وَجْهَيْنِ.
وَفِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوَّلِ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِالسِّلْعَةِ وَأَخْذِ الزِّيَادَةِ أَوْ عِوَضِهَا.
فَائِدَةٌ: يَحْرُمُ سَوْمُهُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ الرِّضَى صَرِيحًا، وَقِيلَ: أَوْ ظَاهِرًا، وَقِيلَ: أَوْ تَسَاوَى الْأَمْرَانِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " السَّوْمُ كَالْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَكَذَا سَوْمُ إِجَارَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا اسْتِئْجَارُهُ عَلَى إِجَارَةِ أَخِيهِ فَكَذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي]
(وَفِي بَيْعِ الْحَاضِرِ) وَهُوَ الْمُقِيمُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى (لِلْبَادِي) وَهُوَ الْمُقِيمُ فِي الْبَادِيَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَنْ يَدْخُلُ الْبَلَدَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بَدَوِيًّا أَوْ قَرَوِيًّا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْبُلْغَةِ " لَا رَيْبَ أَنَّهُ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْقَادِمَ يَبِيعُ سِلْعَتَهُ اشْتَرَاهَا النَّاسُ مِنْهُ بِرُخْصٍ، فَإِذَا تَوَلَّى الْحَاضِرُ بَيْعَهَا فَلَا يَبِيعُهَا إِلَّا بِغَلَاءٍ.
فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ عَلَى أَهْلِ الْمُدُنِ (إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ) لِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَوَجَبَ زَوَالُهُ، أَوْ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنَى في غير الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ (وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَعَلَيْهِ
بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَنْ يَحْضُرَ الْبَادِي لِبَيْعِ سِلْعَتِهِ بِسِعْرِ يَوْمِهَا جَاهِلًا بِسِعْرِهَا، وَيَقْصِدُهُ الْحَاضِرُ، وَيَكُونُ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَأَمَّا
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَصْحَابُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ فِي حَقِّنَا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِمْ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى زَوَالِ النَّهْيِ، أَوْ بَقَائِهِ، وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُمَا مُسْتَمِرَّانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَقَاءِ (أَنْ يَحْضُرَ الْبَادِي) لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَقْدُمْ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ بَادِيًا (لِبَيْعِ سِلْعَتِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ لِخَزْنِهَا فَقَصَدَهُ الْحَاضِرُ وَحَضَّهُ عَلَى بَيْعِهَا كَانَ ذَلِكَ تَوْسِعَةً لَا تَضْيِيقًا (بِسِعْرِ يَوْمِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بَيْعَهَا بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ جِهَتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحَاضِرِ زَادَ بَعْضُهُمْ؛ أَيْ: يَقْصِدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا حَالًا لَا نَسِيئَةً (جَاهِلًا بِسِعْرِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا عَرَفَهُ لَمْ يَزِدْهُ الْحَاضِرُ عَلَى مَا عِنْدَهُ (وَيَقْصِدُهُ الْحَاضِرُ) لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَهُ الْبَادِي لَمْ يَكُنْ لِلْحَاضِرِ أَثَرٌ فِي عَدَمِ التَّوْسِعَةِ (وَيَكُونُ بِالنَّاسِ) وَفِي ابْنِ الْمُنَجَّا بِالْمُسْلِمِينَ (حَاجَةٌ إِلَيْهَا) لَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ هَذَا الشَّرْطَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ لَمْ يُوجَدِ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى الشَّرْعُ لِأَجْلِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ رَضُوا بِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَبْطَلَهُ الْخِرَقِيُّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ قَصَدَ الْبَادِي وَقَدْ جَلَبَ السِّلْعَةَ لِلْبَيْعِ فَيُعَرِّفُهُ السِّعْرَ، وَزَادَ الْقَاضِي الشَّرْطَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَتَبِعَهُ جُلُّ الْأَصْحَابِ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً بِالْبُطْلَانِ، وَإِنْ عَرَفَ الْبَادِي السِّعْرَ وَعَنْهُ أَوْ جَهِلَهُ الْحَاضِرُ، وَعَنْهُ: إِنْ قَصَدَهُ الْحَاضِرُ، أَوْ وَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ لِيَبِيعَهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنَّةً، جَزَمَ بِهَا الْخَلَّالُ.
(فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ الْخَمْسَةِ (صَحَّ الْبَيْعُ) وَزَالَ النَّهْيُ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى شُرُوطٍ يَزُولُ بِزَوَالِ أَحَدِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَشَارَ حَاضِرٌ عَلَى بَادٍ، وَلَمْ يَتَوَلَّ لَهُ بَيْعًا لَمْ يُكْرَهْ، وَيُتَوَجَّهْ إِنِ اسْتَشَارَهُ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ لَزِمَهُ بَيَانُهُ لِوُجُوبِ النُّصْحِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ فَفِي وُجُوبِ إِعْلَامِهِ إِنِ اعْتَقَدَ جَهْلَهُ بِهِ نَظَرٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ النُّصْحِ عَلَى اسْتِنْصَاحِهِ وَيَتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ لَا يُخَالِفُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لَهُ، فَيَصِحُّ؛ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنِ الْبَيْعِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ، وَهُوَ الرِّفْقُ بِأَهْلِ الْحَضَرِ وهذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
غير مَوْجُودٌ فِي الشِّرَاءِ لِلْبَادِي، إِذِ الْخَلْقُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ سَوَاءٌ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ لَا يَشْتَرِي لَهُ كَالْبَيْعِ، وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ اللَّيْثُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَحْرُمُ التَّسْعِيرُ عَلَى النَّاسِ بَلْ يَبِيعُونَ أَمْوَالَهُمْ عَلَى مَا يَخْتَارُونَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَيُكْرَهُ الشِّرَاءُ بِهِ، وَإِنْ هَدَّدَ مَنْ خَالَفَهُ حَرُمَ وَبَطَلَ فِي الْأَصَحِّ وَيَحْرُمُ: بِعْ كَالنَّاسِ فِي الْأَشْهَرِ، وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِلْزَامَهُمُ الْمُعَاوَضَةَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهِ.
الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ، وَهُوَ شِرَاءُ الطَّعَامِ مُحْتَكِرًا لَهُ لِلتِّجَارَةِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي قُوتٍ آدَمِيٍّ وَعَنْهُ: وَمَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ وَعَنْهُ: أَوْ يَضُرُّهُمُ ادِّخَارُهُ بِشِرَائِهِ فِي ضِيقٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " مِنْ بَلَدِهِ لَا جَالِبًا، وَالْأَوَّلُ نَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَيَصِحُّ شِرَاءُ مُحْتَكِرٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " احْتِمَالٌ، وَيُجْبَرُ الْمُحْتَكِرُ عَلَى بَيْعِهِ كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ، فَإِنْ أَبَى وَخِيفَ التَّلَفُ فَرَّقَهُ الْإِمَامُ وَيَرُدُّونَ مِثْلَهُ، وَقِيلَ قِيمَتَهُ، وَكَذَا سِلَاحٌ لِحَاجَةٍ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: وَمَنْ ضَمِنَ مَكَانًا لِيَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَحْدَهُ كَرِهَ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِلَا حَاجَةٍ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ زِيَادَةٍ بِلَا حَقٍّ قَالَ أَحْمَدُ: اسْتَغْنِ عَنِ النَّاسِ، لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، الْغِنَى مِنَ الْعَافِيَةِ.
شِرَاؤُهُ لَهُ فَيَصِحُّ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمَنْ بَاعَ سلعة بِنَسِيئَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا، وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ، أَوِ ابْنُهُ جَازَ وَإِنْ بَاعَ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّالِثَةُ: لَا يُكْرَهُ ادِّخَارُ قُوتِ أَهْلِهِ وَدَوَابِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَلَا يَنْوِي التِّجَارَةَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَضِيقَ.
[مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا]
(وَمَنْ بَاعَ سلعة بِنَسِيئَةٍ) أَوْ بِثَمَنٍ لَمْ يَقْبِضْهُ، ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا) وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِمَا رَوَى غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنِ امْرَأَتِهِ الْعَالِيَةِ قَالَتْ: دَخَلْتُ أَنَا وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إِنِّي بِعْتُ غُلَامًا مِنْ زَيْدٍ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَى الْعَطَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا فَقَالَتْ لَهَا: بِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ وَبِئْسَمَا شَرَيْتِ، أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَطَلَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ، وَلَا تَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا، وَلِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ إِلَى أَجَلٍ، وَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّرْعِ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْقَاتِلِ مِنَ الْإِرْثِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى عَتَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّحَيُّلَ فِي ارْتِكَابِ مَا نُهُوا عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ حَلِّ أَجَلِهِ.
نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ، وَقَيَّدَ الشِّرَاءَ بِالنَّقْدِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ كَانَ بَيْعُهَا الْأَوَّلِ بِعَرْضٍ فَاشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبًا بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِذَا اخْتَلَفَ النَّقْدُ، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، وَقَالَ الْأَصْحَابُ يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَاهَا مِنْ غَيْرِ مُشْتَرِيهِ، وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ كَتَوْكِيلِهِ وَسُمِّيَتْ عِينَةً؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ السِّلْعَةِ إِلَى أَجَلٍ يَأْخُذُ بَدَلَهَا عِينًا؛ أَيْ: نَقْدًا حَاضِرًا مِنْ فَوْرِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ التَّبَايُعَ بِهَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا) كَعَبْدٍ مَرِضَ، أَوْ ثَوْبٍ انْقَطَعَ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ الْمَبِيعِ لَا لِلتَّوَسُّلِ إِلَى الرِّبَا وَتَوَقَّفَ فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى فِيمَا إِذَا نَقَصَ مِنْ نَفْسِهِ وَحَمْلِهِ فِي الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ نَقْصَهُ أَقَلُّ مِنَ النَّقْصِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ فَتَكُونُ عِلَّةُ الْمَنْعِ بَاقِيَةً، وَكَذَا يَجُوزُ بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " (وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ أَوِ
مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نَسِيئَةً؛ لَمْ يَجُزْ.
