تَضَرَّرَ الْأَصْلُ، وَإِنْ تَلَفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ، وَعَنْهُ: إِنْ أُتْلِفَتِ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ تَسْلِيمُ ذَلِكَ كَامِلًا، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ الْأَصْلَ، وَعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ سَقْيُهَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَمْلِكْهَا مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا (وَإِنْ تَضَرَّرَ الْأَصْلُ) ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ سُقُوطُهُ عِنْدَ ذَلِكَ (وَإِنْ تَلَفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ) الْجَائِحَةُ كُلُّ آفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّ فِيهَا كَالرِّيحِ، وَالْحَرِّ، وَالْبَرَدِ، وَالْعَطَشِ فَكُلُّ مَا تُهْلِكُهُ مِنْ عَلَى أُصُولِهِ قَبْلَ أَوَانِ جَدِّهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» ، وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ !» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ أَعْدُهُ، وَلَوْ كُنْتُ قَائِلًا بِوَضْعِهَا لَوَضَعْتُهَا فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ قُلْنَا: الْحَدِيثُ ثَابِتٌ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الشَّجَرِ لَيْسَ بِقَبْضٍ تَامٍّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْبِضْ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ عَلَى الشَّجَرِ كَالْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ يُؤْخَذُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ لَوْ تَلِفَتِ الْمَنَافِعُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْآجِرِ، كَذَا هُنَا وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ وَقْتَ أَخْذِهَا، فَلَوْ بَلَغَتْ جَدَّهَا، فَلَمْ يَجِدَّهَا حَتَّى تَلِفَتْ، فَقَالَ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " لَا يُوضَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْتَرِهِ مَعَ أَصْلِهِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ أَرْضٍ.
قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَ " الْفُرُوعُ "، أَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَتَلِفَتْ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ مَا إِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ إِمْكَانِ قَطْعِهَا.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِالنَّخْلِ، فَقَالَ: إِنَّمَا الْجَوَائِحُ فِي النَّخْلِ بِأَمْرٍ
الثُّلْثُ فَصَاعِدًا ضَمَنَهُ الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ
[المبدع في شرح المقنع]
سَمَاوِيٍّ، وَفِي نَهْبِ عَسْكَرٍ وَإِحْرَاقِ لِصٍّ وَنَحْوِهِ وَجْهٌ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْجَائِحَةِ وَكَثِيرِهَا إِلَّا أَنَّ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ (وَعَنْهُ: إِنْ أُتْلِفَتِ الثُّلْثُ ضَمَنَهُ الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَلَا) جَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ "؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهَا وَتَنْثُرُ الرِّيحُ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَابِطٍ، وَالثُّلْثُ قَدِ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي الْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قَالَ أَحْمَدُ: إِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الثُّلْثَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، وَلِأَنَّ الثُّلْثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ فَعَلَيْهَا يُعْتَبَرُ ثُلْثُ الثَّمَرَةِ قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: ثُلْثُ الْقِيمَةِ، وَقِيلَ: ثُلْثُ الثَّمَنِ، فَإِنْ تَلِفَ الثُّلْثُ فَمَا زَادَ رَجَعَ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَعَلَى الْأُولَى إِنْ تَلِفَ بِشَيْءٍ خَارِجٍ عَنِ الْعَادَةِ وُضِعَ مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ، وَإِنْ تَلِفَ الْكُلُّ بِهَا بَطَلَ الْعَقْدُ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ تَعَيَّبَ خُيِّرَ بَيْنَ إِمْضَاءٍ مَعَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدٍّ وَأَخْذِ الثَّمَنِ كَامِلًا، وَمَا لَهُ أَصْلٌ يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ كَقِثَّاءٍ وَنَحْوِهِ فَكَشَجَرٍ وَثَمَرُهُ كَثَمَرِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ لَا يُؤَخِّرُ الْبَائِعُ اللَّقْطَةَ الظَّاهِرَةَ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا تُبَاعُ إِلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً كَثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَوَّزَهُ مُطْلَقًا تَبَعًا لِمَا بَدَا كَثَمَرٍ.
لَوَاحِقُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الزَّرْعِ إِذَا تَلِفَ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ " بَلَى كَالثَّمَرَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ إِلَّا بَعْدَ تَتِمَّةِ صَلَاحِهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَإِذَا تَرَكَهُ فَرَّطَ، يَضْمَنُهُ فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ "، وَغَيْرِهَا: إِنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَهُوَ اشْتِدَادُ حَبِّهِ فَلَهُ تَرْكُهُ إِلَى حِينِ حَصَادِهِ.
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": إِذَا تَلِفَ الْبَاقِلَاءُ، وَالْحِنْطَةُ فَوَجْهَانِ الْأَقْوَى يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ، فَلَوِ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ فَزَرَعَهَا فَتَلِفَ، فَلَا جَائِحَةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَمْ يَبِعْهُ إِيَّاهُ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَرْضِ بَاقِيَةٌ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ثُبُوتَهَا فِي زَرْعٍ مُسْتَأْجَرٍ وَحَانُوتٍ نَقَصَ نَفْعُهُ عَنِ
وَالْإِمْضَاءِ وَمُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ، وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا، وَهَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِسائر النَّوْعِ الَّذِي فِي الْبُسْتَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي ثَمَرِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَادَةِ وَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِيَ تَقِيُّ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ حَمْزَةَ فِي حَمَّامٍ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ) وَمُطَالَبَةِ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ (وَالْإِمْضَاءِ) أَيِ: الْبَقَاءِ عَلَيْهِ (وَمُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ) بِالْقِيمَةِ كَالْمَكِيلِ إِذَا أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ بِخِلَافِ التَّالِفِ بِالْجَائِحَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِلَّا أَنَّ فِي إِحْرَاقِ اللُّصُوصِ وَنَهْبِ الْعَسَاكِرِ، وَالْحَرَامِيَّةِ وَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ فِي " الرَّوْضَةِ " بِأَنَّهُ هُنَا مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتْبَعَ الْآدَمِيَّ بِالْغُرْمِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْمَسْأَلَةُ أَخَذَتْ شَبَهًا مِنَ الْمُتَمَيِّزِ وَغَيْرِهِ فَعَلِمْنَا بِهَا فَضَمِنَهَا الْبَائِعُ بِالْجَائِحَةِ، وَالْمُشْتَرِي إِذَا أَتْلَفَهَا آدَمِيٌّ (وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ، فيباع جميعها، إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَدَّى بَيْعُ مَا بَدَا صَلَاحُهُ إِلَى الضَّرَرِ، وَالْمَشَقَّةِ وَسُوءِ الْمُشَارَكَةِ (وَهَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِسَائِرِ النَّوْعِ الَّذِي فِي الْبُسْتَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهُ يَكُونُ صَلَاحًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الصَّلَاحِ فِي الْجَمِيعِ يَشُقُّ، وَكَالشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَعَنْهُ: وَكَذَا مَا قَارَبَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَكُونُ صَلَاحًا كَالَّذِي فِي الْبُسْتَانِ الْآخَرِ وَأَطْلَقَ فِي " الرَّوْضَةِ " فِي الْبُسْتَانَيْنِ رِوَايَتَيْنِ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْأُولَى أَيْ: فِي النَّوْعِ كَالْبَرْنِيِّ هَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِسَائِرِ الْجِنْسِ الَّذِي فِي الْقَرَاحِ؟
فَقَالَ الْقَاضِي: وَالْأَكْثَرُ لَا يَكُونُ صَلَاحًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ،
النَّخْلِ أَنْ يَحْمَرَّ، أَوْ يَصْفَرَّ، وَفِي الْعِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ، وَفِي سَائِرِ الثِّمَارِ أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ وَيَطِيبَ أَكْلُهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَتْبَعُهُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّوْعَيْنِ قَدْ يَتَبَاعَدُ إِدْرَاكُهُمَا وَكَالْجِنْسَيْنِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي بُسْتَانٍ يُبَاعُ إِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الْبُلُوغَ فَقَضَى الْقَاضِي، وَأَبُو حَكِيمٍ، وَالْمَجْدُ الْحُكْمُ عَلَى الْغَلَبَةِ بِهَذَا النَّصِّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَغَيْرُهُمَا سَوَّوْا بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ (وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ أَنْ يَحْمَرَّ، أَوْ يَصْفَرَّ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَزْهُوَ.
قِيلَ لِأَنَسٍ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ» ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ «نَهَى أَنْ تُبَاعَ حَتَّى تُشَقِّحَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِلْأَكْلِ (وَفِي الْعِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ) لِقَوْلِ أَنَسٍ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَمَعْنَى يَتَمَوَّهُ أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ الْمَاءُ الْحُلْوُ وَيَلِينَ وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ (وَفِي سَائِرِ الثِّمَارِ) كَالتُّفَّاحِ، وَالْبِطِّيخِ (أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ وَيَطِيبَ أَكْلُهُ) وَاعْتَبَرَهُ الْمَجْدُ فِي جَمِيعِ الثِّمَارِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَطِيبَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " كَالْمُقْنِعِ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُؤْكَلُ كِبَارًا وَصِغَارًا كَالْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِ فَالْمَذْهَبُ أَكْلُهُ عَادَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: صَلَاحُهُ تَنَاهِي عِظَمِه.
وَقَالَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": صَلَاحُهُ الْتِقَاطُهُ عُرْفًا، وَإِنْ طَابَ أَكْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَصَلَاحُ الْحَبِّ أَنْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَبْيَضَّ.
1 -
فَصْلٌ وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَصْلٌ (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ لِلْبَائِعِ، فَإِذَا بَاعَ الْعَبْدَ اخْتُصَّ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ سَوَاءٌ قُلْنَا: الْعَبْدُ يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ، أَوْ لَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِ (فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْمَالَ اشْتُرِطَ عِلْمُهُ) أَيْ: الْعِلْمُ بِالْمَالِ (وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَقْصُودٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَمَّ إِلَيْهِ عَيْنًا أُخْرَى (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْمَالَ لَمْ يُشْتَرَطْ) أَيْ: لَمْ يُشْتَرَطْ عِلْمُهُ بِهِ وَيَصِحُّ شَرْطُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ دَخَلَ تَبَعًا أَشْبَهَ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ، وَالتَّمْوِيهِ بِالذَّهَبِ فِي السُّقُوفِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ الثمر، أَوْ دُونَهُ، أَوْ فَوْقَهُ وَحَكَاهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ أَنَاطُوا الْحُكْمَ بِالْقَصْدِ وَعَدِمِهِ.
قَالَ: صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُ التَّبَعِيَّةِ، وَيَصِيرُ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَمَالًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ مُطْلَقٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ ": إِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ فَاشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي صَارَ مَالُهُ مَبِيعًا مَعَهُ وَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ احْتُمِلَتْ فِيهِ الْجَهَالَةُ وَغَيْرُهَا، فَيَدْخُلُ تَبَعًا كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَزَادَ: إِلَّا إِذَا كَانَ قَصْدُهُ الْعَبْدَ لَا الْمَالَ، فَلَا يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمَبِيعٍ هُنَا، وَإِنَّمَا اسْتَبْقَاهُ الْمُشْتَرِي عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ لَا يَزُولُ عَنْهُ إِلَى الْبَائِعِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَرْعٌ: لَوْ شَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ، ثُمَّ رَدَّهُ بِإِقَالَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا رَدَّ مَالَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ أَخَذَهُ
الْمَالَ اشْتُرِطَ عِلْمُهُ وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْمَالَ لَمْ يُشْتَرَطْ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ لِلْجَمَالِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا كَانَ لِلُّبْسِ الْمُعْتَادِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
بَابُ السَّلَمِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ يَصِحُّ بِأَلْفَاظِهِ وَبِلَفْظِ السَّلَمِ، وَالسَّلَفِ.
