا بِالْمُسْتَأْجِرِ لِقُرْبِ أَعْدَائِهِ، أَوْ حُلُولِهِمْ فِي طَرِيقِهِ لَمْ يَمْلِكِ الْفَسْخَ كَمَرَضِهِ وَحَبْسِهِ.
(وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ) فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ (فَمَرِضَ أُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ) لِيَخْرُجَ مِنَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ (وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ ; لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ إِنْظَارُهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ مَا لَمْ يَخْتَلِفِ الْقَصْدُ فِيهِ كَالْنسْخِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِهِ فِي مُدَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَأَنْ تَخِيطَ لِي أَنْتَ هَذَا الثَّوْبَ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَالْبَيْعِ بَلْ يُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالصَّبْرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ (فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً، أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ) وَهُوَ
عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ فَلَهُ الْفَسْخُ، فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ إِلَّا أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
مَا يَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتُ الْأَجْرِ (فَلَهُ الْفَسْخُ) إِنْ لَمْ يَزَلْ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ وَالْإِمْضَاءُ مَجَّانًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ بِكُلِّ الْأَجْرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَالْجِدُّ مَعَ الْأَرْشِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَبَيْنَ الْفَسْخِ اسْتِدْرَاكًا لِظَلَامَتِهِ، وَلَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِالتَّأْخِيرِ (فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا يَحْصُلُ قَبْضُهَا إِلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ بَادَرَ الْمُكْرِي إِلَى إِزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ الْمُسْتَأْجِرَ كَإِصْلَاحِ تَشْعِيثِ الدَّارِ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِعَدَمِ الضَّرَرِ، فَإِنْ سَكَنَهَا مَعَ عَيْبِهَا فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَوِ احْتَاجَتْ إِلَى تَجْدِيدِ فَإِنْ جَدَّدَ وَإِلَّا فَسَخَ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهُ عَلَى التَّجْدِيدِ فِي الْأَصَحِّ.
مَسْأَلَةٌ: مَتَى زَرَعَ الْأَرْضَ، فَغَرِقَتْ، أَوْ تَلِفَ، أَوْ لَمْ تُنْبِتْ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ زَرْعُهَا لِغَرَقِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ وَكَذَا لِقِلَّةِ مَاءٍ قَبْلَ زَرْعِهَا أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ عَابَتْ بِغَرَقٍ يَعِيبُ بِهِ بَعْضَ الزَّرْعِ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا أَوْ بَرْدٍ، أَوْ فَأْرٍ، أَوْ عُذْرٍ، فَإِنْ أَمْضَاهُ فَلَهُ الْأَرْشُ كَعَيْبِ الْأَعْيَانِ، وَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ الْقِسْطُ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِلَى كَمَالِهِ، وَمَا لَمْ يَرْوِ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ اتِّفَاقًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ بَاعَهَا لِمُسْتَأْجِرِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الصِّحَّةَ كَبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ، وَلِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَالْبَيْعُ عَلَى الرَّقَبَةِ فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتُ الْيَدِ عَلَى أَحَدِهِمَا تَسْلِيمَ الْآخَرِ، وَإِنْ مَنَعَتِ التَّسْلِيمَ فِي الْحَالِ فَلَا تَمْنَعُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ، وَهُوَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ، وَتَكْفِي الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ حِينَئِذٍ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَلِمُشْتَرٍ الْفَسْخُ أَوِ الْإِمْضَاءُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَهُ الْأَرْشُ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَإِنْ عَلِمَ وَرَضِيَ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْعَيْنِ حَتَّى تَفْرَغَ الْمُدَّةُ.
(وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ) لِأَنَّهَا سَابِقَةٌ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ، وَاللَّاحِقُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ السَّابِقِ