الرَّجْعِيَّةُ، فَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ، فَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَمَتَى اخْتَارَتِ الْمُعْتَقَةُ الْفُرْقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَلَا مَهْرَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِسَيِّدِهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَا خِيَارَ لَهَا،
[المبدع في شرح المقنع]
(فَإِنْ طُلِّقَتْ) بَائِنًا (قَبْلَ اخْتِيَارِهَا - وَقَعَ الطَّلَاقُ) وَبَطَلَ خِيَارُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَيُعْتَدُّ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُعْتَقْ، وَقَالَ الْقَاضِي: طَلَاقُهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْفَسْخَ فَلَمْ يَقَعْ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ وَقَعَ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": فِي وُقُوعِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا ; لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ اخْتَارَتِ الْفَسْخَ - سَقَطَ مَهْرُهَا ; لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ; لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالطَّلَاقِ (وَإِنْ عُتِقَتِ الْمُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيَّةُ) أَوْ عُتِقَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا (فَلَهَا الْخِيَارُ) ; لِأَنَّ نِكَاحَهَا بَاقٍ، وَلَهَا فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ إِذَا لَمْ يُفْسَخْ، فَإِنْ قِيلَ: يَنْفَسِخُ حِينَئِذٍ، فَيَحْتَاجُ إِلَى عِدَّةٍ أُخْرَى، وَإِذَا فَسَخَتْ فِي الْعِدَّةِ بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ، (فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ فَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا - وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " -: أَنَّهُ يَسْقُطُ خِيَارُهَا ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ حِرْمَانِهَا فِي الْبَيْنُونَةِ وَذَلِكَ يُنَافِي الِاخْتِيَارَ: وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ ; لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْمُقَامِ، فَصَحَّ اخْتِيَارُ الْفَسْخِ كَصُلْبِ النِّكَاحِ، فَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا لَمْ يَسْقُطْ ; لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَسُكُوتُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا.
(وَمَتَى اخْتَارَتِ الْمُعْتَقَةُ الْفُرْقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ) وَكَذَا إِنِ اخْتَارَتِ الْفَسْخَ قَبْلَ الدُّخُولِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ، فَإِذَا اخْتَارَتِ الْمُقَامَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مُسْقِطٌ، وَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى مُطْلَقًا (وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَلَا مَهْرَ) لَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ أَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يَفْسَخُ نِكَاحَهَا (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِسَيِّدِهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) وَنَقَلَهُ مُهَنَّا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ عُتِقَ الزَّوْجَانِ مَعًا فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا.
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرِهِ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ لِلسَّيِّدِ لَكِنْ بِوَاسِطَتِهَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَلَوْ كَانَتْ مُفَوَّضَةً فَفُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي مِلْكِهِ لَا بِالْفَرْضِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَجَبَ، وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْضِ، فَلَا يُبْنَى إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْمُتْعَةِ حَيْثُ يَجِبُ لِوُجُوبِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَا خِيَارَ لَهَا) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهَذِهِ يُخْتَلَفُ فِيهَا، فَلَوْ زَوَّجَ مُدَبَّرَةً لَهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ بِعَبْدٍ عَلَى مِائَتَيْنِ مَهْرًا، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ - عُتِقَتْ، وَلَا فَسْخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لِئَلَّا يَسْقُطَ الْمَهْرُ أَوْ يَتَنَصَّفَ، فَلَا يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ فَيَرِقُّ بَعْضُهَا فَيَمْتَنِعُ الْفَسْخُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهَا الْخِيَارُ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَكْمَلَ مِنْهُ، فَثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ عَتَقَت جَمِيعًها، أَمَّا لَوْ كَانَ مُوسِرًا، فَإِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي، وَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الِاسْتِسْعَاءِ.
فَرْعٌ: إِذَا عُتِقَ زَوْجُ الْأَمَةِ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ ; لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ فِي الرَّجُلِ فَقَطْ، فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُطْلَقًا، فَبَانَتْ أَمَةً فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَوْ نَكَحَتْ رَجُلًا مُطْلَقًا فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَكَذَا فِي الِاسْتِدَامَةِ، لَكِنْ إِنْ عُتِقَ وَوَجَدَ الطَّوْلَ لِحُرَّةٍ، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَإِنْ عُتِقَ الزَّوْجَانِ مَعًا، فَلَا خِيَارَ لَهَا) فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالنِّكَاحُ بَاقٍ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمَا وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ حُرِّيَّةَ الْعَبْدِ لَوْ طَرَأَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لَمَنَعَتِ الْفَسْخَ، فَإِذَا قَارَنَتْ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ كَالْإِسْلَامِ، وَعَنْهُ: لَهَا الْخِيَارُ كَمَا لَوْ عُتِقَتْ قَبْلَهُ (وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ مَعْنًى يُزِيلُ الْمِلْكِ عَنْهُمَا لَا إِلَى مَالِكٍ، فَجَازَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْفُرْقَةُ كَالْمَوْتِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": مَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِذَا وَهَبَ عَبْدَهُ سُرِّيَّةً، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي بِهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا جَمِيعًا - لَمْ يُصِبْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ،
بَابٌ حُكْمُ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْفَسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ، وَهُوَ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا قَدْ قُطِعَ ذَكَرُهُ، أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِمَا رَوَى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ امْرَأَتَهُ فَعِتْقًا - لَمْ يَنْفَسِخْ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْفَسِخْ بِإِعْتَاقِهَا وَحْدَهَا، فَلِأَنْ لَا يَنْفَسِخَ بِإِعْتَاقِهِمَا مَعًا أَوْلَى، وَهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ هِيَ كَاحْتِمَالٍ فِي " الْوَاضِحِ " فِي عِتْقِهِ وَحْدَهُ بِنَاءً عَلَى غِنَاهُ عَنْ أَمَةٍ بِحُرَّةٍ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ إِنْ وَجَدَ طَوْلًا، فَلَوْ أُعْتِقَ نِصْفُهَما فَهُوَ كَمَا لَوْ عُتِقَا مَعًا.
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَهُ عَبْدٌ وَأَمَةٌ مُتَزَوِّجَانِ - الْبُدَاءَةُ بِعِتْقِ الرَّجُلِ ; لِئَلَّا يَثْبُتَ لِلْمَرْأَةِ خِيَارٌ عَلَيْهِ، فَيُفْسَخُ نِكَاحُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ حُكْمِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ]
[مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ]
[أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا قَدْ قُطِعَ ذَكَرُهُ]
بَابٌ
حُكْمُ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ خِيَارُ الْفَسْخِ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ ; لِلْعَيْبِ يَجِدُهُ فِي الْآخَرِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ - وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ الْحُرَّةَ لَا تُرَدُّ بِعَيْبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْفِرَاقَ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا ; لِأَنَّ وُجُودَ الْعَيْبِ لَا يَقْتَضِي فَسْخَ النِّكَاحِ كَالْعَمَى وَنَحْوِهِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ كَالْجَبِّ، وَالرَّجُلُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَالْمَرْأَةِ، «وَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً فَأَبْصَرَ بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَقَالَ: خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ.
(الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْفَسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ) لِأَنَّ مِنْهَا مَا يَخْتَصُّ الرِّجَالَ، وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ النِّسَاءَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ الرِّجَالَ وَهُوَ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا قَدْ قُطِعَ ذَكَرُهُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ) ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ، أَشْبَهَ الْعِنَّةَ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ بِخِلَافِ الْعِنَّةِ، وَحِينَئِذٍ الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْفَسْخِ ثَمَانِيَةٌ: الْجَبُّ، وَالْعِنَّةُ، وَالْقَرَنُ، وَالْعَفَلُ، وَالْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ، وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ سَبْعَةٌ، فَالْقَرَنُ وَالْعَفَلُ وَاحِدٌ،
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي إِمْكَانِ الْجِمَاعِ بِالْبَاقِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تَرَافُعِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ الرَّتْقُ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ، وَحَكَاهُ عَنْ أَهْلِ الْأَدَبِ، فَبَعْضُهَا يَتَعَذَّرُ الْوَطْءُ مَعَهُ، وَبَعْضُهَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ، وَبَعْضُهَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ إِلَى النَّفْسِ وَالنَّسْلِ (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي إِمْكَانِ الْجِمَاعِ بِالْبَاقِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهَا تَدَّعِي شَيْئًا يُعَضِّدُهُ الْحَالُ ; وَلِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ يَضْعُفُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ) كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعِنَّةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ ذَكَرُهُ قَصِيرًا مَا لَمْ تَكُنْ بِكْرًا، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ".
[أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ]
(الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ) الْعِنِّينُ: هُوَ الْعَاجِزُ عَنِ الْوَطْءِ، وَرُبَّمَا اشْتَهَاهُ وَلَا يُمْكِنُهُ، مُشْتَقٌّ مِنْ عَنَّ الشَّيْءُ: إِذَا عَرَضَ، وَقِيلَ: الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ وَلَا يَنْتَشِرُ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعِنَّةِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالثِّقَةِ، عُمِلَ بِهَا، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُنْكِرُ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يُغْمَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَزُولُ، فَذَلِكَ مَرَضٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ، وَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ وَدَامَ بِهِ الْإِغْمَاءُ فَهُوَ الْجُنُونُ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عِنَّةٌ، فَهُوَ عَيْبٌ تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ بِهِ الْفَسْخُ بَعْدَ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ بِهَا، وَيُعْلَمُ حَالُهُ بِهَا فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ (فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ) وَأُقِيمَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ (أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تَرَافُعِهِ) ; لِقَوْلِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَكَالْجَبِّ، وَخَبَرُ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ: إِنمَّا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ هَذَا الثَّوْبِ - لَا حُجَّةَ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ إِنَّمَا تُضْرَبُ مَعَ اعْتِرَافِهِ وَطَلَبِ الْمَرْأَةِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْرُكُهَا عَرْكَ الْأَدِيمِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ طَلَاقِهِ، فَلَا مَعْنَى لِضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَا اعْتَزَلَتْهُ فَقَطْ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " ; وَلِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرَضًا، فَتُضْرَبُ لَهُ سَنَةٌ لِتَمُرَّ بِهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، وَقِيلَ: شَمْسِيَّةٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ يَبَسٍ زَالَ فِي الرُّطُوبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رُطُوبَةٍ زَالَ فِي فَصْلِ الْيَبَسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بُرُودَةٍ زَالَ فِي الْحَرَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ انْحِرَافِ مِزَاجٍ زَالَ فِي فَصْلِ الِاعْتِدَالِ، فَإِذَا مَضَتِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْأَهْوِيَةُ، وَلَمْ يَزَلْ، عُلِمَ أَنَّهُ
فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا مَرَّةً، بَطَلَ كَوْنُهُ عِنِّينًا، فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وَطِئَ غَيْرَهَا - لَمْ تَزُلِ الْعِنَّةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَزُولَ، فَإِنِ ادَّعَى
[المبدع في شرح المقنع]
خِلْقَةٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الطِّبِّ قَالُوا: الدَّاءُ لَا يُسْجَنُ فِي الْبَدَنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ.
