المبدع في شرح المقنعصفحات 43-82

كِتَابُ الْعَارِيَةِ

صفحات 43-82

وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَإِنْ كَانَ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحَلَّى بِالنَّقْدَيْنِ مَعًا قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ، وَأَعْطَاهُ بِالْقِيمَةِ عَرَضًا، وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوبِ فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ، كَزَوْجَيْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنْهُ: يُضْمَنُ الْمَغْصُوبُ بِمِثْلِهِ مُطْلَقًا، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 11] ؛ وَلِخَبَرِ الْقَصْعَةِ.
وَعَنْهُ: مَعَ قِيمَتِهِ.
وَعَنْهُ غَيْرُ حَيَوَانٍ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي " الْوَاضِحِ " وَ " الْمُوجَزِ "، فَيَنْقُصُ عَنْهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
فَرْعٌ: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِغَيْرِ الْمِثْلِيِّ فِي الْمِثْلِيِّ، وَبِغَيْرِ الْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوَّمِ لَمْ يَنْفَذْ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَ " الْمُفْرَدَاتِ "، وَلَوْ أَخَذَ حَوَائِجَ مِنْ بَقَّالٍ وَنَحْوِهِ فِي أَيَّامٍ، ثُمَّ يُحَاسِبُهُ، فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ بِسِعْرِ يَوْمِ أَخْذِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ مَصُوغًا) مُبَاحًا (أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) إِذَا كَانَتِ الصِّنَاعَةُ فِيهِ مُبَاحَةً، كَحُلِيِّ النِّسَاءِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الرِّبَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي مُقَابَلَةِ الصَّنْعَةِ، فَلَا يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الصِّنَاعَةَ إِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَنَّهُ لَمْ يُجَزْ ضَمَانُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ جِنْسِهِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا، بَلْ يَضْمَنُهُ بِوَزْنِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَقِيلَ: إِنْ جَازَ اتِّخَاذُهُ ضُمِنَ كَالْمُبَاحِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ قَيمَتُهُ كَوَزْنِهِ وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ تَضْمِينَهُ بِهَا لَا يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، أَشْبَهَ غَيْرَ الْأَثْمَانِ (فَإِنْ كَانَ مُحَلَّى بِالنَّقْدَيْنِ مَعًا قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ) أَيْ: إِلَى تَقْوِيمِهَا بِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَمَنٌ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَكَانَتِ الْخِيَرَةُ إِلَيْهِ (وَأَعْطَاهُ بِالْقِيمَةِ عَرَضًا) لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى الرِّبَا.
وَقِيلَ: مَنْ أَتْلَفَ خَلْخَالًا أَوْ سِوَارًا، فَهَلْ يُضْمَنُ بِوَزْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَيُضْمَنُ الصَّنْعَةُ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يُضْمَنُ الْوَزْنُ وَالصَّنْعَةُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ يَضْمَنُهُمَا بِجِنْسِهِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَإِنْ كَسَرَهَا ضَمِنَ النَّقْصَ مِنْ غَالِبِ نَقَدِ الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوبِ فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ كَزَوْجَيْ خُفٍّ) أَوْ مِصْرَاعَيْ بَابٍ (تَلِفَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ رَدُّ الْبَاقِي) لِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ (وَقِيمَةُ التَّالِفِ) لِأَنَّهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيةِ (وَأَرْشُ نَقْصِهِ) إِنْ

خُفٍّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، فَعَلَيْهِ رَدُّ الْبَاقِي وَقِيمَةُ التَّلَفِ وَأَرْشُ نَقْصِهِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ، وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبِقَ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيْئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ رَدِّهِ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ، وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا رَدَّهُ وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ.

[المبدع في شرح المقنع]

نَقَصَ، نَصَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا يَنْقُصُهُ الشَّقُّ فَشَقَّهُ ثُمَّ تَلِفَ (وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ) لِأَنَّ الْبَاقِيَ نَقْصُ قِيمَتِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَالنَّقْصِ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ، وَجَوَابُهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ نَقْصَ السِّعْرُ لَمْ يَذْهَبْ مِنَ الْمَغْصُوبِ عَيْنٌ وَلَا مَعْنًى، وَهَاهُنَا فَوَّتَ عَلَيْهِ إِمْكَانَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَوَجَبَ ضَمَانُ نَقْصِ قِيمَتِهِ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا عِشْرِينَ، وَالْبَاقِي بَعْدَ التَّلَفِ يُسَاوِي خَمْسَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَعَلَى الثَّانِي عَشَرَةٌ (وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبِقِ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيْئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ ضَمَّنَ قِيمَتَهُ) لِلْمَالِكِ لِلْحَيْلُولَةِ لَا أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ وَيَمْلِكُهَا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَغَيْرِهَا خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَصَلَ بِهَا الِانْتِفَاعُ فِي مُقَابَلَةِ مَا فَوَّتَهُ الْغَاصِبُ (فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ رَدِّهِ) وَلَا يَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، بَلْ يَرُدُّهُ إِذَا قَدَرَ مَعَ نَمَائِهِ الْمُنْفَصِلِ، وَأَجْرَ مِثْلِهِ إِلَى حِينِ دَفْعِ بَدَلِهِ (وَأَخَذَ الْقِيمَةَ) أَيْ: الَّذِي أَخَذَهَا الْمَالِكُ بَدَلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِالْحَيْلُولَةِ وَقَدْ زَالَتْ، فَيَجِبُ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ أَجْلِهَا إِنْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ، وَهَذَا فَسْخٌ دُونَ الْمُنْفَصِلَةِ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ تَالِفًا فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَفِي حَبْسِهِ لِيَرُدَّ الْقِيمَةَ وَجْهَانِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا.
(وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ زَالَتْ تَحْتَ يَدِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا، وَقِيلَ: مِثْلُهُ مِنَ الْعَصِيرِ، جُزِمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ بِانْقِلَابِهِ خَمْرًا (فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا رَدَّهُ) لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِهِ (وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ) إِنْ نَقَصَ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ تَحْتَ يَدِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَصَ مِنْهُ جُزْءٌ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا يَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْعَصِيرِ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ عَيْنُهُ، كَحَمَلٍ صَارَ كَبْشًا، وَيَسْتَرْجِعُ الْغَاصِبُ مَا أَدَّاهُ بَدَلًا عَنْهُ، وَإِنْ غَلَّاهُ غَرِمَ أَرْشَ نَقْصِهِ وَكَذَا نَقْصُهُ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ.
فَرْعٌ: لَوْ غَصَبَ جَمَاعَةً مَشَاعًا، فَرَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ سَهْمَ آخَرَ إِلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ حَتَّى يُعْطَى شُرَكَاؤُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ صَالَحُوهُ بِمَالٍ عَنْهُ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ بَيْعُ

فَصْلٌ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةً فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ، وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ فِي ذَلِكَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ، وَإِنْ تَلِفَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَشَاعِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَلَوْ شَقَّ ثَوْبَهَ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: يُخَيَّرُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

[فَصْلُ كَانَتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ]

فَصْلٌ (وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ) أَيْ: مِمَّا تَصِحُّ إِجَارَتُهُ (فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَسَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ كَالْأَعْيَانِ، لَكِنْ نَصَّ فِي قَضَايَا فِيهَا انْتِفَاعٌ، يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ إِنْ زَرَعَ بِلَا إِذْنٍ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ بِقَدْرِ مَا اسْتَغَلَّهَا، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَغِلَّهَا.
وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ الْمَنَافِعَ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَضَمَانُهَا عَلَى الْغَاصِبِ وَكَغَنَمٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُطَاوِعَةٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوَّمًا، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالْعَيْنِ، وَالْخَبَرُ وَارِدٌ فِي الْبَيْعِ، وَالْمَرْأَةُ رَضِيَتْ بِإِتْلَافِ مَنَافِعِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا عَقْدٍ، فَكَانَ كَالْإِعَارَةِ، وَالْغَنَمُ وَنَحْوُهَا لَا مَنَافِعَ لَهَا تُسْتَحَقُّ بِعِوَضٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ غَصَبَ جَارِيَةً وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لَمْ يَضْمَنْ مَهْرَهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لَا تَتْلَفُ إِلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَلَوْ أَطْرَقَ الْفَحْلَ لَمْ يَضْمَنْ مَنْفَعَتَهُ، لَكِنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ، وَلَوْ أَخَذَ مَالِكُ الْأَرْضِ الزَّرْعَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةٌ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ، فَتَكُونَ لَهُ الْأُجْرَةُ إِلَى وَقْتِ أَخْذِهِ (وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ) نَقَلَهَا عَنْهُ مُحَمَّدُ عَبْدُ الْحَكَمِ فَيَمَنْ غَصَبَ دَارًا فَسَكَنَهَا عِشْرِينَ سَنَةً: لَا أَجْتَرِي أَنْ أَقُولَ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا سَكَنَ، فَدَلَّ عَلَى تَوَقُّفِهِ عَنْ إِيجَابِ الْأَجْرِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "

الْمَغْصُوبُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ تَلَفِهِ، وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ فَأَدَّى قِيمَتَهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ.

فَصْلٌ وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ، كَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوِهَا بَاطِلَةٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى صَحِيحَةٌ، فَإِنِ اتَّجَرَ بِالدَّرَاهِمِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ يُؤَكِّدُهُ مَا (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ) لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ مَاتَ قَبْلَ أَحْمَدَ بِعِشْرِينَ سَنَةً.
(وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ تَلَفِهِ) لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّلَفِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَنْفَعَةٌ فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ (وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ فَأَدَّى قِيمَتَهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ إِلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ) لِأَنَّ مَنَافِعَهَا إِلَى وَقْتِ أَدَائِهَا مَمْلُوكَةٌ لِصَاحِبِهَا، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا (وَفِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ إِلَى رَدِّهِ (وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ بِبَدَلِهِ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَهُ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَبِمَا قَامَ مَقَامَهُ، وَالثَّانِي بَلَى؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ وَالْمَنْفَعَةَ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَضْمَنُ رَائِحَةَ مِسْكٍ وَنَحْوَهُ، خِلَافًا لِلِانْتِصَارِ لَا نَقْدًا لِتِجَارَةٍ.

[فَصْلُ تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ]

فَصْلٌ (وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ) هِيَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِتَصَرُّفَاتِ، وَالْحُكْمِيَّةُ: مَا كَانَ لَهَا حُكْمٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا أَجَزَأَ فَاعِلُهُ أَوْ أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءَ، وَفِي الْعُقُودِ مَا تَرَتَّبَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ فِي الْبَيْعِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فِي النِّكَاحِ، وَالْفَاسِدُ وَهُوَ الْبَاطِلُ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ (كَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ) كَالطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (وَالْعُقُودِ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوِهَا) كَالْإِجَارَةِ (بَاطِلَةٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ تَصَرُّفُ الْفُضُولِيِّ، وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَالْأُخْرَى صَحِيحَةٌ) مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَتَكْثُرُ تَصَرُّفَاتُهُ،

فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا، وَإِنِ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَهَا فَكَذَلِكَ، وَعَنْهُ: الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ، وَإِنِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَفِي إِبْطَالِهَا ضَرَرٌ كَبِيرٌ، وَرُبَّمَا عَادَ بَعْضُ الضَّرَرِ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهَا يَكُونُ الرِّبْحُ لِلْمَالِكِ وَالْعِوَضُ بِنَمَائِهِ وَزِيَادَتِهِ لَهُ، وَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِهَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَقَيَّدَ فِي الْعُقُودِ بِمَا لَمْ يُبْطِلْهُ الْمَالِكُ، فَأَمَّا إِنِ اخْتَارَ إِبْطَالَهُ بِأَخْذِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنِ اتَّجَرَ بِالدَّرَاهِمِ) بِأَنْ غَصَبَهَا وَاتَّجَرَ بِهَا، أَوْ عُرُوضًا فَبَاعَهَا وَاتَّجَرَ بِثَمَنِهَا، وَلَوْ قَالَ: بِالنَّقْدِ، لَعَمَّ (فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاحْتُجَّ بِخَبَرِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ، وَهَذَا حَيْثُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِلَى مَالِكِهِ وَرَدُّ الثَّمَنِ إِلَى الْمُشْتَرِي، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْفُنُونِ "، وَ " التَّرْغِيبِ ": إِنْ صَحَّ الشِّرَاءُ، وَقَالَ الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ فَعَلَىِ الْأَوَّلِ هُوَ لَهُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَصِحُّ الشِّرَاءُ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ فِي خَبَرِ عُرْوَةَ إِنَّمَا جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَّزَهُ لَهُ، وَحَيْثُ تَعَيَّنَ جَعْلُ الرِّبْحِ لِلْغَاصِبِ أَوِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَجَعْلُهُ لِلْمَالِكِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَالِهِ الَّذِي فَاتَهُ بِمَنْعِهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ لِلْغَاصِبِ شَيْءٌ مَنْعًا لِلْغَصْبِ، وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقُ بِهِ، نَقَلَهَا الشَّرِيفُ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ (وَإِنِ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَهَا فَكَذَلِكَ) أَيْ، فَالرِّبْحُ لِرَبِّهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " بِنِيَّةِ نَقْدِهِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الْغَصْبِ (وَعَنْهُ: الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي) لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ، فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بَدَلُ الْمَغْصُوبِ، وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَلَهُ الْوَطْءُ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ شُبْهَةٍ بِيَدِهِ، اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يَنْقُدُ مِنْ مَالِ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَشْتَرِي بِعَيْنِ الْمَالِ.
قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ.
فَرْعٌ: لَوْ دَفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً، فَرَبِحَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ عَلَى الْمَالِكِ شَيْءٌ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ فَلَا أَجْرَ لَهُ لِتَعَدِّيهِ بِالْعَمَلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَلَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ قَدْرِهِ) بِأَنْ قَالَ: غَصَبْتُكَ ثَوْبًا، قَالَ: بَلْ ثَوْبَيْنِ

اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ أَوْ عَيْبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، وَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غَصُوبٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا، يتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ بِشَرْطِ الضَّمَانِ كَاللُّقَطَةِ.

