المبدع في شرح المقنعصفحات 420-33

الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا إِلَى الزَّوْجَةِ، وَلَا لِبَنِي هَاشِمٍ، وَلَا مَوَالِيهِمْ، وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَوَصَايَا

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ الْمَجْدُ: وَمِثْلُهُ إِذَا كَاتَبَ بَعْضَ عَبْدِهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، أُخِذَ بِقَدْرِهِ بِنِسْبَتِهِ مِنْ خَمْسِينَ أَوْ مِنْ كِفَايَتِهِ عَلَى الْخِلَافِ، (وَلَا فَقِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ) لِغِنَاهَا بِذِمَّتِهَا عَلَيْهِ، وَلِوَلَدٍ صَغِيرٍ فَقِيرٍ أَبُوهُ مُوسِرٌ، بَلْ أَوْلَى لِلْمُعَاوَضَةِ، وَثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى غَنِيٍّ بِنَفَقَةٍ لَازِمَةٍ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَأَطْلَقَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَيْنِ، وَجَوَّزَهُ فِي " الْكَافِي "؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلنَّفَقَةِ مَشْرُوطٌ بِفَقْرِهِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهَا لَهُ وُجُودُ الْفَقْرِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا تَعَذَّرَتِ النَّفَقَةُ مِنْهُ لِغَيْبَةٍ أَوِ امْتِنَاعٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْأَخْذُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَنْ غُصِبَ مَالُهُ، أَوْ تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ عَقَارِهِ (وَلَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا إِلَى الْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلَ) لِاتِّصَالِ مَنَافِعِ الْمِلْكِ بَيْنَهُمَا عَادَةً، فَيَكُونُ صَارِفًا لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ حَتَّى وَلَدِ الْبِنْتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَ فِي " الشَّرْحِ " مَا يَقْتَضِي اقْتِصَارَهُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْوَاضِحِ " فِي جَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ مَحْجُوبَيْنِ وَجْهَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْطِي عَمُودَيْ نَسَبِهِ لَغُرْمٍ لِنَفْسِهِ، أَوْ كِتَابَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَ جَدُّهُ فِي ابْنِ سَبِيلٍ كَذَلِكَ، وَسَبَقَ كَوْنُهُ عَامِلًا، (وَلَا إِلَى الزَّوْجَةِ) إِجْمَاعًا، لِأَنَّهَا مُسْتَغْنِيَةٌ بِنَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: بَلْ مُطْلَقًا، وَلَا لَبَنِي هَاشِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِقَوْلِهِ: «إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَلَهُ - أَيْضًا - مَرْفُوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» "، وَسَوَاءٌ أُعْطُوا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ أَوْ لَا؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ؛ وَلِأَنَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

مَنْعَهُمْ لِشَرَفِهِمْ؛ وَهُوَ بَاقٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ مُنِعُوا الْخُمُسَ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي يَعْقُوبُ، وَالْآجُرِّيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ يَكُونُوا غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً أَوْ غَارِمِينَ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَسَبَقَ كَوْنُهُ عَامِلًا.
أَصْلٌ: بَنُو هَاشِمٍ مَنْ كَانَ مِنْ سُلَالَتِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ فِي " الرِّعَايَةِ " بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: هُمْ آلُ عَبَّاسٍ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، (وَلَا مَوَالِيهِمْ) جَمْعُ مَوْلًى؛ وَهُوَ مَنْ أَعْتَقَهُ هَاشِمِيٌّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ؛ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي الْإِرْثِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّفَقَةِ، فَغَلَبَ الْحَظْرُ، وَأَوْمَأَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ إِلَى الْجَوَازِ، وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَكَمَوَالِي مَوَالِيهِمْ.
1 - فَرْعٌ: لَا تَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَى أَزْوَاجِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ كَمَوَالِيهِنَّ لِلْأَخْبَارِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ بِسُفْرَةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتْهَا، وَقَالَتْ: إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ.
رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِنَّ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ، وَأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرَدَّهُ الْجَدُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. (وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ

الْفُقَرَاءِ وَالنَّذْرِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى

[المبدع في شرح المقنع]

  • عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وَلِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الِاسْتِحْبَابُ إِجْمَاعًا، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَمْدَانَ.
    قُلْتُ: يُسْتَحَبُّ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِمَا اخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ.
    وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ: لَا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، لِأَنَّ الطَّلَبَ كَانَ لَهَا، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، (وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَالنَّذْرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ الزَّكَاةِ وَالطُّهْرَةِ، وَالْوُجُوبُ فِي الْآدَمِيِّ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ الْمَنْعُ، وَجَزَمَ فِي " الرَّوْضَةِ " بِتَحْرِيمِ النَّفْلِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَوْسَاخُ النَّاسِ، أَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
    1 - تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَنْ حَرُمَ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، جَازَ دَفْعُ التَّطَوُّعِ لَهُ، وَلَهُ أَخْذُهَا حَتَّى كَافِرٍ وَغَنِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمِ التَّطَوُّعُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِبُخْلٍ بِهِ.
    وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي كَاصْطِنَاعِ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.

(وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِ عَمُودَيْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

نَسَبِهِ مِمَّنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، كَالْأُخْتِ أَوِ الْأَخِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ؛ ولِأَنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَمَا لَوْ تَعَذَّرَتِ النَّفَقَةُ، وَحُكْمُ الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ كَذَلِكَ، وَإِذَا قبلَ زَكَاةٌ، دَفَعَهَا إِلَيْهِ قَرِيبُهُ وَلَا نَفَقَةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَطَالَبَ بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ أُجْبِرَ، وَلَا يُجْزِئْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ جَعْلُهَا زَكَاةً.
وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَالْقَاضِي، وَذَكَرَ أَنَّها الْأَشْهَرُ لِغِنَاهُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهَا يَعُودُ إِلَى الدَّافِعِ؛ لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ كَعَبْدِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَرِيبَ إِذَا لَمْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، فَلَوْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كَعَمَّةٍ وَابْنِ أَخِيهَا، وَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ، وَأَخَوَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ، فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ الْخِلَافُ، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ، فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ وَرِثُوا لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ، وَفِي الْإِرْثِ بِالرَّدِّ الْخِلَافُ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُعْطَى قَرِيبُهُ لِعُمَالَةٍ وَتَأْلِيفٍ، وَغَزْوٍ وَغُرْمٍ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَوْ تَبَرَّعَ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ يَتِيمٍ، وَضَمَّهُ إِلَى عِيَالِهِ، جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهُ فِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْإِرْشَادِ ": لَا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ، فَيَكُونُ قَدْ وَقَى بِهَا مَالَهُ وَعِرْضَهُ، وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ الَّتِي عَوَّدَهُ إِيَّاهَا تَبَرُّعًا، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الزَّوْجِ فِي رِوَايَةٍ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " «لِحَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي؟ فَقَالَ: " لَهَا أَجْرَانِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ قِيَاسًا لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إِلَيْهَا لِتَمَكُّنِهَا مِنْ أَخْذِ نَفَقَةِ

مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ..

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُوسِرِينَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ أَصْلِ النَّفَقَةِ مَعَ الْعَجْزِ الْكُلِّيِّ، وَحَدِيثُ زَيْنَبَ تَأَوَّلَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسِيسٍ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ جَمَاعَةٌ شَيْئًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الزَّوْجَيْنِ لَغُرْمٍ لِنَفْسِهِ وَكِتَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْهُ نَفَقَةَ وَاجِبٍ كَعَمُودَيْ نَسَبِهِ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا " الْخِرَقِيُّ "، وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمْ، لِعُمُومِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ، خَرَجَ مِنْهُ بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ؛ وَهُوَ لَا يَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ فَكَذَا هُمْ، وَأَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ، وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا اسْتَحَقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ بَلْ بِالنُّصْرَةِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا، بِدَلِيلِ مَنْعِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ لَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ، وَالثَّانِيَةُ: نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا: الْمَنْعُ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «بَنُو الْمُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، فَمُنِعُوا كَبَنِي هَاشِمٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُنِعُوا مِنَ الْخُمُسِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَأَتَّى الْخِلَافُ هُنَا، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَوَالِيهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا تُعْرَفُ فِيهِ رِوَايَةٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّ حُكْمَهُمْ كَمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِالْمَنْعِ، وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ مَوْلَى قُرَيْشٍ: يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ؛ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ مَوْلَى مَوْلًى؟ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ.
(وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا) كَبَنِي هَاشِمٍ وَالْعَبِيدِ (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَيْ: جَاهِلًا بِحَالِهِ (ثُمَّ عَلِمَ لَمْ يُجْزِئْهُ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " الْفُرُوعِ " فِي

.. .... .... .... ..

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، وَلَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَتِهِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي الْكُفْرِ لِتَقْصِيرِهِ لِظُهُورِهِ غَالِبًا، فَعَلَى ذَلِكَ يُسْتَرَدُّ بِزِيَادَتِهِ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَشَمَلَ مَا لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، قَالَهُ أَصْحَابُنَا، وَأَطْلَقَ فِيهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَفِي مَسْأَلَةِ الْغَنِيِّ رِوَايَتَيْنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: يُجْزِئُهُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ لِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَرَفَهَا وَكِيلُ الْمَالِكِ إِلَيْهِ وَهُوَ فَقِيرٌ، فَلَمْ يَعْلَمَا، لَا تُجْزِئُ لِعَدَمِ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ، (إِلَّا لِغَنِيٍّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا) فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْمَشَقَّةِ، لِخَفَاءِ ذَلِكَ عَادَةً، فَلَا يَمْلِكُهَا الْآخِذُ.
وَالثَّانِيَةُ وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ بَانَ كَافِرًا، وَلِحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْغَنِيِّ بِهَا أَوْ بِقِيمَتِهَا إِنْ تَلِفَتْ يَوْمَ تَلَفِهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا زَكَاةٌ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ مَلَكَ الرُّجُوعَ فَمَاتَ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ إِلَى فَقِيرٍ فَبَانَ غَنِيًّا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الزَّكَاةِ إِبْرَاءُ الذِّمَّةِ، وَلَمْ تَحْصُلْ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ، وَفِي التَّطَوُّعِ الثَّوَابُ، وَلَمْ يَفُتْ.
فَرْعٌ: إِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ أَوِ السَّاعِي الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ ظَنَّهُ أَهْلًا فَبَانَ غَيْرَهُ، فَرِوَايَاتٌ، ثَالِثُهَا: لَا يَضْمَنُ إِذَا بَانَ غَنِيًّا، وَيَضْمَنُ غَيْرُهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَشْهَرُ، وَجَزَمَ الْمَجْدُ: لَا يَضْمَنُ مَعَ الْغِنَى، وَفِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُ الْمُعْطَى، لَكِنْ لِلْإِمَامِ قَضَاءُ دَيْنِ مَدْيُونٍ حَيٍّ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهَا سَوَاءٌ، وَالصَّغِيرُ كَالْكَبِيرِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَكَلَ الطَّعَامَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُصْرَفُ ذَلِكَ فِي أُجْرَةِ رِضَاعِهِ وَكُسْوَتِهِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُ مَنْ يَلِي مَالَهُ، وَكَذَا الْهِبَةُ وَالْكَفَّارَةُ.
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا يَقْبِضُ لِلصَّبِيِّ إِلَّا الْأَبُ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ قَاضٍ، قَالَ أَحْمَدُ: جَيِّدٌ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ أَوْ قَرِيبٍ، وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ عَنِ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.

فَصْلٌ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ أَفْضَلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَوْقَاتِ الْحَاجَةِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.
وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

[صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ]

فَصْلٌ (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ) فِي كُلِّ وَقْتٍ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا، وَحَثَّ عَلَيْهَا، وَرَغَّبَ فِيهَا فَقَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كسب طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا طِيِّبٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَفْضَلُهَا أَنْ تَكُونَ سِرًّا بِطِيبِ نَفْسٍ فِي الصِّحَّةِ، لِلْأَخْبَارِ؛ (وَهِيَ أَفْضَلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: صَدَقَةُ رَمَضَانَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَغَرَّبَهُ، وَلِمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ، وَفِيهِ إِعَانَةٌ عَلَى أَدَاءِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ، وَكَذَا كُلُّ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ فَاضِلٍ كَالْعَشْرِ، وَالْحَرَمَيْنِ، (وَأَوْقَاتِ الْحَاجَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 14] الْآيَةَ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا جَائِعًا أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَيَبْدَأُ بِمَنْ هُوَ أَشَدُّ حَاجَةً، وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَاوَتِهِ؛ لِقَوْلِهِ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْجَارُ مِثْلُهُ؛ وَهِيَ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ مِنَ الْعِتْقِ.
نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَالْعِتْقُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَجَانِبِ إِلَّا زَمَنَ الْغَلَاءِ وَالْحَاجَةِ، نَقَلَهُ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ حَجُّ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ مَعَ الْحَاجَةِ أَمْ مَعَهَا عَلَى

وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتَهُ أَثِمَ، وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ، وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْقَرِيبِ أَمْ عَلَى القَرِيبِ مُطْلَقًا؟ فِيهِ رِوَايَاتٌ أَرْبَعٌ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُ أَحْمَدَ.
1 - (وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَحَاجَةِ عِيَالِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّفْسَ تَطِيبُ بِهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَطْلَقَ الْمُؤَلَّفُ الْكِفَايَةَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ دَائِمًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ بِمَتْجَرٍ أَوْ غَلَّةِ مِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ صَنْعَةٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْأَخِيرَيْنِ، (وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتَهُ أَثِمَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَإِثْمُهُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكَذَا إِنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَرِيمِهِ أَوْ بِكَفَالَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّ، فَالْأَصْلُ الِاسْتِحْبَابُ، وَجَزَمَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ قَبْلَ الْوَفَاءِ وَالْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ.
1 - (وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ) وَكَانَ مُنْفَرِدًا (وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ) وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الثِّقَةِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَالْيَأْسِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، (وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ ذَلِكَ) وَحَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ» فَقَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَكَانَ هَذَا فضيلة فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ لِقُوَّةِ

ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أَنْ يُنْقِصَ نَفْسَهُ عَنِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ.

[المبدع في شرح المقنع]

يَقِينِهِ، وَكَمَالِ إِيمَانِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ، وَعَنْ عُمَرَ: رَدُّ جَمِيعِ صَدَقَتِهِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ: فِي النِّصْفِ (وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ، وَلَهُمْ كِفَايَةٌ، أَوْ يَكْفِيهِمْ بِكَسْبِهِ، جَازَ لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ، (وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ) وَلَا عَادَةَ لَهُ بِهِ (أَنْ يُنْقِصَ نَفْسَهُ عَنِ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقْتِيرَ وَالتَّضْيِيقَ مَعَ الْقُدْرَةِ شُحٌّ وَبُخْلٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَتَعَوَّذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ، وَفِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْتَرِضُ وَلَا يَتَصَدَّقُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي فَقِيرٍ لِقَرِيبِهِ وَلِيمَةٌ، يَسْتَقْرِضُ وَيُهْدِي لَهُ؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ إِذَا ظَنَّ وَفَاءً.
مَسْأَلَةٌ: يَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا؛ وَهُوَ كَبِيرَةٌ.
نَصُّ أَحْمَدَ فِيهَا، وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِذَلِكَ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافٌ، وَفِيه بُطْلَانِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِحْبَاطَ لِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ، وَإِذَا أَخْرَجَ شَيْئًا يَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ وُكِّلَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمْضِيَهُ وَلَا يَجِبُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ حَبِيسٌ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخْرَجَ طَعَامًا لِسَائِلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ، عَزَلَهُ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَمَنْ سَأَلَ فَأُعْطِيَ فَسَخِطَهُ، لَمْ يُعْطَ لِغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ.

كِتَابُ الصِّيَامِ يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ الصَّحْوِ أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الصِّيَامِ]

[تَعْرِيفُ الصوم وَحُكْمُهُ]

ِ. هُوَ وَالصَّوْمُ مَصْدَرَا صَامَ.
وَفِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ وَمِنْهُ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا لِإِمْسَاكِهَا عَنِ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُقَالُ: صَامَتِ الرِّيحُ: إِذَا أَمْسَكَتْ عَنِ الْهُبُوبِ.
وَفِي الشَّرْعِ: إِمْسَاكٌ جَمِيعَ النَّهَارِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ مِنْ إِنْسَانٍ مَخْصُوصٍ مَعَ النِّيَّةِ.
(يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» فَذَكَرَ مِنْهَا صَوْمَ رَمَضَانَ.
وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَصَامَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تِسْعًا، وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا صُرِّحَ بِهِ تَبَعًا لِلنَّصِّ، وَلَا يُكْرَهُ بِإِسْقَاطِ شَهْرٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِلَّا مَعَ قَرْنِهِ الشَّهْرَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا يُكْرَهُ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": لَا يَجُوزُ، لِخَبَرٍ،

ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامُوا وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَجَبَ صِيَامُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ لَا يَجِبُ وَعَنْهُ: النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ، فَإِنْ صَامَ صَامُوا

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَدْ ضُعِّفَ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ مَوْضُوعٌ.
وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمْضِهِ، وَالرَّمْضَاءُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ، فَوَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَحْرِقُ الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى، كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، وَقِيلَ: فِيهَا مَعَانٍ أَيْضًا (بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» (فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ الصَّحْوِ أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَصَلَّوُا التَّرَاوِيحَ كَمَا لَوْ رَأَوْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ تَرَاءِي الْهِلَالِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَحِذَارًا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَفَّظُ فِي شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
(وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ) أَيْ مَطْلَعِهِ (غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَجَبَ صِيَامُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، وَنُصُوصُ أَحْمَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ , وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ التَّابِعِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى فَاقْدُرُوا لَهُ: أَيْ ضَيِّقُوا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] أَيْ ضُيِّقَ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اقْدُرُوا زَمَانًا يطلع فِي مِثْلِهِ الْهِلَالُ، وَهَذَا الزَّمَانُ يَصِحُّ وُجُودُهُ فِيهِ، أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: فَاعْلَمُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَنَّهُ تَحْتَ الْغَيْمِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: 57] أَيْ: عَلِمْنَاهَا.
مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: إِنَّ الشَّهْرَ أَصْلُهُ تِسْعٌ، وَعِشْرُونَ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ، وَعِشْرُونَ يَوْمًا بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ فَإِنْ رَآهُ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ، وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ، أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، كَمَا رُجِعَ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ خِيَارِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُتَبَايِعَيْنِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ: «لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ» ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ، وَيَجِبُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَعَلَى هَذَا يَصُومُهُ حُكْمًا ظَنِّيًّا بِوُجُوبِهِ احْتِيَاطًا، وَيُجْزِئُهُ إِذَا بَانَ مِنْهُ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِيهَا لَا يُجْزَمُ بِهَا؛ فَقَالَ لَا يَمْنَعُ التَّرَدُّدُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ كَالْأَسِيرِ، وَصَلَاةِ مَنْ خَمَّسَ.
وَفِي الِانْتِصَارِ يُجْزِئُهُ إِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ نِيَّةَ التَّعْيِينِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُصَلَّى التَّرَاوِيحُ لَيْلَتِئِذٍ، وَاخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّونَ اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ عَكْسَهُ قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ الْقِيَامُ قَبْلَ الصِّيَامِ، وَعَنْهُ: يَنْوِيهِ حُكْمًا جَازِمًا بِوُجُوبِهِ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَعَلَيْهِ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ إِذَنْ، وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ الْآجَالِ، وَوُقُوعِ الْمُعَلَّقَاتِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا يَثْبُتُ كَمَا يَثْبُتُ الصَّوْمُ، وَتَوَابِعُهُ مِنَ النِّيَّةِ، وَتَعْيِينِهَا وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ فِيهِ، وَنَحْوُهُ ذَلِكَ.
(وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ) صَوْمُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ، أَوْ إِكْمَالِ شَعْبَانَ، اخْتَارَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْهُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّهْرِ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ) وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى لِإِمَامَتِهِ، وَاشْتِهَارِ ثِقَتِهِ، وَعَدَالَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ذِكْرُ شَعْبَانَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَلَيْسَ هُوَ بِيَوْمِ شَكٍّ كَمَا يَأْتِي.
(وَعَنْهُ: النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فَإِنْ صَامَ صَامُوا) وَإِنْ فطَرَ أَفْطَرُوا وُجُوبًا، وَهُوَ قَوْلُ

وَإِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ

وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ وَاجِبٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ السُّلْطَانُ فِي هَذَا أَحْوَطُ، وَأَنْظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَشَدُّ تَفَقُّدًا، وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَيَتَحَرَّى فِي كَثْرَةِ كَمَالِ الشُّهُورِ قَبْلَهُ وَنَقْصِهَا، وَاخْتَارَهُ بِمَنْ لَا يُكْتَفي بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَعْمَلُ بِعَادَةٍ غَالِبَةٍ لِمُضِيِّ شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ وَالثَّالِثُ نَاقِصٌ، وَهُوَ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَعَنْهُ: صَوْمُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَةَ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقِيلَ يُكْرَهُ، وَقِيلَ يَحْرُمُ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ وَجَبَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِالرُّؤْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهَا.
فَرْعٌ: إِذَا نَوَاهُ احْتِيَاطًا بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ فَبَانَ، مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ بَلَى، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، وَلَوِ اعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّعْيِينِ.
وَلَا يُحْكَمُ بِطُلُوعِ الْهِلَالِ بِنُجُومٍ أَوْ حِسَابٍ، وَلَوْ كَثُرَتْ إِصَابَتُهُمَا.
(وَإِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ نَهَارًا، فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا، أَوْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ وَلَا يُبَاحُ بِهِ فِطْرٌ، وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا مُمْكِنَةٌ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ يَقِلُّ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أَوْ يَكُونُ قَوِيَّ النَّظَرِ، وَعَنْهُ: بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْمُقْبِلَةِ، وَقَبْلَهُ لِلْمَاضِيَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِلْقُرْبِ مِنْ كُلِّ، وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَعَنْهُ: بَعْدَ الزَّوَالِ آخِرُ الشَّهْرِ لِلْمُقْبِلَةِ احْتِيَاطًا، وَعَنْهُ: آخِرُ الشَّهْرِ لِلْمُقْبِلَةِ مُطْلَقًا.
فَائِدَةٌ: يُقَالُ من الصباح إِلَى الزَّوَالِ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ، وَبَعْدَهُ يُقَالُ: رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ.
قَالَهُ ثَعْلَبٌ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ، وَمَنْعُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لَا وَجْهَ لَهُ.

أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ

وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ، وَلَا يُقْبَلُ

[المبدع في شرح المقنع]

[إِذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ]

(وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ) لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا الصَّوْمُ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قُرْبِ الْمَكَانِ أَوْ بُعْدِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْمَطَالِعُ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ، وَاخْتَارَ فِي " الرِّعَايَةِ " الْبُعْدُ مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ، «وَعَنْ كُرَيْبٍ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى يُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ.
فَقُلْتُ أَلَا يُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؛ فَقَالَ لَا.
هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بِقَوْلِ كُرَيْبٍ وَخَبَرِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِطْرِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا صِيمَ بِشَهَادَتِهِ لِيَكُونَ فِطْرُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْمِهِمْ بِشَهَادَتِهِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لَوْ سَافَرَ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَبَعُدَ وَتَمَّ شَهْرُهُ وَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ، صَامَ مَعَهُمْ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يُفْطِرُ خِفْيَةً، قَالَهُ الْمَجْدُ.
وَإِنْ شَهِدَ بِهِ، وَقبلَ قَوْلُهُ، أَفْطَرُوا مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ سَافَرَ إِلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَبَعْدُ، أَفْطَرَ مَعَهُمْ، وَقَضَى يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُفْطِرْ عَلَى الثَّانِي.

[يَثْبُتُ هِلَالُ رَمَضَانَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ]

(وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلِقَبُولِهِ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، وَهُوَ أَحْوَطُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ، وَلِاخْتِلَافِ

فِي سَائِرِ الشُّهُورِ إِلَّا عَدْلَانِ، وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ، أَفْطَرُوا، وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ

[المبدع في شرح المقنع]

حَالِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ، وَلَا بَيْنَ الْمِصْرِ وَخَارِجِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ جَاءَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ أَوْ رَآهُ فِيهِ لَا فِي جَمَاعَةٍ قُبِلَ وَاحِدٌ.
وَشَذَّ فِي " الرِّعَايَةِ " فَقَالَ: وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ حَتَّى مَعَ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ.
وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ عَدْلَانِ كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ هُوَ خَبَرٌ، فَتُقْبَلُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِحَاكِمٍ، فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ.
زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ قَوْلَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: بَلَى، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ.
وَفِي الْمَسْتُورِ وَالْمُمَيِّزِ الْخِلَافُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يُقْبَلُ صَبِيٌّ، وَإِذَا ثَبَتَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، ثَبَتَتْ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ.
(وَلَا يُقْبَلُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ إِلَّا عَدْلَانِ) حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ إِجْمَاعًا، أَيْ: رَجُلَانِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الْإِفْطَارِ إِلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ» ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَلَا احْتِيَاطَ فِيهِ، أَشْبَهَ الْحُدُودَ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ فِيهِ وَاحِدٌ كَأَبِي ثَوْرٍ، وَكَأَوَّلِهِ، وَقَيَّدَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " بِوَضْعٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ وَظَاهِرُهُ لَا يُقْبَلُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلَا النِّسَاءُ الْمُفْرَدَاتُ، لِأَنَّهُ مَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّوَاتُرُ فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ الْغَيْمِ (وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ أَفْطَرُوا) وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقِيلَ: لَا مَعَ صَحْوٍ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، لِأَنَّ عَدَمَ الْهِلَالِ يَقِينٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الظَّنِّ وَهِيَ الشَّهَادَةُ، (وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَقِيلَ: هُمَا رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يُفْطِرُ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّهُ فِطْرٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى وَاحِدٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِشَوَّالٍ، وَالثَّانِي وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ لِثُبُوتِهِ تَبَعًا، كَالنَّسَبِ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَيَثْبُتُ بِهَا الْوِلَادَةُ، وَقِيلَ: لَا فِطْرَ مَعَ الْغَيْمِ، (وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ الْغَيْمِ، لَمْ يُفْطِرُوا) وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا

الْغَيْمِ لَمْ يُفْطِرُوا وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

كَانَ احْتِيَاطًا، فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ - وَهُوَ بَقَاءُ رَمَضَانَ - أَوْلَى، وَقِيلَ: بَلَى، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ صَامُوا جَزْمًا مَعَ الْغَيْمِ، أَفْطَرُوا، وَإِلَّا فَلَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ غُمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، فَقَدْ يَصُومُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا حَيْثُ نَقَصْنَا رَجَبًا وَشَعْبَانَ وَكَانَا كَامِلَيْنِ، وَكَذَا الزِّيَادَةُ إِنْ غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَأَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَكَانَا نَاقِصَيْنِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
فَرْعٌ إِذَا صَامُوا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ قَضَوْا يَوْمًا فَقَطْ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِبُعْدِ الْغَلَطِ بِيَوْمَيْنِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِمَانِعٍ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ) وَحُكْمُهُ لِلْعُمُومِ، وَكَعِلْمِ فَاسِقٍ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ، أَوْ دَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ كَمَا تَلْزَمُ الْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ الرَّمَضَانِيَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، أَشْبَهَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ، وَكَذَا قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ يُفْطِرُ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ صِيَامِ النَّاسِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا وُقُوعُ طَلَاقِهِ، وَحَلُّ دَيْنِهِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِهِ (وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ لَمْ يُفْطِرْ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَقَالَهُ عُمَرُ وَعَائِشَةُ، وَلِاحْتِمَالِ خَطَئِهِ وَتُهْمَتِهِ فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ، وَكَمَا لَا يُعْرَفُ، وَلَا يُضَحِّي وَحْدَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ: وَالنِّزَاعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْهِلَالَ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يطلع فِي السَّمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ، وَلَمْ يَظْهَرْ أَوْ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هِلَالًا إِلَّا بِالظُّهُورِ، وَالِاشْتِهَارِ، فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ أَبُو حَكِيمٍ يَتَخَرَّجُ أَنْ يُفْطِرَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ أَنْ يُفْطِرَ سِرًّا، لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُهُ يَوْمَ الْعِيدِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا رَآهُ عَدْلَانِ، وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ شَهِدَ أَفْرَدَهُمَا لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا لَمْ

رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ، تَحَرَّى وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ.

وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا صَبِيٍّ، لَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ

إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ

[المبدع في شرح المقنع]

يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا، وَلَا لِمَنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ رَدَّهُمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْجَوَازُ، لِقَوْلِهِ: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ) وَالْمَطْمُورِ وَمَنْ بِمَغَارَةٍ، وَنَحْوِهِمْ (تَحَرَّى) وَهُوَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (وَصَامَ فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ) كَالصَّلَاةِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ الْحَالُ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ فَلَوْ وَافَقَ رَمَضَانَ السَّنَةَ الْقَابِلَةَ، فَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنِ اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ التَّعْيِينِ، وَإِلَّا وَقَعَ عَنِ الثَّانِي، وَقَضَى الْأَوَّلَ.
وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَا صَامَهُ بِقَدْرِ أَيَّامِ شَهْرِهِ الَّذِي فَاتَهُ، سَوَاءٌ وَافَقَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ أَوْ لَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " أَنَّهُ مَتَى وَافَقَ شَهْرًا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا وَرَمَضَانُ تَامًّا.
قَالَهُ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَأَوْرَدَهُ الْمَجْدُ مَذْهَبًا كَالنَّذْرِ، وَفَرَّقَ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ النَّذْرَ مُطْلَقٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ وَالْقَضَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعُذْرِ الْمَتْرُوكِ (وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَالصَّلَاةِ، فَلَوْ وَافَقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ، فَمَا وَافَقَهُ أَوْ بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ عَلِمَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ كَالصَّلَاةِ، إِذَا فَاتَتْهُ، نَقَلَهُ مُهَنَّا.
وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ.

[مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ]

(وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ) إِجْمَاعًا (وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْإِسْلَامُ كَالصَّلَاةِ (وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا صَبِيٍّ) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا، وَرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا (لَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ) كَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُ، أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ ذَلِكَ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَنْهُ:

فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَزِمتهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ،

[المبدع في شرح المقنع]

يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا أَطَاقَهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُمَيِّزُ، وَحَدَّ ابْنُ أَبِي مُوسَى طَاقَتَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا أَطَاقَ الْغُلَامُ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ رَمَضَانَ» رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، أَشْبَهَتِ الصَّلَاةَ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ مَنْ بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ وَأَطَاقَهُ، قَالَ الْخِرَقِيُّ: يُؤْخَذُ بِهِ إِذَنْ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ عِنْدِي رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحَمَلَ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَكَالْحَجِّ، وَحَدِيثُهُمْ مُرْسَلٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَسَمَّاهُ وَاجِبًا تَأْكِيدًا، وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْقُدْرَةِ مِنْ شُرُوطِهِ، فَلِأَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ لِلنَّصِّ.

[إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَزِمَهُمُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ]

(وَإِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَزِمَهُمُ الْإِمْسَاكُ) لِتَعَذُّرِ إِمْسَاكِ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ تَعَمَّدُوا الْأَكْلَ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْهُ، (وَالْقَضَاءُ) فَلِثُبُوتِهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِصَوْمٍ صَحِيحٍ فَلَزِمَهُمْ قَضَاؤُهُ لِلنَّصِّ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةَ: لَا يَلْزَمُ الْإِمْسَاكُ كَالْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ، وَغَلِطَ الْمُؤَلِّفُ بِأَقَلِّهَا وَخَرَجَ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَقَدْ طَلَعَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُمْسِكُ وَلَا يَقْضِي، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالرُّؤْيَةِ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ فَكَذَلِكَ) أَيْ: إِذَا صَارَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْهُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ، لَزِمَهُ إِمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَضَاؤُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِإِمْسَاكِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَلِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ بِالرُّؤْيَةِ، وَلِإِدْرَاكِهِ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ كَالصَّلَاةِ، (وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ) أَيْ: لَا إِمْسَاكٌ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُمْ فِطْرُ أَوَّلِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا،

فَكَذَلِكَ، وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ

وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ صَائِمًا، أَتَمَّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءٌ أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ.
وَفِي الْإِمْسَاكِ رِوَايَتَانِ

وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ

[المبدع في شرح المقنع]

فَكَانَ لَهُمُ الِاسْتِدَامَةُ كَمَا لَوْ دَامَ الْعُذْرُ وَلَا قَضَاءٌ لِعَدَمِ إِدْرَاكِهِمْ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْعِبَادَةَ، أَشْبَهُ مَا لَوْ زَالَ عُذْرُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ، عَصَى بِالْفِطْرِ، وَأَمْسَكَ وَقَضَى كَالْبَالِغِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الشَّهْرِ مَا عَدَا الْيَوْمَ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ قَضَاءُ مَا مَضَى

[بَلَغَ الصَّبِيُّ صَائِمًا]

(وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ) بِالسِّنِّ أَوِ الِاحْتِلَامِ (صَائِمًا) بِأَنْ نَوَاهُ مِنَ اللَّيْلِ (أَتَمَّ) صَوْمَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ نَوَاهُ مِنَ اللَّيْلِ فَأَجْزَأَهُ كَالْبَالِغِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ نَفْلًا، وَبَاقِيهِ فَرْضًا كَنَذْرِهِ إِتْمَامَ النَّفْلِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " (عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) أَيْ: قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ، وَهُوَ فِي نَفْلٍ مُعْتَادٍ، وَكَبُلُوغِهِ فِي صَلَاةٍ أَوْ حَجٍّ، وَلِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهُ نَفْلٌ، فَلَمْ يُجْزِ عَنِ الْفَرْضِ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدِمِ فُلَانٍ، فَقَدِمَ، وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ مُفْطِرًا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجِبْ، فَلَا قَضَاءَ هُنَا وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ) أَوْ أَقَامَ (مُفْطِرًا فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ) إِجْمَاعًا، وَكَمَرِيضٍ إِذَا صَحَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مُفْطِرًا (وَفِي الْإِمْسَاكِ رِوَايَتَانِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا جَمَاعَةٌ وَالْأَصَحُّ لُزُومُهُ، وَكَمُقِيمٍ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ سَافَرَ، أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ لَا.
نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَحَنْبَلٌ، وَيُعَايَا بِهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا إِمْسَاكَ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ أَوَّلَ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَتَوَجَّهُ: لَا إِمْسَاكَ مَعَ حَيْضٍ وَمَعَ السَّفَرِ الْخِلَافُ.
وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْإِمْسَاكُ، فَقَدِمَ مُسَافِرٌ مُفْطِرًا فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَلَوْ عَلِمَ مُسَافِرٌ أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا، لَزِمَهُ الصَّوْمُ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَعَلِمَ قُدُومَهُ فِي غَدٍ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِي غَدٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا بَرِئَ مَرِيضٌ، أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ، أَوْ أَقَامَ صَائِمًا، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَأَجْزَأَ كَمُقِيمٍ صَائِمٍ مَرِضَ ثُمَّ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى عُوفِيَ، وَلَوْ وَطِئَا فِيهِ كَفَّرَا، نَصَّ عَلَيْهِ كَمُقِيمٍ وَطِئَ ثُمَّ سَافَرَ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".

[صَوْمُ الْكَبِيرِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ]

(وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ) وَهُوَ الْهَمُّ وَالْهِمَّةُ (أَوْ مَرَضٌ

أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ وَالْمُسَافِرُ اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ، وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا فِي

[المبدع في شرح المقنع]

لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ) أَيْ: لَهُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا (وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 184] لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ يُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِطْعَامِ: مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ كَانَ الْكَبِيرُ مُسَافِرًا وَمَرِيضًا فَأَفْطَرَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَلَا قَضَاءَ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، وَيُعَايَا بِهَا، وَإِنْ أَطْعَمَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَكَمَعْضُوبٍ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ عُوفِيَ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ.
(وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ وَالْمُسَافِرُ) وَهُوَ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ (اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] أَيْ: فَأَفْطَرَ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلِأَنَّ فِيهِ قَبُولَ الرُّخْصَةِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالْأَخَفِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا خُيِّرْتُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَرْتُ أَيْسَرَهُمَا» وَيُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَخَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ بُطْءَ بُرْئِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي وَجَعِ رَأْسٍ وَحُمَّى، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يُنْضَرَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنَ الْحُمَّى.
فَلَوْ خَافَ تَلَفًا بِصَوْمِهِ كُرِهَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي الْإِجْزَاءِ (وَإِنْ صَامَا أَجْزَأَهُمَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي الْمُسَافِرِ: لَا يُعْجِبُنِي، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ

رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ.
وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ، وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ -: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» وَعُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَحَمْلُهَا عَلَى رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ من غير كَرَاهَةً، وَقَدْ سَأَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَوِيَ فَقَالَ: لَا يَصُومُ.
وَحَكَاهُ الْمَجْدُ عَنِ الْأَصْحَابِ.
قَالَ: وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ لِمَنْ قَوِيَ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ.
وَلَيْسَ الصَّوْمُ فِيهِ أَفْضَلَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُخْصَةِ الْقَصْرِ أَنَّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا تَبْرَأُ بِهَا الذِّمَّةُ، وَرُدَّ بِصَوْمِ الْمَرِيضِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ) مِنْ قَضَاءٍ وَفِدْيَةٍ وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً، فَإِذَا لَمْ يَرُدَّهُ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِالْأَصْلِ كَالْجُمُعَةِ، وَكَالْمُقِيمِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَ صَوْمًا مِنَ الْمَعْذُورِ، لَقَبِلَهُ مِنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الزَّمَانِ الْمُتَضَيِّقِ لِلْعِبَادَةِ، فَلَوْ نَوَى صَوْمًا غَيْرَ رَمَضَانَ فَهَلْ يَقَعُ بَاطِلًا أَمْ يَقَعُ مَا نَوَاهُ؛ هِيَ مَسْأَلَةُ تَعْيِينِ النِّيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا خَافَ مَنْ بِهِ شَبَقٌ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ بِهِ مَرَضٌ يُنْتَفَعُ فِيهِ بِوَطْءٍ سَاغَ لَهُ الْوَطْءُ، وَقَضَى بِلَا كَفَّارَةٍ، نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ إِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ شَهْوَتُهُ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ لَا يُفْسِدَ صَوْمَ زَوْجَتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ لِلضَّرُورَةِ، فَوَطْءُ صَائِمَةٍ أَوْلَى مِنْ حَائِضٍ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ لِدَوَامِ شَبَقِهِ فَكَكَبِيرٍ عَجَزَ عَنْهُ.
(وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ) لِفِطْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِالْجِمَاعِ، لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْأَكْلُ لَهُ الْجِمَاعُ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بِالْجِمَاعِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى السَّفَرِ، فَعَلَيْهَا إِنْ جَامَعَ كَفَّرَ، وَالْمَذْهَبُ: لَا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ

يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ أَثْنَاءه فَلَهُ الْفِطْرُ وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ

وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا

وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ،

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ مِنْهَا مَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، فَقَالَ: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَأَكَلَ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ السَّفَرَ يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْمَرَضِ الطَّارِئِ وَلَوْ بِفِعْلِهِ، وَالصَّلَاةُ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهَا، وَهِيَ آكَدُ لِأَنَّهَا مَتَى وَجَبَ إِتْمَامُهَا لَمْ يَقْصُرْ بِحَالٍ وَتَرْكُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ سَوَاءٌ سَافَرَ طَوْعًا أَوْ كُرْهًا، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَيُعَايَا بِهَا.
وَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَافِرًا (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ) وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ، وَالْحَضَرِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بِجِمَاعٍ لِآكَدِيَّتِهِ، فَعَلَى الْمَنْعِ يُكَفِّرُ مَنْ وَطِئَ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ كَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ جَامَعَ.

[صَوْمُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ]

(وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) الضَّرَرَ (عَلَى أَنْفُسِهِمَا) كُرِهَ لَهُمَا الصَّوْمُ، وَيُجْزِئُ فَإِنْ (أَفْطَرَتَا وقَضَتَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ كَالْمَرِيضِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَلِقُدْرَتِهِمَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إِطْعَامَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ كَالْمَرِيضِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا) لِأَنَّ خَوْفَهُمَا خَوْفٌ عَلَى آدَمِيٍّ أَشْبَهَ خَوْفَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا (وَقَضَتَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ، وَكَسَائِرِ الْمَرْضَى (وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 184] الْآيَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ إِفْطَارٌ

لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ أَفَاقَ جُزْءًا مِنْهُ، صَحَّ صَوْمُهُ وَإِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ، صَحَّ

[المبدع في شرح المقنع]

بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ عَنِ الصَّوْمِ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَيُلْحَقُ بِهَذَا: الظِّئْرُ الَّتِي تُرْضِعُ وَلَدَ غَيْرِهَا.
ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُبِيحَ يَسْتَوِي فِيهِ كَالسَّفَرِ لِحَاجَتِهِ، وَحَاجَةِ غَيْرِهِ وَفِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلٌ لَا تُفْطِرُ الظِّئْرُ إِذَا خَافَتْ عَلَى رَضِيعِهَا، وَالْإِطْعَامُ عَلَى الْأُمِّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا، وَلِهَذَا وَجَبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّ الْإِرْفَاقَ لَهُمَا.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِطْعَامَ عَلَى مَنْ يُمَوِّنُهُ، وَيُصْرَفُ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ لِوُجُوبِهِ، وَهُوَ أَقْيَسُ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ إِنْ أَتَى بِهِ مَعَ الْقَضَاءِ جَازَ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَسْقُطُ الْإِطْعَامُ بِالْعَجْزِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ كَالدَّيْنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يَسْقُطُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ أَنَّهَا تَسْقُطُ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ، بَلْ أَوْلَى لِلْعُذْرِ هُنَا، وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْكَبِيرِ وَالْمَأْيُوسِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ نَفْسِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ فَكَذَا بَدَلُهُ، وَكَذَا إِطْعَامُ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ وَغَيْرَهُ، غَيْرَ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ.

[صَوْمُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ]

(وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ) لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ مَعَ النِّيَّةِ فَلَمْ يُوجَدِ الْإِمْسَاكُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «إِنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» فَلَمْ تُعْتَبَرِ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ، (وَإِنْ أَفَاقَ) أَيِ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ (جُزْءًا مِنْهُ، صَحَّ صَوْمُهُ) لِقَصْدِهِ الْإِمْسَاكَ فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، فَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ نَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ جُزْءٌ لِلْإِدْرَاكِ، وَلَا يُفْسِدُ قَلِيلُ الْإِغْمَاءِ الصَّوْمَ، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِقَلِيلِهِ كَالْحَيْضِ، بَلْ أَوْلَى لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ مِنْ بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتُهُ كَالْإِغْمَاءِ، وَيُفَارِقُ

صَوْمُهُ.
وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْمَجْنُونِ.

فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ وَاجِبٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ مُعَيَّنًا وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَيْضَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَيَحْرُمُ فِعْلُهُ، (وَإِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ، وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِالْكُلِّيَّةِ وَخَالَفَ فِيهِ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَهُوَ شَاذٌّ، (وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ) إِذَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ (الْقَضَاءُ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ وَهُوَ مُغَطٍّ عَلَى الْعَقْلِ غَيْرُ رَافِعٍ لِلتَّكْلِيفِ، وَلَا تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَدْخُلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَعَنْهُ: لَا يَقْضِي كَالْجُنُونِ (دُونَ الْمَجْنُونِ) فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، سَوَاءٌ فَاتَ بِالْجُنُونِ الشَّهْرُ أَوْ بَعْضُهُ، وَعَنْهُ: يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُزِيلُ الْعَقْلَ فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ الصَّوْمِ كَالْإِغْمَاءِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَفَاقَ فِي الشَّهْرِ قَضَى مَا مَضَى، وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَهُ، فَلَا، كَمَا لَوْ جُنَّ فِي أَثْنَائِهِ، وَكَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنَ الْيَوْمِ، لَكِنْ إِذَا جُنَّ فِي صَوْمِ قَضَاءٍ وَكَفَّارَةٍ، فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ.

[وُجُوبُ تَبْيِيتِ نِيَّةِ صَوْمِ الْوَاجِبِ مِنَ اللَّيْلِ]

فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ صَوْمٌ وَاجِبٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَمْرٌو مِنَ الثِّقَاتِ، وَوَافَقَهُ عَلَى رَفْعِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ رَفَعَهُ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِلزُّهْرِيِّ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

لَا يُقَالُ: قَدْ وَرَدَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ نَهَارًا لِمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا ثُمَّ نَذَرَهُ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً ذَكَرُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ اللَّيْلِ نَوَى أَجْزَأَهُ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ بَعْدَهَا مَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ كَالْجِمَاعِ، وَالْأَكْلِ، أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ فَلَوْ بَطَلَتْ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ إِذَا أَتَى بِالْمُنَافِي كَمَا لَوْ فَسَخَ النِّيَّةَ أَوْ نَسِيَهَا أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَإِنْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ الْغَدِ، وَقَدْ عَرَفَتِ الطُّهْرَ لَيْلًا، فَوَجْهَانِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي نَهَارِ يَوْمٍ كَصَوْمِ غَدٍ، وَكَنِيَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ صَوْمَ بَعْدَ غَدٍ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَا لَمْ يَفْسَخْهَا، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ اسْتَصْحَبَهَا إِلَى اللَّيْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيَعْتَبِرُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِيَّةً مُفْرَدَةً؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ يَوْمٌ بِفَسَادِ آخَرَ، وَكَالْقَضَاءِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِكُلِّهِ، نَصَرَهَا أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ.
وَعَلَى قِيَاسِهِ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ وَنَحْوُهُ، فَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ صِيَامُ الْبَاقِي بِتِلْكَ النِّيَّةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مَعَ بَقَاءِ التَّتَابُعِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (مُعَيَّنًا) أَيْ: لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ مِنْ قَضَائِهِ أَوْ نَذْرِهِ أَوْ كَفَّارَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَكَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، فَلَوْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ نَقْلُهُ لَيْلًا أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ بَرِئَ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ عِنْدَنَا نِيَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ، بِدَلِيلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِهَا.
(وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ) لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُرَادُ لِلتَّمْيِيزِ، وَهَذَا الزَّمَانُ يَتَعَيَّنُ، وَكَالْحَجِّ فَعَلَيْهَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، وَنِيَّةِ نَفْلٍ، وَنِيَّةِ فَرْضٍ تَرَدَّدَ فِيهَا، وَاخْتَارَ

وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ، وَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ فَرْضِيٌّ، وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ، أَفْطَرَ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَجْدُ صِحَّتَهُ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ لِتَعَذُّرِ صَرْفِهِ إِلَى غَيْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَارَ حَفِيدُهُ: يَصِحُّ مُطْلَقًا مَعَ الْجَهْلِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا كَمَنْ دَفَعَ وَدِيعَةَ رَجُلٍ إِلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ التَّبَرُّعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَقَّهُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْطَاءٍ ثَانٍ، (وَلَا يَحْتَاجُ) مَعَ التَّعْيِينِ (إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إِلَّا فَرْضًا فَأَجْزَأَ التَّعْيِينُ عَنْهُ، (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ) كَالصَّلَاةِ، (وَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِيٌّ) أَيْ: الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيَّ، (وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ) عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الصَّوْمَ مِنْ رَمَضَانَ حَزْمًا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يُجْزِئُهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: أَنَّهُ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَالْمُطْلَقَةِ مَعَ الْغَيْمِ دُونَ الصَّحْوِ؛ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ، فَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَصَوْمِي عَنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ عَنْ وَاجِبٍ عَيَّنَهُ بِنِيَّتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، وَفِي إِجْزَائِهِ عَنْ رَمَضَانَ الرِّوَايَتَانِ إِذَا بَانَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ نَوَى الرَّمَضَانِيَّةَ بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، فَعَلَى الْخِلَافِ إِذَا بَانَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ أَجْزَأَهُ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْوَقْتِ.
فَرْعٌ إِذَا قَالَ: أَنَا صَائِمٌ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فَإِنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ فِي الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، فَسَدَتْ نِيَّتُهُ، وَإِلَّا لَمْ تَفْسُدْ ذَكَرَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الْفُنُونِ "؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ أَنَّ فِعْلَهُ لِلصَّوْمِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَتَيْسِيرِهِ كَمَا لَا يَفْسُدُ الْإِيمَانُ بِهِ غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ فِي الْحَالِ، وَطَرَدَهُ الْقَاضِي فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي نِيَّتِهَا.
(وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ أَفْطَرَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الشَّرْحِ " هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهِ النِّيَّةُ فَفَسَدَ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ كَالصَّلَاةِ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ

وَيَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنْيَةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْعِبَادَةِ، لَكِنْ لَمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا اعْتُبِرَ بِنَاءُ حُكْمِهَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا، فَإِذَا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَبْطُلُ كَالْحَجِّ مَعَ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَجَّ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ وَمُبْهَمَةٍ، وَقَوْلُهُ: أَفْطَرَ أَيْ: صَارَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ لَا كَمَنْ أَكَلَ.
فَلَوْ كَانَ فِي نَفْلٍ يَقْطَعُهُ ثُمَّ نَوَاهُ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ فَقَطَعَ بِنِيَّتِهِ ثُمَّ نَوَى نَفْلًا جَازَ، وَلَوْ قُلْتَ: نِيَّةُ نَذْرٍ وَقَضَاءٍ إِلَى النَّفْلِ فَكَمَنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضِ صَلَاةٍ إِلَى نَفْلِهَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ، أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى، أَوْ إِنْ وَجَدْتُ طَعَامًا، أَكَلْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ، فَكَالْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ، (وَيَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمُ الْقَاضِي فِي أَكْثَرِ تَصَانِيفِهِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: لَا قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خُفِّفَ نَفْلُهَا عَنْ فَرْضِهَا فَكَذَا الصَّوْمُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِهِ؛ لِكَوْنِهِ يَعِنُّ لَهُ مِنَ النَّهَارِ فَعُفِيَ عَنْهُ، (وَقَالَ الْقَاضِي) فِي " الْمُجَرَّدِ " وَتَبِعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (لَا يُجْزِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ) لِأَنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا هُوَ فِي الْغَدَاءِ، وَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَصْحَبِ الْعِبَادَةَ فِي مُعْظَمِهَا، أَشْبَهُ مَا لَوْ نَوَى مَعَ الْغُرُوبِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَوَى فِي جُزْءٍ مِنْهُ يَصِحُّ كَأَوَّلِهِ، وَجَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ، فَكَذَا النَّهَارُ وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ فَعَلَ مَا يُفْطِرُهُ قَبْلَ النِّيَّةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو زَيْدٍ الشَّافِعِيُّ، وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ فِي الْأَظْهَرِ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْهِدَايَةِ " مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَقَالَهُ حَمَّادٌ، وَإِسْحَاقُ إِنْ نَوَاهُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَطَوُّعُ حَائِضٍ طَهُرَتْ، وَكَافِرٍ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ، وَلَمْ يَأْكُلَا يَصُومَا بَقِيَّةَ الْيَوْمِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا، لِامْتِنَاعِ تَبْعِيضِ صَوْمِ الْيَوْمِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا صَوْمٌ.

بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوِ اسْتَعَطَ أَوِ احْتَقَنَ، أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوِ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، أَوْ دَاوَى الْمَأْمُومَةَ، أَوْ قَطَّرَ فِي أُذُنِهِ مَا يَصِلُ إِلَى دِمَاغِهِ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

[بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ]

بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ.
الْمُفْسِدُ لِلصَّوْمِ: كُلُّ مَا يُنَافِيهِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا، (وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) فَقَدْ أَفْطَرَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: 187] الْآيَةَ، فَأَبَاحَهُمَا إِلَى غَايَةٍ، وَهِيَ تَبَيُّنُ الْفَجْرِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا إِلَى اللَّيْلِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، وَقَوْلُ الله تعالى على لسان النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ إِنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُغَذٍّ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (أَوِ اسْتَعَطَ) فِي أَنْفِهِ بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ أَوْ دِمَاغِهِ قَالَ فِي " الْكَافِي ": أَوْ خَيَاشِيمِهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّائِمَ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ (أَوِ احْتَقَنَ) فِي دُبُرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالْمُعْتَادِ فِي الْوَاصِلِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَوْلَى مِنَ الِاسْتِعَاطِ (أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا بِاخْتِيَارِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ (أَوِ اكْتَحَلَ) بِكُحْلٍ أَوْ صَبْرٍ أَوْ ذَرُورٍ أَوْ إِثْمِدٍ مُطَيَّبٍ (بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوِّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَالَ: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوقٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْفَذًا فَلَمْ يُفْطِرْ بِهِ كَمَا لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ، وَأُجِيبَ

أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أَوِ اسْتَقَاءَ أَوِ اسْتَمْنَى، أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَمْنَى،

[المبدع في شرح المقنع]

بِأَنَّ الْعَيْنَ مَنْفَذٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ.
وَكَالْوَاصِلِ مِنَ الْأَنْفِ (أَوْ دَاوَى الْمَأْمُومَةَ، أَوْ قَطَرَ فِي أُذُنِهِ مَا يَصِلُ إِلَى دِمَاغِهِ) لِأَنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ فَالْوَاصِلُ إِلَيْهِ يُغَذِّيهِ فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ كَالْآخَرِ (أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ) وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَهُوَ شَامِلٌ إِذَا طَعَنَ نَفْسَهُ أَوْ طَعَنَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ بِشَيْءٍ فِي جَوْفِهِ، فَغَابَ هُوَ أَوْ بَعْضُهُ فِيهِ، أَوِ ابْتَلَعَ خَيْطًا وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْوَاصِلِ، وَجَزَمَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " بِأَنَّهُ يَكْفِي الظَّنُّ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُفْطِرُ بِمُدَاوَاةِ جَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ، وَلَا بِحَقْنِهِ (أَوِ اسْتَقَاءَ) أَيِ: اسْتَدْعَى الْقَيْءَ فَقَاءَ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ كَسَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ.
وَعَنْهُ: يُفْطِرُ بِمَلْءِ الْفَمِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَيُقَدَّرُ بِمَا لَا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ مَعَهُ، وَعَنْهُ: أَوْ نِصْفِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ، وَعَنْهُ: إِنْ فَحُشَ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ، وَبَالَغَ ابْنُ عَقِيلٍ فَقَالَ: إِذَا قَاءَ بِنَظَرِهِ إِلَى مَا يَقِيئُهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ، كَالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ: لَا يُفْطِرُ مُطْلَقًا، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقُ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ.
(أَوِ اسْتَمْنَى) أَيِ: اسْتَدْعَى خُرُوجَ الْمَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَسَدَ بِالْقُبْلَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْإِنْزَالِ فَلِأَنْ يَفْسُدُ بِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، لَكِنْ لَوِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ، وَلَمْ يُنْزِلْ فَقَدْ أَتَى مُحَرَّمًا، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا كَالْبَوْلِ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَمْنَى) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي فَعَلْتُ أَمْرًا عَظِيمًا، فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إِنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؛ قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: فَمَهْ» فَشَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْفِطْرِ، فَإِنَّ الْمَضْمَضَةَ إِذَا

أَوْ مَذَى، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

كَانَ مَعَهَا نُزُولٌ أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إِلَى الْجِمَاعِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لَا يُفْطِرُ، وَقَالَهُ دَاوُدُ وَضَعَّفَ الْخَبَرَ السَّابِقَ، وَقَالَ: هُوَ رِيحٌ.
(أَوْ مَذَى) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ أَشْبَهَ الْمَنِيَّ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُفْطِرُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ أَظْهَرُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمَنِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِظُهُورِ الْفَرْقِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ فَقَطْ، وَإِنِ اسْتَمْنَى فَأَمْنَى أَوْ مَذَى فَكَذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَوْلُهُ: فَأَمْنَى أَوْ مَذَى، رَاجِعٌ إِلَى الِاسْتِمْنَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فِطْرَ بِدُونِ الْإِنْزَالِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
رُوِيَ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، وَمَعْنَاهُ: حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا، وَقِيلَ: بِالتَّسْكِينِ الْعُضْوُ، وَبِالتَّحْرِيكِ الْحَاجَةُ.
(أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ) أَيْ: مَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ إِنْزَالٌ بِفِعْلٍ يُلْتَذُّ بِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِاللَّمْسِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا يُفْطِرُ كَالْإِنْزَالِ بِالْفِكْرِ فَلَوْ أَنْزَلَ مَذْيًا لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: يُفْطِرُ بِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَقْيَسُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَاللَّمْسِ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَحْتَمِلُهُ كَالْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ كَالْمَنِيِّ، وَلِأَنَّ الضَّعِيفَ إِذَا تَكَرَّرَ قَوِيَ، كَتَكْرَارِ الضَّرْبِ بِصَغِيرٍ فِي الْقَوَدِ لَكِنْ فِي " الْكَافِي ": وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ إِنْزَالُ الْمَنِيِّ أَوِ الْمَذْيِ إِلَّا فِي تَكْرَارِ النَّظَرِ، فَلَا يُفْطِرُ إِلَّا بِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ.
وَظَاهِرُهُ لَا فِطْرَ بِعَدَمِ الْإِنْزَالِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا إِذَا لَمْ يُكَرِّرِ النَّظَرَ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَقِيلَ: يُفْطِرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْمَنِيِّ لَا الْمَذْيِ، وَيُلْحَقُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " احْتِمَالًا فِيمَنْ هَاجَتْ شَهْوَتُهُ فَأَمْنَى أَوْ مَذَى أَنَّهُ يُفْطِرُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ يُفْطِرُ بِالْمَوْتِ فَيُطْعَمُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ، وَبِالرِّدَّةِ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ كَالصَّلَاةِ.
(أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَهُوَ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى رُتْبَةِ الْمُسْتَفِيضِ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ غَيْرُ حَدِيثِ ثَابِتٍ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ رَافِعٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ، وَشَدَّادٍ، وَصَحَّحَهُمَا أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَا النَّهْيَ، وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنَ الْبَدَنِ أَشْبَهَ الْفَصْدَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ ذَهَبَتْ كُتُبُهُ فِي فِتْنَةٍ فَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْ كُتُبِ غُلَامِهِ أَبِي حَكِيمٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذِرٍ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَجَدَهُ» . فَهَذِهِ تُسْقِطُ الِاسْتِدْلَالَ، وَلَوْ سُلِّمَ التَّسَاوِي، فَأَحَادِيثُنَا أَكْثَرُ،

وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يَفْسُدْ

وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، أَوْ غُبَارٌ، أَوْ قَطَرَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَاعْتَضَدَتْ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ سَلِمَ فَحَدِيثُهُمْ فِعْلٌ، وَتِلْكَ قَوْلٌ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ لِعَدَمِ عُمُومِ الْفِعْلِ، وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ، وَنَسْخُ حَدِيثِهِمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ فَنَسْخُهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ نَسْخِ حَدِيثِنَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّتَيْنِ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ: احْتَجَمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَجَمَ، وَالْمَذْهَبُ التَّسْوِيَةُ لِلْخَبَرِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يُفْطِرُ الْحَاجِمُ إِنْ مَصَّ الْقَارُورَةَ، وَالْحَجْمُ فِي السَّاقِ كَالْحَجْمِ فِي الْقَفَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَمُعْظَمِ الْأَصْحَابِ: لَا فِطْرَ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَمٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمْعٌ أَنَّهُ يُفْطِرُ.
وَلَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ لَا لِلتَّدَاوِي بَدَلَ الْحِجَامَةِ لَمْ يُفْطِرْ.
وَظَاهِرُهُ لَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَالثَّانِي بَلَى، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَعَلَى هَذَا فِي الشَّرْطِ احْتِمَالَانِ، وَلَا فِطْرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُفْطِرُ إِذَا أَخْرَجَ دَمَهُ بِرُعَافٍ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الرُّعَافِ.
(عَامِدًا) أَيْ: قَاصِدًا لِلْفِعْلِ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ فَهُوَ غافل غير مُكَلَّفٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
(ذَاكِرًا) أَيْ: غَيْرَ نَاسٍ (لِصَوْمِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ) فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا (وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يَفْسُدْ) صَوْمُهُ، وَأَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ، وَسَقَاهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مَعْنَاهُ.
وَزَادَ، «وَلَا قَضَاءَ» وَلِلْحَاكِمِ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ «مَنْ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَعِيدِ، وَالْإِلْجَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَالنَّاسِي بَلْ أَوْلَى بِدَلِيلِ الْإِتْلَافِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّائِمُ إِذَا فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ كَالنَّاسِي لِعَدَمِ قَصْدِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فِيهِ كَالْمَرِيضِ.
وَلَوْ أَوْجَرَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةً لَمْ يُفْطِرْ، وَقِيلَ: بَلَى لِرِضَاهُ ظَاهِرًا فَكَأَنَّهُ قَصَدَهُ، وَكَالْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحِجَامَةِ، وَكَالْجَهْلِ بِالْوَقْتِ وَالنِّسْيَانِ يَكْثُرُ وَفِي

فِي إِحْلِيلِهِ، أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، أَوْ أَصْبَحَ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ، أَوِ

[المبدع في شرح المقنع]

" الْهِدَايَةِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " لَا فِطْرَ لِعَدَمِ تَعَمُّدِهِ الْمُفْسِدِ كَالنَّاسِي، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي " الْكَافِي " بِعَدَمِ التَّأْثِيمِ.
فَرْعٌ: مَنْ أَرَادَ الْفِطْرَ فِيهِ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، وَهُوَ نَاسٍ أَوْ جَاهِلٌ، فَهَلْ يَجِبُ إِعْلَامُهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ ثَالِثٌ: إِعْلَامُ جَاهِلٍ لَا نَاسٍ، وَفِيهِ شَيْءٌ.

[مَا لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ]

(وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ) لَمْ يُفْطِرْ خِلَافًا لِلْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ (أَوْ غُبَارٌ) مِنْ طَرِيقٍ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ دُخَانٍ، فَكَالنَّائِمِ، وَقِيلَ: فِي حَقِّ الْمَاشِي، وَقِيلَ: فِي حَقِّ النَّخَّالِ وَالْوَقَّادِ (أَوْ قَطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ) هُنَا، نَصَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمَنْفَذِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْبَوْلُ رَشْحًا لِمُدَاوَاةِ جُرْحٍ عَمِيقٍ لَمْ يَنْفُذْ إِلَى الْجَوْفِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا مَنْفَذٌ كَمَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نُزُولُهُ فِي حَلْقِهِ، وَقِيلَ: يُفْطِرُ إِنْ وَصَلَ مَثَانَةً وَهِيَ الْعُضْوُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْبَوْلُ.
(أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا إِجْمَاعَ، وَقِيَاسُهُ عَلَى تَكْرَارِ النَّظَرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، وَإِفْضَائِهِ إِلَى الْإِنْزَالِ، وَسَوَاءٌ أَنَزَلَ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَفْسُدُ لِأَنَّ الْفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ أَمَّا لَوْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ صُورَةٌ فِي مُبَاشَرَتِهِ نَهَارًا لَمْ يُفْطِرْ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَطِئَ قُرْبَ الْفَجْرِ، وَيُشْبِهُهُ مَنِ اكْتَحَلَ إِذَنْ.
(أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) لِلْخَبَرِ وَلِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، وَلَوْ عَادَ إِلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَوْ أَعَادَهُ عَمْدًا وَلَمْ يَمْلَأِ الْفَمَ أَوْ قَاءَ مَا لَا يُفْطَرُ بِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ عَمْدًا أَفْطَرَ، كَتَلَفِهِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الْفَمِ (أَوْ أَصْبَحَ، وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفِظُهُ) أَيْ: رَمَاهُ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْهُ صَائِمٌ غَالِبًا، فَإِنْ شَقَّ رَمْيُهُ فَبَلَعَهُ مَعَ رِيقِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ جَرَى رِيقُهُ بِبَقِيَّةِ طَعَامٍ تَعَذَّرَ رَمْيُهُ، أَوْ بَلَعَ رِيقَهُ عَادَةً، لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ لَفْظُهُ بِأَنْ تَمَيَّزَ عَنْ رِيقِهِ فَبَلَعَهُ عَمْدًا، أَفْطَرَ وَلَوْ دُونَ الْحِمَّصَةِ.
(أَوِ

اغْتَسَلَ أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ بَالَغَ فِيهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

اغْتَسَلَ) ؛ لِأَنَّهُ - «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ الْجِمَاعَ وَغَيْرَهُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَيَلْزَمُ جَوَازُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا، احْتَجَّ بِهِ رَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ، وَلَكِنْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَلِهَذَا لَمَّا أَخْبَرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ: هُمَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، إِنَّمَا حَدَّثَنِيهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ يَوْمًا صَحَّ وَأَثِمَ، وَالْحَائِضُ كَالْجُنُبِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لَيْلًا وَنَوَتْهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ فِي الْحَائِضِ، تُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، قَالَ: يَقْضِي، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَطَاوُسٍ فِي الْجُنُبِ.
فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ، قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّ فِيهِ إِزَالَةَ الضَّجَرِ مِنَ الْعِبَادَةِ، كَالْجُلُوسِ فِي الظِّلِّ الْبَارِدِ، وَغَوْصُهُ فِي الْمَاءِ كَصَبِّهِ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَخَفْ أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ أَوْ مَسَامِعَهُ.
(أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ) فِي الْوُضُوءِ، (فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ، أَشْبَهَ الذُّبَابَ فَإِنْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ فَكَالْوُضُوءِ.
(لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ) لِمَا ذَكَرْنَا، (وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) فِي أَحَدِهِمَا (أَوْ بَالَغَ فِيهِمَا) فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَا يُفْطِرُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ وَاصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَكْرُوهًا تَعَرَّضَ بِهِ إِلَى إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى حَلْقِهِ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْمُبَاشِرَةِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ يَبْطُلُ بِالْمُبَالَغَةِ لِلنَّهْيِ الْخَاصِّ، وَعَدَمِ نُدْرَةِ الْوُصُولِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمُجَاوَزَةِ، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي الْمُجَاوَزَةِ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِيدَ فَإِنْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ عَبَثًا، أَوْ لِحَرٍّ، أَوْ عَطَشٍ، كُرِهَ،

قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ، فَبَانَ نَهَارًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.

[المبدع في شرح المقنع]

نَصَّ عَلَيْهِ.
وَفِي الْفِطْرِ بِهِ الْخِلَافُ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَكَذَا إِنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ مَشْرُوعٍ أَوْ إِسْرَافٍ، أَوْ كَانَ عَابِثًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّاخِلِ مِنَ الْحَلْقِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَالْمُجَاوَزَةِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: إِنْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَكَالْمَضْمَضَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا فَكَالْمُجَاوَزَةِ.
(وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ) وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَالُ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ، وَلَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَكَلَ يَظُنُّ طُلُوعَ الْفَجْرِ، فَبَانَ لَيْلًا، وَلَمْ يُجَدِّدْ نِيَّةَ صَوْمِهِ الْوَاجِبِ، قَضَى، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ (وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ) وَدَامَ شَكُّهُ أَوْ أَكَلَ فَظَنَّ بَقَاءَ النَّهَارِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ، فَإِنْ بَانَ لَيْلًا لَمْ يَقْضِ، وَكَذَا إِنْ أَكَلَ فَظَنَّ الْغُرُوبَ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ أَزَالَ الظَّنَّ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ (وَإِنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا) أَوْ ظَانًّا (أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا) فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ كَمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّمْسَ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، أَوْ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ طَلَعَ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ وَلَمْ يُتِمَّهُ، وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ: لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ - وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ - أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؛ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ جَهِلَ وَقْتَ الصَّوْمِ كَالْجَهْلِ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ، وَعَنْهُ: لَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ جَامَعَ جَاهِلًا بِالْوَقْتِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، فَيَتَوَجَّهُ هُنَا مِثْلُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ، فَأَكَلَ عَمْدًا فَيَتَوَجَّهُ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَلَوْ جَامَعَ بَعْدَهُ نَسِيَانَا، وَاعْتَقَدَ الْفِطْرَ بِهِ فَكَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ إِلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ، فَيُكَفِّرَ فِي الْأَشْهُرِ.

فَصْلٌ إِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا، وَعَنْهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ، وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

[مَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ في الصيام]

فَصَلٌ (وَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا) وَفِيهِ أُمُورٌ: الْأُولَى: أَنَّ الْجِمَاعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ مُفْسِدٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] الْآيَةَ، فَدَلَّتْ أَنَّ الصِّيَامَ الْمَأْمُورَ بِإِتْمَامِهِ تَرْكُ الْوَطْءِ وَالْأَكْلِ، فَإِذَا وُجِدَ فِيهِ الْجِمَاعُ، لَمْ يَتِمَّ فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَالْمُكْرَهُ كَالْمُخْتَارِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِذَكَرٍ أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ مَيِّتٍ، أَنْزَلَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْإِنْزَالِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ كَالدُّبُرِ فَلَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَوْ قُبُلِ امْرَأَةٍ، أَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يُنْزِلَ كَالْغُسْلِ، وَكَذَا إِذَا أَنْزَلَ مَجْبُوبٌ أَوِ امْرَأَتَانِ بِمُسَاحَقَةٍ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِثْلَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُجَامِعِ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْأَثْرَمُ، وَكَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْأَكْلِ.
الثَّالِثَةُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ قَضَائِهَا، فَلَمْ تَجِبْ بِإِفْسَادِ أَدَائِهَا كَالصَّلَاةِ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ، وَالْقَضَاءُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ، وَالصَّلَاةُ لَا يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ بِخِلَافِهِ هُنَا.

يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ، وَهَلْ يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ،

وَعَنْهُ: كُلُّ

[المبدع في شرح المقنع]

الرَّابِعَةُ: السَّاهِي كَالْعَامِدِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْتَفْصِلِ الْأَعْرَابِيَّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَاسْتَفْصَلَهُ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، وَالسُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا وَاقَعْتَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، فَكَفِّرْ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهَا، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ كَالْحَجِّ.
(وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ) اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ لِلْخَبَرِ فِي الْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَهِيَ مُنْحَطَّةٌ عَنْهُمَا، وَعَنْهُ: وَلَا يَقْضِي، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَالْأَكْلِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا جَامَعَ يَعْتَقِدُهُ لَيْلًا، فَبَانَ نَهَارًا فَجَزَمَ الْأَكْثَرُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَيَأْتِي رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاخْتَارَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنَّهُ قِيَاسُ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَى النَّاسِي، وَأَوْلَى، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُكَفِّرُ، وَقَالَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهَا إِنْ عَلِمَ فِي الْجِمَاعِ أَنَّهُ نَهَارٌ، وَدَامَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، فَلَوْ جَامَعَ لَيْلًا وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ مَجَامِعٌ، وَاسْتَدَامَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ يُلْتَذُّ بِهِ كَالْجِمَاعِ، وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ عَكْسَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَقْضِي قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ.
(وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ) كَالْإِكْرَاهِ، وَالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ، وَلِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّهَا إِذَا جَامَعَتْ نَاسِيَةً أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الرَّجُلِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُكَفِّرُ، وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي مِنَ الْحَجِّ، وَعَنْهُ: يُرْجَعُ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ الْمُلْجِئُ لَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالْأَكْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُكْرَهَةِ، وَعَنْهُ: لَا، وَقِيلَ: يَفْسُدُ إِنْ فَعَلَتْ إِلَّا الْمَقْهُورَةَ

أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ وَطِئَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالنَّائِمَةَ، وَأَفْسَدَ ابْنُ أَبِي مُوسَى صَوْمَ غَيْرِ النَّائِمَةِ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الْوَطْءِ لَهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَفْسُدَ صَوْمُهَا مَعَ النِّسْيَانِ وَإِنْ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَكَذَا الْجَاهِلَةُ وَنَحْوُهَا.
(وَهَلْ يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " إِحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا هَتَكَتْ صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ، فَلَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُلِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَأْمُرْهَا بِهَا، وَكَفِطْرِهَا بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ بَعْدَ سَبْقِ جِمَاعِهَا الْمُعْتَبَرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ: هَلَكَتْ وَأَهْلَكَتْ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً، وَبِأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْبَاطِنِ وَالْخَوْفِ، وَعَنْهُ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
خَرَّجَهَا أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَجِّ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّدَاخُلِ.
فَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ، وَقُلْنَا بِالتَّحَمُّلِ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُطْعِمُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَبْقَى الْعِتْقُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَيَعْتِقَ عَنْهَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَكْرَهَهَا عَلَى الْوَطْءِ فِيهِ، دَفَعَتْهُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى نَفْسِهِ كَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

[كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ]

(وَعَنْهُ: كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ) كَمَا لَوْ غَصَبَهَا نَفْسَهَا، فَجَامَعَهَا، أَوِ انْتَشَرَ ذَكَرُهُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَاسْتَدْخَلَتْهُ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ) نَقَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ، فَلَمْ يَجِبَا، كَمَا لَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ أَوْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، (وَ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَالْأَصْحَابُ (هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: الصَّحِيحُ فِي الْأَكْلِ وَالْوَطْءِ إِذَا غُلِبَ عَلَيْهِمَا، لَا يُفْسِدَانِ، فَأَنَا أُخْرِجُ مِنَ الْوَطْءِ رِوَايَةً مِنَ الْأَكْلِ، وَعَكْسُهُ، وَقِيلَ: يَقْضِي مَنْ فَعَلَ، لَا مَنْ فُعِلَ بِهِ مِنْ نَائِمٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ مَعَ النَّوْمِ فَقَطْ لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ.
(وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ) كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي فَخْذِهَا أَوْ صُرَّتِهَا عَامِدًا، وَقِيلَ: أَوْ نَاسِيًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ (فَأَنْزَلَ) وَفِي " الْفُرُوعِ ": فَأَمْنَى - وَهِيَ أَوْلَى - فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَسَدَ بِاللَّمْسِ مَعَ الْإِنْزَالِ، فَفِي الْمُجَامَعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ

بَهِيمَةً فِي الْفَرْجِ، أَفْطَرَ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، أَوْ كَفَّارَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ جَامَعَ، ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ

[المبدع في شرح المقنع]

كَاللَّمْسِ.
(أَوْ وَطِئَ بَهِيمَةً فِي الْفَرْجِ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي فَرْجٍ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْآدَمِيَّةِ فِي فَرْجِهَا، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْإِنْزَالِ لِإِقَامَةِ الْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ) ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ بِنَاءً عَلَى الْحَدِّ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فِيهِ غُسْلٌ وَلَا فِطْرٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْأَكْثَرُ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ وَالنَّاسِي كَالْعَامِدِ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الرَّوْضَةِ " عَامِدًا.
وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَيِّتَةِ وَالْحَيَّةِ فِي الْأَشْهَرِ.
وَالثَّانِي: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ صَاحِبُ " النَّصِيحَةِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ أَشْبَهَ الْقُبْلَةَ.
(وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، فَلَزِمَتْهُ، كَمَا لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ فَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، أَوْ كَفَّارَتَانِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تُجْزِئُهُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى كَمَا لَوْ كَانَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ كَالْحُدُودِ، وَالثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمِ عِبَادَةٌ، وَكَيَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَيْنِ وَكَالْحِجَّتَيْنِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، كَفَّرَ عَنِ الثَّانِي، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا.
قَالَ الْمَجْدُ: فَعَلَى قَوْلِنَا بِالتَّدَاخُلِ، لَوْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَنْهُ، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْهُ، ثُمَّ اسْتُحِقَّتِ الرَّقَبَةُ

جَامَعَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْأُولَى، لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا، وَأَجْزَأَتْهُ الثَّانِيَةُ عَنْهُمَا، وَلَوِ اسْتُحِقَّتِ الثَّانِيَةُ وَحْدَهَا لَزِمَهُ بَدَلُهَا، وَلَوِ اسْتُحِقَّتَا جَمِيعًا، أَجْزَأَهُ بَدَلُهَا رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّدَاخُلِ وُجُودُ السَّبَبِ الثَّانِي قَبْلَ أَدَاءِ مُوجِبِ الْأَوَّلِ، وَنِيَّةُ التَّعْيِينِ لَا تُعْتَبَرُ فَتَلْغُو وَتَصِيرُ كُنْيَةً مُطْلَقَةً هَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِنَا.
(وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ) فِي يَوْمِهِ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَالْمَيْمُونِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ تَكَرَّرَ، فَتُكَرَّرُ هِيَ كَالْحَجِّ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ لَيْلًا فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، لَا يُقَالُ: الْوَطْءُ الأول تضمن هَتْكُ الصَّوْمِ، وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ مَعَ عَدَمِ الْهَتْكِ لَهُ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ رِوَايَةً: لَا كَفَّارَةَ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ أَنَّ الشَّهْرَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ تَكْفِيهِ وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَفِي " الْفُرُوعِ " عَلَى الْأَصَحِّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ، وَتَدَاخَلَ مُوجِبُهُ.
ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْفُصُولِ " وَغَيْرُهُ، وَعَلَى الثَّانِي: لَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ.
(وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ) أَيْ: كَذَا حُكْمُ كُلِّ مُفْطِرٍ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ كَمَنَ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، أَوْ أَكَلَ عَامِدًا، ثُمَّ جَامَعَ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الزَّمَنِ بِهِ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِيمِ لِلْوَطْءِ، وَلَا صَوْمَ هُنَاكَ، فَكَذَا هُنَا، فَمُرَادُهُ بِالتَّشْبِيهِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ لَا التَّكْرَارُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي مُسَافِرٍ قَدِمَ مُفْطِرًا، ثُمَّ جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى رِوَايَةٍ: لَا يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِضَعْفِ هَذَا الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَجْهٌ فِيمَنْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَاعْتَقَدَ الْفِطْرَ بِهِ ثُمَّ جَامَعَ فَكَالنَّاسِي، وَالْمُخْطِئِ إِلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ فَيُكَفِّرُ فِي الْأَشْهَرِ.

جارٍ التحميل