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنُهُ) أَوْ غُلَامُهُ وَنَحْوُهُ (جَازَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْأَجْنَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشِّرَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ سلعة بِنَقْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسِيئَةً فَهِيَ عَكْسُ الْعِينَةِ، وَهِيَ مِثْلُهَا نَقَلَهُ حَرْبٌ إِلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهَا، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ يَجُوزُ بِلَا حِيلَةٍ، فَلَوِ احْتَاجَ إِلَى نَقْدٍ فَاشْتَرَى مَا يُسَاوِي مِائَةً بِثَمَانِينَ فَلَا بَأْسَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَهِيَ مِثْلُ التَّوَرُّقِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ إِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ بَيْعَ الْمَتَاعِ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْكَ هُوَ أَهْوَنُ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بَيْعَهُ فَهِيَ الْعِينَةُ، وَإِنْ بَاعَهُ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَهِيَ الْعِينَةُ نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ بَاعَ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً) كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَطْعُومِ (ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ) كَمَا لَوْ بَاعَهُ غَرَارَةَ قَمْحٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا حَلَّ اشْتَرَى بِهَا غَرَارَةَ قَمْحٍ (أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نَسِيئَةً) كَمَا لَوِ اشْتَرَى بِثَمَنِ الْقَمْحِ غَرَارَةَ شَعِيرٍ (لَمْ يَجُزِ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَطَاوُسٍ، لِأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِالرِّبَوِيِّ نَسِيئَةً، وَيَكُونُ الثَّمَنُ الْمُعَوَّضُ عَنْهُ بَيْنَهُمَا كَالْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِحَاجَّةٍ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدِي جَوَازُهُ إِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ حِيلَةً، وَلَا قَصَدَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ بن الْحُسَيْنِ وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ الْأَوَّلُ حَيَوَانًا أَوْ ثِيَابًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى مِنَ الْمُشْتَرِي طَعَامًا بِدَرَاهِمَ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ وَفَاءً، أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ، لَكِنْ قَاصَّهُ جَازَ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَهِيَ ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُولِ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الثَّمَنِ كَتَأْجِيلِهِ أَوِ الرَّهْنِ أَوِ الضَّمِينِ بِهِ أَوْ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ نَحْوَ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ صَانِعًا أَوْ مُسْلِمًا، وَالْأَمَةِ بِكْرًا، وَالدَّابَّةِ هَمْلَاجَةً، وَالْفَهْدِ
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، إِذِ الْأَمْرُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَوْمٌ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ وَاجِبٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَكَالنِّكَاحِ، وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: صَارَ إِلَى الْأَمَانَةِ، وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُفَسِّرُهُ.
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ]
[الشُّرُوطُ الصَّحِيحَةُ فِي الْبَيْعِ]
[الْأَوَّلُ شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ]
بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ
وَهِيَ جَمْعُ شَرْطٍ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا هُنَا بِمَا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، وَالْأَوْلَى: هُوَ إِلْزَامُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْآخَرَ بِسَبَبِ الْعَقْدِ مَا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ.
(وَهِيَ ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ) وَهُوَ مَا يُوَافِقُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَفَاسِدٌ وَهُوَ مَا يُنَافِيهِ، وَقُدِّمَ الْكَلَامُ عَلَى الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ لِسَلَامَةِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدَمِ.
(وَهُوَ) أَيِ: الصَّحِيحُ (ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ) أَيْ: مَطْلُوبِهِ (كَالتَّقَابُضِ وَحُلُولِ الثَّمَنِ) فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَنَحْوِهِ) مِثْلَ أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَتَصَرَّفَ، أَوْ يَسْقِيَ الثَّمَرَةَ إِلَى الْجِدَادِ.
قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ".
[الثَّانِي شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ]
(الثَّانِي: شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الثَّمَنِ كَتَأْجِيلِهِ) أَوْ بَعْضِهِ قَالَهُ أَحْمَدُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَالْخِيَارِ (أَوِ الرَّهْنِ أَوِ الضَّمِينِ بِهِ) وَالْمُرَادُ إِذَا كَانَا مُعَيَّنَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ لِمَصْلَحَةٍ، وَيَلْزَمُ بِتَسْلِيمِ رَهْنِ الْمُعَيَّنِ إِنْ قِيلَ بِلُزُومٍ بِالْعَقْدِ (أَوْ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ) مَقْصُودَةٍ (نَحْوَ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ صَانِعًا) أَوْ فَحْلًا قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " (أَوْ مُسْلِمًا، وَالْأَمَةِ بِكْرًا) أَوْ حَائِضًا نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَلَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى زَوَالُهُ بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَحِضْ طَبْعًا فَفَقْدُهُ يَمْنَعُ النَّسْلَ، وَإِنْ كَانَ لِكِبَرٍ فَعَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ الثَّمَنَ (وَالدَّابَّةِ هَمْلَاجَةً)
صَيُودًا؛ فَيَصِحُّ، فَإِنْ وَفَى بِهِ وَإِلَّا فَلِصَاحِبِهِ الْفَسْخُ، وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً، فَلَا فَسْخَ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا، وَإِنْ شَرَطَ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيْ: مَاشِيَةً، إِذِ الْهَمْلَجَةُ مِشْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَالْفَهْدِ صَيُودًا) وَالْأَرْضُ خَرَاجُهَا كَذَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (فَيَصِحُّ) اشْتِرَاطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لَفَاتَتِ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِّعَ لِأَجْلِهَا الْبَيْعُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ لِقَوْلِهِ: (فَإِنْ وَفَى بِهِ، وَإِلَّا فَلِصَاحِبِهِ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي (الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ، فَصَارَ مُسْتَحِقًّا، كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا، فَإِذَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي، وَالْأَكْثَرُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالتَّدْلِيسِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي مُحَرِّرِهِ وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ فَلَهُ أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْعَيْبِ، وَقِيلَ: مَعَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " هَلْ يَبْطُلُ بَيْعٌ بِبُطْلَانِ رَهْنٍ فِيهِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ أَمْ لَا كَمَهْرٍ فِي نِكَاحٍ فِيهِ احْتِمَالَانِ (وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً فَلَا فَسْخَ لَهُ) لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْغُلَامُ كَاتِبًا، فَإِذَا هُوَ أَيْضًا عَالِمٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اجْتِمَاعَ الْوَصْفَيْنِ، بَلْ مَتَى شَرَطَ أَحَدُهُمَا: فَبَانَ بِخِلَافِهِ كَفَى (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ (أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا) صَحِيحًا، إِذِ الْمُشْتَرِي قَدْ لَا يُطِيقُ وَطْءَ الْبِكْرِ، وَطَالَبَ الْكَافِرَةَ أَكْثَرَ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَلِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَكْلِيفِهَا بِالْعِبَادَاتِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا شَرَطَهُ كَافِرًا، فَلَمْ يَكُنْ، فَلَا فَسْخَ كَاشْتِرَاطِ الْحُمْقِ وَنَحْوِهِ، فَلَوْ كَانَتْ الصفة غير مَقْصُودَةً، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْأَمَةِ سَبْطَةً فَبَانَتْ جَعْدَةً، أَوْ جَاهِلَةً فَبَانَتْ عَالِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَهَا جَعْدَةً فَبَانَتْ سَبْطَةً أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ، وَقَالَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لِأَنَّهُ عَيْبٌ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ شَرْطُ كَوْنِ الشَّاةِ لَبَوْنًا، أَوْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ لَا أَنَّهَا تَحْلِبُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا
الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِيءُ من مسافة مَعْلُومَةً صَحَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ حِمْلَانِ
[المبدع في شرح المقنع]
مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَكَذَا يَصِحُّ شَرْطُهَا حَامِلًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ كَالصِّنَاعَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ شَرَطَهَا حَائِلًا فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ فَسَخَ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ لَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ، وَقِيلَ: وَيُفْسَخُ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُهَا لِسَفَرٍ، أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ الْحَمْلِ، فَلَوْ شَرَطَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ فَهُوَ فَاسِدٌ.
(وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا) أَوْ يَبِيضَ أَوِ الدِّيكَ يُوقِظُهُ لِلصَّلَاةِ (أَوْ أَنَّهُ يَجِيءُ من مسافة مَعْلُومَةً) كَمِصْرَ، وَالشَّامِ (صَحَّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ فِي تَصْوِيتِهِ قَصْدًا صَحِيحًا، وَهُوَ عَادَةٌ فِيهِ كَالْهَمَلَاجَةِ، وَكَذَا مَجِيئُهُ لِنَقْلِ الْأَخْبَارِ وَحَمْلِ الْكُتُبِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَصَارَ كَالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ، وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ الْكَبْشُ مُنَاطِحًا، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الطَّائِرِ إِذَا شَرَطَهُ مُصَوِّتًا، وَفِي " الشَّرْحِ " لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الدِّيكِ يُوقِظُهُ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ،
فَرْعٌ: لَوْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِالصِّفَةِ وَصَدَّقَهُ بِلَا شَرْطٍ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمُصَرَّاةِ، وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[الثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ]
(الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ) عَلَى الْأَصَحِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْوَطْءُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ بِلَا خِلَافٍ وَيَأْتِي وَطْءُ الْمُكَاتَبَةِ (كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ حِمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ) لِمَا «رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ قَدْ أَعْيَا فَضَرَبَهُ
الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي نَفْعَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ كَحَمْلِ الْحَطَبِ وَتَكْسِيرِهِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَتَفْصِيلِهِ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِي جَزِّ الرَّطْبَةِ إِنْ شَرَطَهُ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسْرِ مِثْلَهُ، فَقَالَ: بِعْنِيهِ فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حِمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ» ، وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ بِتَأَخُّرِ التَّسْلِيمِ فِيهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَصَحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَمَةً مُزَوَّجَةً، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً وَنَحْوَهُمَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُ تَسْلِيمُهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ لِبَائِعِهِ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاحْتَجَّ فِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الِانْتِصَارِ "، وَغَيْرِهِمَا بِشِرَاءِ عُثْمَانَ مِنْ صُهَيْبٍ أَرْضًا، وَشَرَطَ وَقْفَهَا عَلَيْهِ وَعَلَى عَقِبِهِ، وَكَحَبْسِهِ عَلَى ثَمَنِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ أَحْمَدَ أَنْكَرَ الْخَبَرَ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْوِيًّا فِي مُسْنَدٍ، فَعَلَى الْأُولَى لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلِلْبَائِعِ إِجَارَةُ مَا اسْتَثْنَاهُ وَإِعَارَتُهُ كَعَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ، ثُمَّ إِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي، أَوْ تَفْرِيطِهِ، كَمَا اخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ضَمَّنَهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ ضمانه مُطْلَقًا وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ إِذَا تَلِفَتِ الْعَيْنُ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَوْ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي، صَحَّ كَالْمُؤَجَّرَةِ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا (أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي نَفْعَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ كَحَمْلِ الْحَطَبِ وَتَكْسِيرِهِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَتَفْصِيلِهِ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ جِرْزَةَ حَطَبٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ حَمْلَهَا وَغَايَتُهُ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْعًا وَإِجَارَةً، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا لَا هُمَا.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
فَرْعٌ: إِذَا تَرَاضَيَا بِعِوَضِ النَّفْعِ جَازَ فِي الْأَشْهَرِ، وَهُوَ كَأَجِيرٍ مُشْتَرِكٍ فَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ أَوِ اسْتَحَقَّ، فَلِلْمُشْتَرِي عِوَضُ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ.
الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ فَيَخْرُجُ هَا هُنَا مِثْلَهُ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِي جَزِّ الرَّطْبَةِ إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى مَذْهَبًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ الْعَمَلَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ مِلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَ لَهُ ثَوْبَ زَيْدٍ إِذَا مَلَكَهُ (فَيَخْرُجُ هَا هُنَا مِثْلَهُ) كَذَا خَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا مِثْلُهُ فَيُعْطَى حُكْمَهُ، وَكَذَا قَالَهُ الْمَجْدُ تَبَعًا لِصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ "، وَذَكَرَاهُ رِوَايَةً، وَقَالَ الْقَاضِي: لَمْ أَجِدْ بِمَا قَالَ الْخِرَقِيُّ رِوَايَةً فِي الْمَذْهَبِ وَتَرَدَّدَ فِي " الْمُغْنِي " فِي التَّخْرِيجِ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ مِنِ اشْتِرَاطِ نَفْعِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِمَا ذَكَرَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَازُعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُرِيدُ قَطْعَهَا مِنْ أَعْلَاهَا لِيَبْقَى لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةٌ، وَالْمُشْتَرِيَ يُرِيدُ اسْتِقْصَاءَهَا لِيَزِيدَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ، وَهُوَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: وَالْبَيْعُ لَا يُبْطِلُهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَلِيُوَافِقَ الْمَذْهَبَ.
(وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ لَمْ يَصِحَّ) عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَظَاهِرُهُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " سَوَاءٌ كَانَا صَحِيحَيْنِ أَوْ فَاسِدَيْنِ زَاعِمًا أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَمُعْتَمِدًا عَلَى إِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَبَعْدُ فِي " الشَّرْحِ " كَلَامُهُ، وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَسَّرَهُمَا بِشَرْطَيْنِ صَحِيحَيْنِ لَيْسَا مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ حُزْمَةَ حَطَبٍ وَيِشْترِطَ عَلَى الْبَائِعِ حَمْلَهَا وَتَكْسِيرَهَا لَا مَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ، وَلَا مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَاهُ، وَلَا الشَّرْطَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ، إِذِ الْوَاحِدُ كَافٍ فِي بُطْلَانِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخَيْنِ وَصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " وَ " الشَّرْحِ " تَبَعًا لِلْقَاضِي فِي شَرْحِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِنَّ
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ كَسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَحْدَهُ.
الثَّانِي: شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَحْوَ أَنْ يُشْرَطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، أَوْ إِنْ أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْرُطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا
[المبدع في شرح المقنع]
مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَسَّرَهُمَا بِشَرْطَيْنِ فَاسِدَيْنِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَضَعَّفَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مُؤَثِّرٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعَدُّدِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ بِخِلَافِ الشَّرْطَيْنِ.
[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الْبَيْعِ]
[الْأَوَّلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: فَاسِدٌ) يَحْرُمُ اشْتِرَاطُهُ (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ كَسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ أَوْ غَيْرِهِ فَهَذَا) الشَّرْطُ (يُبْطِلُ الْبَيْعَ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَكَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْمَبِيعَ، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا اشْتَرَاهُ بِكَذَا إِلَى شَهْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ دِرْهَمَانِ قَالَ: هَذَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي آخَرَ، فَلَمْ يَصِحَّ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَحِكْمَتُهُ إِذَا فَسَدَ الشَّرْطُ وَجَبَ رَدُّ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَحْدَهُ) هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَصَحَّحَ الشِّرَاءَ مَعَ إِبْطَالِ الشَّرْطِ وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الرِّوَايَتَيْنِ.
[الثَّانِي شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ]
(الثَّانِي: شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَحْوَ أَنْ يَشْرُطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، أَوْ إِنْ
بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ، وَعَنْهُ: فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ
[المبدع في شرح المقنع]
أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْرُطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَهَذَا) شَرْطٌ (بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ إِطْلَاقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَلَى اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ يَقْتَضِي إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، فَالْمَنْعُ مِنْهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِ الْغَرَضِ فَيَكُونُ الشَّرْطُ بَاطِلًا (وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْبُلْغَةِ " أَنَصُّهُمَا لَا يَبْطُلُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ ثَابِتٌ، وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا يُعَارِضُهُ، وَالْقَوْلُ بِهِ يَجِبُ، لَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ؛ أَيْ: عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ لَهَا بِالْإِعْتَاقِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى اشْتِرَاطِهِ، وَلِأَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهَا بِمَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ مِنْهَا، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ هُنَا لِلتَّسْوِيَةِ نَحْوَ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: 16] وَلِعَوْدِ الشَّرْطِ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِدِ نَحْوَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ فُلَانٌ - يَعْنِي غَيْرَ الْمُشْتَرِي - ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِيَةُ: يَبْطُلُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَقْدًا آخَرَ، وَكَجَهَالَةِ الثَّمَنِ، فَلَوْ أَسْقَطَ الْفَاسِدَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَعَلَى الصِّحَّةِ لِلْفَائِتِ غَرَضُهُ، وَقِيلَ: لِلْجَاهِلِ - فَسَادُ الشَّرْطِ - الْفَسْخُ، أَوْ أَرْشُ نَقْصِ الثَّمَنِ بِإِلْغَائِهِ، وَقِيلَ: لَا أَرْشَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ فَفِي صِحَّتِهِ) أَيْ: صِحَّةِ الشَّرْطِ (رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " (إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ) صَحَّحَهُ فِي
عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشَّروطِ، وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا وَنَحْوَهُ فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
" الْبُلْغَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَهِيَ الْمَذْهَبُ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ (وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ) لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ لِكَوْنِهِ قُرْبَةً الْتَزَمَهُ الْمُشْتَرِي فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَالنَّذْرِ، وَقِيلَ: هُوَ حَقٌّ لِلْبَائِعِ فَيُفْسَخُ، فَإِنْ أَمْضَى، فَلَا أَرْشَ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَإِسْقَاطُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ، أَوِ الضَّمِينَ فَعَلَيْهِ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ لَهُ بِشَرْطِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ، وَقِيلَ: شَرْطُ الْوَقْفِ كَالْعِتْقِ (وَعَنْهُ: فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشُّرُوطِ) . رَوَى الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَعْنَى حَدِيثِ النَّهْيِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، يَعْنِي أَنَّهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ إِيَّاهُ، وَشَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَهُمَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لَكِنْ نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالشَّرْطَيْنِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ وَلُزُومِهِ رِوَايَتَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَنْهُ نَحْوَ عِشْرِينَ نَصًّا عَلَى صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الْوَطْءُ لِنَقْصِ الْمِلْكِ، وَسَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنِ اشْتَرَى أَمَةً بِشَرْطِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا لَا لِلْخِدْمَةِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ لَا يَقْرَبُهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ لِمَكَانِ الْخِلَافِ فِي الْعَقْدِ (وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا) كَالْخَمْرِ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ، عند الِاسْتِيفَاء إِذَا لَمْ يُمْكِنْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ (وَنَحْوَهُ) كَخِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ مَجْهُولَيْنِ (فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا
وَجْهَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ، أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكِ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا وَيُعْطِيَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا، وَيَقُولَ: إِنْ أَخَذْتُهُ، وَإِلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَالْمَنْصُوصُ صِحَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
[الثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ]
(الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ) فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْلُ الْمِلْكِ حَالَ التَّبَايُعِ، وَالشَّرْطُ هُنَا يَمْنَعُهُ، وَعَنْهُ: صِحَّةُ عَقْدِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: صِحَّتُهُمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي كُلِّ الْعُقُودِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْمُنْجَزَ وَالْمُعَلَّقَ وَالصَّرِيحَ وَالْكِنَايَةَ كَالنَّذْرِ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ: بِعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَفَسَّرَهُ أَحْمَدُ بِذَلِكَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْأُولَى، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ (إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا) بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ (وَيُعْطِيَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا) أَوْ أَكْثَرَ (وَيَقُولَ: إِنْ أَخَذْتُهُ) احْتَسَبَ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ آخُذْهُ (فَالدِّرْهَمُ لَكَ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ) لِمَا رَوَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ، وَإِلَّا لَهُ كَذَا وَكَذَا، فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ دِرْهَمًا قَبِلَ الْبَيْعَ، وَقَالَ: لَا تَبِعْهُ لِغَيْرِي، وَإِنْ لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْكَ فَهُوَ لَكَ، ثُمَّ عَقَدَ وَحَسَبَ مِنَ الثَّمَنِ جَازَ، وَحَمَلَ فِي " الشَّرْحِ " فِعْلَ عُمَرَ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ فِعْلِهِ وَالْخَبَرِ وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِهِ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ
فَعَلَهُ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَاعَهُ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْبَائِعِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ، وَفِي " الْمُغْنِي " هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: حُكْمُ إِجَارَتِهِ كَالْبَيْعِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
الثَّانِيَةُ: تعتبر مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ.