[المبدع في شرح المقنع]

(أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ) بِأَنْ قَالَ الْمَالِكُ: كَانَ كَاتِبًا، أَوْ ذَا صَنْعَةٍ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، كَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَقَرَّ بَعْضَهُ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ أَوْ عَيْبٍ) بِأَنْ قَالَ: كَانَتْ فِيهِ إِصْبَعٌ زَائِدَةٌ أَوْ نَحْوُهَا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّدِّ وَالْعَيْبِ، فَلَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ، وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الزِّيَادَةِ قُدِّمَ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَإِنْ شَاهَدَتِ الْبَيِّنَةُ الْمَغْصُوبَ مَعِيبًا، فَقَالَ الْغَاصِبُ: كَانَ مَعِيبًا قَبْلَ غَصْبِهِ، وَقَالَ الْمَالِكُ: تَغَيَّبَ عِنْدَكَ، قُدِّمَ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَقُيِلَ قَوْلُ الْمَالِكِ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوِ اخْتَلَفَا فِي الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ فَهِيَ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ تَثْبُتْ أَنَّهَا لِمَالِكِ الْعَبْدِ.
(وَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غَصُوبٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا) فَسَلَّمَهَا إِلَى حَاكِمٍ بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهَا وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهَا، وَلَهُ أَنْ (يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ) عَلَى الْأَصَحِّ (بِشَرْطِ الضَّمَانِ كَاللُّقَطَةِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا، فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ كَانَ ثَوَابُهَا لِأَرْبَابِهَا، فَيَسْقُطُ عَنْهُ إِثْمُ غَصْبِهَا، فَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ الْمَالِكِ، لَكِنْ بِشَرْطِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِدُونِ مَا ذُكِرَ إِضَاعَةٌ لِمَالِ الْمَالِكِ، لَا عَلَى وَجْهِ بَدَلٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَفِي " الْغُنْيَةِ " عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَنَقَلَ أَيْضًا عَلَى فُقَرَاءِ مَكَانِهِ إِنْ عَرَفَهُ؛ لِأَنَّ دِيَةَ قَتِيلٍ تُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا غَيْرَ الصَّدَقَةِ، لَكِنْ نَقَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ: يَتَصَدَّقُ أَوْ يَشْتَرِي بِهِ كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا يُوقَفُ هُوَ مُصْلِحَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَأَلَهُ جَعْفَرٌ عَمَّنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ، أَوْ كَرْمٌ لَيْسَ أَصْلُهُ طَيِّبًا، وَلَا يَعْرِفُ رَبَّهُ؛ قَالَ: يُوقِفُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَذَكَرَ فِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهًا عَلَى أَفْضَلِ الْبِرِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَصْرِفُهُ فِي الْمَصَالِحِ، وَقَالَهُ فِي وَدِيعَةٍ، وَنَقَلَهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِالْمَغْصُوبِ، كَالرِّوَايَةِ فِي اللُّقَطَةِ، فَعَلَى هَذَا لَهُ دَفْعُهُ إِلَى نَائِبِ الْإِمَامِ كَالضَّوَالِّ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ: إِذَا عَلِمَ رَبَّهُ وَشَقَّ دَفْعُهُ وَهُوَ يَسِيرٌ كَحَبَّةٍ، فَسَلَّمَهُ إِلَى حَاكِمٍ بَرِئَ.

فَصْلٌ وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيْدَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَائِدَةٌ: رَهْنُ وَدِيعَةٍ كَغَصْبٍ، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ هِيَ عِنْدَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا، نُصَّ عَلَيْهِ.

[فَصْلُ مَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ]

فَصْلٌ (وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ ضَمِنَهُ) إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِالْإِتْلَافِ فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فَتَلِفَ عِنْدَهُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ " مَالًا " احْتِرَازًا عَنِ الْكَلْبِ وَالسِّرْجِينِ النَّجِسِ " مُحْتَرَمًا " احْتِرَازًا عَمَّا لَيْسَ بِمُحْتَرَمٍ، وَإِنْ كَانَ مَالًا كَآلَةِ اللَّهْوِ لِغَيْرِهِ يَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا، صُرِّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَعْصُومٍ لَا يُضْمَنُ مَالُهُ، وَزَادَ: أَوْ مِثْلُهُ يَضْمَنُهُ يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْأَبِ إِذَا أَتْلَفَ مَالَ وَلَدِهِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ إِذَا أَتْلَفَا مَالًا دَفَعَهُ مَالِكُهُ إِلَيْهِمَا بِشَرْطِهِ، وَمَا تَلِفَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالْمُخْتَارِ وَالْمُكْرَهِ لِعُمُومِ " مَنْ " وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمُكْرَهِ، وَفِي آخَرَ يَضْمَنُهُ مُكْرِهُهُ كَدَفْعِهِ مُكْرَهًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِتْلَافًا.
وَقِيلَ: الْمُكْرَهُ كَمُضْطَرٍّ، وَيَرْجِعُ فِي الْأَصَحِّ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ إِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ، وَقِيلَ: وَعَلِمَهُ لِإِبَاحَةِ إِتْلَافِهِ، وَهَلْ لِرَبِّهِ مُطَالَبَةُ مُكْرِهِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ طَالَبَهُ رَجَعَ عَلَى الْمُتْلِفِ إِنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الضَّمَانُ بَيْنَهُمَا، وَكَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ مَعَ إِذْنِهِ، وَعَيَّنَ ابْنُ عَقِيلٍ الْوَجْهَ الْمَأْذُونَ فِيهِ مَعَ غَرَضٍ صَحِيحٍ (وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ) فَطَارَ (أَوْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدِهِ) فَهَرَبَ (أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ) فَشَرَدَ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ نَفَّرَهُ، فَلَوْ بَقِيَ الطَّائِرُ فِي مَحَلِّهِ وَكَذَا الْآخَرُونَ، فَتَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَمْ يَجِبِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ، وَحَذَفَهُ الْمُؤَلِّفُ اعْتِمَادًا عَلَى ظُهُورِهِ، فَلَوْ بَقِيَ الطَّائِرُ وَالْفَرَسُ بِحَالِهِمَا حَتَّى نَفَّرَهُمَا آخَرُ وَذَهَبَا، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُنَفِّرِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ، فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ، وَفِي " الْفُنُونِ " إِنْ كَانَ الطَّائِرُ مُتَأَلِّفًا فَلَا، كَذَكَاةِ مُتَأَنِّسٍ وَمُتَوَحِّشٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْنَسَ فِي مَظِنَّةِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَالْقَفَصُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ.

عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ أَوْ وِكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ أَوْ جَامِدٍ فَأَذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعِدًا، فَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ

وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً فِي طَرِيقٍ فَأُتْلِفَتْ، أَوِ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ، إِلَّا أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

تَنْبِيهٌ: لَوْ دَفَعَ مِبْرَدًا إِلَى مُقَيَّدٍ فَبَرَدَ قَيْدَهُ، فَفِي تَضْمِينِ دَافِعِهِ وَجْهَانِ، وَلَا يَضْمَنُ دَافِعُ مِفْتَاحٍ إِلَى لِصٍّ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ سَبَبٌ وَاللِّصَّ مُبَاشِرٌ، فَأُحِيلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ غَرِمَ بِسَبَبِ كَذِبٍ عَلَيْهِ عِنْدَ وَلِيِّ أَمْرٍ فَلَهُ تَغْرِيمُ الْكَاذِبِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يُحَالُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْمُبَاشِرِ كَمَنْ أَلْقَى شَخْصًا فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ فَقَتَلَهُ الْأَسَدُ، أَوْ فِي بَحْرٍ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ (أَوْ) حَلَّ (وِكَاءَ) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَمْدُودًا مَا يُسَدُّ بِهِ رَأْسُ الْقِرْبَةِ (زِقِّ مَائِعٍ أَوْ جَامِدٍ فَأَذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعِدًا فَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ ضَمِنَهُ) لِأَنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ تَلَفِهِ، لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا مَا يُمْكِنُ إِحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ جَرَحَ إِنْسَانًا فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَهُ إِنْسَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُبَاشِرٌ يُمْكِنُ إِحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ) وَزَلْزَلَةُ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُلْجِئٍ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ضَمَانٌ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إِنْسَانٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُضَمَّنُ فِيمَا أَذَابَتْهُ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُلْجِئٍ مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي مَنْقُوضٌ بِمَا إِذَا أَذَابَتْهُ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ فِيهِ بِعَدَمِ الضَّمَانِ.
فَرْعٌ: لَوْ حَبَسَ مَالِكٌ دَوَابَّ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنِ الْحَابِسُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَبْسِ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ.

[رَبْطُ دَابَّةٍ فِي طَرِيقٍ فَأُتْلِفَتْ]

(وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً فِي طَرِيقٍ فَأُتْلِفَتْ) ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالرَّبْطِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْوَاسِعِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ فِي الْوَاسِعِ إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدُ صَاحِبِهَا عَلَيْهَا رِوَايَتَانِ، وَفِي الضَّيِّقِ يَضْمَنُ وَلَوْ بِرِجْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ ضَرَبَهَا إِذَنْ فَرَفَسَتْهُ فَمَاتَ ضَمِنَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ "، وَمِثْلُهُ لَوْ تَرَكَ فِيهِ طِينًا، أَوْ خَشَبَةً، أَوْ حَجَرًا، أَوْ كِيسَ دَرَاهِمَ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَبِإِسْنَادِ خَشَبَةٍ إِلَى حَائِطٍ (أَوِ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ) نُصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاقْتِنَائِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالدُّخُولِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ الْمُقْتَنِي، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ الْآذِنُ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى تَلَفِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إِذَا كَانَ الْكَلْبُ مُوثَقًا لَمْ يَضْمَنْ مَا عَقَرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِغَيْرِ الْعَقْرِ، كَمَا لَوْ وَلَغَ أَوْ بَالَ فِي إِنَاءِ إِنْسَانٍ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ (وَقِيلَ: فِي الْكَلْبِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ سَبَبٌ لِلْعَقْرِ وَأَذًى

يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقِيلَ: فِي الْكَلْبِ رِوَايَتَانِ فِي الْجُمْلَةِ.

وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَ، إِذَا كَانَ أَسْرَفَ فِيهِ أَوْ فَرَّطَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ حَفَرَ فِي فَنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا، وَإِنْ حَفَرَهَا

[المبدع في شرح المقنع]

لِلنَّاسِ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ.
وَالثَّانِيَةُ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ جِنَايَةٌ، وَكَسَائِرِ الْبَهَائِمِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَضْمَنُ مَا عَقَرَ خَارِجَ الدَّارِ إِنْ لَمْ يَكُفَّهُ رَبُّهُ، أَوْ يُحَذِّرْ مِنْهُ (فِي الْجُمْلَةِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي مَنْزِلِ صَاحِبِهِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ، دَخَلَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ أَوْ لَا.
فَرْعٌ: حُكْمُ أَسَدٍ، وَنَمِرٍ، وَذِئْبٍ، وَهِرٍّ تَأْكُلُ الطُّيُورَ، وَتَقْلِبُ الْقُدُورَ فِي الْعَادَةِ حُكْمُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَلَهُ قَتْلُ الْهِرِّ بِأَكْلِ لَحْمٍ وَنَحْوِهِ كَالْفَوَاسِقِ، وَفِي " الْفُصُولِ " حِينَ أَكْلِهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِهِ كَصَائِلٍ.

[أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ أَوْ سَقَى أَرْضَهُ فَتَعَدَّى إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَهُ]

(وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَ إِذَا كَانَ أَسْرَفَ فِيهِ أَوْ فَرَّطَ) بِأَنْ أَجَّجَهَا بِمَا تَسْرِي فِي الْعَادَةِ لِكَثْرَتِهَا، أَوْ فِي رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحَمِلُهَا، أَوْ فَتَحَ مَاءً كَثِيرًا يَتَعَدَّى؛ لِأَنَّهَا سِرَايَةُ عُدْوَانٍ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ بَاشَرَ ذَلِكَ بِالْإِتْلَافِ، فَلَوْ أَجَّجَهَا ثُمَّ طَرَأَتْ رِيحٌ لَمْ يَضْمَنْ، قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لَوْ أَجَّجَهَا عَلَى سَطْحِ دَارِهِ فَهَبَّتِ الرِّيحُ، فَأَطَارَتِ الشَّرَرَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، وَهُبُوبُ الرِّيحِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِي طَرِيقٍ، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَضْمَنُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " لِتَعَدِّيهِ (وَإِلَّا فَلَا) ضَمَانَ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ إِفْرَاطٌ وَلَا تَفْرِيطٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّهَا سِرَايَةُ فِعْلٍ مُبَاحٍ فَلَمْ يُضْمَنْ، كَسِرَايَةِ الْقَوَدِ، وَفَارَقَ مَا إِذَا حَلَّ زِقًّا فَانْدَفَقَ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِحَلِّهِ (وَإِنْ حَفَرَ فِي فِنَائِهِ) وَهُوَ مَا كَانَ خَارِجَ الدَّارِ قَرِيبًا مِنْهَا (بِئْرًا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا) لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ إِلَى إِتْلَافِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَوَاضِعِ السِّكِّينِ، وَسَوَاءٌ حَفَرَهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ إِذْنِهِ، فِيهَا ضَرَرٌ أَوْ لَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَهُ حَفْرُهَا لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فَعَلَيْهِ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي الِانْتِفَاعِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ حَفَرَ فِي مَكَانٍ مُشْتَرَكٍ بِغَيْرِ إِذَنْ أَهْلِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِمْ؛ فَضَمِنَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنِ

فِي سَابِلَةٍ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ بَسَطَ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

الْإِمَامُ فِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ لِلْإِمَامِ الْإِذْنَ فِيهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ بِيعُ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِذِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِحَاكِمٍ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ لِلْمَصْلَحَةِ (وَإِنْ حَفَرَهَا فِي سَابِلَةٍ) وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكَةُ السَّبِيلُ: الطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ) لِيَنْزِلَ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ لِيَشْرَبَ مِنْهَا الْمَارَّةُ (لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِفِعْلِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، أَشْبَهَ بَاسِطَ الْحَصِيرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، وَمَعْنَاهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنْ حَفَرَهَا فِي سَابِلَةٍ وَاسِعَةٍ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، وَالثَّانِيَةُ يَضْمَنُ، وَاقْتَصَرَ الْقَاضِي عَلَى حِكَايَتِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَلَمْ تُوجَدْ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَيَشُقُّ اسْتِئْذَانُ الْإِمَامِ، وَتَعُمُّ الْبَلْوَى بِهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ حَفَرَهَا فِي مَوَاتٍ لِتَمَلُّكٍ، أَوِ ارْتِفَاقٍ، أَوِ انْتِفَاعٍ عَامٍّ، نُصَّ عَلَيْهِ، أَوْ بَنَى فِيهَا مَسْجِدًا أَوْ خَانًا وَنَحْوَهُمَا لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ.
فَرْعٌ: فِعْلُ عَبْدِهِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِهِ، أَعْتَقَهُ أَوْ لَا، وَيَضْمَنُ سُلْطَانٌ آمِرٌ وَحْدَهُ، وَإِنْ حَفَرَهَا حُرٌّ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا وَثَبَتَ عِلْمُهُ أَنَّهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، ضَمِنَ الْحَافِرَ، وَنَصُّهُ: هُمَا، وَإِنْ جَهِلَ فَالْآمِرُ.
وَقِيلَ: الْحَافِرُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ الْبِنَاءِ فِي الطَّرِيقِ كَالْحَفْرِ فِيهِ، مَسْجِدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، نَقَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ تُهْدَمُ، وَسَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ: يَزِيدُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: لَا تُصَلِّي فِيهِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ إِذْنُ الْإِمَامِ فِي الْبِنَاءِ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْحَفْرِ لِدَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِنَفْعِ الطَّرِيقِ وَإِصْلَاحِهَا، وَإِزَالَةِ الطِّينِ وَالْمَاءِ مِنْهَا فَهُوَ كَتَنْقِيَتِهَا، وَحَفْرِ هَدَفِهِ

مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، وَإِنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ فَتَلِفَ لَمْ يُضْمَنْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

وَإِنْ أَخْرَجَ

[المبدع في شرح المقنع]

فِيهَا، وَقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ، وَوَضْعِ الْحَصَى فِي حُفْرَةٍ فِيهَا لِيَمْلَأَهَا، وَتَسْقِيفِ سَاقِيَةٍ فِيهَا، وَوَضْعِ حَجَرٍ فِي طِينٍ لِيَطَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَهَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ، لَا يُضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَكَذَا بِنَاءُ الْقَنَاطِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا إِذْنُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ لَا تَعُمُّ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ سُقُوطُ الضَّمَانِ إِذَا حَفَرَهَا فِي مَكَانٍ مَائِلٍ عَنِ الْقَارِعَةِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ حَاجِزًا، يُعْلِمُ بِهِ لِيُتَوَقَّى (وَإِنْ بَسَطَ فِي مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا) أَوْ فَعَلَ فِيهِ شَيْئًا يَنْفَعُ النَّاسَ (لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ شَرْعًا، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَسِرَايَةِ الْقَوْدِ، وَقِيلَ: بَلْ يَضْمَنُ الْمَالَ، وَعَاقِلَتَهُ الدِّيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ حَاجَةً، فَهَدَرٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ كَوَضْعِ حَصًى فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحْسَنَ بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ كَمَا لَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ وَالْجِيرَانُ (وَإِنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ جَلَسَ فِي مَكَانٍ لَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ عَلَى أَحَدٍ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْوَاسِعِ يُخْرِجُ الضَّيِّقَ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا لَا الْجُلُوسِ، وَالْمَسْجِدُ لِلصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا مُبَاحًا، وَالطَّرِيقُ الْوَاسِعُ يُجْلَسُ فِيهِ عَادَةً، وَالْمَسْجِدُ جُعِلَ لِلصَّلَاةِ، وَانْتِظَارِهَا، وَالِاعْتِكَافِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَبَعْضُهَا لَا تُبَاحُ الصَّلَاةُ فِيهِ.

[أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إِلَى طَرِيقٍ فَسَقَطَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ]

(وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا، أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَرِيقِ فَسَقَطَ) أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ (عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَ) الْمُخْرِجُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ جَرَحَ إِنْسَانًا فَتَعَدَّى إِلَى قَتْلِهِ، وَأَطْلَقَ الْمُؤَلِّفُ الطَّرِيقَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ غَيْرَ نَافِذٍ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ.
مَسَائِلُ: إِذَا تَلِفَتْ حَامِلٌ أَوْ حَمْلُهَا مِنْ رِيحِ طَبِيخٍ، عَلِمَ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ مَيْلُهُ

جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَ.

وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ

[المبدع في شرح المقنع]

إِلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ فَالْحَقُّ لِأَهْلِ الدَّرْبِ، وَالْمُطَالَبَةُ لَهُمْ، فَإِنْ تَشَقَّقَ الْحَائِطُ وَلَمْ يَمِلْ، فَإِنْ كَانَ طُولًا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا فَهُوَ كَالْمَائِلِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا بَنَى حَائِطًا فِي مِلْكِهِ مُسْتَوِيًا أَوْ مَائِلًا إِلَى مِلْكِهِ فَسَقَطَ فَأَتْلَفَ شَيْئًا فَهَدَرٌ، وَإِنْ بَنَاهُ مَائِلًا إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ أَوِ الطَّرِيقِ وَخِيفَ ضَرَرُهُ نَقَضَهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَسَقَطَ فَأَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا، ضَمِنَ الْمَالَ وَالْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ.
وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ مَالَ، وَمَا بَقِيَ مِنْ حَائِطِهِ السَّاقِطِ فِي فِنَائِهِ أَوْ طَرِيقٍ، فَهَلَكَ بِهِ أَحَدٌ فَهَلْ يَضْمَنُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَصْلٌ: إِذَا تَقَدَّمَ إِلَى مَالِكِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ فَبَاعَهُ، ثُمَّ سَقَطَ فَأَتْلَفَ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكِهِ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَالَبْ بِنَقْضِهِ، وَإِذَا قِيلَ بِالضَّمَانِ وَالْمُتْلِفُ آدَمِيٌّ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَتْ أَنَّ الْحَائِطَ لِصَاحِبِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ وَالْحَقُّ لَهُ فَلَا ضَمَانَ.

[مَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ]

(وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا) إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» أَيْ: هَدَرٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتْلَفُ صَيْدَ حَرَمٍ أَوْ غَيْرَهُ، أَطْلَقَهُ أَصْحَابُنَا، وَمُرَادُهُمْ إِلَّا الضَّارِيَةَ وَالْجَوَارِحَ وَشَبَهَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِإِمْسَاكِهَا: ضَمِنَهُ إِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا.
وَفِي " الْفُصُولِ " مَنْ أَطْلَقَ كَلْبًا عَقُورًا، أَوْ دَابَّةً رَفُوسًا، أَوْ عَضُوضًا عَلَى النَّاسِ، وَخَلَّاهُ فِي طُرُقِهِمْ وَرِحَابِهِمْ، فَأَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَهُ لِتَفْرِيطِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً عَادَةً، ضَمِنُوا فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ أَطَارَتِ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ ثَوْبًا لَزِمَهُ حِفْظُهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ

فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ مَالَ حَائِطُهُ وَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَوْمَأَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ إِنْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِنَقْضِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ كَالرَّاكِبِ، وَالسَّائِقِ، وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَتْ

[المبدع في شرح المقنع]

صَاحِبَهُ، فَلُقَطَةٌ، وَإِنْ عَرِفَهُ لَزِمَهُ إِعْلَامُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ، وَإِنْ دَخَلَهَا طَائِرُ غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حِفْظُهُ، وَلَا إِعْلَامُهُ بِهِ.
وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَيَكُونَ كَالثَّوْبِ، وَإِنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ لِيُمْسِكَهُ لِنَفْسِهِ ضَمِنَهُ وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ مَالَ حَائِطُهُ) إِلَى غَيْرِ مِلْكِهِ وَعَلِمَ بِهِ، وَأَسْقَطَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (وَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْمَيْلَ حَادِثٌ، وَالسُّقُوطُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَ قَبْلَ مَيْلِهِ، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَهُ نَقْضُهُ أَوْ طُولِبَ بِهِ أَوْ لَا (وَأَوْمَأَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ إِنْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِنَقْضِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَ الْإِتْلَافَ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، فَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ طَالَبَهُ مُسْتَحِقٌّ بِنَقْضِهِ وَأَمْكَنَهُ ضَمِنَ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ إِذَا كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ ضَمِنَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ كَبِنَائِهِ مَائِلًا، وَأَمَّا إِنْ طُولِبَ بِالنَّقْضِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْجَوَابِ فِيهَا، وَحُكِيَ فِي " الشَّرْحِ " الضَّمَانَ عَنِ الْأَصْحَابِ، فَعَلَى هَذَا الْمُطَالَبَةُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ يُوجِبُ الضَّمَانَ بِشَرْطِهِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ بِخِلَافٍ مُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَالِكُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِسَفَهٍ وَنَحْوِهِ فَطُولِبَ لَمْ يَلْزَمْهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، وَإِنْ طُولِبَ وَلِيُّهُ أَوِ الْوَصِيُّ فَلَمْ يَفْعَلْ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمَالِكِ، وَإِنْ طُولِبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَفِي حِصَّتِهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ بِدُونِ إِذْنٍ فَهُوَ كَالْعَاجِزِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنَ النَّقْضِ بِمُطَالَبَةِ شَرِيكِهِ وَإِلْزَامِهِ فَصَارَ مُفَرِّطًا لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنَ الْمَالِكِ، وَلَا ذِمَّةَ لَهَا فَيَتَعَلَّقُ بِهَا، وَلَا قَصْدَ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالطِّفْلِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ كَالرَّاكِبِ، وَالسَّائِقِ، وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَتْ يَدُهَا، وَفَمُهَا دُونَ مَا جَنَتْ رِجْلُهَا) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ مَرْفُوعًا «الرِّجْلُ جُبَارٌ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «رِجْلُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي جِنَايَةِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا

يَدُهَا وَفَمُهَا دُونَ مَا جَنَتْ رِجْلُهَا، وَيَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لَيْلًا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا

وَمَنْ صَالَ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

مِنَ الْجِنَايَةِ بِهَا بِخِلَافِ الرِّجْلِ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ مَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا كَكَبْحِهَا وَنَحْوِهِ، وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ وَكَوَطْئِهِ بِهَا، وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ هَانِئٍ فِيهِ لَا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِرِجْلِهَا، أَوْ نَفَحَتْ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَبْسِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ سَائِقٌ جِنَايَةَ رِجْلِهَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ السَّبَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ ضَمِنَ فَاعِلٌ كَنَخْسِهَا، وَتَنْفِيرِهَا، وَيُعْتَبَرُ فِي الرَّكْبِ أَنْ يَكُونَ مُتَصَرِّفًا فِيهَا، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا اثْنَانِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كَفِّهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، أَوْ مَرِيضًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مُتَوَلِّيًا تَدْبِيرَهَا فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي التَّصَرُّفِ، أَوْ كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ اشْتَرَكَا فِي الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا رَاكِبٌ، شَارَكَ، وَقِيلَ: رَاكِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى.
وَقِيلَ: قَائِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلرَّاكِبِ مَعَهُ، وَلَا ضَمَانَ بِذَنْبِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَيَضْمَنُ جِنَايَةَ وَلَدِهَا.
فَرْعٌ: الْإِبِلُ وَالْبِغَالُ الْمُقْطَرَةُ كَالْوَاحْدَةِ، عَلَى قَائِدِهَا الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ شَارَكَهُ فِي ضَمَانِ الْأَخِيرِ فَقَطْ إِنْ كَانَ فِي آخِرِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهَا شَارَكَ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا عَدَا الْأَوَّلَ شَارَكَ فِي ضَمَانِ مَا بَاشَرَ سَوْقَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَشَارَكَ فِيمَا بَعْدُ، وَإِنِ انْفَرَدَ رَاكِبٌ بِالْقِطَارِ وَكَانَ عَلَى أَوَّلِهِ ضَمِنَ جِنَايَةَ الْجَمِيعِ، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.
(وَيَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لَيْلًا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ،

نَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً فَعَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانُ الْمُصْعِدَةِ، إِلَّا أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ» ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُورٌ، وَحَدَّثَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ، وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ أَهْلَ الْمَوَاشِي إِرْسَالُهَا نَهَارًا لِلرَّعْيِ وَحِفْظُهَا لَيْلًا، عَكْسُ أَهْلِ الْحَوَائِطِ، وَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى عَلَى كُلِّ مَا يُحْفَظُ فِي وَقْتِ عَادَتِهِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْوَجِيزِ " عَلَى الزَّرْعِ فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا أَتْلَفَتْ غَيْرَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى مَالِكِهَا صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتِ لَيْلًا، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَلَوِ انْفَلَتَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَقِيلَ: لَا، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَلَا يَضْمَنُ نَهَارًا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا مَزَارِعُ، وَمَرَاعٍ، فَأَمَّا الْقُرَى الْعَامِرَةُ الَّتِي لَا مَرْعَى فِيهَا إِلَّا بَيْنَ فِرَاجَيْنِ كَسَاقِيَةٍ وَطَرَفِ زَرْعٍ، فَلَيْسَ لَهُ إِرْسَالُهَا بِغَيْرِ حَافِظٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ، فَأَمَّا الْغَاصِبُ فَيَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ مُطْلَقًا.
فَرْعٌ: إِذَا طَرَدَ دَابَّةً مِنْ زَرْعِهِ لَمْ يَضْمَنْ، إِلَّا أَنْ يُدْخِلَهَا مَزْرَعَةَ غَيْرِهِ، فَإِنِ اتَّصَلَتِ الْمَزَارِعُ صَبَرَ لِتَرْجِعَ عَلَى رَبِّهَا، وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يُخْرِجَهَا وَلَهُ مُنْصَرَفٌ غَيْرُ الْمَزَارِعِ فَتَرَكَهَا؛ فَهَدَرٌ.

