المبدع في شرح المقنعصفحات 260-299

شَهْرٍ.

وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ

[المبدع في شرح المقنع]

قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ هَذَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَيُقَيِّدُ بِهِ، قِيلَ: مِنْ دَفْنِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقِيلَ: مِنْ مَوْتِهِ، وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": أَجَابَ أَبُو بَكْرٍ فِيمَا سَأَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ قَوْلِ الرَّاوِي: بَعْدَ شَهْرٍ، يُرِيدُ شَهْرًا، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ، أَرَادَ الْحِينَ، لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفِ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ» قَالَ الْقَاضِي: كَالْيَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: إِلَى سَنَةٍ مَا لَمْ يَبْلَ، فَإِنْ شَكَّ فِي بَقَائِهِ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا يَوْمَ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ عَلَى قَبْرِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، وَمَنْ شَكَّ فِي الْمُدَّةِ صَلَّى حَتَّى يُعْلَمَ فَرَاغُهَا، وَحُكْمُ الْغَرِيقِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُدْفَنْ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " بِالشَّهْرِ.

[الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ]

(وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ) كَالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَغَيْرِهِ، وَلَا مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَغَيْرِهَا، فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ الْجِنَازَةِ شَرْطٌ كَمَا لَوْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ ـ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَصَفَّ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَا يُقَالُ: لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَمْنَعُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَرِيقِ وَالْأَسِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ مَا ذَكَرْتُمْ، فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، فَيَبْعُدُ أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَمُدَّتُهُ كَمُدَّةِ

بِالنِّيَّةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.

وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ من الغنيمة، وَلَا على مَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الصَلَاةِ على الْقَبْرِ، وَيُعْتَبَرُ انْفِصَالُ مَكَانِهِ عَنِ الْبَلَدِ بِمَا يُعَدُّ الذِّهَابُ إِلَيْهِ نَوْعُ سَفَرٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي خَمْسُونَ خُطْوَةً.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَقْرَبُ الْحُدُودِ مَا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ إِذْنٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدِ، فَلَا يُعَدُّ غَائِبًا عَنْهَا، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حُضُورُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، كَالْعِيدِ وَلِلْمَشَقَّةِ.
مَسَائِلُ: مِنْهَا: إِذَا صَلَّي عَلَى غَائِبٍ، ثُمَّ حُضِرَ بِهِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلّى عَلَيْهِ ثَانِيًا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، فَيُعَايَا بِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى كُلَّ يَوْمٍ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَمِنْهَا: الصَّلَاةُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ بِإِحْرَاقٍ، وَأَكِيلِ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، وَجْهَانِ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": الْأَظْهَرُ الْمَنْعُ، لِاسْتِحَالَتِهِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ فِي اللُّجَّةِ.
قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": فَأَمَّا إِنْ حَصَلَ فِي بَطْنِ سَبُعٍ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ السَّبُعِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطَّى، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ كَشْفُهُ عَادَةً، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَصِحُّ كَالْمُكِبَّةِ.

[لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ]

(وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ) أَيِ: الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهُ " الْخَلَّالُ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَقِيلَ: أَوْ نَائِبُهُ، وَإِمَامُ قَرْيَةٍ، وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ (عَلَى الْغَالِّ مِنَ الْغَنِيمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ـ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِ حسن مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ

قَتَلَ نَفْسَهُ.

وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

خَالِدٍ؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) عَمْدًا فِي الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ «قَالَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ» وَهُوَ سَهْمٌ لَهُ نَصْلٌ عَرِيضٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ فِي هَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُسَّاقِ، فيجيء الخلاف، فلا يصلي أهل الفضل على الفساق؛ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِ الْإِمَامِ رَدْعًا وَزَجْرًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِمَا غَيْرُ الْإِمَامِ، قَالَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَيُصَلِّي عَلَى كُلِّ عَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ، وَعَنْهُ: وَلَا يُصَلِّي عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ، جَزَمَ به فِي " التَّرْغِيبِ "، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي كُلِّ مَنْ مَاتَ عَنْ مَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ بِلَا تَوْبَةٍ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَعَنْهُ، وَلَا عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ، وَلَا عَلَى مَدِينٍ، وَعَنْهُ: يُصَلّى عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، كَمَا يُصَلِّي غَيْرُهُ حَتَّى عَلَى بَاغٍ وَمُحَارِبٍ.

[وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ]

(وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ) تَحْقِيقًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ صَلَّى عَلَى رِجْلٍ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ بَعْدَ تَغْسِيلِهَا وَتَكْفِينِهَا، رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ عُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ غَيْرُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَكَذَا سَنَّ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ: يُلَفُّ فِي

الْجَوَارِحِ، وَإِنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِي مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ

وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ

[المبدع في شرح المقنع]

شَيْءٍ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وُجُوبًا إِنْ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا كَغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَقِيلَ: يَنْوِي الْجُمْلَةَ إِذَا صَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ الْأَكْثَرَ، فَفِي الْوُجُوبِ احْتِمَالَانِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ جَعَلَا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ (وَعَنْهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ) الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا، كَمَا لَوْ بَانَ فِي حَيٍّ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا تَتَكَرَّرَ الصَّلَاةُ، فَمَتَى وُجِدَ الْأَكْثَرُ صَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُنْبَشُ لِيُدْفَنَ مَعَهُ، أَمْ بِجَنْبِهِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَانَ مِنْ حَيٍّ كَيَدِ سَارِقٍ انْفَصَلَ فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ، لَمْ يَغُسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمَا إِنِ احْتَمَلَ مَوْتَهُ (وَإِنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) كَمُسْلِمٍ (وَمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) كَكَافِرٍ (صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاجِبَةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ الْجَمِيعُ، وَيُكَفَّنُونَ، سَوَاءً كَانَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَكْثَرَ أَمْ لَا، وَسَوَاءً فِي ذَلِكَ دَارُ الْحَرْبِ وَغَيْرُهَا، وَعَنْهُ: إِذَا اشْتَبَهُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا.
(يَنْوِي مَنْ يُصَلّى عَلَيْهِ) أَيْ: يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ عَزْلُهُمْ، وَإِلَّا دُفِنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ أَحْمَدُ.
مَسْأَلَةٌ: يُصَلَّى عَلَى الْمُسْلِمَةِ الْحَامِلَةِ دُونَ حَمْلِهَا قَبْلَ مُضِيِّ تَصْوِيرِهِ، وَعَلَيْهِمَا مَعًا بَعْدَهُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حُكْمَ آبَائِهِمْ إِلَّا مَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْهُمْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.

[الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ]

(وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الْآجُرِّيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا فِيهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «صَلَّى النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ»

وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَصُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيهِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ، فَلَمْ تُكْرَهْ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَخَيَّرَهُ أَحْمَدُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ تَلْوِيثُهُ، لَمْ يَجُزْ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْكَرَاهَةِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ انْفِجَارُهُ فِيهِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ صَالِحًا فِيهِ ضَعْفٌ، وَبِأَنَّ احْتِمَالَ انْفِجَارِهِ نَادِرٌ، ثُمَّ هُوَ عَادَةٌ بِعَلَامَةٍ، فَمَتَى ظَهَرَتْ كُرِهَ إِدْخَالُهُ الْمَسْجِدَ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُؤْتَى بِأُمِّ سَعْدٍ، وَكَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الرِّجَالِ وُجُوبًا ضَرُورَةَ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ وَيَسْقُطُ بِهِنَّ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ.
وَتُسَنُّ لَهُنَّ جَمَاعَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَقِفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسَطًا لِمَكْتُوبَةٍ، وَيَقْدُمُ مِنْهُنَّ مَنْ يَقْدُمُ مِنَ الرِّجَالِ حَتَّى قَاضِيهِ وَوَالِيِّهِ، وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ لِسُرْعَانِ الِاجْتِهَادِ، وَقِيلَ: فُرَادَى أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، كَصَلَاتِهِنَّ بَعْدَ رِجَالٍ فِي وَجْهٍ.
فَائِدَةٌ: يَحْصُلُ لَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا قِيرَاطٌ؛ وَهُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطٌ بِنِسْبَتِهِ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ، وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا آخَرُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا أَنَّ الثَّانِيَ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ، وَقِيلَ: إِذَا سُتِرَ بِاللَّبِنِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ لِلثَّانِي أَنْ لَا يُفَارِقَهَا مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى تُدْفَنَ، أَمْ يَكْفِيَ حُضُورُ دَفْنِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَا تُحْمَلُ الْجِنَازَةُ إِلَى مَكَانِهِ وَمَحَلِّهِ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا، فَهِيَ كَالْإِمَامِ يُقْصَدُ وَلَا يَقْصِدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، ثُمَّ يضع قائمة الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةِ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، وَإِنْ حَمَلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

[فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ]

[كَيْفِيَّةُ حَمْلِ الْمَيِّتِ]

فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَخْتَصُّ كَوْنُ فَاعِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَيَسْقُطُ بِكَافِرٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا تَلْقِينُهُ وَدَفْنُهُ وِفَاقًا لِعَدَمِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ (يُسْتَحَبُّ) أَنْ يَحْمِلَهُ أَرْبَعَةٌ، لِأَنَّهُ يُسَنُّ (التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ فَلْيَتَطَوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ.
إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، لَكِنْ كَرِهَهُ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ إِذَا ازْدَحَمُوا عَلَيْهَا (وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، ثُمَّ يَضَعُ قَائِمَةَ الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ) هَذَا صِفَةُ التَّرْبِيعِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ، فَبُدِئَ فِيهِ بِالْمُقَدَّمَةِ، وَعَنْهُ: يَنْتَقِلُ مِنْ رِجْلِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى إِلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَخْتِمُ بِرَأْسِهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ (وَإِنْ حَمَلَ) كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى عَاتِقِهِ (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ

وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا، وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا.
وَلَا يَجْلِسُ من

[المبدع في شرح المقنع]

فَعَلُوا ذَلِكَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُهَا، وَلَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنَ التَّرْبِيعِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ حُمِلَتْ بِالتَّابُوتِ، وَالرِّجَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلًا فَلَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْأَيْدِي.
صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَعْشٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً اسْتُحِبَّ سَتْرُ نَعْشِهَا بِمَكَبَّةٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَرُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ صُنِعَ لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهَا، وَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتُّخِذَ ذَلِكَ لَهُ زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ وَفَاتَهَا كَانَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَيُجْعَلُ فَوْقَ الْمَكَبَّةِ ثَوْبٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِهِ حَدَبٌ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْهَرُ بِالْمُثْلَةِ، وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُعْدِ قَبْرِهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ يَخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا.

[الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ]

(وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ دُونَ الْخَبَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَفَوْقَ السَّعْيِ، وَفِي " الْكَافِي " لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخَضُهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنِ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَلَكِنْ يُرَاعِي الْحَاجَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أَسْرَعَ (وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ [كَانُوا] يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَرَوَاهُ أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ، وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ حَيْثُ شَاءَ، وَفِي " الْكَافِي " حَيْثُ مَشَى قَرِيبًا مِنْهَا فَحَسَنٌ.

تَّبِعُهَا حَتَّى تُوضَعَ، وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا

وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: خَلْفَهَا أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةً (وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ سَيْرَهُ أَمَامَهَا يُؤْذِي مُتَّبِعَهَا، وَقَالَ الْمَجْدُ: يُكْرَهُ أَمَامَهَا، وَفِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَرَاكِبٍ أَوْ كَمَاشٍ، وَأنَّ عَلَيْهِمَا يَنْبَنِي دَوَرَانُهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ اتِّبَاعُهَا، وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّابَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُمْنَعْنَ مِنَ اتِّبَاعِهَا؛ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَبَاحَهُ قَوْمٌ لِقَرَابَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَيَجِبُ طَرْدُهُنَّ، فَإِنْ رَجَعْنَ، وَإِلَّا رَجَعَ الرِّجَالُ بَعْدَ أَنْ يُحْثُوا فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ، وَكَذَا يُكْرَهُ لِمُتَّبِعِهَا الضَّحِكُ وَالتَّبَسُّمُ وَالتَّحَدُّثُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَنْ تُوضَعَ عَلَيْهَا الْأَيْدِي، وَأَنْ يُقَالَ حَالَ الْمَشْيِ مَعَهَا: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْكُتُوا، أَوْ يَذْكُرُوا اللَّهَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: خُفْيَةً.
فَرْعٌ: يُكْرَهُ الرُّكُوبُ لِمَنْ تَبِعَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ وَكَعَوْدِهِ، وَتَقَدُّمُهَا إِلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ مَعَهَا مُنْكَرٌ وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ تَبِعَهَا وَأَزَالَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتْبَعَهَا، وَعَنْهُ: بَلْ وَيُنْكِرُهُ بِحَسَبِهِ، وَمَنْ كَانَ حُضُورُهُ يُزِيلُ الْمُنْكَرَ، لَزِمَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَيُعَايَا بِهَا.
(وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ: «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَا يَجْلِسُ

رِجْلِ الْقَبْرِ.
إِنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ.
وَلَا يُسْجَى الْقَبْرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِامْرَأَةٍ، وَيُلْحَدُ

[المبدع في شرح المقنع]

حَتَّى تُوضَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا وَضْعُهَا عَلَى الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: لِلصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: فِي اللَّحْدِ، لِاخْتِلَافِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا كَمَنْ بَعُدَ (وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ثُمَّ قَعَدَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَمَرَ بِالْقِيَامِ، ثُمَّ جَلَسَ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَكَذَا إِذَا مَرَّتْ بِهِ، وَعَنْهُ: الْقِيَامُ وَتَرْكَهُ سَوَاءٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَمْرِهِ بِذَلِكَ، وَعَنْهُ: حَتَّى تَغِيبَ أَوْ تُوضَعُ، فَيَقُومُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ حِينَ رُؤْيَتِهَا، لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: لَوْ كَانَتْ جِنَازَةُ كَافِرٍ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ الْكَرَاهَةُ، إِذْ دَلِيلُهُ نَاسِخٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ

[صِفَةُ دَفْنِ الْمَيِّتِ]

(وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ) أَيْ: مِنْ شَرْقِهِ ثُمَّ يُسِلُّهُ سَلًّا، لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَدْخَلَ الْحَارِثَ قَبْرَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وقال: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ مُوَجِّهٍ بَلْ دُخُولٍ، وَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى، كَعَادَةِ الْحَيِّ، لِكَوْنِهِ يَجْمَعُ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ، وَلِهَذَا يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَبْدَأُ بِهِ فِي حَمْلِهِ (إِنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمَجْدُ؛ لِأَنَّ فِي ضِدِّهَا ضَرَرًا وَمَشَقَّةً؛ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

كَلَامِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُهُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبْلَتِهِ إِذَا لَمْ يَسْهُلْ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَخَرَجَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِإِدْخَالِ رِجْلِهِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيمَنْ يَدْخُلُهُ، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَسَائِرِ أُمُورِهِ، وَقِيلَ: الْوِتْرُ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ لِعُمْقِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ «احْفُرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُعَمَّقُ إِلَى الصَّدْرِ، وَقَدَّرَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا بِقَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ نَصًّا، وَالْبَسْطَةُ: الْبَاعُ، وَجَعَلَهُمَا فِي " الْوَسِيلَةِ " أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا نَصًّا، وَبِالْجُمْلَةِ يَكْفِي مَا يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسِّبَاعَ، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَوْضِعُ فَوْقَهُ خَشَبًا لَا فِي تُرَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، كَمَا لَا يَجُوزُ سَتْرُهُ إِلَّا بِالثِّيَابِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
تَنْبِيهٌ: الْأَحَقُّ بِالتَّلْقِينِ وَالدَّفْنِ أَحَقُّهُمْ بِالْغُسْلِ.
وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ، فَيُقَدَّمُ الْوَصِيُّ، ثُمَّ الأقرب فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ النِّسَاءُ الْمَحَارِمُ، ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ، وَالْمَرْأَةُ مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ أَوْلَى مِنَ الْأَجَانِبِ، وَمِنْ مَحَارِمِهَا النِّسَاءُ بِدَفْنِهَا، وَهَلْ يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى مَحَارِمِهَا الرِّجَالِ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ عُدِمَا، فَالرِّجَالُ الْأَجَانِبُ أَوْلَى فِي الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ: نِسَاءُ مَحَارِمِهَا، قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَوْلَى، وَشَرْطُهُ عَدَمُ مَحْذُورٍ مِنْ تَكَشُّفِهِنَّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: أَوِ اتِّبَاعِهِنَّ الْجِنَازَةَ، وَيُقَدَّمُ مِنَ الرِّجَالِ خَصِّيٌّ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمِنْ بَعْدِ عَهْدِهِ بِجَمَاعَةٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ.
فَرْعٌ: لَا يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ دَفْنُ امْرَأَةٍ مَعَ حُضُورِ مَحْرَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَحْمِلُهَا مِنَ الْمُغْتَسَلِ إِلَى النَّعْشِ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ، وَيَحِلُّ عُقَدَ الْكَفَنِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ "، وَمَتَى كَانَ الْأَوْلَى بِغُسْلِهِ