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُشْتَرِيَ بِهِ فَيَرُدُّهُ بِالْفَسْخِ كَالْعَبْدِ، لَكِنْ لَوْ تَلِفَ مَالُهُ فَأَرَادَ رَدَّهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ هَلْ يُمْنَعُ الرَّدُّ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ وَلَهُ الْفَسْخُ بِعَيْبِ مَالِهِ كَهُوَ فِي الْأَشْهُرِ (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ لِلْجَمَالِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا حَاجَةُ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُلْبِسُهُ إِيَّاهَا لِيُنْفِقَهُ بِهَا فَهِيَ حَاجَةُ السَّيِّدِ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ بِهَا فَجَرَتْ مَجْرَى السُّتُورِ فِي الدَّارِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ (وَمَا كَانَ لِلَّبْسِ الْمُعْتَادِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ جَرَتِ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا مَعَهُ وَتَتَعَلَّقُ بِهَا مَصْلَحَتُهُ وَحَاجَتُهُ، إِذْ لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا فَجَرَتْ مَجْرَى مَفَاتِيحِ الدَّارِ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي ": إنَّهُ إِذَا اشْتَرَى أَمَةً مِنْ غَنِيمَةٍ يَتْبَعُهَا مَا عَلَيْهَا مَعَ عِلْمِهَا بِهِ.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ خِلَافَهُ.
فَرْعٌ: يَدْخُلُ مِقْوَدُ دَابَّةٍ وَنَعْلُهَا وَنَحْوُهُمَا فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ كَثِيَابِ الْعَبْدِ.
قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": وَأَوْلَى.
[بَابُ السَّلَمِ]
[تَعْرِيفُ السلم وَحُكْمُهُ]
بَابُ السَّلَمِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: السَّلَمُ، وَالسَّلَفُ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ إِلَّا أَنَّ السَّلَفَ يَكُونُ قَرْضًا، لَكِنَّ السَّلَمَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالسَّلَفَ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَسُمِّيَ
سَبْعَةٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَذْرُوعِ فَأَمَّا
[المبدع في شرح المقنع]
سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِهِ، وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ أَنْ يُسَلِّمَ عَيْنًا حَاضِرَةً فِي عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": هُوَ بَيْعُ مَعْدُومٍ خَاصٍّ لَيْسَ نَفْعًا إِلَى أَجَلٍ بِثَمَنٍ مَقْبُوضٍ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِمَا بِأَنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهِ لَا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ بَيْعٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَسَنَدُهُ الْكِتَابُ، وَهُوَ آيَةُ الدَّيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالسُّنَّةُ فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ، وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا لِتَكْمُلَ فَجَوَّزَ لَهُمُ السَّلَمَ لِيَرْتَفِقُوا وَلِيَرْتَفِقَ الْمُسْلِمُ بِالِاسْتِرْخَاصِ.
(وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ إِلَى أَجَلٍ فَشَمِلَهُ النَّصُّ (يَصِحُّ بِأَلْفَاظِهِ) أَيْ: بِأَلْفَاظِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَقِيقَةً (وَبِلَفْظِ السَّلَمِ، وَالسَّلَفِ) ؛ لِأَنَّهُمَا حَقِيقَةٌ فِيهِ، إِذْ هُمَا لِلْبَيْعِ الَّذِي عُجِّلَ ثَمَنُهُ وَأُجِّلَ مُثَمَّنُهُ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ السَّلَمِ]
[الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ]
(وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ) وَجَعَلَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَرْبَعَةً زَائِدًا عَلَى شُرُوطِ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَرْطًا، لَكِنْ ذكر الحلواني مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّلَمِ أَنْ يُوجَدَ الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ) أَيْ: الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا فَيُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَالْمُشَاقَّةِ الْمَطْلُوبِ عَدَمُهَا (كَالْمَكِيلِ) فِي الْحُبُوبِ، وَغَيْرِهَا، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي الطَّعَامِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (وَالْمَوْزُونِ) كَالْقُطْنِ، وَالْإِبْرِيسَمِ، وَالصُّوفِ، وَالنُّحَاسِ، وَالطِّيبِ، وَالْعِنَبِ، وَالْأَدْهَانِ،
الْمَعْدُودُ، وَالْمُخْتَلِفُ كَالْحَيَوَانِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ، وَالْجُلُودِ، وَالرُّؤُوسِ وَنَحْوِهَا فَفِيهِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْخُلُولِ (وَالْمَذْرُوعِ) عَلَى الْمَذْهَبِ كَالثِّيَابِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِيَ بِالْقِيَاسِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ.
" أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَى فِي التَّنْبِيهِ أَنَّ لِأَحْمَدَ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَّا فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ لِتَأْتِيَ الصِّفَةُ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا سَلَمَ فِي أَرْضٍ وَشَجَرٍ وَنَخِيلٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " لِعَدَمِ تَأَتِّي الصِّفَةِ فِيهِ (فَأَمَّا الْمَعْدُودُ، وَالْمُخْتَلِفُ كَالْحَيَوَانِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ، وَالْجُلُودِ، وَالرُّءُوسِ وَنَحْوِهَا) كَالْبَيْضِ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) ، وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحَيَوَانِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا فَيَثْبُتُ فِي السَّلَمِ كَالثِّيَابِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ الرِّبَا أَبْوَابًا لَا تَخْفَى، وَإِنَّ مِنْهَا السَّلَمَ فِي السِّنِّ؛ وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُبَايِنًا، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، وَلَوِ اسْتَقْصَى صِفَاتِهِ؛ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ وَلِنُدْرَةِ وَجُودِهِ عَلَيْهَا وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَلَوْ سَلَّمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَشْرُطُونَ مِنْ ضِرَابِ فَحْلِ بَنِي فُلَانٍ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ عَلَيٍّ، وَعُلِمَ مِنْهُ جَوَازُهُ فِي شَحْمٍ وَلَحْمٍ نِيءٍ، وَلَوْ مَعَ عَظْمِهِ إِنْ عُيِّنَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْهُ وَأُطْلِقَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافُ فِي الْبَوَاقِي، الْأَشْهَرُ - وَبِهِ جَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
نَقَلَ عَنْهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى السَّلَمَ إِلَّا فِيمَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ، أَوْ يُوقَفُ عَلَيْهِ.
رِوَايَتَانِ، وَفِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ، وَالْأَوْسَاطِ كَالْقَمَاقِمِ، وَالْأَسْطَالِ والضَّيِّقَةِ الرُّؤُوسِ، وَمَا يَجْمَعُ أَخِلَاطًا مُتَمَيِّزَةً كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَيْنِ وَجْهَانِ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَعْنَاهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِحَدٍّ مَعْلُومٍ لَا يَخْتَلِفُ كَالزَّرْعِ، فَأَمَّا الرُّمَّانُ، وَالْبَيْضُ، فَلَا أَرَى السَّلَمَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْفَوَاكِهَ تَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَالْبُقُولَ تَخْتَلِفُ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِالْحَزْمِ فَتَكُونُ كَالْجَوَاهِرِ، وَالثَّانِيَةُ: نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ: جَوَازُ السَّلَمِ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ وَيُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ وَبَعْضُهُ بِالْوَزْنِ كَالْبُقُولِ، وَأَمَّا الْجُلُودُ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فَالْوِرْكُ قَوِيٌّ، وَالصَّدْرُ ثَخِينٌ رَخْوٌ، وَالْبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ، وَالظَّهْرُ أَقْوَى فَيَحْتَاجُ إِلَى وَصْفِ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ ذَرْعُهُ لِاخْتِلَافِ أَطْرَافِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ، فَلَمْ يَمْنَعِ الصِّحَّةَ كَالْحَيَوَانِ، وَفِي الْأَطْرَافِ الْخِلَافُ كَالْرُؤُوسِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ فِيهِ قَلِيلٌ، وَلَيْسَ بِمَوْزُونٍ عَكْسَ اللَّحْمِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ فِيهِ عَظْمٌ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ كَبَقِيَّةِ اللَّحْمِ، وَعَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مَطْبُوخًا، أَوْ مَشْوِيًّا، أَوْ غَيْرَهُ (وَفِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ، وَالْأَوْسَاطِ كَالْقَمَاقِمِ) وَاحِدُهُ قُمْقُمٌ بِضَمِّ الْقَافَيْنِ يَكُونُ ضَيِّقَ الرَّأْسِ، وَهُوَ مَا يُسَخَّنُ فِيهِ مِنْ نُحَاسٍ (وَالْأَسْطَالِ) وَاحِدُهَا: سَطْلٌ، وَهُوَ عَلَى هَيْئَةِ التَّوْرِ، لَهُ عُرْوَةٌ (وَالضَّيِّقَةِ الرُّؤُوسِ) فِيهِمَا (وَمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا) وَاحِدُهَا: خِلْطٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ (مُتَمَيِّزَةً كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَيْنِ وَجْهَانِ) ، وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ فِي الْأَوَّلَيْنَ قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهَا، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ، وَيُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِارْتِفَاعِ حَائِطِهَا وَدَوْرِ أَسْفَلِهَا وَسِعَةِ رَأْسِهَا، وَعَلَى الْأُولَى يَصِحُّ فِيمَا لَا يُخْتَلَفُ كَالْهَاوُنِ، وَالسَّطْلِ الْمُرَبَّعِ لِإِمْكَانِ ضَبْطِهِ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ السَّلَمِ فِي الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَيْنِ كَالْكَتَّانِ، وَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ ضَبْطَهَا مُمْكِنٌ، وَفِي مَعْنَاهُ النُّشَّابُ، وَالنَّبْلُ الْمَرِيشِينَ وَخِفَافٌ وَرِمَاحٌ.
يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ كَالْجَوَاهِرِ كُلِّهَا، وَالْحَوَامِلِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالْمَغْشُوشِ مِنَ الْأَثْمَانِ، وَغَيْرِهَا، وَمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كَالْغَالِيَةِ، وَالنَّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ وَيَصِحُّ فِيمَا يُتْرَكُ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِمَصْلَحَتِهِ كَالْجُبْنِ وَخَلِّ التَّمْرِ، وَالسَّكَنْجَبِينِ وَغَيْرِهَا.
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ كَالْمَعَاجِينِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ (وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ كَالْجَوَاهِرِ كُلِّهَا) كَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْبَلُّورِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِالْكِبَرِ، وَالصِّغَرِ وَحُسْنِ التَّدْوِيرِ وَزِيَادَةِ ضَوْئِهِمَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَفِي الْعَقِيقِ وَجْهَانِ (وَالْحَوَامِلِ مِنَ الْحَيَوَانِ) ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَى ذَلِكَ، وَالْوَلَدُ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ مَعَ الْأُمِّ بِدَلِيلِ الْبَيْعِ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَمَةٍ وَوَلَدِهَا لِنُدْرَةِ جَمْعِهِمَا الصِّفَةَ (وَالْمَغْشُوشِ مِنَ الْأَثْمَانِ) ؛ لِأَنَّ غِشَّهُ يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْقَدْرِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَظَاهِرُهُ يَصِحُّ فِيهَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَغْشُوشَةً، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَهَا (وَغَيْرِهَا) كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ، وَالْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالزُّوَانِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ (وَمَا يَجْمَعُ أَخِلَاطًا غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كَالْغَالِيَةِ، وَالنَّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ) لِعَدَمِ ضَبْطِهَا بِالصِّفَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْقِسِّيُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْخَشَبِ، وَالْقَرْنُ، وَالْعَرَاءُ، وَالتَّوْرُ لِلْعَجْزِ عَنْ ضَبْطِ مَقَادِيرِ ذَلِكَ وَتَمْيِيزِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَصِحُّ كَالثِّيَابِ، وَفِي شَهْدٍ وَكَتَّانٍ وَقِنَّبٍ يَقْضِيَانِهِ وَجْهَانِ (وَيَصِحُّ فِيمَا يُتْرَكُ فِيهِ شيء غير مَقْصُودٌ لِمَصْلَحَتِهِ كَالْجُبْنِ) ، فَإِنَّ فِيهِ أنْفَحَةً (وَالْعَجِينِ) ، فَإِنَّ فِيهِ مِلْحًا (وَخَلِّ التَّمْرِ) ، فَإِنَّ فِيهِ مَاءً (وَالسَّكَنْجَبِينِ) فَإِنَّ فِيهِ خَلًّا (وَغَيْرِهَا) كَالْخُبْزِ وَلَبَنٍ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ وَدُهْنِ وِرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِمَصْلَحَتِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ السَّلَمُ فِي اللِّبَأِ، وَالْخُبْزِ، وَمَا أَمْكَنَ ضَبْطُهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ السَّلَمَ فِي كُلِّ مَعْمُولٍ بِالنَّارِ وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ أَرْبَعَةً: السُّكَرَ، وَالْفَانِيدَ، وَاللِّبَأَ، وَالدِّبْسَ، وَالْأَشْهُرُ جَوَازُهُ فِي اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ، وَالْمَطْبُوخِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا.