وَابْتِدَاءُ السَّنَةِ مُنْذُ تَرَافُعِهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْقَائِلِينَ بِتَأْجِيلِهِ بِخِلَافِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ (فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عِنَّتُهُ، فَيَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا يُؤَجَّلُ، وَيُفْسَخُ فِي الْحَالِ كَالْجَبِّ ; وَلِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْفَسْخِ قَدْ وُجِدَ، وَزَوَالُهُ لَا يَحْتَمِلُ الْأَجَلَ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إِذَا ادَّعَتْ عَدَمَ وَطْئِهَا لِعِنَّتِهِ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَهِيَ عَذْرَاءُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ - فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْلِفُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا ثَبَتَ عَجْزُهُ، وَأُجِّلَ سَنَةً فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا مَرَّةً بَطَلَ كَوْنُهُ عِنِّينًا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْوَطْءِ، فَبَطَلَ كَوْنُهُ عِنِّينًا ; لِأَنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ تَثْبُتُ بِوَطْءٍ وَاحِدٍ، فَكَذَا هَذَا، وَأَمَّا الْجَبُّ، فَقَدْ تَحَقَّقَ بِهِ الْعَجْزُ، فَافْتَرَقَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَوْلَجَ الْحَشَفَةَ فِي الْفَرْجِ زَالَتْ عِنَّتُهُ، فَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَهَا كَفَاهُ تَغْيِيبُ قَدْرِهَا مِنَ الْبَاقِي فِي الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي حَيْضٍ أَوْ إِحْرَامٍ، نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَالْإِبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي مَحَلِّهِ، فَخَرَجَ مِنْهَا كَالْمَرِيضَةِ، وَالْإِخْرَاجُ لَا يُخْرِجُ مِنَ الْعِنَّةِ إِلَّا بِتَغْيِيبِ جَمِيعِ الْبَاقِي (فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وَطِئَ غَيْرَهَا، لَمْ تَزُلِ الْعِنَّةُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْوَطْءِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ ; وَلِأَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ تُعْتَبَرُ فِي نَفْسِهَا ; لِأَنَّ الفسخ لدفع الضَّرَرَ الْحَاصِلَ بِالْعَجْزِ عَنْ وَطْئِهَا، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَإِنْ وَطِئَ غَيْرَهَا، (وَيَحْتَمِلُ أَنْ تزول) هَذَا وَجْهٌ حَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "
أَنَّهُ وَطِئَهَا، وَقَالَتْ: إِنَّهَا عَذْرَاءُ، فَشَهِدَ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَنْهُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُخْلَى
[المبدع في شرح المقنع]
و" الْفُرُوعِ "، رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ; وَلِأَنَّ الْعِنَّةَ جِبْلَةٌ، فَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَالنِّسَاءِ ; وَلِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ أَصْعَبُ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَانَ عَلَى غَيْرِهِ أَقْدَرَ، وَهَذَا مُخْتَارُ ابْنِ عَقِيلٍ وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَصَابَهَا، ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَعَنَّ عَنْهَا - فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ عَنِ امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى فَفِي نِكَاحٍ دُونَ آخَرَ أَوْلَى ; لِأَنَّهَا قَدْ تَطْرَأُ بِهِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَصِحُّ، بَلْ مَتَى وَطِئَ امْرَأَةً زَالَتْ عِنَّتُهُ أَبَدًا.
(وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ وَطِئَهَا، وَقَالَتْ: إِنَّهَا عَذْرَاءُ، فَشَهِدَ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) ; لِأَنَّ بَكَارَتَهَا أَكْذَبَتِ الزَّوْجَ ; إِذِ الْوَطْءُ مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ مُتَعَذِّرٌ، وَيُقْبَلُ فِي بَقَاءِ عُذْرَتِهَا امْرَأَةٌ ثِقَةٌ كَالرَّضَاعِ، وَعَنْهُ: ثِقَتَانِ، وَيُؤَجَّلُ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ عُذْرَتَهَا عَادَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ قُبِلَ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ مُتَصَوَّرًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُسْتَحْلَفُ (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: إِذَا لَمْ يَشْهَدْ لَهَا أَحَدٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ وَعَدَمُ الْعَيْبِ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَتْ أَنَّ عُذْرَتَهَا زَالَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) مَعَ يَمِينِهِ إِنِ ادَّعَاهُ ابْتِدَاءً، وَإِنِ ادَّعَاهُ بَعْدَ ثُبُوتِ عِنَّتِهِ وَتَأْجِيلِهِ قُبِلَ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ هَذَا يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي سَلَامَةَ الْعَقْدِ وَسَلَامَةَ نَفْسِهِ مِنَ الْعُيُوبِ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، قَالَ الْقَاضِي: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُسْتَحْلَفَ (وَعَنْهُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا) نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِصَابَةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُخْلَى مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَكَ عَلَى شَيْءٍ، فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ، جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا) نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ مُهَنَّا، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ; إِذْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ صِدْقُهُ أَوْ صِدْقُهَا ; إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الْعِنِّينَ لَا يُنْزِلُ، فَمَعَ الْإِنْزَالِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ كَذِبُهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَعَ عَدَمِ الْإِنْزَالِ يَظْهَرُ صِدْقُهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، وَمَعَ الْإِنْزَالِ إِذَا
مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَكَ عَلَى شَيْءٍ، فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ، جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٍّ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا.
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَهُوَ شَيْئَانِ: الرَّتْقُ، وَهُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا لَا مَسْلَكَ لِلذَّكَرِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقَرَنُ وَالْعَفَلُ، وَهُوَ لَحْمٌ يَحْدُثُ فِيهِ يَسُدُّهُ، وَقِيلَ:
[المبدع في شرح المقنع]
أَنْكَرَتْ أَنَّهُ يُخْتَبَرُ، فَيُجْعَلُ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِهِ، وَإِنْ يَبِسَ وَتَجَمَّعَ فَهُوَ بَيَاضُ بَيْضٍ، فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ إِخْرَاجِهِ قُبِلَ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يُزَوَّجُ امْرَأَةً لَهَا دِينٌ وَحَظٌّ مِنْ جَمَالٍ، فَإِنْ ذَكَرَتْ أَنَّهُ قَرَبَهَا كُذِّبَتِ الْأُولَى، وَخُيِّرَتِ الثَّانِيَةُ بَيْنَ الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ، وَيَكُونُ صَدَاقُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ ذَكَرَتْ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ، وَمَهْرَاهُمَا فِي مَالِهِ، وَاعْتُمِدَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى سَمُرَةَ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا زَوْجُهَا، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَمَرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَتْ زَوْجَةُ مَجْنُونٍ عِنَّتَهُ، ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةٌ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ، وَهَلْ يَبْطُلُ بِحُدُوثِهِ فَلَا يَفْسَخُ الْوَلِيُّ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
أ
[مَا يَخْتَصُّ النِّسَاءَ]
فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّانِي: يَخْتَصُّ النِّسَاءَ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَهُوَ شَيْئَانِ: الرَّتْقُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالتَّاءِ يَعْنِي مُلْتَصِقًا لَا يَدْخُلُ الذَّكَرُ فِيهِ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مَصْدَرُ امْرَأَةٍ رَتْقَاءَ، أَيْ: بَيِّنَةُ الرَّتْقِ لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا ; لِارْتِتَاقِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا (وَهُوَ كَوْنُ الْفَرَجِ مَسْدُودًا لَا مَسْلَكَ لِلذَّكَرِ فِيهِ) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ مَقْصُودِ النِّكَاحِ، أَشْبَهَ الْجَبَّ وَالْعِنَّةَ ; وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي النِّكَاحِ، فَجَازَ رَدُّهَا بِعَيْبٍ كَالصَّدَاقِ (وَكَذَلِكَ الْقَرَنُ وَالْعَفَلُ، وَهُوَ لَحْمٌ يَحْدُثُ فِيهِ يَسُدُّهُ) كَذَا قِيلَ، أَمَّا الْقَرَنُ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ - قَرِنَتِ الْمَرْأَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، تَقْرَنُ قَرَنًا، بِفَتْحِهَا فِيهِمَا إِذَا كَانَ فِي فَرْجِهَا قَرَنٌ وَهُوَ الْعَظْمُ، أَوْ غُدَّةٌ مَانِعَةٌ مِنْ سُلُوكِ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْعَفَلُ - بِوَزْنِ فَرَسٍ -: شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَحَيَاءِ النَّاقَةِ شَبِيهٌ بِمَا يَكُونُ فِي خُصْيَةِ الرَّجُلِ (وَقِيلَ: الْقَرَنُ عَظْمٌ، وَالْعَفَلُ: رَغْوَةٌ فِيهِ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ، وَرَغْوَةُ اللَّبَنِ
الْقَرَنُ: عَظْمٌ، وَالْعَفَلُ: رَغْوَةٌ فِيهِ تَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ.
الثَّانِي: الْفَتْقُ، وَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ، وَقِيلَ: انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ.
الثَّالِثُ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ، وَالْجُنُونُ، سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا، أَوْ يَخْنُقُ فِي الْأَحْيَانِ، فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ يَثْبُتُ بِهَا خِيَارُ الْفَسْخِ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فَصْلٌ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَخَرِ وَهُوَ نَتَنُ الْفَمِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: نَتَنٌ فِي الْفَرْجِ
[المبدع في شرح المقنع]
مَعْرُوفَةٌ، وَزَبَدُ كُلِّ شَيْءٍ: رَغْوَتُهُ (تَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ) قَالَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُمَا وَالرَّتْقُ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ.
1 -
(الثَّانِي: الْفَتْقُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْفَتْقُ - بِالتَّحْرِيكِ - مَصْدَرُ قَوْلِكَ: امْرَأَةٌ فَتْقَاءُ، وَهِيَ الْمُنْفَتِقَةُ الْفَرْجِ خِلَافُ الرَّتْقَاءِ (وَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " (وَقِيلَ: انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " ; لِأَنَّ فِيهِ تَنْفِيرًا، أَشْبَهَ انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": إِذَا انْخَرَقَ مَخْرَجَا الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ فِي الْفَرْجِ، فَهَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[عُيُوبٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا]
(الثَّالِثُ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَرَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَقَالَ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ» فَثَبَتَ الْخِيَارُ بِالْبَرَصِ، وَبَاقِي الْعُيُوبِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّهُمَا يُثِيرَانِ نَفْرَةً فِي النَّفْسِ تَمْنَعُ قُرْبَانَ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إِلَى النَّفْسِ وَالنَّسْلِ (وَالْجُنُونُ) ; لِأَنَّهُ يُثِيرُ النَّفْرَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَيُخَافُ ضَرَرُهُ (سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا) أَيْ: دَائِمًا (أَوْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ) أَيْ: يَعْتَرِيهِ وَقْتًا دُونَ آخَرَ ; لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَسْكُنُ إِلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": جُنُونٌ غَالِبٌ، وَفِي " الْمُغْنِي ": أَوْ إِغْمَاءٌ لَا إِغْمَاءَ مَرِيضٍ لَمْ يَدُمْ (فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ يَثْبُتُ بِهَا خِيَارُ الْفَسْخِ رِوَايَةً وَاحِدَةً) وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ.
1 -
فَصْلٌ (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَخَرِ وَهُوَ مِنَ الْفَمِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ يُثِيرُ نَفْرَةً كَالْبَرَصِ
يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ، وَاسْتِطْلَاقِ الْبَوْلِ، وَالنَّجْوِ، وَالْقُرُوحِ السَّيَّالَةِ فِي الْفَرْجِ، وَالْبَاسُورِ، وَالنَّاسُورِ، وَالْخِصَاءِ، وَهُوَ قَطْعُ الْخُصْيَتَيْنِ، وَالسَّلِّ، وَهُوَ سَلُّ الْبَيْضَتَيْنِ، وَالْوِجَاءِ، وَهُوَ رَضُّهُمَا، وَفِي كَوْنِهِ خُنْثَى.
وَفِي مَا إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلَهُ، أَوْ حَدَثَ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: نَتَنٌ فِي الْفَرْجِ يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ) ; لِأَنَّ النَّفْرَةَ حَاصِلَةٌ بِهِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى بَخَرًا، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بَخَرَ رِوَايَتَيْنِ.
فَائِدَةٌ: يَسْتَعْمِلُ لَهُ السِّوَاكَ، وَيَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ وَرَقَ آسٍ مَعَ زَبِيبٍ مَنْزُوعِ الْعَجَمِ قَدْرَ جَوْزَةٍ، وَاسْتِعْمَالُ الْكَرَفْسِ، وَمَضْغُ النَّعْنَاعِ جَيِّدٌ فِيهِ.
(وَاسْتِطْلَاقِ الْبَوْلِ) أَيْ لَا يَزَالُ يَنْقَضُّ (وَالنَّجْوِ) وَهُوَ الْغَائِطُ (وَالْقُرُوحِ السَّيَّالَةِ فِي الْفَرْجِ) وَاحِدُهَا قَرْحٌ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا - كَالضَّعْفِ، وَالضُّعْفُ (وَالْبَاسُورِ) وَهُوَ عِلَّةٌ تَخْرُجُ فِي الْمَقْعَدَةِ (وَالنَّاسُورِ) بِالنُّونِ: الْعِرْقُ الَّذِي لَا يَزَالُ يَنْقَضُّ (وَالْخِصَاءِ) بِالْمَدِّ، خَصَيْتُ الْفَحْلَ خَصْيًا: إِذَا سَلَلْتُ أُنْثَيَيْهِ وَقَطَعْتُهُمَا، أَوْ قَطَعْتُ ذَكَرَهُ (وَهُوَ قَطْعُ الْخُصْيَتَيْنِ، وَالسَّلِّ وَهُوَ سَلُّ الْبَيْضَتَيْنِ، وَالْوِجَاءِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَمْدُودًا (وَهُوَ رَضُّهُمَا) وَفِي " الْمُطْلِعِ ": وَهُوَ رَضُّ عُرُوقِ الْبَيْضَتَيْنِ حَتَّى تَنْفَضِخَ، فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالْخِصَاءِ (وَفِي كَوْنِهِ خُنْثَى) سَوَاءٌ كَانَ مُشْكِلًا أَوْ لَا، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَخَصَّهُ فِي " الْمُغْنِي " بِالْمُشْكِلِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " عَكْسُهُ، وَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ، أَشْبَهَ الْعَمَى، بَلْ يُقَالُ: إِنَّ الْخَصِيَّ أَقْدَرُ عَلَى الْجِمَاعِ، وَالْخُنْثَى فِيهِ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ كَالْيَدِ الزَّائِدَةِ.
وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا وَعَارًا، وَيُثِيرُ نَفْرَةً، وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ فِي " الْمُوجَزِ " بَوْلَ كَبِيرَةٍ فِي الْفِرَاشِ، وَالْقَرْعَ فِي الرَّأْسِ، وَلَهُ رَائِحَةُ مُنْكَرَةٌ: وَجْهَانِ.
[إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلَهُ أَوْ حَدَثَ بِهِ الْعَيْبُ بَعْدَ الْعَقْدِ]
(وَفِي مَا إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلَهُ) لَا خِيَارَ ; لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَحُّ -: ثُبُوتُهُ ; لِوُجُودِ سَبَبِهِ، أَشْبَهَ الْعَبْدَ الْمَغْرُورَ بِأَمَةٍ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَأْنَفُ مِنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَلَا يَأْنَفُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْعَيْبُ فِيهِمَا أَنَّهُ
بِهِ الْعَيْبُ بَعْدَ الْعَقْدِ هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَوْ قَالَ: قَدْ رَضِيتُ بِهِ مَعِيبًا، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ دَلَالَةً عَلَى الرِّضَا مِنْ وَطْءٍ، أَوْ تَمْكِينٍ
[المبدع في شرح المقنع]
يُثْبِتُ الْخِيَارَ، إِلَّا أَنْ يَجِدَ الْمَجْبُوبُ الْمَرْأَةَ رَتْقَاءً، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا الْخِيَارُ ; لِامْتِنَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِعَيْبِ نَفْسِهِ، وَاخْتَارَ فِي " الْفُصُولِ " إِنْ لَمْ يَطَأْ لِبَظَرٍ بِهَا فَرَتْقَاءُ (أَوْ حَدَثَ بِهِ الْعَيْبُ بَعْدَ الْعَقْدِ هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وفِي الشَّرْحِ: يَثْبُتُ الْخِيَارُ ; لِأَنَّهُ عَيْبٌ أَثْبَتَ الْخِيَارَ مُقَارِنًا، فَأَثْبَتَهُ طَارِئًا كَالْإِعْسَارِ وَالرِّقِّ، وَالثَّانِي: لَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ ; لِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ الْحَادِثَ بِالْمَبِيعِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ ; لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ فِي الْإِجَارَةِ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا فَسْخَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، كَعَوَرٍ، وَعَمًى، وَقَطْعِ يَدٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": هَلْ يَحُطُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِقَدْرِ النَّقْصِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ لِشَيْخِنَا: لِمَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَغَيْرِهَا؟ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ عُيُوبَ الْفَرْجِ الْمَانِعَةُ مِنَ الْوَطْءِ بِهَا فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَطْءُ بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تُقَلَّبُ كَمَا تُقَلَّبُ الْأَمَةُ، وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ رِضًا مُطْلَقًا وَهُوَ لَمْ يَشْتَرِطْ صِفَةً، فَبَانَتْ بِدُونِهَا، وَالصَّوَابُ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " فِي قَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ خَرَسٍ أَوْ طَرَشٍ وَكَذَا كُلُّ عَيْبٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ، فَوَجَبَ الْخِيَارُ، وَأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْبَيْعِ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ رَدَّ الْمَرْأَةِ بِمَا تُرَدُّ بِهِ الْأَمَةُ فِي الْبَيْعِ، حَكَاهُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الشَّيْخُوخَةُ فِي أَحَدِهِمَا عَيْبٌ، وَلَوْ بَانَ عَقِيمًا فَلَا خِيَارَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهَا.
(فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ قَالَ: قَدْ رَضِيتُ بِهِ مَعِيبًا) فَلَا خِيَارَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ، أَشْبَهَ مُشْتَرِي الْمَبِيعِ، وَإِنْ ظَنَّهُ يَسِيرًا فَبَانَ كَثِيرًا فَلَا خِيَارَ لَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَضِيَ بِعَيْبٍ فَبَانَ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَا يَحْسَبُهُ، وَإِنْ
مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: عَنْهُ مَهْرُ الْمِثْلِ،
[المبدع في شرح المقنع]
رَضِيَ بِعَيْبٍ فَزَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا خِيَارَ لَهُ ; لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ رِضًا بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ (أَوْ وُجِدَ مِنْهُ دَلَالَةٌ عَلَى الرِّضَا مِنْ وَطْءٍ، أَوْ تَمْكِينٍ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ) ; لِأَنَّهُ عَيْبٌ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَبَطَلَ بِمَا ذُكِرَ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ وَالشَّرْطِ عَلَى التَّرَاخِي، لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، إِلَّا فِي الْعِنَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِ الْقَوْلِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
[لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ]
(وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ) ; لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ كَالْفَسْخِ بِالْإِعْسَارِ وَالْعِنَّةِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ بِفَسْخِهِ هُوَ أَوْ بِرَدِّهِ إِلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": يَتَوَلَّاهُ هُوَ، وَإِنْ فَسَخَ مَعَ عِنِّيَتِهِ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ عِنِّيَتِهِمَا - فَفِيهِ خِلَافٌ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا يُطْلَقُ عَلَى عِنِّينَيْنِ كَوَلِيٍّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا تَحْرُمُ أَبَدًا، وَعَنْهُ: كَلِعَانٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ هُوَ الْفَاسِخَ، وَإِنَّمَا يَأْذَنُ، وَيَحْكُمُ بِهِ، فَمَتَى أَذِنَ أَوْ حَكَمَ لِأَحَدٍ بِاسْتِحْقَاقِ عَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ، فَهُوَ فِعْلُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا زَالَ الْعَيْبُ فَلَا فَسْخَ، وَكَذَا إِنْ عِلْمَ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَمَنْعَهُ فِي " الْمُغْنِي " فِي عِنِّينٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُصَرَّاةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي غَيْرِهِ مِثْلُهُ (فَإِنَ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ) سَوَاءٌ كَانَ الْفَاسِخُ الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ إِنْ كَانَ مِنْهَا، فَالْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا كَرَضَاعِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ، فَإِنَّمَا فُسِخَ لِعَيْبٍ بِهَا دَلَّسَهُ بِالْإِخْفَاءِ، فَصَارَ الْفَسْخُ كَأَنَّهُ مِنْهَا، لَا يُقَالُ: هَلَّا جَعَلَ فَسْخَهَا لِعَيْبِهِ كَأَنَّهُ مِنْهُ لِحُصُولِهِ بِتَدْلِيسِهِ ; لِأَنَّ الْعِوَضَ مِنَ الزَّوْجِ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهِمَا، فَإِذَا اخْتَارَتِ الْفَسْخَ مَعَ سَلَامَةِ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ - رَجَعَ الْعِوَضُ إِلَى الْعَاقِدِ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ ; لِأَجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهَا، لَا لِأَجْلِ تَعَذُّرِ مَا اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا، فَافْتَرَقَا (وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ وُجِدَ بِأَرْكَانِهِ
وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْوَلِيِّ، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَشُرُوطِهِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصِّحَّةِ ; وَلِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِحَادِثٍ بَعْدَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا ; وَفِيهِ مُسَمًّى صَحِيحٌ، فَوَجَبَ كَغَيْرِ الْمَعِيبَةِ وَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، وَكَمَا لَوْ طَرَأَ الْعَيْبُ (وَقِيلَ: عَنْهُ مَهْرُ الْمِثْلِ) ; لِأَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إِلَى الْعَقْدِ، فَصَارَ كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَقِيلَ: عَنْهُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي فَسْخِ الزَّوْجِ لِشَرْطٍ أَوْ عَيْبٍ قَدِيمٍ، وَقِيلَ فِيهِ يُنْسَبُ قَدْرُ نَقْصِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَجْلِ ذَلِكَ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ كَامِلًا، فَيَسْقُطُ مِنَ الْمُسَمَّى بِنِسْبَتِهِ فَسَخَ أَوْ أَمْضَى، وَقَاسَهُ فِي الْخِلَافِ عَلَى الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ مُسَمًّى بِلَاحِقٍ وَمِثْلٌ بِسَابِقٍ.
فَرْعٌ: الْخَلْوَةُ هُنَا كَالْوَطْءِ فِي تَقْرِيرِ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ.
(وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْوَلِيِّ) أَوِ الْوَكِيلِ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ، وَكَمَا لَوْ غُرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَذْهَبَ - رِوَايَةً وَاحِدَةً - أَنَّهُ يَرْجِعُ، قَالَ أَحْمَدُ: كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، فَهِبْتُهُ، فَمِلْتُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ (وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ) وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ ضِمْنَ مَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ وَهُوَ الْوَطْءُ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا فَأَكَلَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ الْوَلِيُّ عَلِمَ، غَرِمَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَجَعَ عَلَيْهَا بِالصَّدَاقِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ فِي عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ أَبًا أَوْ جِدًّا أَوْ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَرَاهَا فَالتَّقْرِيرُ فِي جِهَتِهِ عَلِمَ أَوْ لَا، وَمِثْلُهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَارِّ وَلَوْ زُوِّجَ امْرَأَةً، فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ غَيْرَهَا، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَتُجَهَّزُ زَوْجَتُهُ بِالْمَهْرِ الْأَوَّلِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِهَا عَيْبٌ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ فَلَهَا الصَّدَاقُ، وَلَا يَرْجِعُ فِيهِمَا، وَإِذَا بَانَتْ بِالْفَسْخِ فَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ إِنْ كَانَتْ حَائِلًا، كَالْبَائِنِ بِالثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، وَالْحَمْلُ لَاحِقٌ بِهِ، وَقِيلَ: لَا ; لِأَنَّهَا بَائِنٌ، وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ.
فَصْلٌ وَلَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، وَلَا سَيِّدِ أَمَةٍ، تَزْوِيجُهَا مَعِيبًا، وَلَا لِوَلِيِّ كَبِيرَةٍ تَزْوِيجُهَا بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْكَبِيرَةُ نِكَاحَ مَجْبُوبٍ أَوْ عِنِّينٍ، لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا، وَإِنِ اخْتَارَتْ نِكَاحَ مَجْنُونٍ، أَوْ مَجْذُومٍ، أَوْ أَبْرَصَ فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ عَلِمَتِ الْعَيْبَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ حَدَثَ بِهِ، لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ.
[المبدع في شرح المقنع]
[لَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ وَلَا سَيِّدِ أَمَةٍ تَزْوِيجُهَا مَعِيبًا]
فَصْلٌ (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ) حُرَّةٍ (أَوْ مَجْنُونَةٍ وَلَا سَيِّدِ أَمَةٍ تَزْوِيجُهَا مَعِيبًا) ; لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلَا حَظَّ لَهُنَّ فِي هَذَا الْعَقْدِ، فَإِنْ زَوَّجَهُنَّ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ صَحَّ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا وَعَكْسُهُ، وَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ إِذَنْ، أَوْ يَنْتَظِرُهَا؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " الْخِلَافُ إِنْ أَجْبَرَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِيضَاحِ " مَعَ جَهْلِهِ وَيُخَيَّرُ، وَمِثْلُهُ تَزْوِيجُ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ بِمَعِيبَةٍ (وَلَا لِوَلِيِّ كَبِيرَةٍ تَزْوِيجُهَا بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ إِذَا عَلِمَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَالِامْتِنَاعُ أَوْلَى.
فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ صَحَّ مَعَ جَهْلِهِ بِهِ، وَالْأَصَحُّ لَهُ الْفَسْخُ إِذَا عَلِمَ (فَإِنِ اخْتَارَتِ الْكَبِيرَةُ نِكَاحَ مَجْبُوبٍ أَوْ عِنِّينٍ، لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا) فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَالضَّرَرَ مُخْتَصٌّ بِهَا، وَالثَّانِي: لَهُ مَنْعُهَا ; لِأَنَّهُ ضَرَرٌ دَائِمٌ رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الشِّقَاقِ، فَيَتَضَرَّرُ وَلِيُّهَا وَأَهْلُهَا، فَمَلَكَ الْوَلِيُّ مَنْعَهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَتْ نِكَاحَ غَيْرَ كُفْءٍ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُزَوِّجَهَا بِعِنِّينٍ، وَإِنْ رَضِيَتِ السَّاعَةَ تَكْرَهُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِنَّ النِّكَاحَ، وَيُعْجِبُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْجِبُنَا (وَإِنِ اخْتَارَتْ نِكَاحَ مَجْنُونٍ، أَوْ مَجْذُومٍ، أَوْ أَبْرَصَ - فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا دَائِمًا وَعَارًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا، أَشْبَهَ مِنْ تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ ; وَلِأَنَّهُ يُخْشَى تَعَدِّيهِ إِلَى الْوَلَدِ، وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، أَشْبَهَ الْمَجْبُوبَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ وَرَضِيَا بِهِ - صَحَّ النِّكَاحُ، وَيُكْرَهُ لَهُمَا ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا وَإِنْ رَضِيَتِ الْآنَ تَكْرَهُ فِيمَا بَعْدُ، وَقِيلَ: وَلِبَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُهُمْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ (وَإِنْ عَلِمَتِ الْعَيْبَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ حَدَثَ بِهِ لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْوَلِيِّ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا فِي
بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ، وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا، وَعَنْهُ فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، أَوِ اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً: يَحُولُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ، فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ، وَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، لَمْ نُمْضِهِ إِلَّا عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
دَوَامِهِ ; لِأَنَّهَا لَوْ دَعَتْ وَلِيَّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِعَبْدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِجَابَتُهَا، وَلَوْ عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ.
[بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ]
[حُكْمُ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ]
بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ (وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ، وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ) أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ: مِنْ وُقُوعِ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْقَسْمِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ، وَكَذَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَاقِلٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ، وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] و ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: 11] وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ» وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا ثَبَتَ أَحْكَامُهَا كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ الْكَافِرُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَأَصَابَهَا ثُمَّ أَسْلَمَا، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَهِيَ عِنْدُهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا ذُكِرَ فِي بَابِهِ.
(وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا) فِي شَرْعِهِمْ (وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ أَسْلَمَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا خُصُوصًا أَهْلَ هَجَرَ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ ; وَلِأَنَّ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ، فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ عَقَدَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ: إِنَّهُ يُقَرُّ مَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا (وَعَنْهُ فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً واشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً: يَحُولُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ) ; لِأَنَّهُ لَا مَسَاغَ لَهُ عِنْدَنَا ; وَلِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ، أَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُسْلِمِ الْفَاسِدِ (فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ) وَأَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ ; لِقَوْلِ عُمَرَ: فَرِّقُوا بَيْنَ
الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ، بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا كَذَاتِ مَحْرَمِهِ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا، أَوْ مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَوَطِئَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ - وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا، أُقِرَّا، وَإِلَّا فَلَا،
[المبدع في شرح المقنع]
كُلِّ رَحِمٍ مِنَ الْمَجُوسِ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا ; لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ، فَلَوْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُبَاحُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ (فَإِنْ أَسْلَمُوا) وَأَتَوْنَا (أَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا) قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ (فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ) لِنَعْقِدَهُ لَهُمْ (لَمْ نُمْضِهِ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ) كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، مِنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ ; لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى عَقْدٍ يُخَالِفُ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] أَيْ: بِالْعَدْلِ (وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ) حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُبَاحُ إِذَنْ كَعَقْدِهِ فِي عِدَّةٍ فَرَغَتْ أَوْ بِلَا شُهُودٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، أَوْ بِلَا وَلِيٍّ، وَصِيغَةٍ أَوْ عَلَى أُخْتٍ مَاتَتْ (لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ - أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ (بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا كَذَاتِ مَحْرَمَهِ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا، أَوْ مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) ; لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَضْعَفُ مِنِ الِابْتِدَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَجُزِ الِابْتِدَاءُ - وَهُوَ أَقْوَى - فَلِأَنْ لَا تَجُوزَ الِاسْتِدَامَةُ وَهِيَ أَضْعَفُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَذَا إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحُ مُتْعَةٍ، فَإِنِ اعْتَقَدَا فَسَادَ الشَّرْطِ وَحْدَهُ أُقِرَّا (وَإِلَّا أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ) ; لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يُبْطِلُهُ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ فِي الْمُفْسِدِ مُؤَبَّدًا، أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَإِذَا أَسْلَمَا، وَالْمَرْأَةُ بِنْتُهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ زِنًا، أَوْ هِيَ فِي عِدَّةِ مُسْلِمٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الْعَقْدِ - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ، فَرِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، وَفِي حُبْلَى مِنْ زِنًا، وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ مُطْلَقًا أَوْ إِلَى مُدَّةٍ هُمَا فِيهَا وَجْهَانِ.
(وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَوَطِئَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا) ثُمَّ أَسْلَمَا (أُقِرَّا) ; لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لَهُ اعْتِقَادُهُ الْحِلَّ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يُعْتِقَاهُ لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ، وَحُكْمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ، جَزَمَ بِهِ فِي
وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ، اسْتَقَرَّ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ تَقْبِضْهُ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُغْنِي "، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا يُقَرُّونَ (وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى صَحِيحًا) قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ (أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ، اسْتَقَرَّ) ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَى مَا فَعَلُوهُ يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] ; وَلِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمَقْبُوضِ بِإِبْطَالِهِ يُسْبَقُ ; لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ ; وَلِأَنَّ فِي التَّعَرُّضِ إِلَيْهِمْ تَنْفِيرًا لَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنَ الْفَرَائِضِ ; وَلِأَنَّهُمْ تَقَابَضُوا بِحُكْمِ الشِّرْكِ، فَبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ عَلَيْهِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ تَبَايَعُوا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَقَابَضُوا (وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا) كَالْخَمْرِ (لَمْ تَقْبِضْهُ) وَلَمْ يُسَمَّ لَهَا شَيْءٌ (فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) ; لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً، فَكَذَا الْكَافِرَةُ ; وَلِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ لَهَا فِي خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ مُعَيَّنٍ، وَلَهَا فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي، فَلَوْ أَسْلَمَا فَانْقَلَبَتْ خَلًّا وَطَلَّقَ، فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ تَلِفَ الْخَلُّ ثُمَّ طَلَّقَ، فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِ مِثْلِهِ احْتِمَالَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَبَضَتْ بَعْضَ الْمُسَمَّى الْفَاسِدِ، وَجَبَ قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَتُعْتَبَرُ الْحِصَّةُ فِيمَا يَدْخُلُهُ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ بِهِ، وَفِي مَعْدُودٍ قِيلَ: بِعَدِّهِ، وَقِيلَ: بِقِيمَتِهِ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ مِنْ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَهْرًا قَبَضَتْهُ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا أَوْ أَبِيهَا، فَيُطَلِّقُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا، فَتُرْفَعُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ -: لَا مَهْرَ لَهَا ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَهَلْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؟ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُسْلِمِ إِذَا وَطِئَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةٍ، انْتَهَى.
فَلَوْ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
فَصْلٌ وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ - غَيْرُ الْكِتَابِيِّينَ - قَبْلَ الدُّخُولِ يُفْسَخُ النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، فَلَهَا نِصْفُ
[المبدع في شرح المقنع]
[الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا]
فَصْلٌ (وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا) بِأَنْ تَلَفَّظَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا إِجْمَاعًا ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ مُفْسِدٌ لِلنِّكَاحِ بِمُجَرَّدِ سَبْقِ أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: يَقِفُ عَلَى الْمَجْلِسِ بِدَلِيلِ الْقَبْضِ ; لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمَا عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ مَعًا مُتَعَذِّرٌ، فَلَوِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ لَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ إِلَّا فِي الشَّاذِّ النَّادِرِ (أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ) سَوَاءٌ كَانَ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ - قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا) ; لِأَنَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ، فَالِاسْتِمْرَارُ أَوْلَى (وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرُ الْكِتَابِيِّينَ) كَالْوَثَنِيِّينَ وَالْمَجُوسِيِّينَ (قَبْلَ الدُّخُولِ - يُفْسَخُ النِّكَاحُ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] إِذْ لَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; وَلِأَنَّ دِينَهَما اخْتَلَفَ، فَلَمْ يَجُزِ اسْتِمْرَارُهُ كَابْتِدَائِهِ، وَتَعَجَّلَتِ الْفُرْقَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ فَسْخًا لَا طَلَاقًا كَالرِّدَّةِ (فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ فَلَا مَهْرَ لَهَا) رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوِ ارْتَدَّتْ، وَعَنْهُ: لَهَا نَصِفُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْهُ بِامْتِنَاعِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ فَعَلَتِ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ، وَفَرَّقَ الْمُؤَلِّفُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ التَّعْلِيقَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَعَنْهُ: إِنْ سَبَقَهَا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ (وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ جِهَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا (وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لَهَا) ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِتَأَخُّرِهَا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ مِنْ جِهَتِهَا ; وَلِأَنَّ فِي إِيجَابِ
الْمَهْرِ، وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لَهَا.
وَإِنْ قَالَتْ: أَسْلَمْتَ قَبْلِي، وَأَنْكَرَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ، فَأَنْكَرَتْهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي قَبْلَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَهْرِ عَلَيْهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ فَسْخُ النِّكَاحِ مَعَ وُجُوبِ الْمَهْرِ.
(وَإِنْ قَالَتْ: أَسْلَمْتَ قَبْلِي، وَأَنْكَرَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) ; لِأَنَّهَا تَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ، وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهُ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ نِصْفَ الْمَهْرِ إِذَا سَبَقَهَا بِالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا (وَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ، فَأَنْكَرَتْهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا، إِذْ يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ قِيلَ: الْعِبْرَةُ بِالْمَجْلِسِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالظَّاهِرِ مُتَعَيِّنٌ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَا: سَبَقَ أَحَدُنَا وَلَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمُهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْ فَلَا شَيْءَ لَهَا ; لِأَنَّهَا تَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَوَاهُ عَنْهُ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ، لِمَا «رَوَى ابْنُ شُبْرُمَةَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ قَبْلَهُ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا» وَرُوِيَ «أَنَّ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، فَأَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ صَفْوَانُ، فَلَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ بَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ» ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِهِ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَأَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ إِلَى
انْقِضَائِهَا، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَلَمْ يُسْلِمْ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ أَسْلَمَ، فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْفُرْقَةَ تَتَعَجَّلُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَوَاجِبٌ بِكُلِّ حَالٍ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْيَمَنِ، فَارْتَحَلَتْ إِلَيْهِ، وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ، وَقَدِمَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا» قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ وَزَوْجُهَا مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إِلَّا أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، رَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُسْلِمِ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا (تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ) ; لِأَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ اخْتِلَافُ الدِّينِ، فَوَجَبَ أَنْ تُحْتَسَبَ الْفُرْقَةُ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ (فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يُسْلِمْ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَيُؤَدَّبُ (وَإِنْ أَسْلَمَ، فَلَا شَيْءَ لَهَا) ; لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي نِكَاحِهِ (وَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ) ; لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ، فَكَانَ لَهَا النَّفَقَةُ ; لِكَوْنِهِ يَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِمْتَاعِهَا كَالرَّجْعِيَّةِ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا أَوْ لَا (وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى تَلَافِي نِكَاحِهَا، أَشْبَهَتِ الْبَائِنَ (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهَا.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَإِنْ قَالَ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ إِسْلَامِي، فَلَا نَفَقَةَ لَكِ فِيهِمَا، وَقَالَتْ: بَعْدَ شَهْرٍ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَأَمَّا إِنِ ادَّعَى هُوَ مَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ وَأَنْكَرَتْهُ، انْفَسَخَ.
