المبدع في شرح المقنعصفحات 300-339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

الْقَبْضِ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ زَكَّتْ صَدَاقَهَا، ثُمَّ تَنَصَّفَ بِطَلَاقِهِ، رَجَعَ الزَّوْجُ فِيمَا بَقِيَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وإِنْ لَمْ تَكُنْ زَكَّتْهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُخْرِجَ بَعْدَهُ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يُجْزِئْهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِكًا، وَإِنْ زَكَّتْهُ مِنْ غَيْرِهِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ كَامِلًا، وَلَا زَكَاةَ فِي الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ، وَلَوْ عَزَلَهَا الْإِمَامُ مِنْهَما، وَلَا فِي الْغَنِيمَةِ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَلَا فِي الذِّمَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَيَجِبُ فِي مَبِيعٍ قَبْلَ الْقَبْضِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، فَيُزَكِّيهِ الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا، وَكَذَا مَبِيعٌ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَيُزَكِّيهِ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِهِ، وَلَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ، وَدَيْنُ السَّلَمِ إِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا، وَعَنِ الْمَبِيعِ، وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ عِوَضِهِمَا وَلَوِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ فِي مَالِ الِابْنِ، وَإِنْ كَانَ مُعَرَّضًا لِتَمَلُّكِ الْأَبِ وَرُجُوعِهِ، وَيَجِبُ فِي وَدِيعَةٍ وَمَرْهُونٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَجِبُ فِي مَالٍ حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي لِلْغُرَمَاءِ، كَالْمَغْصُوبِ تَشْبِيهًا لِلْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَنْعِ الْحِسِّيِّ، فَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، لَمْ يَسْقُطْ، وَقِيلَ: بَلْ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَلَهُ إِخْرَاجُهَا مِنْهُ فِي وَجْهٍ، وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِهَا، وَعَنْهُ: بَلْ كَمَا لَوْ صَدَّقَهُ الْغَرِيمُ (وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ) ؛ أَيْ: يَمْنَعُ الدَّيْنُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ - وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي قَدْرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنِةِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِقَوْلِ عُثْمَانَ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ، وَلْيُزَكِّ مَا بَقِيَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو عَبِيدٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَالْأَمْوَالُ الْبَاطِنِةُ هِيَ الْأَثْمَانُ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ، وَالسَّامِرِيُّ، وَفِي الْمَعْدِنِ وَجْهَانِ، وَجَزَمَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهَا الْأَثْمَانُ فَقَطْ، وَعَنْهُ: لَا يُمْنَعُ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ.
قَالَ: وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا، وَجَزَمَ فِي " الْإِرْشَادِ " وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَانِعَهَا الدَّيْنُ الْحَالُّ خَاصَّةً؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ إِلَّا دَيْنًا بِسَبَبِ ضَمَانٍ أَوْ مَئُونَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ، وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ خُمُسَ الرِّكَازِ وَيَمْنَعُ الْخَرَاجَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا دَيْنُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ لَا الضَّامِنِ، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، كَنِصَابٍ غَصْبِ مَنْ غَاصَبَهُ وَأَتْلَفَهُ، فَإِنَّ

الْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْكَفَّارَةِ كَالدَّيْنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَنْعَ يَخْتَصُّ بِالثَّانِي، مَعَ أَنَّ لِلْمَالِكِ طَلَبَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لِرَعْيِ غَنَمِهِ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ، صَحَّ؛ وَهِيَ كَالدَّيْنِ فِي مَنْعِهَا الزَّكَاةَ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ دَيْنٌ مِثْلُهُ، جَعَلَ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا فِي يَدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ (إِلَّا فِي الْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ) وَالثِّمَارِ، وَتُسَمَّى الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتَهُ فَيَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِمَّا وَجَدُوا مِنَ الْمَالِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ عَنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ» ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ الْأَطْمَاعِ مِنَ الْفُقَرَاءِ بِهَا أَكْثَرُ، وَالْحَاجَةَ إِلَى حِفْظِهَا أَوْفَرُ بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يَمْنَعُ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَجَمْعٌ؛ وَهِيَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْمُطَالَبَةِ أَظْهَرُ وَإِلْزَامَ الْحَاكِمِ بِالْأَدَاءِ مِنْهَا آكَدُ وَأَشَدُّ، وَفِي مَالِهِ يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى ذَلِكَ دُونَ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ مَصَالِحِ الزَّرْعِ، فَهُوَ كَالْخَرَاجِ، بِخِلَافِ الثَّانِي، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ، لِكَوْنِهَا لَا تَخْرُجُ عَنِ الْأُولَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِ الزَّرْعِ فَلَهُ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُخْرِجْهُ أَوَّلًا أَخْرَجْنَاهُ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا بَقِيَ بعده، وَفِي رَابِعَةٍ: يَمْنَعُ مَا اسْتَدَانَهُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى زَرْعِهِ وَثَمَرِهِ، أَوْ كَانَ مِنْ ثَمَنِهِ خَاصَّةً خَلَا الْمَاشِيَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَهُ وَأَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَأَهْلِهِ، ويزكي ما بقي.
وَقَالَ ابْنَ عَبَّاسٍ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَهُ عَلَى ثَمَرَتِهِ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ، وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ إِذَا جَاءَ فَوَجَدَ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يَسْأَلْ أَيَّ شَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهَا؛ وَلَيْسَ الْمَالُ هَكَذَا (وَالْكَفَّارَةُ كَالدَّيْنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهَذَا رِوَايَةٌ، وَصَحَّحَهَا صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي " خِلَافِهِ " فِي الْكَفَّارَةِ وَالْخَرَاجِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، أَشْبَهَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ، وَكَذَا حُكْمُ نَذْرٍ مُطْلَقٍ،

الْخَامِسُ: مُضِيُّ الْحَوْلِ شَرْطٌ إِلَّا فِي الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

وَزَكَاةٍ، وَدَيْنِ حَجٍّ، وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَمْنَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ.
وَفِي " الْمُحَرَّرِ " الْخَرَاجُ مِنْ دَيْنِ اللَّهِ، لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، ولَا مُطَالِبَ بِهَا مُعَيَّنٌ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُطَالِبَ بِهِ الْإِمَامُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا مُمَاطَلَتُهُ، فَهُوَ أَشَدُّ مِنْ دَيْنِ غَيْرِهِ.

تَنْبِيهٌ: إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ بِعَيْنِهِ، فَحَالَ الْحَوْلُ، فَلَا زَكَاةَ لِزَوَالِ مِلْكِهِ أَوْ نَقْصِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَجِبُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِذَا نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِنِصَابٍ مُعَيَّنٍ فَلَا زَكَاةَ، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُهَا إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ قَبْلَهَا، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِهَذَا النِّصَابِ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ، فَقِيلَ: لَا زَكَاةَ، وَقِيلَ: بَلَى، فَتُجْزِئُهُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَبْرَأُ بِقَدْرِهَا مِنَ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إِنْ نَوَاهُمَا مَعًا، لِكَوْنِ الزَّكَاةِ صَدَقَةٌ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ النِّصَابِ هَلْ يُخْرِجُهُمَا، أَوْ يُدْخِلُ النَّذْرَ فِي الزَّكَاةِ وَيَنْوِيهِمَا؛ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".

[مُضِيُّ الْحَوْلِ]

(الْخَامِسُ: مُضِيُّ الْحَوْلِ شَرْطٌ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِهِ الْمَالَ النَّامِيَ كَالْمَوَاشِي وَالنُّقُودِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَهَا لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ عَلَيْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِمَا ثَبَتَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي قِيمَتِهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا فِي مِلْكٍ تَامٍّ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْلُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ، وَلِيَتَكَامَلَ النَّمَاءُ فَيَتَسَاوَى فِيهِ، وَظَاهِرُهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ سَاعَتَيْنِ، وَكَذَا نِصْفُ يَوْمٍ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ: لَا يُؤَثِّرُ نَقْصُهُ دُونَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا، وَلَا يُسَمَّى فِي

زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أَصْلِهِمَا إِنْ كَانَ نِصَابًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ، وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حِينَ مَلَكَ.
وعنه: لَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْعُرْفِ نَقْصًا، وَلَا يُعْتَبَرُ طَرَفَا الْحَوْلِ خَاصَّةً، وَلَنَا وَجْهٌ (إِلَّا فِي الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] ، وَذَلِكَ يَنْفِي اعْتِبَارَهُ فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ، وَأَمَّا الْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ، فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا (فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا) بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ فِي الْمُسْتَفَادِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ؛ وَهُوَ أَصَحُّ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مُنْفَرِدٍ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْلُ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَفَادَهُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ كَمَنِ اسْتَفَادَ إِبِلًا وَعِنْدَهُ إِبِلٌ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أَصْلِهِمَا) أَيْ: يَجِبُ ضَمُّهُمَا إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ أَصْلِهِ (إِنْ كَانَ نِصَابًا) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ: عُدَّ عَلَيْهِمُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ يَخْتَلِفُ وَقْتُ وِلَادَتِهَا، فَإِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَشُقُّ، فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّاتِهَا؛ وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فِي الْمِلْكِ، فَيَتْبَعُهَا فِي الْحَوْلِ، فَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْأُمَّاتِ، فَنَتَجَتْ سَخْلَةٌ، انْقَطَعَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَتَجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ، وَرِبْحُ التِّجَارَةِ كَذَلِكَ مَعْنَى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ حُكْمًا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْأَصْلُ (نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّبَعِيَّةُ، كَمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَجِبُّ فِيهِ الزَّكَاةُ، لِنُقْصَانِهِ عَنِ النِّصَابِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: حَوْلُ الْكُلِّ مُنْذُ مِلْكِ الْأُمَّاتِ لِنَمَاءِ النِّصَابِ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا نَضَّ الرِّبْحُ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَسْتَأْنِفْ لَهُ حَوْلًا، وَلَا يَبْنِي الْوَارِثُ عَلَى حَوْلِ الْمَوْرُوثِ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَيَضُمُّ الْمُسْتَفَادَ إِلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ، وَيُزَكِّي كُلَّ وَاحِدٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي مُسْتَفَادٍ (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حِينَ مَلَكَ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا

يَنْعَقِدُ حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مِثْلُهُ فِي الزَّكَاةِ، وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ

[المبدع في شرح المقنع]

لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا.
وَهِيَ لَا تَجِبُ فِي الْكِبَارِ، لَكِنْ لَوْ تَغَذَّتْ بِاللَّبَنِ فَقَطْ فَقِيلَ: يَجِبُ لِوُجُوبِهَا فِيهَا تبعا لِلْأُمَّاتِ، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْحَوْلِ، وَقِيلَ: لَا، لِعَدَمِ السَّوْمِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ (وَعَنْهُ: لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مِثْلُهُ فِي الزَّكَاةِ) لِقَوْلِ مُصَدِّقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذُ مِنْ رَاضِعٍ شَيْئًا، إِنَّمَا حَقُّنَا فِي الثَّنِيَّةِ وَالْجَذَعَةِ» ، وَعَلَيْهَا إِذَا مَاتَتِ الْأُمَّاتُ كُلُّهَا إِلَّا وَاحِدَةً لَمْ يَنْقَطِعِ الْحَوْلُ، بِخِلَافٍ مَا إِذَا مَاتَتْ كُلُّهَا، قَالَهُ فِي: " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِهِ الصَّغِيرِ " أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْحِقَاقِ، وَفِي بَنَاتِ الْمَخَاضِ وَاللَّبُونِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى السِّخَالِ (وَمَتَّى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) انْقَطَعَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَلَا فِي النَّقْصِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ أَوْ طَرَفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ وَسَطِ الْحَوْلِ مُؤَثِّرٌ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يَقْتَضِي التَّأْثِيرَ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (أَوْ بَاعَهُ) وَلَوْ بِيعَ خِيَارٌ عَلَى الْمَذْهَبِ (أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَمَنَ أَبْدَلَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلًا، لَكِنْ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ الْأُمَّاتِ، وَالنِّصَابُ تَامُّ النِّتَاجِ، وَلَا بَيْعٍ فَاسِدٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ إِذَا أَبْدَلَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ عَدَمِ الضَّمِّ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَالْمَذْهَبُ: لَا يَنْقَطِعُ، لِأَنَّهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ، أَخْرَجَ مِمَّا مَعَهُ عِنْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ يُخْرِجُ مِمَّا مَلَكَهُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّيْخَانِ: إِذَا اشْتَرَى عَرَضًا لِتِجَارَةٍ بِنَقْدٍ، أَوْ بَاعَهَا بِهِ، أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي

مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا فَلَا تَسْقُطُ.
وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ، بَنَى عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

أَثْمَانِ الْعُرُوضُ؛ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ وِفَاقًا، وَفِي عَطْفِهِ الْإِبْدَالَ عَلَى الْبَيْعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرَانِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمُبَادَلَةُ هَلْ هِيَ بَيْعٌ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّهُ بِجَوَازِ إِبْدَالِ الْمُصْحَفِ لَا بَيْعِهِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: الْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ، وَالْمُبَادَلَةُ مُعَاطَاةٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَبَّرَ بِالْبَيْعِ، وَبَعْضٌ بِالْإِبْدَالِ، وَدَلِيلُهُمْ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ.
فَرْعٌ: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِي أَمْوَالِ الصَّيَارِفَةِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى سُقُوطِهَا فِيمَا يَنْمُو، وَوُجُوبِهَا فِي غَيْرِهِ، وَالْأُخْرَى يَقْتَضِي الْعَكْسَ (إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا فَلَا تَسْقُطُ) وَيَحْرُمُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: 17] ، فَعَاقَبَهُمْ تَعَالَى بِذَلِكَ لِفِرَارِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ إِسْقَاطَ حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَشَرَطَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَاعَةٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدِ الْفِرَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، أَوْ وَسَطِهِ؛ لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ أَوْ مُنْتَفِيَةٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: أَوْ بِشَهْرَيْنِ لَا أَزْيَدَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ مُطْلَقًا، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ، وَحُكْمُ الْإِتْلَافِ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يُزَكِّي مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ الْحَوْلِ، وَفِي " مُفْرَدَاتِ " أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: يَسْقُطُ بِالتَّحَيُّلِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ كَمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّحَيُّلِ فِيهِ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَدَمَ الْفِرَارِ، وَثَمَّ قَرِينَةٌ، عُمِلَ بِهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْأَشْهَرِ (وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَالِكًا لِنِصَابٍ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، فَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ لِوُجُودِ شَرْطِهَا، وَإِنْ زَادَ بِالِاسْتِبْدَالِ يَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْحَوْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَنِتَاجٍ، فَلَوْ أَبْدَلَ مِائَةَ شَاةٍ بِمِائَتَيْنِ، لَزِمَهُ شَاتَانِ إِذَا حَالَ حَوْلُ الْمِائَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَسْتَأْنِفُ لِزَائِدٍ حَوْلًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذا أَبْدَلَهُ بِدُونِ

حَوْلِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقَطِعَ، وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ، وَعَنْهُ: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ.
وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ،

[المبدع في شرح المقنع]

نِصَابٍ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقَطِعَ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَكَالْحَقَّيْنِ، وَكَرُجُوعِهِ إِلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ فَسْخٍ.
1 (وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ) نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ " فِي " الْمُقْتَضِيَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ (وَعَنْهُ: يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ) اخْتَارَهُ " الْخِرَقِيُّ " وَأَبُو الْخَطَّابِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ، أَشْبَهَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ لَامْتَنَعَ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْفَقِيرِ وَلِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، وَلَسَقَطَتْ بِتَلَفِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لِسُقُوطِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِتَلَفِ الْجَانِي (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ) كَخَبَرِ اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَعْدَ الْحَوْلِ مُطْلَقًا؛ وَلِأَنَّهَا حَقُّ الْفَقِيرِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ لَمْ يَنْعَقِدِ الْحَوْلُ الثَّانِي حَتَّى يُمَكَّنَ مِنَ الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْعَقِدُ عَقِبَ الْأَوَّلِ إِجْمَاعًا، وَاحْتَجَّ الْقَاضِي بِأَنَّ لِلسَّاعِي الْمُطَالَبَةَ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا لَحِقٍّ سَبَقَ وَجُوبُهُ، كَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ الْمَرِيضُ، بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَعَنْهُ: وَيُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَاشْتَرَطَ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمَالِ الظَّاهِرِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْقَلِبُ، فَيُقَالُ: عِبَادَةٌ، فَلا يشْتُرِطَ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الْأَدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ، وَعَلَيْهِ لَوْ أَتْلَفَ النِّصَابَ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْأَدَاءِ ضَمِنَهَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا، وَجَزَمَ فِي

وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطُ.
وَإِذَا مَضَى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا، فَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، وَزَكَاتَانِ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

" الْكَافِي "، وَ " نِهَايَةِ " أَبِي الْمَعَالِي بِالضَّمَانِ (وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ يلزمه مؤنة تَسْلِيمِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا فِي يَدِهِ كَعَارِيَةٍ وَغَصْبٍ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فَرَّطَ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ آدَمِيٍّ، أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهَا لِدَيْنِ آدَمِيٍّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ: الْمُعَشَّرَاتُ إِذَا تَلِفَتْ بِآفَةٍ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " قَبْلَ قَطْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِدَلِيلِ الْجَائِحَةِ؛ إِذِ اسْتِقْرَارُهُ مَنُوطٌ بِالْوَضْعِ فِي الْجَرِينِ، وَزَكَاةُ الدَّيْنِ بِعَدَمِ تَلَفِهِ بِيَدِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى وَجْهٍ يَجِبُ أَدَاؤُهَا مَعَ عَدَمِ الْمَالِ، وَفَقْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهَا حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَيَسْقُطُ بِتَلَفِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ كَالْوَدِيعَةِ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ: إِنْ عَلِقَتْ بِالذِّمَّةِ، لَمْ يَسْقُطْ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ.
وَقَالَ الْمَجْدُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَسْقُطُ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبُرِيُّ: رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَالْمَالِ، وَالْعَمَلِ عَلَى مَا رَوَى الْجَمَاعَةُ أَنَّهَا كَالْمَالِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.

(وَإِذَا مَضَى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا، فَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ) وَلَوْ تَعَدَّى بِالتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ نَاقِصًا لِتَعْلِقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِجُزْءٍ مِنْهُ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ لِلْحَوْلِ الثَّانِي لِنُقْصَانِهِ، وَتَصِيرُ زَكَاةُ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بَاقِيَةً (وَزَكَاتَانِ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ) أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ نِصَابٌ كَامِلٌ مِنْ كُلِّ حَوْلٍ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ النِّصَابِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ، لَمْ يَسْقُطْ هُنَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُسْقِطُ نَفْسَهُ، وَقَدْ يُسْقِطُ غَيْرَهُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " إِنْ

مَا كَانَتْ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةً، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا، وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ

[المبدع في شرح المقنع]

سَقَطَتِ الزَّكَاةُ بِدَيْنِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى النِّصَابِ، فَلَا زَكَاةَ لِلْحَوْلِ الثَّانِي، لِأَجْلِ الدَّيْنِ، لَا لِلتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ، زَادَ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " مَتَى قُلْنَا: يَمْنَعُ الدَّيْنُ، فَلَا زَكَاةَ لِلْعَامِ الثَّانِي تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ أَوِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّ أَحْمَدَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْ زَكَاةَ الْحَوْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الْأَوَّلِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ مِنَ الْغَنَمِ خَمْسٌ: ثَلَاثٌ لِلْأَوَّلِ، وَاثْنَتَانِ لِلثَّانِي، وَعَلَى الثَّانِي: سِتٌّ لِحَوْلَيْنِ (إِلَّا مَا كَانَتْ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةً) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ مِنَ الذِّمَّةِ، وَإِنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، أَيْ: لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنَ النِّصَابِ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ مِنَ الْجِنْسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَاخْتَارَهُ السَّامِرِيُّ، وَ " الْمُحَرَّرُ " أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ مِنَ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي.
فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ، لَوْ لَمْ يَكُنْ سِوَى خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ فَفِي امْتِنَاعِ زَكَاةِ الْحَوْلِ الثَّانِي؛ لِكَوْنِهَا دَيْنًا، مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَمَّا وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ تَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، فَوَجَبَ إِخْرَاجُهَا لِكُلِّ حَوْلٍ مَا لَمْ تُفْنِ الزَّكَاةُ الْمَالَ (وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ يَسْقُطُ مِنْ زَكَاةِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ فِي الْعَيْنِ، نَقُصَ مِنَ الْمَالِ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ فِيهِ زَكَاةٌ، لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا لِلْفُقَرَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الْجَمِيعِ مِقْدَارَ زَكَاةِ النَّقْصِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَبَ فِيهَا لِحَوْلَيْنِ عِشْرُونَ، وَعَلَى الثَّانِي: تِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَمٍ وَرُبْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِالْمَالِ مِنَ الْحَوْلِ الثَّانِي، فَيَنْقُصُ عَشَرَةً، فَيَبْقَى ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا، وَقَوْلُهُ: " سَقَطَ مِنْ زَكَاةِ كُلِّ حَوْلٍ " لَا يَشْمَلُ الْحَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ بِلَا حَوْلٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَجَبَ حَتَّى يَنْقِصَ بِقَدْرِهِ عَلَى التَّعْلِقِ بِالْعَيْنِ (وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ

الزَّكَاةُ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ.

بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ

وَلَا تَجِبُ إِلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا، وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ.
وَهِيَ

[المبدع في شرح المقنع]

الزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يُوصَ بِهَا كَالْعُشْرِ، وَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ فِي حَجٍّ لَمْ يُوصَ بِهِ، وَزَكَاةٍ، وَكَفَّارَةٍ مِنَ الثُّلُثِ، وَنُقِلَ عَنْهُ - أَيْضًا - مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سِوَى النَّصِّ السَّابِقِ (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) وَلَمْ يَفِ بِالْكُلِّ (اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ) نَصَّ عَلَيْهِ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ إِذَا ضَاقَ عَنْهَا الْمَالُ، وَعَنْهُ: يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا لِتَقْدِيمِهِ بِالرَّهِينَةِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ، وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنَجَّا بِأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ، أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَقِّهِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الزَّكَاةَ إِنْ عَلِقَتْ بِالْعَيْنِ، اخْتَارَهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": لِبَقَاءِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ، فَجَعَلَهُ أَصْلًا، وَلَوْ عُلِّقَتْ بِالذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ قَهْرِيٌّ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مُرْتَهِنٍ، وَغَرِيمٍ مُفْلِسٍ، كَأَرْشِ جِنَايَةٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ، فَهَذَا التَّعَلُّقُ بِسَبَبِ الْمَالِ، فَيَزْدَادُ وَيَنْقُصُ، وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ، وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْوَاجِبِ مِنْهَا مُسْتَقِرٌّ، وَيُقَدَّمُ النَّذْرَ بِمُعَيَّنٍ عَلَيْهَا، وَعَلَى الدَّيْنِ.

[بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ]

[زَكَاةُ الْإِبِلِ]

بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ بَدَأَ بِهِ اقتداء بِكِتَابِ الصِّدِّيقِ الَّذِي كَتَبَهُ لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ مُفَرَّقًا.
سُمِّيَتْ بَهِيمَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَالْأَنْعَامُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: النَّعَمُ: هِيَ الْإِبِلُ خَاصَّةً، فَإِذَا قِيلَ: الْأَنْعَامُ، دَخَلَ فِيهِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (وَلَا تَجِبُ إِلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا) السَّائِمَةُ: الرَّاعِيَةُ، وَقَدْ سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا إِذَا رَعَتْ، وَأَسَمْتُهَا: إِذَا رَعَيْتُهَا؛ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ

ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْإِبِلُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ -: «فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً، شَاةٌ» ، فَذِكْرُهُ السَّوْمَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلنَّسْلِ وَالدَّرِّ بِخِلَافِ الْمِعْلُوفَةِ وَالْعَوَامِلِ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي الْعَوَامِلِ كَالْإِبِلِ الَّتِي تُكْرَى.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ: وَتَجِبُ فِي مَعْلُوفَةٍ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ (وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى) الْمُبَاحَ، فَلَوِ اشْتَرَى لَهَا مَا تَرْعَاهُ، أَوْ جَمَعَ لها مَا تَأْكُلُ، فَلَا زَكَاةَ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ هَلِ السَّوْمُ شَرْطٌ أَوْ عَدَمُهُ مَانِعٌ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (أَكْثَرِ الْحَوْلِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ لَامْتَنَعَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ أَصْلًا، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كُلُّهُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا أَثَرَ لِعَلَفِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلسَّوْمِ، وَالْعَلَفُ نِيَّةٌ فِي وَجْهٍ، فَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ أَسَامَهَا غَاصِبٌ، وَجَبَتْ كَغَصْبِهِ حَبًّا، وَزَرْعِهِ فِي أَرْضِ مَالِكِهِ، فِيهِ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّهِ كَنَبَاتِهِ بِلَا زَرْعٍ، وَإِنِ اعْتَلَفَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ عَلَفَهَا غَاصِبٌ فَلَا زَكَاةَ؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ، وَفِي آخَرٍ يُعْتَبَرُ فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ، وَقِيلَ: تَجِبُ إِذَا عَلَفَهَا غَاصِبٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، فَقِيلَ: لِتَحْرِيمِ فِعْلِهِ، وَقِيلَ: لِانْتِفَاءِ الْمُؤْنَةِ عَنْ رَبِّهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ إِنْ أَسَامَهَا لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ كَمُلَ النِّصَابُ بِيَدِ الْغَاصِبِ (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا الْإِبِلُ) بَدَأَ بِهَا لَبُدَاءَةِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زكاة الْأَنْعَامَ؛ وَلِأَنَّهَا أَهَمُّ؛ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ النِّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ (وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا، فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُجْزِئُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ شَاةِ الْجُبْرَانِ، وَجَعَلَهُ فِي الشَّرْحَيْنِ إِذَا عَدِمَ الشَّاةَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ مَعَ وُجُودِ الشَّاةِ فِي مِلْكِهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَتُعْتَبَرُ الشَّاةُ بِصِفَةِ الْإِبِلِ، فَفِي كِرَامٍ سَمِينَةٍ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَإِنْ كَانَتْ بَدِيلَ مَعِيبَةٍ.
فَقِيلَ: الشَّاةُ كَشَاةِ الصِّحَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَشَاةِ الْفِدْيَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ صِحَّتُهَا بِقَدْرِ الْمَالِ، يَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ، كَشَاةِ الْغَنَمِ، وَقِيلَ: شَاةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْقِيمَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَبِكُلِّ حَالٍ لَا يُخْرِجُ مَرِيضَةً، وَكَذَا شَاةُ الْجُبْرَانِ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ، وَلَا جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ، وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَقِيلَ: بَلَى لِإِطْلَاقِهَا (فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بَقَرَةً، وَكَنِصْفَيْ شَاتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوَّ لًا، وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْ بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجٌ لِلْوَاجِبِ، وَزِيَادَةٍ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، بِخِلَافِ الْبَعِيرِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ شَاةٍ وَسَطٍ فَأَكْثَرَ، بِنَاءً عَلَى إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ إِنْ أَجْزَأَ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ (وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ) هَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَالْمَاخِضُ: الْحَائِلُ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا بِغَالِبِ حَالِهَا، كَتَعْرِيفِهِ الرَّبِيبَةَ

الَّتِي لَهَا سَنَةٌ، فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزَاهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ، فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَهِيَ

[المبدع في شرح المقنع]

بِالْحِجْرِ (فَإِنْ عَدِمَهَا) فِي مَالِهِ، أَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً (أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» . " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ» عَلَى وَجْهِهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا كَالْعَدَمِ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى الْبَدَلِ، وَالْأَشْهَرُ: أَوْ خُنْثَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَيُجْزِئُ حِقٌّ أَوْ جَذَعٌ أَوْ ثَنِيٌّ، وَأَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَفِي بِنْتِ لَبُونٍ، وَلَهُ جُبْرَانٌ وَجْهَانِ، فَإِنِ اشْتَرَى بِنْتَ مَخَاضٍ وَأَخْرَجَهَا أَجْزَأَ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُ ابْنِ لَبُونٍ بَعْدَ شِرَائِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ، لَمْ يُجْزِئْهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَالْأَشْهَرُ: لَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا، بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سِوَى بِنْتِ مَخَاضٍ بِصِفَةِ الْوَاجِبِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ يُخْرِجُ عَنِ الْمِرَاضِ صَحِيحَةً، حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْهُ (وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ) وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ وَضَعَتْ، فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ (فَإِنْ عَدِمَهُ - أَيْضًا - لَزِمَهُ) شِرَاءُ بِنْتِ (مَخَاضٍ) وَلَا يُجْزِئُهُ هُوَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَتَبِعَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ، فَلَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، كَمَا لَوِ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُودِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا بنت لَبُونٌ أُنْثَى» وَظَاهِرُهُ: لَا يُجْزِئُ ابْنُ لَبُونٍ، وَقِيلَ: بَلْ يُجْبَرَانِ لِعَدَمٍ (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ) لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا، وَيَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَالذَّكَرُ مِنْهَا مُحِقٌّ

الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ.
فصل وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّدَقَةِ: «وَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ» (وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجْذَعُ إِذَا سَقَطَ مِنْهَا سِنُّهَا، وَالذَّكَرُ جَذَعٌ، فَلَوْ أَخْرَجَ ثَنِيَّةً؛ وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ، أَجْزَأَ بِلَا جُبْرَانٍ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ ثَنِيَّتَهَا، وَقِيلَ: وَيُجْزِئُ عَنِ الْجَذَعَةِ حِقَّتَانِ، وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَابْنَتَا لَبُونٍ عَنِ الْحِقَّةِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ وَنَقَضَهُ بَعْضُهُمْ بِبِنْتِ مَخَاضٍ عَنْ عِشْرِينَ، وَبِبِنْتِ بَنَاتِ مَخَاضٍ عَنِ الْجَذَعَةِ.
1 - فَصْلٌ الْأَسْنَانُ الْمَذْكُورَةُ لِلْإِبِلِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لِبِنْتِ مَخَاضٍ سَنَتَانِ، وَلِبِنْتِ لَبُونٍ ثَلَاثٌ، وَلِحِقَّةٍ أَرْبَعٌ، وَلِجَذَعَةٍ خَمْسٌ كَامِلَةٌ، فَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى بَعْضِ السَّنَةِ؛ وَهُوَ غَرِيبٌ؛ لِقَوْلِهِ: كَامِلَةٌ، وَقِيلَ: لِبِنْتِ مَخَاضٍ نِصْفُ سَنَةٍ، ولبنت لبون سنة، وَلِحِقَّةٍ سَنَتَانِ، وَلِجَذَعَةٍ ثَلَاثٌ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ» (وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) إِجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ» (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) أَيْ: عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ (فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) فِي الْمَشْهُورِ، وَالْمُخْتَارُ للعامة، لظاهر خَبَرُ الصِّدِّيقِ: «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» وَبِالْوَاحِدَةِ حَصَلَتِ الزِّيَادَةُ، فَقِيلَ: الْوَاحِدَةُ عَفْوٌ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهَا الْفَرْضُ، وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِهَا

خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الْحَقَاقَ، وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ، فَعَدِمَهَا، أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرِونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِي، فَإِنْ عَدِمَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْوُجُوبُ (ثُمَّ) تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي خَمْسِينَ حِقَّةٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: لَا يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ إِلَّا إِلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَتَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ، فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْآجُرِّيُّ، لِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، فَإِنْ صَحَّ، عُورِضَ بِرِوَايَتِهِ الْأُخْرَى، وَبَّمَا هو أَكْثَرُ مِنْهُ، وَأَصَحُّ (فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ، اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) هَذَا الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْبَقَرِ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: مَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ لِيَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ إِخْرَاجُ الْأَدْوَنِ الْمُجْزِئِ، فَلَوْ جُمِعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي الْإِخْرَاجِ، كَأَرْبَعِ حِقَاقٍ، وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ جَازَ، جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ، فَإِطْلَاقُ وَجْهَيْنِ سَهْوٌ، أَمَّا مَعَ الْكَسْرِ، فَلَا، كَحِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفٍ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ؛ وَهُوَ ضَعْفٌ.
فَرْعٌ: إِذَا وُجِدَ أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ كَامِلًا، وَالْآخَرُ نَاقِصًا، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُبْرَانٍ يُعَيِّنُ الْكَامِلَ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الْحِقَاقَ) أَيْ: يَجِبُ إِخْرَاجُهَا، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الشَّرْحِ " نَظَرَا لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، إِذْ هِيَ أَنْفَعُ لَهُمْ لِكَثْرَةِ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا، وَأَوَّلَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " النَّصَّ عَلَى صِفَةِ التَّخَيُّرِ، وَقَدَّمَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ أَفْضَلَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَأْخُذُ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْهَا، وَمُرَادُهُمْ: لَيْسَ لِلسَّاعِي تَكْلِيفُ الْمَالِكِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ سَبَبُهَا النِّصَابُ، فَاعْتُبِرَتْ بِهِ (وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنُ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ) وَتُسَمَّى الْأَوْقَاصُ؛ لِعَفْوِ الشَّارِعِ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَعَدِمَهَا) لَمْ يُكَلَّفْ تَحْصِيلَهَا، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ، فَإِنْ شَاءَ (أَخْرَجَ سنا أَسْفَلَ مِنْهَا، وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِي) هَذَا

السِّنَّ الَّتِي تَلِيهَا، انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى، وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ، وَلَا مَدْخَلَ لَلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ.