لَهُ لَحْدًا.
وَيُنْصَبُ اللَّبِنُ عَلَيْهِ نَصْبًا، وَلَا يُدْخِلُهُ خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّهُ النَّارُ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَوْلَى بِدَفْنِهِ تَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، ثُمَّ نَائِبُهُ إِنْ شَاءَ (وَلَا يُسْجَى الْقَبْرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةٍ) فَإِنَّهُ يُسَنُّ تَغْطِيَةُ قَبْرِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نُعَلِّمُهُ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ " الْوَجِيزِ " وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَيُكْرَهُ سَتْرُ قَبْرِ الرَّجُلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ بِقَوْمٍ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَمْكَنُ وَأَبْعَدُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ مِنْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُكْرَهْ (وَيُلْحِدُ لَهُ لَحْدًا) لِقَوْلِ سَعْدٍ: الْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا اللَّبِنَ عَلَيَّ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وَاللَّحْدُ إِذَا بَلَغَ الْحَافِرُ قَرَارَ الْقَبْرِ حَفَرَ فِيهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ أَنْ يَحْفِرُوا أَرْضَ الْقَبْرِ شَقًّا يَضَعُ فِيهِ الْمَيِّتَ وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَيُكْرَهُ الشَّقُّ بِلَا عُذْرٍ، فَلَوْ تَعَذَّرَ اللَّحْدُ لِكَوْنِ التُّرَابِ يَنْهَارُ يَبْنِيهِ بِلَبِنٍ وَحِجَارَةٍ إِنْ أَمِنَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَشُقُّ إِذَنْ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ (وَيَنْصِبُ اللَّبِنَ عَلَيْهِ نَصْبًا) لِحَدِيثِ سَعْدٍ، وَإِنْ جَعَلَ عَلَيْهِ طِنَّ قَصَبٍ جَازَ، لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ: رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّبِنَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَعَنْهُ: الْقَصَبُ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَابْنُ عَقِيلٍ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ خَرَّجَ عَلَى قَبْرِهِ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ» ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " هُمَا سَوَاءٌ، وَيُسَدُّ الْخَلَلُ بِمَا يَمْنَعُ التُّرَابَ مِنْ طِينٍ وَغَيْرِهِ.

وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَحْثِي التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ يُهَالُ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ أَحْمَدُ: وَيَسُدُّ الْفُرْجَةَ بِحَجَرٍ، فَدَلَّ أَنَّ الْبَلَاطَ كَاللَّبِنِ، وَإِنْ كَانَ اللَّبِنُ أَفْضَلَ (وَلَا يَدْخُلُهُ خَشَبًا) بِلَا ضَرُورَةٍ (وَلَا شَيْئًا مَسَّهُ النَّارُ) لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ وَالْآجُرَّ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَتَفَاؤُلًا أَنْ لَا تَمَسَّهُ النَّارُ، وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً، أَوْ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يُجْعَلُ فِيهِ حَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ رَخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً (وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ قَالَ ذَلِكَ» ، وَفِي لَفْظٍ: وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْقَبْرِ وَصَاحِبِهِ» ، وَإِنْ قَرَأَ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: 55] الْآيَةَ، وَأَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَائِقٍ عِنْدَ وَضْعِهِ وَإِلْحَادِهِ، فَلَا بَأْسَ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ (وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ هَكَذَا دُفِنَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَالْمُؤَلِّفِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " يَجِبُ دَفْنُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَعِنْدَ صَاحِبِ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْئًا لِقَوْلِ عُمَرَ: إِذَا جَعَلْتُمُونِي فِي اللَّحْدِ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إِلَى الْأَرْضِ.
وَاسْتَحَبَّ عَامَّتُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً كَالْمِخَدَّةِ لِلْحَيِّ، وَيَجْعَلُ قُدَّامَهُ وَخَلْفَهُ مَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ عَلَى قَفَاهُ أَوْ وَجْهِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " يُدْنِيهِ مِنْ قِبْلَةِ اللَّحْدِ، وَيُسْنَدُ خَلْفَهُ، وَيُكْرَهُ الْمُرَقَّعَةُ وَالْمُضَرَّبَةُ،

عَلَيْهِ التُّرَابُ.

وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأَرْضِ مُسَنَّمًا، وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ.
وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَطِيفَةٌ تَحْتَهُ لِكَرَاهَةِ الصَّحَابَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَنَصَّ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا مِنْ عِلَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ شُقْرَانَ وَضَعَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَطِيفَةً حَمْرَاءَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمْ (وَيُحْثِي التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) اسْتِحْبَابًا، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْيَدِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِحَاضِرٍ بِهِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقِيلَ: مَنْ دَنَا مِنْهُ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إِذَا حَثَى الْأُولَى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: 55] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] (ثُمَّ يُهَالُ) أَيْ: يُصَبُّ (عَلَيْهِ التُّرَابُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِأَنَسٍ: كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ التُّرَابَ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ فِي الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِنَهْيِ عُقْبَةَ عَنْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ رَأْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ تَرَكَ عِنْدَ قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

صَخْرَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَنَصَّ على استحبابه، واختلف عنه في اللوح، والأشبه أنه لا بأس به بلا كتابة، قاله ابْنُ تَمِيمٍ

[أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِالْقَبْرِ]

(وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ، رَوَاهُ السَّاجِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ يُعْلَمُ أنه قبر فَيُتَّوَقَّى وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ فَوْقَ شِبْرٍ؛ لِأَنَّ «فَضَالَةَ أَمَرَ بِقَبْرٍ فَسُوِّيَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَأْمُرُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى تَقْرِيبِهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْمَنْعِ عَنْ عُلُوِّهَا الْفَاحِشِ (مُسَنَّمًا) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ مُسَنَّمًا، وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ وَهُوَ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَكَانَ مَكْرُوهًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّسْطِيحُ أَفْضَلُ، وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ: وَبَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ» ؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَطَّحَ جَوَانِبَهَا وَسَنَّمَ سَطْحَهَا، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا إِذَا دُفِنَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ تَعَذُّرِ نَقْلِهِ، فَالْأَوْلَى تَسْوِيَتُهُ بِالْأَرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ (وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَشَّ عَلَى قَبْرِ سَعِيدٍ مَاءً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ رَشَّ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ الْمَاءَ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ يُلَبِّدُهُ، وَهُوَ آثَارُ الرَّحْمَةِ، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصًى صِغَارٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَعُمُّهُ بِهَا لِيَحْفَظَ تُرَابَهُ، وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ مَاءً، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصًى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) قَالَهُ

وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ.
وَالْجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ طُيِّنَ قَبْرُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةً عَنِ الدَّرْسِ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى طِينٍ فِيهِ تَحْسِينٌ لِلْقَبْرِ وَزِينَةٌ (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ) وَتَزْوِيقُهُ وَتَحْلِيقُهُ؛ وَهُوَ بِدْعَةٌ (وَالْبِنَاءُ) عَلَيْهِ، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ.
لَاصِقَةً أَوْ لَا، لِقَوْلِ جَابِرٍ «نَهَى النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقُبَّةِ وَالْبَيْتِ وَالْحَظِيرَةِ فِي مِلْكِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَيُكْرَهُ فِي صَحْرَاءٍ لِلضِّيقِ وَالتَّشَبُّهِ بِأَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَكَرِهَ فِي " الْوَسِيلَةِ " الْبِنَاءَ الْفَاخِرَ كَالْقُبَّةِ، وَظَاهِرُهُ لَا بَأْسَ بِبِنَاءٍ مُلَاصِقٍ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْلِيمِهِ وَحِفْظِهِ دَائِمًا، فَهُوَ كَالْحَصْبَاءِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُعْتَادِ، أَوْ يَخُصُّ مِنْهُ، وَعَنْهُ: مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا تَبَقَّى، وَالْمَنْقُولُ هُنَا الْمَنْعُ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ تَمِيمٍ، يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ عَمَّنِ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ لِغَيْرِهِ، قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ لِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ حفر قَبْرٌ فِي مُسْبَلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَتُكْرَهُ الْخَيْمَةُ وَالْفُسْطَاطُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ بِإِزَالَتِهِ.
وَقَالَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الصَّحْرَاءَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ؛ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ يُتَّبَعُ، وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ، وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ، ذَكَرَهَا الْمَجْدُ.
(وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» (وَالْجُلُوسُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لِأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ من أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .

فصل وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ.
وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْخَلَّالُ مَرْفُوعًا «لِأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ [مِنْ] أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ» ، وَفِي " الْكَافِي " إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى قَبْرِ مَنْ يَزُورُهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ جَازَ لِلْحَاجَةِ (وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَأَى عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِهِ» . مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ الْإِسْرَاجُ عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَلَا بَيْنَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَعَيَّنُ إِزَالَتُهَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
فَلَوْ وُضِعَ الْمَسْجِدُ وَالْقَبْرُ مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ، قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ " وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عِنْدَهَا، وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا، وَالْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِيهَا، وَيُسَنُّ خَلْعُهُ إِلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
1 - فَصْلٌ يَسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ جَالِسًا، وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ وُقُوفَهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ، لِقَوْلِ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ.
رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ وَالطَّبَرَانِيُّ.
فَيَجْلِسُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَلْقِينُهُ مُبَاحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَا يُكْرَهُ.
وَفِي

اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ.
وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، نُبِشَ وَأُخِذَ.

وَإِنْ كُفِّنَ

[المبدع في شرح المقنع]

تَلْقِينِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ، وَسُؤَالِهِ، وَانْتِخَابُهُ النَّقِيَّ قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسَ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ) أَيْ: يَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عقيل والشيخ تَقِيِّ الدِّينِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الْمَحَارِمِ، وَقِيلَ: فِيمَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُدْفَنَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُبْلَ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلِيَ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَرْضِ، وَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ عِظَامَ الْمَيِّتِ دَفَنَهَا، وَحَفَرَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا لِضَرُورَةٍ) وَكَكَثْرَةِ الْمَوْتَى، وَقِلَّةِ مَنْ يَدْفِنُهُمْ، وَخَوْفِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ يَوْمَ أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» حِينَ سَأَلُوهُ مَنْ يُقَدَّمُ فِيهِ؛ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَكَمَا يُقَدَّمُ إِلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ (وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ فِي قَبْرٍ مُنْفَرِدٍ.
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: إِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَا بَأْسَ بِالذَّهَابِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، نَصَّ عَلَيْهِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

تَذْنِيبٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ الدَّفْنَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَقِيَامِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا يَجُوزُ، وَيَجُوزُ لَيْلًا، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، حَكَاه ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ حَكَى فِي " الْإِفْصَاحِ " الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَنَّهُ بِالنَّهَارِ أَمْكَنُ، وَعَنْهُ: لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي بُقْعَةٍ لِتَسْهُلَ زِيَارَتُهُمْ، قَرِيبًا مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لِيَنْتَفِعَ بِمُجَاوَرَتِهِمْ مِنَ الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ، فَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ، وَحَمَلَ الْمَجْدُ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا نَقَصَهَا نَقْصًا لَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَوْضِعِ قَبْرِهِ، وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ، فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: بِشَرْطِ خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا دُفِنَ فِيهِ مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ أَوْ يَصِرْ مَقْبَرَةً، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَوْضِعِ الْقَبْرِ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ، وَإِنْ ثَقُلَتْ وَجَبَ رَدُّهَا لِتَعْيِينِهِ لَهَا.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَهُ حَرْثُهَا إِذَا بَلِيَ الْعَظْمُ، وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُسْبَلَةٍ، قُدِّمَ ثُمَّ يُقْرَعُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ نَحْوَ كَوْنِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ.
(وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ) عَادَةً وَعُرْفًا وَإِنْ قَلَّ خَطَرُهُ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا، أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ (نُبِشَ وَأُخِذَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مِسْحَاةِ الْحَفَّارِ، دَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّهُ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فَقَالَ: خَاتَمِي، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ.
وَلِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وَلَا

بِثَوْبِ غَصْبٍ، أَوْ بَلْعِ مَالِ غَيْرِهِ، غُرِّمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَقِيلَ: يُنْبَشُ وَيُؤْخَذُ

[المبدع في شرح المقنع]

ضَرَرَ فِي أَخْذِهِ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، إِنْ بُذِلَ لَهُ عِوَضُهُ، فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ تَمْنَعُ نَبْشَهُ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَفِي النَّبْشِ ضَرَرٌ.
مِنْهَا: مَنْ أَمْكَنَ غُسْلَهُ، وَدُفِنَ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يُتْرَكُ إِنْ خُشِيَ تَفَسُّخُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَقْلُهُ مُطْلَقًا، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَاءٍ وَتُرَابٍ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ عَدَمُ الْحَائِلِ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ قَبْلَ تَكْفِينِهِ فَإِنَّهُ يُنْبَشُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " كَالْغُسْلِ، وَقِيلَ: لَا، لِسَتْرِهِ بِالتُّرَابِ.
وَمِنْهَا: إِبْدَالُ كَفَنِهِ بِأَحْسَنَ مِنْهُ وَخَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ وَدَفْنُهُ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ، وَلَا حَنُوطٍ، كَإِفْرَادِهِ، نَصَّ عَلَى الْكُلِّ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ غَيْرَ مُوَجَّهٍ لِلْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَبْشُهُ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُسْتَحَبُّ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ فِي مَسْجِدٍ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَبْشِهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلِلْمَالِكِ نَقْلُهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَكَرِهَهُ أَبُو الْمَعَالِي لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي حَرِيرٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ نُبِشَ وَأُخِذَ فِي وَجْهٍ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ، فَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ.

[كُفِّنَ بِثَوْبِ غَصْبٍ]

(وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبِ غَصْبٍ) لَمْ يُنْبَشْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إِمْكَانِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ بِدُونِهَا، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ.
وَقَالَ الْمَجْدُ: يَضْمَنُهُ مَنْ كَفَّنَهُ بِهِ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ عَالِمًا، وَإِنْ جَهِلَ، فَالْقَرَارُ

الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيَخْرُجُ.

وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ، لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا، وَتَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلَ فَيُخْرِجْنَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا.
وَإِنْ مَاتَتْ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَوْ أَنَّهُ الْمَيِّتُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ نُبِشَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ أُخِذَ لِتَعْلِقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) بِغَيْرِ إِذْنِهِ (غَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ) بِطَلَبِ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعَيْنِ يَسْقُطُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرُّجُوعِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا فِي حَيَاتِهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى مَالِيَّتُهُ كَخَاتَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، يَسِيرًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْكَثِيرَ مِنْ تَرِكَتِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِطْلَاقُ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ الْقِيمَةُ، وَلَمْ يَعْدِلْهَا وَارِثٌ، شُقَّ جَوْفُهُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ بَلَعَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَيُؤْخَذُ إِذَا بَلِيَ، وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ قَبْلَهُ بِحَالٍ، وَلَا يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إِذَا بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَهُ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: بَلْ يُشَقُّ وَيُؤْخَذُ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " تُحْسَبُ مِنْ ثُلُثِهِ (وَقِيلَ: يُنْبَشُ، وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيَخْرُجُ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الرِّعَايَةِ " لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ الْمَيِّتِ مِنْ الْإِثْمِ، وَرَدِّ الْمَالِ إِلَى مَالِكِهِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْوَرَثَةِ بِحِفْظِ التَّرِكَةِ لَهُمْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ ظَنُّهُ أَنَّهُ مَلَكَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَاتَ، لَمْ يُقْلَعْ عَنْهُ، وَيَأْخُذُ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أَخَذَهُ إِذَا بَلِيَ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي الْحَالِ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلرُّجُوعِ حَيَاةُ الْمُفْلِسِ فِي قَوْلٍ، مَعَ أَنَّ فِيهِ هُنَا مُثْلَةٌ.

[مَاتَتْ حَامِلٌ هَلْ يُشَقُّ بَطْنُهَا]

(وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةٍ مُتَيَقِّنَةٍ لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مَوْهُومَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ لَوْ خَرَجَ حَيًّا، فَالْغَالِبُ الْمُعْتَادُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ، وَقَدِ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (وَتَسْطُو عَلَيْهِ) النِّسَاءُ (الْقَوَابِلُ) فَيُدْخِلْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي رَحِمِ الْمَيِّتِ (فَيُخْرِجْنَهُ) إِذَا طَمِعْنَ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْ قَرُبَتِ الْحَرَكَةُ، وَانْفَتَحَتِ الْمَخَارِجُ، قَالَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَابْنُ

ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَهَا، وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ

وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.

وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُنَجَّا فِي " شَرْحِهِ "، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ إِذَا احْتُمِلَتْ حَيَاتُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِبْقَاءً لِلْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ بَائِنَةٍ، فَإِنْ عَجَزْنَ أَوْ عُدِمْنَ، وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُهَا، وَالْمَذْهَبُ: لَا، وَعَنْهُ: يَفْعَلُ ذَلِكَ الرِّجَالُ، وَالْمَحَارِمُ أَوْلَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ، كَمُدَاوَاةِ الْحَيِّ، وَالْأَشْهَرُ لَا.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ تُدْفَنْ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا يُوضَعْ عَلَيْهَا مَا يُمَوِّتُهُ، فَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا شُقَّ حَتَّى يَخْرُجَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أُخْرِجَ إِنْ أَمْكَنَ، وَغُسِّلَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ غُسِّلَ مَا خَرَجَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فِي الْأَشْهَرِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مَعَهَا بِشَرْطِهِ وَإِلَّا عَلَيْهِ دُونَهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا) لِأَنَّهُ تَعَارَضَ حَقَّاهُمَا، فَقُدِّمَ حَقُّ الْحَيِّ لِكَوْنِ حُرْمَتِهِ أَوْلَى (وَإِنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ، دُفِنَتْ وَحْدَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ، وَدَفْنُ الْمَيِّتِ عِنْدَ مَنْ يُبَايِنُهُ فِي دِينِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: يُدْفَنُ بِجَنْبِ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنَ مَعَنَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، لِمَا فِي بَطْنِهَا، وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ " حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ؛ وَهِيَ أَوْلَى لِشُمُولِهَا صُوَرًا (وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ) عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إِلَى ظَهْرِهَا، وَيَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ دَفَنَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْلُودًا وَلَا سَقْطًا، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إِنْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إِذَا انْفَصَلَ؛ وَهُوَ الظَّاهِرُ.

[الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ]

(وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ) وَفِي الْمَقْبَرَةِ (فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا (يس) خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِقَدْرِهِمْ حَسَنَاتٌ» وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَخَاتِمَتِهَا، وَلِهَذَا رَجَعَ أَحْمَدُ عَنِ الْكَرَاهَةِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَصْلُهَا أَنَّهُ مَرَّ عَلَى ضَرِيرٍ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرٍ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرِ الْحَلَبِيِّ؛ قَالَ: ثِقَةٌ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ.
فَقَالَ أَحْمَدُ عِنْدَ ذَلِكَ: ارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأُ.
فَلِهَذَا قَالَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ: الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ.
لَكِنْ قَالَ السَّامِرِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَعِنْدَ رِجْلِهِ بِخَاتِمَتِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الورَّاقُ، وَأَبُو حَفْصٍ؛ وَهِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ لَا يُقْرَأُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ بَيْتٍ يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» وَعَلَّلَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا مَدْفَنُ النَّجَاسَةِ كَالْحَشِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: شَدَّدَ أَحْمَدُ حَتَّى قَالَ: لَا تَقْرَأُ فِيهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ: يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا يَقْرَأُ، واخْتَارَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَقْرَأُ إِلَّا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَعَنْهُ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلَا فِعْلِ أَصْحَابِهِ

[مَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ بَعْدَ مَوْتِهِ]

(وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا) مِنْ دُعَاءٍ، وَاسْتِغْفَارٍ، وَصَلَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَحَجٍّ، وَقِرَاءَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَجَعَلَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ) . قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ مِصْرَ، وَيَقْرَءُونَ، وَيَهْدُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَكَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، حَتَّى لَوْ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ الثَّوَابُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لِفَاعِلِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] وَ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286] وَبِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ.

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ عِكْرِمَةُ: هَذَا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً، بِخِلَافِ شَرْعِنَا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، أَوْ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: 21] أَوْ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْكَافِرِ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِنَ الْجَزَاءِ إِلَّا جَزَاءُ سَعْيِهِ، تَوَفَّاهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى عَدْلًا، وَلَهُ مَا سَعَى غَيْرُهُ فَضْلًا، أَوْ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: 25] وَعَنِ الثَّانِيَةِ: بِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَفْهُومِ، وَمَنْطُوقُ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ، وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ لَا عَمَلِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَقِرُ أَنْ يَنْوِيَهُ حَالَ الْقِرَاءَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا، فَاجْعَلْهُ أَوْ مَا يُشَابِهُ لِفُلَانٍ، وَقِيلَ: يَسِيرُ الثَّوَابِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ لَهُ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ.
وَبَالَغَ الْقَاضِي فَقَالَ: إِذَا صَلَّى فَرْضًا، وَأَهْدَى ثَوَابَهُ صَحَّتِ الْهَدِيَّةُ، وَأَجْزَأَ فَاعِلَهُ، وَفِيهِ بُعْدٌ، فَلَوْ أَهْدَى بَعْضَ الْقُرْبَةِ، فَنَقَلَ الْكَحَّالُ فِي الرَّجُلِ يَعْمَلُ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ مِنَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَيَجْعَلُ نِصْفَهُ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ قَالَ: أَرْجُو، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ ثَوَابَ قُرْبَةٍ لِحَيٍّ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْحَيَّ كَالْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يُعْرَفُ رِوَايَةٌ بِالْفَرْقِ، بَلْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ يَعُمُّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَيِّتَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَدِلَّةِ فِيهِ، وَحَاجَتُهُ إِلَى الثَّوَابِ أَكْثَرُ، وَأَنَّهُ إِذَا جَعَلَهَا لِغَيْرِ مُسْلِمٍ لَا يَنْفَعُهُ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ لِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ.

[إِصْلَاحُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَإِرْسَالِهِ لَهُمْ]

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ جَبْرًا، وَالْمَذْهَبُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِمَا

فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ.
وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

رَوَى أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا نُعِدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَصَنْعَةُ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ.
وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
زَادَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ: هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا.
فَرْعٌ: يُكْرَهُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالْأَكْلُ مِنْهُ لِخَبَرِ أَنَسٍ: «لَا عُقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِي مَعْنَاهُ الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ، فَإِنَّهُ مُحْدِثٌ، وَفِيهِ رِيَاءٌ.

[فَصْلٌ: زِيَارَةُ الْقُبُورِ]

فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ،

يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَغَيْرُهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ الْإِبَاحَةَ؛ لِأَنَّهُ الغالب فِي الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِمَا هُوَ مُبَاحٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَوَائِدُ: يُسْتَحَبُّ لِلزَّائِرِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْقَبْرِ، وَعَنْهُ: حَيْثُ شَاءَ، وَعَنْهُ: قُعُودُهُ كَقِيَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَيَنْبَغِي قُرْبُهُ، كَزِيَارَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَجُوزُ لَمْسُ الْقَبْرِ بِالْيَدِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، لِأَنَّ الْقُرْبَ تُتَلَقَّى مِنَ التَّوْقِيفِ، وَلَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، صَحَّحَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ مُصَافَحَةَ الْحَيِّ، وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلزِّيَارَةِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ بِدْعَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَيَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ وَالْوُقُوفُ لِزِيَارَتِهِ لِمَا سَبَقَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَوَّزَهُ حَفِيدُهُ لِلِاعْتِبَارِ.
قَالَ: وَلَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ زِيَارَةَ قَبْرِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ (وَهَلْ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا؛ وَهِيَ الْمَذْهَبُ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، فَلَا يُؤْمَنُ تَهْيِيجُ حُزْنِهَا بِرُؤْيَةِ الْأَحِبَّةِ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ؛ لِأَنَّ «عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَقَالَ لَهَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَلَيْسَ كَانَ نُهِيَ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَقَعُ فِي مُحَرَّمٍ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ مَعَ تَأْثِيمِهِ بِظَنِّ وُقُوعِ النَّوْحِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَمْ يُحَرِّمْ هُوَ وَغَيْرُهُ دُخُولَ الْحَمَّامِ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَالسَّلَامُ فِيهِ

لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ

[المبدع في شرح المقنع]