فَرْعٌ: لَوْ لَاعَنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ - صَحَّ لِعَانُهُ، وَإِلَّا فَسَدَ، فَفِي الْحَدِّ إِذَنْ وَجْهَانِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَهُمَا فِيمَنْ ظَنَّ صِحَّةَ نِكَاحٍ فَلَاعَنَ ثُمَّ بَانَ فَسَادُهُ.
(وَعَنْهُ: أَنَّ الْفُرْقَةَ تَتَعَجَّلُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ) اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَصَاحِبُهُ، وَقَدَّمَهَا السَّامَرِّيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَنَصَرَهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] الْآيَةَ، وَهِيَ تَدُلُّ مِنْ وَجْهِ عُمُومٍ ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] فَأَمَرَ بِرَدِّ الْمَهْرِ، وَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ لَمَا أَمَرَ بِرَدِّ الْمَهْرِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] وَأَبَاحَ نِكَاحَهُنَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] يَكُونُ مَنْسُوخًا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَبِأَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الْمَهْرِ إِلَى الزَّوْجِ إِذَا جَاءَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، ثُمَّ نَسَخَ وُجُوبَ دَفْعِ الْمَهْرِ إِلَيْهِ، وَبِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الْعِدَّةِ.
وَالثَّالِثَةُ: الْوَقْفُ بِإِسْلَامِ الْكِتَابِيَّةِ وَالِانْفِسَاخِ بِغَيْرِهَا.
وَالرَّابِعَةُ: الْوَقْفُ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْفُرْقَةَ حَيْثُ تَقَعُ تَقَعُ فِي الْحَالِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حَاكِمٍ، وَلَا إِلَى عَرْضِ الزَّوْجِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَغَيْرِهَا نَصَّ عَلَيْهِ ; «لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، ثُمَّ أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ بِمَكَّةَ، فَأَقَرَّهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نِكَاحِهِمَا ;» وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ كَالْبَيْعِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَتَخَلَّفَ الْآخَرُ حَتَّى انقضت الْعِدَّةِ - انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَعَنْ أَحْمَدَ: تُرَدُّ إِلَى زَوْجِهَا وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ، أَوْ تَكُونَ حَامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُهَا، أَوْ مَرِيضَةً لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حِيَضٍ حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا، أَوْ تَكُونَ
فَصْلٌ وَإِنِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةَ أَوْ تَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
رُدَّتْ إِلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَمَهْرٍ جَدِيدٍ» قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا ضَعِيفٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يَثْبُتُ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهَا إِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ بَقَاءَ نِكَاحِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، مَا لَمْ تَنْكِحْ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْأَمْرُ إِلَيْهَا، وَلَا حُكْمَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا حَقَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَهُوَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ، وَكَذَا عَبْدُهُ إِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا، وَأَنَّهَا مَتَى أَسْلَمَتْ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ الْعِدَّةِ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ إِنِ اخْتَارَ.
(وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَوَاجِبٌ) بَعْدَ الدُّخُولِ (بِكُلِّ حَالٍ) يَعْنِي: إِذَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ اسْتَقَرَّ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ تَقْبِضْهُ، أَوْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا شَيْءٌ، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
[ارْتِدَادُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ هُمَا مَعًا]
فَصْلٌ (وَإِنِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ) أَوْ هُمَا مَعًا (قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] ; وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِصَابَةَ، فَأَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ كَافِرٍ (وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ) ; لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا (وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) ; لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ جِهَتِهِ أَشْبَهَ طَلَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةً فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَإِنْ كَانَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ أَوْ تَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا
هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنِ انْتَقَلَ أَحَدُ الْكِتَابِيِّينَ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَرِدَّتِهِ.
فَصْلٌ وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْكَافِي " و" الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ، رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيِّ ; لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ اسْتَوَى فِيهِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ كَالرَّضَاعِ، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ أَشْهَرُ -: تَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَإِسْلَامِ الْحَرْبِيَّةِ تَحْتَ الْحَرْبِيِّ، وَالرَّضَاعُ تَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِ الْفَسْخِ إِلَى مَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ) ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَلَافِي نِكَاحِهَا بِإِسْلَامِهِ فَهِيَ كَزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ (وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى تَلَافِي نِكَاحِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ كَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ.
تَتِمَّةٌ: إِذَا وَطِئَهَا أَوْ طَلَّقَ، وَلَمْ تَتَعَجَّلِ الْفُرْقَةُ فَفِي الْمَهْرِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ خِلَافٌ فِي " الِانْتِصَارِ ".
(وَإِنِ انْتَقَلَ أَحَدُ الْكِتَابِيِّينَ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ) أَوْ تَمَجَّسَ كِتَابِيٌّ تَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ (فَهُوَ كَرِدَّتِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ بِالْجِزْيَةِ، أَشْبَهَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَإِنْ تَمَجَّسَتْ دُونَهُ فَوَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ، فَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُقَرُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُتَنَقِّلِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقَرُّ ; لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ، فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ.
فَرْعٌ: مَنْ هَاجَرَ إِلَيْنَا بِذِمَّةٍ مُؤَبَّدَةٍ أَوْ مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً، وَالْآخَرُ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ.
[إِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ) وَكُنَّ كِتَابِيَّاتٍ (اخْتَارَ مِنْهُنَّ)
أَرْبَعًا، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُنَّ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ، فَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ أَوْ وَطِئَهَا كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا، وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا، أَقْرَعَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، خِلَافًا لِلْقَاضِي (أَرْبَعًا) وَلَوْ مِنْ شَابٍّ إِنْ كَانَ مُكَلَّفًا وَإِلَّا وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُكَلَّفَ (وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ) ; «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ - وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي لَفْظٍ «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ، وَقَدْ ضُعِّفَا، وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عُقُودٍ، اخْتَارَ الْأَوَائِلَ أَوِ الْأَوَاخِرَ، وَلَفْظُ الِاخْتِيَارِ نَحْوُ: اخْتَرْتُ هَؤُلَاءِ أَوْ أَمْسَكْتُهُنَّ، أَوِ اخْتَرْتُ حَبْسَهُنَّ أَوْ نِكَاحَهُنَّ، أَوْ أَمْسَكْتُ هَؤُلَاءِ، أَوْ تَرَكْتُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ أَسْقَطَ " اخْتَرْتُ "، فَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ: يَلْزَمُهُ فِرَاقُ بَقِيَّتِهِنَّ، وَالْمَهْرُ لِمَنِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِالِاخْتِيَارِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ هُنَا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَقَعُ عَلَى مَنْ لَا يُحِبُّهَا، فَيُفْضِي إِلَى تَنْفِيرِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ، وَعِدَّةُ الْمَتْرُوكَاتِ مُنْذُ اخْتَارَ ; لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ حَصَلَتْ بِهِ، وَقِيلَ: مُنْذُ أَسْلَمَ ; لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ الْحَقِيقِيَّةَ حَصَلَتْ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِيَارُ بَيْنَ مَحَلِّهَا، فَإِنْ أَسْلَمَ الْبَعْضُ وَلَيْسَ الْبَاقِي كِتَابِيَّاتٍ - مَلَكَ إِمْسَاكًا وَفَسْخًا فِي مُسْلِمَةٍ فَقَطْ، وَلَهُ تَعْجِيلُ إِمْسَاكٍ مُطْلَقًا، وَتَأْخِيرُهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْبَقِيَّةِ أَوْ يُسْلِمْنَ (فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ) ; لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ وَهُوَ يَمْتَنِعُ مِنْهُ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِحَبْسٍ، ثُمَّ تَعْزِيرٍ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَقَّ هُنَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ (وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُنَّ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ) ; لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ، وَهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ (فَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ) فَقَدِ اخْتَارَهَا فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ، فَإِنْ قَالَ: فَارَقْتُ، أَوِ اخْتَرْتُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ لِلْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ صَرِيحٌ فِيهِ، وَقِيلَ: اخْتِيَارٌ لِلْمُفَارَقَاتِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَاخْتَارَ فِي " التَّرْغِيبِ " أَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ هُنَا لَيْسَ طَلَاقًا وَلَا اخْتِيَارًا لِلْخَبَرِ فَإِنْ نَوَى بِهِ طَلَاقًا كَانَ طَلَاقًا وَاخْتِيَارًا (أَوْ وَطِئَهَا كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا) فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مِلْكٍ كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ بِشَرْطِ
بَيْنَهُنَّ، فَأَخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، وَإِنْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ فَعَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُنَّ أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَالْمِيرَاثُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخِيَارِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " وَجْهٌ كَرَجْعَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ لَا يُوجِبُ الرَّجْعَةَ (وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا، أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَأَخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ) ; لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الْإِقْرَاعِ (وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي) ; لِأَنَّهُنَّ لَمْ يُطَلَّقْنَ مِنْهُ، وَشَرْطُهُ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: لَا قُرْعَةَ، وَيَحْرُمْنَ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَإِنْ وَطِئَ الْكُلَّ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ: أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، فَإِذَا اخْتَارَ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ ; لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ، وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ، وَبَانَ الْبَوَاقِي بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ، وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ تَجَدَّدَ لَهُ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ.
(وَإِنْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "، أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " و" الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ زَوْجَتِهِ.
وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ زَوْجِهِ، فَإِنْ قَذَفَهَا لَمْ يَكُنِ اخْتِيَارًا (وَإِنْ مَاتَ) وَلَمْ يَخْتَرْ (فَعَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الزَّوْجَاتِ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُنَّ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُنَّ أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ) وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ ; لِأَنَّهَا أَطْوَلُ الْعِدَّتَيْنِ فِي حَقِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ اعْتَدَّتْ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقَرْاءٍ، أَوْ أَرْبَعَةَ
لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا، فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا.
[المبدع في شرح المقنع]
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَارَةً وَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، أَوْ مُفَارِقَةً، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فَأَوْجَبْنَا أَطْوَلَهُمَا لِتُقْضَى بِهِ الْعِدَّةُ بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الْكَافِي "، وَقَالَ فِي الشَّرْحِ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: لَا يَصِحُّ، وَحَكَاهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ (وَالْمِيرَاثُ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ) فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْمِيرَاثَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَلَا زَوْجِيَّةَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، فَإِنِ اخْتَرْنَ الصُّلْحَ جَازَ كَيْفَمَا اصْطَلَحْنَ.
فَرْعٌ: إِذَا أَسْلَمْنَ مَعَهُ ثُمَّ مِتْنَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ، وَيَكُونُ لَهُ مِيرَاثُهُنَّ، وَلَا يَرِثُ الْبَاقِيَاتِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فَمِتْنَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنَ الْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمِ الْبَوَاقِي لَزِمَ النِّكَاحُ فِي الْمَيِّتَاتِ، وَإِنْ وَطِئَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا فَلَيْسَ لَهُنَّ إِلَّا الْمُسَمَّى، وَلِسَائِرِهِنَّ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ لِلْوَطْءِ الثَّانِي، وَإِنْ وَطِئَهُنَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِنَّ فَالْمَوْطُوءَاتُ أَوَّلًا الْمُخْتَارَاتُ، وَالْبَاقِي أَجْنَبِيَّاتٌ، وَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً) ; لِمَا رَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، قَالَ: «فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا» ; وَلِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الْجَمْعُ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْأُخْرَى فِي حِبَالِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ إِحْدَاهُمَا مَعَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ، تَعَيَّنَتْ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تَكُنِ الْأُخْرَى كِتَابِيَّةً (وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ) وَحَرُمَتْ عَلَى الْأَبَدِ ; لِمَا رَوَى
فَصْلٌ وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ، فَأَسْلَمْنَ، وَكَانَ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَمَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَإِلَّا فَسَدَ نِكَاحُهُنَّ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ
[المبدع في شرح المقنع]
عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ; وَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] ; وَلِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ ابْنَتَهَا فِي حَالِ شِرْكِهِ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا) وَحَرُمَتَا عَلَى الْأَبَدِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَالْمَهْرُ لِلْأُمِّ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ.
[إِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ معه، وَكَانَ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَمَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) أَيْ: يَكُونُ عَادِمًا لِلطَّوْلِ خَائِفًا الْعَنَتَ (فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ) ; لِأَنَّ شُرُوطَ النِّكَاحِ تُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، أَيْ: فَيَخْتَارُ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعِفُّهُ فَلَهُ أن يختار مِنْهُنَّ مَنْ تُعِفُّهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى لَا يَخْتَارُ إِلَّا وَاحِدَةً (وَإِلَّا فَسَدَ نِكَاحُهُنَّ) أَيْ: إِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطَانِ فَإِنَّهُ يَفْسَدُ نِكَاحُ الْكُلِّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا حَالَ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَمْلِكِ اخْتِيَارَهَا كَالْمُعْتَدَّةِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ هُنَا أَنْ يَخْتَارَ، بَلْ تَبِينُ بِمُجَرَّدِ إِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ إِلَّا بَعْدَ الْعِدَّةِ انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ وَإِنْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ) ; لِأَنَّ شَرَائِطَ النِّكَاحِ تُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَتْ إِحْدَاهُنَّ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي بَعْدَ إِعْسَارِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ ; لِأَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ دَخَلَ بِإِسْلَامِ الْأول، فَلَوْ أَسْلَمَتِ الْأُولَى وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمِ الْبَوَاقِي حَتَّى أَيْسَرَ - لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنَ الْبَوَاقِي ; لِأَنَّ الْأُولَى اجْتَمَعَتْ مَعَهُ فِي حَالٍ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَلَمْ يَخْتَرْ حَتَّى أَيْسَرَ - كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ ; لِأَنَّ تَغَيُّرَ حَالِهِ لَا يُسْقِطُ مَا ثَبَتَ
مُوسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ إِحْدَاهُنَّ بَعْدَهُ، ثُمَّ عُتِقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي - فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَإِنْ عُتِقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنَ الْبَوَاقِي، وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ، فَأَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ، وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، ثُمَّ عُتِقَ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَعُتِقَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ إِلَّا بِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ فِيهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ أَسْلَمَتْ إِحْدَاهُنَّ بَعْدَهُ، ثُمَّ عُتِقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي - فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ) ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَحَالَ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ أَمَةً (وَإِنْ عُتِقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنَ الْبَوَاقِي) ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِعِصْمَةِ حُرَّةٍ مِنْ حِينِ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ (وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ، فَأَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ) ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى حُرَّةٍ، فَلَا يَخْتَارُ أَمَةً، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمِ الْإِمَاءُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ - بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ، بِنَّ مِنْ حِينِ إِسْلَامِ الْحُرَّةِ، وَابْتِدَاءُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِ الْبَيْنُونَةِ، فَإِنْ مَاتَتِ الْحُرَّةُ بَعْدَ إِسْلَامِهَا، لَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ بِمَوْتِهَا، وَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّةُ الْحُرَّةِ قَبْلَ إِسْلَامِهَا، بَانَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنَ الْإِمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحُرَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْإِمَاءِ قَبْلَ إِسْلَامِهَا وَقَضَاءِ عِدَّتِهَا، وَإِنْ طَلَّقَ الْحُرَّةَ ثَلَاثًا قَبْلَ إِسْلَامِهَا، ثُمَّ لَمْ يُسْلِمْ، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنَ الْإِمَاءِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ، وَوَقَعَ فِيهَا الطَّلَاقُ، وَبِنَّ الْإِمَاءُ بِثُبُوتِ نِكَاحِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ (وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ) أَوْ فِي الْعِدَّةِ (ثُمَّ عُتِقَ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ) اثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ حَالَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَ عَبْدًا، يَجُوزُ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنَ الْإِمَاءِ (فَإِنْ أَسْلَمَ وَعُتِقَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ إِلَّا بِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ فِيهِ) ; لِأَنَّهُ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ حُرًّا، فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ ; لِثُبُوتِ خِيَارِهِ حُرًّا، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَرْبَعٍ، فَأَسْلَمَتْ ثِنْتَانِ، ثُمَّ عُتِقَ، فَأَسْلَمَتَا، فَهَلْ تَتَعَيَّنُ الْأَوَّلِيَّانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَا مَهْرَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
كِتَابُ الصَّدَاقِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي النِّكَاحِ، وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ، وَأَلَّا يُعَرَّى النِّكَاحُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الصَّدَاقِ]
[تَعْرِيفُ الصداق وَحُكْمُهُ]
ِ وَهُوَ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ، وَفِيهِ لُغَاتٌ: صَدَاقٌ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا، وَصَدُقَةٌ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِّ، وَصُدْقَةٌ - بِسُكُونِ الدَّالِ فِيهِمَا مَعَ ضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِهَا، وَلَهُ أَسْمَاءٌ: الصَّدَاقُ وَالصَّدُقَةُ، وَالْمَهْرُ، وَالنِّحْلَةُ، وَالْفَرِيضَةُ، وَالْأَجْرُ، وَالْعَلَائِقُ، وَالْعُقْرُ، وَالْحِبَاءُ، وَقَدْ نُظِمَتْ فِي بَيْتٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: صَدَاقٌ وَمَهْرُ نِحْلَةٍ وَفَرِيضَةٌ ... حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرُ عَلَائِقِ يُقَالُ: أَصْدَقْتُ الْمَرْأَةَ وَمَهَرْتُهَا، وَلَا يُقَالُ: أَمْهَرْتُهَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَفِي " النِّهَايَةِ " (وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي النِّكَاحِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وَقِيلَ: النِّحْلَةُ: الْهِبَةُ، وَالصَّدَاقُ فِي مَعْنَاهَا، وَقِيلَ: نِحْلَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلنِّسَاءِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَهْيَمْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، قَالَ: مَا أَصْدَقْتَهَا؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، قَوْلُهُ: (وَزْنَ نَوَاةٍ) ، هُوَ اسْمٌ لِمَا زِنْتُهُ
وَأَلَّا يَزِيدَ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَاتِهِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَا يَتَقَدَّرُ أَقَلُّهُ
[المبدع في شرح المقنع]
خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً، وَقِيلَ: كَانَتْ قَدْرَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قِيمَتُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ رُبْعَ دِينَارٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ) ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُنَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَقَالَ عُمَرُ: لَا تُغَالُوا في بِصُدُقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ، لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (وَأَلَّا يُعَرَّى النِّكَاحُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ) بَلْ يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُزَوِّجُ وَيَتَزَوَّجُ، وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِي ذَلِكَ مِنْ صَدَاقٍ مَعَ أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ، وَقَالَ لِلَّذِي زَوَّجَهُ الْمَوْهُوبَةَ: «هَلْ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» ; وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَلَيْسَ ذِكْرُهُ شَرْطًا وِفَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] ; وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ، وَبَالَغَ فِي " التَّبْصِرَةِ " فَكَرِهَ تَرْكَهُ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُبْطِلُونَ هَذَا النِّكَاحَ إِذَا خُوصِمُوا فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
[أَقَلُّ الصَّدَاقِ وَأَكْثَرُهُ وَمَا يُجْزِئُ فِيهِ]
(وَأَلَّا يَزِيدَ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَاتِهِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) وَقَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ صَدَاقَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَزْوَاجِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " و" الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ ": أَلَّا يَزِيدَ عَلَى مُهُورِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَلَا أَكْثَرُهُ، بَلْ كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَعَيْنٍ وَدَيْنٍ، وَمُعَجَّلٍ وَمُؤَجَّلٍ، وَمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ، كَرِعَايَةِ غَنَمِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً،
[المبدع في شرح المقنع]
وَبَنَاتِهِ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَقَدَّمَ فِي " التَّرْغِيبِ ": لَا يُزَادُ عَلَى مَهْرِ بَنَاتِهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ; لِمَا رَوَى أَبُو الْعَجْفَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: «مَا أَصْدَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، لَكِنْ أَبُو الْعَجْفَاءِ فِيهِ ضَعْفٌ.
(وَلَا يَتَقَدَّرُ أَقَلُّهُ) وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ ; وَلِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَتِهَا، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ كَالْبَيْعِ (وَلَا أَكْثَرُهُ) بِالْإِجْمَاعِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عُمَرَ أَصْدَقَ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَقَالَ عُمَرُ: خَرَجْتُ وأَنَا أُرِيدَ أَنْ أَنْهَى عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَاقِ، فَذَكَرْتُ هَذَا ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20] ، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: الْقِنْطَارُ مِائَةُ رَطْلٍ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلْ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ (بَلْ كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا) أَوْ أُجْرَةً (جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ) ; لِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ، أَشْبَهَ عِوَضَ الْبَيْعِ، لَكِنْ قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلِنِصْفِهِ قِيمَةٌ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ يُتَمَوَّلُ عَادَةً بِحَيْثُ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَقِيَ لَهَا مِنَ النِّصْفِ مَالٌ حَلَالٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَهُ أَوْسَطُ النُّقُودِ ثُمَّ أَدْنَاهَا (وَعَيْنٍ وَدَيْنٍ، وَمُعَجَّلٍ وَمُؤَجَّلٍ، وَمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ، كَرِعَايَةِ غَنَمِهَا مُدَّةً
وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَرَدِّ عَبْدِهَا مِنْ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً كَرَدِّ عَبْدِهَا أَيْنَ كَانَ، وَخِدْمَتِهَا فِيمَا شَاءَتْ - لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ أَبْوَابٍ
[المبدع في شرح المقنع]
مَعْلُومَةً) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] ; وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ يَجُوزُ الْعِوَضُ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ، فَجَازَتْ صَدَاقًا كَمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ كَالْمَمْلُوكِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْكِحُوا الْأَيَامَى، وَأَدُّوا الْعَلَائِقَ، قِيلَ: مَا الْعَلَائِقُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: مَا تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ وَلَوْ قَضِيبٌ مِنْ أَرَاكٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنَافِعُ الْحُرِّ صَدَاقًا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ (وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَرَدِّ عَبْدِهَا مِنْ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ) ; لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْمَبِيعِ كَالْمُحَرَّمِ، وَالْمَعْدُومِ، وَالْمَجْهُولِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مَا لَمْ يَتِمَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، كَالْمَبِيعِ مِنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَمَا لَا يُتَمَوَّلُ عَادَةً كَقِشْرِ جَوْزَةٍ، وَحَبَّةِ حِنْطَةٍ - لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ; لِأَنَّهُ نَقَلَ الْمِلْكَ فِيهِ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ ذَلِكَ كَالْبَيْعِ (وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً كَرَدِّ عَبْدِهَا أَيْنَ كَانَ وَخِدْمَتِهَا فِيمَا شَاءَتْ لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَجْهُولًا، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ ; لِأَنَّ الْحُمْلَانَ مَجْهُولٌ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى حُدُودٍ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا كَرَقَبَتِهِ، وَمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ الْأَصَحُّ -: أَنَّهُ يَصِحُّ بِدَلِيلِ قِصَّةِ مُوسَى، وَقِيَاسًا عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَبْدِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ كَانَتْ خِدْمَةً مَعْلُومَةً كَبِنَاءِ حَائِطٍ صَحَّ، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً، مِثْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا بِعَبْدِهَا الْآبِقِ أَيْنَ كَانَ، وَيَخْدِمَهَا فِي أَيِّ شَيْءٍ أَرَادَتْ، فَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلٌ يَسِيرٌ، وَغَرَرٌ يُرْجَى زَوَالُهُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى شِرَائِهِ لَهَا عَبْدَ زَيْدٍ، صَحَّ فِي الْمَنْصُوصِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ شِرَاؤُهُ بِقِيمَتِهِ، فَلَهَا قِيمَتُهُ، وَكَذَا عَلَى دَيْنٍ سَلَمٍ، وَآبِقٍ، وَمَغْصُوبٍ يُحَصِّلُهُ، وَمَبِيعٍ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ) كَالْخَمْرِ، وَالْمَعْدُومِ، وَالْآبِقِ، وَالْمَجْهُولِ