[المبدع في شرح المقنع]

هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي كِتَابِ أَنَسٍ: " «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ ثَابِتٌ فِي كَوْنِ مَا عَدَلَ إِلَيْهِ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ عَدِمَهَما حَصَلَ الْأَصْلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ أَدْنَى مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَجِبُ فِي زَكَاتِهَا، وَلَا يُخْرِجُ أَعْلَى مِنَ الْجَذَعَةِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى رَبُّ الْمَالِ بِغَيْرِ جُبْرَانٍ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاقْتَضَى: أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجَذَعَةُ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَأَخْرَجَ الثَّنِيَّةَ، أَنْ يَأْخُذَ الْجُبْرَانَ مِنَ السَّاعِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِشَاةٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي وَجْهٍ حِذَارًا مِنْ تَخْيِيرٍ ثَالِثٍ، وَيَجُوزُ مِنْ آخَرَ، وقَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْعَشَرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الشَّاةِ (فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الَّتِي تَلِيهَا، انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَوْرَدَهُ الشَّيْخَانِ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ لَهُ الِانْتِقَالَ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَجَوَّزَ الْعُدُولَ عَنْهَا إِذَا عَدِمَ الْجُبْرَانَ إِذَا كَانَ هُوَ الْوَصِيُّ، وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِذَا عَدِمَ، جَازَ الْعُدُولُ إِلَى مَا يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَلَا شَكَّ فِي التَّعْدِيَةِ إِذَا عُقِلَ مَعْنَى النَّصِّ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ، أَوْ لِجَائِزِ الْأَمْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ النِّصَابُ مَعِيبًا، وَعُدِمَتِ الْفَرِيضَةُ، فَلَهُ دَفْعُ السِّنِّ السُّفْلَى مَعَ الْجُبْرَانِ، وَلَيْسَ لَهُ دفع مَا فَوْقَهَا مَعَ الْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبَيْنِ أَقَلُّ، فَإِذَا دَفَعَهُ الْمَالِكُ صَارَ كَتَطَوُّعِهِ بِالزَّائِدِ بِخِلَافِ السَّاعِي وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا إِلَّا إِخْرَاجُ الْأَدْوَنِ؛ وَهُوَ أَقَلُّ الْوَاجِبِ، كَمَا لَا يَتَبَرَّعُ.
(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَابْنُ عَقِيلٍ وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ ": وهو ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ) إِذِ النَّصُّ إِنَّمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَالزَّكَاةُ فِيهَا شِيَابَةُ التَّعَبُّدِ (وَلَا مَدْخَلَ لَلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِيهَا،

فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقْرُ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، وَفِي السِّتِّينَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُا فِي مَعْنَاهَا لِكَثْرَةِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا، وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَلَوْ غَيَّرَ صِفَةَ الْوَاجِبِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنِ الْجِيدِ، وَزَادَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، لَمْ يُجْزِئْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا، فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ، وَمِنَ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ.
وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا.

[زَكَاةُ الْبَقَرِ]

فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقَرُ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَرُ، وَدَخَلَتِ الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَاتُ: الْجَمْعُ، وَالْبَاقِي جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا؛ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَقَرْتَ الشَّيْءَ إِذَا شَقَقْتَهُ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا أَحَادِيثُ، مِنْهَا مَا رَوَى مُعَاذٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِي خَبَرِ الصَّدَقَةَ لِقِلَّتِهَا فِي الْحِجَازِ، إِذْ يَنْدُرُ مِلْكُ نِصَابٍ مِنْهَا، بَلْ لَا يُوجَدُ، وَلِمَا أَرْسَلَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ ذَكَرَ لَهُ حُكْمَهَا لِوُجُودِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا (وَلَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا (فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ؛ وَهُوَ جَذَعُ الْبَقْرِ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ، وَحَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ غَالِبًا (أَوْ تَبِيعَةٌ؛ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ) وَعِبَارَةُ " الْفُرُوعِ " لِكُلٍّ مِنْهَما سَنَةٌ، وَذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " نِصْفُ سَنَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: سَنَتَانِ (وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ سِنًّا غَالِبًا؛ وَهِيَ الثَّنِيَّةُ (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ) وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " سَنَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ،

تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ هَذَا إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فِي أَحَدِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا مُسِنٌّ، بَلْ عَنِ الْأَوَّلِينَ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْهَا تَبِيعَانِ (وَفِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنَ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنَ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنَ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنَ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنَ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنَ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمَنِ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ وَأَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذَ مِمَّا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا، إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا» "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ اتَّفَقَ فِيهَا الْفَرْضَانِ كَالْإِبِلِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ هُنَا عَلَى التَّخَيُّرِ.
1 - (وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ) إِذَا كَانَتْ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى أَفْضَلُ، لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْإِبِلِ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ (فِي غَيْرِ هَذَا) إِذِ التَّبِيعُ مَكَانَ التَّبِيعَةِ؛ لِلنَّصِّ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ لَحْمًا، فَتُعَادِلُ الْأُنُوثَةَ (إِلَّا ابْنَ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَيَرْعَى الشَّجَرَ فَيُجْزِئُ بِنَفْسِهِ، وَيَرِدُ الْمَاءَ، لَكِنْ لَيْسَ بِأَصْلٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِهَا، بِخِلَافِ التَّبِيعِ فَيُجْزِئُ فِي الثَّلَاثِينَ، وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالسِّتِّينَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالثَّمَانِينَ، فَلَا يُجْزِئُ فِي فَرْضِهَا إِلَّا الْإِنَاثُ لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْمُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ، فَيُجْزِئُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُهَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَقِيلَ: لَا، فَيُخْرِجُ أُنْثَى بِقِيمَةِ الذَّكَرِ (وَ) يُجْزِئُ (مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا سَبَقَ.
الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ نَصَّ عَلَى الْأُنْثَى؛ وَهِيَ أَفْضَلُ، فَفِي الْعُدُولِ

الْوَجْهَيْنِ.
وَمِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ، فَإِنِ

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْهَا عُدُولٌ عَنِ الْمَنْصُوصِ، وَصَحَّحَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْإِجْزَاءَ فِي الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَوَّزْنَا الذَّكَرَ فِي الْغَنَمِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي زَكَاتِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِنَاثِ، فَالْبَقَرُ الَّتِي فِيهَا مَدْخَلٌ أَوْلَى.
وَفِي الْإِبِلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ، لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ.
وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِخْرَاجِ ابْنِ لَبُونٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَفِيهِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ النِّصَابَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يُخْرِجُ أُنْثَى نَاقِصَةً بِقَدْرِ قِيمَةِ الذَّكَرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُخْرِجُ ابْنَ لَبُونٍ عَنِ النِّصَابَيْنِ، وَيَكُونُ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّارِعَ أَطْلَقَ الشَّاةَ الْوَاجِبَةَ، وَنَصَّ عَلَى الْأُنْثَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا.
. . الْخَبَرَ، وَيُتَصَوَّرُ أَخْذُهَا، فَإِذَا أَبْدَلَ الْكِبَارَ بِالصِّغَارِ، أَوْ بِمَوْتِ الْإِنَاثِ، وَتَبَقَّى الصِّغَارُ، وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْحَوْلَ يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً، وَهَذَا فِي الْغَنَمِ دُونَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، فَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهُ فُصْلَانَ وَعَجَاجِيلَ، فَيُقَوَّمُ النِّصَابُ مِنَ الْكِبَارِ، وَيُقَوَّمُ فَرْضُهُ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الصِّغَارُ، وَيُؤْخَذُ عَنْهَا كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ فَيُؤْخَذُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَةً، وَالتَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ مَكَانَهُ زِيَادَةُ السِّنِّ، (وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَيْسَ مِنْهَا أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرَ الَّذِي فِي مَالِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقِلَّةِ الْعَيْبِ وَكَثْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَأْتِي عَلَى ذَلِكَ، لِكَوْنِ أَنَّ الْمُخْرَجَ وَسَطُ الْقِيمَةِ، (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ) فِيهِمَا (إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ) لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ: لَا يَأْخُذُ مَا يَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِ مُصَدِّقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَرَنِي أَنْ لَا آخُذُ مِنْ رَاضِعٍ شَيْئًا، إِنَّمَا حَقُّنَا فِي الثَّنِيَّةِ وَالْجَذَعَةِ» .

اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ كَالْبَخَاتِيِّ وَالْعِرَابِ، وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ، وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ، وَكَشَاةِ الْإِبِلِ.
فَعَلَى هَذَا يُكَلَّفُ سَوَاءً كَبِيرَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْفَرْضِ لِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ، وَالْأَوَّلُ أَشَهَرُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى النَّوْعَيْنِ، وَشَاةُ الْإِبِلِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، فَلَا يَرْتَفِقُ الْمَالِكُ، وَهُنَا مِنْ جِنْسِهِ، فَهُوَ كَالْحُبُوبِ (فَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي النِّصَابِ (صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَرِيمَةِ لِقَوْلِهِ: «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ» ؛ ولِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ، فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ إِذَا كَانَ الْمُزَكَّى كُلُّهُ كِبَارًا صِحَاحًا عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ بِالْعَكْسِ عَشَرَةً، وَجَبَ كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، هَذَا مَعَ تَسَاوِي الْعَدَدَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَعْلَى، وَالثُّلُثَانِ أَدْنَى، فَشَاةٌ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، وَبِالْعَكْسِ قِيمَتُهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ (وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ كَالْبَخَاتِيِّ) ، الْوَاحِدُ: بُخْتِيٌّ، وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةٌ، قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إِبِلٌ غِلَاظٌ ذَوَاتُ سَنَامَيْنِ (وَالْعِرَابِ) هِيَ جُرْدٌ مُلْسٌ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ (وَالْبَقَرِ، وَالْجَوَامِيسِ) وَاحِدُهَا: جَامُوسٌ.
قَالَ مَوْهُوبٌ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ (وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ) وَاحِدُهَا: كَرِيمٌ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أَنَّهَا جَمْعُ كَرِيمَةٍ؛ وَهِيَ الْجَامِعَةُ لِلْكَمَالِ الْمُمْكِنِ فِي حَقِّهَا مِنْ غَزَارَةِ لَبَنٍ أَوْ جِمَالِ صُورَةٍ أَوْ كَثْرَةِ لَحْمٍ أَوْ صُوفٍ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي يَخْتَصُّهَا مَالِكُهَا لِنَفْسِهِ وَيُؤْثِرُهَا (وَلِئَامٌ) وَاحِدٌهَا لَئِيمَةٌ؛ وَهِيَ ضِدُّ الْكَرِيمَةِ (وَسِمَانٌ، وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي هَزِيلَةٍ بِقِيمَةِ سَمِينَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَحَبَّ، سَوَاءٌ دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ أَوْ لَا، لَكِنْ مِنْ كِرَامٍ وَسِمَانٍ، وَضِدُّهُمَا يُخْرِجُ وَسَطًا، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ السَّاعِي، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ مِنْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ: يُخَيَّرُ السَّاعِيَ لِاتِّحَادِ الْوَاجِبِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَبُو بَكْرٍ الْقِيمَةَ فِي النَّوْعَيْنِ.

فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ، وَلَا يُؤْخَذُ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ.
نَقَلَ حَنْبَلٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَكْثَرِهِمَا عَدَدًا، وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ ضَمَّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وَخَرَجَ بِهِ الْخِرَقِيُّ فِي الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَخْرَجَ عَنِ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ مِنْهُ، جَازَ إِنْ لَمْ يُنْقِصْ قِيمَةَ الْمُخْرَجِ عَنِ النَّوْعِ الْوَاجِبِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ نَقَصَتْ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ هُنَا مُطْلَقًا كَغَيْرِ الْجِنْسِ.