فَصْلٌ الثَّانِي: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ظَاهِرًا فَيَذْكُرُ جِنْسَهُ وَنَوْعَهُ، وَقَدْرَهُ وَبَلَدَهُ وَحَدَاثَتَهُ وقدمه وَجَوْدَتَهُ وَرَدَاءَتَهُ، وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
[الثَّانِي أَنْ يَصِفَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ظَاهِرًا]
فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ظَاهِرًا) ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ عِوَضٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِهِ كَالْمُثَمَّنِ وَطَرِيقة الرُّؤْيَةُ، أَوِ الصِّفَةُ، وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ (فَـ) عَلَى هَذَا (يَذْكُرُ جِنْسَهُ وَنَوْعَهُ، وَقَدْرَهُ وَبَلَدَهُ وَحَدَاثَتَهُ، وَقِدَمَهُ وَجَوْدَتَهُ وَرَدَاءَتَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهَا شَرْطًا كَالْأَوَّلِ.
ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُلِّ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ بِلُغَةٍ يَفْهَمُهَا عَدْلَانِ لِيُرْجَعَ إِلَيْهِمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ (وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ) لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَصِفُ التَّمْرَ بِالنَّوْعِ كَبَرْنِيٍّ، أَوْ مَعْقِلِيٍّ وَبِالْجَوْدَةِ أَوْ عَكْسِهَا، وَبِالْقَدْرِ نَحْوَ كِبَارٍ أَوْ صِغَارٍ، وَبِالْبَلَدِ نَحْوَ بَغْدَادِيٍّ؛ لِأَنَّهُ أَحْلَا وَأَقَلُّ بَقَاءً لِعُذُوبَةِ مَائِهِ أَوْ بَصْرِيٍّ، وَهُوَ بِخِلَافِهِ وَبِالْحَدَاثَةِ، أَوْ عَكْسِهَا، فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَتِيقَ أَجْزَأَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعِيبًا وَإِنْ شَرَطَ عَتِيقَ عَامٍ، أَوْ عَامَيْنِ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَأَمَّا اللَّوْنُ، فَإِنْ كَانَ يَخْتَلِفُ ذَكَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ فِيمَا ذَكَرْنَا إِلَّا الْحَدَاثَةَ وَضِدَّهَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الرُّطَبِ إِلَّا مَا أَرْطَبَ كُلُّهُ.
وَيَصِفُ الْحِنْطَةَ بِالنَّوْعِ كَسَلَمُونِيٍّ، وَبِالْبَلَدِ كَحَوْرَانِيٍّ، وَبِالْقَدْرِ كَصِغَارِ الْحَبِّ، أَوْ كِبَارِهِ، وَبِالْحَدَاثَةِ وَضِدِّهَا، وَاللَّوْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَالشَّعِيرُ كَالْبُرِّ.
وَيَصِفُ الْعَسَلَ بِالْبَلَدِ كَفَيْجِيٍّ وَيُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ النَّوْعِ، وَبِالزَّمَانِ كَخَرِيفِيٍّ، وَبِاللَّوْنِ كَأَبْيَضَ.
وَيَصِفُ السَّمْنَ بِالنَّوْعِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ وَبِاللَّوْنِ كَأَبْيَضَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَذْكُرُ الْمَرْعَى، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْحَدَاثَةِ وَضِدِّهَا؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
يَقْتَضِي الْحَدِيثَ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي عَتِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ، وَلَا يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ يَنْضَبِطُ بِهِ، وَالزُّبْدُ كَالسَّمْنِ وَيَزِيدُ زُبْدُ يَوْمِهِ، أَوْ أَمْسِهِ.
وَيَصِفُ اللَّبَنَ بِالنَّوْعِ، وَالْمَرْعَى، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اللَّوْنِ، وَلَا حَلْبُ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَيَصِفُ الْجُبْنَ بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى، وَرَطْبٌ أَوْ يَابِسٌ، وَاللِّبَأُ كَاللَّبَنِ وَيَزِيدُ اللَّوْنُ، وَالطَّبْخُ، أَوْ عَدَمُهُ.
وَيَصِفُ الْحَيَوَانَ بِالنَّوْعِ، وَالسِّنِّ، وَالذُّكُورَةِ وَضِدِّهَا، فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا ذَكَرَ نَوْعَهُ كَتُرْكِيٍّ وَسِنَّهُ، وَيُرْجَعُ فِي سِنِّ الْغُلَامِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ بَالِغًا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ رُجِعَ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَالطُّولَ بِالشِّبْرِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: يَقُولُ خُمَاسِيٌّ، أَوْ سُدَاسِيٌّ أَسْوَدُ، أَوْ أَبْيَضُ أَعْجَمِيٌّ، أَوْ فَصِيحٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ "، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا ذَكَرَ طَوِيلًا، أَوْ رَبْعًا، أَوْ قَصِيرًا، وَفِي ذِكْرِ الْكُحْلِ، وَالدَّعَجِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثِّيُوبَةِ وَنَحْوِهَا وَجْهَانِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ، وَفِي اشْتِرَاطِ ثُقْلِ الْأَرْدَافِ وَوَضَاءَةِ الْوَجْهِ وَكَوْنِ الْحَاجِبَيْنِ مَقْرُونَيْنِ، وَكَذَا الشَّعْرِ سِبْطًا، أَوْ جَعْدًا، أَوْ أَشْقَرَ، أَوْ أَسْوَدَ، وَالْعَيْنِ زَرْقَاءَ، وَالْأَنْفِ أَقْنَى وَجْهَانِ.
وَيَصِفُ الْإِبِلَ بِالنِّتَاجِ فَيَقُولُ: مِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ، مَكَانُ النَّوْعِ إِنِ اخْتَلَفَ نِتَاجُهَا وَبِاللَّوْنِ كَأَبْيَضَ، وَالْخَيْلُ كَالْإِبِلِ فَأَمَّا الْبِغَالُ، فَلَا نِتَاجَ لَهَا، وَالْحَمِيرُ، فَلَا يُقْصَدُ نِتَاجُهَا فَيُجْعَلُ مَكَانَ ذَلِكَ نِسْبَتُهَا إِلَى بَلَدِهَا كَرُومِيٍّ فِي الْبِغَالِ وَمِصْرِيٍّ فِي الْحَمِيرِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ إِنْ عُرِفَ لَهَا نِتَاجٌ فَكَالْإِبِلِ، وَإِلَّا فَكَالْحَمِيرِ.
وَيَصِفُ اللَّحْمَ بِالسِّنِّ، وَالذُّكُورَةِ، وَالْعَلْفِ وَضِدِّهَا، وَبِالنَّوْعِ، وَمَوْضِعِ اللَّحْمِ فِي الْحَيَوَانِ وَيَزِيدُ فِي الذَّكَرِ فَحْلًا، أَوْ خَصِيًّا، وَإِنْ كَانَ لَحْمُ صَيْدٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْعَلَفِ، وَالْخِصَاءِ، لَكِنْ يَذْكُرُ الْآلَةَ أُحْبُولَةً، أَوْ كَلْبًا، أَوْ فَهْدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الرَّقِيقِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
ذِكْرُ سِمَنٍ وَهُزَالٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَتَبَايَنُ بِهِ الثَّمَنُ، فَهَذَا أَوْلَى، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ اللَّحْمِ بِعِظَامِهِ أَيْ: حَيْثُ أُطْلِقَ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ كَذَلِكَ فَهُوَ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي لَحْمِ الطَّيْرِ إِلَى ذِكْرِ الْأُنُوثَةِ وَالذُّكُورَةِ، إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِذَلِكَ كَلَحْمِ الدَّجَاجِ، وَلَا إِلَى مَوْضِعِ اللَّحْمِ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الرَّأْسِ، وَالسَّاقَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ عَلَيْهِمَا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْوَزْنِ فِي الطَّيْرِ كَالْكُرْكِيِّ، وَالْبَطِّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ لَحْمُهُ.
وَيَصِفُ السَّمَكَ بِالنَّوْعِ كَبَرْدِيٍّ، وَالْكِبَرِ، وَالسِّمَنِ وَضِدِّهِمَا، وَالطَّرِيِّ، أَوِ الْمِلْحِ، وَلَا يُقْبَلُ الرَّأْسُ، وَالذَّنَبُ بَلْ مَا بَيْنَهُمَا.
وَيَصِفُ الثِّيَابَ بِالنَّوْعِ كَكَتَّانٍ وَبِالْبَلَدِ كَبَغْدَادِيٍّ وَبِالطُّولِ، أَوِ الْغِلَظِ، أَوِ النُّعُومَةِ، أَوْ ضِدِّهَا، وَالْغَزْلُ كَذَلِكَ، وَيَذْكُرُ مَكَانَ الطُّولِ، أَوِ الْعَرْضِ، اللَّوْنَ نَحْوَ أَبْيَضَ، أَوْ أَصْفَرَ.
وَيَصِفُ الْإِبْرِيسَمَ بِاللَّوْنِ، وَالْبَلَدِ، وَالْغِلَظِ، وَالرِّقَّةِ.
وَيَصِفُ الصُّوفَ بِالْبَلَدِ، وَاللَّوْنِ، وَالطُّولِ، أَوِ الْقِصَرِ، وَالذُّكُورَةِ، أَوِ الْأُنُوثَةِ، وَبِالزَّمَانِ كَخَرِيفِيٍّ، أَوْ رَبِيعِيٍّ؛ لِأَنَّ صُوفَ الْخَرِيفِ أَنْظَفُ وَصُوفَ الْإِنَاثِ أَنْعَمُ، وَفِي " الشَّرْحِ ": احْتِمَالُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْأُنُوثَةِ، وَالذُّكُورَةِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ، وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ كَالصُّوفِ.
وَيَصِفُ الْكَاغِدَ بِالطُّولِ، وَالْعَرْضِ، وَالرِّقَّةِ، أَوِ الْغِلَظِ وَاسْتِوَاءِ الصَّنْعَةِ، وَمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ.
وَيَصِفُ الرَّصَاصَ، وَالنُّحَاسَ، وَالْحَدِيدَ بِالنَّوْعِ كَقَلْعِيٍّ، وَبِالنُّعُومَةِ، أَوْ ضِدِّهَا، وَبِاللَّوْنِ إِنْ كَانَ يَخْتَلِفُ بِهِ وَيَزِيدُ فِي الْحَدِيدِ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، فَإِنَّ الذَّكَرَ أَحَدُّ وَأَمْضَى.
وَيَصِفُ الْقِصَاعَ مِنَ الْخَشَبِ بِالنَّوْعِ كَجَوْزٍ، وَالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَالْعُمْقِ، وَالضِّيقِ، وَالثَّخَانَةِ، وَالرِّقَّةِ.
فَإِنْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ شَرَطَ الْأَرْدَأَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ جَاءَهُ بِدُونِ مَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَصِفُ السَّيْفَ بِالنَّوْعِ كَفُولَاذٍ وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ وَرِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ وَبَلَدِهِ، وَقِدَمِهِ، أَوْ ضِدِّهِ مَاضٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَيَصِفُ قَبِيعَتَهُ.