مِنَ الْفِقْهِ، أَوِ الْحَدِيثِ، أَوْ قَصِيدَةٍ مِنَ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ، صَحَّ، فَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيَتَعَلَّمُهَا ثُمَّ يُعَلِّمُهَا، فَإِنْ تَعَلَّمَتْهَا مِنْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ تَعَلُّمِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ تَعْلِيمِهَا، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) ; لِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ يَقْتَضِي رَدَّ الْمُعَوَّضِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ، فَوَجَبَ قِيمَتُهُ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَنِ اشْتَرَى بِثَمَنٍ فَاسِدٍ، فَقَبَضَ الْمَبِيعَ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهِ، وَعَنْهُ: يَفْسُدُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ فَسَادَ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ عَدَمِهِ، وَعَدَمُهُ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، كَذَا هَذَا، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ إِلَّا بِبَدَلٍ، وَلَمْ يُسَلَّمِ الْبَدَلُ، وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْعِوَضِ فَوَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِخَمْرٍ، فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي (وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ أَبْوَابٍ مِنَ الْفِقْهِ، أَوِ الْحَدِيثِ، أَوْ قَصِيدَةٍ مِنَ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ) أَوْ أَدَبٍ، أَوْ صَنْعَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ، وَهُوَ مُعَيَّنٌ (صَحَّ) ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، كَمَنَافِعِ الدَّارِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَتَعَلَّمُهَا ثُمَّ يُعَلِّمُهَا (فَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا لَمْ يَصِحَّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، كَذَا قِيلَ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ أَصْدَقَهَا شَيْئًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْخِيَاطَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَى أَنْ أُعَلِّمَكِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ " ; لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا مَالًا فِي ذِمَّتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَعَلَى هَذَا (يَتَعَلَّمُهَا ثُمَّ يُعَلِّمُهَا) أَوْ يُقِيمُ لَهَا مَنْ يُعَلِّمُهَا، لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَاءَتْ بِغَيْرِهَا فَقَالَتْ: عَلِّمْهَا الْقَصِيدَةَ الَّتِي تُرِيدُ تَعْلِيمِي إِيَّاهَا، أَوْ أَتَاهَا بِغَيْرِهِ يُعَلِّمُهَا، لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ فِي الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي عَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِيقَاعُهُ فِي غَيْرِهَا ; وَلِأَنَّ الْمُعَلِّمِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّعْلِيمِ (فَإِنْ تَعَلَّمَتْهَا مِنْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ أُجْرَةُ تَعَلُّمِهَا) ; لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ بِالْوَاجِبِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى بَدَلِهِ، وَكَذَا إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهَا، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خِيَاطَةَ ثَوْبٍ فَتَعَذَّرَ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ عَلَّمَهَا وَأَنْكَرَتْهُ، قُبِلَ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَإِنْ عَلَّمَهَا ثُمَّ أُنْسِيَتْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَقَّنَهَا الْجَمِيعَ وَكُلَّمَا لَقَّنَهَا شَيْئًا أُنْسِيَتْهُ - لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ فِي الْأَشْهَرِ (وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ تَعْلِيمِهَا، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ) ; لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، فَلَا يُؤْمَنُ فِي تَعْلِيمِهَا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ كُلُّهَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعَلِّمَهَا
يُعَلِّمَهَا نِصْفَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَعْلِيمِهَا، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْأَجْرِ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ قِرَاءَةٍ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ نِسَاءً بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ خَالَعَهُنَّ
[المبدع في شرح المقنع]
نِصْفَهَا) هَذَا رِوَايَةٌ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، أَشْبَهَ سَمَاعَ كَلَامِهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَعَلَى هَذَا يُعَلِّمُهَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَفِي تَعْلِيمِهَا الْكُلَّ الْوَجْهَانِ (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَعْلِيمِهَا، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْأَجْرِ) ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَالرُّجُوعُ بِنِصْفِ التَّعْلِيمِ مُتَعَذِّرٌ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى بَدَلِهِ - وَهُوَ نِصْفٌ - وَإِنْ سَقَطَ مَهْرُهَا رَجَعَ بِالْكُلِّ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالْمَالِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَنْ ﴿تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] وَالطَّوْلُ: الْمَالُ ; لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ قُرْبَةٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَالصَّوْمِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) ذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهَا الْأَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " ; لِحَدِيثِ الْمَوْهُوبَةِ ; وَلِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، فَجَازَ جَعْلُ ذَلِكَ صَدَاقًا كَتَعْلِيمِ قَصِيدَةٍ مِنَ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ، وَقِيلَ: إِنْ جَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَحَدِيثُ الْمَوْهُوبَةِ قِيلَ: مَعْنَاهُ: زَوَّجْتُكَهَا ; لِأَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ، كَمَا زَوَّجَ طَلْحَةَ عَلَى إِسْلَامِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، يُؤَيِّدُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ غُلَامًا عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَكُونُ بَعْدَكَ مَهْرًا» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالنَّجَّادُ، فَعَلَى هَذَا تُعَيَّنُ السُّورَةُ أَوِ الْآيَةُ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعَيَّنْ يَصِيرُ مَجْهُولًا مُفْضِيًا إِلَى الْمُنَازَعَةِ (وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ قِرَاءَةٍ) مِنَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ ; لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ) ; لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ، وَالْقِرَاءَاتِ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا مَا هُوَ صَعْبٌ، كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ، وَوُقُوفُهُمَا عَلَى الْمَدِّ، أَشْبَهَ تَعْيِينَ الْآيَاتِ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَعَرَّفَ الْبَلَدَ، فَإِنْ تَعَلَّمَتْهُ مِنْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْأُجْرَةُ، وَإِنَّ عَلَّمَهَا ثُمَّ سَقَطَ، رَجَعَ بِالْأُجْرَةِ، وَمَعَ تَنَصُّفِهِ بِنِصْفِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُعَلِّمْهَا لَزِمَهُ أُجْرَةُ مَا يَلْزَمُهُ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ سَمَاعُهُ بِلَا حَاجَةٍ، وَعَنْهُ: يُعَلِّمُهَا مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
بِعِوَضٍ وَاحِدٍ - صَحَّ، وَيُقْسَمُ الْعِوَضُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ.
فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَالثَّمَنِ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا دَارًا غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ أَوْ دَابَّةٍ - لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
مُلْحَقٌ: بَقِيَّةُ الْقُرَبِ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ تَخْرُجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَاضِحِ ". تَنْبِيهٌ: إِذَا أَصْدَقَ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَفِي الْمَذْهَبِ: يَصِحُّ بِقَصْدِهَا الِاهْتِدَاءَ بِهِ ; وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْجُنُبَ يُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَعَ إِيمَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى، وَالسَّمَاعُ غَيْرُ الْحِفْظِ، وَكَذَا إِذَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنَ التَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ، وَلَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَمُبَدَّلٌ.
[إِنْ تَزَوَّجَ نِسَاءً بِمَهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ خَالَعَهُنَّ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ]
(وَإِنْ تَزَوَّجَ نِسَاءً بِمَهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ خَالَعَهُنَّ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ - صَحَّ) ; لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْجُمْلَةِ مَعْلُومٌ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ جَهَالَةُ مَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ مِنْ رَجُلٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ - وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " التَّرْغِيبِ " -: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ مَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ غَيْرُ مَعْلُومٍ (وَيُقْسَمُ الْعِوَضُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ) أَيْ: مُهُورُ مِثْلِهِنَّ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْقِيمَةِ وَجَبَ تَقْسِيطُ الْعِوَضِ بَيْنَهُمَا بِالْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا (وَفِي الْآخَرِ يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِنَّ إِضَافَةً وَاحِدَةً، فَكَانَ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُنَّ أَوْ أَقَرَّ لَهُنَّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَكَمَا لَوْ قَالَ بَيْنَهُنَّ، وَقِيلَ: فِي الْخُلْعِ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ الْمُسَمَّاةِ.
فَرْعٌ: تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِصَدَاقٍ وَاحِدٍ، وَقُلْنَا: يَصِحُّ فِي الْأُخْرَى، فَلَهَا حِصَّتُهَا مِنَ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ - صَحَّ فِي الْأَشْهَرِ، فَعَلَى هَذَا يُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَى قَدْرِ صَدَاقِهِمَا وَقِيمَةِ الْمَبِيعِ.
[يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَعْلُومًا]
فَصْلٌ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَالثَّمَنِ) ; لِأَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَاشْتَرَطَ
يَصِحَّ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مُطْلَقًا لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ، وَلَهَا الْوَسَطُ، وَهُوَ السِّنْدِيُّ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ
[المبدع في شرح المقنع]
كَوْنَهُ مَعْلُومًا كَالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمَعْلُومِ مَجْهُولٌ، لَا يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ كَالْمُحَرَّمِ، لَكِنْ لَا يَضُرُّ جَهْلٌ يَسِيرُ، وَغَرَرٌ يُرْجَى زَوَالُهُ فِي الْأَصَحِّ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا دَارًا غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ أَوْ دَابَّةً - لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّ الصَّدَاقَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا (وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مُطْلَقًا لَمْ يَصِحَّ) ; لِلْجَهَالَةِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ) ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْعَلَائِقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ» ; وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ ثَبَتَ فِيهِ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ الْمَقْصُودُ فِيهِ الْمَالُ، فَثَبَتَ مُطْلَقًا كَالدِّيَةِ ; وَلِأَنَّ جَهَالَةَ التَّسْمِيَةِ هَذِهِ أَقَلُّ مِنْ جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَحكي فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " عَنِ الْقَاضِي: يَصِحُّ مَجْهُولًا مَا لَمْ تَزِدْ جَهَالَتُهُ عَلَى جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ، كَعَبْدٍ، وَفَرَسٍ، مِنْ جِنْسٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ كَانَ دَابَّةً أَوْ حَيَوَانًا لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْوَسَطِ (وَلَهَا الْوَسَطُ، وَهُوَ السِّنْدِيُّ) بِالْعِرَاقِ ; لِأَنَّ الْأَعْلَى التُّرْكِيُّ، وَالْأَسْفَلَ الزِّنْجِيُّ، وَالْوَسَطَ السِّنْدِيُّ وَالْمَنْصُورِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْخَبَرُ الْمُرَادُ بِهِ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ مِمَّا يَصْلُحُ عِوَضًا بِدَلِيلِ سَائِرِ مَا لَا يَصْلُحُ، وَالدِّيَةُ ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ فِي تَقْدِيرِهَا، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ أَصْلًا، ثُمَّ الْحَيَوَانُ الثَّابِتُ فِيهَا مَوْصُوفٌ مُقَدَّرٌ بِقِيمَتِهِ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الْمُطْلَقُ، وَأَمَّا كَوْنُ جَهَالَةِ الْمُطْلَقِ أَقَلَّ مِنْ جَهَالَةِ قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَمَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْقَبَائِلِ يَكُونُ لِنِسَائِهِمْ مَهْرٌ، لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ إِلَّا بِالثِّيُوبَةِ وَالْبَكَارَةِ، فَيَكُونُ إِذًا مَعْلُومًا.