الثَّالِثَةُ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ فَسْخٍ بِشَرْطٍ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ: لَا.
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِيمَا إِذَا آجَرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ إِذَا مَضَى شَهْرٌ، فَقَدْ فَسَخْتُهَا أَنَّهُ يَصِحُّ كَتَعْلِيقِ الْخَلْعِ، وَهُوَ فَسْخٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا صَحَّحْنَا الْعَقْدَ دُونَ الشَّرْطِ فَلِمَنْ فَاتَ غَرَضُهُ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لِلْجَاهِلِ - فَسَادَ الشَّرْطِ - الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ، أَوْ أَرْشُ نَقْصِ الثَّمَنِ بِإِلْغَائِهِ كَالْمَعِيبِ، وَقِيلَ: لَا أَرْشَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
(وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ) زَادَ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ وَخَصَّهُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ رَفْعَ الْعَقْدِ بِأَمْرٍ يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ، فَجَازَ أَنْ يَفْسَخَ بِتَأَخُّرِ الْقَبْضِ كَالصَّرْفِ، فَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ فِي الْمُدَّةِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ بِفَوَاتِهِ.
(وَإِنْ بَاعَهُ، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ) أَوْ مِنْ عَيْبِ كَذَا إِنْ كَانَ بِهِ (لَمْ يَبْرَأْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَا يَسْقُطُ قَبْلَهُ كَالشُّفْعَةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَرْتَفِقُ بِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ كَالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ
عَيْبٍ لَمْ يَبْرَأْ، وَعَنْهُ: يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ فَكَتَمَهُ.
فَصْلٌ وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَنْهُ:
[المبدع في شرح المقنع]
(وَعَنْهُ: يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ فَكَتَمَهُ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مَعَ الْجَهْلِ لَا الْعِلْمَ بِهِ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ عَبْدًا مِنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ، فَأَصَابَ بِهِ زَيْدٌ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَتَرَافَعَا إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ أَتَحْلِفُ أَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ؟ فَقَالَ لَا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَاعَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ، وَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: إِنْ عَيَّنَهُ صَحَّ، وَمَعْنَاهُ نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: لَا يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْعُيُوبِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ مُرْفَقٌ فِي الْبَيْعِ كَالْخِيَارِ، وَعَنْهُ: يَبْرَأُ مُطْلَقًا قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِنَا كَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ، وَحَيْثُ قِيلَ بِفَسَادِ الشَّرْطِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ.
فَإِنْ سَمَّى الْعَيْبَ وَأَبْرَأَهُ مِنْهُ؛ صَحَّ.
[الحكم لو بَاعَهُ أَرْضًا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَبَانَتْ أَنَّهَا أَحَدَ عَشَرَ]
فَصْلٌ (وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا) وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَرْضًا، وَهُوَ أَحْسَنُ، أَوْ ثَوْبًا (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْبَارُ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَاعَهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَلَا الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَى الْكُلَّ، وَعَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الشَّرِكَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "،
أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، وإن اتفقا عَلَى إِمْضَائِهِ جَازَ، وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ جَازَ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " (وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ) دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ مَا لَمْ يُعْطِهِ الزَّائِدَ مَجَّانًا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَإِنْ أَبَى ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْأَخْذِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَقِسْطِ الزَّائِدِ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْأَخْذِ، وَالْبَائِعُ شَرِيكٌ لَهُ بِالزَّائِدِ، فَهَلْ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْمُشَارَكَةِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ بِهَذَا الثَّمَنِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ جُزْءٍ لَهُ فِيهِ كَانَ زِيَادَةً (وإن اتفقا عَلَى إِمْضَائِهِ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالْبَيْعِ وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ) لِنَقْصِهِ (وَأَخَذَ الْمَبِيعَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ يُقَسِّطُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ، فَإِذَا فَاتَ جُزْءٌ اسْتَحَقَّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِقِسْطِهِ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الرِّضَا وَالْفَسْخِ، فَإِنْ بَذَلَ الْمُشْتَرِي كُلَّ الثَّمَنِ لَمْ يَمْلُكِ الْفَسْخَ أَشْبَهَ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ مَعِيبًا فَرَضِيَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ (وإن اتفقا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ جَازَ) لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْمُعَاوَضَةِ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّرَاضِيَ مِنْهَا.
بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ، وَالصُّلْحُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَهُ صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْفِزَةٍ فَبَانَتْ سِتَّةً رَدَّ الزَّائِدَ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي رَدِّ الزَّائِدِ، وَإِنْ بَانَتْ أَقَلَّ أَخَذَهَا بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْقَدْرِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْبَاقِي مِنَ الْمَكِيلِ، وَقِيلَ: بَلَى لِنُقْصَانِهَا وَكَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ]
[أَقْسَامُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ]
[الْأَوَّلُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ]
بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ الْخِيَارُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِنِ اخْتَارَ يَخْتَارُ اخْتِيَارًا، وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِمْضَائِهِ أَوِ الْفَسْخِ.
(وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ) وَسَيَأْتِي (أَحَدُهَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ) وَهُوَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - مَوْضِعُ الْجُلُوسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَكَانُ التَّبَايُعِ (وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ لِلْحَدِيثِ مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَدْرِي هَلْ مَالِكٌ اتَّهَمَ نَفْسَهُ، أَوْ نَافِعًا وَأُعْظِمُ أَنْ أَقُولَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ انْتَهَى.
وَاعْتِرَاضُ الْمَالِكِيِّ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَدْفُوعٌ بِمُخَالَفَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، فَإِنْ قِيلَ: هُوَ خَبَرُ آحَادٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فَإِنَّهُ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَجَابِرٍ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ كَالنِّكَاحِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّفَرُّقِ فِي الْخَبَرِ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: 4]
بِمَعْنَاهُ، وَالْإِجَارَةِ وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَعَنْهُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِمَا، وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ إِلَّا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبَقِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلِكُلِّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» الْخَبَرَ، فَالْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إِلَى بَيْعِ شَرْطٍ فِيهِ الْخِيَارُ، وَبَيْعٍ لَمْ يَشْرُطْ فِيهِ وَسَمَّاهُ صَفْقَةً لِقِصَرِ مُدَّةِ الْخِيَارِ مَعَ أَنَّ الْجُوزَجَانِيَّ رَوَى عَنْهُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ سَلِمَ فَقَدْ خَالَفَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَالْقِيَاسُ مَدْفُوعٌ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ وَنَظَرٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِذْهَابِ حُرْمَةِ الْمَرْأَةِ وَرَدِّهَا وَإِلْحَاقِهَا بِالسِّلَعِ الْمَبِيعَةِ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بِقَوْلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، وَلِأَنَّهُ تَبْطُلُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُمَا الْخِيَارَ بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْشِي خُطُوَاتٍ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَالْهِبَةُ بِعِوَضٍ؛ إِذِ الْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْبَيْعِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْقِسْمَةُ إِنْ قِيلَ هِيَ بَيْعٌ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْكِتَابَةُ، وَمَا تَوَلَّاهُ وَاحِدٌ كَالْأَبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا فِي شِرَاءِ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهُ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رِوَايَةٌ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ مَجْلِسٍ فِي بَيْعٍ وَعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ (وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ) أَيْ: بِمَعْنَى الْبَيْعِ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْهُ بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ (وَالْإِجَارَةِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا كَالْبَيْعِ، وَقِيلَ: لَا تَلِي مُدَّتُهَا الْعَقْدَ (وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْقَبْضُ، وَهُوَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ (وَعَنْهُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِمَا) كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبْضِ فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْعَلَقَةِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ يُنَافِيهِ (وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (الْعُقُودِ) سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالنِّكَاحِ وَالْخَلْعِ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ مِنْهُ الْفِرْقَةَ كَالطَّلَاقِ، وَكَذَا الْقَرْضُ وَالْوَقْفُ وَالضَّمَانُ وَالْهِبَةُ الْخَالِيَةُ عَنْ عِوَضٍ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ فِيهِ لَبَقِيَ الْحَقُّ بِلَا رَهْنٍ فَيَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ، أَوْ جَائِزًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالْوِكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْجَعَالَةِ، وَأَمَّا الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ فَقَالَ (إِلَّا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبَقِ فِي أَحَدِ
وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فِي أَبْدَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَجْهَيْنِ) إِذِ الْمُسَاقَاةُ وَالسَّبَقُ إِجَارَةٌ فِي وَجْهٍ، وَالْحَوَالَةُ بَيْعٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَالْحَوَالَةُ إِمَّا إِسْقَاطٌ، أَوْ عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ، وَالسَّبَقُ جَعَالَةٌ.
وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا) عُرْفًا، وَلَوْ طَالَ الْمَجْلِسُ بِنَوْمٍ، أَوْ تَسَاوَقَا بِالْمَشْيِ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ أَقْبَضَهُ فِي الصَّرْفِ، وَقَالَ أَمْشِي مَعَكَ حَتَّى أُعْطِيَكَ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا جَازَ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَهُوَ شَامِلٌ إِذَا حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بِهَرَبٍ كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تَحْرُمُ الْفُرْقَةُ خَشْيَةَ الاستقالة لظاهر خَبَرِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَهُ أَحْمَدُ، أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ جَهْلٍ، وَكَذَا بِإِكْرَاهٍ فِي وَجْهٍ، إِذِ الرِّضَى فِي مُعْتَبَرٍ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ الرِّضَى فِي الْفَسْخِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَوْرَدَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": مَذْهَبًا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْمُكْرَهِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي زَالَ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَلَامٍ يَقْطَعُ بِهِ خِيَارَهُ انْقَطَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَخَصَّ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْخِلَافَ بِمَا إِذَا أُكْرِهَ أَحَدُهُمَا، فَلَوْ أُكْرِهَا زَالَ خِيَارُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَبْقَى خِيَارُهُمَا وَجَعَلَ مِنْهُمَا مَا إِذَا رَأَيَا سَبْعًا، أَوْ ظَالِمًا يُؤْذِيهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُمَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا: لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْفِرْقَتَيْنِ لَا الْجُنُونُ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ إِذَا أَفَاقَ، وَفِي " الشَّرْحِ " إِنْ خُرِسَ وَلَمْ تُفْهَمْ إِشَارَتُهُ، أَوْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ.