مُعَرَّفٌ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَالتَّنْكِيرُ مِنْ طَرِيقٍ لِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَنْكِيرَهُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهُ الْمَجْدُ، وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ نَصًّا، وَكَذَا السَّلَامُ عَلَى الْأَحْيَاءِ، وَعَنْهُ: تَعْرِيفُهُ أَفْضَلُ كَالرَّدِّ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ، وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لِلتَّبَرُّكِ.
قَالَهُ الْعُلَمَاءُ، وَفِي الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى اللُّحُوقِ لَا إِلَى الْمَوْتِ، وَفِي الشَّافِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْبِقَاعِ (وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ، وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ (اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) لِأَنَّهُ رُوِيَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، وَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دَعَا لِأَهْلِ الْغَرْقَدِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» سُمِّيَ بِهِ لِغَرْقَدٍ كَانَ بِهِ؛ وَهُوَ مَا عَظُمَ مِنَ الْعَوْسَجِ، وَقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ.
فَائِدَةٌ: يَسْمَعُ الْمَيِّتُ الْكَلَامَ، وَيَعْرِفُ زَائِرَهُ، قَالَهُ أَحْمَدُ.
يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَفِي " الْغُنْيَةِ " يَعْرِفُهُ كُلَّ وَقْتٍ، وَهَذَا الْوَقْتُ آكَدُ، وَيُكْرَهُ مَشْيُهُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ إِلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ كَالْخُفِّ لِلْمَشَقَّةِ، وَفِي التمشك وَنَحْوِهِ وَجْهَانِ

[تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ]

(وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

الْمَيِّتِ.
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا

وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ

[المبدع في شرح المقنع]

مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ عَزَّى أَخَاهُ مُصِيبَتَهُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ وَهِيَ التَّسْلِيَةُ وَالْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعِينَ بِالصَّبْرِ، وَالصَّلَاةِ، وَيَسْتَرْجِعَ، وَلَا يَقُولَ إِلَّا خَيْرًا، وَيَسْأَلَ اللَّهَ أَجْرَ الصَّابِرِينَ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَعُمُّ بِهَا أَهْلَ الْمَيِّتِ حَتَّى الصَّغِيرَ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَلَوْ شَقَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الشَّقُّ، وَاسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ مَكْرُوهٌ، وَيَبْدَأُ بِخِيَارِهِمْ؛ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ يَدِ مَنْ يُعَزِّيهِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِآخِرِ وَقْتِ التَّعْزِيَةِ، فَدَلَّ أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَحَدُّهُا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْآمِدِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ يُكْرَهُ بَعْدَهَا لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ، وَاسْتَثْنَى أَبُو الْمَعَالِي إِذَا كَانَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا إِذَا حَضَرَ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ، وَزَادَ: مَا لَمْ يَنْسَ.
فَرْعٌ: إِذَا جَاءَتْهُ التَّعْزِيَةُ فِي كِتَابٍ رَدَّهَا عَلَى الرَّسُولِ لَفْظًا، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَيُكْرَهُ تَكْرَارَهَا، فَلَا يُعَزِّي مَنْ عَزَّى (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَهْيِيجِ الْحُزْنِ، وَعَنْهُ: الرُّخْصَةُ فِيهِ.

أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ.
وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ، وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنِ كَافِرِ: خْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ

وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ الْخَلَّالُ: سَهَّلَ أَحْمَدُ فِي الْجُلُوسِ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قَالَ: وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا بَأْسَ فِيهِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عِنْدَهُمْ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِمْ شِدَّةُ الْجَزَعِ، وَأَمَّا الْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ فَأَكْرَهُهُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْجُلُوسُ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ لِيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، أَوْ يَخْرُجَ وَلِيُّهُ فَيُعَزِّيَهُ، فَعَلَهُ السَّلَفُ (وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا أَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا، إِلَّا أَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ عَزَّى رَجُلًا، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَآجَرَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، «وَعَزَّى رَجُلًا فَقَالَ: (آجَرَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ فِي هَذَا الرَّجُلِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكُمْ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ» وَيَقُولُ الْمُعَزَّى: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِآخَرَ: عَزِّ عَنِّي فُلَانًا تَوَجَّهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: فُلَانٌ يُعَزِّيكَ (وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَائِقٌ بِحَالِ الْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ، وَيَحْرُمُ تَعْزِيَةُ كَافِرٍ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، فَيَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَدْعُو لِكَافِرٍ حَيٍّ بِالْأَجْرِ، وَلَا لِكَافِرٍ مَيِّتٍ بِالْمَغْفِرَةِ (وَفِي تَعْزِيَتِهِ) أَيِ الْكَافِرِ (عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقُصَ عَدَدَكَ) فَيَدْعُو لَهُ بِمَا يَرْجِعُ إِلَى طُولِ الْحَيَاةِ، وَكَثْرَةِ الْمَالِ، وَالْوَلَدِ، لِأَجْلِ الْحُرْمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: يَقُولُ: أَعْطَاكَ اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِكَ أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِكَ، يُقَالُ لِمَنْ ذَهَبَ لَهُ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ مِثْلُهُ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَيْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مِثْلَهُ،

الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابُ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ

وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ وَلَا النِّيَاحَةُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ حُصُولُ مِثْلِهِ: خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ: أَيْ كَانَ اللَّهُ خَلِيفَةً مِنْهُ عَلَيْكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَالْجَوْهَرِيُّ.

[جَوَازُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ]

(وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَدَخَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ؛ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَأَخْبَارُ النَّهْيِ كَقَوْلِهِ: " فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً "، مَحْمُولَةٌ عَلَى بُكَاءٍ مَعَهُ نَدْبٌ أَوْ نِيَاحَةٌ.
قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ أَنَّهُ كَرِهَ كَثْرَةَ الْبُكَاءِ، وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ أَيَّامًا، ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنَ الْفَرَحِ، لِفَرَحِ الْفُضَيْلِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ عَلِيٌّ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (وَ) يَجُوزُ (أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابَ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ) وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَامَةٌ لِيُعْرَفَ بِهَا فَيُعَزَّى؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ سُنَّةً بَقِيَ الْجَوَازُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُكْرَهُ لُبْسَهُ خِلَافَ زِيِّهِ الْمُعْتَادِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغَيُّرُ حَالِهِ مِنْ خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِهِ، وَغَلْقِ حَانُوتِهِ، وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ، هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ.
فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، قَالَ جَمَاعَةٌ: لَا بَأْسَ بِهَجْرِ الْمُصَابِ لِلزِّينَةِ وَحُسْنِ الثِّيَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ

[عَدَمُ جَوَازِ النَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ وَشَقِّ الثِّيَابِ]

(وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ) وَهُوَ تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ نَحْوُ: وَارَجُلَاهْ (وَلَا النِّيَاحَةُ) نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَذَكَرَهُ فِي " الْمَذْهَبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تَحْرُمُ النِّيَاحَةُ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «وَلَكِنْ نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وَجْهٍ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12] : هُوَ النَّوْحُ، وَقَدَّمَ فِي " الْكَافِي " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ: " الْكَرَاهَةَ؛ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ: «إِلَّا آلَ فُلَانٍ فَإِنَّهُمْ أَسْعَدُوني فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ، فَقَالَ: إِلَّا آلَ فُلَانٍ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وَهُوَ خَاصٌّ بِهَا، لِخَبَرِ أَنَسٍ: " «لَا إِسْعَادَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: يُكَرَهُ النَّدْبُ وَالنِّيَاحَةُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ بِصِدْقٍ، وَعَنْهُ: إِبَاحَتُهُمَا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحَبُهُ؛ لِأَنَّ وَاثِلَةَ وَأَبَا وَائِلٍ كَانَا يَسْمَعَانِ النَّوْحَ وَيَبْكِيَانِ، رَوَاهُ حَرْبٌ.

، وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

[المبدع في شرح المقنع]

لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ التَّحْرِيمُ، وَجَزَمَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ النَّدْبِ إِذَا كَانَ صِدْقًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ النَّوْحِ، وَلَا قُصِدَ نَظْمُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَفَاطِمَةَ، " وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) كَتَخْمِيشِ الْوَجْهِ، وَنَتْفِ الشَّعْرِ، وَإِظِهَارِ الْجَزَعِ.

كِتَابُ الزَّكَاةُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ.
السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الزَّكَاةِ]

[تَعْرِيفُ الزَّكَاةِ]

ِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إِذَا نَمَا وَزَادَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَدْحِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] وَعَلَى التَّطْهِيرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] أَيْ: طَهَّرَهَا عَنِ الْأَدْنَاسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّلَاحِ يُقَالُ: رَجُلٌ زَكِيٌّ أَيْ: زَائِدُ الْخَيْرِ مِنْ قَوْمٍ أَزْكِيَاءَ، وَزَكَّى الْقَاضِي الشُّهُودَ: إِذَا بَيَّنَ زِيَادَتَهُمْ فِي الْخَيْرِ، فَسُمِّيَ الْمَالُ الْمُخْرَجُ زَكَاةً؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْمُخْرَجِ مِنْهُ، وَيَقِيهِ الْآفَاتِ.
وَفِي الشَّرْعِ: حَقٌّ يُجْبَ فِي مَالٍ خَاصٍّ، لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَتُسَمَّى صَدَقَةً؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ لِصِحَّةِ إِيمَانِ مُؤَدِّيهَا وَتَصْدِيقِهِ؛ وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ أَمْ فِي الْمَدِينَةِ؛ وَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَ " الْمُحَرَّرِ " وَحَفِيدُهُ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُهَا، وَبَعْثُ السُّعَاةِ لِقَبْضِهَا، فَهَذَا بِالْمَدِينَةِ.

[الْأَصْنَافُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ]

(تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ) وَاحِدُهَا صَنْفٌ، وَفَتْحُ الصَّادِ فِيهِ لُغَةٌ، حَكَاهُ

وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْوَحْشِ وَالْأَهْلِ، وَفِي بَقْرِ الْوَحْشِ رَاوِيَتَانِ.

وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْجَوْهَرِيُّ (مِنَ الْمَالِ) هُوَ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا مَلَكَهُ الْإِنْسَانُ، وَعَنْ ثَعْلَبٍ: أَقَلُّ الْمَالِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْعَرَبُ لَا تُوقِعُ الْمَالَ مُطْلَقًا إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ، وَرُبَّمَا أَوْقَعُوهُ عَلَى الْمَوَاشِي (السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ) ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ (وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: «لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ» " لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ دَرُّهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا لِلزِّينَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَلَا فِي الْعَقَارِ وَالثِّيَابِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ، وَلَا فِي الظِّبَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْغَنَمَ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (يَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْوَحْشِ وَالْأَهْلِ) تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ، وَاحْتِيَاطًا لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ، وَإِيجَابِ الْجَزَاءِ، وَالنُّصُوصُ تَتَنَاوَلُهُ، وَاخْتِيَارُ الْمُؤَلِّفِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا تَثْبُتُ احْتِيَاطًا؛ وَلِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ وَخِفَّتَهُ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ، وَلَا يُجْزِئُ فِي هَدْيٍ وَلَا أُضْحِيَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِي وَكَالَةٍ (وَفِي بَقَرِ الْوَحْشٍ) وَغَنَمِهِ بِشَرْطِهِ (رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا»

تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَيُسَمَّى بَقَرًا حَقِيقَةً، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الظَّاهِرِ، وَفِي نِدَائِهَا فِي حَرَمٍ وَإِحْرَامٍ، وَجَوَازِ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ وَجْهَانِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا تُفَارِقُ الْبَقَرَ الْأَهْلِيَّةَ صُورَةً وَحُكْمًا، وَالْإِيجَابُ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَكَغَنَمِ الْوَحْشِ.

[شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ]

[الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ]

(وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) ؛ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الْإِسْلَامَ شَرَطًا لِوُجُوبِهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَالْكُفْرُ يُضَادُّ ذَلِكَ، وَطُهْرَةٌ، وَالْكَافِرُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ؛ وَهُوَ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، فَلَمْ تَجِبْ كَالصَّوْمِ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، أَمَّا الْأَصْلِيُّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَا يَقْضِيهَا إِذَا أَسْلَمَ إِجْمَاعًا، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، فَقِيلَ: مَأْخَذُهُ كَوْنُهَا عِبَادَةً، وَقِيلَ: لِمَنْعِهِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ مِلْكُهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: تَجِبُ، نَصَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَصَحَّحَهُ الْأَزَجِيُّ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ أَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَالرِّدَّةُ لَا تُنَافِي الْوُجُوبَ وَلَا اسْتِمْرَارَهُ، لَكِنَّهَا تُنَافِي الْأَدَاءَ، فَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْهُ، وَيَنْوِي عَنْهُ لِلتَّعَذُّرِ، وَكَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً كَالْحُدُودِ تُسْتَوْفَى رَدْعًا وَزَجْرًا مَعَ وجود التَّوْبَةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ بَعْدَ رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَجْزَأَتْ فِي الظَّاهِرِ، وَكَذَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي وَجْهٍ، فَلَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ الْوُجُوبِ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ مُطْلَقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَظَاهِرُهُ إِيجَابُهَا عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِلْعُمُومِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ، (وَلَا عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعَتَقًا بَعْضُهُ فَبِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ

وَلَا مُكَاتَبٍ، وَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يُمَلِّكُهُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمَلِّكُهُ، فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ.

الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا، أَشْبَهَ الْحُرَّ، (وَلَا مُكَاتَبٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ، وملكه غير تَامٌّ، يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ» ، وَقَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَزَلْزِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِعَرَضِيَةِ أَنْ يَعْجَزَ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، لِنَقْصِ مِلْكِهِ، وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ؛ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِوَفَاءِ نُجُومِهِ، بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، لِنَقْصِ تَصَرُّفِهِ، وَالْمَرْهُونِ، فَإِنَّهُ مُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِعَقْدِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ: هُوَ كَالْقِنِّ، وَعَنْهُ: يُزَكِّي بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا عُشْرَ فِي زَرْعِهِ، فَإِنْ عَتَقَ أَوْ عَجَزَ أَوْ قَبَضَ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ وَفِي يَدِهِ نِصَابٌ، اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا، وَمَا دُونَ نِصَابٍ فَكَمُسْتَفَادٍ (وَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ) عَلَى رِوَايَةٍ (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَمِلْكُ الْعَبْدِ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَقَارِبُهُ إِذَا مَلَكَهُمْ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا تَجِبُ بِطَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فِطْرَةَ إِذَنْ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يُزَكِّيهِ الْعَبْدُ، وَعَنْهُ: بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُزَكِّيهِ السَّيِّدُ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ (وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ) عَلَى رِوَايَةٍ؛ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ (فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ.
أَصْلٌ: أُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ.
فَرْعٌ: هَلْ تَجِبُ فِي الْمَالِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْجَنِينِ إِذَا انْفَصَلَ حَيًّا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، لِحُكْمِنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا، حَتَّى مَنَعْنَا بَاقِي الْوَرَثَةِ أَمْ لَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، فَإِنَّهُ لَا مَالَ لَهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.

زَكَاةَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ، إِلَّا السَّائِمَةَ.

الرَّابِع

ُ: تَمَامُ الْمِلْكِ،

فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

[مِلْكُ النِّصَابِ]

(الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ) لِلنُّصُوصِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَرِدُ الرِّكَازُ؛ لِأَنَّ شَبَهَهُ بِالْغَنِيمَةِ أَكْثَرُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلِهَذَا وَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ (فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) فِي رِوَايَةٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْهُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ) فَإِنَّهَا تَجِبُ كَذَلِكَ، قَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ؛ وَهُوَ لَا يُخِلُّ بِالْمُوَاسَاةِ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ، فَكَذَا هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ نَقْصًا بَيِّنًا كَالدَّانِقِ وَالدَّانِقَيْنِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي رِوَايَةٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمَذْهَبِ "، وَذَكَرَهَا فِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ: إِنْ جَازَتْ جَوَازَ الْوَازِنَةِ وَجَبَتْ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْمَضْرُوبَةُ؛ وَهُوَ الظَّاهِرُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَلِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْوَازِنَةِ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إِذَا نَقَصَ النِّصَابُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ ثُلُثَ مِثْقَالٍ فَلَا زَكَاةَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: الدَّانَقُ وَالدَّانَقَانِ لَا يُمْنَعُ فِي الْفِضَّةِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهَذَا أَوْجَهُ، وَقِيلَ: النَّقْصُ الْيَسِيرُ لَا يُؤَثِّرُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، بَلْ فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ، وَظَاهِره أَنَّ نِصَابَ الْبَاقِي تَحْدِيدٌ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَذَا فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ) أَمَّا زِيَادَةُ الْحَبِّ فَيَجِبُ فِيهَا بِالْحِسَابِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا زِيَادَةُ النَّقْدَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِائَتَيْنِ فَتَجِبُ فِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مِنَ الْأَرْضِ يَتَجَزَّأُ وَيَتَبَعَّضُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، أَشْبَهَ الْأَرْبَعِينَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نَقْدَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ (إِلَّا السَّائِمَةَ)

الْكِتَابَةِ، وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ، وَلَا فِي حِصَّةِ الْمُضَارِبِ، وَمِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَلَا زَكَاةَ فِي وَقْصِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْأَوْقَاصِ صَدَقَةٌ» ، وَقَالَ: الْوَقْصُ: مَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «أُمِرْتَ فِي الْأَوْقَاصِ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا، وَسَأَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ، وَعَدَمِ التَّشْقِيصِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، فَعَلَيْهِ لَوْ تَلِفَ بَعِيرٌ مِنْ تِسْعٍ، أَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ إِنِ اعْتَبَرْنَاهُ، سَقَطَ تُسْعُ شَاةٍ، وَلَوْ تَلِفَ مِنْهَا سِتَّةٌ، زَكَّى الْبَاقِيَ ثُلُثَ شَاةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، فَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ، زَكَّاهُ بِتُسْعِ شَاةٍ.

[تَمَامُ الْمِلْكِ]

(الرَّابِعُ: تَمَامُ الْمِلْكِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ النَّاقِصَ لَيْسَ نِعْمَةً كَامِلَةً؛ وَهِيَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَتِهَا؛ إِذِ الْمِلْكُ التَّامُّ عِبَارَةٌ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ حق غَيْرُهُ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَفَوَائِدُهُ حَاصِلَةٌ لَهُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ) وِفَاقًا، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْأَدَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا، وَفِيهِ رِوَايَةٌ، فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ هُنَا (وَلَا فِي السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ) عَلَى مُعَيَّنٍ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِنَقْصِهِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ؛ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلْعُمُومِ، وَكَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَبَنَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْخِلَافَ عَلَى الْمِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ، وَأَمَّا الْوُقُفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وُقِفَ عَلَى مُعْتِقٍ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا فَحَصَلَ لَهُ مِنْ غَلَّتِهِ نِصَابٌ وَجَبَتِ

الْقِسْمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا، وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، زَكَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى، وَفِي الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ وَالْمُؤَجَّلِ

[المبدع في شرح المقنع]

الزَّكَاةُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثمْرَ لَيْسَ وَقْفًا، بِدَلِيلِ بَيْعِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: لَا عُشْرَ فِيهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَجَزَمَ بِهِ الْحُلْوَانِيُّ، وَإِنْ حَصَلَ لِأَهْلِ الْوَقْفِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَأَثُّرِ الْخُلْطَةِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ (وَلَا فِي حِصَّةِ الْمُضَارِبِ، وَمِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هذا ظاهر المذهب، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، إِمَّا لِعَدَمِ الْمِلْكِ أَوْ لِنُقْصَانِهِ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ كَرَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ إِلَّا بِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: الْوُجُوبُ، وَيَنْعَقِدُ حَوْلَهُ بِظُهُورِ الرِّبْحِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَيَجِبُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ الْمُضَارَبَةِ بِدُونِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُكْمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَإِخْرَاجِهَا مِنَ الْمَالِ، وَعَلَى قَوْلِنَا: لَا يَمْلِكُ الْعَامِلُ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ، فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ زَكَاةُ حِصَّةِ الْعَامِلِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْعَامِلِ دُونَ نِصَابٍ، انْبَنَى عَلَى الْخُلْطَةِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَيُزَكِّي حَقَّهُ مِنَ الرِّبْحِ مَعَ الْأَصْلِ عِنْدَ حَوْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَمَانَةً أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ حَقَّهُ مِنَ الرِّبْحِ بِظُهُورِهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ جُعِلَ مِنَ الرِّبْحِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، وَفِي " الْكَافِي " يُجْعَلُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ كَدِيَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْعَلُ مِنْهُمَا بِالْحِصَصِ، فَيَنْقُصُ رُبْعُ عُشْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ، فَمِنْهُمَا، وَإِنْ قُلْنَا: فِي الْعَيْنِ، فَمِنَ الرِّبْحِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ (وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ) بَاذِلٍ أَوْ غَيْرِهِ (مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، زَكَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهِ

وَالْمَجْحُودِ وَالْمَغْصُوبِ وَالضَّائِعِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِيءِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ.
قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إِذَا جَاءَ رَبُّهَا، زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي

[المبدع في شرح المقنع]

وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ مَالِهِ، وَلِلْعُمُومِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ إِخْرَاجُ زَكَاةِ مَالٍ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِبَقَائِهِ عَلَيْهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ أَمْ لَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِخْرَاجُهَا فِي الْحَالِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَعَنْهُ: لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا مَضَى، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِي دَيْنٍ بِحَالٍ، رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ: لَا زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يُقْبَضَ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ.
فَرْعٌ: لَوْ قَبَضَ دُونَ نِصَابٍ، زَكَّاهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ دُونَ نِصَابٍ، وَبَاقِيه دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ ضَالٍّ، وَالْحَوَالَةُ بِهِ، وَالْإِبْرَاءُ كَالْقَبْضِ (وَفِي الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ) وَهُوَ: الْمُعْسِرُ (وَالْمُؤَجَّلِ وَالْمَجْحُودِ) الَّذِي لَا بَيِّنَةَ بِهِ (وَالْمَغْصُوبِ، وَالضَّائِعِ) إِذَا عَادَ إِلَيْهِ (رِوَايَتَانِ) وَكَذَا أَطْلَقَهَما فِي " الْمُحَرَّرِ " (إِحْدَاهُمَا) هُوَ (كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِيءِ) اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَالْإِبْرَاءِ، فَيُزَكِّي ذَلِكَ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينِ، رَوَاهُ أَبُو عَبِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لِلْعُمُومِ، وَكَسَائِرِ مَالِهِ.
وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: إِذَا قُلْنَا يَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَقَبَضَهُ، فَهَلْ يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، وَقَيَّدَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " الْمَجْحُودَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ظَاهِرًا، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، أَوْ هُمَا، وَإِنْ كَانَ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ مَسْرُوقٍ وَمَدْفُونٍ وَمَنْسِيٍّ وَمَوْرُوثٍ جَهِلَهُ، أَوْ جُهِلَ عِنْدَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ.
(وَالثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ) صَحَّحَهَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَرَجَّحَهَا جَمَاعَةٌ وَاخْتَارَهَا ابْنُ شِهَابٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ؛

كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا، وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ إِلَّا فِي

[المبدع في شرح المقنع]

وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، أَشْبَهَ الْحُلِيَّ وَدَيْنِ الْكِتَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالنَّمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ مَظِنَّةً؛ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَفِي ثَالِثَةٍ: إِنْ كَانَ لَا يُؤَمَّلُ رجوعه كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَمَا يُؤَمَّلُ رجوعه، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَالْغَائِبِ الْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ، فِيهِ الزَّكَاةُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي رَابِعَةٍ: إِنْ كَانَ الذي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهِ، وَإِلَّا وَجَبَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَجْحُودِ حَذَارًا مِنْ وُجُوبِ زَكَاتَيْنِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إِذَا جَاءَ رَبُّهَا، زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا) هَذَا مِنْ صُوَرِ الْمَالِ الضَّائِعِ، ذَكَرَهَا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ وَهُوَ " الْمَذْهَبُ "، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهَا بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا لَوَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا زَكَاتُهَا لِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطِ اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا وَزَكَّى، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا مِلْكًا تَامًّا، فَوَجَبَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ، وَكَوْنُ الْمَالِكِ لَهُ انْتِزَاعُهَا إِذَا عَرَفَهَا، كَمَالٍ وَهَبَهُ لِابْنِهِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَدِينٌ بِهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّهَا إِذَا زَكَّاهَا الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ أَخْرَجَ الْمُلْتَقِطُ زَكَاتَهَا عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا رَبُّهَا رَجَعَ عليه بِمَا أَخْرَجَ فِي الْأَشْهَرِ.
1 - مَسَائِلُ: يُجْزِئُ الصَّدَاقُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ، وَالْأُجْرَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ جَمِيعَهُ مُسْتَقِرٌّ، وَتَعْرِيضُهُ لِلزَّوَالِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: حَتَّى يُقْبَضَ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِي صَدَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى يُقْبَضَ، فَيَثْبُتُ الِانْعِقَادُ وَالْوُجُوبُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا مَعَ احْتِمَالِ الِانْفِسَاخِ، وَعَنْهُ: يَمْلِكُ نِصْفَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَذَا في الْخِلَافُ فِي اعْتِبَارِ الْقَبْضِ فِي كُلِّ دَيْنٍ، لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ أَوْ مَالٍ غَيْرِ زَكَوِيٍّ عِنْدَ الْكُلِّ، كَمُوصًى بِهِ وَمَوْرُوثٍ، وَعَنْ مَسْكَنٍ، وَعَنْهُ: لَا حَوْلَ لِأُجْرَةٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالْمَعْدِنِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأُجْرَةِ الْعَقَارِ، وَإِنْ سَقَطَ قَبْلَ

جارٍ التحميل