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ) ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ، أَوْ دَابَّةً، أَوْ ثَوْبًا (وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَوْصُوفٍ، وَكَمَا لَوْ عَيَّنَ ثُمَّ نَسِيَ، وَهَذَا مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلَ أَبُو بَكْرٍ نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَعَلَى هَذَا يُعْطِي مِنْ عَبِيدِهِ وَسَطَهُمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ (و) الْأَشْهَرُ: أَنَّ (لَهَا
أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَهَا أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ، وَكَذَلِكَ يُخْرِجُ إِذَا أَصْدَقَهَا دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ، أَوْ قَمِيصًا مِنْ قُمْصَانِهِ، وَنَحْوَهُ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مَوْصُوفًا، صَحَّ، وَإِنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ، أَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا وَسَطًا، وَجَاءَهَا بِقِيمَتِهِ، أَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَجَاءَتْهُ بِقِيمَتِهِ - لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، فَإِنْ فَاتَ طَلَاقُهَا بِمَوْتِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ) نَقَلَهْ مُهَنَّا ; لِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا اسْتَحَقَّتْ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَشُرِعَتِ الْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةً، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدٌ عَبْدَهُ، وَقِيلَ: يُعْطِيهَا مَا اخْتَارَهُ، وَقِيلَ: مَا اخْتَارَتْ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ (وَكَذَلِكَ يُخْرِجُ إِذَا أَصْدَقَهَا دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ، أَوْ قَمِيصًا مِنْ قُمْصَانِهِ، وَنَحْوَهُ) ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مَوْصُوفًا صَحَّ) ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ، وَالصِّفَةُ تُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ الْمُعَيَّنِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا (وَإِنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ، أَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا وَسَطًا، وَجَاءَهَا بِقِيمَتِهِ، أَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَجَاءَتْهُ بِقِيمَتِهِ - لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ) فِي الْأَشْهَرِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا ذَلِكَ) قِيَاسًا عَلَى الْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ عَبْدًا بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا أَخْذُ قِيمَتِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا، وَالْأَثْمَانُ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ كَالْإِبِلِ، فَيَلْزَمُ الْوَلِيُّ الْقَبُولَ لَا عَلَى طَرِيقِ الْقِيمَةِ ; وَلِأَنَّ الدِّيَةَ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ، ثُمَّ قِيَاسُ الْعِوَضِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْوَاضِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عُقُودَ الْمُعَاوَضَةِ، ثُمَّ يَنْتَقِضُ بِالْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا، صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَبَتْ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، فَلَهَا قِيمَتُهُ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا» ; وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ، وَلَا أَجْرًا فِي إِجَارَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ صَدَاقًا، كَالْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ، فَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوِ الْمُتْعَةِ، عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهَا فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ لَهَا فَائِدَةً وَنَفْعًا لِمَا يَحْصُلُ لَهَا فِي الرَّاحَةِ بِطَلَاقِهَا، مِنْ مُقَاسَمَتِهَا، وَالْغَيْرَةِ مِنْهَا، فَصَحَّ جَعْلُهُ صَدَاقًا، كَخِيَاطَةِ ثَوْبِهَا، وَعِتْقِ أَمَتِهَا (فَإِنْ فَاتَ طَلَاقُهَا بِمَوْتِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا) أَيْ مَهْرُ الضُّرَّةِ (فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ) ; لِأَنَّهُ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا لَمْ يَصِلْ
تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا، وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ أَبُوهَا مَيِّتًا - لَمْ تَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ لَمْ يَصِحَّ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَصِحُّ وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِسَيِّدَتِهِ: أَعْتِقِينِي
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَيْهَا فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَخَرَجَ حُرًّا، وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ مَهْرَ مِثْلِهَا ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلَا مِثْلَ لَهُ، وَكَذَا جَعْلُهُ إِلَيْهَا إِلَى سَنَةٍ، وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْمَهْرِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْقُطُ، فَهَلْ تَرْجِعُ إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ إِلَى مَهْرِ الْأُخْرَى؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا، وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ أَبُوهَا مَيِّتًا - لَمْ تَصِحَّ) التَّسْمِيَةُ (نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ; لِأَنَّ حَالَ الْأَبِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا ; وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَحِينَئِذٍ لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا، وَعَنْهُ: يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْأَلْفَ مَعْلُومَةٌ، وَإِنَّمَا جُهِلَ الثَّانِي، وَهُوَ وَمُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ - لَمْ يَصِحَّ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا) ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ دَارِهَا، وَعَلَى أَلْفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا (وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَصِحُّ) هَذِهِ التَّسْمِيَةُ هُنَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي: فِيهِمَا رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الشَّرْطَيْنِ، فَلَمْ تَصِحَّ كَالْبَيْعِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ ; لِأَنَّ أَلْفًا مَعْلُومَةٌ، وَإِنَّمَا جُهِلَتِ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ عَلَى شَرْطٍ، فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّدَاقِ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ صَحِيحَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، يَعْنِي: الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ فِيهِمَا، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ، فَلَوْ قَالَ: إِنْ مَاتَ أَبُوكِ فَقَدْ زِدْتُكِ فِي صَدَاقِكِ أَلْفًا - لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ تَلْزَمِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْطَ يَتَجَدَّدُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ كَانَ لِي زَوْجَةٌ، أَوْ إِنْ كَانَ أَبُوكِ حَيًّا، وَلَا الَّذِي جَعَلَ الْأَلْفَ فِيهِ مَعْلُومَ الْوُجُودِ لِتَكُونَ الْأَلْفُ الثَّانِيَةُ زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ نَصِّ أَحْمَدَ عَلَى بُطْلَانِ التَّسْمِيَةِ، وَنَصِّهِ عَلَى صِحَّتِهَا - بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا غَرَضٌ يَصِحُّ بَدَلَ الْعِوَضِ فِيهِ - وَهُوَ كَوْنُ أَبِيهَا مَيِّتًا - وَخُلُوُّهَا عَنْ ضُرَّةٍ مِنْ أَكْبَرِ أَغْرَاضِهَا، وَكَذَلِكَ قَرَارُهَا فِي دَارِهَا بَيْنَ أَهْلِهَا، وَفِي وَطْئِهَا، فَعَلَى هَذَا يَمْتَنِعُ قِيَاسُ إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَمَا
عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ، فَأَعْتَقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ - عُتِقَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا فَرَضَ الصَّدَاقَ مُؤَجَّلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَحَلَّ الْأَجَلِ - صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَمَحَلُّهُ الْفُرْقَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ.
فَصْلٌ وَإِنْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا، أَوْ مَالًا مَغْصُوبًا صَحَّ النِّكَاحُ، وَوَجَبَ مَهْرُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَرَدَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ أُلْحِقَ بِمَا يُشْبِهُهَا، وَلَا يَكُونُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ إِلَّا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
(وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِسَيِّدَتِهِ: أَعْتِقِينِي عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ، فَأَعْتَقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ - عُتِقَ) ; لِأَنَّ سَيِّدَتَهُ أَعْتَقَتْهُ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ; لِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ لِلزَّوْجِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ تُمَلِّكَهُ دَارًا، وَكَذَا إِنْ قَالَتْ لِعَبْدِهَا: أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَيُعْتَقُ وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهَا اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ شَرْطًا هُوَ حَقٌّ لَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ تَهَبَهُ دِينَارًا لِيُقَبِّلَهَا ; وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِنَ الرَّجُلِ لَا عِوَضَ لَهُ، بِخِلَافِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ (وَإِذَا فَرَضَ الصَّدَاقَ مُؤَجَّلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَحَلَّ الْأَجَلِ - صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) ; لِأَنَّ لِذَلِكَ عُرْفًا، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، وَيُحْمَلَ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا وَحَالًّا، وَبَعْضُهُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ فِيهِ ذَلِكَ كَالثَّمَنِ، وَمَتَى أُطْلِقَ اقْتَضَى الْحُلُولَ، كَمَا لَوْ أُطْلِقَ ذِكْرُ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَرَطَهُ مُؤَجَّلًا إِلَى وَقْتٍ فَهُوَ إِلَى أَجَلِهِ (وَمَحَلُّهِ الْفُرْقَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ بِالصَّدَاقِ إِلَى حِينِ الْفُرْقَةِ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مَعْلُومًا (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ) التَّسْمِيَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَحِينَئِذٍ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ جَعَلَ الْأَجَلَ مُدَّةً مَجْهُولَةً، كَقُدُومِ زَيْدٍ، وَنَحْوِهِ - لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَحْتَمِلُ إِذَا كَانَ الْأَجَلُ مَجْهُولًا أَنْ يَكُونَ حَالًّا، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ لَهَا نِصْفُهُ - فِي رِوَايَةٍ - وَفِي أُخْرَى، مَنَعَهُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مُحَرَّمٍ كَخَمْرٍ.
[إِنْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَالًا مَغْصُوبًا]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَالًا مَغْصُوبًا - صَحَّ النِّكَاحُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ
الْمِثْلِ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْجِبُهُ اسْتِقْبَالُ النِّكَاحِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَخَرَجَ حُرًّا، أَوْ مَغْصُوبًا، أَوْ عَصِيرٍ، فَبَانَ خَمْرًا فَلَهَا قِيمَتُهُ، وَإِنْ وَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ أَوْ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، فَلَا يَفْسُدُ بِتَحْرِيمِهِ، كَالْخُلْعِ ; وَلِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَدَمِهِ (ووَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) فِي قَوْلِهِمْ ; لِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ يَقْتَضِي رَدَّ الْمُعَوَّضِ، فَوَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَنَ اشْتَرَى ثَوْبًا بِثَمَنٍ فَاسِدٍ، فَتَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ; لِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ اعْتُبِرَ قِيمَتُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ كَالْمَبِيعِ، لَا يُقَالُ: إِنَّمَا وَجَبَ لِحَقِّ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَقَلُّ الْمَهْرِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْجِبُهُ اسْتِقْبَالُ النِّكَاحِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ) وَشَيْخُهُ الْخَلَّالُ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ عِوَضَهُ مُحَرَّمًا، أَشْبَهَ نِكَاحَ الشِّغَارِ، وَخَرَّجَ عَلَيْهَا فِي الْوَاضِحِ فَسَادَهُ بِتَعْوِيضٍ كَمَبِيعٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " الْإِيضَاحِ "، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى مِثْلُ مَغْصُوبٍ أَوْ قِيمَتِهِ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": إِنْ بَاعَهُ رَبُّهُ قَبِلَهُ بِثَمَنٍ، لَزِمَهُ، وَعَنْهُ: مِثْلُ خَمْرٍ خَلًّا (وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ) وَكَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَأَمَّا إِذَا فَسَدَ الصَّدَاقُ لِجَهَالَتِهِ، أَوْ عَدَمِهِ، أَوِ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا وَبَيْنَ مَنْ سَمَّى لَهَا مُحَرَّمًا كَالْخَمْرِ، أَوْ مَجْهُولًا كَالثَّوْبِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَهَا الْمُتْعَةُ ; لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِهَا، وَالثَّانِيَةُ: يجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ، فَيَنْتَصِفُ بِهِ كَالْمُسَمَّى.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَخَرَجَ حُرًّا، أَوْ مَغْصُوبًا، أَوْ عَصِيرٍ فَبَانَ خَمْرًا - فَلَهَا قِيمَتُهُ) ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِمَا سَمَّى لَهَا، وَتَسْلِيمُهُ مُمْتَنِعٌ ; لِكَوْنِهِ غَيْرَ قَابِلٍ لِجَعْلِهِ صَدَاقًا، فَوَجَبَ الِانْتِقَالُ إِلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهَا بَدَلٌ، وَلَا تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ ; لِعَدَمِ رِضَاهَا بِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَظَ أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَوْ كَانَ مِثْلِيًّا لَكَانَ لَهَا مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ، كَمَا لَوِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مِثْلِيٌّ بِغَيْرِ الصَّدَاقِ، وَالْعَصِيرُ مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ عُدِمَ مِثْلُهُ ; إِذِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَصِيرٌ مِثْلُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَ فِي " الْإِيضَاحِ " مَهْرَ مِثْلِهَا (وَإِنْ وَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ أَوْ رَدِّهِ وَأَخْذِ
فَصْلٌ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا، صَحَّ، وَكَانَا جَمِيعًا مَهْرَهَا، فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيمَتِهِ) ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَثَبَتَتِ الْخِيَرَةُ فِيهِ بَيْنَ أَخْذِ الْأَرْشِ أَوِ الْبَدَلِ وَأَخْذِ الْقِيمَةِ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ، وَكَذَا عِوَضُ الْخُلْعِ الْمُنْجَزِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَمْسَكَهُ فَلَا أَرْشَ، وَمَا عُقِدَ عَلَيْهِ فِي الذِّمَّةِ وَجَبَ بَذْلُهُ فَقَطْ.
فَرْعٌ: إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدَيْنِ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا، صَحَّ الصَّدَاقُ فِي مِلْكِهِ، وَلَهَا قِيمَةُ الْآخَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ قِيمَتُهَا، وَإِنْ بَانَ نِصْفُهُ مُسْتَحَقًّا أَوْ أَصْدَقَهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ، فَبَانَتْ تِسْعُمِائَةٍ خُيِّرَتْ بَيْنَ أَخْذِهِ، وَقِيمَةِ الْفَائِتِ، وَبَيْنَ قِيمَةِ الْكُلِّ.
[إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا]
فَصْلٌ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا، صَحَّ) ; لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ لَصَحَّ، فَكَذَا إِذَا شَرَطَ الْبَعْضَ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ شُعَيْبًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمِهِ، وَذَلِكَ اشْتِرَاطٌ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّ لِلْوَالِدِ الْأَخْذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ; وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، فَإِذَا شَرَطَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَالِهَا (وَكَانَا جَمِيعًا مَهْرَهَا) وَهَذَا فِي أَبٍ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ أَوْ شَرْطُهُ لَهُ، وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَةَ رِوَايَةَ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَتَصِحُّ التَّسْمِيَةُ، وَقِيلَ: يَبْطُلَانِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: شَرْطُهُ مَا لَمْ يُجْحِفْ بِابْنَتِهِ، فَإِنْ أَجْحَفَ بِهَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَكَانَ