المبدع في شرح المقنعصفحات 470-14

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 470-14

وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ، وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ، وَيُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلَمَةٍ، وَيَكْشِفُ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ، فَإِنْ فَاءُوا، وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ، وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ، فَإِنِ اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً رَجَا رُجُوعَهُمْ فِيهَا أَنْظَرَهُمْ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهَا مَكِيدَةٌ لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ: الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ، صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِمْ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، قَالَ: وَالْحُكْمُ فِيهِمْ عَلَى مَا قَالَ عَلِيٌّ، وَفِيمَا قَالَ: لَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى كُفْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، قَوْلُهُ: يَتَمَادَى فِي الْفَوْقِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَوَارِجَ يَجُوزُ قَتْلُهُمُ ابْتِدَاءً، وَالْإِجَازَةُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.

[مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ قِتَال أهل البغي]

(وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ) لِلنَّصِّ، إِذِ الْمُرَاسَلَةُ، وَالسُّؤَالُ طَرِيقٌ إِلَى الصُّلْحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى رُجُوعِهِمْ إِلَى الْحَقِّ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَلَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَوَاضَعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ (وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ وَيُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلَمَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ مَعَ إِفْضَاءِ الْأَمْرِ إِلَى الْقَتْلِ وَالْهَرَجِ وَالْمَرَجِ، فَلَأَنْ يَجِبُ فِي حَالٍ يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ) لِأَنَّ كَشْفَهَا طَرِيقٌ إِلَى رُجُوعِهِمْ إِلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ إِلَّا أَنْ يَخَافَ كَلْبَهُمْ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ، فَإِنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ، وَخَوَّفَهُمُ الْقِتَالَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ شَرِّهِمْ لَا قَتْلُهُمْ، (فَإِنْ فَاءُوا) أَيْ: رَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ (وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ) أَيْ: يَلْزَمُ الْقَادِرَ قِتَالُهُمْ، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ تَرْكُهُ حَتَّى يَبْدَءُوهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْمُؤَلِّفِ، وَقَالَا فِي الْخَوَارِجِ: لَهُ قَتْلُهُمُ ابْتِدَاءً، وَتَتِمَّةُ الْجَرِيحِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فِي الْخَوَارِجِ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ بُغَاةٌ، لَهُمْ حُكْمُهُمْ، وَفَرَّقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ (وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فَإِنِ اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً رَجَا رُجُوعَهُمْ فِيهَا أَنْظَرَهُمْ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ

يُنْظِرْهُمْ وَقَاتَلَهُمْ.

وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلَا يَسْتَعِينُ فِي حَرْبِهِمْ بِكَافِرٍ.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيْهِمْ بِسِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ، وَلَا يُجَازِ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُغْنَمْ لَهُمْ مَالٌ، وَلَا تُسْبَى

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": ثَلَاثًا، وَلِأَنَّ الْإِنْظَارَ الْمَرْجُوَّ بِهِ رُجُوعُهُمْ أَوْلَى مِنْ مُعَالَجَتِهِمْ بِالْقِتَالِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ (فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهَا مَكِيدَةٌ لَمْ يُنْظِرْهُمْ) لِأَنَّ الْإِنْظَارَ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ طَرِيقًا إِلَى قَهْرِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَعْطَوْهُ عَلَيْهِ مَالًا أَوْ رَهْنًا، لِأَنَّهُ يُخَلِّي سَبِيلَهُمْ إِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ كَمَا يُخَلِّي الْأُسَارَى، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، فَإِنْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنْظِرَهُمْ أَبَدًا، وَيَدَعَهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ وَيَكُفُّوا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا جَازَ (وَقَاتَلَهُمْ) حَيْثُ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ ضَعُفَ عَنْهُ أَخَّرَهُ حَتَّى يَقْوَى، فَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمْ مَنْ لَا يُقَاتِلُ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، وَإِذَا قَاتَلَ مَعَهُمْ عَبِيدٌ، أَوْ نِسَاءٌ، أَوْ صِبْيَانٌ، فَهُمْ كَالرَّجُلِ الْبَالِغِ الْحُرِّ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَمُرَاهِقٌ وَعَبْدٌ كَخَيْلٍ.

[أَحْكَامُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ]

(وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ) لِأَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ يَجُوزُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ (إِلَّا لِضَرُورَةٍ) كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ، فَإِنْ رَمَاهُمُ الْبُغَاةُ بِهِ جَازَ رَمْيُهُمْ، (وَلَا يَسْتَعِينُ فِي حَرْبِهِمْ بِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعَانُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِهِ، فَلَأَنْ لَا يُسْتَعَانَ بِهِ فِي قِتَالِ مُسْلِمٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ كَفُّهُمْ لَا قَتْلُهُمْ، وَهُوَ لَا يَقْصِدُ قَتْلَهُمْ، فَإِنِ احْتَاجَ فَقَدَرَ عَنْ كَفِّهِمْ عَنْ فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ جَازَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيْهِمْ بِسِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ؟) أَيْ: خَيْلِهِمْ (عَلَى وَجْهَيْنِ) . أَحَدُهُمَا: لَا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَحْمَدَ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ عَنْ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عَصَمَ أَمْوَالَهُمْ، وَإِنَّمَا أُتِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَيَبْقَى الْمَالُ عَلَى الْعِصْمَةِ، كَمَالِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ، فَيَجُوزُ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ فِي الْمَخْمَصَةِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إِلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى أَسْلِحَةِ الْكُفَّارِ، وَعَلَيْهِ: لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ قِتَالُهُمْ، وَيَجِبُ رَدُّهُ بَعْدَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، كَمَا يَرُدُّ سَائِرَ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَرُدُّهُ حَالَ الْحَرْبِ، لِئَلَّا يُقَاتِلُونَا بِهِ (وَلَا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ، وَلَا يُجَازِ عَلَى جَرِيحٍ) وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ إِذَا تَرَكُوا الْقِتَالَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى

لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ، وَمَنْ أُسِرَ مِنْ رِجَالِهِمْ حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يُرْسَلَ، وَإِنْ أُسِرَ صَبِيٌّ، أَوِ امْرَأَةٌ، فَهَلْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، أَوْ يُخَلَّى فِي الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِذَا

[المبدع في شرح المقنع]

مَرْوَانُ، قَالَ: خَرَجَ خَارِجٌ يَوْمَ الْجَمَلِ لِعَلِيٍّ: لَا يُقْتَلَنَّ مُدْبِرٌ، وَلَا يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحٍ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَنْ عَمَّارٍ نَحْوَهُ، وَكَالصَّائِلِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنَّ الْمُدْبِرَ مَنِ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُ لَا الْمُتَحَرِّفَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَعَلَى هَذَا: إِذَا قَتَلَ إِنْسَانًا مُنِعَ مِنْ قَتْلِهِ ضَمِنَهُ، وَهَلْ يَلْزَمْهُ الْقِصَاصُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَلَا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا بِبَغْيِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَعِصْمَةُ الْأَمْوَالِ تَابِعَةٌ لِدِينِهِمْ (وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ سَبَبٌ أَصْلًا، بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمُ الْبَغْيُ وَالْقِتَالُ.
(وَمَنْ أُسِرَ مِنْ رِجَالِهِمْ حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ) لِأَنَّ فِي إِطْلَاقِهِمْ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ (ثُمَّ يُرْسَلُ) بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إِرْسَالِهِمْ خَوْفُ مُسَاعَدَةِ أَصْحَابِهِمْ، وَقَدْ زَالَ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا، مَعَ بَقَاءِ شَوْكَتِهِمْ، وَقِيلَ: يُرْسَلُ إِنْ أُمِنَ ضَرَرُهُ، فَإِنْ بَطَلَتْ، وَيُتَوَقَّعُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْحَالِ فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَسَرَ رَجُلًا مُطَاعًا خُلِّيَ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ أُمِنَ شَرُّهُ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الطَّاعَةِ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَكَانَ رَجُلًا جَلْدًا حُبِسَ، وَأُطْلِقَ بَعْدَ الْحَرْبِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": وَشُرِطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَعُودَ إِلَى الْقِتَالِ.
(وَإِنْ أُسِرَ صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ، فَهَلْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، أَوْ يُخَلَّى فِي الْحَالِ، يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) . أَحَدُهُمَا: يُحْبَسُونَ، لِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ قُلُوبِ الْبُغَاةِ، وَكَالرَّجُلِ.
وَالثَّانِي: يُخَلَّوْنَ فِي الْحَالِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ "، لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى مِنْ تَخْلِيَتِهِ.
فَرْعٌ: لَا يُكْرَهُ لِلْعَادِلِ قَتْلُ ذَوِي رَحِمِهِ الْبَاغِينَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، أَشْبَهَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ يُكْرَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] قَالَ

انْقَضَى الْحَرْبُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَالَهُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ أَخَذَهُ، وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَهَلْ يَضْمَنُ الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ أَتْلَفَ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ شَيْئًا ضَمِنَهُ، وَمَا

[المبدع في شرح المقنع]

الشَّافِعِيُّ: «كَفَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ» ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحِلُّ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " احْتِمَالًا، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمُصَاحَبَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ فِدَاءُ أُسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِأُسَارَى الْبُغَاةِ، فَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ أُسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ أَسْرَاهُمْ، فَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْبُغَاةِ فَقَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا، لَمْ يُعِنْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ عَجَزَ وَخَافَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى حَرْبِهِ ضَمَّ إِلَيْهِ أَقْرَبَهُمَا إِلَى الْحَقِّ، فَإِنِ اسْتَوَيَا اجْتَهَدَ فِي ضَمِّ إِحْدَاهُمَا، وَلَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ مَعُونَةَ إِحْدَاهُمَا، بَلْ الِاسْتِعَانَةَ عَلَى الْأُخْرَى، فَإِذَا هَزَمَهَا لَمْ يُقَاتِلْ مَنْ مَعَهُ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ (وَإِذَا انْقَضَى الْحَرْبُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَالَهُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ أَخَذَهُ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: مَنْ عَرَفَ شَيْئًا أَخَذَهُ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ بِالْإِسْلَامِ، أَشْبَهَ مَالَ غَيْرِ الْبُغَاةِ (وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنُ دَفْعُ الْبُغَاةِ إِلَّا بِقَتْلِهِمْ جَازَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِمْ مِنْ إِثْمٍ، وَلَا ضَمَانٍ، وَلَا كَفَّارَةٍ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الصَّائِلَ عَلَيْهِ (وَهَلْ يَضْمَنُ الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا ضَمَانَ، قَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْفُرُوعِ "، وَنَصَرَهَا فِي " الشَّرْحِ "، وَالْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ "، وَصَحَّحَهَا، لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا يُقَادَ أَحَدٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ، عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَاحْتَجَّ بِهِ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَلِأَنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إِلَى تَنْفِيرِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، فَسَقَطَ كَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَأَهْلِ الْعَدْلِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُونَ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ: تُودُونَ قَتْلَانَا، وَلَا نُودِي قَتْلَاكُمْ، وَلِأَنَّهَا نُفُوسٌ، وَأَمْوَالٌ مَعْصُومَةٌ

أَخَذُوا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ خَرَاجٍ، أَوْ جِزْيَةٍ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيْهِمْ قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنِ ادَّعَى ذَمِّيٌ دَفْعَ جِزْيَتِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

أُتْلِفَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعٍ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالَّذِي تَلِفَ في غير حَالَ الْحَرْبِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَلَمْ يُمْضِهِ، ثُمَّ لَوْ وَجَبَ التَّعْزِيرُ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّينَ لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُهُ هُنَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ، وَأُولَئِكَ كُفَّارٌ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ، وَإِذَا ضَمِنَ الْمَالَ، فَفِي الْقَوَدِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَهْدَرَ فَالْقَوَدُ أَوْلَى (وَمَنْ أَتْلَفَ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ شَيْئًا ضَمِنَهُ) أَيْ: مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِي حَالِ الْحَرْبِ لِلضَّرُورَةِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ، وَهَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُ الْبَاغِي؟ إِذَا قَتَلَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ، فَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَالصَّحِيحُ إِبَاحَةُ قَتْلِهِمْ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ (وَمَا أَخَذُوا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خَرَاجٍ أَوْ جِزْيَةٍ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى صَاحِبِهِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَوْهُ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلَادِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ، فَلَوْ لَمْ يَحْتَسِبْ بِمَا أَخَذُوهُ لَحَصَلَ الضَّرَرُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى بُغَاةٍ وَخَوَارِجَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْخَوَارِجِ، وَيَقَعُ مَوْقِعَهُ، قَالَ الْقَاضِي فِي " الشَّرْحِ ": هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِتَأْوِيلٍ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّمَا يَجُوزُ أَخْذُهُمْ إِذَا نَصَّبُوا لَهُمْ إِمَامًا، وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمِ اخْتِيَارًا، وَعَنْ أَحْمَدَ: الْوَقْفُ فِيمَا أَخَذُوهُ مِنْ زَكَاةٍ، فَلَوْ صَرَفَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ فِي جِهَتِهِ صَحَّ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَدَفْعُ سَهْمِ الْمُسْتَرْزِقَةِ إِلَى أَجْنَادِهِمْ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيْهِمْ قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ (وَإِنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفْعَ جِزْيَتِهِ إِلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ، وَلِأَنَّهَا عِوَضٌ أَشْبَهَتِ الْأُجْرَةَ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إِذَا مَضَى الْحَوْلُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبُغَاةَ لَا يَدَّعُونَ الْجِزْيَةَ لَهُمْ

إِلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ دَفْعَ خَرَاجِهِ إِلَيْهِمْ فَهَلْ يُقْبَلُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ، وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ إِلَّا مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ.

وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَعَانُوهُمُ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إِلَّا أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ دَفْعَ خَرَاجِهِ إِلَيْهِمْ فَهَلْ يُقْبَلُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . أَشْهَرُهُمَا: لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهُ عِوَضٌ أَشْبَهَ الْجِزْيَةَ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى مُسْلِمٍ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ كَالزَّكَاةِ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ حَلَفَ (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ) لِأَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ بِاجْتِهَادِهِمْ، أَشْبَهَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْعِلْمُ مَا لَمْ يَكُونُوا دُعَاةً.
انْتَهَى.
فَأَمَّا الْخَوَارِجُ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ إِذَا خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، لِأَنَّهُمْ فُسَّاقٌ (وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ إِلَّا مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ) لِأَنَّ نَفْيَهُمْ فِي أَمْرٍ يُسَوَّغُ فِيهِ التَّأْوِيلُ، أَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْفُرُوعِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ خَالَفَ حُكْمُ حَاكِمِهِمْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالَهُمْ نُقِضَ حُكْمُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَتَبَ قَاضِيهِمْ إِلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ جَازَ قَبُولُ كِتَابِهِ، لِأَنَّهُ قَاضٍ ثَابِتُ الْقَضَاءِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " التَّرْغِيبِ ": الْأَوْلَى رَدُّ كِتَابِهِ قَبْلَ حُكْمِهِ كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ، فَأَمَّا الْخَوَارِجُ إِذَا وَلَّوْا قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ لِلْفِسْقِ، وَفِي " الْمُغَنِي "، وَ " الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ: يَصِحُّ قَضَاؤُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، كَمَا لَوْ أَقَامَ الْحَدَّ، أَوْ أَخَذَ جِزْيَتَهُ وَخَرَاجًا وَزَكَاةً.

[اسْتِعَانَةُ أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ]

(وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَعَانُوهُمْ) طَوْعًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ

ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعُونَةُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ، وَيُغَرَّمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ.
وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَمِنُوهُمْ لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُمْ، وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

(انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، كَمَا لَوِ انْفَرَدُوا بِقِتَالِهِمْ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقِيلَ: لَا يَنْتَقِضُ، لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُمْ، فَعَلَى هَذَا حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ فِي قَتْلِ مُقْبِلِهِمْ، وَالْكَفِّ عَنْ أَسِيرِهِمْ، وَمُدْبِرِهِمْ، وَجَرِيحِهِمْ، وَالْمُعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ ": إِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لِخَوْفِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمْ، وَيَلْزَمُ الدَّفْعُ عَنْهُمْ، وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بِخِلَافِ هَذَا (إِلَّا أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعُونَةُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ) وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ مَا ادَّعَوْهُ مُحْتَمَلٌ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " فِي الْأَصَحِّ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَجْهَانِ (وَيُغَرَّمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) فِي الْأَصَحِّ حَالَ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ، لِأَنَّ سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ كَيْلَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذَلِكَ فِيهِمْ، وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُونَ كَالْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَمَّنُوهُمْ) أَوْ عَقَدُوا لَهُمْ ذِمَّةً (لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُمْ) لِأَنَّ الْأَمَانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ إِلْزَامُ كَفَّهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُهُمْ لِمَنْ لَمْ يُؤَمِّنُوهُ، وَحُكْمُ أَسِيرِهِمْ حُكْمُ أَسِيرِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَبْلَ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ، فَأَمَّا الْبُغَاةُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ قَتْلُهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ الْغَدْرُ بِهِمْ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": إِلَّا أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بُغَاةٍ.
أَصْلٌ: إِذَا اسْتَعَانُوا بِمُسْتَأْمَنِينَ فَأَعَانُوهُمْ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ، لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا كَفَّهُمْ عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ مُكْرَهِينَ لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُمْ، وَإِنِ ادَّعَوْهُ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ) مِثْلَ تَكْفِيرِ مَنِ

لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُمْ، وَإِنْ سَبُّوا الْإِمَامَ عَزَّرَهُمْ، وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً أَوْ أَتَوْا حَدًّا أَقَامَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وَتَرَكَ الْجَمَاعَةَ (وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ) وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا، فَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِذَلِكَ قَتْلُهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ (لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ) وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَخْطُبُ، فَقَالَ رَجُلٌ بِبَابِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ» ، فَعَلَى هَذَا: حُكْمُهُمْ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ، وَالْمَالِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَسَأَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ يَتَعَرَّضُونَ وَيُكَفِّرُونَ، قَالَ: لَا تَعَرَّضُوا لَهُمْ، قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُكْرَهُ مِنْ أَنْ يُحْبَسُوا، قَالَ: لَهُمْ وَالِدَاتٌ وَأَخَوَاتٌ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: الْحَرُورِيَّةُ إِذَا دَعَوْا إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ إِلَى دِينِهِمْ فَقَاتِلْهُمْ، وَإِلَّا فَلَا يُقَاتَلُونَ (وَإِنْ سَبُّوا الْإِمِامَ) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ صَرِيحًا (عَزَّرَهُمْ) لِأَنَّهُمُ ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ عَرَّضُوا بِالسَّبِّ فَفِي تَعْزِيرِهِمْ وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْإِبَاضِيَّةِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ: يُسْتَتَابُونَ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَأَمَّا مَنْ رَأَى تَكْفِيرَهُمْ فَمُقْتَضَى قَوْلُهُ: أَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا لِكُفْرِهِمْ (وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً أَوْ أَتَوْا حَدًّا أَقَامَهُ عَلَيْهِمْ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي ابْنِ مُلْجِمٍ لَمَّا جَرَحَهُ: أَطْعِمُوهُ، وَاسْقُوهُ، وَاحْبِسُوهُ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ، وَلِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِبُغَاةٍ فَهُمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ فِي إِسْقَاطِ ذَلِكَ عَنْهُمْ تَجْرِئَتَهُمْ عَلَى الْفِعْلِ، وَذَلِكَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ.
أَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي مُبْتَدِعٍ دَاعِيَةٍ لَهُ دُعَاةٌ: أَرَى حَبْسَهُ، وَكَذَا فِي " التَّبْصِرَةِ ": عَلَى الْإِمَامِ مَنْعُهُمْ وَرَدْعُهُمْ، وَلَا يُقَاتِلُهُمْ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبِهِ فَكَبُغَاةٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي الْحَرُورِيَّةِ: الدَّاعِيَةُ يُقَاتَلُ كَبُغَاةٍ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُقَاتَلُ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَكُلُّ مَنْ مَنَعَ

عَلَيْهِمْ، وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ، أَوْ طَلَبِ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ، وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى.

بَابٌ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرِيضَةً، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُ حَتَّى يَأْخُذُوهَا مِنْهُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: أَجْمَعُوا أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنْ شَرِيعَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ قِتَالُهَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، كَالْمُحَارِبِينَ وَأَوْلَى، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنِ الْأَصْحَابِ تَكْفِيرَ مَنْ خَالَفَ فِي أَصْلٍ، كَخَوَارِجَ، وَرَافِضَةٍ، وَمُرْجِئَةٍ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ رِوَايَتَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْمَعَاصِيَ، أَوْ وَقَفَ فِيمَنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ، وَفِيمَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، وَإِنِ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ، وَفِي " الْمُغْنِي ": يُخَرَّجُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ اسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلٍ كَالْخَوَارِجِ، وَفِي " نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ ": مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِلَّا فَسَقَ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ كُفْرَ الْخَوَارِجِ، وَالرَّافِضَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْنَاهُ فَسَقَ وَهَجَرَ، وَفِي كُفْرِهِ وَجْهَانِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَيَعْقُوبَ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهِيَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ، بَلْ صَرِيحَةٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَفَّرْنَا الْجَهْمِيَّةَ لَا أَعْيَانَهُمْ (وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ، أَوْ طَلَبِ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ بَاغِيَةٌ عَلَى صَاحِبَتِهَا (وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى) لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَمَالًا مَعْصُومًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلَفِ، قَالَ: وَإِنْ تَقَابَلَا تَقَاصَّا، لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ، وَالْمُعِينَ وَاحِدٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ: وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا نَهَبَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُخْرَى تَسَاوَيَا، وَمَنْ دَخَلَ لِلْإِصْلَاحِ فَقَتَلَتْهُ طَائِفَةٌ ضَمِنَتْهُ، وَإِنْ جُهِلَتْ ضَمِنَتَاهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُخَالِفُ الْمَقْتُولُ فِي زِحَامِ الْجَامِعِ، وَالطَّوَافِ، لِأَنَّ الزِّحَامَ هُنَا لَيْسَ فِيهِ تَعَدٍّ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.

[بَاب حُكْمُ الْمُرْتَدِّ]

[تَعْرِيفُ الْمُرْتَدِّ]

بَابٌ، حُكْمُ الْمُرْتَدِّ الْمُرْتَدُّ لُغَةً: الرَّاجِعُ، يُقَالُ: ارْتَدَّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ إِذَا رَجَعَ، وَشَرْعًا، هُوَ: الرَّاجِعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ إِمَّا نُطْقًا أَوِ اعْتِقَادًا أَوْ شَكًّا، وَقَدْ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ، وَلِهَذَا

صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، أَوِ اتَّخَذَ لِلَّهِ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا، أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ سَبَّ اللَّهَ، أَوْ رَسُولَهُ، كَفَرَ.

وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ (وَهُوَ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ) لِأَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217] وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ (فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ) أَيْ: إِذَا كَفَرَ طَوْعًا وَلَوْ هَازِلًا بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَقِيلَ: وَكَرْهًا، وَالْأَصَحُّ بِحَقٍّ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ، أَوْ أَنْكَرَ الشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا، كَفَرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهَادَنُوا عَلَى الْمُوَادَعَةِ، وَلَا أَنْ يُصَالَحُوا بِمَا يُقِرُّونَ بِهِ عَلَى رِدَّتِهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ) لِأَنَّ جَاحِدَ ذَلِكَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ) اللَّازِمَةِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، لِأَنَّهُ كَجَاحِدِ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَفِي الْفُصُولِ: شَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مُتَّفَقًا عَلَى إِثْبَاتِهَا، أَوِ (اتَّخَذَ لِلَّهِ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا) لِأَنَّهُ تَعَالَى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَفَاهُ عَنْهُ، فَمُتَّخِذُهُ مُخَالِفٌ لَهُ غَيْرُ مُنَزِّهٍ لَهُ عَنْ ذَلِكَ (أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ جَاحِدٌ لِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، (أَوْ) جَحَدَ (كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ) لِأَنَّ جَحْدَ شَيْءٍ مِنْهُ كَجَحْدِهِ كُلِّهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِ الْكُلِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ سَبَّ اللَّهَ، أَوْ رَسُولَهُ، كَفَرَ) لِأَنَّهُ لَا يَسُبُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا إِلَّا وَهُوَ مُكَذِّبٌ جَاحِدٌ بِهِ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ كَانَ مُبْغِضًا لِرَسُولِهِ، وَلِمَا جَاءَ بِهِ اتِّفَاقًا.
فَرْعٌ: إِذَا كَذَبَ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقِيلَ: مُسْتَحِلًّا، أَوْ قَذَفَهُ، كَفَرَ، وَإِنِ اسْتَحَلَّ الْكَذِبَ الْمُحَرَّمَ عَلَى غَيْرِهِ كَفَرَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِيمَا يَعْلَمُ صِدْقَهُ فِيهِ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ أَثِمَ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ عُزِّرَ، فَإِنْ تَابَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قُبِلَتْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ

شَيْئًا مِنْهَا، أَوْ أَحَلَّ الزِّنَا، أَوِ الْخَمْرَ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا لِجَهْلٍ عُرِّفَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ كُفِّرَ.

وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا لَمْ يَكْفُرْ.
وَعَنْهُ، يَكْفُرُ، إِلَّا الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَصْحَابِ، وَغَيْرِهِمْ، وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَطَائِفَةٍ: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: الحلبي عَنْ أَحْمَدَ تُقْبَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُكْتَبُ عَنْهُ حَدِيثٌ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَإِنْ كَذَّبَ نَصْرَانِيٌّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَرَجَ مِنْ دِينِهِ، لِأَنَّ عِيسَى صَدَّقَ بِهِ، لا العكس، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِعِيسَى وَلَا بَشَّرَ لَهُ.

[مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ]

(وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ شَيْئًا مِنْهَا) ، أَوِ الطَّهَارَةَ لَهَا، (أَوْ أَحَلَّ الزِّنَا، أَوِ الْخَمْرَ) أَوْ شَكَّ فِيهِ، (أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا) كَالدَّمِ (لِجَهْلٍ، عُرِّفَ ذَلِكَ) لِيَصِيرَ عَالِمًا بِهِ، (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ) كَالنَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ (كُفِّرَ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ، وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ.
فَرْعٌ: قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ سَجَدَ لِشَمْسٍ، أَوْ قَمَرٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": أَوْ أَتَى بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوِ التَّابِعِينَ، أَوْ تَابِعِيهِمْ قَاتَلَ مَعَ الْكُفَّارِ، أَوْ أَجَازَ ذَلِكَ، أَوْ أَصَرَّ فِي دَارِنَا عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَكْفُرُ جَاحِدُ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ وَالْمُسْكِرِ كُلِّهِ كَالْخَمْرِ

[حُكْمُ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ]

(وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا لَمْ يَكْفُرْ) ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَبَانِي الْإِسْلَامِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَارِكَ الشَّهَادَتَيْنِ تَهَاوُنًا كَافِرٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ ذَلِكَ فَكَمَا ذَكَرَهُ، إِلَّا الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ كَمُرْتَدٍّ، فَإِنْ أَصَرَّ كُفِّرَه بِشَرْطِهِ، وَإِذَا تَرَكَ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَانَ كَتَرْكِهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَهُوَ مُعْتَقَدٌ وُجُوبُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَلَا يُكَفَّرُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِحَالٍ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": إِذَا تَرَكَ تَهَاوُنًا فَرْضَ الصَّلَاةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الصَّوْمِ، أَوِ الْحَجِّ، بِأَنْ عَزَمَ أَلَّا يَفْعَلَهُ أَبَدًا، أَوْ أَخَّرَهُ إِلَى عَامٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ قَبْلَهُ، اسْتُتِيبَ كَالْمُرْتَدِّ، فَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ حَدًّا، وَعَنْهُ: كُفْرًا، نَقَلَهَا أَبُو بَكْرٍ وَاخْتَارَهَا، وَعَنْهُ: يُخْتَصُّ الْكُفْرُ بِالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: تَهَاوُنًا كَزَكَاةٍ إِذَا قَاتَلَ الْإِمَامَ عَلَيْهَا (وَعَنْهُ يَكْفُرُ إِلَّا

فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ دُعِيَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ) لِأَنَّ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ خِلَافًا، وَعَنْهُ لَا كُفْرَ، وَلَا قَتْلَ فِي الصَّوْمِ، وَالْحَجِّ خَاصَّةً.
فَرْعٌ: مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَأَسَرَّ الْكُفْرَ فَمُنَافِقٌ كَافِرٌ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَإِنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْوَاجِبِ، وَفِي قَلْبِهِ أَلَّا يَفْعَلَ فَنِفَاقٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ثَعْلَبَةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: 75] وَهَلْ يَكْفُرُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
(فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْحَدَّ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالزِّنَا، وَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُمْ إِسْلَامٌ، وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الشُّيُوخُ وَلَا الْمَكَافِيفُ، (وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ) مُخْتَارٌ، لِأَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَالْمَجْنُونَ، وَمَنْ زَالَ عقله بِنَوْمٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ (دُعِيَ إِلَيْهِ) أَيْ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِاسْتِتَابَتِهِ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِقَوْلِ عُمَرَ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ، بِدَلِيلِ نِسَاءِ الْحَرْبِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي.
رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ

وَضُيِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وَعَنْهُ: لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ.
وَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، وَلَا يَقْتُلُهُ إِلَّا الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَسَاءَ

[المبدع في شرح المقنع]

لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلَاحُهُ، فَلَمْ يَجُزْ إِتْلَافُهُ قَبْلَ اسْتِصْلَاحِهِ، كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَتَكَرَّرُ فِيهَا الرَّأْيُ، وَيَتَقَلَّبُ النَّظَرُ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ، بَلْ يَجِبُ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ إِلَّا أَنْ يَطْلُبَ الْأَجَلَ فَيُؤَجَّلُ ثَلَاثًا (وَضُيِّقَ عَلَيْهِ) بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ، لِيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ فِدَاءٍ عَنْهُ، لِأَنَّ كُفْرَهُ أَغْلَظُ (وَعَنْهُ: لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ) رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَلِقَوْلِ مُعَاذٍ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، وَلِأَنَّهُ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ، فَلَمْ تَجِبِ اسْتِتَابَتُهُ كَالْأَصْلِيِّ (بَلْ تُسْتَحَبُّ) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا وأقلها الاستحباب (وَيَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ) كَالْأَصْلِيِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْخَبَرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَتْلِ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ، وَالْخَبَرُ الْآخَرُ رُوِيَ فِيهِ: أَنَّ الْمُرْتَدَّ اسْتُتِيبَ قَبْلَ قُدُومِ مُعَاذٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يُدْعَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ أَبَى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يُسْتَتَابُ أَبَدًا، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَبَدًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ (وَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ) لِقَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَرَّبْنَاهُ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِزُهُوقِ النَّفْسِ، وَلَا يَجُوزُ حَرْقُهُ بِالنَّارِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَمَرَ بَتَحْرِيقِهِمْ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» ، يَعْنِي: النَّارَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَلَا يَقْتُلُهُ إِلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّهُ قُتِلَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ إِلَى الْإِمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ، كَقَتْلِ الْحُرِّ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» لَا يَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ فِي الرِّدَّةِ، لِأَنَّهُ قُتِلَ لِكُفْرِهِ، وَلَا حَدَّ فِي حَقِّهِ، وَخَبَرُ حَفْصَةَ لَمَّا بَلَغَ عُثْمَانَ تَغَيَّظَ عَلَيْهَا، وَشَقَّ عَلَيْهِ، وَالْجَلْدُ فِي الزِّنَا تَأْدِيبٌ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ (فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَسَاءَ وَعُزِّرَ) لِافْتِئَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى

وَعُزِّرَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الْإِسْلَامَ صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ

[المبدع في شرح المقنع]

الْقَاتِلِ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ غَيْرُ مَعْصُومٍ (سَوَاءٌ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَرِدَّتُهُ مُبِيحَةٌ لِدَمِهِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَهَا، فَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ قَتَلَهُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ وَأَخَذَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ، وَمَا تَرَكَهُ بِدَارِنَا مَعْصُومٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَصِيرُ فَيْئًا فِي الْحَالِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ.
فَرْعٌ: رَسُولُ الْكُفَّارِ لَا يُقْتَلُ، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا، حَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " عَنِ " الْهَدْيِ "، بِدَلِيلِ رَسُولِ مُسَيْلِمَةَ، وَفِي " الْفُنُونِ " فِي مَوْلُودٍ بِرَأْسَيْنِ فَبَلَغَ، نَطَقَ أَحَدُهُمَا بِالْكُفْرِ، وَالْآخَرُ بِالْإِسْلَامِ، إِنْ نَطَقَا مَعًا، فَفِي أَيِّهِمَا يَغْلِبُ احْتِمَالَانِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ إِنْ تَقَدَّمَ الْإِسْلَامُ فَمُرْتَدٌّ (وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الْإِسْلَامَ صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِإِسْلَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ صَبِيٌّ، وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِ، وَسَبْقِهِ، وَقَالَ: سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ... صَبِيًّا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حِلْمِي وَيُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ، وَمِنَ الرِّجَالِ: أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ: خَدِيجَةُ، وَمِنَ الْعَبِيدِ: بِلَالٌ، وَقَالَ عُرْوَةُ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَهُمَا ابْنَا ثَمَانِ سِنِينَ، وَلَمْ يُرَدَّ عَلَى أَحَدٍ إِسْلَامُهُ مِنْ صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ إِسْلَامُهُ صَحَّتْ رِدَّتُهُ كَالْبَالِغِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» . الْخَبَرَيْنِ.
وَالصَّبِيُّ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا صَحَّ إِسْلَامُهُ كُتِبَ لَهُ لَا عَلَيْهِ، وَتَحْصُلُ لَهُ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، لَا يُقَالُ: الْإِسْلَامُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ، وَنَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَحُرْمَةَ مِيرَاثِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَفَسْخَ نِكَاحِهِ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ نَفْعٌ مَحْضٌ، لِأَنَّهَا سَبَبُ النَّمَاءِ، وَالزِّيَادَةِ، مَحْصَنَةٌ لِلْمَالِ، وَالْمِيرَاثِ، وَالنَّفَقَةَ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ، وَذَلِكَ مَجْبُورٌ بِحُصُولِ الْمِيرَاثِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسُقُوطِ نَفَقَةِ أَقَارِبِهِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ هُوَ ضَرَرٌ مَغْمُورٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ، وَالْخَلَاصِ مِنَ الشَّقَاءِ، وَالْخُلُودِ فِي

شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُجَاوِزَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْجَحِيمِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ، فَإِنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ لَقْلَقَةٌ بِلِسَانِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَشَرَطَ الْخِرَقِيُّ مَعَ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ فِي " الْوَجِيزِ ": أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِضَرْبِهِ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ أَكْثَرَ الْمُصَحِّحِينَ لِإِسْلَامِهِ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِدُوا لَهُ حَدًّا مِنَ السِّنِينَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَتَى حَصَلَ لَا حَاجَةَ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، وَنَفْعٍ، فَصَحَّ مِنْهُ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ، فَعَلَى هَذَا: حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَإِنْ بَلَغَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ كَانَ مُرْتَدًّا (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» . الْخَبَرَ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنَ الصَّبِيِّ، كَالْهِبَةِ، وَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَشْبَهَ الطِّفْلَ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مِنِ ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ، لِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: يَصِحُّ مِنِ ابْنِ خَمْسِ سِنِينَ، وَأَخَذَهُ مِنْ إِسْلَامِ عَلِيٍّ (وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَصْحَابِ، وَعَلَيْهِنَّ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ، قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": يَتَوَلَّاهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيُدْفَنُ بِمَقَابِرِهِمْ، وَإِنَّ فَرْضِيَّتَهُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى صِحَّتِهِ كَصِحَّتِهِ تَبَعًا، وَكَصَوْمِ مَرِيضٍ وَمُسَافِرٍ رَمَضَانَ (وَإِنْ أَسْلَمَ) ثُمَّ، رَجَعَ (ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ) كَالْبَالِغِ (وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، لِمَعْرِفَتِنَا بِعَقْلِهِ، لِأَنَّهُ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَلِهَذَا صَحَّ إِسْلَامُهُ، لِأَنَّهُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ، وَعَنْهُ: يَنْتَقِلُ مِنْهُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ النَّقْصِ، وَصِدْقَهُ جَائِزٌ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَقْلُهُ لِلْإِسْلَامِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِهِ، وَفِعْلُهُ فِعْلُ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ)

وَقْتِ بُلُوغِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ قُتِلَ.

وَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وَتَتِمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ فِي سُكْرِهِ مَاتَ كَافِرًا، وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ.
وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أَوْ مَنْ سَبَّ اللَّهَ،

[المبدع في شرح المقنع]

أَيِ: الصَّبِيُّ لَا يُقْتَلُ إِذَا ارْتَدَّ حَتَّى يَبْلُغَ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ رِدَّتِهِ، أَوْ لَا، لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الزِّنَا، وَالْقَتْلِ، فَكَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الرِّدَّةِ (وَيُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ) لِأَجْلِ وُجُوبِ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثًا (فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ، قُتِلَ) لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ مُصِرٌ عَلَى رِدَّتِهِ، فَوَجَبَ قَتْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُرْتَدًّا قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا فَارْتَدَّ، أَوْ كَافِرًا فَأَسْلَمَ صَبِيًّا، ثُمَّ ارْتَدَّ.
فَرْعٌ: مَنْ أَسْلَمَ، وَقَالَ: لَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ، أَوْ لَمْ أَعْتَقِدِ الْإِسْلَامَ، وَإِنَّمَا أَظْهَرْتُ الشَّهَادَتَيْنِ، صَارَ مُرْتَدًّا، نَصَّ عَلَيْهِ، فِي مَوَاضِعَ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ مِنْهُ مَعَ ظَنِّ صِدْقِهِ، نَقَلَهَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ.

[السَّكْرَانُ إِذَا ارْتَدَّ]

(وَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ) صَحَّتْ رِدَّتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " كَإِسْلَامِهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي سُكْرِهِ، وَاعْتَبَرُوا مَظَنَّتَهَا، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَصَحَّتْ رِدَّتُهُ كَالصَّاحِي، وَلِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عقله بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِهَذَا يَتَّقِي الْمَحْذُورَاتِ، وَيَفْرَحُ بِمَا يَسُرُّهُ، وَيَغْتَمُّ بِمَا يَضُرُّهُ، وَيَزُولُ سُكْرُهُ عَنْ قُرْبٍ، أَشْبَهَ النَّاعِسَ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ (لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ) فَيَكْمُلَ عَقْلُهُ، وَيَفْهَمَ مَا يُقَالُ لَهُ، وَتَزُولَ شُبْهَتُهُ، لِأَنَّ الْقَتْلَ جُعِلَ لِلزَّجْرِ (وَتَتِمُّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ) لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنِ اسْتَمَرَّ سُكْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، ثُمَّ يُسْتَتَابُ عَقِبَ صَحْوِهِ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ فِي الْحَالِ (فَإِنْ مَاتَ) ، أَوْ قُتِلَ (فِي سُكْرِهِ مَاتَ كَافِرًا) لِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ، وَلَمْ تَرِثْهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقَادِ، وَالْقَصْدِ، وَالسَّكْرَانُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ، أَشْبَهَ الْمَعْتُوهَ، وَلِأَنَّهُ زَائِلٌ العقل غير

ورَسُولَهُ، أَوِ السَّاحِرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

مُكَلَّفٌ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَجَوَابُهُ: الْمَنْعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ فَقَطْ، حَكَاهَا ابْنُ الْبَنَّا.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ رِدَّةُ مَجْنُونٍ، وَلَا إِسْلَامُهُ، لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ، فَإِنِ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الرِّدَّةِ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُوصَفُ بِالْإِصْرَارِ، فَإِنْ قُتِلَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ عُزِّرَ الْقَاتِلُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَتَلَ كَافِرًا لَا عَهْدَ لَهُ، أَشْبَهَ قَتْلَ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
(وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ؟) وَهُوَ: الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَيُخْفِي الْكُفْرَ (وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أَوْ مَنْ سَبَّ اللَّهَ، أَوْ رَسُولَهُ، أَوِ السَّاحِرِ) أَيْ: مَنْ كَفَرَ بِسِحْرِهِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ) الْأَشْهَرُ: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَنَّهَا أَظْهَرُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِزَنَادِقَةٍ فَسَأَلَهُمْ، فَجَحَدُوا، فَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ، فَقَتَلَهُمْ، وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَلِأَنَّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ خَطَرًا، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الثِّقَةِ بِهِ، وَلِأَنَّ إِبْقَاءَهُ يُؤَدِّي إِلَى السُّلْطَةِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى إِفْسَادِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ.
فَرْعٌ: مَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ وَأَبْطَنَ الْفِسْقَ فَكَالزِّنْدِيقِ فِي تَوْبَتِهِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَحَمَلَ رِوَايَةَ قَبُولِ تَوْبَةِ السَّاحِرِ عَلَى الْمُتَظَاهِرِ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، وَكَذَا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: 137] وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ عُمَارَةَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِكَ مَرَّةً، فَزَعَمْتَ أَنَّكَ تُبْتَ، وَأَرَاكَ قَدْ عُدْتَ، فَقَتَلَهُ، وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ إِنْ تَكَرَّرَتْ ثَلَاثًا، أَمَّا مَنْ سَبَّ اللَّهَ، أَوْ رَسُولَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، لِأَنَّ ذَنْبَهُ عَظِيمٌ جِدًّا، أَشْبَهَ الزِّنْدِيقَ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَوْ تَنْقُصُهُ، وَقِيلَ: وَلَوْ تَعْرِيضًا، نَقَلَ حَنْبَلٌ: مَنْ عَرَّضَ بِشَيْءٍ مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ،

وَالْأُخْرَى تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ.

وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَصْحَابِنَا: لَا تُقْبَلُ إِنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ إِسْقَاطُهُ، وَإِنَّهَا تُقْبَلُ إِنْ سَبَّ اللَّهَ، لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، لِأَنَّ الْخَالِقَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ، فَلَا تُلْحَقُ بِهِ، بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ، فَإِنَّهُ مَحَلٌّ لَهَا، فَافْتَرَقَا، وَأَمَّا السَّاحِرُ فَنَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اسْتَتَابَ سَاحِرًا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي أَتَتْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ السِّحْرَ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، أَشْبَهَ الزِّنْدِيقَ (وَالْأُخْرَى تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ) وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، زِنْدِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَوْلَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الرِّعَايَةِ "، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَمْ أُؤْمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَجَّحَ هَذَا فِي " الشَّرْحِ "، وَأَجَابَ عَنْ قَتْلِ ابْنِ النَّوَّاحَةِ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ فِي تَوْبَتِهِ، لِأَنَّهُ أَظْهَرَهَا، وَمَا زَالَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ فِي الزِّنْدِيقِ لَا يُسْتَتَابُ، قَالَ أَحْمَدُ: كُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا، ثُمَّ هِبْتُهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَجَعَ، فَلَوْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إِخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ: «يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنَّ لِي وَلَدًا» وَلَا شَكَّ أَنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَإِذَا قُبِلَتْ تَوْبَةُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى، فَمَنْ سَبَّ نَبِيَّهُ أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ، وَالصَّحِيحُ الْأُولَى، لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا خَاصَّةٌ، وَالثَّانِيَةَ عَامَّةٌ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.
فَرْعٌ: الْخِلَافُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إِنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ تَرْكِ قِتَالِهِمْ وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ، وَأَمَّا قَبُولُهَا فِي الْبَاطِنِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ حَيْثُ صَدَقَ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَمَاعَةٌ، وَفِي إِرْشَادِ ابْنِ عَقِيلٍ رِوَايَةُ: " لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ

اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ، يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَالَمِينَ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

بَاطِنًا "، وَضَعَّفَهَا، وَقَالَ: كَمَنْ تَظَاهَرَ بِالصَّلَاحِ إِذَا أَتَى مَعْصِيَةً، فَتَابَ مِنْهَا، وَإِنْ قَتَلَ عَلِيٌّ زِنْدِيقًا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهَا، كَتَوْبَةِ قَاطِعِ طَرِيقٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ رِوَايَةً: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ دَاعِيَةٍ إِلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ، اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": مَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.

[تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ]

(وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ) وَكُلِّ كَافِرٍ (إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَثْبُتُ بِهِ إِسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، فَكَذَا الْمُرْتَدُّ، وَلَا يُحْتَاجُ مَعَ ثُبُوتِ إِسْلَامِهِ إِلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ، وَهَذَا يُمْكِنُ لِمَنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ الْوَحْدَانِيَّةِ، أَوْ جَحْدِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَظَاهِرُهُ: لَا يُغْنِي قَوْلُهُ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَعَنْهُ: بَلَى، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، «لِأَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا مُحْتَجًّا بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ إِلَّا وَيُقِرُّ بِمَنْ أَرْسَلَهُ، وَعَنْهُ: مِنْ مُقِرٍّ بِهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَبِهَذَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئَيْنِ لَا يَزُولُ جَحْدُهُ إِلَّا بِإِقْرَارِهِمَا جَمِيعًا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يَكْفِي التَّوْحِيدُ مِمَّنْ لَا يُقِرُّ بِهِ كوثني لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَلِخَبَرِ أُسَامَةَ وَقَتْلِهِ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
لِأَنَّهُ مَصْحُوبٌ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، وَمُسْتَلْزِمٌ لَهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ النَّبِيَّ رَسُولُ اللَّهِ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِلَّا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ) لِأَنَّ رِدَّتَهُ بِجَحْدِهِ، فَإِذَا لَمْ يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ الْمُوجِبَةِ لِتَكْفِيرِهِ،

يَقُولُ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ.
وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

فَإِذَا كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ (يَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَالَمِينَ) وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ كَلِمَةَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إِقْرَارِهِ بِمَا جَحَدَهُ (أَوْ يَقُولُ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّهَادَةِ مَا يَعْتَقِدُهُ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِذَلِكَ.
فَرْعٌ: يَكْفِي جَحْدُهُ لِرِدَّتِهِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِهَا فِي الْأَصَحِّ كَرُجُوعِهِ عَنْ حَدٍّ لَا بَعْدَ بَيِّنَةٍ، بَلْ يُجَدِّدُ إِسْلَامَهُ، قَالَ جَمَاعَةٌ: يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ فِيمَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، أَوْ تَنَصَّرَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ عُدُولٌ، فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْ، وَأَنَا مُسْلِمٌ، قَبْلَ قَوْلِهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إِذَا أَسْلَمَ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُقِرَّ بِمَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ عَدْلٌ لَمْ يَفْتَقِرِ الْحُكْمُ إِلَى إِقْرَارِهِ بل إخراجه إِلَى ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ كَذِبًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بِنَاءُ حُكْمٍ عَلَى هَذَا الْإِقْرَارِ كَالْإِقْرَارِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لُقِّنَهُ، وَأَنَّهُ فَعَلَهُ خَوْفَ الْقَتْلِ، وَهُوَ إِقْرَارُ تَلْجِئَةٍ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ مُسْلِمٌ، لَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي الْيَهُودِيِّ إِذَا قَالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ، أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ، يُجْبَرُ عَلَيْهِ، قَدْ عُلِمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ، وَنَصَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ الْبَنَّا الِاكْتِفَاءَ بِذَلِكَ عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ، لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِشَيْءٍ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِهِ فَقَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا: أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ، أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ فَرِيضَةٍ، وَنَحْوِهِ فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِهَذَا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ.
فَرْعٌ: إِذَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَفَرَ، وَادَّعَى الْإِكْرَاهَ، قُبِلَ مَعَ قَرِينَةٍ، وَلَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ فَادَّعَاهُ، قُبِلَ مُطْلَقًا فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ، وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى صَلَاتَيْنِ، قُبِلَ مِنْهُ وَأُمِرَ بِالْخَمْسِ.
(وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ

بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَلَا يَبْطُلُ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِ بِرِدَّتِهِ، وَلَا عِبَادَاتُهُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي إِسْلَامِهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
.

فَصْلٌ، وَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ مَوْقُوفَةً، فَإِنْ أَسْلَمَ ثَبَتَ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا» . الْخَبَرَ.
سَوَاءٌ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ مُنْفَرِدًا، فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهَا رُكْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْإِسْلَامُ، فَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ إِسْلَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إِسْلَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا إِذَا شَهِدَتْ بِأَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِهَا مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ حَجٍّ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ حَتَّى يأتي بصلاة تَتَمَيَّزَ عَنْ صَلَاةِ الْكُهَّانِ، وَلَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ مَنْ حَجَّ أَوْ صَامَ - يَقْصِدُ رَمَضَانَ - أَوْ آتَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ الزَّكَاةِ، أَوْ أَذَّنَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْأَذَانِ - قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أو غير وَقْتِهِ - هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالْحَجِّ فَقَطْ، (وَلَا يَبْطُلُ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِ بِرِدَّتِهِ) يَعْنِي: إِذَا كَانَ مُحْصَنًا فَارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَزُلْ إِحْصَانُهُ، بَلْ إِذَا زَنَا فَإِنَّهُ يُرْجَمُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِحْصَانِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَلَا عِبَادَاتُهُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي إِسْلَامِهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا، فَلَمْ تَعُدْ إِلَى ذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": فِي الصَّوْمِ وَجْهَانِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَقَدَّمَ فِيهَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": أَنَّهُ إِذَا صَلَّى، ثُمَّ كَفَرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي وَقْتِهَا لَمْ يُعِدْهَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَإِنْ حَجَّ، ثُمَّ كَفَرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَرِوَايَتَانِ، أَشْهَرُهُمَا: لَا يُعِيدُ.

[الرِّدَّةُ لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ]

فَصْلٌ.
(وَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ) أَيْ: لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَهُ، فَلَمْ يَزُلْ

مِلْكُهُ، وَتَصَرُّفَاتُهُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَتُقْضَى دُيُونُهُ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَمَا أَتْلَفَ مِنْ شَيْءٍ ضَمِنَهُ، وَيَتَخَرَّجُ فِي الْجَمَاعَةِ الْمُمْتَنِعَةِ أَلَّا تَضْمَنَ مَا

[المبدع في شرح المقنع]

مِلْكُهُ بِهَا، كَزِنَا الْمُحْصَنِ، لِأَنَّ زَوَالَ الْعِصْمَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْمُلْكِ كَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ (بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ) مِنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ (مَوْقُوفَةً) عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا: لِأَنَّهُ مَالٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، فَكَانَ التَّصَرُّفُ فِيهِ مَوْقُوفًا، كَتَبَرُّعِ الْمَرِيضِ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ: أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ " نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: يُمْنَعُ مِنْهُ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّهُ يُتْرَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ، وَجُعِلَ فِي " التَّرْغِيبِ " كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفِ وَاحِدًا، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا وَغَيْرُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَمْ يَقُولُوا: يُتْرَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ، بَلْ قَالُوا: يُمْنَعُ مِنْهُ (فَإِنْ أَسْلَمَ ثَبَتَ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ) وَكَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا (وَإِلَّا بَطَلَتْ) أَيْ: إِذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ فِي رِدَّتِهِ، كَانَ بَاطِلًا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِقَطْعِ ثَوَابِهِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ، وَيَنْتَقِلُ مَالُهُ فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": عَلَى ذَلِكَ تَنْفُذُ مُعَاوَضَتُهُ، وَيُقِرُّ بِيَدِهِ، وَتُوقَفُ تَبَرُّعَاتُهُ، وَتُرَدُّ بِمَوْتِهِ مُرْتَدًّا، (وَتُقْضَى دُيُونُهُ) لَا دَيْنٌ مُتَجَدِّدٌ فِي الرِّدَّةِ (وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ (وَمَا أَتْلَفَ مِنْ شَيْءٍ ضَمِنَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَلَأَنْ يُوجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَعَنْهُ: إِنْ فَعَلَهُ بِدَارِ حَرْبٍ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ مُرْتَدَّةٍ، مُمْتَنِعَةٍ فَلَا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَالْمُؤَلِّفُ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَكَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إِجْمَاعًا، وَقِيلَ: هُمْ كَبُغَاةٍ، قَالَ: وَإِنَّ الْمُرْتَدَّ تَحْتَ حُكْمِنَا لَيْسَ مُحَارِبًا يَضْمَنُ إِجْمَاعًا.
فَرْعٌ: يُؤْخَذُ بِحَدِّ فِعْلِهِ فِي رِدَّتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ كَقَبْلِهَا، وَظَاهِرٌ نَقَلَ مُهَنَّا، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ: إِنْ أَسْلَمَ فَلَا، كَعِبَادَتِهِ، (وَيَتَخَرَّجُ فِي الْجَمَاعَةِ الْمُمْتَنِعَةِ أَلَّا تَضْمَنَ مَا أَتْلَفَتْهُ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبُغَاةِ، وَلِأَنَّ الْبَاغِيَ إِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ مَا أَتْلَفَهُ، لِأَنَّ فِي تَضْمِينِهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْجَمَاعَةِ الْمُرْتَدَّةِ الْمُمْتَنِعَةِ، وَصَحَّحَ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَالَ

أَتْلَفَتْهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ رُدَّ إِلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا، وَإِذَا أَسْلَمَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ؟ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَرْبِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ) وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَصَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ "، وَهُوَ رِوَايَةٌ، لِأَنَّ عِصْمَةَ نَفْسِهِ، وَمَالِهِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ، فَزَوَالُ إِسْلَامِهِ مُزِيلُ عِصْمَتِهِمَا، كَمَا لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَلَكُوا إِرَاقَةَ دَمِهِ بِرِدَّتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكُوا أَمْوَالَهُ بِهَا، وَعَنْهُ: إِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ تَبَيَّنَّا زَوَالَهُ مِنْ حِينِ رِدَّتِهِ، فَلَوْ بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا أُخِذَ عَلَى الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ بِرِدَّتِهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ مِلْكَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ فِي بَقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ، فَكَانَ تَصَرُّفُهُ مَوْقُوفًا، كَتَصَرُّفِ الْمَرِيضِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ رُدَّ إِلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا) أَيْ: جَدِيدًا لِزَوَالِهِ بِرِدَّتِهِ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا تَزَوَّجَ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى النِّكَاحِ كَنِكَاحِ الْكَافِرِ مُسْلِمَةً، وَكَذَا لَوْ زُوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا، فَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ كَالصَّيْدِ، وَالِاتِّهَابِ، وَالشِّرَاءِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ إِنْ بَقِيَ مِلْكُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَاحْتَجَّ بِهِ فِي " الْفُصُولِ " عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِ، وَأَنَّ الدَّوَامَ أَوْلَى، وَعَلَى رِوَايَةٍ يَرِثُهُ مُسْلِمٌ، أَوْ أَهْلُ دِينِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ، فَكَمُسْلِمٍ فِيهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ (وَإِذَا أَسْلَمَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَقْضِي، صَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ الْتَزَمَ بِوُجُوبِهَا، وَاعْتَرَفَ بِهِ فِي زَمَنِ إِسْلَامِهِ فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ كَغَيْرِ الْمُرْتَدِّ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَكَالْحَرْبِيِّ، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَأْمُرِ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ، وَقَدَّمَ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ مِنْ صَلَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَزَكَاةٍ، وَقِيلَ: يقضي غير الْحَجُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: أَنَّهُ لَوْ جُنَّ بَعْدَ تَرْكِهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَإِنْ حَاضَتْ سَقَطَتْ.

رِوَايَتَيْنِ.
وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ، وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمَا، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمَا وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي دار الْإِسْلَامِ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ قُتِلَ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَهَلْ يُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمَا، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا أَسْلَمُوا، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ: تُسْبَى الْمُرْتَدَّةُ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ (وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ بِإِسْلَامِ وَالِدِهِ، وَكَوَلَدِ مَنْ أُسِرَ مِنْ ذِمَّةٍ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ قُتِلَ) لِلْخَبَرِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ بُلُوغُهُمْ (وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مِنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ) فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ، لِأَنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، كَوَلَدِ الْحَرْبِيَّيْنِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ.
فَرْعٌ: الْحَمْلُ حَالَ رَدَّتِهِ - ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ - أَنَّهُ كَالْحَادِثِ بَعْدَ كُفْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " الْكَافِي " الْحَمْلُ كَالْوَلَدِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَلِهَذَا يَرِثُ (وَهَلْ يُقَرُّونَ؟) أَيْ: مَنْ وُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّةِ (عَلَى كُفْرِهِمْ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ ": يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ، كَأَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكُهُمَا فِي جَوَازِ الِاسْتِرْقَاقِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقَرُّونَ، فَإِذَا أَسْلَمُوا رَقُّوا، لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ مَنْ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرٍ، فَلَا يُقَرُّونَ كَالْمَوْجُودِينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَلْ يُقَرُّ بِجِزْيَةٍ، أَمِ الْإِسْلَامِ، وَيَرِقُّ، أَوِ الْقَتْلِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا لَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ، فَهُوَ وَمَا مَعَهُ كَحَرْبِيٍّ، وَمَا بِدَارِنَا فَيْءٌ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ.
وَلَوِ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ، وَجَرَى فِيهِ حُكْمُهُمْ، فَدَارُ حَرْبٍ يُغْنَمُ مَالُهُمْ، وَوَلَدٌ حَدَثَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ.

فَصَلٌ: وَالسَّاحِرُ الَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ، فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَنَحْوُهُ، يَكْفُرُ، وَيُقْتَلُ،

[المبدع في شرح المقنع]

[حُكْمُ السِّحْرِ وَالسَّاحِرِ]

فَصْلٌ.
اعْلَمْ أَنَّ السِّحْرَ عَقْدٌ، وَرُقَى، وَكَلَامٌ يُتَكَلَّمُ بِهِ، أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ، أَوْ قَلْبِهِ، أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ، وَمِنْهُ مَا يُمْرِضُ، وَمِنْهُ مَا يَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ، وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66] وَجَوَابُهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1] ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 2] ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: 3] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4] يَعْنِي السَّوَاحِرَ اللَّاتِي يَعْقِدْنَ فِي سِحْرِهِنَّ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً لَمَا أُمِرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: يَكْفُرُ السَّاحِرُ بِتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ كَاعْتِقَادِ حِلِّهِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَكَفَّرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِعَمَلِهِ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا، وَحَمَلَ ابْنُ عَقِيلٍ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي كُفْرِهِ عَلَى مُعْتَقَدِهِ، وَأَنَّ فَاعِلَهُ يَفْسُقُ، وَيُقْتَلُ حَدًّا (وَ) هُوَ (السَّاحِرُ الَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ، فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَنَحْوُهُ يَكْفُرُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102] (وَيُقْتَلُ) بِالسَّيْفِ، لِمَا رَوَى جُنْدُبٌ مَرْفُوعًا، قَالَ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفٌ، وَعَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدٍ، قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ، وَسَاحِرَةٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ،

فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِالْأَدْوِيَةِ، وَالتَّدْخِينِ، وَسَقْيِ شَيْءٍ لَا يَضُرُّ فَلَا يَكْفُرُ، وَلَا يُقْتَلُ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ.
وَيُقْتَصُّ مِنْهُ إِنْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ.

وَأَمَّا الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعُهُ فَلَا يَكْفُرُ، وَلَا يُقْتَلُ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي السَّحَرَةِ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا.
رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يُقْتَلُ بِهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْمُدَبِّرَةِ الَّتِي سَحَرَتْهَا فَبَاعَتْهَا، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» . الْخَبَرَ.
فَإِنْ قَتَلَ بِهِ قُتِلَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَذَا فِي السَّاحِرِ الْمُسْلِمِ، فَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يُقْتَلُ بِسِحْرِهِ، عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": إِنِ اعْتُقِدَ جَوَازُهُ (فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِالْأَدْوِيَةِ وَالتَّدْخِينِ وَسَقْيِ شَيْءٍ لَا يَضُرُّ فَلَا يَكْفُرُ، وَلَا يُقْتَلُ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ السَّاحِرَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، فَيَخْتَصُّ الْكُفْرُ بِهِمْ، وَيُبْقِي مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ السَّحَرَةِ عَلَى أَصْلِ الْعِصْمَةِ (وَلَكِنْ يُعَزَّرُ) إِذَا ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": إِنَّهُ يُعَزَّرُ بِمَا يَرْدَعُهُ، وَمَا قَالَهُ غَرِيبٌ، وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَذَى بِكَلَامِهِ، وَعَمَلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ، أَشْبَهَ السِّحْرَ، وَلِهَذَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ، ويُنْتِجُ مَا يَعْمَلُهُ السِّحْرَ، أَوْ أَكْثَرَ، فَيُعْطَى حُكْمُهُ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ وَالْمُتَقَارِبِينَ، لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: يُقْتَلُ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ عَلَى رِوَايَةٍ، فَهُنَا أَوْلَى (وَيُقْتَصُّ مِنْهُ إِنْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ) كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَإِلَّا فَالدِّيَةُ.

[الْعَازِمُ عَلَى الْجِنِّ]

(وَأَمَّا الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعُهُ، فَلَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ) وَهُوَ الْمُعْزِمُ، وَكَذَا مَنْ يَحُلُّ السِّحْرَ، وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهَا، قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَحُلُّ السِّحْرَ، فَقَالَ: رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي " الشَّرْحِ ": إِنْ كَانَ يَحُلُّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوِ الذِّكْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِشَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ (وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ) تَبَعًا لِلْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (فِي السَّحَرَةِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذَا تَفْصِيلًا، فَقَالَ: السَّاحِرُ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ فَاعِلَةٌ، وَيَدَّعِي بِسِحْرِهِ مُعْجِزَاتٍ لَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

يَجُوزُ وُجُودُ مِثْلِهَا إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْجِنَّ تُخْبِرُهُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ صُوَرِ الْأَشْيَاءِ، وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ، فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ الْمُدَبِّرُ لِذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْ جِهَتِهِ، لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَكْفُرُ إِلَّا بِالِاعْتِقَادِ، لِأَنَّ السِّحْرَ صِنَاعَةٌ تَعُودُ بِفَسَادِ أَحْوَالٍ، وَأَخْذِ أَمْوَالٍ، وَقَتْلِ نُفُوسٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ بِالْمُبَاشَرَةِ لَا يُوجِبُ التَّكْفِيرَ.
أَصْلٌ: مُشَعْبِذٌ وَقَائِلٌ بِزَجْرِ طَيْرٍ، وَضَارِبٌ بِحَصًى، وَشَعِيرٍ، وَقِدَاحٍ: إِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إِبَاحَتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ عُزِّرَ، وَكُفَّ عَنْهُ، وَإِلَّا كَفَرَ، وَيَحْرُمُ طِلْسَمٌ، وَرُقْيَةٌ بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ.
فَرْعٌ: مَنْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ لَمْ يَجِبْ تَعْزِيرُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ غَيْرُ الْقَتْلِ، وَقَدْ سَقَطَ، وَالْحَدُّ إِذَا سَقَطَ بِالتَّوْبَةِ، أَوِ اسْتُوْفِيَ لَمْ تَجُزِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ شُفِعَ عِنْدَهُ فِي شَخْصٍ، فَقَالَ: لَوْ جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْفَعُ مَا قُبِلَ، إِنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قُبِلَ، لَا قَبْلَهَا فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَيُسَوَّغُ تَعْزِيرُهُ، أَيْ: بَعْدَ التَّوْبَةِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا أَسْلَمَ أَبُو حَمْلٍ، أَوْ طِفْلٍ، أَوْ أَحَدِهِمَا لَا جَدَّ وَجَدَّةَ، وَالْمَنْصُوصُ، أَوْ مُمَيِّزٌ لَمْ يَبْلُغْ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا فَمُسْلِمٌ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِي دَارِنَا، وَقِيلَ: أَوْ دَارُ حَرْبٍ، فَمُسْلِمٌ عَلَى الْأَصَحِّ، نَقَلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " الْمُوجَزِ " وَ " التَّبْصِرَةِ ": لَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ: فَهُوَ مُسْلِمٌ إِذَا مَاتَ أَبَوَاهُ، وَيَرِثُ أَبَوَيْهِ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: إِنْ كَفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ فَمُسْلِمٌ، وَيَرِثُ الْوَلَدُ الْمَيِّتَ، لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتِلَافِ الدِّينِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ، كَالطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ، وَلِأَنَّهُ يَرِثُ إِجْمَاعًا، فَلَا يَسْقُطُ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَكَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِأُمِّ وَلَدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ حُصُولُ إِرْثِهِ قَبْلَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، كَمَا قَالُوا: الدِّينُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَيِّتُ مَالِكًا يَوْمَ الْمَوْتِ، لَكِنْ فِي حُكْمِ الْمَالِكِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
الثَّالِثَةُ: أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

[المبدع في شرح المقنع]

أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَكْلِيفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ، وَيَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ كَصَغِيرٍ، فَيُعَايَا بِهَا، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيمَنْ وُلِدَ أَعْمَى، أَبْكَمَ، أَصَمَّ، وَصَارَ رَجُلًا، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، هُوَ مَعَ أَبَوَيْهِ، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمَا بَعْدَمَا صَارَ رَجُلًا، قَالَ: هُوَ مَعَهُمَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُمَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
الرَّابِعَةُ: مَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ كُفْرَهُ كَدَعْوَاهُ غَيْرَ أَبِيهِ، وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقِيلَ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وَقِيلَ: قَارَبَ الْكُفْرَ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ رِوَايَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: تَشْدِيدٌ وَتَأْكِيدٌ، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ الْوَقْفُ، وَلَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ يُنْقَلُ عَنِ الْمِلَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
خَاتِمَةٌ قَالَ الْأَصْحَابُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَتْ شَرْعًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَكَذَا إِنْ عُدِمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ، كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ، وَلَوْ بِكَافِرٍ، وَاشْتِبَاهِ وَلَدٍ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ، فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهَا، فَأَمَّا النَّجَاسَاتُ كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَغَيْرِهِمَا، وَمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ مِنَ السُّمُومِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]

[حُكْمُ الْأَطْعِمَةِ]

وَهِيَ: جَمْعُ طَعَامٍ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مَا يُؤْكَلُ، وَرُبَّمَا خَصَّ بِهِ الْبُرَّ، وَالْمُرَادُ هُنَا: مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ، فَيَتَبَيَّنُ مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ، وَمَا يَحْرُمُ.
(وَالْأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157] ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِمُسْلِمٍ، وَقَالَ أَيْضًا: اللَّهُ أَمَرَ بِالشُّكْرِ، وَهُوَ: الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ، بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ، وَتَرْكِ الْمَحْذُورِ، فَإِنَّمَا أَحَلَّ الطَّيِّبَاتِ لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] الْآيَةَ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَانَ بِالْمُبَاحِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، كَمَنْ يُعْطِي الْخُبْزَ، وَاللَّحْمَ لِمَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْفَوَاحِشِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8] أَيْ: عَنِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، (فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ) يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ النَّجِسِ، (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ) عَلَى مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَالسُّمُومِ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ) ، فَهُوَ بَيَانٌ لِمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِمَّا جَمَعَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، (وَغَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، مِمَّا يَجْمَعُ الطُّعْمَ، وَالطَّهَارَةَ، وَعَدَمَ الْمَضَرَّةِ، وَقَدْ سَأَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ عَنِ الْمِسْكِ، يُجْعَلُ فِي الدَّوَاءِ وَيَشْرَبُهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، (فَأَمَّا النَّجَاسَاتُ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) فَمُحَرَّمَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] ، وَلِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ أَقْبَحُ مِنْ الِادِّهَانِ بِدُهْنِهَا وَالِاسْتِصْبَاحِ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَأَنْ يَحْرُمُ مَا هُوَ أَقْبَحُ مِنْهُ بِطَرِيقِ لأولى، (وَغَيْرِهِمَا) أَيْ: غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النَّجَاسَاتِ مُحَرَّمٌ، فَلِأَنَّهُ

وَنَحْوِهَا، فَمُحَرَّمَةٌ، وَالْحَيَوَانَاتُ مُبَاحَةٌ إِلَّا الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ.

وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ كَالْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَابْنِ آوَى، وَالسِّنَّوْرِ، وَابْنِ عُرْسٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

خَبِيثٌ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَ الْخَبِيثِ، وَفِي الْخَبَرِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: لَا تَقْرَبُوهُ» ، وَفِي الْأَكْلِ قُرْبَانُهُ، وَهُوَ منهى عَنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، (وَمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ مِنَ السُّمُومِ وَنَحْوِهَا فَمُحَرَّمَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَحَرُمَ أَكْلُهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْهَلَاكِ، وَلِذَا عُدَّ مَنْ أَطْعَمَ السُّمَّ لِغَيْرِهِ قَاتِلًا، وَفِي الْوَاضِحِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَكْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ، (وَالْحَيَوَانَاتُ مُبَاحَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] ، وَلِعُمُومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ (إِلَّا الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ) فإنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهُوهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا، وَسَنَدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَالَا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] ، وَأَجَابَ فِي الْخِلَافِ بِأَنَّ: مَعْنَاهُ قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَحَدِيثُ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ مُخْتَلِفُ الْإِسْنَادِ، وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ مَعَ مَا عَارَضَهُ، مَعَ أَنَّ الْإِذْنَ بِالتَّنَاوُلِ مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الِاضْطِرَارِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ أَلْبَانِهَا كَهِيَ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ حُكْمَ اللَّبَنِ كَاللَّحْمِ.

[تَحْرِيمُ مَا لَهُ نَابٌ]

(وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ (كَالْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ) لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ من السباع حَرَامٌ» . رَوَاهُ

وَالنِّمْسِ، وَالْقِرْدِ، إِلَّا الضَّبُعَ.

وَمَا لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ يَصِيدُ بِهِ، كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي،

[المبدع في شرح المقنع]

مُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ يَخُصُّ بِهِ عُمُومَ الْآيَاتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَسَدُ وَنَحْوُهُ.
وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِمَنْ يَبْدَأُ بِالْعَدْوَى، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُدَاوَى بِلَحْمِ كَلْبٍ، قَالَ: لَا شَفَاهُ اللَّهُ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، (وَالْخِنْزِيرِ) ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ، (وَابْنِ آوَى) سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عُرْسٍ، فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَنْهَشُ بِأَنْيَابِهِ فَهُوَ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَأْخُذُ بِمَخَالِيبِهِ فَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مِنْهُ يُعْطِي أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِمَا الْقُوَّةُ، وَأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنَ الثَّعْلَبِ، وَإِنَّ الْأَصْحَابَ اعْتَبَرُوا الْقُوَّةَ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ غَيْرُ مُسْتَطَابٍ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَلْبَ، وَرَائِحَتُهُ خَبِيثَةٌ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] ، (وَالسِّنَّوْرِ) الْأَهْلِيِّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: غَرِيبٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَلَيْسَ يُشْبِهُ السِّبَاعَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِ إِلَّا الْكَرَاهَةُ.
وَجَعَلَهُ أَحْمَدُ قِيَاسًا، وَأَنَّهُ يُقَالُ: يَعُمُّهَا اللَّفْظُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: هُوَ سَبُعٌ، وَيَعْمَلُ بِأَنْيَابِهِ كَالسَّبُعِ، وَنَقَلَ فِيهِ جَمَاعَةٌ: يُكْرَهُ، قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَسْخٌ.
(وَابْنِ عُرْسٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ، (وَالنِّمْسِ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ السِّبَاعِ، (وَالْقِرْدِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَرَوَى الشَّعْبِيُّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ» ، وَلِأَنَّهُ سَبُعٌ لَهُ نَابٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَسْخٌ، فَيَكُونُ مِنَ الْخَبَائِثِ الْمُحَرَّمَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِذِكْرِ الدُّبِّ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا خِلَافًا لِابْنِ رَزِينٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: كَبِيرٌ، وَهُوَ سَهْوٌ، قَالَ أَحْمَدُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَابٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْفِيلُ، (إِلَّا الضَّبُعَ) فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نَابٌ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
لَا يُقَالُ: بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي

وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ، وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالنَّسْرِ، وَالرَّخَمِ، وَاللَّقْلَقِ، وَغُرَابِ الْبَيْنِ، وَالْأَبْقَعِ.

وَمَا يُسْتَخْبَثُ كَالْقُنْفُذِ، وَالْفَأْرة، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَشَرَاتِ

[المبدع في شرح المقنع]

عُمُومِ النَّهْيِ، لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى حِلِّهِ خَاصٌّ، وَالنَّهْيَ عَامٌّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَاصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.

[تَحْرِيمُ مَا لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ]

(وَمَا لَهُ مِخْلَبٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ لِلْإِنْسَانِ، (مِنَ الطَّيْرِ يَصِيدُ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ (كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَى عَنْهُ، وَقَالَ اللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَحْرُمُ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ، لِعُمُومِ الْآيَاتِ الْمُبِيحَةِ، وَجَوَابُهُ: الْخَبَرُ، وَبِهِ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَاتِ، وَكَذَا كُلُّ مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهِ، أَوْ نَهَى عَنْهُ، وَفِي التَّرْغِيبِ: تَحْرِيمًا إِذْ لَوْ حَلَّ لَقَيَّدَهُ بِغَيْرِ مَأْكَلِهِ، (وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ (كَالنَّسْرِ، وَالرَّخَمِ، وَاللَّقْلَقِ، وَغُرَابِ الْبَيْنِ، وَالْأَبْقَعِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» . الْخَبَرَ.
فَذَكَرَ مِنْهَا الْغُرَابَ، وَالْبَاقِي كَهُوَ لِلْمُشَارَكَةِ بَيْنَهُمَا فِي أَكْلِهَا الْجِيَفَ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبَاحَ قَتْلَهَا فِي الْحَرَمِ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ مَا يُؤْكَلُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ، بَلْ يُذْبَحُ، وَيُؤْكَلُ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ، وَجَعَلَ فِيهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَتَيِ الْجَلَّالَةِ، وَإِنَّ غَالِبَ أَجْوِبَةِ أَحْمَدَ لَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمٌ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ.

[مَا يُسْتَخْبَثُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْحَشَرَاتِ]

(وَمَا يُسْتَخْبَثُ) أَيْ: مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ، وَالْأَصَحُّ ذُو الْيَسَارِ، وَقِيلَ: عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: وَالْمُرُوءَةُ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] وَمَا اسْتَطَابَتْهُ، فَهُوَ طَيِّبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157] ، وَالَّذِينَ تُعْتَبَرُ اسْتِطَابَتُهُمْ وَاسْتِخْبَاثُهُمْ، هُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابُ، وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ، فَرَجَعَ مُطْلَقُ أَلْفَاظِهَا إِلَى عُرْفِهِمْ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ أَهْلُ الْبَوَادِي، لِأَنَّهُمْ لِلضَّرُورَاتِ وَالْمَجَاعَةِ يَأْكُلُونَ مَا وَجَدُوا، وَلِهَذَا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا يَأْكُلُونَ، فَقَالَ: كُلُّ

كُلِّهَا، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ، وَغَيْرِهِ، كَالْبَغْلِ، وَالسِّمْعِ: وَلَدِ الضَّبُعِ مِنَ الذِّئْبِ، وَالعِسْبَارِ: وَلَدِ الذِّئْبَةِ مِنَ الذِّيخِ، وَفِي الثَّعْلَبِ وَالْوَبْرِ وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ وَالْيَرْبُوعِ رِوَايَتَانِ.

[المبدع في شرح المقنع]

مَا دَبَّ وَدَرَجَ إِلَّا أُمَّ جَنِينٍ، وَمَا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَلَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِ يُرَدُّ إِلَى أَقْرَبِ الْأَسْمَاءِ شَبَهًا بِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ: لَا أَثَرَ لِاسْتِخْبَاثِ الْعَرَبِ، فَإِنْ لَمْ يُحَرِّمْهُ الشَّرْعُ حَلَّ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (كَالْقُنْفُذِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «هُوَ مِنَ الْخَبَائِثِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو دَاوُدَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هُوَ حَرَامٌ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَلَّلَ أَحْمَدُ الْقُنْفُذَ بِأَنَّهُ يَبْلُغُهُ أَنَّهُ مَسْخٌ، أَيْ: لَمَّا مُسِخَ عَلَى صُورَتِهِ دَلَّ عَلَى خُبْثِهِ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَأْكُلُ الْحَشَرَاتِ، أَشْبَهَ الْجُرَذَ، (وَالْفَأْرَةِ) وَهِيَ الْفُوَيْسِقَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَالْحَيَّاتِ) جَمْعُ حَيَّةٍ، لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُحْرِمًا بِقَتْلِهَا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ لَهَا نَابًا من السباع، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَالْعَقَارِبِ) وَالْوَطْوَاطِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] ، (وَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا) كَالدِّيدَانِ، وَبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَالْخَنَافِسِ، وَالزَّنَابِيرِ، وَالنَّحْلِ، وَفِيهِمَا رِوَايَةٌ فِي الْإِشَارَةِ وَفِي الرَّوْضَةِ: يُكْرَهُ ذُبَابٌ وَزُنْبُورٌ، وَفِي التَّبْصِرَةِ: فِي خُفَّاشٍ، وَخُطَّافٍ: وَجْهَانِ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْخُفَّاشَ، لِأَنَّهُ مَسْخٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَلْ هِيَ لِلتَّحْرِيمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ كَالْبَغْلِ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ مَنْ حَرَّمَ الْحِمَارَ الْأَهْلِيَّ، (وَالسِّمْعِ: وَلَدِ الضَّبُعِ مِنَ الذِّئْبِ، وَالْعِسْبَارِ: وَلَدِ الذِّئْبَةِ مِنَ الذِّيخِ) وَهُوَ الذَّكَرُ مِنَ الضِّبْعَانِ، فَيَكُونُ الْعِسْبَارُ عَكْسَ السِّمْعِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَمَيَّزَ كَحَيَوَانٍ مِنْ نَعْجَةٍ، نِصْفُهُ خَرُوفٌ وَنِصْفُهُ كَلْبٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَا مُتَوَلِّدٌ مِنْ مُبَاحَيْنِ كَبَغْلٍ مِنْ وَحْشٍ وَخَيْلٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرٍ كَذُبَابِ الْبَاقِلَاءِ يُؤْكَلُ تَبَعًا لَا أَصْلًا، فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحِلُّ بِمَوْتِهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ كَذُبَابٍ، فِيهِ رِوَايَتَانِ.

وَمَا عَدَا ذَلِكَ مُبَاحٌ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ، وَالدَّجَاجِ، وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْبَقَرِ،

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ أَحْمَدُ: فِي الْبَاقِلَاءِ الْمُدَوِّدِ: يَجْتَنِبُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَذَّرْهُ فَأَرْجُو.
وَقَالَ عَنْ تَفْتِيشِ الثَّمَرِ الْمُدَوِّدِ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا عَلِمَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْمَأْكُولَيْنِ مَغْصُوبًا فَهُوَ تَبَعٌ لِأُمِّهِ حِلًّا وَحُرْمَةً وَمِلْكًا، (وَفِي الثَّعْلَبِ، وَالْوَبْرِ، وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ، وَالْيَرْبُوعِ: رِوَايَتَانِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ تَحْرِيمُ الثَّعْلَبِ، وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وصححها الحلواني وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ، نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِيهِ إِلَّا عَطَاءً، وَكُلُّ شَيْءٍ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ فَدَعْهُ، وَلِأَنَّهُ سَبُعٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ.
وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ، اخْتَارَهَا الشَّرِيفُ، وَأَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ يُفْدَى فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ.
وَالْأَوَّلُ: أَظْهَرُ لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع.
الثَّانِيَةُ: الْوَبْرُ، هُوَ مُبَاحٌ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، لِأَنَّهُ يَأْكُلُ النَّبَاتَ، وَلَيْسَ لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْمُسْتَخْبَثَاتِ، فَكَانَ مُبَاحًا كَالْأَرْنَبِ.
وَالثَّانِيَةُ: حَرَامٌ، وَقَالَهُ الْقَاضِي قِيَاسًا عَلَى السِّنَّوْرِ.
الثَّالِثَةُ: سِنَّوْرُ الْبَرِّ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وصححه الحلواني وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ» ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَرِّيُّ، وَالثَّانِيَةُ: مُبَاحٌ، لِأَنَّهُ بَرِّيٌّ أَشْبَهَ الْحِمَارَ الْبَرِّيَّ.
الرَّابِعَةُ: الْيَرْبُوعُ، وَهُوَ مُبَاحٌ، نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَعُرْوَةُ، لِقَضَاءِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ حَكَمَ فِيهِ بِجَفْرَةٍ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَالثَّانِيَةُ: حَرَامٌ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْفَأْرَ، وَكَبَقٍّ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي هُدْهُدٍ وَصُرَدٍ، وَفِي سِنْجَابٍ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مُحَرَّمٌ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ يَنْهَشُ بِنَابِهِ، أَشْبَهَ الْجُرَذَ، وَالسِّنَّوْرَ، وَالثَّانِي: يُبَاحُ، أَشْبَهَ الْيَرْبُوعَ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْغُدَافِ وَالْفَنَكِ.

[الْمُبَاحُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ]

(وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ) بِلَا كَرَاهَةٍ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، (كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1]

وَالظِّبَاءِ، وَالْحُمُرِ، وَالزَّرَافَةِ، وَالنَّعَامَةِ، وَالْأَرْنَبِ، وَالضَّبُعِ، وَالضَّبِّ، وَالزَّاغِ، وَغُرَابِ

[المبدع في شرح المقنع]

، وَهِيَ: الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، (وَالْخَيْلِ) عِرَابِهَا وَبَرَاذِينِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ مُسْتَطَابٌ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ، وَلَا مِخْلَبٍ، فَكَانَ حَلَالًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُكْرَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] . وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَخَيْلِهَا، وَبِغَالِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ، وَيُشْبِهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَقَالَ: فِيهِ رَجُلَانِ لَا يُعْرَفَانِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِدَلِيلِ خِطَابِهَا، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ، مَعَ أَنَّ نَصَّهُ عَلَى رُكُوبِهَا لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ مَنَافِعِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا، وَفِي بِرْذَوْنٍ رِوَايَةٌ بِالْوَقْفِ، (وَالدَّجَاجِ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، «وَقَالَ أَبُو مُوسَى: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ الدَّجَاجَ» ، (وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْبَقَرِ، وَالظِّبَاءِ، وَالْحُمُرِ) وَالتَّيْسِ، وَالْوَعْلِ، وَالْمَهَا، وَسَائِرِ الْوَحْشِ مِنَ الصُّيُودِ كُلِّهَا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَأَنَّسَ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ أَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ إِذَا تَأَنَّسَ وَاعْتَلَفَ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَهْلِيِّ، قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا شَيْءٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ، وَلِأَنَّ الضَّبَّ إِذَا تَأَنَّسَتْ لَمْ تَحْرُمْ، كَالْأَهْلِيِّ إِذَا تَوَحَّشَ لَمْ يَحِلَّ، (وَالزَّرَافَةِ) فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهَا

الزَّرْعِ، وَسَائِرِ الطَّيْرِ، وَجَمِيعِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ إِلَّا الضِّفْدِعَ، وَالْحَيَّةَ، وَالتِّمْسَاحَ، وَقَالَ ابْنُ

[المبدع في شرح المقنع]

تُشْبِهُ الْبَعِيرَ إِلَّا أَنَّ عُنُقَهَا أَطْوَلُ مِنْ عُنُقِهِ، وَجِسْمَهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ وَأَعْلَا مِنْهُ، وَذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَحْرِيمِهَا، وَلِأَنَّهَا مُسْتَطَابَةٌ لَيْسَ لَهَا نَابٌ، وَلَا هِيَ مِنَ الْمُسْتَخْبَثَاتِ، أَشْبَهَتِ الْإِبِلَ.
وَعَنْهُ: الْوَقْفُ فِيهَا، وَحَرَّمَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، (وَالنَّعَامَةِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ فِيهَا بِالْفِدْيَةِ إِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ، (وَالْأَرْنَبِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَرَ بِأَكْلِهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُسْتَطَابٌ لَيْسَ بِذِي نَابٍ، أَشْبَهَ الظِّبَاءَ، وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِتَحْرِيمِهِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ رِوَايَةً بِتَحْرِيمِهَا، (وَالضَّبُعِ) وَقَدْ عُلِمَ حُكْمُهَا فِيمَا سَبَقَ، وَفِيهَا رِوَايَةٌ قَالَهُ: ابْنُ الْبَنَّا، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ!» ؛ لَكِنَّ هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُخَارِقِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ: إِنْ عُرِفَ مِنْهُ أَكْلُ مَيْتَةٍ فَكَجَلَّالَةٍ، (وَالضَّبِّ) قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاحْتَزَزْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ النَّهْيِ فِيهِ لَيْسَ بِثَابِتٍ، (وَالزَّاغِ) وَهُوَ صَغِيرٌ أَغْبَرُ، (وَغُرَابِ الزَّرْعِ) وَهُوَ أَسْوَدُ كَبِيرٌ يَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ، وَلِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ، وَالْحُبُوبُ، أَشْبَهَا الْحَجَلَ، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ، (وَسَائِرِ) أَيْ: بَاقِي، (الطَّيْرِ) كَالْفَوَاخِتِ، وَالْقَنَابِرِ، وَالْقَطَا، وَالْكُرْكِيِّ، وَالْكَرَوَانِ، وَالْبَطِّ، وَالْأوَزِّ، وَالْحُبَارَى، «لِقَوْلِ سَفِينَةَ: أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبَارَى» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَذَلِكَ الْغَرَانِيقُ، وَالطَّوَاوِيسُ، وَطَيْرُ الْمَاءِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.

حَامِدٍ: وَإِلَّا الْكَوْسَجَ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادِ: لَا يُبَاحُ مِنَ الْبَحْرِ مَا يَحْرُمُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ، كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ، وَإِنْسَانِهِ.
وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ، وَلَبَنُهَا وَبَيْضُهَا

[المبدع في شرح المقنع]

وَنَقَلَ مهنا: يُؤْكَلُ الْأَيِّلُ، قِيلَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ الْخَبَائِثَ، فَعُجِبَ مِنْ ذَلِكَ، (وَجَمِيعِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] ، «، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ.» رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ (إِلَّا الضِّفْدِعَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَفِي الْخَبَرِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ: لَوْ أَكَلَ أَهْلِي الضَّفَادِعَ لَأَطْعَمْتُهُمْ، لَا يُعَارِضُهُ، (وَالْحَيَّةَ) لِأَنَّهَا مِنَ الْخَبَائِثِ، وَفِيهَا وَجْهٌ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، (وَالتِّمْسَاحَ) وَفِي الْوَجِيزِ كَـ الْمُقْنِعِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَأْكُلُ النَّاسَ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُؤْكَلُ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ، إِلَّا: الضِّفْدِعَ، وَالْحَيَّةَ، وَالتِّمْسَاحَ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُبَاحُ، لِأَنَّهُ حَيَوَانُ الْبَحْرِ، (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ) وَالْقَاضِي (وَإِلَّا الْكَوْسَجَ) ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أَحْمَدَ فِي التِّمْسَاحِ، وَصَحَّحَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَهُوَ: سَمَكَةٌ فِي الْبَحْرِ لَهَا خُرْطُومٌ كَالْمِنْشَارِ تَفْتَرِسُ، وَرُبَّمَا الْتَقَمَتِ ابْنَ آدَمَ وَقَصَمَتْهُ نِصْفَيْنِ، وَهِيَ الْقِرْشُ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا إِذَا صِيدَتْ لَيْلًا وَجَدُوا فِي جَوْفِهَا شَحْمَةً طِبِّيَّةً، وَإِنْ صِيدَتْ نَهَارًا لَمْ يَجِدُوهَا، (وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ) وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّجَّادِ، وَحَكَاهُ فِي التَّبْصِرَةِ رِوَايَةً (لَا يُبَاحُ مِنَ الْبَحْرِ مَا يَحْرُمُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ وَإِنْسَانِهِ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُبَاحٍ فِي الْبَرِّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ كَلْبُ الْمَاءِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُبَاحٌ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَكِبَ عَلَى سَرْجٍ عَلَيْهِ جِلْدٌ مِنْ جُلُودِ كِلَابِ الْمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، (وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا) أَيْ: غِذَائِهَا، (النَّجَاسَةُ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ

حَتَّى تُحْبَسَ، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ، وَلَا تَحْرُمُ، وَتُحْبَسُ ثَلَاثًا، وَعَنْهُ: يُحْبَسُ الطَّائِرُ ثَلَاثًا، وَالشَّاةُ سَبْعًا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.

وَمَا سُقِيَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: «نهى عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» ، وَفِي أُخْرَى لَهُ: «نهى عَنْ رُكُوبِ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ» . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ، وَأَكْلِ لَحْمِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ الْقَاضِي: هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ حَرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ لَمْ يَحْرُمْ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَتَحْدِيدُهَا بِكَوْنِ أَكْثَرِ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ لَمْ أَسْمَعْهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِمَا يَكُونُ كَثِيرًا فِي مَأْكُولِهَا، وَيُعْفَى عَنِ الْيَسِيرِ، (وَلَبَنُهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، (وَبَيْضُهَا) وَلَحْمُهَا وَلَبَنُهَا، وَلِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ النَّجَاسَةِ، (حَتَّى تُحْبَسَ) وتطعم الطاهر، إِذِ الْمَنْعُ يَزُولُ بِحَبْسِهَا، (وَعَنْهُ: تُكْرَهُ، وَلَا تَحْرُمُ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي حُرْمَتِهِ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ لَا يَنْجُسُ بِأَكْلِ النَّجَاسَاتِ، لِأَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ أَعْضَائِهِ، وَالْكَافِرُ الَّذِي يَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ وَالْمُحَرَّمَاتِ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ، إِذْ لَوْ نَجُسَ لَمَا طَهُرَ بِالْإِسْلَامِ وَالِاغْتِسَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (وَتُحْبَسُ ثَلَاثًا) أَيْ: تُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَكْلَهَا حَبَسَهَا ثَلَاثًا، وَأُطْعِمَتِ الطَّاهِرَاتِ (وَعَنْهُ: يُحْبَسُ الطَّائِرُ ثَلَاثًا، وَالشَّاةُ سَبْعًا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ) مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) قَدَّمَهَا فِي الْكَافِي، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْإِبِلِ

مُحَرَّمٌ، وَإِنْ سُقِيَ بِالطَّاهِرِ طَهُرَ وَحَلَّ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلَا يَحْرُمُ، بَلْ يُطَهَّرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ لَبَنًا.

[المبدع في شرح المقنع]

الْجَلَّالَةِ، أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا، وَلَا يُشْرَبَ لَبَنُهَا، وَلَا يُحْمَلَ عَلَيْهَا إِلَّا الْأَدَمُ، وَلَا يَرْكَبَهَا النَّاسُ حَتَّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَلِأَنَّهَا أَعْظَمُ جِسْمًا، وَعَنْهُ: يُحْبَسُ غَيْرُ طَائِرٍ أَرْبَعِينَ، وَعَنْهُ: وَالْبَقَرُ ثَلَاثِينَ، ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ، وَهُوَ وَهْمٌ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَقِيلَ: الْكُلُّ أَرْبَعِينَ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الشَّالَنْجِيِّ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْلَفَ الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ الَّتِي لَا يُرَادُ ذَبْحُهَا بِالْقُرْبِ الْأَطْعِمَةَ النَّجِسَةَ أَحْيَانًا.
انْتَهَى.
وَيَحْرُمُ عَلْفُهَا نَجَاسَةً، تُؤْكَلُ قَرِيبًا، أَوْ تُحْلَبُ قَرِيبًا، وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَبْحُهُ أَوْ حَلْبُهُ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ حَبْسِهَا الْمُعْتَبَرِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ كَغَيْرِ الْمَأْكُولِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ إِطْعَامُ الْمَيْتَةِ كَلْبًا مُعَلَّمًا، أَوْ طَائِرًا مُعَلَّمًا، وَالنَّصُّ جَوَازُهُ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ تَحْرِيمَ عَلْفِهَا مَأْكُولًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا.
فَرْعٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ رُكُوبَهَا، لِأَنَّهَا رُبَّمَا عَرِقَتْ فَأَصَابَهُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَسَأَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ: بَقَرَةٌ شَرِبَتْ خَمْرًا أَيَجُوزُ أَكْلُهَا؛، قَالَ: لَا، حَتَّى تَنْتَظِرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ تَحْرِيمَ الْجَلَّالَةِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ خَرُوفٌ ارْتَضَعَ مِنْ كَلْبَةٍ، ثُمَّ شَرِبَ لَبَنًا طَاهِرًا، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ.

[حُكْمُ مَا سُقِيَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ]

(وَمَا سُقِيَ) أَوْ سُمِّدَ، (بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنَ الزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ مُحَرَّمٌ) نَجِسٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُنَّا نُكْرِي أَرَاضِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَدْمُلُوهَا بِعَذِرَةِ النَّاسِ» . وَلَوْلَا أَنَّ مَا يُزْرَعُ فِيهَا يَحْرُمُ لَمْ يَكُنْ فِي الِاشْتِرَاطِ فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّهُ يَتَغَذَّى بِالنَّجَاسَةِ وَتَتَرَبَّى فِيهَا أَجْزَاؤُهُ، وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تُطَهِّرُ، ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مِنْ ثَمَرٍ بِشَجَرَةٍ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ.
قَالَ السَّامِرِيُّ: هُوَ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى الْمَقْبَرَةِ الْعَتِيقَةِ، (وَإِنْ سُقِيَ بِالطَّاهِرِ) أَيْ: بِالطَّهُورِ بِحَيْثُ يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ، (طَهُرَ وَحَلَّ) لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ مُعَدٌّ لِتَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ، وَكَالْجَلَّالَةِ إِذَا حُبِسَتْ وَأُطْعِمَتِ الطَّاهِرَاتِ، (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ

فَصْلٌ: وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَرَّمٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حَلَّ لَهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، وَهَلْ لَهُ الشِّبَعُ؟ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

الْفُقَهَاءِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ (لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَا يَحْرُمُ) بَلْ هُوَ طَاهِرٌ مُبَاحٌ، (بَلْ يَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِهَا فَتَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، (كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ) فِي أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ وَيَصِيرُ (لَبَنًا) فَطَهُرَ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ: أَنَّهُ كَرِهَ الْعَذِرَةَ، وَرَخَّصَ فِي السِّرْجِينِ.
مَسَائِلُ: كَرِهَ أَحْمَدُ أَكْلَ طِينٍ لِضَرُورَةٍ، وَسَأَلَ رَجُلٌ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ عَنْ أَكْلِ الْمَدَرِ؟ فَقَالَ: حَرَامٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا﴾ [البقرة: 168] ، وَلَمْ يَقُلْ: كُلُوا الْأَرْضَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ أَكْلَهُ عَيْبٌ إِنْ كَانَ يُتَدَاوَى بِهِ كَالْأَرْمَنِيِّ، أَوْ كَانَ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، وَلَا نَفْعَ كَالْيَسِيرِ جَازَ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَكَذَا يُكْرَهُ أَكْلُ غُدَّةٍ، وَأُذُنٍ، وَقَلْبٍ، وَبَصَلٍ، وَثُومٍ، ونحوها، مَا لَمْ يُنْضِجْهُ بِطَبْخٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَبٍّ دِيسَ بِحُمُرٍ، وَمُدَاوَمَةُ أَكْلِ لَحْمٍ، وَلَا بَأْسَ بِلَحْمٍ نِيءٍ، وَلَحْمٍ مُنْتِنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِيهِمَا: يُكْرَهُ، وَجَعَلَهُ فِي الِانْتِصَارِ فِي الثَّانِيَةِ اتِّفَاقًا، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَوْمُ حِينَ يُوضَعُ الطَّعَامُ فيفجأهم، وَالْخُبْزُ الْكِبَارُ، وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ، وَوَضْعُهُ تَحْتَ الْقَصْعَةِ لِاسْتِعْمَالِهِ لَهُ، وَحَرَّمَهُ الْآمِدِيُّ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ الْكَرَاهَةَ إِلَّا مِنْ طَعَامِ مَنْ عَادَتُهُ السَّمَاحَةُ.

[الِاضْطِرَارُ إِلَى أَكْلِ الْمُحَرَّمِ]

فَصْلٌ.
(وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَرَّمٍ مِمَّا ذَكَرْنَا) سِوَى سُمٍّ وَنَحْوِهِ، بِأَنْ يَخَافَ تَلَفًا، وَقِيلَ: أَوْ ضَرَرًا، وَفِي الْمُنْتَخَبِ: أَوْ مَرَضًا، أَوِ انْقِطَاعًا عَنِ الرُّفْقَةِ، وَمُرَادُهُ يَنْقَطِعُ فَيَهْلِكُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، أَكَلَ وُجُوبًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وِفَاقًا، وَقِيلَ: نَدْبًا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (حَلَّ لَهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] ، وَيَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ إِجْمَاعًا (وَهَلْ لَهُ الشِّبَعُ؟ عَلَى

جارٍ التحميل