[صَالَ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ أَوْ غَيْرُهُ كَبَهِيمَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعَهَا إِلَّا بِهِ]

(وَمَنْ صَالَ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ) مُكَلَّفٌ (أَوْ غَيْرُهُ) كَبَهِيمَةٍ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهَا إِلَّا بِهِ ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِدَفْعٍ جَائِزٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ النَّفْسِ عَنِ الْقَتْلِ (وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيِ الْقَيِّمَيْنِ (سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا فِيهَا) لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِسَبَبِ فِعْلَيْهِمَا، فَوَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ كَالْفَارِسَيْنِ إِذَا اصْطَدَمَا، وَهَذَا إِذَا كَانَا مُفَرِّطَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، لَكِنْ قَطَعَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ إِذَا فَرَّطَ، وَعَزَاهُ الْحَارِثِيُّ إِلَى الْأَصْحَابِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي التَّفْرِيطِ وَلَا بَيِّنَةَ،

يَكُونَ غَلَبَهُ رِيحٌ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا.

وَمَنْ أَتْلَفَ مِزْمَارًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

قُدِّمَ قَوْلُ الْقَيِّمِ مَعَ يَمِينِهِ (وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً، فَعَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانُ الْمُصْعِدَةِ) لِأَنَّهَا تَنْحَطُّ عَلَيْهَا مِنْ عُلُوٍّ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِغَرَقِهَا، فَتَنْزِلُ الْمُنْحَدِرَةُ مَنْزِلَةَ السَّائِرَةِ، وَالصَّاعِدَةُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفَةِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَلَبَهُ رِيحٌ) أَوِ الْمَاءُ شَدِيدُ الْجَرْيَةِ (فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا، وَلِأَنَّ التَّلَفَ يُمْكِنُ اسْتِنَادُهُ إِلَى الرِّيحِ، فَإِنْ فَرَّطَ صَاحِبُ الْمُصْعِدَةِ بِأَنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الْعُدُولُ بِسَفِينَتِهِ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ إِحْدَاهُمَا سَائِرَةً، وَالْأُخْرَى وَاقِفَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى السَّائِرَةِ ضَمَانُ الْوَاقِفَةِ إِنْ كَانَ الْقَيِّمُ مُفَرِّطًا، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتْ دَابَّةٌ عَلَيْهَا حَطَبٌ، فَخَرَقَ ثَوْبَ آدَمِيٍّ بَصِيرٍ عَاقِلٍ يَجِدُ مُنْحَرَفًا فَهَدَرٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُسْتَدِيرًا فَصَاحَ بِهِ مُنَبِّهًا لَهُ، وَإِلَّا ضَمِنَ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ".

[أَتْلَفَ مِزْمَارًا أَوْ طُنْبُورًا]

(وَمَنْ أَتْلَفَ مِزْمَارًا) وَيُقَالُ: مُزْمُورٌ بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى (أَوْ طُنْبُورًا) وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَالطِّنْبَارُ لُغَةٌ فِيهِ بِوَزْنِ سِنْجَارٍ (أَوْ صَلِيبًا) لَمْ يَضْمَنْهُ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، وَلَوْ مَعَ صَبِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ فَلَمْ يُضْمَنْ كَالْمَيْتَةِ، وَلِلْخَبَرِ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْمُلْهِي لَعَمَّ، كَعُودٍ، وَطَبْلٍ، وَدُفٍّ بِصُنُوجٍ، أَوْ حَلَقٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَنَرْدٍ، وَشَطْرَنْجَ، أَوْ آلَةِ سِحْرٍ أَوْ تَنْجِيمٍ، وَنَحْوِهِ (أَوْ كَسَرَ إِنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَالْمَيْتَةِ، وَعَنْهُ: بَلَى، حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ هَشَّمَ عَلَى غَيْرِهِ إِبْرِيقَ فِضَّةٍ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَصُوغُهُ كَمَا كَانَ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ اتِّخَاذِهَا فَسَكَتَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ (أَوْ إِنَاءَ خَمْرٍ لَمْ يَضْمَنْهُ) عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مُدْيَةً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ وَفِيهَا زِقَاقُ الْخَمْرِ، قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ فَشُقَّتْ بِحَضْرَتِهِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْخَمْرُ الَّذِي فِيهَا يُؤْمَرُ بِإِرَاقَتِهِ، قَدَرَ أَنْ يُرِيقَهَا بِدُونِهِ أَوْ عَجَزَ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ

كَسَرَ إِنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إِنَاءَ خَمْرٍ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ آنِيَةَ الْخَمْرِ إِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيْرِهِ.

بَابُ الشُّفْعَةِ وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهَا، وَلَا يَحِلُّ الِاحْتِيَالُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَغَيْرُهُ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِنَّ كَخِنْزِيرٍ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ آنِيَةَ الْخَمْرِ إِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مَالٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَيَحِلُّ بَيْعُهُ، فَيَضْمَنُهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ فِيهَا خَمْرٌ، وَلِأَنَّ جَعْلَ الْخَمْرِ فِيهَا لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ ضَمَانِهَا كَمَخْزَنِ الْخَمْرِ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَخْزَنًا لِلْخَمْرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ بَلَى، وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، وَلَا يَضْمَنُ كِتَابًا فِيهِ أَحَادِيثُ رَدِيئَةٌ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، فَجَعَلَهُ كَآلَةِ لَهْوٍ، وَلَا حُلِيًّا مُحَرَّمًا عَلَى الرِّجَالِ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَقَعَ فِي مِحْبَرَتِهِ مَالُ غَيْرِهِ بِتَفْرِيطِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ كُسِرَتْ مَجَّانًا، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ، ضَمِنَ رَبُّ الْمَالِ كَسْرَهَا، فَإِنْ بَذَلَ رَبُّهَا بَدَلَهُ، فَفِي وُجُوبِ قَبُولِهِ وَجْهَانِ.

[بَابُ الشُّفْعَةِ]

[تَعْرِيفُ الشُّفْعَةِ]

بَابُ الشُّفْعَةِ هِيَ بِإِسْكَانِ الْفَاءِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ، أَوِ الزِّيَادَةِ، أَوِ التَّقْوِيَةِ، أَوْ مِنَ الشَّفْعِ، وَهُوَ أَحْسَنُهَا؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ هُوَ الزَّوْجُ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ كَانَ نَصِيبُهُ مُنْفَرِدًا فِي مِلْكِهِ، فَبِالشُّفْعَةِ ضَمَّ الْمَبِيعَ إِلَى مِلْكِهِ، وَبِالثَّانِي جَزَمَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ كَانَ وِتْرًا فَصَارَ شَفْعًا، وَالشَّافِعُ هُوَ الْجَاعِلُ الْوِتْرِ شَفْعًا، وَالشَّفِيعُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ.
وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ، فَرَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَبِالْإِجْمَاعِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهَا إِلَّا الْأَصَمَّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَثْبُتْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِأَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ لِتَقَاعُسِ النَّاسِ عَنِ الشِّرَاءِ حَيْثُ عَلِمُوا انْتِزَاعَ مَا يَشْتَرُونَهُ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ ذَلِكَ بِالْمُقَاسَمَةِ، وَأَعْقَبَ الشُّفْعَةَ لِلْغَصْبِ، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ قَهْرًا، فَكَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ تَحْرِيمِ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ قَهْرًا.

لِإِسْقَاطِهَا

وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا، وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِحَالٍ، وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيْرُ الْمَالِ كَالصَّدَاقِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

(وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهَا) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَاهَا، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِرَازِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، وَلَا مَانِعَ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْكَافِرُ، وَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الْمُنْتَقِلَةِ عَنْهُ مِنْ يَدِ مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ مَا انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْإِرْثِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْهِبَةِ بِغَيْرِ ثَوَابٍ، أَوْ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَالِيٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ كَالْخَلْعِ وَنَحْوِهِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ أَخْذَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ مُسْتَقِرٍّ (وَلَا يَحِلُّ الِاحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِهَا) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنَ الْحِيَلِ فِي إِبْطَالِهَا، وَلَا إِبْطَالُ حَقِّ مُسْلِمٍ، اسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ» ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْحِيَلَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَلَوْ سَقَطَتْ بِالْحِيَلِ، لَلَحِقَ الضَّرَرُ؛ فَلَمْ تَسْقُطْ كَمَا لَوْ أَسْقَطَهَا الْمُشْتَرِي عَنْهُ بِوَقْفٍ، أَوْ بَيْعٍ، فَعَلَى هَذَا لَوِ احْتَالَ لَمْ يَسْقُطْ، وَمَعْنَى الْحِيلَةِ أَنْ يُظْهِرَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْبَيْعِ شَيْئًا لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ، وَيَتَوَاطَئُونَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِدَنَانِيرَ، وَيَقْضِيَهُ عَنْهَا بِدَرَاهِمَ، أَوْ يَشْتَرِيَ شِقْصًا بِثَمَنٍ ثُمَّ يُبَرِّئُهُ مِنْ بَعْضِهِ، أَوْ يَشْتَرِيَ جُزْءًا مِنَ الشِّقْصِ بِمِائَةٍ ثُمَّ يَهَبَ الْبَائِعُ بَاقِيَهُ، وَيَأْخُذُ الْجُزْءَ الْمَبِيعَ مِنَ الشِّقْصِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

[شُرُوطُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ]

[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا]

(وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا) وَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَالْخَبَرُ وَارِدٌ فِيهِ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَبِيعِ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا.
وَقِيلَ: وَلَوْ مَعَ خِيَارِ مَجْلِسٍ وَشَرْطٍ، وَقِيلَ: شَرْطٌ كَمُشْتَرٍ (وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ) كَالْهِبَةِ بِغَيْرِ ثَوَابٍ وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْإِرْثِ (بِحَالٍ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، وَالْأَخْذُ يَقْتَضِي دَفْعَ الْعِوَضِ، وَلَمْ يَقْصِدْ فِيهَا الْمُعَاوَضَةَ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْمَرْدُودُ بِالْعَيْبِ، أَوِ الْفَسْخِ (وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيْرُ الْمَالِ كَالصَّدَاقِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ،

فَصْلٌ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ، وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِغَيْرِ الْمَالِ أَشْبَهَ الْإِرْثَ، وَالثَّانِي يَجِبُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَالَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَأَطْلَقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا أُخِذَ أُجْرَةً، أَوْ ثَمَنًا فِي سَلَمٍ، أَوْ عِوَضًا فِي كِتَابَةٍ، فَإِنْ وَجَبَتْ، فَقِيلَ: يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَقِيلَ: بِقِيمَةِ مُقَابِلِهِ، وَعَلَى الْأَخْذِ لَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ بَعْدَ الدُّخُولِ بَعْدَ عَفْوِ الشَّفِيعِ رَجَعَ بِنِصْفِ مَا أَصْدَقَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي يَدِهَا نَصِفُهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا زَالَ عَنْهُ، وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ ثُمَّ عَلِمَ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ السَّابِقِ.
وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ حَقُّ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَهُمَا مَعْدُومَانِ فِي الشُّفْعَةِ هُنَا، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا انْتَقَلَ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ كَالصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَالصُّلْحِ عَنِ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَالْهِبَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا ثَوَابٌ مَعْلُومٌ، فَإِنَّهَا تُثْبَتُ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثْبَتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَى جِنَايَتَيْنِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَصَالَحَهُ مِنْهُمَا عَلَى شِقْصٍ، فَالشُّفْعَةُ فِي نِصْفِهِ فَقَطْ إِنْ قُلْنَا: مُوجَبُ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ عَيْنًا، وَإِلَّا وَجَبَ فِي الْجَمِيعِ.

