المبدع في شرح المقنعصفحات 283-322

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 283-322

هَرَوِيٍّ، فَبَانَ مَرْوِيًّا - فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ وَإِمْسَاكِهِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ إِنْ وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَى عَيْنِهِ.

فَصْلٌ إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي، أَوْ إِذَا أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ - كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، أَيْ: وَقْتَ أَعْطَتْهُ أَلْفًا، طُلِّقَتْ وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

مَرْوِيًّا - فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (وَإِمْسَاكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْجِنْسِ، وَلِأَنَّ مُخَالَفَةَ الصِّفَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي جَوَازِ الرَّدِّ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ إِنْ وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَى عَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهِ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْخُلْعَ وَاقِعٌ عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ، وَفِي اشْتِرَاطِ وُقُوعِ الْخُلْعِ عَلَى عَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ يَنْفِيهِ، وَيُؤْذِنُ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ عَامٌّ، إِذْ لَوْ كَانَ خَاصًّا بِالْخُلْعِ عَلَى عَيْنِ الثَّوْبِ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِ وُقُوعِ الْخُلْعِ عَلَى الْعَيْنِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ فَائِدَةٌ.

[إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ]

فَصْلٌ (إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي، أَوْ إِذَا أَعْطَيْتِنِي، أَوْ مَتَى أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ - كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، أَيْ: وَقْتَ أَعْطَتْهُ أَلْفًا، طُلِّقَتْ) بَائِنًا وَمَلَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَسَائِرِ التَّعَالِيقِ، فَلَوْ نَوَيَا صِنْفًا مِنْهَا حُمِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَطْلَقَا، حُمِلَ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقَعُ بِدَفْعِهَا عَدَدًا نَاقِصَةَ الْوَزْنِ كَدَفْعِ نَقْرَةٍ زِنَتُهَا أَلْفٌ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْمَضْرُوبَةُ الْوَازِنَةُ، وَقِيلَ: يَكْفِي عَدَدٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِلَا وَزْنٍ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَتُطَلَّقُ إِذَا أَعْطَتْهُ وَازِنَةً بِإِحْضَارِهِ وَلَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً فِي الْعَدَدِ وَإِذْنُهَا فِي قَبْضِهِ، وَإِنْ دَفَعَتْ إِلَيْهِ مَغْشُوشَةً تَبْلُغُ فِضَّتُهَا أَلْفًا، طُلِّقَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ قَبْضُهُ كَمَا فِي " الْمُنْتَخَبِ " و" الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِمَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ فِي: إِنْ أَقَبَضْتِنِي، فَأَحْضَرَتْهُ وَلَمْ تُقْبِضْهُ، فَلَوْ قَبَضَهُ فَهَلْ يَمْلِكُهُ فَيَقَعُ بَائِنًا أَوْ لَا فَيَقَعُ رَجْعِيًّا؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، ظَاهِرُهُ: أَنَّهَا إِذَا وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ - إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ إِعْطَاءٌ عُرْفًا، بِدَلِيلٍ أَعْطَتْهُ فَلَمْ يَأْخُذْ، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ حَمَلَ الْإِعْطَاءُ عَلَى الْإِقْبَاضِ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تُطَلَّقَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهِ مَعَ التَّمْلِيكِ، فَلَا يَصِحُّ التَّمْلِيكُ بِمُجَرَّدِ

عَلَى أَلْفٍ، أَوْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ، فَفَعَلَ، بَانَتْ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ، وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، اسْتَحَقَّهَا.
وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَيُحْتَمَلْ أَنْ يَسْتَحِقَّ ثُلُثَ الْأَلْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ

[المبدع في شرح المقنع]

فِعْلِهَا، وَالتَّعْلِيقُ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ لُزُومًا لَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِهِ، خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ كَالْكِتَابَةِ عِنْدَهُ، وَوَافَقَ عَلَى شَرْطٍ مَحْضٍ كَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ (وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ) أَوْ طَلِّقْنِي وَلَكَ أَلْفٌ (فَفَعَلَ) عَلَى الْفَوْرِ - وَقِيلَ: أَوِ التَّرَاخِي - جُزِمَ بِهِ فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ: فِي الْمَجْلِسِ (بَانَتْ) ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْمُقَابَلَةِ، وَعَلَى فِي مَعْنَاهَا، وَيَكْفِي قَوْلُهُ: خَلَعْتُكِ أَوْ طَلَّقْتُكِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْأَلْفَ فِي الْأَصَحِّ (وَاسْتَحَقَّ) الْمُجِيبُ (الْأَلْفَ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جُعِلَ الْأَلْفُ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَكَذَا قَوْلُهَا: إِنْ طَلَّقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ، وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَتِ: اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الْخُلْعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَقَعَ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ فَفِي وُقُوعِهِ رَجْعِيًّا احْتِمَالَانِ، وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِهَا، فَقَالَ: خَلَعْتُكِ، فَإِنْ كَانَ طَلَاقًا اسْتَحَقَّهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، وَقِيلَ: خَلَعَ بِلَا عِوَضٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": يَصِحُّ، وَلَهُ الْعِوَضُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَهَا بِالطَّلْقَةِ، وَحَصَلَ بِالْخُلْعِ (وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ) أَوْ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ وَلَكَ أَلْفٌ (فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا) وَفِي " الرَّوْضَةِ " أَوِ اثْنَتَيْنِ (اسْتَحَقَّهَا) ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهَا مَا طَلَبَتْهُ وَزِيَادَةٌ (وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً) وَقَعَتِ الْوَاحِدَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الصَّرِيحِ، و (لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) عَلَى الْمَنْصُوصِ وَالْمَجْزُومِ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا بَذَلَتْهَا فِي مُقَابَلَةِ الثَّلَاثِ، وَلَمْ تَحْصُلْ، وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي عَبْدَيْكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بِعْتُكَ أَحَدُهُمَا بِنِصْفِهَا، وَفَارَقَ مَا إِذَا قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبِيدِي فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّ بَعْضَهُمْ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقِسْطَ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبِيدِ، وَهُنَا غَرَضُهَا يَتَعَلَّقُ بِبَيْنُونَةٍ كُبْرَى، وَلَمْ تَحْصُلْ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ ثُلُثَ الْأَلْفِ) وَهُوَ لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ "، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبِيدِي الثَّلَاثَةَ فَلَهُ أَلْفٌ، فَعَلَى هَذَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ رَجْعِيًّا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا

مِنْ طَلَاقِهَا إِلَّا وَاحِدَةً فَفَعَلَ، بَانَتْ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ إِلَّا ثُلُثَهُ إِذَا لَمْ تَعْلَمْ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ مُكَلَّفَةٌ وَغَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فَقَالَ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إِنْ شِئْتُمَا، فَقَالَتَا: قَدْ شِئْنَا، لَزِمَ الْمُكَلَّفَةَ نِصْفُ الْأَلْفِ، وَطُلِّقَتْ

[المبدع في شرح المقنع]

اسْتَدْعَتْ فُرْقَةً تَحْرُمُ بِهَا قَبْلَ زَوْجٍ آخَرَ، فَلَمْ يُجِبْهَا إِلَيْهِ.
فَرْعٌ: لَوْ وَصَفَ طَلْقَةً بِبَيْنُونَةٍ وَقُلْنَا بِهِ لِعَدَمِ التَّحْرِيمِ التَّامِّ، فَإِنْ لَمْ يَصِفْهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَقِيلَ: بَائِنٌ بِثَلَاثَةٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " التَّبْصِرَةِ ". (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا إِلَّا وَاحِدَةً فَفَعَلَ، بَانَتْ وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ) ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ الَّتِي فَعَلَهَا كَمَّلَتِ الثَّلَاثَ، وَحَصَّلَتْ مَا يَحْصُلُ مِنَ الثَّلَاثِ مِنَ الْبَيْنُونَةِ وَتَحْرِيمِ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ الْعِوَضُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا (عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ تَحْرِيمُهَا قَبْلَ زَوْجٍ آخَرَ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ إِلَّا ثُلُثَهُ إِذَا لَمْ تَعْلَمْ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتِ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الثَّلَاثِ، وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ عَالِمَةً، فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهَا كَمِّلْ لِيَ الثَّلَاثَ وَقَدْ فَعَلَ.
مَسَائِلُ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ - بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَقَعْ مَا بَعْدَهَا فِي الْأَصَحِّ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي جَوَابِ قَوْلِهَا: طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِهِمْ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ، وَطَالِقٌ - بَانَتْ بِالثَّانِيَةِ، وَلَغَتِ الثَّالِثَةَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ، بَانَتْ بِالثَّالِثَةِ، وَمَا قَبْلَهَا رَجْعِيٌّ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا - اسْتَحَقَّهَا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ إِلَى شَهْرٍ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَهُ طُلِّقَتْ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَتْ: مِنَ الْآنَ إِلَى شَهْرٍ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَهُ اسْتَحَقَّهَا؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إِلَى مَا سَأَلَتْ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ التَّسْمِيَةُ، وَلَهُ صَدَاقُهَا؛ لِأَنَّ زَمَنَ الطَّلَاقِ مَجْهُولٌ.
(وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ مُكَلَّفَةٌ) أَيْ: رَشِيدَةٌ (وَغَيْرُ مُكَلَّفَةٍ) أَيْ: مُمَيِّزَةٌ (فَقَالَ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إِنْ شِئْتُمَا، فَقَالَتَا: قَدْ شِئْنَا، لَزِمَ الْمُكَلَّفَةَ نِصْفُ الْأَلْفِ، وَطُلِّقَتْ بَائِنًا، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِالْأُخْرَى رَجْعِيًّا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا) كَذَا ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُكَلَّفَةَ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً، فَمَشِيئَتُهَا صَحِيحَةٌ، وَتَصَرُّفُهَا فِي مَالِهَا صَحِيحٌ، فَيَقَعُ عَلَيْهِمَا

بَائِنًا، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِالْأُخْرَى رَجْعِيًّا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ، طُلِّقَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ أَوْ بِأَلْفٍ، فَكَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تُطَلَّقَ حَتَّى تَخْتَارَ، فَلَزِمَهَا الْأَلْفُ.

[المبدع في شرح المقنع]

الطَّلَاقُ، فَتَبِينُ الْمُكَلَّفَةُ بِنِصْفِ الْأَلْفِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَعِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ: يَسْقُطُ بِقَدْرِ مَهْرَيْهِمَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَتُطَلَّقُ الْأُخْرَى رَجْعِيًّا مَجَّانًا، فَإِنَّ بَذْلَهَا لِلْعِوَضِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَكَذَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لِسَفَهٍ؛ لِأَنَّ لَهَا مَشِيئَةً، وَتَصَرُّفُهَا فِي الْمَالِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَشِيئَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً، لَمْ تَصِحَّ الْمَشِيئَةُ مِنْهَا، وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَعَنْهُ: لَا مَشِيئَةَ لِمُمَيِّزَةٍ كَدُونِهَا، فَلَا طَلَاقَ، فَإِنْ كَانَتَا رَشِيدَتَيْنِ وَقَعَ بِهِمَا الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَإِنْ قَبِلَتْهُ إِحْدَاهُمَا لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَشِيئَتَهُمَا شَرْطًا فِي طَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَحْدَهَا بِقِسْطِهَا، فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: مَا شِئْتُمَا، وَإِنَّمَا قُلْتُمَا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِكُمَا، أَوْ قَالَتَا: مَا شِئْنَا بِقُلُوبِنَا - لَمْ يَقْبَلْ (وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ) ابْتِدَاءً: (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ، طُلِّقَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْأَلْفَ عِوَضًا لِلْمُطَلَّقَةِ، وَلَا شَرْطًا فِيهَا، وَإِنَّمَا عَطَفَهُ عَلَى الطَّلَاقِ الَّذِي أَوْقَعَهُ، فَوَقَعَ مَا يَمْلِكُهُ دُونَ مَا لَا يَمْلِكُهُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ الْحَجُّ، فَإِنْ أَعْطَتْهُ الْمَرْأَةُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ كَانَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً تُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الْهِبَةِ (وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ أَوْ بِأَلْفٍ، فَكَذَلِكَ) أَيْ: يُطَلِّقُ بِغَيْرِ شَيْءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ عِوَضًا لَمْ يَبْذُلْهُ، فَوَقَعَ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ " عَلَى " لَيْسَتْ لِلشَّرْطِ وَلَا لِلْمُعَاوَضَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ: بِعْتُكَ ثَوْبِي عَلَى دِينَارٍ، وَقِيلَ: لَا تُطَلَّقُ كَنَظِيرَتِهِنَّ فِي الْعِتْقِ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ إِلَّا فِي: وَعَلَيْكِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا إِذَا قَبِلَتْهُ فِي الْمَجْلِسِ بَانَتْ وَاسْتَحَقَّهُ، وَإِلَّا وَقَعَ رَجْعِيًّا، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا، وَلَا يَنْقَلِبُ بَائِنًا بِبَذْلِهَا الْعِوَضَ فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ عَدَمِ قَبُولِهَا (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تُطَلَّقَ حَتَّى تَخْتَارَ، فَلَزِمَهَا الْأَلْفُ) هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ وَلِأَنَّ " عَلَى " تُسْتَعْمَلُ

فَصْلٌ وَإِذَا خَالَعَتْهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا، فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ، لَمْ تَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

لِلشَّرْطِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ [القصص: 27] الْآيَةَ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ بِأَلْفٍ فَقَطْ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ بِأَلْفٍ حَتَّى تَخْتَارَ، فَيَلْزَمُهَا الْأَلْفُ؛ لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ حَرْفَ شَرْطٍ فَهِيَ لِلْمُعَاوَضَةِ فِي: بِعْتُكَ بِكَذَا، وَزَوَّجْتُكَ بِكَذَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ وَاحِدَةً بِثُلُثِ الْأَلْفِ - لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ قَالَتْ: قَبِلْتُ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ - وَقَعَ الثُّلُثُ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ، وَإِنْ قَالَتْ: قَبِلْتُ بِأَلْفَيْنِ، وَقَعَ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ فَقَطْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِأَلْفٍ، طَلَّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَوَقَعَتِ الثَّالِثَةُ عَلَى قَبُولِهَا، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ: الْأُولَى بِغَيْرِ شَيْءٍ وَالثَّانِيَةُ بِأَلْفٍ - بَانَتْ بِالثَّلَاثِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.