بَيَانٌ: الْمَرْجِعُ فِي التَّفَرُّقِ إِلَى الْعُرْفِ لِعَدَمِ بَيَانِهِ فِي الشَّرْعِ، فَإِنْ كَانَا فِي فَضَاءٍ مَشَى أَحَدُهُمَا مُسْتَدْبِرًا لِصَاحِبِهِ خُطُوَاتٍ قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: يَبْعُدُ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ كَلَامُهُ الْمُعْتَادُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي
بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ فَيَسْقُطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ خِيَارُ صَاحِبِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
" الْكَافِي "، وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ وَاسِعَةٍ فَمِنْ بَيْتٍ إِلَى آخَرَ، أَوْ مَجْلِسٍ، أَوْ صِفَةٍ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُفَارِقًا، وَفِي صَغِيرَةٍ يَصْعَدُ أَحَدُهُمَا السَّطْحَ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْهَا كَسَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، وأما الكبيرة فَيَصْعَدُ أَحَدُهُمَا أَعْلَاهَا وَيَنْزِلُ الْآخَرُ أَسْفَلَهَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفَرُّقِ وَالِافْتِرَاقِ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: يُقَالُ فَرَقْتَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ - مُخَفَّفًا - فَافْتَرَقَا، وَفَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ - مُشَدَّدًا - فَتَفَرَّقَا، فَجَعَلَ الِافْتِرَاقَ فِي الْأَقْوَالِ، وَالتَّفَرُّقَ فِي الْأَبْدَانِ (إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْبَيْعِ (فَيَسْقُطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» أَيْ: لَزِمَ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ، وَابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» من غير زِيَادَةٌ، وَقَوْلَ الْأَكْثَرِ ذَوِي الضَّبْطِ مُقَدَّمٌ عَلَى رِوَايَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَخْذَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الزِّيَادَةُ أَوْلَى (وَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ خِيَارُ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ خِيَارٌ فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّ مَنْ لَمْ يُسْقِطْهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُ الْقَائِلِ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
فَصْلٌ الثَّانِي: خِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ خِيَارُ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا، وَإِنْ طَالَتْ، وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ وَهُمَا عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
[الثَّانِي خِيَارُ الشَّرْطِ]
فَصْلٌ (الثَّانِي: خِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ) وَظَاهِرُهُ لَوِ اتَّفَقَا قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَبَعْدَهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارَيْنِ (خِيَارُ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا، وَإِنْ طَالَتْ) وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مُقَدَّرٌ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فَيَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى مُشْتَرِطِهِ كَالْأَجَلِ، أَوْ مُدَّةٍ مُلْحَقَةٍ بِالْعَقْدِ فَجَازَ ما اتفقا عَلَيْهِ كَالْأَجَلِ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أَنَّ جَدَّهُ كَانَ يَغْبِنُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «لَا خِلَابَةَ» وَمُسْلِمٌ: " لَا خِيَانَةَ " قِيلَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَهُوَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَاللُّزُومَ، وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، فَجَازَ فِي الثَّلَاثَةِ لِلْحَاجَةِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِحَبَّانَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَصَابَهُ آمَةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ، وَكَانَ يَغْبِنُ وَيَرُدُّ السِّلَعَ عَلَى التُّجَّارِ، وَيَقُولُ: الرَّسُولُ جَعَلَ لِي الْخِيَارَ ثَلَاثًا، وَعَاشَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ وَتَقْدِيرُهَا بِالْحَاجَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا لِخَفَائِهَا، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ لَا يَبْقَى إِلَى مُضِيِّهَا، كَطَعَامٍ رَطْبٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْفَظُ ثَمَنُهُ إِلَى الْمُدَّةِ.
صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً، فَإِنْ فَعَلَهُ حِيلَةً لِيَرْبَحَ فِيمَا أَقْرَضَهُ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا) كَقُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوِ الْأَبَدِ (فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ تَجُزْ مَعَ الْجَهَالَةِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْأَبَدِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ،
خِيَارِهِمَا إِلَى أَنْ يَقْطَعَاهُ، أَوْ تَنْتَهِيَ مُدَّتُهُ، وَلَا يَثْبُتَ إِلَّا فِي الْبَيْعِ، وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي الْعَقْدَ، وَإِنْ شَرَطَاهُ إِلَى الْغَدِ لَمْ يَدْخُلْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) وَقَالَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ لِلْخَبَرِ، فَعَلَى هَذِهِ (هُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا إِلَى أَنْ يَقْطَعَاهُ، أَوْ تَنْتَهِيَ مُدَّتُهُ) إِنْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِمَا تَنْتَهِي بِهِ.
(وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا فِي الْبَيْعِ) لِمَا مَرَّ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ لِصِحَّتِهِ كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ (وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِلَفْظِ الصُّلْحِ، وَقِسْمَةٌ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ كَانَ رَدَّ، وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ دُخُولَهُ فِي سِلْمٍ - رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ - لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قَبْضِهِمَا (وَالْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ) كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لِلْغَبْنِ، فَوَجَبَ ثُبُوتُهُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ (أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي الْعَقْدَ) كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ تَلِي الْعَقْدَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لأنه يفضي إِلَى فَوَاتِ ببَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، أَوْ إِلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ؟ وكلاهما غير جَائِزٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَتَصَرَّفُ الْمُسْتَأْجِرُ، فَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ في غير مَا ذُكِرَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَثْبُتُ فِي ضَمَانٍ وَكَفَالَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " يَثْبُتُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ فِي كُلِّ الْعُقُودِ (وَإِنْ شَرَطَاهُ إِلَى الْغَدِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْمُدَّةِ) لِأَنَّ " إِلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، وَمَا بَعْدَهَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] وَكَنَظَائِرِهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ (وَعَنْهُ: تَدْخُلُ) لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى " مَعَ " فَعَلَيْهَا لَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ إِلَّا بِآخِرِ الْغَدِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى الْمَعِيَّةِ إِمَّا لِدَلِيلٍ أَوْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَإِلَى الظُّهْرِ إِلَى الزَّوَالِ كَالْغَدِ
فِي الْمُدَّةِ، وَعَنْهُ: يَدْخُلُ وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً، فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ، وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ جَازَ، وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْعَشِيِّ وَالْعَشِيَّةِ مِنَ الزَّوَالِ، وَذَكَرَهُمَا الْجَوْهَرِيُّ مِنَ الْغُرُوبِ إِلَى الْعَتْمَةِ كَالْعِشَاءِ، وَإِنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ الْعِشَاءَ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْمَسَاءَ وَالْغَبُوقَ مِنَ الْغُرُوبِ وَالْغَدْوَةِ وَالْغَدَاةِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَالصَّبُوحِ، وَالْآصَالِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ.
فَائِدَةٌ: يُقَالُ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ: أَصْبَحَ عِنْدَكَ فُلَانٌ، وَمِنَ الزَّوَالِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ: أَمْسَى عِنْدَكَ، وَالصَّبَاحُ خِلَافُ الْمَسَاءِ، وَالْإِصْبَاحُ نَقِيضُ الْإِمْسَاءِ (وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ كَالْأَجَلِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ) وَهُوَ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا، فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهِ بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا فيه الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وصحح فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ حُكْمُهُ كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهَا لَوْ جُعِلَتْ مِنَ التَّفَرُّقِ لَأَدَّى إِلَى جَهَالَتِهَا، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بشيئين غير مُمْتَنِعٌ كَالْوَطْءِ يَحْرُمُ بِالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَرَطَاهُ سَنَةً فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اسْتَوْفَى شَهْرٌ بِالْعَدَدِ وَبَاقِيهَا بِالْأَهِلَّةِ، وَعَنْهُ: يسْتَوْفي الْكُلُّ بِالْعَدَدِ، كَمَا يَأْتِي فِيمَا إِذَا عَلَّقَ بِالْأَشْهُرِ مِنْ إِجَارَةٍ وَعِدَّةٍ وَصَوْمِ كَفَّارَةٍ، وَإِنْ شَرَطَاهُ شَهْرًا يَوْمًا يَثْبُتُ، وَيَوْمًا لَا، فَثَالِثُهَا كَابْنِ عَقِيلٍ: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، لِإِمْكَانِهِ وَيَبْطُلُ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَزِمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي: لَمْ يَعُدْ إِلَى الْجَوَازِ.
1 -
(وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ) وَلَهُ (جَازَ وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ) لِأَنَّ تَصْحِيحَ الِاشْتِرَاطِ مُمْكِنٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ صِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْإِلْغَاءِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، وَإِنْ شَرَطَهُ لِزَيْدٍ وَأَطْلَقَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ
شَرَطَا الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ جَازَ، وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ، وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا وَيَنْتَقِلِ الْمِلْكُ
[المبدع في شرح المقنع]
دُونِي لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ شَرَّعَ لِتَحْصِيلِ الْحَظِّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِنَظَرِهِ، فَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَيَكُونُ تَوْكِيلًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ فَعَلَيْهِ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ، وَقِيلَ: لِلْمُوَكِّلِ إِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ وَجَعَلَهُ وَكِيلًا.
(وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا) : أَيْ: أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (دُونَ صَاحِبِهِ جَازَ) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ اشْتِرَاطُهُ لَهُمَا، فَلِأَنْ يَجُوزَ لِأَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَول، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِجَهَالَتِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدٌ عَبْدَيْهِ وَكَمَا لَوْ جَعَلَ الْخِيَارَ فِي إِحْدَى السِّلْعَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ مَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا: بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِقِسْطِهِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ عِنْدَ الرَّدِّ (وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ (مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ جُعِلَ إِلَيْهِ، فَجَازَ مَعَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَسَخَطِهِ كَالطَّلَاقِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَرُدُّ الثَّمَنَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالشَّفِيعِ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَخَرَّجُ مَنْ عَزَلَ الْوَكِيلَ لَا فَسْخَ فِي غَيْبَتِهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فِي الْمُدَّةِ (وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا) وَلَزِمَ الْعَقْدُ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ فَبَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا كَالْأَجَلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ لَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ ببَقَائها يفضي إلى بقاء الْخِيَارِ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، إِذِ الْبَيْعُ سَبَبُ اللُّزُومِ، لَكِنْ تَخَلَّفَ مُوجِبُهُ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا زَالَتْ مُدَّتُهُ لَزِمَ الْعَقْدُ بِمُوجِبِهِ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْمُعَارِضِ، قَوْلُهُ: " وَلَمْ يَفْسَخَا " لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ بَلْ لَوْ لَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْخِيَارُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "
إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لَهُ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ أَوْ فَسَخَاهُ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الشَّرْحِ "، إِذْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا: لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا فَسَخَا، وَلَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهُ لِظُهُورِ الْمُرَادِ.
(وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ) مُدَّةَ الْخِيَارَيْنِ (إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) هِيَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» وَوُجِّهَ أَنَّهُ جُعِلَ الْمَالُ لِلْمُبْتَاعِ بِاشْتِرَاطِهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ بَيْعٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ الْخِيَارِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَاصِرٌ لَا يُفِيدُ التَّصَرُّفَ وَلَا يَلْزَمُ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَنُقِلَ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِ: مَلَّكْتُكَ، فَيَثْبُتُ فِيهِ كَالْمُطْلَقِ، وَدَعْوَى الْقُصُورِ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ، وَجَوَازُ فَسْخِهِ لَا يُوجِبُ قُصُورَهُ، وَلَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهِ كَالْمَعِيبِ وَامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ، فَعَلَى هَذَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَرِيبُهُ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ وَيَخْرُجُ فِطْرَتُهُ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ: وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لَهُ أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أَوْ فَسَخَاهُ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ الدَّاخِلِ فِي ضَمَانِهِ بِقَوْلِهِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاحْتَرِزْ بِالْمُنْفَصِلِ عَنِ النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ، كَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْعَيْنَ مَعَ الْفَسْخِ لِتَعَذُّرِ انْفِصَالِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَظَ فِي كَوْنِ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ لِلْبَائِعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ: إِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا: فَالنَّمَاءُ
فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ، وَإِنْ تَصَرَّفَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا ولَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا، وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا، وَإِنِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُنْفَصِلُ، وَعَنْهُ: وَكَسْبُهُ لِلْبَائِعِ كَرِوَايَةِ الْمَلِكِ لَهُ.
فَرْعٌ: الْحَمْلُ وَقْتُ الْعَقْدِ مَبِيعٌ، وَعَنْهُ: نَمَاءٌ، فَتُرَدُّ الْأُمُّ بِعَيْبٍ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ هُوَ كَأَحَدِ عَيْنَيْنِ، أَوْ تَبَعٌ لِلْأُمِّ لَا حُكْمَ لَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
(وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْبَائِعِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَلَا انْقَطَعَتْ عَنْهُ عَلَقَةٌ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْمُشْتَرِي، وَكَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعِوَضِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَالزَّرْكَشِيُّ حِذَارًا مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ (إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ) كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا، وَحَلْبِ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخِيَارِ، وَهُوَ اخْتِبَارُ الْمَبِيعِ (فَإِنْ تَصَرَّفَا) أَوْ أَحَدُهُمَا: (بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا) مِمَّا يَنْقِلُ الْمِلْكَ، أَوْ يُثْبِتُ النَّقْلَ فِي الْعُقُودِ كَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَهُوَ حَرَامٌ (وَلَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْلِكُهُ، وَالْمُشْتَرِي يَقْتَضِي تَصَرُّفُهُ إِلَى إِسْقَاطِ حَقِّ الْبَائِعِ مِنَ الْخِيَارِ، وَاسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ: يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ وَالْخِيَارُ لَهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَوَّلُهُمَا، وَعَنْهُ: يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: مَوْقُوفٌ.
(وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ) أَيْ: رَضِيَ بِهِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّصْرِيحِ فَحَصَلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ كَالْمُعْتَقَةِ، فَإِنَّ خِيَارَهَا يَسْقُطُ بِتَمْكِينِهَا الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي وَسَوْمَهُ وَوَطْأَهُ وَلَمْسَهُ بِشَهْوَةٍ إِمْضَاءٌ، قَالَ أَحْمَدُ: وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ (وَفِي الْآخَرِ الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا) أَيْ: لَيْسَ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ
اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَتْهُ الْجَارِيَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي نَفَذَ عِتْقُهُ وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا،
[المبدع في شرح المقنع]
وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فَسْخًا وَاسْتِرْجَاعًا، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ، وَكَمَا لَوْ أَنْكَرَ شَرْطَ الْخِيَارِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلَّا بِالْعِتْقِ وَسَيَأْتِي، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ، فَالتَّصَرُّفُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَهُ التَّصَرُّفُ، وَيَكُونُ رَضِيَ بِلُزُومِهِ وَإِنْ سَلِمَ، فَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمِلْكِ لَهُ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ تَصَرَّفَ مَعَ الْبَائِعِ، فَرِوَايَتَانِ: بِنَاءً عَلَى دَلَالَةِ التَّصَرُّفِ عَلَى الرِّضَى.
فَرْعٌ: إِذَا تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ، أَوْ تَصَرَّفَ وَكِيلُهُمَا فَهُوَ نَافِذٌ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ، كَمَا لَوْ تَخَايَرَا (وَإِنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) لِأَنَّ الْخِدْمَةَ لَا تَخْتَصُّ الْمِلْكَ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِهِ كَالنَّظَرِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلِاسْتِعْلَامِ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَالثَّانِيَةُ: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ إِحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ فَأَبْطَلَتِ الْخِيَارَ كَالْوَطْءِ، أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
(وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَتْهُ الْجَارِيَةُ) وَلَمْ يَمْنَعْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالٍ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ لَا لَهَا، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَبِلَهَا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا) لِأَنَّ سُكُوتَهُ اسْتِمْتَاعٌ بِهَا وَدَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ، أَشْبَهَ الْمُعْتَقَةَ تَحْتَ عَبْدٍ إِذَا وَطِئَهَا، هِيَ سَاكِتَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ الْخِلَافُ بِالشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ
وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ، وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ وَلَهُ الْفَسْخُ، وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
شَهْوَةٍ لَا يَبْطُلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَيْسَ بِاسْتِمْتَاعٍ بِوَجْهٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي نَفَذَ عِتْقُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ تَامِّ الْمِلْكِ فَنَفَذَ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» دَالٌّ عَلَى نُفُوذِهِ فِي الْمِلْكِ، وَمِلْكُ الْبَائِعِ الْفَسْخُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، كَمَا لَوْ وَهَبَ ابْنَهُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَعَ مِلْكِ الْأَبِ اسْتِرْجَاعَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عِتْقَ الْبَائِعِ لَا يَنْفُذُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَصَرَّفَ بِمَا يَقْتَضِي اللُّزُومُ، وَهُوَ الْعِتْقُ (وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ) أَيْ: بَعْدَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ لَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ الْفَسْخُ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ فَبَطَلَ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ.
وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ (وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ) أَمَّا فِي الْعِتْقِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، وَتَعْذُّرُ الرُّجُوعِ لَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِكَوْنِهِ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَإِذَا فَسَخَ مَلَكَ الرُّجُوعَ فِي قِيمَتِهِ، وَأَمَّا فِي التَّلَفِ فَقِيلَ: هِيَ أَنَصُّهُمَا، وَاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ فِي مَوْضِعٍ عَنِ الْأَصْحَابِ لِعُمُومِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِآخَرَ فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ، فَكَذَا هُنَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَانَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ هَلِ النَّظَرُ إِلَى حَالِ الْعَقْدِ، أَوْ إِلَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ (وَ) عَلَيْهَا (لَهُ الْفَسْخُ) لِأَنَّ خِيَارَهُ لَمْ يَبْطُلْ (وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ) لِأَنَّهَا بَدَلُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ، أَوْ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
(وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا
وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ، وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ، فَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: الْبَيْعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ إِلَّا إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ، وَلَا حَدَّ عليهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ وَقْفَ الْمَرْهُونِ (وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ فَنَفَذَ كَالْعِتْقِ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسَّرَايَةِ، وَيَصِحُّ فِي الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَقْفَ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ.
1 -
(وَإِنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ) زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْبَائِعِ بِهَا كَالْمَرْهُونَةِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَحَقِيقَتُهُ أَوْلَى، وَلَا مَهْرَ لَهَا، لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، فَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ صَادَفَ مَحِلَّهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْبَلَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ) لِأَنَّهُ مِنْ مَمْلُوكَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ فَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: الْبَيْعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ) أَيْ: فَهُوَ كَالْمُشْتَرِي (وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ (إِلَّا إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ) عَلَى رِوَايَةٍ، فَلَا يَتَرَتَّبُ مَا ذَكَرَهُ، وَحِينَئِذٍ وَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ وَلَا مَهْرٌ وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ، لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ نَسَبُهُ وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ إِمَّا أَنْ يُصَادِفَ
أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا عَلِمَ زَوَالَ مِلْكِهِ، وَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُوَرَّثْ، وَيَتَخَرَّجُ وَيُوَرَّثُ كَالْأَجَلِ.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: خِيَارُ الْغَبْنِ وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ إِحْدَاهَا: إِذَا تَلَّقَى
[المبدع في شرح المقنع]
مِلْكًا، أَوْ شُبْهَةً، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ مِلْكِهِ، وَإِبَاحَةِ وَطْئِهِ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) وَعَزَاهُ فِي " الشَّرْحِ " إِلَى بَعْضِهِمْ (عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا عَلِمَ زَوَالَ مِلْكِهِ، وَأنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ) عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ (وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُوَرَّثْ) عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّهُ حَقٌّ فُسِخَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، فَلَمْ يُوَرَّثْ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْطُلُ إِلَّا أَنْ يُطَالِبَ بِهِ الْمَيِّتُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْخِيَارِ تَخَيُّرُهُ بَيْنَ فَسْخٍ وَإِمْضَاءٍ، وَهُوَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ كَالِاخْتِيَارِ، فَلَمْ يُوَرَّثْ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ (وَيَتَخَرَّجُ) أَنْ لَا يَبْطُلَ (وَيُوَرَّثُ كَالْأَجَلِ) حَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ: " رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ فُسِخَ، فَيَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ وَكَخِيَارِ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عَلِقَ عِتْقُ عَبْدِهِ بِبَيْعٍ فَبَاعَهُ، وَلَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عُتِقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالتَّدْبِيرِ وَلَمْ يَنْقُلِ الْمِلْكَ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِ الْمَسْأَلَةِ تَعْلِيقُ طَلَاقٍ، أَوْ عِتْقٍ لِسَبَبٍ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وَقِيلَ: يُعْتِقُ فِي مَوْضِعٍ يُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: يُعْتِقُ إِلَّا إِذَا نَفَيَا الْخِيَارَ فِي الْعَقْدِ، وَصَحَّحْنَا نَفْيَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتِقُ.