[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ شِقْصًا]

فَصْلٌ (الثَّانِي أَنْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ (شِقْصًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ مِنَ الْأَرْضِ، وَالطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ (مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ) مُرَادُهُمْ بِالْعَقَارِ هُنَا الْأَرْضُ دُونَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لِمَا يَأْتِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ النَّخْلَ عَقَارٌ (يَنْقَسِمُ) أَيْ تَجِبُ قِسْمَتُهُ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنْهُ وَغَيْرِهِ: إِلَّا فِي مَنْقُولٍ يَنْقَسِمُ، فَالشِّقْصُ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهِ أَخْذٌ بِالْجِوَارِ، وَبِالْإِشَاعَةِ عَنِ الْمَقْسُومِ، وَبِالْعَقَارِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ (فَأَمَّا الْمَقْسُومُ الْمُحَدَّدُ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِ فِيهِ) فِي قَوْلِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَخَلْقٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِقَوْلِهِ: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» مَعْنَاهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ حَاصِلَةٌ، أَوْ ثَابِتَةٌ، أَوْ مُسْتَقِرَّةٌ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَمَا قُسِمَ لَا تَحْصُلُ فِيهِ، وَلَا تَثْبُتُ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا رِوَايَةُ الْحَصْرِ، وَالرَّاوِي ثِقَةٌ عَالِمٌ بِاللُّغَةِ، فَيَنْقِلُ اللَّفْظَ بِمَعْنَاهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَثْبُتُ لِلْجَارِ، حَكَاهَا الْقَاضِي يَعْقُوبُ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ، وَالْحَارِثِيُّ، وَكَذَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَعَ الشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى أَبُو رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَلِأَنَّهُ اتِّصَالُ مِلْكٍ يَدُومُ وَيَتَأَبَّدُ، فَتَثْبُتُ فِيهِ كَالشَّرِكَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا، فَإِنَّ الصَّقَبَ الْقُرْبُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِإِحْسَانِ جَارِهِ وَصِلَتِهِ مَعَ أَنَّ خَبَرَنَا صَرِيحٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَحَادِيثُهُمْ فِيهَا مَقَالٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَارِ الشَّرِيكَ كَمَا تُسَمَّى الضَّرَّتَانِ جَارَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الزَّوْجِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى مَعْدُومٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَلَا تَثْبُتُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّرِيقِ مُفْرَدَةً، أَوْ مُشْتَرَكَةً، وَسَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ: الشُّفْعَةُ لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا مُشْتَرَكًا لَمْ يَقْتَسِمُوا، فَإِذَا صُرِفَتِ الطُّرُقُ، وَعُرِفَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» ، وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ لَهَا طَرِيقٌ فِي دَرْبٍ لَا يَنْفُذُ فَوَجْهَانِ، وَالْأَشْهَرُ يَجِبُ إِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ غَيْرُهُ، أَوْ أَمْكَنَ فَتْحُ بَابِهِ إِلَى شَارِعٍ، وَإِنْ كَانَ نَصِيبُ مُشْتَرٍ فَوْقَ حَاجَتِهِ، فَفِي زَائِدٍ وَجْهَانِ، وَكَذَا دِهْلِيزُ جَارِهِ وَصَحْنُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَدِمَ مَنْ لَا يَرَاهَا لِجَارٍ إِلَى حَاكِمٍ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يَحْلِفْ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ خَرَجَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ اخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ الْقَاضِيَ: لِأَنَّ يَمِينَهُ هُنَا عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ، وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ ظَنِّيَّةٌ، فَلَا يُقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ،

كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، وَالطُّرُقِ، وَالْعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ، وَمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَلَا تُؤْخَذُ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ تَبَعًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَحَمَلَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى الْوَرَعِ، وَإِنْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِشَافِعِيٍّ بِهَا فَلَهُ الْأَخْذُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ، وَمَنَعَهُ الْقَاضِي.
(وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، وَالطُّرُقِ، وَالْعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا شُفْعَةَ فِي فِنَاءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مَنْقَبَةٍ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْغَرِيبِ "؛ الْمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ دَارَيْنِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْلُكَهُ أَحَدٌ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا، وَهُوَ أَصَحُّ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالَّذِي وَصَلَهُ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَوُجُودُهُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِيمَا يُقْسَمُ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الشُّفْعَةِ فِي هَذَا تَضُرُّ بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ فِي نَصِيبِهِ بِالْقِيمَةِ، وَقَدْ يمْتَنِعُ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ الشَّفِيعِ؛ فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ فَتَسْقُطُ، فَيُؤَدِّي إِثْبَاتُهَا إِلَى نَفْيِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَمَّامَ الْكَبِيرَ حَيْثُ قُسِّمَ، وَانْتُفِعَ بِهِ حَمَّامًا، وَالْبِئْرُ، وَالْعَضَائِدُ مَتَى أَمْكَنَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئَانِ، ثَبَتَتْ فِيهِ كَالرَّحَا (وَمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ أَرْضًا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَيَدُومُ ضَرَرُهَا.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَقَدْ سَبَقَ (إِلَّا أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ) إِذَا بِيعَ مَعَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ مَنْ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَا تُؤْخَذُ الثَّمَرَةُ) وَقَيَّدَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِالظَّاهِرَةِ (وَالزَّرْعُ تَبَعًا) أَيْ: إِذَا بِيعَ مَعَ الْأَرْضِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي

فَصْلٌ الثَّالِثُ: الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ طَلَبُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ طَالَ، فَإِنْ أَخَّرَهُ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَهُوَ غَائِبٌ

[المبدع في شرح المقنع]

الْبَيْعِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الشُّفْعَةِ كَقُمَاشِ الدَّارِ، وَالثَّانِي: بَلَى يُؤْخَذُ تَبَعًا كَالْغِرَاسِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا مِمَّا يَدْخُلُ، مَعَ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي " إِنِ اشْتَرَاهُ، وَفِيهِ طَلْعٌ لَمْ يُؤَبَّرْ فَأَبَّرَهُ، لَمْ يَأْخُذِ الثَّمَرَةَ، بَلِ الْأَرْضُ، وَالنَّخْلُ بِحِصَّتِهِ كَشِقْصٍ وَسَيْفٍ، وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ: إِذَا لَمْ يَدْخُلْ أَخَذَ الْأَصْلَ بِحِصَّتِهِ.

[الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ]

فَصْلٌ (الثَّالِثُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» ، فِي رِوَايَةٍ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى التَّرَاخِي رُبَّمَا أَضَرَّ بِالْمُشْتَرِي لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ، وَحِينَئِذٍ يُشْهِدُ (سَاعَةَ يَعْلَمُ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ لِظَاهِرِ مَا سَبَقَ، وَاحْتَرَزَ بِالْعِلْمِ عَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَلَوْ مَضَى عَلَيْهِ سَنَوَاتٌ (وَقَالَ الْقَاضِي) وَأَصْحَابُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً (لَهُ طَلَبُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ طَالَ) لِأَنَّ الْمَجْلِسَ فِي حُكْمِ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ بِوُجُودِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِيهِ، وَعَنْهُ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي يَعْقُوبُ: أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهَا خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُحَقَّقٍ، فَكَانَتْ عَلَى التَّرَاخِي كَخِيَارِ الْعَيْبَ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، كَقَوْلِهِ: بِعْنِي، أَوْ صَالِحْنِي، أَوْ قَاسِمْنِي؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا ضَرَرَ فِي تَأْخِيرِهِ، أَشْبَهَ الْقِصَاصَ (فَإِنْ أَخَّرَهُ) عَنْ سَاعَةِ الْعِلْمِ، أَوِ الْمَجْلِسِ - عَلَى الْخِلَافِ - بِلَا عُذْرٍ (سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ) فَلَوْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ مِثْلِ أَنْ يَعْلَمَ لَيْلًا، فَيُؤَخِّرَهُ إِلَى الصَّبَاحِ، أَوْ لِحَاجَةِ أَكْلٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ طَهَارَةٍ، أَوْ إِغْلَاقِ بَابٍ، أَوْ خُرُوجٍ مِنْ حَمَّامٍ، أَوْ لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ وَسُنَّتِهَا، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ وَلَوْ بَعْدَ أَيَّامٍ (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَهُوَ

فَيَشْهَدَ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، ثُمَّ إِنْ أَخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ، وَلَكِنْ سَارَ فِي طَلَبِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْإِشْهَادَ لِعَجْزِهِ عَنْهُمَا

[المبدع في شرح المقنع]

غَائِبٌ فَيُشْهِدَ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا) إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَعْلَمَ مِنْهُ أَنَّهُ مُطَالَبٌ غَيْرُ تَارِكٍ (ثُمَّ إِنْ أَخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ) وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلطَّلَبِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يَشْهَدْ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ عَقِيبَ الْإِشْهَادِ ضَرَرًا لِالْتِزَامِهِ كُلْفَتَهُ وَانْقِطَاعِ حَوَائِجِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": إِنْ أَخَّرَ الْقُدُومَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ وَالطَّلَبِ وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بِتَأْخِيرِ الطَّلَبِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ وَهُوَ غَائِبٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ بِخِلَافِ الْقُدُومِ فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ، وَتَأْخِيرُ مَا يُمْكِنُ لِإِسْقَاطِهِ وَجْهٌ، بِخِلَافِ تَأْخِيرِ مَا لَا يُمْكِنُ (أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَلَكِنْ سَارَ فِي طَلَبِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ السَّيْرَ قَدْ يَكُونُ لِطَلَبِهَا، أَوْ لِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ كَمَا لَوْ لَمْ يَسِرْ، وَالثَّانِي: لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ سَيْرَهُ عَقِيبَ عِلْمِهِ ظَاهِرٌ فِي طَلَبِهَا، فَاكْتَفَى بِهِ كَالَّذِينَ فِي الْبَلَدِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ سَيْرِ وَكِيلِهِ حُكْمَ سَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْوَجْهَانِ إِنْ أَخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْقُدُومِ وَالْإِشْهَادِ، أَوْ نَسِيَ الْمُطَالَبَةَ، أَوِ الْبَيْعَ، أَوْ جَهِلَهَا، أَوْ ظَنَّ الْمُشْتَرِي زَيْدًا فَبَانَ غَيْرُهُ، وَلَفْظُ الطَّلَبِ: أَنَا طَالِبٌ، أَوْ مُطَالِبٌ، أَوْ آخِذٌ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ قَائِمٌ عَلَيْهَا، وَنَحْوُهُ.
(وَإِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْإِشْهَادَ لِعَجْزِهِ عَنْهُمَا كَالْمَرِيضِ) فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يَمْنَعُ الْمُطَالَبَةَ كَالْمَرَضِ الْيَسِيرِ، وَالْأَلَمِ الْقَلِيلِ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، وَقَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلطَّلَبِ مَعَ إِمْكَانِهِ فَهُوَ كَالْحَاضِرِ، وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِجُعْلٍ فَفِيهِ غُرْمٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَفِيهِ مِنَّةٌ، وَقَدْ لَا يَثِقُ بِهِ (وَالْمَحْبُوسُ) لَكِنْ إِنْ كَانَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ؛ فَأَبَى سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ (وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْ يُشْهِدُهُ) بِأَنْ لَا يَجِدَ شَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَلَا مَسْتُورَيِ الْحَالِ، فَإِنْ وَجَدَ وَاحِدًا حُرًّا عَدْلًا فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ

كَالْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ، وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْ يُشْهِدُهُ، أَوْ لِإِظْهَارِهِمْ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ أَوْ نَقْصًا فِي الْمَبِيعِ، أَوْ أَنَّهُ مَوْهُوبٌ لَهُ، أَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، أَوْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي مَا اشْتَرَيْتَ، أَوْ صَالِحْنِي سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ، وَإِنْ دَلَّ فِي الْبَيْعِ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى شُفْعَتِهِ، إِذْ لَا يَثْبُتُ الْبَيْعُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ مَعَ الْيَمِينِ كَالْعَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُشْهِدُهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ لِلْعُذْرِ (أَوْ لِإِظْهَارِهِمْ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ) لَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهِ، بَلْ لَوْ أَظْهَرَ الْمُشْتَرِي زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ لَمْ تَبْطُلْ، وَعَكْسُهُ لَوْ أَظْهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ قَلِيلٌ، فَتَرَكَ الشُّفْعَةَ، وَكَانَ الثَّمَنُ كَثِيرًا سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَرْضَى بِالْقَلِيلِ لَا يَرْضَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " (أَوْ نَقْصًا فِي الْمَبِيعِ) أَوْ أَنَّهُمَا تَبَايَعَا بِدَنَانِيرَ، فَبَانَتْ دَرَاهِمَ، أَوْ بِالْعَكْسِ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ (أَوْ أَنَّهُ مَوْهُوبٌ لَهُ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعِوَضَ (أَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ) أَوْ كَانَ كَاذِبًا (أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ) كَالْفَاسِقِ (فَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ) فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمِ الْحَالَ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلِأَنَّ خَبَرَ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ مَعَ عَدَمِ تَصْدِيقِ الشَّفِيعِ لَهُ، يَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَهُ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ اعْتِرَافٌ بِوُقُوعٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهَا؛ فَوَجَبَ سُقُوطُهَا كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ.
(وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ) كَعَدْلَيْنِ (فَلَمْ يُصَدِّقْهُ) بَطُلَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْبَيْعِ، صَدَقَ الشَّفِيعُ أَوْ لَا، وَكَذَا إِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ، أَوْ مَسْتُورَا الْحَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ كَضِدِّهِمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُمَا كَالْفَاسِقِ، وَالصَّبِيِّ (أَوْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي مَا اشْتَرَيْتَ أَوْ صَالِحْنِي سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ) لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ لِتَأْخِيرِ الطَّلَبِ عَنْ ثُبُوتِ الْبَيْعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: هَبْهُ لِي، أَوِ ائْتَمِنِّي عَلَيْهِ مِمَّنْ شِئْتَ وَنَحْوُهُ (وَإِنْ دَلَّ فِي الْبَيْعِ) أَيْ: عَمِلَ دَلَّالًا بَيْنَهُمَا، أَوْ رَضِيَ بِهِ، أَوْ ضَمِنَ ثَمَنَهُ (أَوْ تُوُكِّلَ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ) فَلَهُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَصَحِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ وَكِيلَ الْبَائِعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَمِثْلُهُ وَصِيٌّ