[الْمُخَالَعَةُ فِي الْمَرَضِ]

فَصْلٌ (وَإِذَا خَالَعَتْهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا) الْمُخَالَعَةُ فِي الْمَرَضِ صَحِيحَةٌ، سَوَاءً كَانَا مَرِيضَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا - بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ كَالْبَيْعِ، ثُمَّ إِذَا خَالَعَتْهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا فَمَا دُونَ - صَحَّ وَلَا رُجُوعَ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ بِزِيَادَةٍ بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ (فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تُهْمَةَ فِيهِ - بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ مِنْهَا - فَإِنَّ الْخُلْعَ إِنْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمِيرَاثِ تَطَرَّقَتْ إِلَيْهِ التُّهْمَةُ مِنْ قَصْدِ إِيصَالِهَا إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَتْ أَوْ أَقَرَّتْ لَهُ، وَإِنْ وَقَّعَ بِأَقَلَّ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَالْبَاقِي هُوَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ، فَلَمْ يَسْتَحِقُّهُ، فَتَعَيَّنَ اسْتِحْقَاقُ الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مِيرَاثُهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَاقِ أَوْ أَقَلَّ، صَحَّ، وَإِنْ كَانَ مَا خَالَعَتْهُ أَكْثَرَ، بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ (وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا، لَمْ تَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا) أَيْ: لِلْوَرَثَةِ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اتُّهِمَ فِي أَنَّهُ قَصَدَ إِيصَالَ ذَلِكَ إِلَيْهَا، كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى لَهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَقَلَّ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ

مِيرَاثِهَا، وَإِنْ خَالَعَهَا فِي مَرَضِهِ وَحَابَاهَا، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَإِذَا وَكَّلَ الزوج فِي خَلْعِ امْرَأَتِهِ مُطْلَقًا، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا، فَمَا زَادَ صَحَّ، وَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْمَهْرِ، رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَيَّرَ بَيْنَ قَبُولِهِ نَاقِصًا، وَبَيْنَ رَدِّهِ، وَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْعِوَضَ، فَنَقُصَ لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَصَحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ خَالَعَهَا فِي مَرَضِهِ وَحَابَاهَا، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) مِثْلَ أَنْ يُخَالِعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى خَلْعِهَا بِشَيْءٍ فَخَالَعَهَا بِدُونِهِ - لَمْ يُحْسَبْ مَا حَابَاهَا مِنَ الثُّلُثِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَصَحَّ، فَلَأَنْ يَصِحَّ بِعِوَضٍ أَوْلَى، فَلَوْ خَالَعَهَا فِي مَرَضِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِهَا فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ لَا يُعْطُوهُ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
(وَإِذَا وُكِّلَ الزوج فِي خَلْعِ امْرَأَتِهِ مُطْلَقًا، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا، فَمَا زَادَ صَحَّ) وَلَزِمَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ التَّوْكِيلِ فِي الْخُلْعِ لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي الْخُلْعِ لِنَفْسِهِ، كَالْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى، وَالْكَافِرِ، وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ عِوَضٍ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَالْمُسْتَحَبُّ التَّقْدِيرُ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنَ الْغَرَرِ، وَأَسْهَلُ عَلَى التَّوْكِيلِ.
(وَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْمَهْرِ، رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَيَّرَ بَيْنَ قَبُولِهِ نَاقِصًا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَإِذَا رَضِيَ بِدُونِهِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ (وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ، وَالْعِوَضَ مَرْدُودٌ (وَإِنْ عُيِّنَ لَهُ الْعِوَضُ، فَنَقَصَ لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ) وَهُوَ أَوْلَى وَأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي خُلْعِ امْرَأَةٍ فَخَالَعَ غَيْرَهَا (وَصَحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَعَةَ فِي قَدْرِ الْعِوَضِ، وَهُوَ لَا يُبْطِلُهُ كَحَالَةِ الْإِطْلَاقِ (وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعَ بَيْنَ تَصْحِيحِ التَّصَرُّفِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، فَوَجَبَ كَمَا لَوْ لَمْ يُخَالِفْ وَصَحَّحَ ابْنُ الْمُنَجَّا هَذَا الْقَوْلَ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ بَيْنَ الْمُخَالَفَةِ وَبَيْنَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ الْمُخَالَفَةِ فِي تَعْيِينِ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي عَبْدِهِ مِنْ زَيْدٍ، فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ - لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا - أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ النَّقْصَ.
فَرْعٌ: إِذَا خَالَفَ بِالْجِنْسِ أَوْ أَمَرَهُ بِالْخُلْعِ حَالًا، فَخَالَعَ عَنْ عِوَضِ نَسِيئَةٍ، فَالْقِيَاسُ

وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ.
وَإِنْ وُكِّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا دُونَ، أَوْ بِمَا عَيَّنَتْهُ فَمَا دُونَ، صَحَّ، وَإِنْ زَادَ لَمْ يَصِحَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَتَبْطُلُ الزِّيَادَةُ، وَإِذَا تَخَالَعَا، تَرَاجَعَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ.

فَصْلٌ وَإِذَا قَالَ: خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ، فَأَنْكَرَتْهُ، أَوْ قَالَتْ: إِنَّمَا خَالَعْتَ غَيْرِي - بَانَتْ،

[المبدع في شرح المقنع]

أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ الْقَدْرُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ، وَيَكُونُ لَهُ مَا خَالَعَ بِهِ كَالْمُخَالَفَةِ فِي الْقَدْرِ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ، وَفَارَقَ الْمُخَالَفَةَ فِي الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَبْرُهُ بِالرُّجُوعِ بِالنَّقْصِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ خَالَعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ خَالَعَ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ فَلَغْوٌ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ صَحَّ بِلَا عِوَضٍ وَإِلَّا رَجْعِيًّا.
(وَإِنْ وُكِّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا دُونَ، أَوْ بِمَا عَيَّنَتْهُ فَمَا دُونَ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ وَزَادَ خَيْرًا (وَإِنْ زَادَ لَمْ يَصِحَّ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهَا فِي تَعْيِينِهَا أَوْ فِيمَا اقْتَضَاهُ الْإِطْلَاقُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ وَكَّلَتْهُ فِي الْخُلْعِ بِدَرَاهِمَ، فَخَالَعَ بِعُرُوضٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْقَدْرِ لَا تُوجِبُ الضَّمَانَ (وَتُبْطِلُ الزِّيَادَةَ) ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَةَ مَا الْتَزَمَتْهَا، وَلَا أَذِنَتْ فِيهَا، وَقَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهُ لِلزَّوْجِ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَالْمُضَارِبِ إِذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتِقُ رَبَّ الْمَالِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ ": عَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَى وَكِيلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ (وَإِذَا تَخَالَعَا) بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ (تَرَاجَعَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ) أَيْ: حُقُوقِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْخُلْعِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ شَيْءٌ كَالطَّلَاقِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ) بِالسُّكُوتِ عَنْهَا إِلَّا نَفَقَةُ عِدَّةِ الْحَامِلِ وَمَا خُولِعَ بِبَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَقْتَضِي انْخِلَاعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَوْ بَقِيَتِ الْحُقُوقُ كَمَا كَانَتْ لَبَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَقَةٌ، وَذَلِكَ يُنَافِي الِانْخِلَاعَ، فَعَلَيْهِ إِنْ كَانَ خَلَعُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ تَكُنْ قَبَضَتْ مِنْهُ شَيْئًا - لَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْضَتْهُ لَمْ يَرْجِعْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الدُّيُونُ فَلَا تُعَلَّقُ لِلْخُلْعِ بِهَا.

[إِذَا قَالَ خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ فَأَنْكَرَتْهُ]

فَصْلٌ (وَإِذَا قَالَ: خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ، فَأَنْكَرَتْهُ، أَوْ قَالَتْ: إِنَّمَا خَالَعْتَ غَيْرِي - بَانَتْ) بِإِقْرَارِهِ

وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا فِي الْعِوَضِ، وَإِنْ قَالَتْ: نَعَمْ، لَكِنْ ضَمِّنْهُ غَيْرِي، لَزِمَهَا الْأَلْفُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدَرِ الْعِوَضِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ تَأْجِيلِهِ، أَوْ صِفَتِهِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَحَالَفَا، وَيَرْجِعَا إِلَى الْمُسَمَّى أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا فِي الْعِوَضِ) ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ لِبَذْلِهِ (وَإِنْ قَالَتْ: نَعَمْ لَكِنْ ضَمِنَهُ غَيْرِي، لَزِمَهَا الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِهَا، وَلَا يُلْزِمُ الْغَيْرَ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ، فَإِنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ - قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِيهِ، وَإِنْ قَالَتْ: سَأَلْتُكَ طَلَاقًا ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَأَجَبْتَ، فَقَالَ: بَلْ طَلْقَةٌ، فَأَجَبْتُ - قُبِلَ قَوْلُهُ، وَبَانَتْ بِأَلْفٍ، وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ وَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعِوَضِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ تَأْجِيلِهِ، أَوْ صِفَتِهِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي أَجَلِهِ، فَكَذَا فِي قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَلَا يُنْكِرُ الزَّائِدَ وَالْحُلُولَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ (وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ) هَذَا رِوَايَةٌ حَكَاهَا الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي عِوَضِهِ، كَالسَّيِّدِ مَعَ مُكَاتَبِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَحَالَفَا) إِنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِ طَلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي عِوَضِ الْعَقْدِ، فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ كَالْمُتَبَايِعَيْنِ (وَيَرْجِعَا إِلَى الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى) ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ تُلِفَ بِالْخُلْعِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبَدَلِ، كَمَا لَوْ تُلِفَ الْمَبِيعُ وَوَقَعَ التَّحَالُفُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بَدَلُهُ، وَهُوَ الْمِثْلُ أَوِ الْقِيمَةُ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، وَالْخُلْعُ فِي نَفْسِهِ فَسْخٌ، فَلَا يُفْسَخُ، وَقِيلَ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدَرِ الْعِوَضِ فَلَا يَمِينَ، وَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ (وَإِنْ عُلِّقَ طَلَاقُهَا عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ خَالَعَهَا، فَوَجَدَتِ الصِّفَةَ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، فَوَجَدَتِ الصِّفَةَ - طُلِّقَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الصِّفَةِ وَوُقُوعِهَا وُجِدَا فِي النِّكَاحِ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ بَيْنُونَةٌ، لَا يُقَالُ: الصِّفَةُ انْحَلَّتْ بِفِعْلِهَا حَالَ الْبَيْنُونَةِ ضَرُورَةُ أَلَّا تَقْتَضِيَ التَّكْرَارَ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَنْحَلُّ عَلَى وَجْهٍ تَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَلٌّ وَعَقْدٌ، وَالْعَقْدُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْمِلْكِ، فَكَذَا الْحَلُّ، وَالْحِنْثُ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الصِّفَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ، وَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ (وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا تُطَلَّقَ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْعِتْقِ) وَهُوَ أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَنْحَلُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّانِيَ لَا يَنْبَنِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ (وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ) وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَشَوَّفُ الشَّارِعُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، قَالَ صَاحِبُ

مَهْرِ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى.
وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ خَالَعَهَا، فَوَجَدَتِ الصِّفَةَ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، فَوَجَدَتِ الصِّفَةَ - طُلِّقَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا تُطَلَّقَ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْعِتْقِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ، عَادَتْ رِوَايَةً وَاحِدَةً.