وَيَصِفُ خَشَبَ الْبِنَاءِ بِالنَّوْعِ، وَالرُّطُوبَةِ، أَوْ ضِدِّهَا وَبِالطُّولِ، وَالدَّوْرِ، أَوْ سُمْكِهِ وَعَرَضِهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنْ طَرَفِهِ إِلَى طَرَفِهِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَغْلَظَ مِمَّا وَصَفَ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا، وَإِنْ كَانَ أَدَقَّ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ ذَكَرَ الْوَزْنَ جَازَ.
وَيَصِفُ حِجَارَةَ الْأَرْحِيَةِ بِالدَّوْرِ، وَالثَّخَانَةِ، وَالْبَلَدِ، وَالنَّوْعِ وَيَضْبُطُ مَا هُوَ لِلْبِنَاءِ بِذِكْرِ اللَّوْنِ، وَالْقَدْرِ، وَالنَّوْعِ، وَالْوَزْنِ.
وَيَصِفُ الْآجُرَ، وَاللَّبَنَ بِمَوْضِعِ التُّرْبَةِ، وَالدَّوْرِ، وَالثَّخَانَةِ.
وَيَصِفُ الْجِصَّ، وَالنَّوْرَةَ بِاللَّوْنِ، وَالْوَزْنِ، وَلَا يَقْبَلُ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَلَا قَدِيمًا يُؤَثِّرُ فِيهِ.
وَيَصِفُ الْعَنْبَرَ بِاللَّوْنِ، وَالْوَزْنِ، وَإِنْ شَرَطَ قِطْعَةً، أَوْ قِطْعَتَيْنِ جَازَ وَيَضْبُطُ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ بِبَلَدِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ، وَالْمِسْكَ وَنَحْوَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ (فَإِنْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ لَمْ يَصِحَّ) لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ إِلَّا نَادِرًا، إِذْ مَا مِنْ جَيِّدٍ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوجَدَ أَجْوَدُ مِنْهُ (وَإِنْ شَرَطَ الْأَرْدَأَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ الْمَوْصُوفَ فَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَيُلْزِمُ الْمُسْلِمَ قَبُولَهُ بِخِلَافِ الْأَجْوَدِ وَيَكْفِي جَيِّدٌ وَرَدِيءٌ وَيُجْزِئُ بِأَقَلِّهَا أَيْ: يَتْرُكُ الْوَصْفَ عَلَى أَقَلِّ دَرَجَةٍ (وَإِنْ جَاءَهُ بِدُونِ مَا وَصَفَ لَهُ، أَوْ نَوْعٍ آخَرَ) مِنْ جِنْسِهِ (فَلَهُ أَخْذُهُ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَقَدْ رَضِيَ بِدُونِهِ وَمَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْجِنْسِ يَجْعَلُهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ التَّفَاضُلِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ
وَصَفَ لَهُ، أَوْ نَوْعٍ آخَرَ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ جَاءَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ، فَإِنْ جَاءَهُ، وَقَالَ: خُذْهُ وَزِدْنِي دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةٍ فِي الْقَدْرِ فَقَالَ ذَلِكَ، صَحَّ.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ بِالْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ، وَالذَّرْعِ فِي الْمَذْرُوعِ،
[المبدع في شرح المقنع]
يُجْبَرُ عَلَى إِسْقَاطِ حَقِّهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَدْنَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، أَشْبَهَ الزَّائِدَ فِي الصِّفَةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَشْرُوطِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ كَالْأَدْنَى، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ قَبُولُهُ كَغَيْرِ جِنْسِهِ، نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ (وَإِنْ جَاءَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ مِنْ نَوْعِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ وَزِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ وَكَشَرْطِهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَضَرَّرَ.
وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا أُسْلِمَ فِيهِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ قَبُولُهُ.
نَقَلَ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ لَا يَأْخُذُ فَوْقَ صِفَتِهِ بَلْ دُونَهَا (وَإِنْ جَاءَهُ بِجِنْسٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَسْلَمِ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنِ الْإِمَامِ: يَأْخُذُ أَدْنَى كَشَعِيرٍ عَنْ بُرٍّ بِقَدْرِ كَيْلِهِ، وَلَا يَرْبَحُ مَرَّتَيْنِ وَاحْتُجَّ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَبِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ (فَإِنْ جَاءَهُ) بِالْأَجْوَدِ (وَقَالَ: خُذْهُ وَزِدْنِي دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ صِفَةٌ، فَلَا يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا (وَإِنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةٍ فِي الْقَدْرِ فَقَالَ ذَلِكَ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَا يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَإِمْسَاكُهُ مَعَ الْأَرْشِ
[الفَصْلٌ الثَّالِثُ أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ]
فصل (الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ بِالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ
فَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَفِي الْمَوْزُونِ كَيْلًا لَمْ يَصِحَّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مَعْلُومًا، فَإِنْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ أَوْ صَنْجَةً بِعَيْنِهَا لَمْ يَصِحَّ، وَفِي الْمَعْدُودِ الْمُخْتَلِفِ غَيْرَ الْحَيَوَانِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يُسْلَمُ فِيهِ عَدَدًا، وَالْأُخْرَى: وَزْنًا،
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي ثَمَرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ (وَالذَّرْعِ فِي الْمَذْرُوعِ» أَيْ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالذَّرْعِ إِنْ كَانَ مَذْرُوعًا، وَكَذَا الْمَعْدُودُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ غَائِبٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ كَالثَّمَنِ (فَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَفِي الْمَوْزُونِ كَيْلًا لَمْ يَصِحَّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِي الْمَكِيلِ لَا يُسْلَمُ فِيهِ وَزْنًا؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ كَبَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ، وَلِأَنَّهُ قَدَّرَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي الْمَذْرُوعِ وَزْنًا وَبِالْعَكْسِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ فَبِأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ جَازَ بِخِلَافِ الرِّبَوِيَّاتِ، فَإِنَّ التَّمَاثُلَ فِيهَا شَرْطٌ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مَعْلُومًا) عِنْدَ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَجْهُولًا تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ عِنْدَ التَّلَفِ وَذَلِكَ مُخِلٌّ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ الْكَيْلِ مِنْ أَجْلِهَا، وَكَذَا الصَّنْجَةُ، وَالذِّرَاعُ (فَإِنْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ) أَيْ: غَيْرَ مَعْلُومٍ (أَوْ صَنْجَةً بِعَيْنِهَا) غَيْرَ مَعْلُومَةٍ (لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلِكُ فَيَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَهُوَ غَرَرٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَمْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي فَسَادِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا صِحَّتُهُ (وَفِي الْمَعْدُودِ الْمُخْتَلِفِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ) كَفُلُوسٍ مَثَلًا، وَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهَا عَرَضًا لَا يَجْرِي فِيهِمَا رِبًا (رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يُسْلَمُ فِيهِ عَدَدًا) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ وَيَذْهَبُ بِاشْتِرَاطِهِ الْكِبَرَ، وَالصِّغَرَ،
وَقِيلَ: يُسْلَمُ فِي الْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ عَدَدًا، وَفِي الْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ وَزْنًا.
فَصْلٌ الرَّابِعُ: أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا مَعْلُومًا لَهُ وَقَعَ الثَّمَنُ كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوِ الْوَسَطَ، وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ عُفِيَ عَنْهُ (وَالْأُخْرَى وَزْنًا) ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَايَنُ، وَالْوَزْنُ يَضْبُطُهُ (وَقِيلَ: يُسْلَمُ فِي الْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ عَدَدًا) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْمُتَقَارِبِ يَسِيرٌ وَلِهَذَا لَا تَكَادُ الْقِيمَةُ تَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْبَيْضَتَيْنِ، وَالْجَوْزَتَيْنِ بِخِلَافِ الْبِطِّيخِ، فَإِنَّهُ يَتَبَايَنُ كَثِيرًا (وَفِي الْفَوَاكِهِ) كَالرُّمَّانِ، وَالسَّفَرْجَلِ (وَالْبُقُولِ وَزْنًا) ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا وَيَتَبَايَنُ جِدًّا، فَلَا يَنْضَبِطُ إِلَّا بِالْوَزْنِ.
فَائِدَةٌ: إِذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ وَزْنُهُ بِمِيزَانٍ كَالْأَرْحِيَةِ، وَالْأَحْجَارِ الْكِبَارِ وُزِنَتْ بِالسَّفِينَةِ فَتُنْزَلُ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يُنْزَلُ فِيهَا ذَلِكَ فَيُنْظَرُ إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ يَغُوصُ فَيُعَلِّمُهُ، ثُمَّ يُرْفَعُ وَيُنْزَلُ مَكَانَهُ رَمْلٌ وَنَحْوُهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْمَوْضِعَ الْمُعَلَّمَ، ثُمَّ يُوزَنُ بِمِيزَانٍ.
[الرَّابِعُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا مَعْلُومًا]
فَصْلٌ (الرَّابِعُ: أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا مَعْلُومًا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْأَجَلِ كَالْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ، وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَا تَبْيِينًا لِشُرُوطِ السَّلَمِ وَمَنْعًا مِنْهُ بِدُونِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِذَا انْتَفَى الْكَيْلُ، أَوِ الْوَزْنُ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ رُخْصَةً لِلْمَرْفِقِ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْأَجَلِ، إِذِ الْحُلُولُ يُخْرِجُهُ عَنِ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ (لَهُ وَقَعَ فِي الثَّمَنِ) عَادَةً.
قَالَهُ الْأَصْحَابُ (كَالشَّهْرِ) كَذَا قَدَّرَهُ غَيْرُهُ بِهِ وَنَقَلَهُ فِي " الْوَاضِحِ " عَنْ أَصْحَابِنَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَجْهُولًا لَا يَمْلِكُهُ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ فَرُخِّصَ فِيهِ لِحَاجَةِ الْمُفْلِسِ، وَلَا حَاجَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ الْأَجَلَ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": هُوَ مُعْتَمَدُ الْمَسْأَلَةِ وَسِرُّهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَجَلَ
حَالًّا، أَوْ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ كَالْيَوْمِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ يَأْخُذُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَجْزَاءً مَعْلُومَةً، فَيَصِحَّ وَإِنْ أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ إِلَى أَجَلَيْنِ، أَوْ فِي جِنْسَيْنِ إِلَى
[المبدع في شرح المقنع]
إِنَّمَا اعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ الْمَرْفِقُ الَّذِي شُرِّعَ مِنْ أَجْلِهِ السَّلَمُ، فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ الَّتِي لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ (وَنَحْوِهِ) ، وَفِي " الْكَافِي " كَنِصْفِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَمَا قَارَبَ الشَّهْرَ (فَإِنْ أَسْلَمَ حَالًّا) لَمْ يَصِحَّ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ حَالًّا، ذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: لَا يُحْتَاجُ إِلَى مُدَّةٍ، وَهُوَ قِيَاسٌ، وَلَكِنْ إِلَى أَجَلٍ أَحَبُّ إِلَيَّ وَهِيَ مَعَ بَقِيَّةِ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى الْأَجَلِ الْقَرِيبِ، لَكِنْ إِنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، صَحَّ حَالًّا.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " (أَوْ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ كَالْيَوْمِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا وَقْعَ لَهُ فِي الثَّمَنِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ، وَلَوْ كَانَ يَوْمًا ذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إِلَى شَهْرٍ (إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ يَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَجْزَاءً مَعْلُومَةً، فَيَصِحَّ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، إِذِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ فِي كُلِّ مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فَإِنْ أَسْلَمَ فِي لَحْمٍ، أَوْ خُبْزٍ يَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَظَاهَرُهُ اخْتِصَاصُ الْجَوَازِ بِهِمَا وَنَصَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا إِذَا قُبِضَ الْبَعْضُ وَتَعَذَّرَ قَبْضُ الْبَاقِي رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا يُجْعَلُ الْبَاقِي فَضْلًا عَلَى الْمَقْبُوضِ لِتَمَاثُلِ أَجْزَائِهِ فَيُقَسَّطُ الثَّمَنُ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا إِذَا بَيَّنَ أَجَلَهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ بَيَّنَ قِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ وَثَمَنَهُ (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ إِلَى أَجَلَيْنِ) صَحَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ إِلَى أَجَلٍ جَازَ إِلَى أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ (أَوْ فِي جِنْسَيْنِ إِلَى أَجَلٍ، صَحَّ) كَالْبَيْعِ (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ) ، فَعَلَى هَذَا يُسْلِمُ إِلَى وَقْتٍ يُعْلَمُ بِالْأَهِلَّةِ
أَجَلٍ صَحَّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ فَإِنْ أَسْلَمَ إِلَى الْحَصَادِ، أَوِ
[المبدع في شرح المقنع]
نَحْوَ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ وَآخِرُ يَوْمٍ مِنْهُ مُعَيَّنٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] ، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ التَّأْجِيلِ بِذَلِكَ، فَلَوْ جَعَلَهُ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: مَحِلُّهُ شَهْرُ كَذَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: لَا، وَلَوْ قَالَ: إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَانَ إِلَى انْقِضَائِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً كَانَ ابْتِدَاؤُهَا حِينَ تَلَفُّظِهِ بِهَا، وَإِنْ قَالَ: إِلَى شَهْرِ كَذَا انْصَرَفَ إِلَى الْهِلَالِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي أَثْنَائِهِ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالْعَدَدِ، فَإِنْ عَلَّقَهُ بِاسْمٍ يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ كَرَبِيعٍ وَجُمَادَى، وَالْعِيدِ انْصَرَفَ إِلَى أَوَّلِهِمَا، قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " مَذْهَبًا وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ مَا إِذَا عُيِّنَ الْوَقْتُ كَعِيدِ الْفِطْرِ، أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْعِلْمِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِغَيْرِ الْأَهِلَّةِ وَكَانَ مِمَّا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ كَشُبَاطَ، أَوْ عِيدًا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ كَالنَّيْرُوزِ، وَالْمَهْرَجَانِ، صَحَّ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَشْبَهَ عِيدَ الْمُسْلِمِينَ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى وابن عبدوس: لَا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إِلَى السَّعَانِينَ وَعِيدِ الْفَطِيرِ مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمُسْلِمُونَ غَالِبًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَجَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدِينَ، أَوْ أَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ (فَإِنْ أَسْلَمَ إِلَى الْحَصَادِ، أَوِ الْجِدَادِ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ إِلَيْهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجَّلَ إِلَى الْحَصَادِ، وَالْجِدَادِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَتَبَايَعُوا إِلَى الْحَصَادِ، وَالدِّيَاسِ، وَلَا تَتَبَايَعُوا إِلَّا إِلَى شَهْرٍ مَعْلُومٍ، وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا كَقُدُومِ زَيْدٍ، لَا يُقَالُ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ إِلَى يَهُودِيٍّ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ» ، لِأَنَّهُ رَوَاهُ حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ غَفْلَةٌ، وَهُوَ صَدُوقٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَفَلَانِهِ حَيْثُ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّهُ
الْجِدَادِ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ إِلَيْهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ لَزِمَهُ قَبْضُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
[المبدع في شرح المقنع]
لَا يَصْلُحُ لِلْأَجَلِ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إِلَى الْعَطَاءِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الْعَطَاءِ لَا فِعْلِهِ، فَإِنَّ نَفْسَ الْعَطَاءِ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ فَهُوَ مَجْهُولٌ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَ الْعَطَاءِ لِكَوْنِهِ يَتَقَارَبُ أَشْبَهَ الْحَصَادَ، وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ كَرَأْسِ السَّنَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ وَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ إِلَيْهِمَا.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْأَشْهُرِ فِي اشْتِرَاطِ الْأَجَلِ، وَقَدْرِهِ وَبَقَائِهِ وَفَرَاغِهِ (وَإِذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ) أَيْ: الْمُسْلَمُ فِيهِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ، كَمَا يُعَبَّرُ عَنِ السَّرِقَةِ بِالْمَسْرُوقِ وَبِالرَّهْنِ عَنِ الْمَرْهُونِ (قَبْلَ مَحِلِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ لَزِمَهُ قَبْضُهُ) ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ حَاصِلٌ مَعَ زِيَادَةِ تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ فَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ، وَهَذَا فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ كَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَلَا يَخْتَلِفُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ كَالزَّيْتِ، وَالْعَسَلِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ لَا يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ، وَهُوَ صَادِقٌ بِصُوَرٍ إِمَّا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ كَالْفَاكِهَةِ، وَالْأَطْعِمَةِ، أَوْ كَانَ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ كَالْحُبُوبِ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَأْخِيرِهِ بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى أَكْلِهِ، أَوْ إِطْعَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا لَمْ يَأْمَنْ تَلَفَهُ وَيَحْتَاجُ إِلَى نَفْعِهِ، وَكَذَا مَا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إِلَى مُؤْنَةٍ كَالْقُطْنِ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ مُخَوِّفًا فَهُوَ كَنَقْصِ صِفَةٍ فِيهِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ كَانَ مِمَّا يَتْلَفُ، أَوْ يَتَغَيَّرُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ لَزِمَهُ قَبْضُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا خِلَافُ مَا جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَحْضَرَهُ فِي مَحِلِّهِ لَزِمَهُ قَبْضُهُ مُطْلَقًا كَالْمَبِيعِ الْمُعِيَّنِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهِ قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَقْبِضَ، أَوْ تُبْرِي، فَإِنْ أَصَرَّ بَرِئَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " فِي الْمَكْفُولِ بِهِ، وَالْأَشْهَرُ يَرْفَعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيَنُوبُ عَنْهُ فِي قَبْضِهِ لَا إِبْرَائِهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْحَاكِمِ كَقَبْضِ الْمَالِكِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا أَتَاهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ كُلِّ دَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ إِذَا أَتَى بِهِ كَذَلِكَ، وَنَقَلَ بَكْرٌ وَحَنْبَلٌ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ لَا يَلْزَمُهُ، ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ فَيُرَقُّ، وَلِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي مِلْكِهِ حَقٌّ لَهُ لَمْ يَرْضَ بِزَوَالِهِ وَمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَرْضَ رَبُّ الدَّيْنِ، أَوْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ فَبَذَلَهَا أَجْنَبِيٌّ لَمْ يُجْبَرْ رَبُّ الدَّيْنِ، وَالزَّوْجَةُ.
فَصْلٌ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِ أَوْ لَا يُوجَدُ إِلَّا نَادِرًا كَالسَّلَمِ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ إِلَى غَيْرِ وَقْتِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَسْلَمَ إِلَى مَحِلٍّ يُوجَدُ فِيهِ عَامًّا، فَانْقَطَعَ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّبْرِ، وَبَيْنَ الْفَسْخِ، وَالرُّجُوعِ بِرَأْسِ مَالِهِ، أَوْ عِوَضِهِ إِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
[الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ]
فَصْلٌ
(الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ) غَالِبًا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِوُجُوبِ تَسْلِيمِهِ إِذَنْ (فَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِ) لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ غَالِبًا عِنْدَ وُجُوبِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ بَلْ أَوْلَى (أَوْ لَا يُوجَدُ إِلَّا نَادِرًا كَالسَّلَمِ فِي الْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ إِلَى غَيْرِ وَقْتِهِ) ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِيهِمَا إِلَى شُبَاطَ، أَوْ آذَارَ (لَمْ يَصِحَّ) لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ، فَلَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ حَالَ الْعَقْدِ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ عَدَمُهُ فِي الْأَصَحِّ حَكَاهُمَا ابْنُ عَبْدُوسٍ (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ) ، أَوْ فِي نِتَاجٍ مِنْ فَحْلِ بَنِي فُلَانٍ، أَوْ غَنَمِهِ، أَوْ فِي مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ (لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُهُ، وَانْقِطَاعُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ مَعْلُومٍ، أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا.
دَلِيلُ الْأَصْلِ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَسْلَفَ إِلَيْهِ يَهُودِيٌّ مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَما من حَائِط بَنِي فُلَانٍ، فَلَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجِمِ، وَقَالَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ هَذَا الْبَيْعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْمَنْعُ مِنْهُ كَالْإِجْمَاعِ لِاحْتِمَالِ الْجَائِحَةِ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، وَغَيْرُهُ: يَصِحُّ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ، أَوِ اسْتَحْصَدَ، وَاحْتَجَّ بِابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ وَأُمِنَتْ عَلَيْهِ الْجَائِحَةُ وَيُعَارِضُهُ مَا سَبَقَ (وَإِنْ أَسْلَمَ إِلَى مَحِلٍّ يُوجَدُ فِيهِ عَامًّا، فَانْقَطَعَ) بِأَنْ لَمْ تَحْمِلِ الثِّمَارُ تِلْكَ السَّنَةَ مَثَلًا (خُيِّرَ) الْمُسْلِمُ (بَيْنَ الصَّبْرِ) إِلَى أَنْ يُوجَدَ فَيُطَالِبَ بِهِ (وَبَيْنَ الْفَسْخِ) كَغَيْرِهِ (وَالرُّجُوعِ بِرَأْسِ مَالِهِ) أَيْ: مَعَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا زَالَ وَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ، وَيَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ حَقِّهِ
كَانَ مَعْدُومًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ.
فَصْلٌ السَّادِسُ: أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
(أَوْ عِوَضِهِ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا) لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا اسْتَحَقَّ مِثْلَهُ، وَإِلَّا قِيمَتُهُ كَالْمُتْلَفِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: خُيِّرَ (وَفِي الْآخَرِ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ) لِكَوْنِ الْمُسْلِمِ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ مِنْهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَهَلَكَتْ فَيَرْجِعُ بِرَأْسِ مَالِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ، وَالْأَصَحُّ، فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ فَهُوَ كَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلِأَنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ جَازَ، وَإِنَّمَا أُجْبِرَ عَلَى الدَّفْعِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ بِصِفَةِ حَقِّهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخَّرَ الْقَبْضَ فِي أَوَانِهِ مَعَ إِمْكَانِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إِلَى أَوَانِهِ بَعْدُ، أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَسْخِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَذَّرَ بَعْضُهُ فَسَخَ الْكُلَّ، أَوْ صَبَرَ.
فَرْعٌ: إِذَا أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ إِلَى ذِمِّيٍّ فِي خَمْرٍ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْآخِرَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِيفَاءُ.
[السَّادِسُ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ]
فَصْلٌ (السَّادِسُ: أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ) أَيْ: قَبْلَ التَّفَرُّقِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاسْتَنْبَطَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ» . أَيْ: فَلْيُعْطِ.
قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ السَّلَفِ فِيهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا سَلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ أَسْلَفَهُ انْتَهَى، وَحِذَارًا أَنْ يَصِيرَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَيَدْخُلَ تَحْتَ النَّهْيِ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَأْخِيرِ الْعِوَضِ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالصَّرْفِ وَيُشْتَرَطُ قَبْضُ جَمِيعِهِ، فَلَوْ قَبَضَ الْبَعْضَ، ثُمَّ افْتَرَقَا بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَقْبُوضِ، فَلَوْ جَعَلَ
مَعْلُومَ الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
دَيْنًا سَلَمًا لَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ، أَوْ عَيْنٌ مَغْصُوبَةٌ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ.
أَصْلٌ: الْمَجْلِسُ هُنَا كَمَجْلِسِ الصَّرْفِ وَهُمَا كَمَجْلِسِ الْخِيَارِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إِذَا تَأَخَّرَ قَبْضُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْيَوْمَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ لَمْ يَصِحَّ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ) أَمْ تَكْفِي مُشَاهَدَتُهُ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَتَأَخَّرُ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ مَالِهِ لِيُرَدَّ بَدَلُهُ كَالْقَرْضِ، وَالشَّرِكَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ جَوْهَرَةً لِعَدَمِ تَأَتِّي الصِّفَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَا بَطَلَ الْعَقْدُ وَيَرُدُّهُ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَإِلَّا قِيمَتُهُ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهَا قُبِلَ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَقَعُ الْعَقْدُ بِقِيمَةِ مِثْلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُضَمِّنُهُ بِأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، وَهُوَ رِبًا وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ بِمِثْلِهِ، وَكَذَا الْأُجْرَةُ، وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَمَالَ إِلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُشَاهَدٌ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَالَيْنِ حُرِّمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا لَا يَجُوزُ إِسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِي الْعُرُوضِ هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ إِسْلَامُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: إِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَمَنًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ إِسْلَامُ عَرَضٍ فِي عَرَضٍ، وَفِي ثَمَنٍ (وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِي جِنْسَيْنِ) .
جِنْسَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ.
فَصْلٌ السَّابِعُ: أَنْ يُسَلَمَ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَيْنٍ، لَمْ يَصِحَّ وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ فِيهِ كَالْبَرِّيَّةِ فَيُشْتَرَطَ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": أَوْ ثَمَنَيْنِ فِي جِنْسٍ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُعَيَّنَ ثَمَنُ كُلِّ جِنْسٍ، وَقُدِّرَ كُلُّ ثَمَنٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا (لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ الْجِنْسَيْنِ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِ مُفْرَدًا بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ قَبْلَ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُسْلَمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ إِلَى أَجَلَيْنِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، فَكَذَا هُنَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْجَوَازُ تَخْرِيجًا لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمَا عَلَيْهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُخْتَلِفًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ إِسْلَامُ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ إِلَّا أَنْ يُبَيَّنَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّمَنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذِ الرُّجُوعُ مُمْكِنٌ بِقَدْرِ الْحِصَّةِ.
[السَّابِعُ أَنْ يُسْلَمَ فِي الذِّمَّةِ]
فَصْلٌ (السَّابِعُ: أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَيْنٍ) كَدَارٍ وَشَجَرَةٍ ثَابِتَةٍ (لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلَفَ قَبْلَ أَوَانِ تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ، لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى السَّلَمِ فِيهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مَؤُونَةٌ وَجَبَ شَرْطُهُ، وَإِلَّا فَلَا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ فِيهِ كَالْبَرِّيَّةِ) ، وَالْبَحْرِ (فَيُشْتَرَطَ ذِكْرُهُ) لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ فَاشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ بالقول كَالْكَيْلِ.
ذِكْرُهُ، وَيَكُونُ الْوَفَاءُ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ، فَإِنْ شَرَطَ الْوَفَاءَ فِيهِ كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ شَرَطَهُ فِي غَيْرِهِ صَحَّ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا أَخْذُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ وَلَا الْحَوَالَةُ بِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ لِمَنْ هُوَ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ وَيُوَفَّى بِأَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إِلَيْهِ (وَ) يَجِبُ أَنْ (يَكُونَ الْوَفَاءُ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ الْمُشَاحَحَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ وَلَهُ أَخْذُهُ فِي غَيْرِهِ إِنْ رَضِيَا فَلَوْ قَالَ: خُذْهُ، وَأُجْرَةُ حَمْلِهِ مِثْلُهُ إِلَى مَوْضِعِ الْوَفَاءِ، لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ الْقَاضِي: كَأَخْذِ بَدَلِ السَّلَمِ (فَإِنْ شَرَطَ الْوَفَاءَ فِيهِ) أَيْ: فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ، صَحَّ (وَكَانَ تَأْكِيدًا) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ أَشْبَهَ شَرْطَ الْحُلُولِ فِي الثَّمَنِ (وَإِنْ شَرَطَهُ فِي غَيْرِهِ، صَحَّ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ، فَصَحَّ شَرْطُ الْإِيفَاءِ مَكَانَهُ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) قَطَعَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسْلِمَهُ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ فِي تَعْيِينِهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَلَوْ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَقْبَضْتَنِي، وَهُوَ مَعِيبٌ، فَأَنْكَرَ قُدِّمَ قَوْلُ الْقَابِضِ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ» ، وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالطَّعَامِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلشَّرِكَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ (وَلَا هِبَتُهُ) ؛ لِأَنَّهَا نَقْلٌ لِلْمِلْكِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ (وَلَا أَخْذُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» . وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ بَيْعٌ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِهِ لِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا، أَوْ مَعْدُومًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَهُ فِي الْقِيمَةِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ (وَلَا الْحَوَالَةُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَالسَّلَمُ بِعَرْضِيَّةِ الْفَسْخِ، وَلِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْفَسْخِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُحِيلَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ عَلَى مَنْ لَهُ مِثْلُهُ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَدَلِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا أَحَالَ الْمُسْلَمُ بِمَا لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِمَا
ذِمَّتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي السَّلَمِ، وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ، أَوْ عِوَضَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَدَلِ مُتْلَفٍ، وَلَوْ بِرَأْسِ مَالٍ سُلِّمَ بَعْدَ فَسْخِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ) كَقَرْضٍ وَمَهْرٍ بَعْدَ دُخُولٍ وَأُجْرَةٍ اسْتَوْفَى نَفْعَهَا، أَوْ فَرَغَتْ مُدَّتُهَا وَقِيمَةُ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ (لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «كُنَّا نَبِيعُ الْأَبْعِرَةَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ، وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّرَاهِمَ وَبِالدَّرَاهِمِ، وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّنَانِيرَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ، وَغَيْرُهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَفِي بَيْعِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَجْهَانِ، لَا رَأْسَ مَالَ سَلَمٍ بَعْدَ فَسْخِهِ فِي الْمَنْصُوصِ (بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبِضْ صَارَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَهَذَا إِنْ بَاعَهُ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً، أَوْ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: بَلَى (وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ) أَيْ: لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، لأنه غير قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مِنْهُمَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " عَنْ صَاحِبِهِ كَدَيْنِ السَّلَمِ، وَفِي " الْمُبْهِجِ "، وَغَيْرِهِ رِوَايَةٌ يَصِحُّ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ لِئَلَّا يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ.
فَرْعٌ: لَا تَصِحُّ هِبَةُ دَيْنٍ لِغَيْرِ غَرِيمٍ.
وَنَقَلَ حَرْبٌ صِحَّتَهُ وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَتَيْنِ فِيهِ، وَفِي بَيْعِهِ مِنْ (غَيْرِهِ وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي) دَيْنِ (السَّلَمِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِلْعَقْدِ وَرَفْعٌ لَهُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي جَوَازِهَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ مِنْهُ إِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا، وَإِلَّا صَحَّتِ الْإِقَالَةُ فِي كُلِّهِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ فِي كُلِّهِ، وَإِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا (وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَكُلُّ مَنْدُوبٍ إِلَيْهِ جَازَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ فِي
فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ، وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالَةٍ أَوَ غَيْرِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ، وَعَلَيْهِ سَلَمٌ مِنْ جَنْسِهِ فَقَالَ لِغَرِيمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُهُ لِلْآمِرِ؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
الْبَعْضِ كَالْإِبْرَاءِ، وَالْإِنْظَارِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجُوزُ، وَقَدْ رُوِيَتْ كَرَاهَتُهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، لِأَنَّ السَّلَمَ يَقِلُّ فِيهِ الثَّمَنُ مِنْ أَجْلِ التَّأْجِيلِ، فَإِذَا فُسِخَ فِي الْبَعْضِ بَقِيَ الْبَعْضُ بِالْبَاقِي مِنَ الثَّمَنِ وَبِمَنْفَعَتِهِ الْجُزْءُ الَّذِي فُسِخَ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ (إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ) إِنْ كَانَ مَوْجُودًا (أَوْ عِوَضَهُ) إِنْ كَانَ مَعْدُومًا (فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبِضْ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ يَصِيرُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ بِقَدْرِ السَّلَمِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَالسَّلَفِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَالْأَشْهُرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ (وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) . قَالَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ أَسْلَمِ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» . وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ، وَلِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقَرْضِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ عَادَ إِلَيْهِ بِفَسْخِ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ بَعْدَ فَسْخِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ ثَمَنًا فِي شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ أَخْذَ الْعِوَضِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَخْذُ النَّوْعِ مِنَ النَّوْعِ فِي السَّلَمِ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَلَأَنْ يَجُوزَ أَخْذُ النَّوْعِ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ، وَعَلَيْهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ فَقَالَ لِغَرِيمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لِنَفْسِهِ حَوَالَةٌ بِهِ، وَالْحَوَالَةُ بِالسَّلَمِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ (وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُهُ لِلْآمِرِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ أَشْبَهَ قَبْضَ وَكِيلِهِ
وَجْهَيْنِ وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي تُشَاهِدُهُ فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنِ اكْتَالَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْكِيَالِ وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ فَقَبَضَهُ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا، وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَكَمَا لَوْ نَوَى الْمَأْمُورُ الْقَبْضَ لِلْآمِرِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ نَائِبًا لَهُ فِي الْقَبْضِ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَعَلَيْهِ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِ وَلَوْ قَالَ: احْضُرْ كَيْلَهُ لِأَقْبِضَهُ لَكَ فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِلثَّانِي، وَهَلْ يَكُونُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أولهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْقَبْضَ لِنَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قَبَضَهُ لِلْآخَرِ، صَحَّ (وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ أَقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ، صَحَّ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنَابَةٌ فِي قَبْضِهِ لَهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ لِمُوكِّلِهِ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ، فَلَوْ قَالَ الْآمِرُ: أَحْضِرْنَا حَتَّى أَكَتَالَهُ لِنَفْسِي، ثُمَّ تَكْتَالَهُ أَنْتَ وَفَعَلَا، صَحَّ (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي تُشَاهِدُهُ فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا الْجَوَازُ وَبِهِ جَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ عَلِمَهُ وَشَاهَدَ كَيْلَهُ، فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ كَيْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ» . أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا (وَإِنِ اكْتَالَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِيكَالِ وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ فَقَبَضَهُ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدِ اكْتَالَهُ حَقِيقَةً، وَالثَّانِي حَصَلَ لَهُ اسْتِمْرَارُ الْكَيْلِ وَاسْتِدَامَتُهُ كَابْتِدَائِهِ، كَمَا أَنَّ اسْتِدَامَةَ الرُّكُوبِ رُكُوبٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ زِيَادَةٌ بِابْتِدَائِهِ، فَلَا مَعْنَى لَهُ (وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ) ، وَكَذَا كُلُّ دَيْنٍ (جُزَافًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) : أَيْ: قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ (فِي قَدْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِكَيْلِهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي قَدْرِ حَقِّهِ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَدُهُ عَلَى الْبَاقِي قِيلَ: يَدُ أَمَانَةٍ، وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ
جُزَافًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ وَإِنْ قَبَضَهُ كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ، وَالْكَفِيلُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
قَبَضَهُ عَلَى أَنَّ عِوَضُ عُمَّالِهِ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي ضَمَانِ الرَّهْنِ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَيْنًا، وَقَالَ: خُذْ حَقَّكَ مِنْهَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهَا، وَلَا يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا (وَإِنْ قَبَضَهُ كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَلَطِ، وَالْآخَرُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِكَيْلِ مَا قَبَضَهُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ غَيْرَ مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " كَغَيْرِهِ، وَقَيَّدَهُ إِذَا ادَّعَى مَا يُغْلَطُ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَلَوْ وَجَدَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ فِي يَدِهِ.
قَالَهُ جَمَاعَةٌ.
فَرْعٌ: مَنْ قَبَضَ دَيْنَهُ، ثُمَّ بَانَ لَا دَيْنَ لَهُ، ضَمَنَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَخْذِ مَالٍ غَيْرِهِ لَمْ يُبَادِرْ إِلَى إِيجَابِ ضَمَانِهِ حَتَّى يُفَسِّرَ أَنَّهُ عُدْوَانٌ وَمَنْ أَذِنَ لِغَرِيمِهِ فِي الصَّدَقَةِ بِدَيْنِهِ عَنْهُ، أَوْ صَرْفِهِ، أَوِ الْمُضَارَبَةِ بِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَبْرَأُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى شِرَائِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَفِي " النِّهَايَةِ " عَلَى قَبْضِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِمُوَكِّلِهِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا إِنْ عَزَلَهُ وَضَارَبَ بِهِ (وَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا وَنَقَلَهَا الْمَرْوَزِيُّ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وابن عبدوس وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، إِذْ وَضْعُ الرَّهْنِ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنَ الْغَرِيمِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَلَا مِنْ ذِمَّةِ الضَّامِنِ حِذَارًا مِنْ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي " لَا يَصْرِفُهُ " رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَكِنْ يَشْتَرِي ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ وَيُسْلِمُهُ وَيَشْتَرِيهِ الضَّامِنُ وَيُسْلِمُهُ لِئَلَّا يَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ نَقَلَهَا حَنْبَلٌ: يَجُوزُ، وَاخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَابْنُ عُمَرَ: السَّلَمُ مُرَادٌ مِنْهَا وَدَاخِلٌ فِيهَا فَهِيَ كَالنَّصِّ فِيهِ، وَالْكَفِيلُ كَالرَّهْنِ بِجَامِعِ الْوَثِيقَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْبَيْعِ فَجَازَ التَّوْثِقَةُ بِمَا فِي الذِّمَّةِ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، وَحِكَايَتُهُ عَنْهُمَا فِي " الْمُغْنِي " الْكَرَاهَةُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْهُمَا، فَعَلَيْهَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَأَيُّهُمَا قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا مِنْهُ، وَإِنْ
بَابُ الْقَرْضِ وَهُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ والْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا.
[المبدع في شرح المقنع]
زَالَ الْعَقْدُ بَطَلَ الرَّهْنُ، وَالضَّمَانُ، وَعَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَدُّ مَالِ السَّلَمِ فِي الْحَالِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعِوَضٍ، وَيَكُونُ كَبَقِيَّةِ الرُّهُونِ تُلْزَمُ بِالْقَبْضِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا عَلَى رِوَايَةٍ وَإِذَا لَمْ تَلْزَمْ، وَلَمْ يَقْبِضْ فَلِلْمُسْلِمِ الْفَسْخُ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ جَارٍ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ.
[بَابُ الْقَرْضِ]
[تَعْرِيفُ القرض وَحُكْمُهُ]
بَابُ الْقَرْضِ
الْقَرْضُ: مَصْدَرُ قَرَضَ الشَّيْءَ يَقْرِضُهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ إِذَا قَطَعَهُ، وَالْقَرْضُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الِاقْتِرَاضِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمِقْرَاضُ، وَهُوَ دَفْعُ الْمَالِ إِلَى الْغَيْرِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ وَيَرُدَّ بَدَلَهُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ مُسْتَثْنًى عَنْ قِيَاسِ الْمُعَاوَضَاتِ لِمَصْلَحَةٍ لَاحَظَهَا الشَّارِعُ رِفْقًا بِالْمَحَاوِيجِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَةٍ مَرَّةً» . وَرَوَى أَبُو رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا» . وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؛! قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضَ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْأَوَّلَ.
وَأَجْمَعُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ (وَهُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ) وَاحِدُهُ مَرْفِقٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ مَا ارْتَفَقْتَ بِهِ، وَانْتَفَعْتَ (والْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا) فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ كَشَفَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ
وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا إِلَّا بَنِي آدَمَ، وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بِالْقَبْضِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ
[المبدع في شرح المقنع]
كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ، ثُمَّ يَرُدَّانِ، ثُمَّ أُقْرِضُهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا، وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيجًا عَنْ غَيْرِهِ وَقَضَاءً لِحَاجَتِهِ فَكَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ كَالصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ، فَلَمْ يُعظِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ، وَلَيْسَ مَكْرُوهًا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ الْقَرْضُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ أَيْ: لَا يُكْرَهُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَلْيُعْلِمِ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ، وَلَا يَغُرُّهُ مِنْ نَفْسِهِ، إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ إِذَا اقْتَرَضَ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِحَالِهِ لَمْ يُعْجِبْنِي قَالَ: وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ وَوَصْفِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ كَالْبَيْعِ وَحُكْمُهُ فِي الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، كَمَا سَبَقَ وَيَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَبِلَفْظِ السَّلَفِ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِمَا وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا نَحْوَ مَلَّكْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ، أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ هِبَةٌ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ قَبْلَ قَوْلِ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ (وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا) مَكِيلًا كَانَ، أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ غَيْرَهُمَا؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا» ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ سَلَمًا يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ فَجَازَ قَرْضُهُ كَالْمَكِيلِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةُ سَلَمًا كَالْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ لَا يَجُوزُ وَكَقَرْضِ الْمَنَافِعِ (إِلَّا بَنِي آدَمَ، وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا) أَيْ: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا أَمَّا بَنُو آدَمَ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَهُمْ فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُمْ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي،
اسْتِرْجَاعَهُ وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ وَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّبْ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ، وَلَا هُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَقْتَرِضَ جَارِيَةً يَطَؤُهَا، ثُمَّ يَرُدُّهَا وَيَحْتَمِلُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ، فَيَصِحُّ قَرْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْمُزَنِيِّ، لِأَنَّهُ مَالٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، فَصَحَّ قَرْضُهُ كَسَائِرِ الْبَهَائِمِ، وَقِيلَ: قَرْضُ الْعَبْدِ لَا الْأَمَةِ إِلَّا أَنْ يُقْرِضَهُنَّ مِنْ مَحَارِمِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْقَرْضِ ضَعِيفٌ لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ رَدِّهَا عَلَى الْمُقْرِضِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ كَالْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ، وَلَا نُسَلِّمُ ضَعْفَ الْمِلْكِ فِيهِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ زَمَنَ الْخِيَارِ، وَأَمَّا الْجَوَاهِرُ وَنَحْوُهَا، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهَا فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، فَلَا يُمْكِنُ رَدُّ الْمِثْلِ، وَمُقْتَضَى الْقَرْضِ رَدُّ الْمِثْلِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ، وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " كَالْمُقْنِعِ.
فَرْعٌ: سَأَلَهُ أَبُو الصَّقْرِ: عَيْنٌ بَيْنَ أَقْوَامٍ لَهُمْ نَوْبٌ فِي أَيَّامٍ يَقْتَرِضُ الْمَاءَ مِنْ نَبوةِ صَاحِبِ الْخَمِيسِ لِيَسْقِيَ بِهِ لِيَرِدَ عَلَيْهِ يَوْمَ السَّبْتِ قَالَ: إِذَا كَانَ مَحْدُودًا يَعْرِفُ كَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ، فَلَا بَأْسَ، وَإِلَّا أَكْرَهُهُ (وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بِالْقَبْضِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقَدٌ يَقِفُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى الْقَبْضِ، فَوَقْفُ الْمِلْكِ عَلَيْهِ كَالْهِبَةِ وَيَتِمُّ بِالْقَبُولِ وَلَهُ الشِّرَاءُ بِهِ مِنْ مُقْرِضِهِ نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيَلْزَمُ مَكِيلٌ وَمَوْزُونٌ بِقَبْضِهِ، وَفِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ.
(فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فِيهِ كَالْمَبِيعِ لِكَوْنِهِ أَزَالَ مُلْكَهُ عَنْهُ بِعِقْدٍ لَازِمٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ (وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ) أَيْ: فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا فَكَانَ لَهُ طَلَبُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ، أَوِ الْقِيمَةِ فَكَانَ حَالًّا كَالْإِتْلَافِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيق، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا جُمْلَةً كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَالٌّ وَكَالْبَيْعِ (وَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيْهِ) بِعَيْنِهِ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ
يَكُنْ فُلُوسًا، أَوْ مُكَسَّرَةً فَيُحَرِّمُهَا السُّلْطَانُ فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَرْضِ وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا، وَفِيمَا سِوَى
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالسَّلَمِ وَسَوَاءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا اقْتَرَضَهُ بَدَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ لَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمِثْلِيِّ وَذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: (مَا لَمْ يَتَغَيَّبْ) كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ، أَوْ عَفِنَتْ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ.
الثَّانِي: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَكُنْ فُلُوسًا، أَوْ مُكَسَّرَةً فَيُحَرِّمُهَا السُّلْطَانُ) أَيْ: يَتْرُكُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَالْعَيْبِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا (فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ) مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إِنْ جَرَى فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ (وَقْتَ الْقَرْضِ) سَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً، أَوِ اسْتَهْلَكَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الدَّرَاهِمِ الْمُكَسَّرَةِ.
فَقَالَ: يُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخْذِهَا، ثُمَّ يُعْطِيهِ وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا، وَقِيلَ: لَهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّ لَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ فَسَدَتْ وَتُرِكَتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِهَا مَا دَامَتْ نَافِقَةً، فَلَمَّا فَسَدَتِ انْتَقَلَ إِلَى قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ عَدَمَ الْمِثْلَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ نَفَقَتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَزِمَهُ أَخْذُهَا، وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا فَلَهُ قِيمَتُهَا، وَقِيلَ: إِنْ رَخُصَتْ فَلَهُ الْقِيمَةُ، وَنَصُّهُ - وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " - إِنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَهَا إِذَا رَخُصَتْ.
تَنْبِيهٌ: الْمَغْشُوشَةُ، إِذْ خَرَمَهَا السُّلْطَانُ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا إِذَا كَانَتْ ثَمَنًا، وَظَاهِرُ " الْفُرُوعِ " فِيهِ قَوْلَانِ: لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْعَقْدِ، كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، أَوْ يَوْمَ فَسَدَتْ، وَإِنْ شَرَطَ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ، أَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ هُوَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ (وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ) إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ، وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هُنَا مَعَ أَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ شَبَهًا بِالْقَرْضِ مِنِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ أَعْوَزَ
ذَلِكَ وَجْهَانِ وَيَثْبُتُ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا، وَإِنْ أَجَّلَهُ وَيَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمِثْلَ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِعْوَازِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ (وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا) إِذَا قِيلَ بِجَوَازِ قَرْضِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، وَلَا مِثْلَ لَهَا لِكَوْنِهَا لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِهَا (وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَرُدُّ الْقِيمَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ كَالْإِتْلَافِ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَرْضِ.
والثَّانِي: يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي السَّلَمِ ثَبَتَ فِي الْقَرْضِ كَالْمِثْلِيِّ بِخِلَافِ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِيهِ أَخْصَرُ، وَلَا مُسَامِحَةَ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ فِي مِثْلِ صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذُّرِهِ، لَكِنْ لَوِ اقْتَرَضَ خُبْزًا، أَوْ خَمِيرًا عَدَدًا وَرَدَّ عَدَدًا بِلَا قَصْدِ زِيَادَةٍ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ صَغِيرًا يَقْصِدُ أَنْ يُعْطِيَهُ كَبِيرًا (وَيَثْبُتَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مَقْبُوضٌ أَشْبَهُ عِوَضَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ إِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا (حَالًّا، وَإِنْ أَجَّلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُنِعَ فِيهِ مِنَ التَّفَاضُلِ فَمُنِعَ الْأَجَلُ فِيهِ كَالصَّرْفِ، إِذِ الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ، وَهُوَ عِدَةٌ وَتَبَرُّعٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْقَرْضُ حَالٌّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ، وَخَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَأْجِيلُهُ.
وَذَكَرَهُ وَجْهًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَكُلُّ دَيْنٍ حَالٌّ كَالْقَرْضِ.
(وَيَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ، وَالضَّمِينِ فِيهِ) ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَقْرَضَ مِنْ يَهُودِيٍّ شَعِيرًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ شَرْطُهُ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّوَثُّقِ بِالْحَقِّ،
وَالضَّمِينِ فِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا نَحْوُ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ، فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ، وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ، أَوْ قَضَى خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدي لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ الْوَفَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا،
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ، وَالضَّمِينُ كَالرَّهْنِ، فَلَوْ عَيَّنَهُمَا وَجَاءَ بِغَيْرِهِمَا لَمْ يَلْزَمِ الْبَائِعَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ خَيْرًا مِنَ الْمَشْرُوطِ وَحِينَئِذٍ يُخَيَّرُ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ إِمْضَائِهِ بِلَا رَهْنٍ وَلَا كَفِيلٍ، وَهَلْ لَهُ الْأَرْشُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْعُيُوبِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، أَوْ لَا أَرْشَ إِلْحَاقًا لَهُ بِالتَّدْلِيسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَكْثَرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
[لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا]
(وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا نَحْوُ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ) كُلُّ قَرْضٍ شُرِطَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ، أَوِ الصِّفَةِ مِثْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً فَيُعْطِيَهُ صِحَاحًا، أَوْ نَقْدًا لِيُعْطِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " إِذَا قَضَاهُ صِحَاحًا عَنْ مُكَسَّرَةٍ أَقَلَّ لِعِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرَطَ أَنْ يُوَفِّيَهُ أَنْقَصَ مِنْهُ لَمْ يَجُزِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا لِإِفْضَائِهِ إِلَى فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَفِي فَسَادِ الْقَرْضِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا إِذَا شَرَطَ الْقَضَاءَ (فِي بَلَدٍ آخَرَ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا فِي الْجُمْلَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لِلْوَصِيِّ قَرْضُ مَالِ الْيَتِيمِ فِي بَلَدٍ لِيُوَفِّيَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ لِيَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مَؤُنَةٌ، وَإِلَّا حَرُمَ (وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِي قَدْرٍ، وَلَا صِفَةٍ بَلْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا فَجَازَ كَشَرْطِ الرَّهْنِ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ (وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ) ، وَلَا مُوَاطَأَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (أَوْ قَضَى خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدي لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ الْوَفَاءِ جَازَ) عَلَى الْأَصَحِّ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ، فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ، وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا فَطَالَبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَة إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِثْلَ قَرْضِهِ، وَلَا يَأْخُذُ فَضْلًا لِئَلَّا يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً وَحَرَّمَ الْحُلْوَانِيُّ أَخْذَ أَجْوَدَ مَعَ الْعَادَةِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهِ لَا " بِأَهْدَى " لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِهِ " بِأَهْدَى " أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ لَوْ أَسْكَنَ الْمُقْرِضَ دَارَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَازَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَفَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ (وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ لَمْ يَجُزْ) عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا، وَلَا يَقْبَلْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، وَفِيهِمَا كَلَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ جَهَالَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ مَا لَمْ يَشْرُطْهُ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ أَنَّ الْمُقْرِضَ لَا يُمْنَعُ مِنْ جَوَازِ هَدِيَّةِ الْمُقْتَرِضِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةً حَرُمَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ احْتِسَابَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ مُكَافَأَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ اسْتَضَافَهُ حَسَبَ لَهُ مَا أَكَلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُتَوَجَّهُ: لَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي الدَّعَوَاتِ كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: عِلْمُهُ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَزِيدُهُ شَيْئًا كَشَرْطِهِ.
وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، فَلَوْ وَجَدَ مَا سَبَقَ حَالَةَ الْوَفَاءِ، فَإِنْ كَانَ النَّفْعُ صِفَةً فِي الْوَفَاءِ بِأَنْ قَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فِي الْقَضَاءِ بِأَنْ يُقْرِضَهُ دِرْهَمًا فَيُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ رِبًا، وَصَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْكَافِي " بِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ جَائِزٌ لِلْخَبَرِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي الزِّيَادَةِ تَقْيِيدَ رِوَايَتَيْنِ
آخَرَ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيْرَهَا لَمْ تَلْزَمْهُ، فَإِنْ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا فَطَالَبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ لَزِمَتْهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ قَضَاءَ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِبَلَدِ الْقَرْضِ؛ وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَخْتَلِفُ، فَانْتَفَى الضَّرَرُ (وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيْرَهَا) كَالْحِنْطَةِ، وَالْفُلُوسِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ إِلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مَؤُونَةٌ، فَإِنْ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْمِثْلِ تَعَيَّنَتِ الْقِيمَةُ، وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقْرَضَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ بِبَلَدِ الْقَبْضِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا النَّاقِصَةُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا اقْتَرَضَ بِبَلَدٍ فَطُلِبَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ بَدَلُهُ إِلَّا مَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَقِيمَتُهُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ أَنْقَصُ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ إِذَنْ فِيهِ فَقَطْ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِذَا كَانَ لِحَمْلِهِ مَؤُنَةٌ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِ قَرْضِهِ هُنَاكَ إِذَا بُذِلَ لَهُ إِلَّا فِيمَا لَا مَؤُنَةَ لِحَمْلِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَعَ أَمْنِ الْبَلَدِ وَالطَّرِيقِ وَبَدَلُ الْمَغْصُوبِ التَّالِفِ كَذَلِكَ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا أَقْرَضَ غَرِيمَهُ الْمُعْسِرَ، أَوِ الْمُفْلِسَ أَلْفًا لِيُوَفِّيَهُ مِنْهُ وَمِنْ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ كُلَّ وَقْتٍ شَيْئًا جَازَ.
نَقَلَهُ مُهَنَّا.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ يُكْرَهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَقْرَضَ أَكَّارَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ بَقَرًا يَعْمَلُ بِهَا فِي أَرْضِهِ وَبَذْرًا يَبْذُرُهُ فِيهَا، وَقَالَ أَقْرِضْنِي أَلْفًا وَادْفَعْ إِلَيَّ أَرْضَكَ أزرعها بالثلث بِلَا شَرْطٍ حَرُمَ، وَجَوَّزَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَكَرِهَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَلَوْ أَمَرَهُ بِبَذْرِهِ، وَأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُعْتَادِ فَفَاسِدٌ لَهُ قِيمَةُ الْمِثْلِ، وَلَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَقْرَضَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ بُرٌّ مَا يَشْتَرِيهِ بِهِ يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ فَكَرِهَهُ سُفْيَانُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَفِي " الْمُغْنِي " يَجُوزُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ: اقْتَرِضْ لِي مِائَةً وَلَكَ عَشَرَةٌ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ
بَابُ الرَّهْنِ وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ
[المبدع في شرح المقنع]
جَاهِهِ فَلَوْ قَالَ: اضْمَنْهَا عَنِّي وَلَكَ عَشَرَةٌ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ فَيَكُونُ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً وَمنه الْأَزَجِيُّ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا اقْتَرَضَ مِنْهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِهَا شَيْئًا فَخَرَجَتْ زُيُوفًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَلَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِبَدَلِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُهُ فَعَيْبُهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بَدَلَ مَا أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ بِصِفَتِهِ زُيُوفًا.
قَالَهُ أَحْمَدُ، وَحَمَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ عَيْبَهَا.
أَمَّا إِذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ قَبَضَ هَذِهِ بَدَلًا عَنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ لَهُ دَرَاهِمُ خَالِيَةٌ مِنَ الْعَيْبِ وَتُرَدَّ هَذِهِ عَلَيْهِ وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا عَلَى الْبَائِعِ وَفَاءً عَنِ الْقَرْضِ وَيَبْقَى الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ أَقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْقَرْضُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَرِضِ شَيْءٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
[بَابُ الرَّهْنِ]
[تَعْرِيفُ الرهن وَحُكْمُهُ]
بَابُ الرَّهْنِ
هُوَ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ، وَالدَّوَامُ يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ أَيْ: رَاكِدٌ، وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ: دَائِمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] أَيْ: مَحْبُوسَةٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ: لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ ثَابِتٌ فِي مَكَانٍ لَا يُزَايِلُهُ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا لِوَجْدِهِ بِهَا بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ فَيَحْبِسُهُ عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ، وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إِيَّاهُ لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ (وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ مِنَ الْمَدِينِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فِي الشَّرْعِ: جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
الْحَقِّ وَبَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي الزَّرْكَشِيِّ تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ، أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى قَوْلٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَيَجُوزُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ وَرُدَّ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَذِكْرُ السَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا، وَهُوَ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ ذِكْرِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَيَصِحُّ تَبَرُّعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعٌ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: لِوَلِيٍّ رَهْنُهُ عِنْدَ أَمِينٍ لِمَصْلَحَةٍ كَحَلِّ دَيْنٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ بِدُونِ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَجِنْسِهِ وَمِلْكِهِ، وَلَوْ مَنَافِعُهُ بِإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ بِإِذْنِ مُؤَجَّرٍ وَمُعِيرٍ (لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ) أَيْ: بَعْدَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ كَالضَّمَانِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ (جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لَهُ وَحْدَهُ فَكَانَ لَهُ فَسْخُهُ كَالْمَضْمُونِ لَهُ (يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ) بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ إِلَى شَهْرٍ تُرْهِنُنِي بِهَا عَبْدَكَ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ وَرَهَنْتُكَ عَبْدِي؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى جَوَازِهِ إِذَنْ (وَبَعْدَهُ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ كَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا عَنِ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْمُدَايَنَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ (وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ أَيْضًا تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَلَا يَسْبِقُهُ كَالثَّمَنِ لَا يَتَقَدَّمُ الْمَبِيعَ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ.
قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ فَجَازَ قَبْلَهُ كَالضَّمَانِ، أَوْ فَجَازَ عَلَى حَقٍّ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَضَمَانِ الدَّرَكِ وَرُدَّ بِالْمَنْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالْفَرْقُ: أَنَّ الضَّمَانَ إِلْزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بالقول، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ كَالنَّذْرِ وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ: رَهَنْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ تُقْرِضْنِيهَا فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ إِيَّاهَا فَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى قَوْلِهِ.
بَيْعُهَا إِلَّا الْمُكَاتَبَ إِذَا قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ، لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُهَا لِتَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ بِكُلِّ دَيْنٍ وَاجِبٍ، أَوْ مَآلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى عَلَى عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَنَفْعِ إِجَارَةٍ فِي الذِّمَّةِ لَا عَلَى دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ لَا مَا بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: وَجُعِلَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَجْهَانِ كَدَيْنِ كِتَابَةٍ، وَلَا يَصِحُّ بِعُهْدَةِ مَبِيعٍ وعوض غير ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، كَثَمَنٍ مُعَيَّنٍ وَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي إِجَارَةٍ، وَإِجَارَةِ مَنَافِعَ مُعَيَّنَةٍ كَدَارٍ وَنَحْوِهَا.
[صِحَّةُ رَهْنِ كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا]
(وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الرَّاهِنِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيَشْمَلُ ذَلِكَ صُوَرًا وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ رَهْنُ الْمَنَافِعِ (إِلَّا الْمُكَاتَبَ إِذَا قُلْنَا اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ) ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فِي حَقِّهِ لِمُنَافَاتِهَا مُقْتَضَى الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ شَرْطُ مَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ وَيُمَكَّنُ مِنَ الْكَسْبِ، وَمَا يُؤَدِّيهِ مِنَ النُّجُومِ رَهْنًا مَعَهُ، وَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَفِي إِكْسَابِهِ، وَإِنْ عَتَقَ بَقِيَ مَا أَدَّاهُ رَهْنًا كَمَنْ مَاتَ بَعْدَ كَسْبِهِ.
فَرْعٌ: الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ إِنْ كَانَتْ تُوجَدُ بَعْدَ حَلِّ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ يَحِلُّ قَبْلَهَا، صَحَّ لِإِمْكَانِ بَيْعِهِ، وَإِنِ احْتَمَلَ الْأَمْرَانِ كَقُدُومِ زَيْدٍ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ كَالْمَرِيضِ، وَالْمُدَبَّرِ.
(وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ) كَالْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ) لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ، أَوْ يَصِحُّ بِالْحَالِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ التَّأْجِيلَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ صِحَّةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تُوُهِّمَ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْمَرْهُونِ إِلَى