[الثَّالِثُ خِيَارُ الْغَبْنِ وَصُوَرُهُ]
[الْأُولَى تَلَقِّي الرُّكْبَانِ]
فَصْلٌ (الثَّالِثُ: خِيَارُ الْغَبْنِ) وَهُوَ - بِسُكُونِ الْبَاءِ - مَصْدَرُ غَبَنَهُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - يَغْبِنُهُ - بِكَسْرِهَا -: إِذَا نَقَصَهُ، وَيُقَالُ غَبِنَ رَأْيَهُ - بِكَسْرِهَا - أَيْ: ضَعُفَ غَبَنًا - بِالتَّحْرِيكِ - (وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ؛ إحداهَا: إِذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانُ) جَمْعُ رَاكِبٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَاكِبُ الْبَعِيرِ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ
الرُّكْبَانَ، فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَ لَهُمْ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوقَ وَعَلِمُوا
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى كُلِّ رَاكِبٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْقَادِمُونَ مِنَ السَّفَرِ، وَإِنْ كَانُوا مُشَاةً (فَاشْتَرَى مِنْهُمْ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَ " الْمُحَرَّرِ " فَيُحْتَمَلُ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا لَا فَرْقَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (وَبَاعَ لَهُمْ فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوقَ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ) هَذَا بَيْعٌ مَكْرُوهٌ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صَحِيحٍ، وَالنَّهْيُ لَا يَرْجِعُ لِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا يَعُودُ لِضَرْبٍ مِنَ الْخَدِيعَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْخِيَارِ أَشْبَهَ الْمُصَرَّاةَ، وَقُوَّةُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِقَصْدِ التَّلَقِّي، فَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَوَافَاهُمْ وَاشْتَرَى مِنْهُمْ لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " الْمَنْصُوصِ، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ النَّصَّ عَنْ أَحْمَدَ إِنَّمَا هُوَ فِي البائع، لظاهر الْأَخْبَارِ فَعَلَيْهِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ مَعَ الْغَبْنِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْبَائِعِ، وَلَا ضَرَرَ مَعَ الْغَبْنِ، وَعَنْهُ: يَثْبُتُ لَهُمُ الْخِيَارُ مَعَ عَدَمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَقَدْرُهُ بِمَا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِتَحْدِيدِهِ فَيَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ يَثْبُتُ فِيهِ وَإِنْ قَلَّ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَسَامَعُ بِهِ عَادَةً، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى يقدر بالثلث لِأَنَّهُ كَثِيرٌ، وَقِيلَ: بِالسُّدُسِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ
أَنَّهُمْ غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغِرَّ الْمُشْتَرِيَ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا غُبِنَ.
وَالثَّالِثَةُ:
[المبدع في شرح المقنع]
لَوْ ثَبَتَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَأَدَّى إِلَى بُطْلَانِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُقُودِ.
فَائِدَةٌ: مُقْتَضَى النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ إِمَّا أَنْ يَكْذِبَ فِي سِعْرِ الْبَلَدِ فَيَكُونُ غَارًّا غَاشًّا، أَوْ يَسْكُتَ فَيَكُونُ مُدَلِّسًا خَادِعًا، فَلَوْ صَدَقَ فِي السِّعْرِ فَهَلْ يَثْبُتُ لِلرُّكْبَانِ الْخِيَارُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، أَوْ لَا لِانْتِفَاءِ الْخَدِيعَةِ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
[الثَّانِيَةُ فِي النَّجْشِ]
(وَالثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ) وَهُوَ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ثم فسره بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغِرَّ الْمُشْتَرِيَ) قَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: هُوَ خِدَاعٌ حَرَامٌ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَذْقِ الَّذِي زَادَ فِيهَا؛ لِأَنَّ تَغْرِيرَ الْمُشْتَرِي لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا، فَلَوْ كَانَ عَارِفًا وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ لِعَجَلَتِهِ وَعَدَمِ تَأَمُّلِهِ (فَلَهُ الْخِيَارُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَعُودُ إِلَى النَّاجِشِ لَا إِلَى الْعَاقِدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَبَيْعِ الْمُدَلِّسِ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَظَاهِرُهُ يَثْبُتُ سَوَاءً كَانَ مُوَاطَأَةً مِنَ الْبَائِعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُوَاطَأَةً مِنَ الْبَائِعِ، وَعَنْهُ: يَقَعُ لَازِمًا، فَلَا فَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضًى، ذَكَرَهَا فِي " الِانْتِصَارِ "، وَلَوْ أَخْبَرَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ بَانَ كَاذِبًا ثَبَتَ الْخِيَارُ، وَفِي الْإِيضَاحِ يَبْطُلُ مَعَ عِلْمِهِ (إِذَا غُبِنَ) كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، إِذْ أَصْلُ النَّجْشِ الِاسْتِتَارُ وَالِاسْتِخْرَاجُ، وَمِنْهُ سُمِّي الصَّائِدُ نَاجِشًا لِاسْتِخْرَاجِهِ الصَّيْدَ مِنْ مَكَانِهِ، فَالزَّائِدُ فِيهَا اسْتُخْرِجَ مِنَ الْمُسْتَامِ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ مَا لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ: مَدْحُ الشَّيْءِ وَإِطْرَاؤُهُ، فَالنَّاجِشُ يَغُرُّ الْمُشْتَرِيَ بِمَدْحِهِ لِيَزِيدَ فِي الثَّمَنِ.
[الثَّالِثَةُ الْمُسْتَرْسِلُ]
(الثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِلُ) وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنِ اسْتَرْسَلَ إِذَا اطْمَأَنَّ وَاسْتَأْنَسَ لُغَةً، وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُمَاكِسُ، وَذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَالْجَدُّ: هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ (إِذَا غَبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لِجَهْلِهِ بِالْبَيْعِ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: يَقَعُ لَازِمًا؛
الْمُسْتَرْسِلُ إِذَا غَبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ وَعَنْهُ: أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ النُّقْصَانَ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ كَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَرْسِلِ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالْغَبْنِ كَالْعَالِمِ بِالْعَيْبِ وَكَالْمُسْتَعْجِلِ، وَفِي الْمَذْهَبِ يَثْبُتُ إِذَا جَهِلَهَا، وَعَنْهُ: وَلِمُسْتَرْسِلٍ مَعَ الْبَائِعِ لَمْ يُمَاكِسْهُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ الْمَذْهَبُ.
قَالَ أَحْمَدُ: اشْتَرِ وَمَاكِسْ قَالَ: وَالْمُسَاوَمَةُ أَسْهَلُ مِنَ الْمُرَابَحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَلَا يَأْمَنُ الْهَوَى.
فَرْعٌ: حُكْمُ الْإِجَارَةِ كَالْبَيْعِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ " الْهِدَايَةِ " عَنِ الْقَاضِي، فَإِنْ فَسَخَ فِي أَثْنَائِهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْقِسْطِ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا مِنَ الْمُسَمَّى، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ إِذَا دَلَّسَ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى مُؤَجِّرٍ وَغَرَّهُ حَتَّى اسْتَأْجَرَهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَالَ: وَيَحْرُمُ تَغْرِيرُ مُشْتَرٍ بِأَنْ يَسُومَهُ كَثِيرًا لِيَبْذُلَ قَرِيبَهُ.
مَسْأَلَةٌ: خِيَارُ الْغَبْنِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْفَوْرِيَّةِ وَعَدِمَهَا هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ جَعْلُ عَلَامَةٍ تَنْفِي الْغَبْنَ عَمَّنْ يَغْبِنُ كَثِيرًا؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
وَمَنْ قَالَ عِنْدَ الْعَقْدِ: لَا خِلَابَةَ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا خَلَبَ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا.
(وَعَنْهُ: أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ) أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ النَّجْشِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَنَاجَشُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ خَدِيعَةٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» وَإِذَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ كَانَ
فَصْلٌ الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ: مَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَتَحْمِيرِ
[المبدع في شرح المقنع]
بَاطِلًا تَغْلِيبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّهْيِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَصَرَّحَ فِي التَّنْبِيهِ: بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: إِنَّ نَجَشَ الْبَائِعُ أَوْ وَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي إِبْطَالِ الْبَيْعِ بِتَدْلِيسِ الْعَيْبِ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ أَحَدُ رُكْنَيِ الْعَقْدِ فَارْتِكَابُهُ النَّهْيَ يُفْسِدُ الْبَيْعَ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَا ثَانِيًا فَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ كَبَيْعِ الْحَاضِرِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ التَّلَقِّي، فَإِنَّ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ فَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُمْ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِبْطَالِ.
[الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ]
فَصْلٌ (الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ كِتْمَانُ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَالْمُرَادُ هُنَا (مَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا (كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ) التَّصْرِيَةُ: مَصْدَرُ صَرِيَ يَصْرَى كَعَلِيَ يَعْلَى، وَصَرَى يَصْرِي كَرَمَى يَرْمِي، وَأَصْلُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يُجْمَعَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَعْظُمَ، فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ.
وَإِذَنْ هِيَ الْمُصَرَّاةُ، وَالْمَحْفَلَةُ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ يُقَالُ صَرَيْتُ الْمَاءَ، وَاخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهَا لُغَةً، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ أَنْ يَرْبُطَ أَخْلَافَ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَيَزِيدُهُ الْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هِيَ النَّاقَةُ أَوِ الْبَقَرَةُ أَوِ
وَجْهِ الْجَارِيَةِ وَتَسْوِيدِ شَعْرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإِرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا، فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ، وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَاقَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً، فَإِنْ كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
الشَّاةُ يُصْرَى اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا أَيْ: يُجْمَعُ وَيُحْبَسُ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الرَّبْطِ لَقِيلَ فِيهَا: مَصْرُورَةٌ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ مُصْرَاةً قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ حَسَنٌ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ (وَتَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ وَتَسْوِيدِ شَعْرِهَا وَتَجْعِيدِهِ) يُقَالُ شَعْرٌ جَعْدٌ أَيْ: بَيِّنُ الْجُعُودَةِ، وَهُوَ ضِدُّ السِّبْطِ (وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإِرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ) أَوِ الْإِمْسَاكِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قال: «لَا تَصْرُوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ كَالنَّجْشِ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ حَصَلَ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَظَاهِرُهُ: إِنْ دَلَّسَهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ كَتَبْيِيضِ الشَّعْرِ وَتَسْبِيطِهِ وَتَسْوِيدِ كَفِّ عَبْدٍ أَوْ ثَوْبِهِ وَعَلَفِ شَاةٍ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: كَالْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا أَرْشَ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِيهَا أَرْشًا بَلْ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ مَعَ صَاعِ تَمْرٍ، وَفِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " التَّرْغِيبِ " وَمَالَ إِلَيْهِ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ ": لَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ الْأَرْشِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ وَغَيْرُهُ كَالْعَيْبِ (وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) سَلِيمٍ، وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَوْ قَمْحٍ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا إِنْ حَلَبَهَا، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ قَبْلَ الْحَلْبِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِلْبَدَلِ مَعَ وُجُودِ الْمُبْدَلِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَقِيمَتُهُ) أَيِ: التَّمْرُ؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَعَجَزَ عَنْهُ رَجَعَ إِلَى بَدَلِهِ، وَبَدَلُ الْمِثْلِ عِنْدَ إِعْوَازِهِ هُوَ الْقِيمَةُ (فِي مَوْضِعِهِ) أَيْ: مَوْضِعِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ أَتْلَفَهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (سَوَاءٌ كَانَتْ) الْمُصَرَّاةُ
اللَّبَنُ بِحَاله لَمْ يَتَغَيَّرْ رَدَّهُ وَأَجْزَأَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ، وَمَتَّى عَلِمَ
[المبدع في شرح المقنع]
(نَاقَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ دَاوُدُ: لَا تَثْبُتُ فِي مُصَرَّاةِ الْبَقَرِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ.
فَرْعٌ: لَوِ اشْتَرَى مُصَرَّاتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ فِي عَقْدٍ فَرَدَّهُنَّ رَدَّ مَعَ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: لَا يَتَعَدَّدُ بَلْ فِي الْجَمِيعِ صَاعٌ.
(فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ رَدَّهُ وَأَجْزَأَهُ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ التَّمْرَ إِنَّمَا وَجَبَ عِوَضًا عَنِ اللَّبَنِ، فَإِذَا رَدَّ الْأَصْلَ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ كَسَائِرِ الْأُصُولِ مَعَ إِبْدَالِهَا، وَكَمَا لَوْ رَدَّهَا بِهِ قَبْلَ الْحَلْبِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ أَحْفَظُ لَهُ، أَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ، فَلَا يُجْزِئُهُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي يَدِهِ بِالْحُمُوضَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ تَغَيَّرَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْبَدَلَ إِيجَابُهُ مَنُوطٌ بِعَدَمِ الْمُبْدَلِ، وَالْمُبْدَلُ مَوْجُودٌ، وَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ فَتَدْلِيسٌ مِنَ الْبَائِعِ، وَصَرَّحَ فِي " الْكَافِي " بِأَنَّ الْخِلَافَ مَعَ التَّغَيُّرِ.
فَرْعٌ: إِذَا رَضِيَ بِهَا فَأَمْسَكَهَا، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَدَّهَا بِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِعَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِعَيْبٍ آخَرَ (وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ فَلَهُ الرَّدُّ) وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ
التَّصْرِيَةَ فَلَهُ الرَّدُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَإِنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً مُتَزَوِّجَةً وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ، وَإِنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ في غير بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: لَهُ الرَّدُّ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلِمَ بِسَبَبِ الرَّدِّ، فَكَانَ لَهُ حِينَئِذٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ) أَيْ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ وَتَغَيُّرِ الْعَلَفِ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثَةُ بَانَتِ التَّصْرِيَةُ وَثَبَتَ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا قَبْلَ مُضِيِّهَا، وَلَا إِمْسَاكُهَا بَعْدَهَا، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَرْضَ كَبَقِيَّةِ التَّدْلِيسِ، وَقَدَّرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمَجْدُ وَالْجَدُّ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» فَعَلَى هَذَا لَهُ الْخِيَارُ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَى انْقِضَائِهَا عَكْسَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ بِتَبَيُّنِ التَّصْرِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَكَلَامُهُ فِي " الْكَافِي " مُوهِمٌ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي.
(وَإِنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً) أَوْ زَالَ الْعَيْبُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ) لِأَنَّ الْخِيَارَ حصل لدفع الضَّرَر بِالْعَيْبِ، وَقَدْ زَالَ الْحُكْمُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ (فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ) أَيْ: قَوْلِ الْإِمَامِ (وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ لَمْ يَمْلِكِ) الْمُشْتَرِي (الرَّدَّ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": لَا رَجْعِيًّا، وَإِنَّ فِي طَلَاقِ بَائِنٍ فِيهِ عِدَّةٌ، احْتِمَالَيْنِ (وَإِنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ في غير بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ) كَالْأَمَةِ وَالْأَتَانِ (فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يَقْصِدُ قَصْدَ لَبَنِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (وَفِي الْآخَرِ لَهُ الرَّدُّ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ يُرَادُ لِلِارْتِضَاعِ وَيَرْغَبُ فِيهَا ظِئْرًا، وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَطَ كَثْرَةَ لَبَنِهَا مَلَكَ الْفَسْخَ إِذَا بَانَتْ بِخِلَافِهِ، وَلَبَنُ الْأَتَانِ يُرَادُ لِوَلَدِهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ) عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُعْتَاضُ عَنْهُ عَادَةً (وَلَا يَحِلُّ
عَيْبِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا.
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيْبِهَا) ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَنَهَى عَنِ التَّصْرِيَةِ، وَقَوْلُهُ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا إِلَّا بَيَّنَهُ» وَقَالَ: «مَنْ بَاعَ عَيْبًا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتٍ مِنَ اللَّهِ، وَلَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي " الصَّحِيحِ «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ يُكْرَهُ كِتْمَانُ الْعَيْبِ وَحَكَاهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " نصا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: (فَإِنْ فَعَلَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَحَّحَهُ مَعَ نَهْيِهِ عَنْهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) وَنَقَلَهُ حَنْبَلٌ عَنِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَكَذَا لَوْ أَعْلَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمَا قَدْرَ غِشِّهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عِقَابُهُ بِإِتْلَافِهِ، وَالتَّصَدُّقِ بِهِ، وَقَالَ: أَفْتَى بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا (قِيلَ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي بَكْرٍ (فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا) لِأَنَّ التَّصْرِيَةَ إِلْزَامٌ صَحِيحٌ لَيْسَ عَنْهُ جَوَابٌ، فَدَلَّ عَلَى رُجُوعِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
فَصْلٌ الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ، وَهُوَ النَّقْصُ كَالْمَرَضِ وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ زِيَادَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَالْبَوْلِ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
فَائِدَةٌ: لَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ حَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ، إِذِ الْأَصْلُ أَنَّ ضَمَانَ الْمِثْلِيَّاتِ بِالْمِثْلِ، وَالْمُتَقَوِّمَاتِ بِالْقِيمَةِ، وَالتَّمْرُ لَيْسَ بِمِثْلٍ، وَلَا قِيمَةٍ لِلَّبَنِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ بِقَدْرِ الضَّمَانِ بِقِيمَةِ التَّالِفِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَهُنَا قَدْرٌ بِالصَّاعِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُزْءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنَ الرَّدِّ، وَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا، فَمَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ مُنِعَ الرَّدُّ، وَمَا كَانَ حَادِثًا لَمْ يَجِبْ ضمانه، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّمَنِ، وَالْمُثَمَّنِ لِلْبَائِعِ إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَجَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، فَإِنَّ الْحُرَّ يَضْمَنُ بِالْإِبِلِ وَلَيْسَتْ بِمِثْلٍ وَلَا قِيمَةٍ، وَالْجَنِينَ بِالْغُرَّةِ، وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ كَالْمُوَضَّحَةِ، فَإِنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ مَعَ اخْتِلَافِهَا بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، فَلَا يَمْنَعُ، وَعَنِ الرَّابِعِ: بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ؛ لَا تُبَاعُ شَاةٌ بِصَاعٍ، وَالْأَوْلَى أَنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ لَا الشَّاةِ، فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ.
[الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ]
فَصْلٌ (الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ، وَهُوَ النَّقْصُ) أَيْ: مَا نَقَصَ ذَاتُ الْمَبِيعِ أَوْ قِيمَتُهُ عَادَةً، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: نَقِيصَةً يَقْتَضِي الْعُرْفُ سلامة الْمَبِيعَ عَنْهَا غَائِبًا، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَعْدَادِ مَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ (كَالْمَرَضِ) عَلَى جَمِيعِ حَالَاتِهِ (وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ زِيَادَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِنْ مُمَيَّزٍ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الزِّنَى