[المبدع في شرح المقنع]

" النِّهَايَةِ " وَغَيْرُهُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ الْحُرْمَةُ، وَفِي الْأَمْوَالِ الْعِصْمَةُ، فَإِذَا تَعَارَضَ دَلِيلُ الطَّلَاقِ وَجَبَ وُقُوعُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حُرْمَةُ الْوَطْءِ، وَإِذَا تَعَارَضَ دَلِيلُ الْعِتْقِ، وَجَبَ عَدَمُ وُقُوعِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِصْمَةُ الْمِلْكِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ طَلَّقْتَ بِذَلِكَ لَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِشَرْطٍ سَابِقٍ عَلَى النِّكَاحِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ فِي عَدَدِ الطَّلَقَاتِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ، وَبِهَذَا فَرَّقَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " فِيهِ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْمِلْكِ (وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ، عَادَتْ رِوَايَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْحَلَّ؛ لِكَوْنِ الصِّفَةِ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ لَمْ تُوجَدْ، فَإِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ بَعْدَ التَّزْوِيجِ وَجَبَ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنُونَةً، فَإِنْ كَانَتِ الصِّفَةُ لَا تُوجَدُ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي كَقَوْلِهِ: إِنْ أَكَلْتِ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَبَانَهَا فَأَكَلَتْهُ - لَمْ يَحْنَثْ.
أَصْلٌ: يَحْرُمُ الْخُلْعُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ يَمِينِ الطَّلَاقِ، وَلَا يَقَعُ فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ، وَاحْتَجَّ الْقَاضِي بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَفِي " الْمُغْنِي " هَذَا يُفْعَلُ حِيلَةً عَلَى إِبْطَالِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ، وَالْحِيَلُ خِدَاعٌ لَا تُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَلَوِ اعْتَقَدَ الْبَيْنُونَةَ فَفَعَلَ مَا حَلَفَ - فَكَمُطَلِّقٍ مُعْتَقِدٍ أَجْنَبِيَّةً فَتَبِيَّنَ امْرَأَتُهُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يَقَعُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَعَمَلُ غَالِبِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: يُسْتَحَبُّ إِعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلرُّخْصَةِ كَطَالِبِ التَّخَلُّصِ مِنَ الرِّبَا، فَيَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَرَى التَّحَيُّلَ لِلْخَلَاصِ مِنْهُ، وَالْخُلْعَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الطَّلَاقِ وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ، وَيُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَعَنْهُ:

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الطَّلَاقِ]

[حُكْمُ الطلاق]

وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعُمَرَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ تَطْلِيقِ ابْنِهِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلِّقَ لَهَا النِّسَاءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ رُبَّمَا فَسَدَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ، فَبَقَاؤُهُ إِذًا مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ بِلُزُومِ الزَّوْجِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَحَبْسِ الْمَرْأَةِ مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ، وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَشَرَعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ (وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ) أَوْ بَعْضِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَاهُ لُغَةً؛ لِأَنَّ مَنْ حُلَّ قَيْدُ نِكَاحِهَا فَقَدْ خُلِّيَتْ، إِذْ أَصْلُ الطَّلَاقِ التَّخْلِيَةُ، يُقَالُ: طُلِقَتِ النَّاقَةُ: إِذَا سَرَحَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، وَحُبِسَ فُلَانٌ فِي السِّجْنِ طَلْقًا: بِغَيْرِ قَيْدٍ، وَهُوَ مَصْدَرُ طَلَقَتِ الْمَرْأَةُ، أَيْ: بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا - بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا - تَطْلُقُ، بِضَمِّ اللَّامِ فِيهِمَا طَلَاقًا وَطَلْقَةً، وَجَمْعُهَا طَلَاقٌ - بِفَتْحِ اللَّامِ - فَهِيَ طَالِقٌ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَهِيَ مُطَلَّقَةٌ (وَيُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ) ؛ لِضَرَرِهِ بِالْمَقَامِ عَلَى النِّكَاحِ، فَيُبَاحُ لَهُ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ (وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةِ) وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ،

أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا.

وَيَصِحُّ مِنَ الزَّوْجِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ، وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ

[المبدع في شرح المقنع]

لِمَا رَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَرُوِيَ مُرْسَلًا، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ، صَحَّحَهُ الْحُلْوَانِيُّ لِمَا سَبَقَ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» ؛ وَلِأَنَّهُ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ (وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا) أَيْ: يُنْدَبُ عِنْدَ تَضَرُّرِ الْمَرْأَةِ بِالنِّكَاحِ، إِمَّا لِبُغْضِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَيُسْتَحَبُّ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَلِتَرْكِهَا صَلَاةً، وَعِفَّةً، وَنَحْوَهُمَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ لِعِفَّةٍ، وَعَنْهُ: وَغَيْرِهَا، فَإِنْ تَرَكَ حَقًّا لِلَّهِ فَهِيَ كَهُوَ فَتَخْتَلِعُ، وَالزِّنَا لَا يَفْسَخُ نِكَاحًا، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ يُسْكِرُ زَوْجَ أُخْتِهِ يُحَوِّلُهَا إِلَيْهِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَبَقِيَ هُنَا قِسْمَانِ آخَرَانِ: وَاجِبٌ هُوَ طَلَاقُ الْمُؤْلِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ، وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ إِذَا رَأَيَاهُ، وَعَنْهُ: وَلِأَمْرِ أَبِيهِ، وَعَنْهُ: الْعَدْلُ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ أَمَرَتْهُ أُمُّهُ، فَنَصُّهُ: لَا يُعْجِبُنِي طَلَاقُهُ، وَمَنَعَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْهُ، وَنُصَّ فِي بَيْعِ السِّرِّيَّةِ إِنْ خِفْتِ عَلَى نَفْسِكِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَمَحْظُورٌ: وَهُوَ طَلَاقُ مَنْ دَخَلَ بِهَا فِي حَيْضِهَا، أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، وَيُسَمَّى طَلَاقُ بِدَعَةٍ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْعَ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْحَائِضِ يَضُرُّ بِهَا؛ لِتَطْوِيلِ عِدَّتِهَا، وَالْمُصَابَةُ تَرْتَابُ، فَلَا تَدْرِي أَذَاتُ حَمْلٍ هِيَ - فَتَعْتَدُّ بِوَضْعِهِ - أَمْ حَائِلٌ فَتَعْتَدُّ بِالْقُرُوءِ، وَحَيْثُ كَانَتْ حَامِلًا فَيَنْدَمُ عَلَى فِرَاقِهَا مَعَ وَلَدِهَا، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا يَحْرُمُ؛ لِعَدَمِ الْعِدَّةِ، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ، وَالْآيِسَةُ، وَالْحَامِلُ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، فَلَا.

[مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَاقُ]

(وَيَصِحُّ مِنَ الزَّوْجِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مَوْجُودٌ - وَهُوَ التَّكْلِيفُ، فَظَاهِرُهُ: يَقَعُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَسَفِيهٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ) أَيْ: إِذَا عَقَلَ الطَّلَاقَ - فِي الِاخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَقَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ.
ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ

فِيهِ كَالْمَجْنُونِ، وَالنَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ - لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
وَإِنْ زَالَ بِسَبَبٍ لَا

[المبدع في شرح المقنع]

مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهَا الْآدَمِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَعَنْهُ: لَا يَقَعُ لِدُونِ عَشْرٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْهُ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ، وَعَنْهُ: لِأَب صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ فَقَطِ الطَّلَاقُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَمَنْ أَجَازَ طَلَاقُهُ اقْتَضَى مَذْهَبَهُ أَنْ يَجُوزَ تَوْكِيلُهُ فِيهِ وَتَوَكُّلُهُ لِغَيْرِهِ - أَوْمَأَ إِلَيْهِ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " - كَالْبَالِغِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يُوكِلَ حَتَّى يَبْلُغَ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا تُجِيزُ طَلَاقَهُ.
فَرْعٌ: تُعْتَبَرُ إِرَادَةُ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ، فَلَا طَلَاقَ لِفَقِيهٍ يُكَرِّرُهُ، وَحَاكٍ عَنْ نَفْسِهِ، حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ.
(وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ كَالْمَجْنُونِ، وَالنَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ - لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» رَوَاهُ النِّجَادُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانِ، وَهُوَ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ كَالْبَيْعِ، وَسَوَاءٌ زَالَ بِجُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ شُرْبِ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُزِيلُ الْعَقْلِ، لَكِنْ لَوْ ذَكَرَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَوِ الْمَجْنُونُ لَمَّا أَفَاقَ أَنَّهُ طَلَّقَ - وَقَعَ - نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ:

يُعْذَرُ فِيهِ، كَالسَّكْرَانِ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

هَذَا فِيمَنْ جُنُونُهُ بِذَهَابِ مَعْرِفَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَأَمَّا الْمُبَرْسَمُ وَمَنْ بِهِ نِشَافٌ، فَلَا يَقَعُ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": أَنَّ الْمُبَرْسَمَ وَالْمُوَسْوَسَ إِنْ عَقَلَ الطَّلَاقَ لَزِمَهُ، وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِمْ: مَنْ غَضِبَ حَتَّى أُغْمِيَ أَوْ غُشِّيَ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: بِلَا رَيْبٍ، وَيَقَعُ مِنْ غَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ «أَبَا مُوسَى أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحْمِلُهُ، فَوَجَدَهُ غَضْبَانَ، وَحَلَفَ: لَا يَحْمِلُهُمْ، وَكَفَّرَ.
. .» الْحَدِيثَ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ بَاطِنٍ كَالْمُحِبَّةِ الْحَامِلَةِ عَلَى الزِّنَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ غَيَّرَهُ وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ وَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، فَأَوْقَعَهُ - وَهُوَ يَكْرَهُهُ - لِيَسْتَرِيحَ مِنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ؛ وَلِهَذَا لَا يُجَابُ دُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَذْرُ الطَّاعَةِ فِيهِ، وَفِي صِحَّةِ حُكْمِهِ الْخِلَافُ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهَا يَزُولُ بِالْكَفَّارَةِ، وَهَذَا إِتْلَافٌ.
فَرْعٌ: لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ طَلَّقَ وَهُوَ زَائِلُ الْعَقْلِ، يَنْبَنِي عَلَى مَا إِذَا أَقَرَّ وَهُوَ مَجْنُونٌ، هَلْ يَقْبَلُ؛ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، ثَالِثُهَا: يَقْبَلُ إِنْ كَانَ مِمَّنْ غَلَبَ وُجُودُهُ مِنْهُ.
(وَإِنْ زَالَ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ، كَالسَّكْرَانِ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: يَقَعُ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ أَظْهَرُهُمَا، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كُلُّ أَحَدٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَجْنُونِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ، وَقَالَ عَلِيٌّ بِمَحْضَرٍ مِنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: نَرَاهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ.
رَوَاهُ مَالِكٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ؛ وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ كَالصَّاحِي، بِدَلِيلِ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَقَعُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤَلِّفُ، وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ

رِوَايَتَانِ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي قَتْلِهِ، وَقَذْفِهِ، وَسَرِقَتِهِ، وَزِنَاهُ، وَظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ.

وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
وَإِنْ هَدَّدَهُ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ، وَأَخَذَ الْمَالَ قَادِرٌ،

[المبدع في شرح المقنع]

الدِّينِ، وَقَالَ: الْمُكْرَهُ لَمْ يَأْثَمْ فِي الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: كُنْتُ أَقُولُ: يَقَعُ حَتَّى تَبَيَّنْتُهُ، فَغَلَبَ عَلَيَّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: الَّذِي لَا يَأْمُرُ بِالطَّلَاقِ أَتَى خَصْلَةً، وَالَّذِي يَأْمُرُ بِهِ أَتَى خَصْلَتَيْنِ، حَرَّمَهَا عَلَيْهِ، وَأَحَلَّهَا لِغَيْرِهِ.
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمْعٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ خَالَفَ عُثْمَانَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ عُثْمَانَ أَرْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ وَكَالْمَجْنُونِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْجَوَابِ، وَيُقَالُ: اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ يَفْهَمُ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ، قَالَ: وَزَعَمَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّشْوَانِ الَّذِي يَفْهَمُ وَيَغْلَطُ، فَأَمَّا الَّذِي تَمَّ سُكْرُهُ بِحَيْثُ لَا يَفْهَمُ مَا يَقُولُ فَلَا يَقَعُ مِنْهُ - قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ جَعَلُوا النِّزَاعَ فِي الْكُلِّ، وَهُوَ مَنْ يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ ثَوْبَهُ أَوْ هَذَى، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَعْرِفَ السَّمَاءَ مِنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى الْمَجْنُونِ (وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ فِي قَتْلِهِ، وَقَذْفِهِ، وَسَرِقَتِهِ، وَزِنَاهُ، وَظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ) وَإِقْرَارِهِ، وَإِسْلَامِهِ، وَكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُعْتَبَرُ لَهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: كَالْمَجْنُونِ فِي أَقْوَالِهِ، وَكَالصَّاحِي فِي أَفْعَالِهِ، وَعَنْهُ: فِي الْحَدِّ كَالصَّاحِي، وَفِي غَيْرِهِ كَالْمَجْنُونِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فِيمَا يَسْتَقِلُّ بِهِ كَعِتْقِهِ وَقَتْلِهِ بِالصَّاحِي، وَفِيمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ كَبَيْعِهِ وَنِكَاحِهِ كَالْمَجْنُونِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: ولا تُقْبَلُ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يَتُوبَ؛ لِلْخَبَرِ.
فَرْعٌ: الْبَنْجُ وَنَحْوِهُ كَجُنُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَا لَذَّةَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يَقَعُ لِتَحْرِيمِهِ؛ وَلِهَذَا يُعَزَّرُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَصْدُ إِزَالَةِ الْعَقْلِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ مُحَرَّمٌ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": إِنْ تَدَاوَى بِبَنْجٍ فَسَكِرَ لَمْ يَقَعْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ.

[طَلَاقُ الْمُكْرَهِ]

(وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ) رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ.
ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ،

يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ - فَهُوَ إِكْرَاهٌ.
وَعَنْهُ: لَا يَكُونُ مُكْرَهًا حَتَّى يَنَالَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي غِلَاقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُمَا فِي إِغْلَاقٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ الْمَحْفُوظُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْقُتَيْبِيُّ مَعْنَاهُ: فِي إِكْرَاهٍ، لَكِنْ فَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ بِالْغَضَبِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي "؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَشْبَهَ الْإِكْرَاهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَعَنْهُ: لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ سُلْطَانٍ، ذَكَرَهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالْحُلْوَانِيُّ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ - فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ نَظَرًا إِلَى أَنَّ اللَّفْظَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ بِالْإِكْرَاهِ، فَيَبْقَى بِنِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَةِ، إِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ، وَإِلَّا فَلَا، حَكَاهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَحَكَى شَيْخُهُ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ، وَجَعَلَ الْأَشْبَهَ الْوُقُوعَ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّفُ مَذْهَبًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا، وَلَمْ يَتَأَوَّلْ بِلَا عُذْرٍ - أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
قَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ يَحْتَرِزُ بِذَلِكَ عَنِ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ كَإِكْرَاهِ الْحَاكِمِ الْمُؤْلِي عَلَى الطَّلَاقِ بِغَيْرِ التَّرَبُّصِ إِذَا لَمْ يَفِ، وَإِكْرَاهِ مَنْ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، فَصَحَّ كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ.
(وَإِنْ هَدَّدَهُ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ، وَأَخَذَ الْمَالَ قَادِرٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ - فَهُوَ إِكْرَاهٌ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِ عُمَرَ فِي الَّذي قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا وَإِلَّا قَطَعْتُهُ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَرَدَّهُ إِلَيْهَا، رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَهَذَا كَانَ وَعِيدًا، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْوَعِيدِ، فَإِنَّ الْمَاضِيَ لَا يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْفِعْلُ الْمُكْرَهُ دَفْعًا لِمَا يَتَوَعَّدُ بِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِيمَا بَعْدُ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ لَهُ أُمُورٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا هَدَّدَهُ فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ كَالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، فَأَمَّا السَّبُّ وَالشَّتْمُ فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ - رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا أَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ، وَالضَّرْبُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُبَالَى بِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّهْدِيدُ مِنْ قَادِرٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَخَفْ وُقُوعَ الْمَحْذُورِ بِهِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ.

شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ، كَالضَّرْبِ، وَالْخَنْقِ، وَعَصْرِ السَّاقِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ.

وَيَقَعُ الطَّلَاقُ

[المبدع في شرح المقنع]

الثَّالِثُ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ.
فَرْعٌ: ضَرْبُ وَلَدِهِ وَحَبْسِهِ وَنَحْوِهِمَا إِكْرَاهٌ لِوَالِدِهِ، وَإِكْرَاهٌ عَلَى عِتْقٍ وَيَمِينٍ وَنَحْوِهِمَا كَطَلَاقٍ.
(وَعَنْهُ: لَا يَكُونُ مُكْرَهًا حَتَّى يَنَالَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ، كَالضَّرْبِ، وَالْخَنْقِ، وَعَصْرِ السَّاقِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ) ، وَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ: كَمَا فُعِلَ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قِصَّةِ عَمَّارٍ حِينَ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَرَادُوهُ عَلَى الشِّرْكِ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: «أَخَذَكَ الْمُشْرِكُونَ، فَغَطُّوكَ فِي الْمَاءِ، وَأَمَرُوكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، فَفَعَلْتَ، فَإِنْ أَمَرُوكَ مَرَّةً أُخْرَى فَافْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِي الضَّرْبِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدًا أَوْ يَسِيرًا فِي حَقِّ ذِي مُرُوءَةٍ، وَمِمَّا يُشْبِهُ الضَّرْبَ وَعَصْرَ السَّاقِ - الْقَيْدُ وَالْحَبْسُ الطَّوِيلَانِ، وَأَخْذُ الْمَالِ الْكَثِيرِ، زَادَ فِي " الْكَافِي ": وَالْإِخْرَاجُ مِنَ الدِّيَارِ، لَا السَّبُّ وَنَحْوُهُ - رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، وَعَنْهُ: إِنْ هَدَّدَ بِقَتْلٍ، وَعَنْهُ: أَوْ قَطْعِ طَرْفٍ، وَقِيلَ: أَوْ إِحْرَاقِ مَنْ يُؤْلِمُهُ - فَإِكْرَاهٌ.
قَالَ الْقَاضِي: الْإِكْرَاهُ يَخْتَلِفُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، وَإِنْ سَحَرَهُ لِيُطَلِّقَ، فَإِكْرَاهٌ - قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ فَطَلَّقَ غَيْرَهَا، أَوْ عَلَى طَلْقَةٍ فَطَلَّقَ ثَلَاثًا، أَوْ عَلَى لَفْظٍ صَرِيحٍ فَأَتَى بِكِنَايَةٍ، أَوْ عَلَى تَعْلِيقِهِ فَنَجَزَهُ - وَقَعْنَ وَإِنْ تَرَكَ التَّأْوِيلَ بِلَا عُذْرٍ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى مُبْهَمَةٍ، فَطَلَّقَ مُعَيَّنَةً - فَوَجْهَانِ، لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الْوَعِيدُ إِكْرَاهًا لَكُنَّا مُكْرَهِينَ عَلَى الْعِبَادَاتِ، فَلَا ثَوَابَ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّنَا مُكْرَهُونَ عَلَيْهَا، وَالثَّوَابُ بِفَضْلِهِ لَا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ عِنْدَنَا، ثُمَّ الْعِبَادَاتُ تُفْعَلُ لِلرَّغْبَةِ - ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".

فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ حَتَّى يَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ،

وَإِذَا وَكَّلَ فِي الطَّلَاقِ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، صَحَّ طَلَاقُهُ، وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ، إِلَّا أَنْ يَحِدَّ لَهُ حَدًّا، وَلَا يُطَلِّقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

[الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ]

(وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُسْقِطُ الْحَدَّ، وَيُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْعِدَّةَ وَالْمَهْرَ، أَشْبَهَ الصَّحِيحَ، أَوْ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ فَكَانَ كَالْعِتْقِ، يَنْفُذُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْأَدَاءِ كَالصَّحِيحَةِ، وَيَقَعُ بَائِنًا - نَصَّ عَلَيْهِ - كَحُكْمٍ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكْشِفُ خَافِيًا، أَوْ يُنْفِذُ وَاقِعًا، وَيَجُوزُ فِي حَيْضٍ، وَلَا يَكُونُ بِدْعَةً (وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ حَتَّى يَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا أَيْضًا فِي " الْمُذْهَبِ " و" التَّلْخِيصِ "؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُفِيدُ تَحْرِيمَ الْحَلِّ، أَوْ حَلِّ الْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَاسِدِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ، فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ، كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": مَنْ طَلَّقَ فِي نِكَاحٍ مُتَّفَقٍ عَلَى بُطْلَانِهِ، كَمَنْ نَكَحَهَا وَهِيَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ - أَوْ نكحها وأختها لَمْ يَصِحَّ طَلَاقُهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: أَحْتَاطُ، وَأُجِيزُ طَلَاقَهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْأَوَّلُ عَنْهُ أَظْهَرُ، وَلَا يَقَعُ فِي نِكَاحٍ فُضُولِيٍّ قَبْلَ إِجَازَتِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ حَنْبَلُ: إِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِلَا إِذْنٍ، فَطَلَّقَ سَيِّدٌ، جَازَ طَلَاقُهُ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا.

[التَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ]

(وَإِذَا وَكَّلَ فِي الطَّلَاقِ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، صَحَّ طَلَاقُهُ) ؛ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ، فَصَحَّ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْعِتْقِ، وَقَوْلُهُ: مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ، فَلَوْ وَكَّلَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا، صَحَّ، وَإِنْ جَعَلَ أَمْرَ الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ فِي يَدِهَا، لَمْ تَمْلِكْهُ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهَا إِذَا عَقَلَتِ الطَّلَاقَ وَقَعَ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ كَالصَّبِيِّ (وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ) ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّوْكِيلِ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ تَوْكِيلًا مُطْلَقًا، أَشْبَهَ التَّوْكِيلَ فِي الْبَيْعِ إِلَّا وَقْتَ بِدْعَةٍ، وَلَا يَمْلِكُ بِالْإِطْلَاقِ تَعْلِيقًا (إِلَّا أَنْ يَحِدَّ لَهُ حَدًّا) ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا أُذِنَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إِلَى الْمُوَكَّلِ فِي ذَلِكَ (وَلَا يُطَلِّقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ) أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، وَيَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَوْ يَفْسَخُ أَوْ يَطَأُ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ فَوْقَ طَلْقَةٍ بِلَا إِذْنٍ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِالْوَطْءِ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا أَوْقَعَهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ إِيقَاعِ الْوَكِيلِ - قُبِلَ قَوْلُهُ،

وَإِنْ وَكَلَّ اثْنَيْنِ فِيهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِهِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنْ وَكَّلَهُمَا فِي ثَلَاثٍ، فَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ - وَقَعَ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَلَهَا ذَلِكَ، كَالْوَكِيلِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَطْلُقَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا (وَإِنْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِيهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِمَا جَمِيعًا (إِلَّا بِإِذْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ رَاضٍ بِتَصَرُّفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَمَلَكَ الِانْفِرَادَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ وَحْدَهُ (وَإِنْ وَكَّلَهُمَا فِي ثَلَاثٍ، فَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ - وَقَعَ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَلَوْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً وَالْآخَرُ ثَلَاثًا - وَقَعَ وَاحِدَةٌ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ثِنْتَيْنِ، وَالْآخَرُ ثَلَاثًا، فَيَقَعُ ثِنْتَانِ (وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَلَهَا ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا، فَكَذَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا (كَالْوَكِيلِ) ؛ لِأَنَّهَا مُتَصَرِّفَةٌ بِالْإِذْنِ، فَتَمْلِكُ مَا مَلَكَهُ الْوَكِيلُ، فَعَلَيْهِ لَهَا أَنْ تَطْلُقَ مَتَى شَاءَتْ، إِلَّا أَنْ يَحِدَّ لَهَا حَدًّا، وَلَا تَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا نَوَى ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا - فَهِيَ ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، فَوَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً، فَأَيُّهُمَا نَوَاهُ صَحَّ، وَلَوْ وَكَّلَ مَعَهَا غَيْرَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا الِانْفِرَادُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهَا، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ وَقَعَ ما اتفقا عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا أَوْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ - وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، وَقَالَ الْقَاضِي - وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ": يَتَقَيَّدُ لَهَا بِالْمَجْلِسِ، كَاخْتَارِي، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً - وَقَعَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ إِيقَاعَ ثَلَاثٍ، فَتَمْلِكُ إِيقَاعَ وَاحِدَةٍ كَالْوَكِيلِ، وَلَا تَمْلِكُ تَعْلِيقًا، فَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ - لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ إِذْنَهُ انْصَرَفَ إِلَى الْمُنْجَزِ، فَلَمْ تَتَنَاوَلِ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ طَلَاقَ السُّنَّةِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا - فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا (وَإِنْ قَالَ: اخْتَارِي مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَطْلُقَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّهَا كُلُّ الطَّلَاقِ.
1 - فَرْعٌ: يَحْرُمُ تَطْلِيقُ وَكِيلِ مُطَلِّقٍ وَقْتَ بِدْعَةٍ، وَفِي وُقُوعِهِ وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي ":

بَابُ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ السُّنَّةُ فِي الطَّلَاقِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا فِي حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ - فَهُوَ طَلَاقُ بِدَعَةٍ مُحَرَّمٌ،

[المبدع في شرح المقنع]

الزَّوْجُ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِ مَحَلِّهِ، وَلَمْ يُعَلِّلِ الْأَزَجَيُّ عَدَمَ الْوُقُوعِ إِلَّا لِمُخَالَفَةِ أَمْرِ الشَّارِعِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ ثَلَاثًا، فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، أَوْ طَلَاقُكِ بِيَدِكَ، أَوْ وَكَّلْتُكِ فِي الطَّلَاقِ - فَهَلْ تَمْلِكُ بِهِ الثَّلَاثَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": لَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَكِ بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ فِي الْحَالِ: طَلَّقْتُكَ، وَقَعَ بَائِنًا بِالْأَلْفِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ أَنْ تُطَلِّقَهُ، وَهُوَ بِعِيدٌ.

[بَابُ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ]

[السُّنَّةُ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ]

بَابُ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ طَلَاقُ السُّنَّةِ: مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَالْبِدْعَةِ: مَا نَهَى عَنْهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ عَلَى الصِّفَةِ الْأُولَى مُطْلَقٌ لِلسُّنَّةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَحَدِيثُ «ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ تَمَسَّ» وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". (السُّنَّةُ فِي الطَّلَاقِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً) ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، «فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ» ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ، إِلَّا فِي طُهْرٍ مُتَعَقِّبٍ لِرَجْعَةٍ مِنْ طَلَاقٍ فِي حَيْضٍ - فَبِدْعَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ (ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) أَيْ: لَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا آخَرَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ - رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، (وَإِنْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا فِي حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ - فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرَّمٌ، وَيَقَعُ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ

وَيَقَعُ، وَيُسْتَحَبُّ رَجَعَتُهَا، وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.

وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ - أَمَرَ ابْنَ عُمَرَ بِالْمُرَاجَعَةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَفِي لَفْظٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا؛ قَالَ: كَانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وَتَكُونُ مَعْصِيَةً» وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ غَيْرِهِ، وَقَالَ: كُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ؛ وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي مَحَلِّهِ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْحَامِلِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِرْبَةٍ، فَيُعْتَبَرُ؛ لِوُقُوعِهِ مُوَافَقَةَ السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ إِزَالَةُ عِصْمَةٍ وَقَطْعُ مِلْكٍ، فَإِيقَاعُهُ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ أَوْلَى تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَعُقُوبَةً لَهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ طُهْرِكِ، وَلَمْ يَطَأْ فِيهِ، وَكَلَامُ الْأَكْثَرِ: أَنَّهُ مُبَاحٌ، إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ " الْقُرُوءِ ": الْأَطْهَارِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": تَحَمُّلُهَا مَاءَهُ فِي مَعْنَى وَطْء، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، وَالسَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ قَبْلَ الْعِدَّةِ، فَإِذَا طَلَّقَ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَقَعْ، كَالْوَكِيلِ إِذَا أَوْقَعَهُ فِي زَمَنٍ، أَمَرَهُ مُوَكِّلُهُ بِإِيقَاعِهِ فِي غَيْرِهِ (وَيُسْتَحَبُّ رَجَعَتُهَا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِهِ ابْنَ عُمَرَ، وَأَدْنَى أَحْوَالِهِ الِاسْتِحْبَابُ؛ وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَرْتَفِعُ بِالرَّجْعَةِ، فَلَمْ تَجِبِ الرَّجْعَةُ فِيهِ كَالطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَجِبُ فِيهِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجَمِيعِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ) ذَكَرَهَا فِي " الْمُوجَزِ " و" التَّبْصِرَةِ " و" التَّرْغِيبِ "، وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِظَاهِرِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهَا؛ وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَجْرِي مَجْرَى اسْتِبْقَاءِ النِّكَاحِ، وَهُوَ وَاجِبٌ، بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ، وَعَنْهُ: تَجِبُ فِي حَيْضٍ، اخْتَارَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " و" الْمُبْهِجِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى الصُّورَتَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّاهِرَ الْمُصَابَةُ فِيهِ لَا تَجِبُ رَجَعَتُهَا - رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَتَقَدَّمَ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ بِدْعَةٍ، فَاسْتَحَبَّ قَطْعَهُ بِهَا كَطَلَاقِ الْحَائِضِ.

كُرِهَ، وَفِي تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَانِ.

و

َإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا،

أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَهُ بِقِيَامٍ، فَقَامَتْ حَائِضًا، فَفِي " الِانْتِصَارِ ": مُبَاحٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": بِدْعِيٌّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: إِنْ عَلَّقَهُ بِقُدُومِهِ فَقَدِمَ فِي حَيْضِهَا - فَبِدْعَةٌ، وَلَا إِثْمَ، وَكَذَا طَلَاقُهَا فِي الطُّهْرِ الْمُتَعَقِّبِ لِلرَّجْعَةِ بِدْعِيٌّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَاخْتَارَ فِي " التَّرْغِيبِ ": وَيَلْزَمُهُ وَطْؤُهَا.

[إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ]

(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا) وَقِيلَ: أَوِ اثْنَتَيْنِ بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ (فِي طُهْرٍ) - لَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " الْفُرُوعِ " - (لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، كُرِهَ) ؛ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ (وَفِي تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَحْرُمُ، وَيَكُونُ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ «الْمُلَاعِنَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» - وَفِي رِوَايَةِ دَاوُدَ: «فَطَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْفَذَهُ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْكَرَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ لَأَنْكَرَهُ، فَعَلَيْهَا: يُكْرَهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: هُوَ طَلَاقُ السُّنَّةِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، وَيَقَعُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] ، وَمَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، لَمْ يَبْقَ لَهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَقْتُلهُ» ؛؛ وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْبُضْعِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَحُرِّمَ كَالظِّهَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُهُ بِالتَّكْفِيرِ، وَالثَّالِثَةُ: يَحْرُمُ فِي الطُّهْرِ لَا الْأَطْهَارِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فَهُوَ لِلسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ بِدْعَةً، وَقَالَ الْمَجْدُ: هُوَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَوْقَعَ ثَلَاثًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ - وَقَعَ الثَّلَاثُ، رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَنْ طَلَّقَ الْبِكْرَ ثَلَاثًا فَهُوَ وَاحِدَةٌ،

حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا - فَلَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا، وَلَا بِدْعَةَ إِلَّا فِي الْعَدَدِ،

وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ

[المبدع في شرح المقنع]

وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَابْنِ مُقَاتِلٍ: أَنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، وَأَنْكَرَ النَّوَوِيُّ حِكَايَتَهُ عَنِ الْحَجَّاجِ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَأَوْقَعَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ ثَلَاثٍ - مَجْمُوعَةٍ أَوْ مُفَرَّقَةٍ قَبْلَ رَجْعَةٍ - وَاحِدَةً، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا فَرَّقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَلَمْ يُوقِعْهُ عَلَى حَائِضٍ وِفَاقًا لِابْنِ عَقِيلٍ فِي " الْوَاضِحِ "؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِلْفَسَادِ، وَلَا فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ، وَقَالَ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ فِي إِيقَاعِ الثَّلَاثِ: إِنَّمَا جَعَلَهُ لِإِكْثَارِهِمْ مِنْهُ، فَعَاقَبَهُمْ عَلَى الْإِكْثَارِ منه، لَمَّا عَصَوْا بِجَمْعِ الثَّلَاثِ، فَيَكُونُ عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ مِنَ التَّعْزِيرِ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، لَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْهُ وَأَظْهَرُوهُ، سَاغَتِ الزِّيَادَةُ عُقُوبَةً، ثُمَّ هذه العقوبة إِنْ كَانَتْ لَازِمَةً مُؤَبَّدَةً كَانَتْ حَدًّا، وَإِنْ كَانَ الْمَرْجِعُ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ - كَانَ تَعْزِيرًا.

[إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا]

(وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا - فَلَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا، وَلَا بِدْعَةَ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَيْ: مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا فِي الْعَدَدِ) أَيْ: يَثْبُتَانِ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، وهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَحَاصِلُهُ: إنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ عِدَّتُهَا بِالْأَشْهُرِ، فَلَا تَحْصُلُ الرِّيبَةُ، وَالْحَامِلُ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَلَا رِيبَةَ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا قَدِ اسْتَبَانَ، وَإِنَّمَا شَرْطُهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَلَمْ يَسْتَبِنْ حَمْلُهَا فَطَلَّقَهَا ظَنًّا أَنَّهَا حَائِلٌ، ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلُهَا - رُبَّمَا نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ، وَحكي فِي " الْمُغْنِي ": أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحَامِلَ طَلَاقُهَا ليس لِلسُّنَّةِ ولَا للبدعة، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَفِيمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ السُّنَّةَ مَا وَافَقَ أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَنْ طَلَّقَ أَحَدَ هَؤُلَاءِ، فَقَدْ وَافَقَ طَلَاقُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ سُنَّةٌ، فَكَذَا فِي الْحَمْلِ، لَكِنَّ الْحَامِلَ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَا يَخَافُ ظُهُورَ أَمْرٍ يَتَجَدَّدُ بِهِ النَّدَمُ، وَلَيْسَتْ بِمُرْتَابَةٍ لِعَدَمِ اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ،

لِلسُّنَّةِ، أَوْ قال لِلْبِدْعَةِ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، طُلِّقَتْ إِذَا طَهُرَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، طُلِّقَتْ إِذَا طَهَرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُطَلِّقَ حَائِضًا، لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَعَنْهُ: سُنَّةُ الْوَقْتِ تَثْبُتُ لِحَامِلٍ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، فَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، طُلِّقَتْ بِالْوَضْعِ، وَعَلَى الْأُولَى: لَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُنَّ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ طَلْقَةً، وَلِلْبِدْعَةِ طَلْقَةً - وَقَعَتَا، وَيَدِينُ فِي غَيْرِ آيِسَةٍ إِذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، وَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ لِصَغِيرَةٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِذَا حَاضَتِ الصَّغِيرَةُ، أَوْ أُصِيبَتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا - دِينَ، وَالْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ، فَإِنْ قَالَ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَيَئِسَتْ مِنَ الْمَحِيضِ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَكَذَا إِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ طَلَاقَ الْحَائِضِ طَلَاقَ سُنَّةٍ، فَيَقَعُ.

[إِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ قَالَ لِلْبِدْعَةِ]

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، أَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ، فَلَغَتِ الصِّفَةُ، وَبَقِيَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَذَلِكَ يُوجِبُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ، وَأَنْ يَكُونَ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُ مَلْفُوظٍ بِهِ وَلَا مَنَوِيٍّ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ، (وَإِنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ مَعْنَى السُّنَّةِ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ، وَذَلِكَ وَقْتُهَا (وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، طُلِّقَتْ إِذَا طَهُرَتْ) ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ قَدْ وُجِدَتْ (وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، طُلِّقَتْ إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ السُّنَّةِ فِي حَقِّهَا، لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، نِصْفُهَا لِلسُّنَّةِ، وَنِصْفُهَا لِلْبِدْعَةِ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ فِي ضِدِّ حَالِهَا الرَّاهِنَةِ، قَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ نَوَى تَأْخِيرَ اثْنَتَيْنِ فَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا فِي الْحَالِ لِتَبْعِيضِ كُلِّ طَلْقَةٍ،

طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ، أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طُلِّقَتْ إِذَا أَصَابَهَا أَوْ حَاضَتْ، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي أول طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى تُطَلَّقُ فِيهِ وَاحِدَةً، وَتُطَلَّقُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي طُهْرَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً، وَهِيَ مِنَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ - لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى

[المبدع في شرح المقنع]

فَإِنْ قَالَ لِطَاهِرٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، فَقِيلَ: تَلْغُو الصِّفَةُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ، فَإِنْ قَالَ لِحَائِضٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي الْحَالِ - لَغَتِ الصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي الْحَالِ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ الْبِدْعَةِ، وَيَنْزِعُ فِي الْحَالِ إِنْ كَانَ ثَلَاثًا، فَإِنْ بَقِيَ، حُدَّ عَالِمٌ وَعُزِّرَ جَاهِلٌ (وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طُلِّقَتْ إِذَا أَصَابَهَا أَوْ حَاضَتْ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقْتٌ لِلْبِدْعَةِ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِيهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَةِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي أَوَّلِ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ سُنَّةٌ عَلَى رِوَايَةٍ، وَيَقَعُ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ سُنَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا إِذَا طَهُرَتْ (وَفِي الْأُخْرَى تُطَلَّقُ فِيهِ) أَيْ: فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ (وَاحِدَةٌ، وَتُطَلَّقُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي طُهْرَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ) أَوْ بَعْدَ رَجْعَتَيْنِ إِنْ عَادَتْ إِلَيْهِ (إِنْ أَمْكَنَ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَلَمْ تَعُدْ إِلَيْهِ - لَمْ يُمْكِنْ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ؛ لِعَدَمِهِ، وَعَنْهُ: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهَا، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي لِلسُّنَّةِ إِيقَاعُ وَاحِدَةٍ فِي الْحَالِ، وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ آخَرَيْنِ - قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً - دِينَ، وَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ جَازَ طَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ وَهِيَ حَائِضٌ - فَهَلْ هُوَ لِلسُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ؛ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً، وهِيَ مِنَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ - لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتُطَلَّقُ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً) الْأَشْهَرُ عِنْدَنَا: أَنَّ الْقُرُوءَ الْحِيَضُ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، وَقَعَ بِهَا وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ، وَيَقَعُ بِهَا طَلْقَتَانِ فِي قُرْأَيْنِ آخَرَيْنِ فِي أَوَّلِهِمَا، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْقُرُوءُ: الْحِيَضُ أَوِ الْأَطْهَارُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا، إِلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِالْأُولَى، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا وَقَعَ فِي الْقُرْءِ الثَّانِي طَلْقَةٌ أُخْرَى، وَكَذَا

تَحِيضَ، فَتُطَلَّقُ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ: الْأَطْهَارُ، فَهَلْ تُطَلَّقُ طَلْقَةً في الْحَال يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَيَقَعُ بِهَا الْبَاقِي فِي الْأَطْهَارِ الْبَاقِيَةِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقَ وَأَجْمَلَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَإِنْ قَالَ: أَقْبَحَ الطَّلَاقِ وَأَسْمَجَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَةِ.
إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ: أَحسن أَحْوَالِكِ أَوْ أَقْبَحُهَا أَنْ تَكُون

[المبدع في شرح المقنع]

الْحُكْمُ فِي الثَّالِثَةِ (وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ: الْأَطْهَارُ، فَهَلْ تُطَلَّقُ طَلْقَةً فِي الْحَالِ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا: تُطَلَّقُ طَلْقَةً فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ قَبْلَ الْحَيْضِ كُلُّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مِنَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أَوْ لَا، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ بِالطُّهْرِ قَبْلَ الْحَيْضِ مِنْ عِدَّةِ الصَّغِيرَةِ فِي وَجْهٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْءًا لَمْ يُطَلِّقْ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ حَاضَتْ وَمَنْ لَمْ تَحِضْ (وَيَقَعُ بِهَا الْبَاقِي فِي الْأَطْهَارِ الْبَاقِيَةِ) ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ قَبْلَ الْحَيْضِ كُلُّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ وَأَجْمَلَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ السُّنِّيَّ أَحْسَنُ الطَّلَاقِ وَأَجْمَلُهُ، كَقَوْلِهِ: أَعْدَلُهُ، وَأَكْمَلُهُ، وَأَفْضَلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَقْبَحَ الطَّلَاقِ وَأَسْمَجَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَةِ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْبِدْعِيَّ أَقْبَحُ الطَّلَاقِ وَأَسْمَجُهُ، أَيْ: تُطَلَّقُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُطَلَّقُ فِيهِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا تُطَلَّقُ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زَمَنُ الْبِدْعَةِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ إِلَّا فِي الْحَيْضِ فَقَطْ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْخُلَاصَةِ " كَقَوْلِهِ أَفْحَش الطَّلَاقِ، أَوْ أَرْدَأهُ، أَوْ أَنْتَنهُ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ بِدْعَةٍ، وَإِلَّا وَقَفَ إِلَى زَمَانِهَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": فَهُوَ ثَلَاثٌ إِنْ قُلْنَا: جَمْعُهُ بِدْعَةٌ، وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ، لِيَكُونَ جَامِعًا لِبِدَعِيِّ الطَّلَاقِ، وَفِي " الْفُصُولِ ": وَعِنْدِي يَجِبُ أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ فِي الْحَيْضِ أَوِ الطُّهْرِ الْمُجَامَعِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ لِمَا فِيهِ مِنِ اجْتِمَاعِ الضِّيقِ عَلَى النَّفْسِ، وَقَطْعِ الرَّجْعَةِ وَالْعَوْدِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَفِيهِ تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ، فَمَتَى أَوْقَعَنَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ، كَانَ فَاحِشًا، لَكِنْ هُنَاكَ مَا هُوَ أَفْحَشُ، فَمَا أَعْطَيْنَا اللَّفْظَةَ حَقَّهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: عِنْدِي أَجْوَدُ نَفِدَ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِشَيْءٍ فَوْقَهُ أَجْوَدَ مِنْهُ - لَمْ يُقْبَلْ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلَاقَ السُّنَّةِ؛ لِيَتَأَخَّرَ الطَّلَاقُ عَنْ نَفْسِهِ إِلَى زَمَنِ السُّنَّةِ - لَمْ يُقْبَلْ فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُهُ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ: أَحسن أَحْوَالِكَ أَوْ أَقْبَحُهَا أَنْ تَكُون مُطْلَقَةً، فَيَقَعُ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ " أَنْتِ طَالِقٌ " يَقْتَضِي وُقُوعُهُ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا

مُطَلَّقَةً، فَيَقَعُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ.

بَابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ وَصَرِيحُهُ: لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ:

[المبدع في شرح المقنع]

تَأَخَّرَ إِلَى زَمَنِ السُّنَّةِ كَعَكْسِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ عَمَلًا بِالْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِصِفَتَيْنِ مُضَادَّتَيْنِ، فَلَغَتَا، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ، فَإِنْ قَالَ: إِنَّهَا حَسَنَةٌ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ السُّنَّةِ، وَقُبْحُهَا لِإِضْرَارِهَا بَلْ أَوْ قَالَ: إِنَّهَا حَسَنَةٌ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ شِرْكٍ وَقُبْحِهِ؛ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ، كَانَ ذَلِكَ يُرْجَى وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَنْهُ، دِينَ، وَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ.
مَسْأَلَةٌ: يُبَاحُ الْخُلْعُ وَالطَّلَاقُ بِسُؤَالِهَا فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ، وَقِيلَ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَتَنْقَضِي بِدْعَتُهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَقِيلَ: بِالْغَسْلِ، لِأَثَرٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ.

[بَابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ]

[صَرِيحُهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ]

بَابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ إِنَّمَا انْقَسَمَ إِلَيْهمَا؛ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَهُ صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ كَالْعِتْقِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْإِزَالَةُ، فَالصَّرِيحُ: هُوَ الَّذِي يُفِيدُ حُكْمَهُ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَعَكْسُهُ: الْكِنَايَةُ، وَيَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الصَّرِيحِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِغَيْرِ لَفْظٍ، فَلَوْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ لَمْ يَقَعْ، خِلَافًا لِابْنِ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيِّ، وَرَدَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ، فَلَمْ تَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعِتْقِ، وَكَذَا إِنْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، لَمْ يَقَعْ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ.
(وَصَرِيحُهُ: لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ) بِغَيْرِ أَمْرٍ وَمُضَارِعٍ (فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ

صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ إجماعا، وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ، فَمَتَى

[المبدع في شرح المقنع]

مَوْضُوعٌ لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ، ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّارِعِ وَالِاسْتِعْمَالُ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوِ الطَّلَاقُ، أَوْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ مُطَلَّقَةٌ، فَهُوَ صَرِيحٌ، وَعَنْهُ فِي " أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ ": لَيْسَ بِصَرِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَنْ يُرِيدَ طَلَاقًا مَاضِيًا، وَقِيلَ: وَطَلَّقْتُكِ كِنَايَةٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْإِنْشَاءَ وَالْخَبَرَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: هُوَ إِنْشَاءٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ: أَنَّ الْعُقُودَ الشَّرْعِيَّةَ بِلَفْظِ الْمَاضِي إِخْبَارٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا: هَذِهِ الصِّيَغُ إِنْشَاءٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أَثْبَتَتِ الْحُكْمَ وَبِهَا تَمَّ، وَهِيَ إِخْبَارٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي فِي النَّفْسِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَالْجد، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ؛ لِأَنَّ الْفِرَاقَ وَالسَّرَاحَ يُسْتَعْمَلَانِ في غَيْرَ الطَّلَاقِ كَثِيرًا، فَلَمْ يَكُونَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ [آل عمران: 103] الْآيَةَ، ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: 4] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّلَاقَ، إِذِ الْآيَةُ فِي الرَّجْعِيَّةِ، وَهِيَ إِذَا قَارَنَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا، فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهَا بِرَجْعَةٍ، وَإِمَّا أَنْ تُتْرَكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَتُسَرَّحُ، فَالْمُرَادُ بِالتَّسْرِيحِ فِي الْآيَةِ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ الْإِرْسَالُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ اسْمُهَا طَالِقًا، فَقَالَ: يَا طَالِقُ، وَلَمْ يُرِدْ طَلَاقَهَا، أَوْ أَرَادَ طَلَاقَهَا ثَلَاثًا، فَمَاتَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: " أَنْتِ "، يَقَعُ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ " طَالِقٌ " وَبَعْدَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا، وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَقِيلَ: بَلْ طَلْقَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.
فَرْعٌ: إِذَا فَتَحَ تَاءَ أَنْتِ، طُلِّقَتْ، خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْوَفَاءِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الْخِلَافِ لَوْ قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا قُلْتِ لِي قَوْلًا وَلَمْ أَقُلْ لَكِ مِثْلَهُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَ لَهَا مِثْلَهُ - طُلِّقَتْ وَلَوْ عَلَّقَهُ.
وَلَوْ كَسَرَ التَّاءَ، تَخَلَّصَ، وَبَقِيَ مُعَلَّقًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ: وَلَهُ جَوَابٌ آخَرُ بِقَوْلِهِ بِفَتْحِ التَّاءِ، فَلَا يَجِبُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَهُ التَّمَادِي إِلَى قُبَيْلِ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، فَزَوَّجْتُكَ بِفَتْحٍ وَنَحْوِهِ يَتَوَجَّهُ مِثْلَهُ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقِيلَ: مِنْ عَامِّيٍّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": يَصِحُّ جَهْلًا أَوْ عَجْزًا، وَإِلَّا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
(وَقَالَ الْخِرَقِيُّ) وَأَبُو بَكْرٍ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَفِي " الْوَاضِحِ " اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ: (صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ - إِجْمَاعًا، وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ) كَالطَّلَاقِ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] ؛

أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ - نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ، دِينَ، وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إِلَّا أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: 130] الْآيَةَ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] ؛ وَلِأَنَّهُمَا فُرْقَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ كَلَفْظِ الطَّلَاقِ (وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ) كَالْمُتَصَرِّفِ مِنَ الطَّلَاقِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ مُخْتَصُّ بِذَلِكَ سَابِقٌ إِلَى الْأَفْهَامِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَلَا دَلَالَةٍ (فَمَتَى أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ - نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ سَائِرَ الصَّرَائِحِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، فَكَذَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ جَادًّا أَوْ هَازِلًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعُ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ، وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَعَنْهُ: أَنَّ الصَّرِيحَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ، مِنْ غَضَبٍ، أَوْ مُحَاوَرَةٍ فِي كَلَامٍ.
(وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا: مَا يُوثَقُ بِهِ الشَّيْءُ مِنْ حَبْلٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ) فَقَالَ: طَالِقٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَارٍ مَجْرَى لَفْظِ الْحَاكِي (أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تُطَلَّقْ) ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ عَدَمَ إِيقَاعِ طَلَاقِهَا، فَوَجَبَ أَلَّا يَقَعَ، كَمَا لَوِ اتَّصَلَ بِكَلَامِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ (وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ، دِينَ) بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ، وَلَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَعَنْهُ: كَهَازِلٍ عَلَى الْأَصَحِّ (وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ) وَلَا قَرِينَةَ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: تُقْبَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ لَفْظَ الطَّلَاقِ، وَأَرَادَ بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ الْأَشْهَرُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ ": أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ فِي الْعُرْفِ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا، أَوْ إِلَى شَهْرٍ (إِلَّا) عَلَى الْأُولَى (أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ

يَكُونَ فِي حَالِ الْغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقُ - فَلَا يُقْبَلُ، وَفِيمَا إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِي، وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُقْبَلُ إِنْ كَانَ وَجَدَ، وَإِلَّا فَلَا.

وَلَوْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرَادَ الْكَذِبَ - طُلِّقَتْ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؛ قَالَ: لَا،

[المبدع في شرح المقنع]

الْغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ - فَلَا يُقْبَلُ) ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الظَّاهِرَ مِنْ جِهَتَيْنِ: مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَدَلَالَةُ الْحَالِ (وَفِيمَا إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِي وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُقْبَلُ إِنْ كَانَ وُجِدَ) ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لَا يُقْبَلُ إِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَكَذَا قُبِلَ لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، ثُمَّ قَالَ: فِي نِكَاحٍ آخَرَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى حَاكِمٍ، فَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ هَازِلًا، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَدِينُ هُوَ، وَلَا سَكْرَانُ، كَمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا فِي الْحُكْمِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِنْ قُمْتِ - قُبِلَ، وَقِيلَ: لَا، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ إِنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَادَّعَى أَنَّ مَعَهُ شَرْطًا آخَرَ، وَأَوْقَعَهُ فِي " الْفُنُونِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ فِي رَدِّ شَاهِدَيْنِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ بِبَيْعٍ، ثُمَّ ادَّعَى عَزْلًا أَوْ خِيَارًا.

[لَوْ قِيلَ لَهُ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ قَالَ نَعَمْ وَأَرَادَ الْكَذِبَ]

(وَلَوْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرَادَ الْكَذِبَ - طُلِّقَتْ) وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ " نَعَمْ " صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ، وَالْجَوَابُ الصَّرِيحُ لِلَّفْظِ الصَّرِيحِ صَرِيحٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: عَلَيْكَ أَلْفٌ؛ قَالَ: نَعَمْ - وَجَبَتْ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؛ فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الْإِيقَاعَ - وَقَعَ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنِّي عَلَّقْتُ طَلَاقَهَا بِشَرْطٍ - قُبِلَ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَخْلَيْتَهَا؛ قَالَ: نَعَمْ، فَكِنَايَةٌ (وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؛ قَالَ: لَا، وَأَرَادَ الْكَذِبَ، لَمْ تُطَلَّقْ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَالِي امْرَأَةٌ كِنَايَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا نَوَى الْكَذِبَ فَمَا نَوَى الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَقَعْ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ فِي الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: كُنْتُ طَلَّقْتُهَا، وَهَكَذَا إِذَا نَوَى أَنَّهُ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ تَخْدِمُنِي أَوْ تُرْضِينِي، أَوْ لَا امْرَأَةَ لِي، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ تُطَلَّقْ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْكِنَايَةِ.
فَرْعٌ: مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِإِقْرَارِهِ لِمَعْرِفَةِ مُسْتَنَدِهِ، وَيُقْبَلْ بِيَمِينِهِ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِي إِقْرَارِهِ ذَلِكَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ مِثْلُهُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ ".

وَأَرَادَ الْكَذِبَ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ لَطَمَ امْرَأَتَهُ إذا أَطْعَمَهَا أَوْ سَقَاهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُكِ - طُلِّقَتْ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَيْءَ، أَوْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَا يَلْزَمُكَ - طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا، أَوْ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا - لَمْ يَقَعْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ، وَإِنْ كَتَبَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ، وَنَوَى الْإِيقَاعَ -

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ لَطَمَ امْرَأَتَهُ) أَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ دَارِهَا، أَوْ أَلْبَسَهَا ثَوْبًا، أَوْ قَبَّلَهَا وقَالَ: هَذَا طَلَاقُكِ، طُلِّقَتْ إِنْ نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ صَرِيحٌ، فَيَقَعُ مُطْلَقًا، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَعَلَى قِيَاسِهِ (إِذَا أَطْعَمَهَا أَوْ سَقَاهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُكِ - طُلِّقَتْ) اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ تَقْرِيرَهُ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكِ طَلَاقًا هَذَا الْفِعْلُ مِنْ أَجْلِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ صَرِيحًا، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَقَعُ بِهِ وَإِنْ نَوَى، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ؛ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ، فَصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَا احْتَمَلَ الطَّلَاقَ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ، أَوْ فِي حَالِ الْغَضَبِ - وَقَعَ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) فَيَدِينُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى بِالصَّرِيحِ عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، لَمْ يَقَعْ، فَلِأَنْ لَا يَقَعَ هَذَا بِطْرِيقِ الْأُولَى، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ فِي زَمَانٍ بَعْدَ هَذَا الزَّمَانِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَوْ أَطْعَمَهَا أَوْ سَقَاهَا فَفِي كَوْنِهِ كَالضَّرْبِ وَجْهَانِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَيْءَ، أَوْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَا يَلْزَمُكِ) ، أَوْ لَا يَقَعُ عَلَيْكِ، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا يَنْقُصُ بِهَا عَدَدُ الطَّلَاقِ - (طُلِّقَتْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَفْعٌ لِجَمِيعِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَاسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " - فِي " أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَيْءَ " - وَجْهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا، أَوْ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا - لَمْ يَقَعْ) عَلَى الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِفْهَامٌ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا لِلْإِيقَاعِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ إِيقَاعٌ لَمْ يُعَارِضْهُ اسْتِفْهَامٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ وَجْهٌ لِاسْتِوَائِهَا فِي الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي آخَرَ: تُطَلَّقُ فِي الثَّانِيَةِ.
وَاحِدَةٌ دُونَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " أَوْ لَا " يَرْجِعُ إِلَى مَا يَلِيهِ مِنْ لَفْظِ وَاحِدَةٍ دُونَ لَفْظِ الْإِيقَاعِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَفَرَّقَ فِي " الْمُغْنِي "

وَقَعَ، وَإِنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أَوْ غَمَّ أَهْلِهِ، لَمْ يَقَعْ، وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَقَعُ؟ عَلَى وجهين، وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ لَا يَتَبَيَّنُ،