[زَكَاةُ الْغَنَمِ]

فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا إِجْمَاعًا (فَيَجِبُ فِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ) إِجْمَاعًا (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ) وِفَاقًا (ثُمَّ) تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ، فَيَجِبُ (فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَنَسٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ قَالَ: " «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» مُخْتَصَرٌ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَمِائَةٍ، فَيَكُونُ خَمْسَ شِيَاهٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْمِائَةَ زَائِدَةٌ، فَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ خَمْسُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ سِتٌّ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا، وَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةِ

فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا تَيْسٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَهِيَ الْمَعِيبَةُ، وَلَا الرُّبَّى؛ وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي

[المبدع في شرح المقنع]

شَاةٌ، وَالْوَقْصُ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، وَوَاحِدَةٌ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ؛ وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ) لِمَا رَوَى سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ قَالَ: «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيَّةَ مِنَ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَكَذَا هُنَا، الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ: مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ لَا سِنَةٌ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ لَا سَنَتَانِ (وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا تَيْسٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] وَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ: وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَرْوِيهِ بِفَتْحِ الدَّالِّ مِنَ الْمُصَدَّقِ يَعْنِي الْمَالِكَ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى التَّيْسِ فَقَطْ، وَخَالَفَهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ فَقَالُوا: بِكَسْرِهَا، يَعْنِي: السَّاعِيَ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَقَالَ: التَّيْسُ لَا يُؤْخَذُ لِنَقْصِهِ، وَفَسَادِ لَحْمِهِ، فَيَكُونُ كَتَيْسٍ لَا يَضْرِبُ، لَكِنْ قَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ فَحْلَ الضَّرْبِ لَا يُؤْخَذُ لِجَبْرِهِ، فَلَوْ بَذَلَهُ الْمَالِكُ لَزِمَ قَبُولُهُ حَيْثُ يُقْبَلُ الذَّكَرُ، وَالْهَرِمَةُ: هي الكبيرة الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، وَالْعَوَارُ بِفَتْحٍ العين عَلَى الْأَفْصَحِ (وَهِيَ الْمَعِيبَةُ) الَّتِي لَا يُضَحَّى بِهَا، قَالَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِيِّ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ: إِذَا رُدَّتْ فِي الْبَيْعِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُؤْخَذُ عَوْرَاءُ، وَلَا عَرْجَاءُ، وَلَا نَاقِصَةُ الْخَلْقِ.
وَاخْتَارَ الْمَجْدُ جَوَازَهُ إِنْ رَآهُ السَّاعِي أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ لِزِيَادَةِ صِفَةٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ إِخْرَاجُ الْمَكْسُورَةِ عَنِ الصِّحَاحِ إِذَا زَادَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى الثَّلَاثَةِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ (وَلَا الرُّبَّى؛ وَهِيَ

وَلَدَهَا، وَلَا الْحَامِلُ، وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ.

وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ.

[المبدع في شرح المقنع]

الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ (وَلَا الْحَامِلُ) لِقَوْلِ عُمَرَ: لَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضُ وَلَا الْأَكُولَةُ، وَمُرَادُهُ السَّمِينَةُ، مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْفَرِيضَةِ عَلَى صِفَةٍ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالسِّنِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَا يُؤْخَذُ طَرُوقَةُ الْفَحْلُ؛ لِأَنَّهَا تَحْبَلُ غَالِبًا (وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ) وَهِيَ النَّفِيسَةُ، فَهَذِهِ لَا تُؤْخَذُ لِشَرَفِهَا، وَلِحَقِّ الْمَالِكِ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَالِ، فَلَمْ يُجْزِئْ أَخْذُهُ بِغَيْرِ رِضَى مَالِكِهِ، وَالْحَقُّ فِي الْوَسَطِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاء أثلاثا: ثُلُثَ خِيَارٍ، وَثُلُثَ وَسَطٍ، وَثُلُثَ شِرَارٍ، وَأَخَذَ مِنَ الْوَسَطِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، يُؤَيِّدُه قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ شَرَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

[إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ]

(وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ: " «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالْإِبِلَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنَ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنَ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِها.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قِيلَ لِأَحْمَدُ: أُعْطِي دَرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَ، خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) لِقَوْلِ مُعَاذٍ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ صُوَرِ الْأَمْوَالِ إِذَا حَصَلَتِ الْقِيمَةُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هَذَا فِيمَا عَدَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ، فَتَكُونُ بِالْبُرِّ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ

فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ، أَوْ أَكْثَرُ، مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، فِي نِصَابٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ حَوْلًا، لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

لِلْحَاجَةِ إِنْ تَعَذَّرَ الْفَرْضُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلنُّصُوصِ، وَقَوْلُ مُعَاذٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ مَجَازًا، وَقَوْلُهُ: مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَالَحَهُمْ عَنْ أَرَاضِيهِمْ بِذَلِكَ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، فَيَتَنَوَّعُ الْوَاجِبُ لِيَصِلَ إِلَى الْفَقِيرِ مَنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، وَيَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِالْمُوَاسَاةِ مَنْ جِنْسِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ فِي تَجْوِيزِ إِخْرَاجِ غَيْرِهَا عُدُولًا عَنِ الْمَفْرُوضِ (وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ) كَبِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ (جَازَ) قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، لِمَا رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَانِي رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي، فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ مِنْهُ بِنْتَ مَخَاضٍ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ، فَقَالَ: هَا هِيَ ذِهْ، فَأَمَرَ بِقَبْضِهَا، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُجْرِئُ عَنْ غَيْرِهِ فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ زَادَ فِي الْعَدَدِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا: لَا يُجْزِئُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ]

[تَعْرِيفُ الْخُلْطَةِ]

فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ بِضَمِّ الْخَاءِ: الشَّرِكَةُ؛ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ) ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَلَا خُلْطَةَ مَعَهُ (أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَا أَثَرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ، فَلَمْ يَكْمُلِ النِّصَابُ بِهِ (فِي نِصَابٍ) فَلَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ،

يَثْبُتْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ، فَحُكْمُهَما فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ، بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا، فَاشْتَرَكَا فِي الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَحْلَبِ، وَالرَّاعِي، وَالْفَحْلِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حكم الِانْفِرَادُ فِي بَعْضِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَلَا عِبْرَةَ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (مِنَ الْمَاشِيَةِ) فَلَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي (حَوْلًا لَمْ يَثْبُتْ لَهَما حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ إِيجَابُ الزَّكَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، كَالنِّصَابِ (فَحُكْمُهَما فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ جَمْعِ التَّفَرُّقِ وَعَكْسِهِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَسَوَاءٌ أَثَّرَتْ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ أَوْ إِسْقَاطِهَا، أَوْ فِي تَغْيِيرِ الْفَرْضِ، فَلَوْ كَانَ لِأَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَرْبَعُونَ شَاةً، أَوْ لِوَاحِد شَاةٌ، وَلِلْآخَرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لَزِمَهُمْ شَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَمَعَ الِانْفِرَادِ لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ لِثَلَاثَةٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً، لَزِمَهُمْ شَاةٌ، وَمَعَ الِانْفِرَادِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ (سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ) ؛ لِأَنَّ أَعْيَانَهَا مُشْتَرِكَةٌ (بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا) بِأَنْ مَلَكَاهُ بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَما مُتَمَيِّزًا) عَنِ الْآخَرِ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَاتٍ (وَاشْتَرَكَا) فِي الْأَوْصَافِ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ (فِي الْمُرَاحِ) بِضَمِّ الْمِيمِ: الْمَكَانُ الَّذِي تَرُوحُ إِلَيْهِ الْمَاشِيَةُ عِنْدَ رُجُوعِهَا فَتَبِيتُ فِيهِ، (وَالْمَسْرَحِ) مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وَفَسَّرَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُ: مَوْضِعُ جَمْعِهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا لِلرَّعْيِ (وَالْمَشْرَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ: الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَبُ فِيهِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ (وَالْمَحْلَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ: الْمَوْضِعُ الذي يُحْلَبُ فِيهِ، وَبِكَسْرِ الْمِيمِ: الْإِنَاءُ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خَلْطَ اللَّبَنِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْفَقٍ، بَلْ مَشَقَّةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى قَسْمِ اللَّبَنِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الرِّبَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُ خَلْطُ اللَّبَنِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْآنِيَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (وَالرَّاعِي) كَذَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَأَسْقَطَ الْمَحْلَبَ، (وَالْفَحْلِ) وجَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمُعَدُّ لِلضَّرْبِ، وَلَيْسَ الْمُعْتَبَرُ اتِّخَاذَهُ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا، بَلْ أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ فُحُولُ الْمَالَيْنِ عَنِ الْآخَرِ عِنْدَ الضَّرْبِ.
وَجَمَعَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " بَيْنَ الْمَسْرَحِ

الْحَوْلِ، زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ، وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْمَرْعَى كَالْخِرَقِيِّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنِ الْخِرَقِيَّ أَرَادَ بِالرَّعْيِ: الرَّعْيَ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ لَا الْمَكَانُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْرَحِ: الْمَصْدَرَ الَّذِي هُوَ السُّرُوحُ لَا الْمَكَانُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ زَالَ التَّكْرَارُ، وَحَصَلَ بِهِ اتِّحَادُ الرَّاعِي وَالْمَشْرَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْمَرْعَى وَالْمَسْرَحُ شَرْطٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ الْمَسْرَحَ لِيَكُونَ فِيهِ رَاعٍ وَاحِدٌ، وَقَالَ فِي " الْوَاضِحِ ": " الْفَحْلِ وَالرَّاعِي وَالْمَحْلَبِ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ الْمُرَاحَ وَالْمَسْرَحَ وَالْفَحْلَ وَالْمَرْعَى، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ الرَّاعِي فَقَطْ، وَذَكَرَ رِوَايَةً أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الرَّاعِي وَالْمُبَيَّتُ فَقَطْ، وَفِيهِ طُرُقٌ أُخْرَى، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِاعْتِبَارِ ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «الْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو عَبِيدٍ، وَجَعَلَ بَدَلَ الرَّاعِي الْمَرْعَى، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَيَتَوَجَّهُ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ خُلْطَةَ الْأَوْصَافِ لَا أَثَرَ لَهَا، كَمَا يُرْوَى عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْمَالِ بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْخُلْطَةِ نِيَّةٌ؛ وَهِيَ فِي خُلْطَةِ الْأَعْيَانِ إِجْمَاعٌ، وَكَذَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصَحِّ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ بِنِيَّةِ السَّوْمِ فِي السَّائِمَةِ، وَكَنِيَّةِ السَّقْيِ فِي الْمُعَشَّرَاتِ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهَا يُعْتَبَرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْنًى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالسَّوْمِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي خَلْطٍ وَقَعَ اتِّفَاقًا، أَوْ فَعَلَهُ رَاعٍ وَتَأَخَّرَ النِّيَّةُ عَنِ الْمِلْكِ، وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ تَأْخِيرُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، لتقديمها على الملك بزمن يسير (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا) بَطَلَ حُكْمُهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ، فَيُزَكِّي كُلُّ وَاحِدٍ مَالَهُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِلَّا فَلَا (أَوْ ثَبَتَ لَهَما حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) كَرَجُلَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابُ مِلْكِهِ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ ثُمَّ اخْتَلَطَا بَعْدَ ذَلِكَ (زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ) يَعْنِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ شَاةٌ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السِّنِينَ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، فَإِنِ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَخْرَجَا شَاةً عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ نِصْفَيْنِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ نِصْفُ شَاةٍ، وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ شَاةٍ أَيْضًا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ فَقَدْ تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً ونصف

فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى الثَّانِي زَكَاةُ الْخُلْطَةِ، ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْهَا.

وإِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ، وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ

[المبدع في شرح المقنع]

شاة، لَهُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ شَاةً، يَلْزَمُهُ أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا وَنِصْفِ جُزْءٍ مِنْ شَاةٍ، فَيُضَعِّفُهَا لِتَكَوُّنَ ثَمَانِينَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ (وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ) بِأَنْ يَمْلُكَ رَجُلَانِ نِصَابَيْنِ، ثُمَّ يَخْلِطَاهُمَا، ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَجْنَبِيًّا بَعْدَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَرْبَعِينَ، ثُمَّ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ، فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ) وَهُوَ شَاةٌ لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ مِنْ حَقِّهِ (وَعَلَى الثَّانِي) إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ (زَكَاةُ الْخُلْطَةِ) وَهُوَ نِصْفُ شَاةٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ مِنْهُ، لَزِمَهُ أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ (ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ) ؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ بِشُرُوطِهَا (كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَالَهُ مِنْهَا) أَيْ: يُزَكِّي بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ يُزَكِّي مَا عَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ الثَّانِي، وَلَا يَنْتَظِرُ حَوْلَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، وَإِنَّ الْمُشْتَرِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ زَكَاتِهِ إِلَى رَأْسِ حَوْلِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجِبُ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهَما نِصْفُ شَاةٍ، فَإِنْ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ، وَلِلثَّانِي ثَمَانُونَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثُ شَاةٍ، وَعَلَى الثَّانِي ثُلُثَاهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا.
تَنْبِيهٌ: يَثْبُتُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ - أَيْضًا - فِيمَا إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ، وَلِلْآخَرِ دُونَهُ، ثُمَّ يَخْتَلِطَانِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، وَكَذَا إِذَا أَبْدَلَ نِصَابًا مُنْفَرِدًا بِنِصَابٍ مُخْتَلِطٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَقُلْنَا: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِهِ، زَكَّيَا زَكَاةَ انْفِرَادٍ، كَمَالٍ وَاحِدٍ حَصَلَ الِانْفِرَادُ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ حَوْلِهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ بِأَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً، وَخَلَطَهَا فِي الْحَالِ، لِوُجُودِ الِانْفِرَادِ مِنْ بَعْضِ الْحَوْلِ، وَقِيلَ: يُزَكِّي زَكَاةَ خُلْطَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ خُلْطَةٍ، وَزَمَنُ الِانْفِرَادِ يَسِيرٌ.

[إِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا]

(وإِنْ مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ: عَيَّنَهُ (وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ)

الْبَائِعِ، وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، لِنُقْصَانِ النِّصَابِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا فِي الذِّمَّةِ، فَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ.
وَإِنْ أَفْرَدَ

[المبدع في شرح المقنع]

هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ فِي النِّصْفِ الْمَبِيعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ أَصْلًا، فَلَزِمَ انْقِطَاعُ الْحَوْلِ في الثَّانِي (وقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْبَائِعِ) فِيمَا لم يَبِعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا لِمَالٍ جَارٍ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ (وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ) فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ شَاةٍ لِكَوْنِهِ مَا خَلَا حَوْلُهُ مِنْ مِلْكِ نِصْفِ نِصَابٍ، فَهُوَ كَالْخَلِيطِ إِذَا تَمَّ مَالُهُ بِمَالِ شَرِيكِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ (أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطَعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِي) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا، فَعَلَى هَذَا: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ (لِنُقْصَانِ النِّصَابِ) فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَدِيمَ الْفَقِيرُ الْخُلْطَةَ بِنِصْفِهِ، فَلَا يَنْقُصُ النِّصَابَ إِذًا، وَيُخْرِجُ الثَّانِي نِصْفَ شَاةٍ، وَقِيلَ: إِنْ زَكَّى الْبَائِعُ مِنْهُ إِلَى فَقِيرِ زَكَّى الْمُشْتَرِي (وَإِنْ أَخْرَجَهَا) الْبَائِعُ (مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ) وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَقِيَّةِ كُتُبِهِ وَصَحَّحَهُ، وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ يُنْقِصُ النِّصَابَ، فَمَنَعَ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَجَزَمَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ شَاةٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَقِيرُ لَا يَمْلِكُ جُزْءًا مِنَ النِّصَابِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهَا، وَضَعَّفَ الْمَجْدُ الْأَوَّلَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَقَالَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَوْضِعٌ يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّ فِي كَلَامِهِ نَظَرًا مِنْ حَيْثِيَّةِ أَنَّهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا كَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّعَلُّقُ؟ لِأَنَّ بَعْدَ الْأَدَاءِ لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا، كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِالرَّهْنِ بَعْدَ أَدَائِهِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي بَعْدَ فِدَائِهِ (وَإِنْ قُلْنَا فِي الذِّمَّةِ فَعَلَيْهِ) أَيِ: الْمُشْتَرِي (عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ) لِعَدَمِ نُقْصَانِ النِّصَابِ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا، وَعَكْسُهَا صُورَةُ لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ نِصَابُ خُلْطَةٍ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا خَلِيطَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ خَلِيطُ نَفْسِهِ، ثم صار خليط أجنبي، وهاهنا كان خليط أجنبي،

بَعْضَهُ وَبَاعَهُ، ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا.

وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ وَجْهًا وَاحِدًا.

وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ، لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ

[المبدع في شرح المقنع]

ثم صار خليط نفسه، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ اسْتَدَانَ مَا أَخْرَجَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ إِلَّا مَالَ الْخُلْطَةِ، أَوْ لَمْ يُخْرِجِ الْبَائِعُ الزَّكَاةَ حَتَّى تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَوْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، لَكِنْ لِلْبَائِعِ مَالٌ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِ الزَّكَاةِ، زَكَّى الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ نِصْفَ شَاةٍ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِوُجُودِ الِانْفِرَادِ فِي الْبَعْضِ، وَكَحُدُوثِ بَعْضِ مَبِيعٍ بَعْدَ سَاعَةٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا) ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مُشَاعًا.

[إِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا]

(وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ الْبَيْعَ يَقْطَعُ الْحَوْلَ، فَيَصِيرُ الْبَائِعُ كَأَنَّهُ مَلَكَ نِصَابًا مُنْفَرِدًا (وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ لَهُ (وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ) لِاخْتِيَارِهِ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ خُلْطَةٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ وَجْهًا وَاحِدًا) ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ الَّتِي لَهُ لَمْ تَزَلْ مُخْتَلِطَةً فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ.

[إِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ]

(وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ) وَهِيَ شَاةٌ لِانْفِرَادِهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي) إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ

عَلَيْهِ للثَّانِي زَكَاةُ خُلْطَةٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا فِي صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ.

وَإِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ

[المبدع في شرح المقنع]

مِلْكٌ وَاحِدٌ، فَلَمْ يَزِدْ فَرْضُهُ عَلَى شَاةٍ كَمَا لَوِ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ، وَلِلْعُمُومِ فِي الْأَوْقَاصِ كَمَمْلُوكٍ دُفْعَةً (وَفِي الْآخَرِ عَلَيْهِ لِلثَّانِي زَكَاةُ خُلْطَةٍ) وَهُوَ نِصْفُ شَاةٍ، لِاخْتِلَاطِهَا بِالْأَرْبَعِينَ الْأُولَى (كَالْأَجْنَبِيِّ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الَّتِي قَبْلَهَا) وَقِيلَ: يَجِبُ شَاةٌ كَالْأُولَى، وَكَمَا لِمُنْفَرِدٍ، وَعَلَى الثَّانِي فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ يُزَكِّيهِمَا زَكَاةَ خُلْطَةٍ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ إِحْدَاهُمَا، أَخْرَجَ قِسْطَهَا نِصْفَ شَاةٍ، فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا شَيْءَ سِوَى الشَّاةِ الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِي: زَكَاةُ خُلْطَةٍ ثُلُثُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهَا ثُلُثُ الْجَمْعِ، وَفِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ فِي كُلٍّ ثُلُثُ شَاةٍ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، وَعَلَى الثَّالِثِ شَاةٌ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوِ انْقَضَتْ أَحْوَالُهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُجْعَلَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ لِمَالِكٍ أَوْ كَمَالَيْنِ لِمَالِكَيْنِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ شَاةٌ أُخْرَى، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهَذَا عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ هُنَا إِلَى زَكَاةِ الْجَمِيعِ، فَيَسْقُطُ مِنْهَا مَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي الثَّانِي، وَكَذَا عَلَى الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ يُعْتَبَرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَكَذَا هُنَا، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ زَكَاةُ خُلْطَةٍ؛ وَهِيَ شَاةٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ شَاتَيْنِ، حِصَّةُ الْمِائَةِ مِنْهَا خَمْسَةُ أَسْبَاعِ الْكُلِّ بِحِصَّتِهَا مِنْ فَرْضِهِ خَمْسَةُ أَسِبَاعِهِ، فَلَوْ مَلَكَ مِائَةً أُخْرَى فِي رَبِيعٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ شَاةٌ، وَعَلَى الثَّانِي شَاةٌ وَرُبْعٌ؛ لِأَنَّ فِي الْكُلِّ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَالْمِائَةُ رُبْعُ الْكُلِّ وَسُدْسُهُ، فَحِصَّتُهَا مِنْ فَرْضِهِ رُبْعُهُ وَسُدْسُهُ، وَفِي إِحْدَى وَثَمَانِينَ شَاةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَقِيلَ: شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ، وَأَحَدٌ وَعِشْرونَ جُزْءًا مِنْ شَاةِ الْخَلِيطِ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا فِي صَفَرٍ) فَيَجِبُ فِي ثَلَاثِينَ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا تَبِيعٌ، وَأَمَّا الْمُسْتَفَادُ (فَعَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمُسِنَّةِ قَدْ كَمُلَتْ، وَقَدْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثَّلَاثِينَ، فَوَجَبَ فِي الْعَشْرِ، يَقْطَعُهَا مِنَ الْمُسِنَّةِ وَهُوَ رُبْعُهَا، وَعَلَى الثَّالِثِ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ مَلَكَهَا مُنْفَرِدَةً.

[إِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ]

(وَإِنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ

الْفَرْضَ كَخَمْسٍ، فَلَا شَيْءَ فِيهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الثَّانِي: عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُ شَاةٍ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ، وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

كَخَمْسٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ وَقْصٌ، وَكَمَا لَوْ مَلَكَهُمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا عَلَى الثَّالِثِ (وَفِي الثَّانِي عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطٌ بِخَمْسٍ كَثَلَاثِينَ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ شَاةٌ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَكَذَا فِي الِاخْتِلَاطِ (نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ سُدْسُ شَاةٍ) ضُمَّ الْمَالُ كُلُّ خَلِيطٍ إِلَى مَالِ الْكُلِّ، فَيَصِيرُ كَمَالٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَمَحَلُّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ، أَوْ كَانَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُمْ شَاتَانِ وَرُبْعٌ، عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطُ الْعِشْرِينَ خُلْطَةَ وَصْفٍ، وَلِأَرْبَعِينَ بِجَهَةِ الْمِلْكِ، وَحِصَّةُ الْعِشْرِينَ مِنْ زَكَاةِ الثَّمَانِينَ رُبْعُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِطُ الْعِشْرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ فِي الْجَمِيعِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، عَلَى رَبِّ السِّتِّينَ شَاةٌ وَنِصْفٌ، جُعِلَا لِلْخُلْطَةِ قَاطِعَةً بَعْضَ مِلْكِهِ عَنْ بَعْضٍ، وَعَلَى كُلِّ خَلِيطٍ نِصْفُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُخَالِطْ سِوَى عِشْرِينَ (وإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ نِصَابًا، وَقَدْ فَاتَ هُنَا، فَوَجَبَ عَلَى مَالِكِ السِّتِّينَ شَاةٌ (وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ) وَأَبْرَزَ الْمُؤَلِّفُ عِلَّتَهُ.
فَقَالَ: (لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ) بِخِلَافِ الْأُولَى (وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ، فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ) يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُزَكِّيهَا كَالْمُخْتَلِطَةِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ) فِي رِوَايَةٍ هِيَ (قَوْلُ) أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتِيَارُ (أَبِي الْخَطَّابِ) وَصَحَّحَهُ فِي

كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ، وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُؤَثِّرُ.

وَيَجُوزُ

[المبدع في شرح المقنع]

" الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ وَاحِدٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَكَغَيْرِ السَّائِمَةِ إِجْمَاعًا، وَعَلَيْهَا يَخْرُجُ الْفَرْضُ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَقِيلَ: بِالْقِسْطِ (وَالْمَنْصُوصُ) عَنْ أَحْمَدَ كَمَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ (أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمُ نَفْسِهِ) فَإِنْ كَانَ نِصَابًا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، فَجَعَلَ التَّفْرِقَةَ فِي الْبَلَدَيْنِ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْمِلْكَيْنِ، فَصَارَ (كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ) احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ.
. .» الْخَبَرَ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ بِبَلَدِهِ، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِهِ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ، وَحَمَلَ الْمُؤَلِّفُ النَّصَّ عَلَى الْمُجْتَمِعَةِ، وَكَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ لَا يَأْخُذُهَا، وَإِنَّمَا رَبُّ الْمَالِ، فَيُخْرِجُ إِذَا بَلَغَ مَالُهُ نِصَابًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَاشِيَةِ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ، لَكِنْ جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ رِوَايَتَيْنِ كَالْمَاشِيَةِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: لَا يُجْمَعُ الْخَلِيطَانِ؛ وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ تَقِلُّ تَارَةً، وَتَكْثُرْ أُخْرَى، وَسَائِرُ الْمَالِ يَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ، فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا، وَالْخُلْطَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ يُؤَثِّرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَاهُ فِي غَيْرِهَا لَأَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَالِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُؤَثِّرُ) ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَخَصَّهَا الْأَكْثَرُ بِخُلْطَةِ الْأَعْيَانِ؛ وَهِيَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَأَمَّا خُلْطَةُ الْأَوْصَافِ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَا يَحْصُلُ، وَقِيلَ: لَهَا مَدْخَلٌ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: كَالْمَوَاشِي، فَقَالَ: إِذَا كَانَا رَجُلَيْنِ

لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مَنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا، وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ به عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

لَهُمَا مِنَ الْمَالِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ النَّقْدَيْنِ، فَعَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ، فَيُعْتَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اتِّحَادُ الْمُؤَنَ وَمَرَافِقُ الْمِلْكِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِإِصْلَاحِ الشَّرِكَةِ، وَخَصَّهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ بِالنَّقْدَيْنِ.

[لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ]

(وَيَجُوزُ لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ) ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ (مَعَ الْحَاجَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا إِلَّا مِنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ، أَوْ تَكُونُ أَحَدُهُمَا صِغَارًا، وَالْآخَرُ كِبَارًا، وَنَحْوُهُ (وَعَدَمُهَا) بِأَنْ يَجِدَ فَرْضَ كُلٍّ مِنَ الْمَالَيْنِ فِيهِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ فِي خُلْطَةِ أَعْيَانٍ مَعَ بَقَاءِ النَّصِيبَيْنِ، وَقَدْ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ خِلَافًا لِ " الْمُحَرَّرِ " (فَأَمَّا مَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، كَذِمِّيٍّ وَمُكَاتَبٍ، فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَتِهِ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ خَلِيطَيْنِ يُمْكِنُ رُجُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ (وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَلَى خَلِيطِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» ؛ أَيْ: إِذَا أُخِذَ مِنْ أَحَدِهِمَا (بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ) يَوْمَ أُخِذَتْ لِزَوَالِ مِلْكِهِ إِذَنْ؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَيَرْجِعُ بِالْقِسْطِ الَّذِي قَابَلَ مَالَهُ مِنَ الْمُخْرَجِ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُ الْمَالِ، وَأُخِذَ الْفَرْضُ مِنْهُ، رَجَعَ بِقِيمَةِ ثُلُثَيِ الْمُخْرَجِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنَ الْآخَرِ رَجَعَ بِقِيمَةِ الثُّلُثِ، يَرْجِعُ رَبُّ عَشَرَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أُخِذَتْ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى رَبِّ عِشْرِينَ بِقِيمَةِ ثُلُثَيْهَا، وَبِالْعَكْسِ بِقِيمَةِ ثُلُثِهَا (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ) بِأَنْ قَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ: قِيمَتُهَا عِشْرُونَ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ) مَعَ يَمِينِهِ (إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ) وَاحْتُمِلَ صِدْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ غَارِمٌ، وَكَالْغَاصِبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ بِمَا يَقُولُهُ، لِأَنَّهَا تَرْفَعُ النِّزَاعَ (وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا) ؛ أَيْ: ثَلَاثًا، قِيلَ: كَأَخْذِهِ عَنْ أَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا (لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ) ؛ لِأَنَّهَا ظُلْمٌ، فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ وِفَاقًا.
وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

خَلِيطِهِ بِنِصْفِ شَاةٍ فَقَطْ، وَذَكَرَ الشَّيْخِ تَقِيُّ الدِّينِ فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَظْهَرُهُمَا: يَرْجِعُ.
وَقَالَ فِي الْمَظَالِمِ الْمُشْتَرَكَةِ: وَحِينَئِذٍ تُطْلَبُ مِنَ الشُّرَكَاءِ، يَطْلُبُهَا الْوُلَاةُ مِنَ الْبُلْدَانِ أَوِ التُّجَّارِ أَوِ الْحَجِيجِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَالْكُلَفُ السُّلْطَانِيَّةُ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الدَّوَابِّ، وَيَلْزَمُهُمُ الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَلْزَمُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِحَقٍّ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ قِسْطِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ قِسْطُهُ مِنَ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعِ الظُّلْمَ عَنْهُ إِلَّا بِظُلْمِ شُرَكَائِهِ (وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ) كَأَخْذِهِ صَحِيحَةً عَنْ مِرَاضٍ، أَوْ كَبِيرَةً عَنْ صِغَارٍ، أَوْ قِيمَةَ الْوَاجِبِ (رَجَعَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ، فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ، وَلِهَذَا لَا يُنْقَضُ؛ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَمَا فِي الْحَاكِمِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ وَجَبَ دَفْعُهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ سَائِغٌ نَافِذٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِسَوَغَانِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ، وَصَارَ أَحَدُهَا، رَجَعَ بِنِصْفِهَا، إِنْ قُلْنَا: الْقِيمَةُ أَصْلٌ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَلٌ، فَيُنَصِّفُ قِيمَةَ الشَّاةِ، وَإِنْ لَمْ تُجْزِئِ الْقِيمَةُ فَلَا رُجُوعَ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ، وَلَوِ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَدَمَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ فَوْقَ الْوَاجِبِ لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": عَقْدُ الْخُلْطَةِ: جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْإِذْنِ لِخَلِيطِهِ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، غَابَ الْآخَرُ أَوْ حَضَرَ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا يُجْزِئُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخَذَ السَّاعِي فَرْضًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: هَلْ هُوَ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا، عَمِلَ كُلٌّ فِي التَّرَاجُعِ بِمَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْضَ فِيهِ، لِفِعْلِ السَّاعِي، فَعِشْرُونَ خُلْطَةً بِسِتِّينَ فِيهَا رُبْعُ شَاةٍ، فَإِذَا أَخَذَ الشَّاةَ مِنَ السِّتِّينَ رَجَعَ رَبُّهَا

بَابُ زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ

[المبدع في شرح المقنع]

بِرُبْعِ الشَّاةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنَ الْعِشْرِينَ رَجَعَ بِهَا بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا لَا بِقِيمَتِهَا كُلِّهَا، وَلَا يَسْقُطُ زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بِأَخْذِ السَّاعِي مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ خُلْطَةً بَيْنِهِمَا ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ عَقِبَ الْحَوْلِ بِأَخْذِ نِصْفِ شَاةٍ، بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقٍ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ وَالْعَفْوِ، وَجَعْلِ لِلْخُلْطَةِ وَالتَّلَفِ تَأْثِيرًا، لَزِمَهُمَا إِخْرَاجُ نِصْفِ شَاةٍ، ذَكَرَهُمَا فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ".

[بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ]

[حُكْمُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ]

بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقُّهُ الزَّكَاةُ، مَرَّةً الْعُشْرُ وَمَرَّةً نِصْفُ الْعُشْرِ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ كَانَ قُوتًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالدُّخْنِ، أَوْ مِنَ الْقُطْنِيَّاتِ كَالْبَاقِلَاءِ وَالْعَدَسِ وَالْحِمَّصِ، أَوْ مِنَ الْأَبَازِيرِ كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَكَبِزْرِ الْكَتَّانِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، وَحَبِّ الْبُقُولِ، كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْفُجْلِ، وَالْقُرْطُمِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ السَّابِقِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَدْخُلُهُ التَّوْسِيقُ لَيْسَ مُرَادًا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الْأَوْسُقِ لَغْوًا؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُدَّخَرِ لَا تَكْمُلُ فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ فِيهِ مَآلًا (كَالثَّمَرِ وَالزَّبِيبِ وَاللَّوْزِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مَكِيلٌ (وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ) وَالسُّمَّاقُ.
نَقَلَ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَأَنْ يُكَالَ وَيُدَّخَرَ، وَيَقَعُ فِيهِ الْقَفِيزُ،

وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ، وَلَا تَجِبُ فِي سَائِرِ الثَّمَرِ، وَلَا فِي الْخُضَرِ وَالْبُقُولِ وَالزَّهْرِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ وَالْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا،

[المبدع في شرح المقنع]

فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ مِثْلَ الْبَصَلِ، وَالرَّيَاحِينِ، وَالرُّمَّانِ، فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، إِلَّا أَنْ يُبَاعَ وَيَحُولُ عَلَى ثَمَنِهِ حَوْلٌ.
اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، (وَلَا تَجِبُ فِي سَائِرِ الثَّمَرِ) كَالْجَوْزِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ، وَالْخَوْخِ، وَالْآجَاصِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْمِشْمِشِ، وَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَكِيلَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنْ عَامِلَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَيْهِ فِي كُرُومٍ فِيهَا مِنَ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنَ الْكُرُومِ أَضْعَافًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَيْسَ فِيه عُشْرٌ، هِيَ مِنَ الْعِضَاهِ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَكَذَا الْعُنَّابُ، وَجَزَمَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْكَافِي " بِالزَّكَاةِ فِيهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَظْهَرُ، وَالتِّينُ، وَالْمِشْمِشُ، وَالتُّوتُ مِثْلُهُ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا فِي التِّينِ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ (وَلَا فِي الْخُضَرِ) كَالْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَاللِّفْتِ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» " وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، (وَالْبُقُولِ وَالزَّهْرِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ، وَنَحْوُهُمَا الْوَرَقُ وَطَلْعُ الْفُحَّالِ، وَالسَّعَفِ وَالْخُوصِ، وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ، وَأَغْصَانِ الْخِلَافِ، وَالْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ مُطْلَقًا، وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا، وَكَذَا الْحَرِيرُ وَدُودُ الْقَزِّ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ [الأنعام: 99] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَبٌّ مَكِيلٌ يُنْتَفَعُ بِدُهْنِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ، أَشْبَهَ السِّمْسِمَ وَالْكَتَّانَ، فَيُزَكَّى إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كَيْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ، وَإِنْ صَفَّاهُ، وَأَخْرَجَ عَصِيرَ زَيْتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ لا يجب، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤَلِّفُ: عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الِادِّخَارَ شَرْطٌ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، فَلَمْ يَجِبْ، وَالْآيَةُ بِمَكَّةَ نَزَلَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَلَا تَكُونُ مُرَادَةً، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الرُّمَّانِ (وَالْقُطْنِ وَالزَّغْفَرَانِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْزُونٌ مُدَّخَرٌ تَامُّ الْمَنْفَعَةِ وَالْوَزْنِ، أُقِيمَ مَقَامَ الْكَيْلِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي عُمُومِ الْمَنْفَعَةِ (إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا) وَهُوَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ؛

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِي حَبِّ الْبُقُولِ كَحَبِّ الرَّشَادِ وَالْأَبَازِيرِ، كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَبَذْرِ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَنَحْوِهِ.

وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أن يبلغ نصابا قَدْرَهُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ بِالْكَيْلِ رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْوَزْنِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " (وَعَنْهُ: أَنَّ نِصَابَ ذَلِكَ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصَابٍ مِنْ أَدْنَى الْعَشَرَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ فِيهِمَا؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ لِعَدَمِ الْكَيْلِ فِيهِمَا، وَقِيَامُ الْوَزْنِ مَقَامَ الْكَيْلِ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ أَجِدْ فِيهِمَا نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِي حَكَى عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي الْقُطْنِ وَجَبَ فِي حَبِّهِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَالْكَتَّانُ مِثْلُهُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا الْعِنَبُ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الزَّعْفَرَانِ، وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ الْعُصْفُرُ وَالْوَرْسُ وَالنِّيلُ.
قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَالْفُوَّةُ، وَفِي الْحِنَّاءِ الْخِلَافُ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِي حَبِّ الْبُقُولِ كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْأَبَازِيرِ، كَالْكُسْفُرَةِ وَالْكَمُّونِ، وَبِزْرِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ) كَبِزْرِ الرَّيَاحِينِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُوتٍ وَلَا أُدْمٍ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا بِزْرُ الْيَقْطِينِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " مِنَ الْمُقْتَاتِ، وَيُخْرِجُ الصَّعْتَرَ وَالْأُشْنَانَ عَلَى الْخِلَافِ، وَجَزَمَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ نَبَاتٌ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ، وَمَالُهُ وَرَقٌّ مَقْصُودٌ كَوَرَقِ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ وَالْآسِ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْأَشْهَرُ الْوُجُوبُ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ: لَا زَكَاةَ إِلَّا فِي التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ التَّابِعِينَ.

[شُرُوطُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ]

(وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا شَرْطَانِ، أَحَدُهُمَا: أَن يبلغ نصابا، قَدْرَهُ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ خمسة أوسق) فَلَا يَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ ثَمَرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
فَتَقْدِيرُهُ بِالْكَيْلِ يَدُلُّ عَلَى إِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْلُ لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ عِنْدَ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ النِّصَابِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ؛ لِأَنَّ التَّوْسِيقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ التَّحْقِيقِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ

وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثلث بِالْعِرَاقِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ

[المبدع في شرح المقنع]

عِنْدَهُ، فَلَوْ كَانَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ عِنَبًا، لَا يَجِيءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيبًا، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ (وَالْوَسْقُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا (سِتُّونَ صَاعًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَنَحْوُهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا أَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ، وَتَوَارَدَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ، (وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثلث بِالْعِرَاقِيِّ) وَهُوَ رِطْلٌ وَسُبْعٌ دِمَشْقِيٌّ، فَرَدَّ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ سُبْعَهَا، تَكُنْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ رِطْلًا، وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ، عَلَى مَا حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي الْجَدِيدِ " أَنَّ الرِّطْلَ الْعِرَاقِيَّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَبِالْقُدْسِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: مِائَتَانِ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَسُبْعُ رِطْلٍ، وَبَالْحَلَبِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ، وَبِالْمِصْرِيِّ وَمَا وَافَقَهُ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ (فَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ: بِالْعِرَاقِيِّ (أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ رِطْلٍ) وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ بِلَا كَسْرٍ: ثَلَاثُمِائَةِ رِطْلٍ وَأَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ، وَالْوَسْقُ وَالصَّاعُ كَيْلَانِ لَا صَنْجَانِ، وَإِنَّمَا نُقِلَ إِلَى الْوَزْنِ لِيُحْفَظَ وَيُنْقَلَ؛ إِذِ الْمَكِيلُ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ، فَمِنْهُ ثَقِيلٌ كَالْأُرْزِ وَالتَّمْرِ، وَمُتَوَسِّطٌ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ، وَخَفِيفٌ كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْمُتَوَسِّطِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ فِي الْخَفِيفِ إِذَا قَارَبَ هَذَا الْوَزْنَ، وَإِنْ لَمْ يَيْلُغْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْكَيْلِ كَالرَّزِينِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَأَكْثَرُ الثَّمَرِ أَخَفُّ مِنَ الْحِنْطَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُكَالُ شَرْعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرُ مَكْبُوسٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ بِالْحِنْطَةِ أَيْ: بِالرَّزِينِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي وَزْنِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَبْعَدُ الْأَمْرَيْنِ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ.
1 - تَنْبِيهٌ: نِصَابُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ تَحْدِيدٌ فِي الْأَشْهَرِ، لِتَحْدِيدِ الشَّارِعِ بِالْأَوْسُقِ، وَعَنْهُ: تَقْرِيبٌ، فَيُؤْثَرُ نَحْوُ رِطْلَيْنِ وَمُدَّيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَجَعَلَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَائِدَةَ الْخِلَافِ، وَقَدَّمَ الثَّانِيَةَ، وَلَا اعْتِبَارَ بِنَقْصِ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ.

رِطْلٍ إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ - نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ - فَنِصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عُشْرُهُ يَابِسًا،

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِذَا نَقَصَ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ظَهَرَ فِيهَا، فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ فِي بُلُوغِ قَدْرِ النِّصَابِ احْتَاطَ، وَأَخْرَجَ وَلَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ "، وَمَنِ اتَّخَذَ وِعَاءً يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنَ الْبُرِّ الرَّزِينِ، ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ، عَرَفَ أَبْلَغَ حَدِّ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ) وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ (يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ) عَادَةً لِحِفْظِهِ (فَإِنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عشرة أوسق) ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ زَعَمُوا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى النِّصْفِ، وَأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ قِشْرِهِ لَا يَبْقَى كَغَيْرِهِ، فَيَجِبُ الْعُشْرَ إِذَا بَلَغَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ حَبًّا، وَإِنْ صُفِّيَا فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِثِقَلٍ وَخِفَّةٍ، فَيُرْجَعُ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيُؤْخَذُ بِقَدْرِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عُشْرُهُ يَابِسًا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ: «أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، فَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا يُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا» "، وَمَا وَجَبَ خَرْصُهُ اعْتُبِرَ بِحَالِ رُطُوبَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لَا، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ نِصَابُهُمَا رُطَبًا وَعِنَبًا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَيُؤْخَذُ عُشْرُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ، وَحَمَلَهَا فِي " الْمُغْنِي " عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْخَذَ عُشْرُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ مِنَ التَّمْرِ إِذَا بَلَغَ رُطَبُهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ مِنَ التَّمْرِ إِيجَابٌ لِأَكْثَرِ مِنَ الْعُشْرِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَخْرُصُ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ خَرَصَ عَلَيْهِ مِائَةَ وَسْقٍ رُطَبًا يُعْطِي عِشْرَةَ أَوْسُقٍ تَمْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ التَّأْوِيلِ

وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ ضَمَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُضَمُّ، وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَعَنْهُ: يُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللُّقَّاطُ، أَوْ يَأْخُذُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَكَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ كَالْبَرْنِيِّ وَالْمَعْقِلِ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إِطْلَاعِهَا وَإِدْرَاكِهَا أَوِ اخْتَلَفَ، أَوْ تَعَدَّدَ الْبَلَدُ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذُ عَامِلُ الْبَلَدِ حِصَّتَهُ مِنَ الْوَاجِبِ فِي مَحَلِّ وِلَايَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِنَقْصِ مَا فِي وِلَايَتِهِ عَنْ نِصَابٍ، فَيُخْرِجُ الْمَالِكُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَامِ هُنَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، بَلْ وَقْتُ اسْتِغْلَالِ الْمُغَلِّ مِنَ الْعَامِ عُرْفًا، وَأَكْثَرُهُ عَادَةً سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِقَدْرِ فَصْلَيْنِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَضُمُّ ثَمَرَةَ عَامٍ، أَوْ زَرْعَهُ إِلَى آخَرَ (فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، ضَمَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ) لِزَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَكَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ مَرَّتَيْنِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَضُمُّ) لِقُدْرَتِهِ مَعَ بَيَانِ أَصِلِهِ، فَهُوَ لِثَمَرَةِ عَامٍ آخَرَ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ، فَعَلَيْهِ لَوْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ بَعْضُهُ فِي السَّنَةِ حِمْلًا، وَبَعْضُهُ حِمْلَيْنِ، ضَمَّ مَا يَحْمِلُ حِمْلًا إِلَى أَيِّهِمَا بَلَغَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: أَقْرَبُهُمَا إِلَيْهِ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَأَجْنَاسِ الثِّمَارِ وَالْمَاشِيَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي قَدْرِ النِّصَابِ وَالْمُخْرَجِ كَضَمِّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ (وَعَنْهُ: يُضَمُّ الْحِنْطَةُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَالْقُطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَجَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَارَبُ مَنْفَعَةً، أَشْبَهَ نَوْعِيِ الْجِنْسِ، وَعَلَيْهَا تُضَمُّ الْأَبَازِيرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَا حَبُّ الْبُقُولِ لِتَقَارُبِ الْمَقْصُودِ، وَالذُّرَةُ إِلَى الدُّخْنِ، وَكُلُّ مَا يُقَارِبُ مِنَ الْحُبُوبِ ضُمَّ، وَمَعَ الْمِسْكِ لَا ضَمَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) وَهُوَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (وَلَا يَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللُّقَّاطُ) مِنَ السُّنْبُلِ (أَوْ يَأْخُذُهُ) أُجْرَةً (بِحَصَادِهِ) ، وَكَذَا مَا مَلَكَهُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِشِرَاءٍ أَوْ

جارٍ التحميل