تُوُكِّلَ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، أَوْ جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهُ، وَإِنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ لَمْ تَسْقُطْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَسْقُطَ، وَإِنْ تَرَكَ الْوَلِيُّ شُفْعَةً لِلصَّبِيِّ فِيهَا حَظٌّ لَمْ تَسْقُطْ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا إِذَا كَبُرَ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا

[المبدع في شرح المقنع]

وَحَاكِمٌ، وَقِيلَ: إِنْ بَاعَ شِقْصًا لِيَتِيمٍ فِي شَرِكَتِهِ، أَوِ اشْتَرَى لَهُ شِقْصًا فِي شَرِكَتِهِ فَلَهُمَا الشُّفْعَةُ، كَمَا لَوْ تَوَلَّى الْعَقْدَ غَيْرُهُمَا، وَقِيلَ: لَهُمَا الشُّفْعَةُ إِذَا اشْتَرَيَاهُ فَقَطْ (أَوْ جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ، فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ، أَوْ عَفَا عَنْهَا قَبْلَ تَمَامِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْمُسْقِطَ لَهَا الرِّضَى بِتَرْكِهَا وَلَمْ يُوجَدْ.
فَرْعٌ: لَوْ لَقِيَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ لَمْ تَسْقُطْ، وَكَذَا إِنْ قَالَ لَهُ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَتِكَ، أَوْ دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَإِنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ لَمْ تَسْقُطْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِمَّا يَجِبُ لَهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَسْقُطَ) حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَأَطْلَقَهُمَا فِيهِ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَ بِإِذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَرْضَ عَلَيْهِ لِيَبْتَاعَ ذَلِكَ إِنْ أَرَادَ لِتَخِفَّ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ، وَيَكْفِي أَخْذُ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ لَا أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِإِذْنِهِ (وَإِنْ تَرَكَ الْوَلِيُّ شُفْعَةً لِلصَّبِيِّ فِيهَا حَظٌّ لَمْ تَسْقُطْ) وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْبَيْعِ، وَإِسْقَاطُ الْوَلِيِّ لَهَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي إِسْقَاطِهِ فَلَمْ يَصِحَّ كَالْإِبْرَاءِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِسْقَاطَ فَتَرْكُهُ أَوْلَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لِلصَّغِيرِ كَالْبَالِغِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمْعٌ: لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَرُدَّ بِأَنَّ ثُبُوتَهَا لِدَفْعِ ضَرَرِ الْمَالِ فَاسْتَوَيَا، وَكَخِيَارِ الْعَيْبِ (وَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا إِذَا كَبُرَ) أَيْ: بَلَغَ وَرَشَدَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْأَخْذِ (وَإِنْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا) أَوْ لِإِعْسَارِ الصَّغِيرِ (سَقَطَتْ، ذَكَرَهُ

سَقَطَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ.

فَصْلٌ الرَّابِعُ: أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ، فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ، فَإِنْ كَانَا شَفِيعَيْنِ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا، وَعَنْهُ: عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، فَإِذَا تَرَكَ

[المبدع في شرح المقنع]

ابْنُ حَامِدٍ) وَتَبِعَهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ نَقْضُهُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ) هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَالْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ ثَبَتَ فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ غَيْرِهِ كَوَكِيلِ الْغَائِبِ، فَعَلَى هَذَا هِيَ لَهُ، سَوَاءٌ عَفَا عَنْهَا الْوَلِيُّ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهَا حَظٌّ أَوْ لَا، وَلِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ بِهَا إِذَا كَانَ فِيهَا حَظٌّ.
وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ، وَالْوَلِيُّ عَلَيْهِ رِعَايَةُ مَصَالِحِ مُوَلِّيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَظٌّ فَلَا، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَنْعِهِ مِنَ الشِّرَاءِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا يُعْلَمُ عَيْبُهُ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَخْذَ، فَمَلَكَ التَّرْكَ كَالْمَالِكِ.
فَائِدَةٌ: حُكْمُ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ وَالسَّفِيهِ كَالصَّغِيرِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْغَائِبِ وَالْمُفْلِسِ لَهُ الْأَخْذُ بِهَا وَالْعَفْوُ عَنْهَا، وَلَيْسَ لِغُرَمَائِهِ إِجْبَارُهُ عَلَى الْأَخْذِ بِهَا، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَهُ الْأَخْذُ وَالتَّرْكُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ الِاعْتِرَاضُ.

[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ]

فَصْلٌ (الرَّابِعُ: أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ) لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بَعْضَهُ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ مَعَ أَنَّهَا تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ، فَإِذَا أُخِذَ الْبَعْضُ لَمْ يَنْدَفِعِ الضَّرَرُ (فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ) لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ بَعْضُهَا سَقَطَ كُلُّهَا كَالْقِصَاصِ (فَإِنْ كَانَا شَفِيعَيْنِ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، فَكَانَ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ كَالْغَلَّةِ، فَدَارَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ: نِصْفٌ، وَثُلُثٌ، وَسُدُسٌ، فَبَاعَ رَبُّ الثُّلُثِ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ، وَالثُّلُثُ يُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ، وَلِصَاحِبِ

أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ، فَإِنْ تَرَكَ شُفْعَتَهُ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ صَفْقَتَيْنِ، ثُمَّ

[المبدع في شرح المقنع]

السُّدُسِ وَاحِدٌ (وَعَنْهُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ) اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ اسْتَحَقَّ الْجَمِيعَ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَسَاوَيَا كَالْبَنِينَ، وَسِرَايَةِ الْعِتْقِ، وَهُوَ يَنْتَقِضُ بِالْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّ مَنِ انْفَرَدَ مِنْهُمْ أَخَذَ الْكُلَّ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَفَاضَلُوا كَأَصْحَابِ الدِّيوَانِ، وَالْجَمْعُ كَالِاثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ (فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ) إِجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، وَلَوْ وَهَبَهَا لِشَرِيكِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا، فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الْكُلَّ، أَوْ يَتْرُكَ كَالْعَفْوِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ مُنْتَظِرًا لِشَرِيكِهِ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ لِتَرْكِهِ طَلَبَهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ لَهُ عُذْرًا، وَهُوَ الضَّرَرُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِأَخْذِ شَرِيكِهِ مِنْهُ، فَإِنْ أَخَذَ الْجَمِيعَ ثُمَّ حَضَرَ الثَّانِي قَاسَمَهُ، فَإِذَا حَضَرَ ثَالِثٌ قَاسَمَهُمَا، وَمَا حَدَثَ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فِي يَدِ الْأَوَّلِ فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ (فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ) لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الشُّفْعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا (فَإِنْ تَرَكَ) الْمُشْتَرِي (شُفْعَتَهُ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ: لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِحَّ الْإِسْقَاطُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ، وَجَرَى مَجْرَى الشَّفِيعَيْنِ إِذَا حَضَرَ أَحَدُهُمَا، فَأَخَذَ الْجَمِيعَ ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ، وَطَلَبَ حَقَّهُ مِنْهُمَا، فَقَالَ الْآخَرُ: خُذِ الْكُلَّ أَوْ دَعْهُ.
(وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ صَفْقَتَيْنِ) بِأَنْ بَاعَهُ رُبْعًا مِنْهَا بِكَذَا، ثُمَّ بَاعَهُ الرُّبْعَ الْآخَرَ، فَقَدْ تَعَدَّدَ الْعَقْدُ (ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعَيْنِ) لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِيهِمَا (وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُمَا، فَإِذَا أَسْقَطَ الْبَعْضَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْكُلِّ (فَإِنْ أَخَذَ

عَلِمَ شَرِيكُهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَ بِالثَّانِي شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ لَمْ يُشَارِكْهُ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ، وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخَذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا، وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَيْنِ، أَوِ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا

[المبدع في شرح المقنع]

بِالثَّانِي شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ) بِنَصِيبِهِ الْأَوَّلِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ الشَّفِيعَ بِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ مِنَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ؛ اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَصَارَ شَرِيكَهُ، فَيُشَارِكُهُ فِي الْبَيْعِ الثَّانِي، وَالْآخَرُ لَا يُشَارِكُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْمَبِيعِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَخْذَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ الثَّانِي فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ شُفْعَةً، وَفِي ثَالِثٍ إِنْ عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ أَوَّلِهِمَا شَارَكَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي " الْفُرُوعِ "، (وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ لَمْ يُشَارِكْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ شَرِكَةٌ (وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الشَّرِكَةِ، (وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَقَدْ عُرِفَ وَجْهُهُمَا.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمْ شَرِيكَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ، فَبَاعَهُمَا لِرَجُلٍ آخَرَ، فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا، وَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ نِصْفِ نَصِيبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فَاشْتَرَى الشِّقْصَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ، فَلِشَرِيكِهِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِيَانِ، وَلَا يُفْضِي إِلَى تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
(وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: بَلْ عَقْدٌ وَاحِدٌ يَأْخُذُ بِهِ الْكُلَّ، أَوْ يَتْرُكُهُ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَيْنِ) أَيْ: صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْبَائِعِ كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ (أَوِ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضِينَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَلْحَقُهُ بِأَرْضٍ دُونَ

عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

فَصْلٌ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ، فَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا صَفْقَةً وَاحِدَةً

[المبدع في شرح المقنع]

أَرْضٍ، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّبْعِيضِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْآخَرِ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَيْنِ، وَقِيلَ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْفُنُونِ "، وَقَاسَهُ عَلَى تَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ.
فَرْعٌ: اشْتَرَى اثْنَانِ مِنَ اثْنَيْنِ شِقْصَيْهِمَا فِي عَقْدٍ فَعَقْدَانِ، وَقِيلَ: بَلْ أَرْبَعَةٌ، اشْتَرَى وَكِيلُ اثْنَيْنِ مِنْ زَيْدٍ شِقْصًا فِي عَقْدٍ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي فَقَطْ؟ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ". (وَإِنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ) لِأَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إِذَا بِيعَ مُنْفَرِدًا، فَكَذَا إِذَا بِيعَ مَعَ غَيْرِهِ، وَيَأْخُذُهُ (بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ) أَيْ: فَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ) حَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا لِأَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِهِ (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْكُلِّ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ، فَلَوِ اشْتَرَى دَارًا بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ، فَبَاعَ بَابَهَا، أَوْ هَدَمَهَا، فَبَقِيَتْ بِأَلْفٍ أَخَذَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ بِالْقِيمَةِ مِنَ الثَّمَنِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِالْبَعْضِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَخَذَ الْبَعْضُ مَعَ بَقَاءِ الْجَمِيعِ.

[الشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ]

فَصْلٌ (الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ) أَيْ: مِلْكٌ لِلرَّقَبَةِ لَا الْمَنْفَعَةِ، كَنِصْفِ دَارٍ

فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السَّبْقَ؛ فَتَحَالَفَا أَوْ تَعَارَضَتْ بِيِّنَتَاهُمَا؛ فَلَا شُفْعَةَ لَهُمَا، وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

فَصْلٌ وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ نَصَّ عَلَيْهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

مُوصَى بِنَفْعِهَا، فَبَاعَ الْوَرَثَةُ نِصْفَهَا فَلَا شُفْعَةَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَاشْتُرِطَ سَبْقُهُ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ سَابِقٌ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ فَلَا شُفْعَةَ (فَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا سَبْقُ الْمِلْكِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا (وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السَّبْقَ) وَلَا بَيِّنَةَ (فَتَحَالَفَا أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا) بِأَنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِسَبْقِ مِلْكِهِ، وَتَجَدُّدِ مِلْكِ صَاحِبِهِ (فَلَا شُفْعَةَ لَهُمَا) لِعَدَمِ سَبْقِ الْمِلْكِ عَلَى الشِّرَاءِ، وَعُلِمَ مِنْهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عَمِلَ بِهَا، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ دَعْوَى السَّابِقِ، وَسُئِلَ خَصْمُهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا قُضِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ قَدِ اسْتَحَقَّ مِلْكَهُ (وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِيَانِ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو يَعْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يَجِبُ بِهِ كَالْمُجَاوِرِ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ، وَلِأَنَّ مُسْتَحِقَّهُ إِمَّا غَيْرُ مَالِكٍ، وَالشُّفْعَةُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا فِي مِلْكٍ، وَإِمَّا مَالِكٌ فَمِلْكُهُ غَيْرُ تَامٍّ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ تَصَرُّفًا فِي الرَّقَبَةِ، وَالثَّانِي: تَثْبُتُ كَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَنْبَنِي هَذَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْوَقْفِ، وَاخْتَارَ فِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ إِفْرَازٌ وَجَبَتْ هِيَ، وَالْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَى هَذَا، الْأَصَحُّ يُؤْخَذُ بِهَا مَوْقُوفٌ جَازَ بَيْعُهُ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا تَثْبُتُ فِيمَا فُتِحَ عَنْوَةً إِذَا قُلْنَا: يَصِيرُ وَقْفًا، وَلَا فِي عِوَضِ الْكِتَابَةِ فِي الْأَقْيَسِ.

[تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ]

فَصْلٌ (وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْمِلْكِ، وَقَدْ خَرَجَ هَذَا

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَسْقُطُ، وَإِنْ بَاعَ فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِأَيِّ الْبَيْعَيْنِ شَاءَ، فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ فَسَخَ الْبَيْعَ بِعَيْبٍ، أَوْ إِقَالَةٍ، أَوْ تَخَالُفٍ

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا، وَلِأَنَّ فِيهَا هَاهُنَا إِضْرَارًا بِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَنِ اشْتَرَى دَارًا فَجَعَلَهَا مَسْجِدًا، فَقَدِ اسْتَهْلَكَهَا وَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَكَذَا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا بِرَهْنٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ إِجَارَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَسْقُطُ) بَلْ لِلشَّفِيعِ فَسْخُ ذَلِكَ وَأَخْذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، حَتَّى لَوْ جَعَلَهُ مَسْجِدًا، وَفِي " الْفُصُولِ ": عَنْهُ لَا؛ لِأَنَّهُ شَفِيعٌ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ فَسْخَ الْبَيْعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَخْذِ بِهِمَا، فَلِأَنْ يَمْلِكَ فَسْخَ عَقْدٍ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَسْبَقُ، وَجَنَبَتَهُ أَقْوَى فَلَمْ يَمْلِكِ الْمُشْتَرِي تَصَرُّفًا يُبْطِلُ حَقَّهُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهٌ، أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا وَقَفَ مَا غَرَسَهُ أَوْ بَنَاهُ لَمْ يُبْطِلِ الْوَقْفَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يَأْخُذُهُ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يَفْسَخُ عَقْدَ الْوَقْفِ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ بِشَرْطِهِ، فَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهُنَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُشْتَرِي الَّذِي وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فَيُفْسَخُ عَقْدُ الْوَقْفِ، وَيُؤْخَذُ حَالُ كَوْنِهِ مِلْكًا لَهُ أَوْ وَقْفًا، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الشُّفْعَةُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الطَّلَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمُطَالَبَتِهِ، وَقِيلَ: وَقَبْضِهِ.
(وَإِنْ بَاعَ) الْمُشْتَرِي (فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِأَيِّ الْبَيْعَيْنِ شَاءَ) لِأَنَّ سَبَبَ الشُّفْعَةِ الشِّرَاءُ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِي الْعَقْدَيْنِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةَ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَصَحَّ قَبْضُهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، لَا يَمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمَبِيعِ مَعِيبًا، فَإِنْهُ لَا يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فِي الْآخَرِ، وَكَالِابْنِ يَتَصَرَّفُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ، وَإِنْ جَازَ لِأَبِيهِ الرُّجُوعُ فِيهَا (فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ الْعِوَضَ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمَ حَتَّى تَبَايَعَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَوَّلِ، وَيَنْفَسِخَ الْعَقْدَانِ الْآخَرَانِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّانِي، وَيَنْفَسِخَ الثَّالِثُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّالِثِ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعُقُودِ، وَجَعَلَ ابْنُ أَبِي مُوسَى هَذَا الْحُكْمَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الشِّقْصُ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمْ، فَالْمُطَالَبَةُ لَهُ وَحْدَهُ (وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ) أَيْ: فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (أَوْ إِقَالَةٍ، أَوْ تَخَالُفٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ) لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَعَنْهُ: إِنِ اسْتَقَالَهُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، لَمْ تَكُنْ لَهُ شُفْعَةٌ، وَكَذَا إِنْ تَرَادَّا بِعَيْبٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي صُورَةِ الْإِقَالَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْبَيْعِ

فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ، وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالُفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِنْ أَجَّرَهُ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ، وَلَهُ الْأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ، وَإِنِ اسْتَغَلَّهُ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ وَفِيهِ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي مُبْقَاةٌ إِلَى الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ، وَإِنْ قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيلَ الشَّفِيعِ، أَوْ قَاسَمَ

[المبدع في شرح المقنع]

لَا بِالْإِقَالَةِ، وَصُورَتُهُ أَنَّ شَخْصًا حَصَلَ لَهُ نَصِيبٌ فِي عَقَارٍ، بَعْدَ أَنْ بَاعَ بَعْضُ الشُّرَكَةِ نَصِيبَهُ، ثُمَّ تَقَايَلَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الشَّخْصُ النَّصِيبَ، فَهُنَا يَمْلِكُ الشَّخْصُ الشُّفْعَةَ، وَأَمَّا الشَّرِيكُ فَمِلْكُهُ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ، فَبِنَفْسِ الْبَيْعِ اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ، لَكِنْ إِذَا فَسَخَ الْبَائِعُ لِعَيْبٍ فِي ثَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا شُفْعَةَ، وَإِلَّا اسْتَقَرَّتْ، وَلِلْبَائِعِ إِلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ شِقْصِهِ، وَيَتَرَاجَعُ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ فِي الْأَصَحِّ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنِ، فَيَرْجِعُ دَافِعُ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا بِالْفَضْلِ (وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالُفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ) لِأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ بِالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَمُقِرٌّ لِلشَّفِيعِ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِذَلِكَ، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ بِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ فَسْخَهُمَا وَيَأْخُذَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ.
فَرْعٌ: إِذَا وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، وَقَضَى الْحَاكِمُ بِهَا، وَالشِّقْصُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَدَفَعَ الثَّمَنَ إِلَى الْمُشْتَرِي، فَقَالَ الْبَائِعُ لِلشَّفِيعِ: أَقِلْنِي، فَأَقَالَهُ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرٍ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ بَاعَهُ إِيَّاهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
(وَإِنْ أَجَّرَهُ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ) لِأَنَّ إِجَارَةَ الْمُشْتَرِي لَا تَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُؤَجِّرِ، وَانْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ مِنْ حِينِ أَخْذِهَا (وَلَهُ الْأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهُ) لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكَهُ بِأَخْذِهِ، وَفِيهَا فِي " الْكَافِي " الْخِلَافُ فِي هِبَةٍ (وَإِنِ اسْتَغَلَّهُ) الْمُشْتَرِي (فَالْغَلَّةُ لَهُ) لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، إِذِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَكَذَا إِذَا اسْتَغَلَّهُ (وَإِنْ أَخَذَهُ) الشَّفِيعُ (وَفِيهِ زَرْعٌ، أَوْ ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ) أَوْ أُبِّرَتْ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ (فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ (مُبْقَاةٌ إِلَى الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ) لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَبْقَى، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَهُ فِي مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ أَخْذَهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءٍ ثَانٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي الزَّرْعِ إِلَى حَصَادِهِ، فَيَخْرُجُ فِي

الشَّفِيعَ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ أَوْ نَحْوِهِ، وَغَرَسَ أَوْ بَنَى فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ؛ فَيَمْلِكَهُ أَوْ يَقْلَعَهُ، وَيَضْمَنُ النَّقْصَ، فَإِنِ اخْتَارَ أَخْذَهُ فَأَرَادَ

[المبدع في شرح المقنع]

الثَّمَرَةِ مِثْلُهُ، وَعُلِمَ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُتَّصِلَ كَالشَّجَرِ إِذَا كَبُرَ، وَالطَّلْعِ إِذَا لَمْ يُؤَبَّرْ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْعَقْدِ وَالْفَسْخِ كَمَا لَوْ رَدَّ بِعَيْبٍ، لَا يُقَالُ: فَلِمَ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ بِالْقِيمَةِ إِذَا فَاتَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ، وَهُنَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا إِذَا لَمْ يَرْجِعْ فِي الشِّقْصِ فَافْتَرَقَا.
(وَإِنْ قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيلَ الشَّفِيعِ) فِي الْقِسْمَةِ، أَوْ رَفَعَ الْأَمَرَ إِلَى الْحَاكِمِ فَقَاسَمَهُ لِغِيبَةِ الشَّفِيعِ فَلَهُ ذَلِكَ فِي وَجْهٍ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ (أَوْ قَاسَمَ الشَّفِيعَ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ أَوْ نَحْوِهِ) بِأَنَّ الشِّقْصَ مَوْهُوبٌ أَوْ أَنَّ الشِّرَاءَ لِفُلَانٍ، فَتَرَكَ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ الشَّفِيعُ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ (وَغَرَسَ أَوْ بَنَى) ثُمَّ أَخَذَ الشَّفِيعُ بِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ لِلْعُمُومَاتِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ الْمُشْتَرِي وَغَرْسُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِيَّةِ إِلَّا فِيمَا ذُكِرَ (فَلِلشَّفِيعِ) الْخِيَارُ بَيْنَ (أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكَهُ) مَعَ الْأَرْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْمَنْفِيِّ شَرْعًا (أَوْ يَقْلَعَهُ، وَيَضْمَنَ النَّقْصَ) أَيْ: نَقْصَهُ مِنَ الْقِيمَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِزَوَالِ الضَّرَرِ بِهِ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، زَادَ فِي " الِانْتِصَارِ ": أَوْ أَقَرَّهُ بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ أَبَى فَلَا شُفْعَةَ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: لَهُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ وَلَا يَقْلَعُهُ، وَنَقَلَ سَنَدِيُّ: أَلَهُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَمْ قِيمَةُ النَّقْضِ؟ قَالَ: لَا، قِيمَةُ الْبِنَاءِ، قَالَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: قِيمَةُ النَّقْضِ، فَأَنْكَرَهُ وَرَدَّهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا كَغَاصِبٍ.
أَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ التَّقْوِيمِ، ذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَرْضَ تَقُومُ مَغْرُوسَةً أَوْ مَبْنِيَّةً، ثُمَّ تَقُومُ خَالِيَةً مِنْهُمَا، فَمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ قِيمَةُ الْغِرَاسِ أَوِ الْبِنَاءِ يَدْفَعُ إِلَى الْمُشْتَرِي إِنْ أَحَبَّ الشَّفِيعُ، أَوْ مَا نَقَصَ مِنْهُ إِنِ اخْتَارَ الْقَلْعَ لَا قِيمَتَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْبَقَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَلَا قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُومَ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ مُسْتَحِقًّا لِلتَّرْكِ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ لِأَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ إِذَا امْتَنَعَا مِنْ قَلْعِهِ (فَإِنِ اخْتَارَ أَخْذَهُ، فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ فَلَهُ) أَيْ: لِلْمُشْتَرِي (ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، فَإِذَا قَلَعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَلَا

الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، وَإِنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا فَتَكُونُ لِوَارِثِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

نَقْصُ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ، فَعَلَى هَذَا يُخَيَّرُ الشَّفِيعُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ تَرْكِهِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالْقَلْعِ، فَأَمَّا نَقْصُ الْأَرْضِ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَلَا يَضْمَنُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ) هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْآدَمِيِّ، وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ، وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَلَى الْقَلْعِ، أَضَرَّ بِالْأَرْضِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا أَخَذَهَا، وَلَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهَا.
(وَإِنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ) بِبَيْعِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ (لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رِضًى بِتَرْكِهَا، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا، وَالثَّانِي: تَسْقُطُ، قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ زَالَ السَّبَبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ، وَهُوَ الْمِلْكُ الَّذِي يُخَافُ الضَّرَرُ بِسَبَبِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ حَتَّى بَاعَهُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ فَإِنْهَا تَسْقُطُ، وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَالثَّانِي بَقَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ نَصِيبِهِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ لَوِ انْفَرَدَ (وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا سَابِقًا عَلَى بَيْعِ الشَّفِيعِ، فَمَلَكَ الْأَخْذَ بِهِ، وَالثَّانِي تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ، لِكَوْنِهِ بِعَرَضِيَّةِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ خِيَارٍ لِلتَّمْلِيكِ، أَشْبَهَ خِيَارَ الْقَبُولِ، وَلِأَنَّا لَا نَعْلَمُ بَقَاءَهُ عَلَى الشُّفْعَةِ لِاحْتِمَالِ رَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ مَا يُشَكُّ فِي ثُبُوتِهِ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَتُوَرَّثُ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ إِرْثِ الْأَجَلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ ثَبَتَ، لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ، فَلَمْ يُوَرَّثْ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ (إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَقَرَّرَ بِالطَّلَبِ، وَلِذَلِكَ لَا

فَصْلٌ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

تَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الْأَخْذِ بَعْدَهُ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، فَلِأَنَّ الشِّقْصَ صَارَ مِلْكًا لَهُ بِالْمُطَالَبَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ طَلَبِهَا، كَمَا لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ الْأَخْذِ بِهَا، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ ابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُؤَلِّفِ، فَلِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِمُطَالَبَتِهِ بَقَاءَهُ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: الشُّفْعَةُ لَا تُورَثُ، لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُهَا، فَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِي إِبْطَالِهَا بِالْمَوْتِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِرَغْبَةِ الْمَيِّتِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ ": فَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ الْوَارِثُ أَنَّهُ رَاغِبٌ فِيهَا كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ لَمْ يُطَالِبِ الْمَيِّتُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ انْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مُطْلَقًا، فَإِذَا تَرَكَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ تَوَفَّرَ عَلَى الْبَاقِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَّا أَخْذُ الْكُلِّ أَوِ التَّرْكُ كَالشُّفَعَاءِ إِذَا عَفَا بَعْضُهُمْ عَنْ حَقِّهِ، وَقِيلَ: مَنْ عَفَا عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ أَوْ لَمَ يَطْلُبْهُ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ.

[فَصْلٌ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ]

ِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ فِي " الْمُتَرْجَمِ "، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالثَّمَنِ كَالْمُشْتَرِي، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَقْتَ لُزُومِهِ لَكَانَ أَوْلَى، لَا يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ اسْتَحَقَّهُ بِسَبَبِ حَاجَتِهِ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي بَدَلِهِ إِلَى قِيمَتِهِ، وَالشَّفِيعُ اسْتَحَقَّهُ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْعِوَضِ الثَّابِتِ بِهِ، فَإِنْ وَقَعَ حِيلَةً، دَفَعَ إِلَيْهِ مَا أَعْطَاهُ أَوْ قِيمَةَ الشِّقْصِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا كَصُبْرَةِ نَقْدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى حُكْمٍ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلَا تُعْتَبَرُ رُؤْيَتُهُ، إِنْ صَحَّ بَيْعُ غَائِبٍ وَإِلَّا اعْتُبِرَتْ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحُكْمَ تَارَةً، وَدَفْعَ ثَمَنِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ مُشْتَرِيَهُ، فَإِنْ دَفَعَ مَكِيلًا بِوَزْنٍ أَخَذَ مِثْلَ كَيْلِهِ كَقَرْضٍ، وَقِيلَ: يَكْفِي وَزْنُهُ، إِذِ الْمَبْذُولُ فِي مُقَابَلَةِ الشِّقْصِ وَقَدْرُ

سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ، وَمَا يُحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ يُزَادَ فِيهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَلْحَقُ بِهِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَجَلِ إِنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِلَّا أَقَامَ كَفِيلًا مَلِيًّا وَأَخَذَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا أَعْطَاهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ، وَإِلَّا قِيمَتُهُ، وَإِنِ

[المبدع في شرح المقنع]

الثَّمَنِ مِعْيَارُهُ لَا عِوَضُهُ (وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ) وَلَوِ اكْتَفَى بِالثَّانِي كَالْوَجِيزِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِدُونِ دَفْعِ كُلِّ الثَّمَنِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِي قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ عِوَضٍ عَنِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا، وَلِلْمُشْتَرِي حَبْسُهُ عَلَى ثَمَنِهِ قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ قَهْرِيٌّ، وَالْبَيْعَ عَنْ رِضًى، فَإِنْ تَعَذَّرَ فِي الْحَالِ.
فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: يُمْهِلُ الشَّفِيعَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهَا حَدُّ جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَعَنْهُ: مَا رَأَى الْحَاكِمُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَفْلَسَ الشَّفِيعُ بَعْدَ أَخْذِ الشِّقْصِ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ كَالْبَائِعِ إِذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي.
(وَمَا يُحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ يُزَادُ فِيهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَلْحَقُ بِهِ) لِأَنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، نَقَلَ صَالِح: لِلْمَاءِ حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَفِي رُجُوعِ شَفِيعٍ بِأَرْشٍ عَلَى مُشْتَرٍ عَفَا عَنْهُ بَائِعٌ وَجْهَانِ (وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَلْحَقُ بِهِ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حِينَئِذٍ هِبَةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطُهَا، وَالنُّقْصَانَ إِبْرَاءٌ، فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِكَوْنِهِ وُجِدَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ عَيْنًا أُخْرَى (وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَجَلِ إِنْ كَانَ مَلِيًّا وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا (أَقَامَ) الشَّفِيعُ (كَفِيلًا مَلِيًّا وَأَخَذَ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الْأَخْذَ بِقَدَرِ الثَّمَنِ، وَصِفَتِهِ، وَالتَّأْجِيلُ مِنْ صِفَتِهِ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفِ اشْتِرَاطُ الْمُلَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِدُونِهَا لَتَضَرَّرَ الْمُشْتَرِي، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ، وَمَتَى أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَجَلِ، فَمَاتَ، أَوِ الْمُشْتَرِي، وَقُلْنَا: يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْمَوْتِ حَلَّ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَلَّ فَهُوَ كَالْحَالِ.
(وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا أَعْطَاهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ) كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَنَحْوِهِمَا، لِأَنَّهُمَا كَالْأَثْمَانِ، وَلِأَنَّهُ مِثْلٌ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْمُمَاثِلِ فِي

اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ، وَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

أَحَدِهِمَا، إِذِ الْوَاجِبُ بَدَلُ الثَّمَنِ، فَكَانَ مِثْلُهُ كَبَدَلِ الْعَرَضِ (وَإِلَّا) أَيْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ كَالثِّيَابِ، وَالْحَيَوَانِ، فَتُعْتَبَرُ (قِيمَتُهُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَعَذُّرِ الْمِثْلِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلُهُ فِي الْإِتْلَافِ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِصُبْرَةٍ نَقْدًا وَجَوْهَرَةٍ، دَفَعَ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَقِيمَةُ الشِّقْصِ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَشْيَاءِ بِقِيمَتِهَا، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ رَجَعَ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا قَبِلَ قَوْلَ الْمُشْتَرِي فِيهَا.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) مَعَ يَمِينِهِ، ذِكَرَهُ الْمُعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ فَهُوَ أَعْلَمُ بِالثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُهُ، فَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ بِدَعْوًى مُخْتَلَفٍ فِيهَا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فِي الشِّقْصِ أَنَّهُ أَحْدَثَهُ، وَالشَّفِيعُ لَيْسَ بِغَارِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ تَمَلُّكَ الشِّقْصِ بِثَمَنِهِ بِخِلَافِ غَاصِبٍ وَمُتْلِفٍ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ) فَيَعْمَلَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُكَذِّبُ الْمُشْتَرِيَ، فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً احْتُمِلَ تَعَارُضُهُمَا وَالْقُرْعَةُ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ شَفِيعٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لِلشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، لِكَوْنِهِ يَطْلُبُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ خَوْفًا مِنَ الدَّرْكِ عَلَيْهِ، وَيُقْبَلُ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَعْرِفُ قَدْرَ الثَّمَنِ قُدِّمَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَا لَا يَدَّعِيهِ، إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَحَيُّلًا، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ فَعَلْتَهُ تَحَيُّلًا عَلَى إِسْقَاطِهَا قَبْلَ قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنِ ادَّعَى جَهْلَ قِيمَتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ ادَّعَى جَهْلَ ثَمَنِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ، وَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ بِأَلْفٍ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ بِأَكْثَرَ (فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ) أَوْ كَذَبْتُ، أَوْ نَسِيتُ، وَالْبَيِّنَةُ صَادِقَةٌ (فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَشْهُرُهُمَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَلَا يُقْبَلُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ، وَالثَّانِي: يُقْبَلُ.

فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشْتَرَيْتَهُ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلِ اتُّهِبْتُهُ أَوْ وَرِثْتُهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِلشَّفِيعِ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي كَالْمُرَابَحَةِ، بَلْ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتِ الْكَذِبَةُ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ بَيِّنَةٌ فَتَحَالَفَا، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي أَخْذَهُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، جَازَ، وَمَلَكَ بِشَفِيعٍ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ زَالَ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَلَى إِنْسَانٍ شُفْعَةً فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ مِلْكٌ فِي شَرِكَتِي، فَعَلَى الشَّفِيعِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِالشَّرِكَةِ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ بِهِ (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشْتَرَيْتَهُ بِأَلْفٍ) فَلِيَ الشُّفْعَةُ، احْتَاجَ إِلَى تَحْرِيرِ الدَّعْوَى، فَيُحَدِّدُ الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ الشِّقْصُ، وَيَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ وَثَمَنَهُ، فَإِنِ اعْتَرَفَ لَزِمَهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ (فَقَالَ: بَلِ اتُّهِبْتُهُ أَوْ وَرِثْتُهُ) فَلَا شُفْعَةَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: مُدَّعِي الْهِبَةِ وَالْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَالْمُثْبِتُ لِلشُّفْعَةِ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ خَصْمِهِ، وَحِينَئِذٍ يَبْرَأُ، فَإِنْ قَالَ: لَا تَسْتَحِقُّ عَلَى شُفْعَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهِيَ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ (فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا) قُضِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِقْرَارِ (أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِلشَّفِيعِ فَلَهُ أَخْذُهُ) لِأَنَّ الْبَيْعَ ثَبَتَ بِحُقُوقِهِ، وَالْأَخْذُ بِهَا مِنْ حُقُوقِهِ (وَ) حِينَئِذٍ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، فَإِنْ أَخَذَهُ دُفِعَ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَسْتَحِقُّهُ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: (يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أَنْ تُبَرِّئَ مِنْهُ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ، فَيُقَالُ لَهُ ذَلِكَ لِتَحْصُلَ بَرَاءَةُ الشَّفِيعِ، وَكَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ إِذَا جَاءَهُ الْمُكَاتَبُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، فَادَّعَى أَنَّهُ حَرَامٌ، وَالثَّانِي: يُقَرُّ فِي يَدِ الشَّفِيعِ إِلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ الْمُشْتَرِي، فَيُدْفَعَ إِلَيْهِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالثَّالِثُ: يَأْخُذُهُ حَاكِمٌ، فَيَحْفَظُهُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَدَّعِيَهُ، فَمَتَى ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي دُفِعَ إِلَيْهِ، وَفَرَّقَ فِي " الشَّرْحِ " بَيْنَ الْمُكَاتَبِ، وَالشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ يُطَالِبُهُ بِالْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الَّذِي أَتَاهُ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى سَيِّدِهِ تَحْرِيمَهُ، وَهَذَا لَا يُطَالِبُ الشَّفِيعَ بِشَيْءٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكَلَّفَ الْإِبْرَاءَ مِمَّا لَا يَدَّعِيهِ.

الثَّمَنَ، وَإِمَّا أَنْ تُبَرِّئَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عِوَضًا فِي الْخَلْعِ، أَوِ النِّكَاحِ، أَوْ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَأْخُذُهُ بِالدِّيَةِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ.

فَصْلٌ وَلَا شُفْعَةَ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

تَنْبِيهٌ: إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ الشِّرَاءَ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ لِفُلَانٍ، سُئِلَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَيُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لَهُ غَائِبًا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَالْغَائِبِ عَلَى حُجَّتِهِ إِذَا قَدِمَ، فَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ لِابْنِي الطِّفْلِ، فَهُوَ كَالْغَائِبِ فِي وَجْهٍ.
وَفِي الْآخَرِ: لَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلطِّفْلِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي مَالِهِ حَقٌّ بِإِقْرَارِ وَلَيِّهِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ الشُّفْعَةَ فِي شِقْصٍ، فَقَالَ: هُوَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، أَوِ الطِّفْلِ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُمَا، فَإِقْرَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ.
(وَإِنْ كَانَ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ، أَوِ النِّكَاحِ، أَوْ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ) وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِيهِ (فَقَالَ الْقَاضِي) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ (يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ مَلَكَ الشِّقْصَ الْقَابِلَ لِلشُّفْعَةِ بِبَدَلٍ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً لَا مِثْلَ لَهَا (وَقَالَ غَيْرُهُ) وَهُوَ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ " (يَأْخُذُهُ بِالدِّيَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلُ الْمَشْفُوعِ، فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ كَالثَّمَنِ، مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَشْهَرَ لَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الْمَبِيعَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ إِمَّا بِالْقِيمَةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ لِلْمَبِيعِ، وَإِمَّا بِالْمَهْرِ وَفِيهِ تَقْوِيمُ الْبُضْعِ، وَإِضْرَارٌ بِالشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَتَفَاوَتُ مَعَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يُسَامَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُثْبِتُ الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ فِي صِفَةِ الْأَخْذِ مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا رِوَايَتَانِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا أُخِذَ أُجْرَةً، أَوْ ثَمَنًا فِي سَلَمٍ، أَوْ عِوَضًا فِي كِتَابَةٍ.

[فَصْلُ لَا شُفْعَةَ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ]

فَصْلٌ (وَلَا شُفْعَةَ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ إِلْزَامَ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ قَبْلَ رِضَاهُ بِالْتِزَامِهِ، وَإِيجَابَ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتَ حَقِّهِ مِنَ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِ

أَقَرَّ الْبَائِعُ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيعِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ، وَإِذَا

[المبدع في شرح المقنع]

الثَّمَنِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوِ الشَّرْطِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ) وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ تَخْرِيجًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ، فَتَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ كَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهِ، وَلِإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَقِيلَ: تَثْبُتُ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، وَقِيلَ: إِنْ شُرِطَ لِلْبَائِعِ فَقَطْ، وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَجِبْ قَبْلَ فَرَاغِهِ، وَإِنْ شُرِطَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ؛ وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَلَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهِ، وَالشَّفِيعُ يَمْلِكُ الْأَخْذَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ، فَكَانَ لَهُ، وَغَايَةُ مَا تَقَدَّمَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْأَخْذَ بِهَا كَمَا لَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْكَافِي " أَحَدُهُمَا: لَا شُفْعَةَ، نَصَرَهُ الشَّرِيفُ فِي مَسَائِلِهِ، وَلَا نَصَّ فِيهَا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعُ الْبَيْعِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ فَرْعُهُ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّهَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ أَقَرَّ بِحَقَّيْنِ: حَقٌّ لِلشَّفِيعِ، وَحَقٌّ لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ بِإِنْكَارِهِ ثَبَتَ حَقُّ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَارٍ لِرَجُلَيْنِ، فَأَنْكَرَ أَحَدُهُمَا، فَعَلَيْهِ يَقْبِضُ الشَّفِيعُ مِنَ الْبَائِعِ، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ الثَّمَنَ، وَيَكُونُ دَرْكُ الشَّفِيعِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَيْسَ لَهُ، وَلَا لِلشَّفِيعِ مُحَاكَمَةُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُقِرًّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنَ الْمُشْتَرِي بَقِيَ الثَّمَنُ الَّذِي عَلَى الشَّفِيعِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: لَا أَسْتَحِقُّهُ، فَالْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ (وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ) الْعُهْدَةُ فِي الْأَصْلِ كِتَابُ الشِّرَاءِ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ الشِّقْصَ إِذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقًّا أَوْ مَعِيبًا فَإِنْ الشَّفِيعَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، أَوْ بِأَرْشِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ مِنْ جِهَتِهِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ بَائِعَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ، فَإِنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ عَلَى الْبَائِعِ لِحُصُولِ الْمِلْكِ لَهُ مِنْ جِهَتِهِ (فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيعِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ) قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ وَاجِبٌ لِيَحْصُلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي

جارٍ التحميل