[المبدع في شرح المقنع]

و" الشَّرْحِ " بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ صِفَةٌ لِلطَّلْقَةِ الْوَاقِعَةِ، فَمَا اتَّصَلَ بِهِمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا، فَصَارَتْ كَالْأُولَى (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ يَكُونُ بِالْهَمْزَةِ وَنَحْوِهَا، فَيَقَعُ مَا أَوْقَعَهُ، وَلَا يَرْتَفِعُ بِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ (وَإِنْ كَتَبَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ) بِشَيْءٍ يُبَيِّنُ (وَنَوَى الْإِيقَاعَ - وَقَعَ) رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ حُرُوفٌ يُفْهَمُ مِنْهَا الطَّلَاقُ، أَشْبَهَتِ النُّطْقَ؛ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْكَاتِبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَبَلَّغَ بِالْقَوْلِ مَرَّةً، وَبِالْكِتَابَةِ أُخْرَى؛ وَلِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي يَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي إِثْبَاتِ الدُّيُونِ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَرِيحٌ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ لَغْوٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ بِنَاءً عَلَى إِقْرَارِهِ بِخَطِّهِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا صِحَّةُ الْوَلَايَةِ بِالْخَطِّ، وَصِحَّةَ الْحُكْمِ بِهِ.
(وَإِنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أَوْ غَمَّ أَهْلِهِ، لَمْ يَقَعْ) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِاللَّفْظِ غَيْرَ الْإِيقَاعِ، فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى، وَعَنْهُ: بَلَى؛ لِأَنَّ تَجْوِيدَ الْخَطِّ وَغَمَّ أَهْلِهِ لَا يُنَافِي الْإِيقَاعَ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ نِيَّةَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الطَّلَاقُ: فَلَمْ يَقَعْ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ.
(وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ فِي اللَّفْظِ الصَّرِيحِ عَلَى قَوْلٍ، فَهُنَا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ غَمَّ أَهْلِهِ بِتَوَهُّمِ الطَّلَاقِ دُونَ حَقِيقَتِهِ، فَلَا يَكُونُ نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي» الْخَبَرَ؛ وَلِأَنَّ غَمَّ أَهْلِهِ يَحْصُلُ بِالطَّلَاقِ، فَيَجْتَمِعُ غَمُّ أَهْلِهِ وَوُقُوعُ طَلَاقِهِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِ بِمَا نَوَاهُ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ أَوِ الْكَلَامِ، فَإِنْ قَرَأَ مَا كَتَبَهُ فَفِي قَبُولِهِ حُكْمًا الْخِلَافُ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَقَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الشَّرِيفَ خَرَّجَهَا فِي " الْإِرْشَادِ " عَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: يَقَعُ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَقَعُ إِلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُحْتَمَلَةٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ

لَمْ يَقَعْ.
وقال أبو حفص: يقع

وَصَرِيحُ الْكِنَايَةِ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ: " بِهِشْتَمْ "، فَإِنْ قَالَهُ الْعَرَبِيُّ وَلَا يَفْهَمُهُ - لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

بِهَا تَجْرِبَةَ الْقَلَمِ وَتَجْوِيدَ الْخَطِّ، فَلَمْ يَقَعْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالْكِنَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ.
(وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ لَا يَتَبَيَّنُ) كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ أَوْ فِي مَاءٍ (لَمْ يَقَعْ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بِمَا لَا تَثْبُتُ، كَالْهَمْسِ بِلِسَانِهِ بِمَا لَا يُسْمَعُ.
(وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَقَعُ) وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ يُبَيِّنُ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِغَيْرِ لَفْظٍ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْكِتَابَةُ بِشَرْطِهِ، وَالثَّانِي: الْأَخْرَسُ، فَإِنَّهُ إِذَا طَلَّقَ بِالْإِشَارَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، فَلَوْ فَهِمَهَا الْبَعْضُ، فَكِنَايَةٌ، وَتَأْوِيلُهُ مَعَ صَرِيحٍ كَالنُّطْقِ، وَكِتَابَتُهُ طَلَاقٌ، وَيَقَعُ مِنَ الْعَدَدِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ، وَفِي " الشَّرْحِ ": إِذَا أَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ إِشَارَتَهُ لَا تَكْفِي.

[صَرِيحُ الطَّلَاقِ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ]

(وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ: بِهِشْتَمْ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالْهَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَمَعْنَاهُ: خَلَّيْتُكِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ إِنْ لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ لِلطَّلَاقِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا بِمَعْنَى خَلَّيْتُكِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى طَلَّقْتُكِ: خَلَّيْتُكِ.
فَإِنْ زَادَ: " بسيار "، فَثَلَاثٌ، وَفِي " الْمُذْهَبِ " مَا نَوَاهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مِثْلُ كَلَامٍ عَرَبِيٍّ (فَإِنْ قَالَهُ الْعَرَبِيُّ وَلَا يَفْهَمُهُ - لَمْ يَقَعْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرِ الطَّلَاقَ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ (وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ اخْتِيَارٌ لِمَا لَا يَعْلَمُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاها، وَالثَّانِي: يَقَعُ بِنِيَّةٍ مُوجِبَةٍ عِنْدَ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالطَّلَاقِ نَاوِيًا مُقْتَضَاهُ، فَوَقَعَ كَمَا لَوْ عَلِمَهُ.
فَرْعٌ: مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَيَقَعُ طَلَاقُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، و" عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، و" الْمُفْرَدَاتِ ".

فَصْلٌ وَالْكِنَايَاتُ نَوْعَانِ: ظَاهِرَةٌ، وَهِيَ سَبْعَةٌ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ.
وَخَفِيَّةٌ نَحْوَ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَذُوقِي، وَتَجَرَّعِي، وَخَلَّيْتُكِ، وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَلَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، وَاعْتَدِّي،

[المبدع في شرح المقنع]

[كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ]

فَصْلٌ (وَالْكِنَايَاتُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَيُرِيدُ غَيْرَهُ، وَقَدْ كَنَّيْتُ عَنْ كَذَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: كَنَّيْتُ عَنِ الشَّيْءِ: سَتَرْتُهُ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّهَا تُشْبِهُ الصَّرِيحَ، وَتَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَلَا كِنَايَةٍ، نَحْوَ: قُومِي وَاقْعُدِي.
(نَوْعَانِ: ظَاهِرَةٌ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ فِيهَا أَظْهَرُ مِنَ الثَّانِي (وَهِيَ سَبْعَةُ) أَلْفَاظٍ (أَنْتِ خَلِيَّةٌ) هِيَ فِي الْأَصْلِ: النَّاقَةُ تُطْلَقُ مِنْ عِقَالِهَا وَيُخَلَّى عَنْهَا، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: خَلِيَّةٌ، كِنَايَةٌ عَنِ الطَّلَاقِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَجَعَلَ أَبُو جَعْفَرٍ مُخَلَّاةً كَخَلِيَّةٍ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
(وَبَرِيَّةٌ) بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ (وَبَائِنٌ) أَيْ: مُنْفَصِلَةٌ (وَبَتَّةٌ) بِمَعْنَى: مَقْطُوعَةٌ.
(وَبَتْلَةٌ) بِمَعْنَى: مُنْقَطِعَةٍ، وَسُمِّيَتْ مَرْيَمُ: الْبَتُولُ؛ لِانْقِطَاعِهَا عَنِ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ.
(وَأَنْتِ حُرَّةٌ) كَذَا ذَكَرَهَا الْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا مِنَ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ هِيَ الَّتِي لَا رِقَّ عَلَيْهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحَ رِقٌّ، وَفِي الْخَبَرِ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» أَيْ: أَسْرَى، وَالزَّوْجُ لَيْسَ لَهُ عَلَى الزَّوْجَةِ إِلَّا رِقُّ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِزَوَالِ الرِّقِّ، فَهُوَ الرِّقُّ الْمَعْهُودُ، وَهُوَ رِقُّ الزَّوْجِيَّةِ.
(وَأَنْتِ الْحَرَجُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ يَعْنِي: الْحَرَامَ وَالْإِثْمَ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَأَسْقَطَ: أَنْتِ الْحَرَجُ.
وَزَادَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الطَّلَاقِ صَرِيحٌ، وَمِنْ حَيْثُ الْبَيْنُونَةِ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
(وَخَفِيَّةٌ) هِيَ النَّوْعُ الثَّانِي، وَهِيَ أَخْفَى مِنَ الدَّلَالَةِ عَنِ الْأُولَى (نَحْوُ: اخْرُجِي) وَدَعِينِي أَوْ دَعِينِي، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ". (وَاذْهَبِي، وَذُوقِي، وَتَجَرَّعِي، وَخَلَّيْتُكِ، وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ) أَيْ: فَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلِّي سَبِيلِي، فَهُوَ مُخَلًّى (وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) أَيْ: مُنْفَرِدَةٌ (وَلَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، وَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِي) " اسْتَبْرِي " أَصْلُهُ الْهَمْزُ؛

وَاسْتَبْرِي، وَاعْتَزِلِي، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ، وَحَلَلْتِ لِلْأَزْوَاجِ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ، هَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ،

وَمِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَبْرَأْتُ الْجَارِيَةَ، إِذَا تَرَكْتُهَا حَتَّى تَبْرَأَ رَحِمُهَا، وَتَبِينَ حَالُهَا، هَلْ هِيَ حَامِلٌ أَوْ لَا.
(وَاعْتَزِلِي) اعْتَزَلَ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ بِمَعْزِلٍ مِنْهُ، فَمَعْنَى اعْتَزِلِي أَيْ: كُونِي وَحْدَكِ فِي جَانِبٍ.
(وَمَا أَشْبَهَهُ) كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي نَفْسَكِ، وَوَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ، وَلَا حَاجَةَ لِي بِكِ، وَاللَّهُ قَدْ أَرَاحَكِ مِنِّي، وَمَا بَقِيَ شَيْءٌ، وَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا فِيهِ، وَأَغْنَاكِ اللَّهُ، فَهَذَا يَقَعُ بِمَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " - فِي: " أَنْتِ وَاحِدَةٌ " -: يَقَعُ وَاحِدَةً، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ طَلَّقَكِ.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ: فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ: إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَيَّ دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ، فَأَرْجُو أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ شَيْئًا مَعَ نِيَّةِ الدُّعَاءِ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ شَيْءٌ مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِرَاقَ صَرِيحٌ، أَوْ لِلْقَرِينَةِ، يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي: إِنْ أَبْرَأْتِنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: أَبْرَأَكَ اللَّهُ مِمَّا يَدَّعِي النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَبْرَأُ، فَطَلَّقَ قَالَ: يَبْرَأُ، أَوْ ظَهَرَ أَنَّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلَيْنِ هَلْ يُعْمَلُ بِالْإِطْلَاقِ لِلْقَرِينَةِ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ أَمْ تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ؛ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَاعَكِ، أَوْ قَدْ أَقَالَكِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ) الْغَارِبُ: مُقَدَّمُ السِّنَامِ، أَيْ: أَنْتِ مُرْسَلَةٌ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مَشْدُودَةٍ، وَلَا مُمْسَكَةٍ بِعَقْدِ النِّكَاحِ (وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ، وَحَلَلْتِ لِلْأَزْوَاجِ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ) السَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ [الأعراف: 146] وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: 108] (وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ) أَيْ: لَا وَلَايَةَ لِي عَلَيْكِ، وَالسُّلْطَانُ: الْوَالِي، مِنَ السَّلَاطَةِ وَهُوَ الْقَهْرُ.
وَكَذَا: غَطِّ شَعْرَكِ، وَتَقَنَّعِي (هَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهَا كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " كَأَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ أَعْتَقْتُكِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ رِقٌّ.
وَالثَّانِيَةُ: خَفِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ: الْحَقِي

بِالْكِنَايَةِ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الطَّلَاقَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا حَالَ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنْ جَاءَتْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ، وَالْأَوْلَى فِي الْأَلْفَاظِ الَّذِي يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا لِغَيْرِ الطَّلَاقِ نَحْوَ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي،

[المبدع في شرح المقنع]

بِأَهْلِكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا لِنَهْيِهِ عَنْهُ، وَكَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ - عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِنَّ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، وَبَابُ الدَّارِ لَكِ مَفْتُوحٌ - كَأَنْتِ بَائِنٌ، وَفِي الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ وَجْهَانِ.

[مِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَةِ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الطَّلَاقَ]

(وَمِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَةِ) وَلَوْ ظَاهِرَةٌ فِيهَا رِوَايَةٌ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ (أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الطَّلَاقَ) ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ، فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ كَالْخَفِيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ، وَقِيلَ: أَوَّلِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَوْ قَبْلَهُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ وُجِدَتْ فِي أَوَّلِهِ وَعُرِّيَتْ عَنْهُ فِي سَائِرِهِ - وَقَعَ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا حَالَ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا - وَهُوَ مُخْتَارُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ - أَنَّهَا تُطَلَّقُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ فِي الْغَضَبِ، أَخْشَى أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، إِذْ دَلَالَةُ الْحَالِ كَالنِّيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُغَيِّرُ حُكْمَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: يَا عَفِيفَ ابْنَ الْعَفِيفِ حَالَ تَعْظِيمِهِ، كَانَ مَدْحًا، وَلَوْ قَالَهُ حَالَ الشَّتْمِ كَانَ ذَمًّا وَقَذْفًا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَنْوِهِ، فَلَمْ يَقَعْ كَحَالَةِ الرِّضَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ لَمْ يُرِدْهُ أَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ - لَمْ يُقْبَلْ حُكْمًا فِي الْأَشْهَرِ (وَإِنْ جَاءَتْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ) ؛ لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الْكِنَايَةِ عُقَيْبَ سُؤَالِهَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِوُقُوعِهِ عَمَلًا بِالدَّلَالَةِ الظَّاهِرَةِ (وَالْأَوْلَى فِي الْأَلْفَاظِ الَّذِي يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا لِغَيْرِ الطَّلَاقِ نَحْوُ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَرُوحِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ حَتَّى يَنْوِيَهُ) ؛ لِأَنَّ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا وُجِدَ عُقَيْبَ خُصُومَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ سُؤَالِ طَلَاقٍ - لَا يُغْنِي عَنِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ تَصْرِفُهُ عَنْ إِرَادَةِ الطَّلَاقِ بِخِلَافِ مَا قَلَّ، فَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِهَا؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَنْصَرِفُ إِلَى السُّؤَالِ.
وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَثَرٍ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ مُحْتَمَلٌ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ كُرِّرَ لَفْظًا، وَقَالَ: أَرَدْتُ التَّأْكِيدَ.

وَرُوحِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقُهُ حَتَّى يَنْوِيَهُ.

وَمَتَى نَوَى بِالْكِنَايَةِ الطَّلَاقَ، وَقَعَ بِالظَّاهِرَةِ ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، وَعَنْهُ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ

[المبدع في شرح المقنع]

[مَتَى نَوَى بِالْكِتَابَةِ الطَّلَاقَ]

(وَمَتَى نَوَى بِالْكِنَايَةِ الطَّلَاقَ) وَقَعَ بِهَا رَجْعِيٌّ مَا لَمْ يَقَعْ بِهِ الثَّلَاثُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ فِي " الرِّعَايَةِ " أَوْ قَبْلَهُ، وَعَنْهُ: مَعَ خُصُومَةٍ وَغَضَبٍ، قَطَعَ بِهِ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ (وَقَعَ بِالظَّاهِرَةِ ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ بِالطَّلَاقِ، فَوَقَعَ ثَلَاثًا، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، وَإِفْضَاؤُهُ إِلَى الْبَيْنُونَةِ ظَاهِرٌ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا؛ وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ أَوْجَبَتِ الثَّلَاثَ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا، أَوْجَبَتْهَا فِي غَيْرِهَا، كَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَحَدِيثُ رُكَانَةَ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
(وَعَنْهُ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِمَا رَوَى رَكَانَةُ «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ رُكَانَةُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ _ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَفِي لَفْظٍ قَالَ: هُوَ مَا أَرَدْتُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ؛ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ» وَهُوَ لَا يُطَلِّقُ ثَلَاثًا.
(وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةً بَائِنَةً) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ اقْتَضَى الْبَيْنُونَةَ دُونَ الْعَدَدِ، فَوَقَعَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً كَالْخُلْعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ كَالْمُؤَلِّفِ، وَخَالَفَهُمُ الْمَجْدُ فَجُعِلَ الْخِلَافُ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ فِي دَعْوَى عَدَمِ النِّيَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَقَعُ بِكِنَايَةٍ إِلَّا بِنِيَّةٍ، فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ خُصُومَةٍ أَوْ غَضَبٍ، أَوْ ذِكْرِ الطَّلَاقِ، وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهَا الطَّلَاقَ - قُبِلَ مِنْهُ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا نَوَى بِالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ الطَّلَاقَ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ دُونَهَا فَيَدِينَ فِيهِ، وَيَكُونَ رَجْعِيًّا، وَفِي قَبُولِهِ فِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ: يُقْطَعُ طَلْقَةً بَائِنَةً.

بَائِنَةٌ، وَيَقَعُ بِالْخَفِيَّةِ مَا نَوَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، وَقَعَ وَاحِدَةٌ، وَأَمَّا مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ نَحْوُ: كُلِي، وَاشْرَبِي، وَاقْعُدِي، وَاقْرَبِي، وَبَارَكَ اللَّهُ فِيكِ، وَأَنْتَ مَلِيحَةٌ أَوْ قَبِيحَةٌ - فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ، وَإِنْ نَوَى، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا طَالِقٌ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ، فَكَذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ، فَهَلْ هُوَ كِنَايَةٌ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ، أَوِ الْبَتَّةَ، أو بِلَا رَجْعَةٍ، فَالْخِلَافُ السَّابِقُ ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ بِهَا الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ بَتَّةَ، فَرَجْعِيَّةٌ، وَعَنْهُ: بَائِنَةٌ، وَعَنْهُ: ثَلَاثٌ، كَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا، وَفِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَاحِدَةً ": تَقَعُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الْوَاحِدَةَ بِالثَّلَاثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَصَفَ الثَّلَاثَ بِالْوَاحِدَةِ، فَوَقَعَتِ الثَّلَاثُ، وَلَغَا الْوَصْفَ.
(وَيَقَعُ بِالْخَفِيَّةِ مَا نَوَاهُ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعَدَدِ، وَالْخَفِيَّةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الظَّاهِرَةِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ، وَيَكُونُ الْوَاقِعُ رَجْعِيًّا فِيمَا إِذَا نَوَاهَا، وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ فِي غَيْرِ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، وَقَعَ (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، وَقَعَ وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ (وَأَمَّا مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ - نَحْوَ: كُلِي، وَاشْرَبِي، وَاقْعُدِي، وَاقْرَبِي، وَبَارَكَ اللَّهُ فِيكِ، وَأَنْتِ مَلِيحَةٌ أَوْ قَبِيحَةٌ - فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ (وَإِنْ نَوَى) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُحْتَمَلُ الطَّلَاقُ فِيهِ، فَلَوْ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
وَقِيلَ: كُلِي وَاشْرَبِي كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ: كُلِي أَلَمَ الطَّلَاقِ، وَاشْرَبِي كَأْسَ الْفِرَاقِ، فَوَقَعَ كَتَجَرَّعِي، وَجَوَابُهُ: أَنَّ اللَّفْظَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ [الحاقة: 24] ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] فَلَمْ تَكُنْ كِنَايَةً، وَفَارَقَ تَجَرَّعِي وَذُوقِي، فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكَارِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] (وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا طَالِقٌ) ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ.
(فَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ، فَكَذَلِكَ) أَيْ: لَا تُطَلَّقُ زَوْجَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ؛ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ، فَلَمْ يَقَعْ بِإِضَافَةِ الْإِزَالَةِ إِلَى الْمَالِكِ كَالْعِتْقِ (وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ) تُطَلَّقُ بِهِ بِالنِّيَّةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إِزَالَةُ النِّكَاحِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَحَّ فِي

أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ - لَمْ يَقَعْ، وَكَانَ ظِهَارًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهُ ظِهَارٌ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالثَّانِيَةُ: كِنَايَةٌ

[المبدع في شرح المقنع]

أَحَدِهِمَا صَحَّ فِي الْآخَرِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ لَا يَقَعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَوْ سَاوَى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لَوَقَعَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ؛ وَلِأَنَّ وُقُوعَهُ هُنَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَهُ فِي: أَنَا طَالِقٌ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ) أَوْ بَرِيءٌ (فَهَلْ هُوَ كِنَايَةٌ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ "، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَوَقَّفَ عَنْهَا أَحْمَدُ، أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَةِ صَرِيحِهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَقَعْ بِإِضَافَةِ كِنَايَتِهِ إِلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَالثَّانِي: كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُوصَفُ بِهِ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، يُقَالُ: بَانَ مِنْهَا، وَبَانَتْ مِنْهُ، وَحَرُمَ عَلَيْهَا، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَبَرِئَ مِنْهَا، وَبَرِئَتْ مِنْهُ، وَكَذَا لَفْظُ الْفُرْقَةِ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا بَائِنٌ - بِحَذْفِ مِنْكِ -، فَذَكَرَ الْقَاضِي إِذَا قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: أَنْتَ بَائِنٌ، وَلَمْ تَقُلْ: مِنِّي - أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ قَالَتْ: أَنْتَ مِنِّي بَائِنٌ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، فَيَخْرُجُ هُنَا مِثْلُهُ.

[إِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ]

(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ - لَمْ يَقَعْ، وَكَانَ ظِهَارًا) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، فَلَمْ يَكُنْ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، كَمَا لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ؛ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهٌ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالطَّلَاقُ يُفِيدُ تَحْرِيمًا غَيْرَ مُؤَبَّدٍ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ - لَمْ يَصِرْ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْكِنَايَةُ بِهِ عَنْهُ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ) أَوِ الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ حَرَّمْتُكِ (فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ) عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهُ ظِهَارٌ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَقَالَهُ عُثْمَانُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْحَرَامِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ؛ وَلِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَكَانَ ظِهَارًا، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ (وَالثَّانِيَةُ: كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَحَنْبَلٌ: الْحَرَامُ ثَلَاثٌ، حَتَّى لَوْ وَجَدْتَ رَجُلًا حَرَّمَ

ظَاهِرَةٌ، وَالثَّالِثَةُ: يَمِينٌ، وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ - أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ - فَقَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، فَرَّقْتَ بَيْنَهُمَا، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ كَرَاهَةُ الْفُتْيَا فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ.
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ حَرَامٌ كَانَ كِنَايَةً فِي وَجْهٍ، فَتَجِبُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ كَذَلِكَ، وَعَنْهُ: كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ.
(وَالثَّالِثَةُ) هُوَ (يَمِينُ) وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ.
رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهُوَ يَمِينٌ، يُكَفِّرُهَا؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] فَجَعَلَ الْحَرَامَ يَمِينًا.
قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَنَوَى يَمِينًا، ثُمَّ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ - لَا يُكَفِّرُ إِيلَاءً، إِنَّمَا الْإِيلَاءُ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا، فَإِنْ نَوَى شَيْئًا فَعَنْهُ - وَالْأَشْهَرُ -: أَنَّهُ ظِهَارٌ، فَإِنْ نَوَى ظِهَارًا أَوْ طَلَاقًا - فَظِهَارٌ، وَإِنْ قَالَهُ لِمُحَرَّمَةٍ بِحَيْضٍ وَنَحْوِهِ، وَنَوَى أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِهِ - فَلَغْوٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ وَيَحْتَمِلُ إِنْشَاءَ التَّحْرِيمِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ كَإِطْلَاقِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ.
فَرْعٌ: مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ لِزَيْدٍ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ - حَنِثَ حُكْمًا، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ.
(وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ - أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ - فَقَالَ أَحْمَدُ: تُطَلَّقُ امْرَأَتُهُ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، وَوَقَعَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، وَعَنْهُ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُمَا يُرَادَّانِ لِغَيْرِ الِاسْتِغْرَاقِ، لَا سِيَّمَا فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ - يَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ - إِنْ دَخَلْتُ لَكَ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَالرَّجُلُ مَرِيضٌ يَعُودُهُ؛ قَالَ: لَا، وَلَا يُشَيِّعُ جِنَازَتَهُ، أَخَاف أنَّهُ ثَلَاث، وَلَا أُفْتِي بِهِ (وَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ طَلَاقًا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً) رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ، إِنَّمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ.
وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ، فَإِذَا بُيِّنَ بِلَفْظِ إِرَادَةِ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ - صُرِفَ إِلَيْهِ

أَحْمَدُ: تُطَلَّقُ امْرَأَتُهُ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ طَلَاقًا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَعَنْهُ: أَنَّهُ ظِهَارٌ فِيهِمَا.

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَقَعَ مَا نَوَاهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ، وَالْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ، وَكَذِبَ، لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.

[المبدع في شرح المقنع]

(وَعَنْهُ: أَنَّهُ ظِهَارٌ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ، فَلَمْ يَصِرْ طَلَاقًا بِقَوْلِهِ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ، أَوْ طَلَاقًا.
فَرْعٌ: لَوْ نَوَى فِي: حَرَّمْتُكِ عَلَى غَيْرِي، فَكَطَلَاقٍ - ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قَالَ: فِرَاشِي عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ نَوَى امْرَأَتَهُ، فَظِهَارٌ، وَإِنْ نَوَى فِرَاشَهُ، فَهُوَ يَمِينٌ - نَقلَهُ ابْنُ هَانِئٍ

[إِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ]

(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) وَالْخَمْرِ (وَقَعَ مَا نَوَاهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ (مِنَ الطَّلَاقِ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَوَاهُ فَهُوَ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِيهِ، وَيَقَعُ مَا نَوَاهُ مِنَ الْعَدَدِ (وَالظِّهَارِ) إِذَا نَوَاهُ وَهُوَ يَقْصِدُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ نِكَاحِهَا؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ ظِهَارًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ.
(وَالْيَمِينُ) وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَرْكَ وَطْئِهَا - لَا تَحْرِيمَهَا وَلَا طَلَاقَهَا - فَهُوَ يَمِينٌ؛ وَلِأَنَّ فَائِدَةَ كَوْنِهِ يَمِينًا تَرَتُّبُ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ، ثُمَّ تَرَتُّبُ الْكَفَّارَةِ وَعَدِمَهَا، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قَوْلَهُ: كَالْمَيْتَةِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَرِيحًا لَمَا انْصَرَفَ إِلَى غَيْرِهَا بِالنِّيَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِالْكِنَايَةِ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِهَتْكِ الْقَسَمِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ ظِهَارٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَإِنَّ تَشْبِيهَهَا بِهِمَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِهِمَا فِي الْأَمْرِ الَّذِي اشْتَهَرَ أَنَّهُ هُوَ التَّحْرِيمُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَإِذَا أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، ثَبَتَ فِيهِ أَقَلُّ الْحُكْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ) أَوْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ (وَكَذَبَ، لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ فِي الْحُكْمِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أَقَرَّ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ: كَذَبْتُ - كَانَ جُحُودًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ، فَلَا يُقْبَلُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ أَنْكَرَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ، وَالْيَمِينُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْحَلِفِ (وَلَا يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ؛

جارٍ التحميل