المبدع في شرح المقنعصفحات 274-313

شَاةٌ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ فِضَّةً.

[المبدع في شرح المقنع]

[الْمَشْرُوعُ فِي العقيقة]

(وَالْمَشْرُوعُ أَنْ يَذْبَحَ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ كَرْزٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
مُتَكَافِئَتَانِ: مُتَقَارِبَتَانِ فِي السَّنِّ وَالشَّبَهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ عُدِمَ، فَوَاحِدَةٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ شَاةً شَاةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَوْ لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ (وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) لِحَدِيثِ أُمِّ كَرْزٍ، وَلِأَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَحْكَامِ الذَّكَرِ، فَإِنْ عَدِمَ، اقْتَرَضَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ (يَوْمَ سَابِعِهِ) قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": فِي مِيلَادِ الْوَلَدِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: ضَحْوَةً، وَيَنْوِيهَا عَقِيقَةً.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْعَقِيقَةِ تُذْبَحُ يَوْمَ السَّابِعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: يَذْبَحُ إِحْدَى الشَّاتَيْنِ يَوْمَ وِلَادَتِهِ، وَالْأُخْرَى يَوْمَ السَّابِعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ، وَيُسَمَّى فِيهِ.
وَفِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ سَمَّاهُ قَبْلَهُ، فَحَسَنٌ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَوْلُودَ إِذَا مَضَتْ لَهُ سَبْعُ لَيَالٍ فَقَدِ اسْتَحَقَّ التَّسْمِيَةَ فَقَوْمٌ قَالُوا: حِينَئِذٍ، وَقَوْمٌ قَالُوا: حَالَ وِلَادَتِهِ.
(وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ) أَيْ: رَأْسُ الْغُلَامِ.
قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَرَأْسُهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالذَّكَرِ، وَيُكْرَهُ لَطْخُهُ بِدَمٍ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ «تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُدْمَى» ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ: يُسَمَّى، وَقَالَ هَمَّامٌ: " يُدْمَى " مَا أَرَاهُ إِلَّا خَطَأً، وَقِيلَ: هُوَ تَصْحِيفٌ مِنَ الرَّاوِي، يُعَضِّدُهُ أَنَّ مُهَنَّا ذَكَرَ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ يَزِيدَ الْمُزْنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ» فَقَالَ: مَا أَظْرَفَهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَطْخُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ (وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ فِضَّةً) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ لَمَّا وَلَدَتِ الْحَسَنَ «احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعَرِهِ فِضَّةً

فصل

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى الْمَسَاكِينِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": لَيْسَ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ، وَوَزْنِ شَعَرِهِ سُنَّةٌ وَكِيدَةٌ، وَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَالْعَقِيقَةُ هِيَ السُّنَّةُ.
فَرْعٌ: يُؤَذَّنُ فِي أُذُنِهِ حِينَ يُولَدُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحُسَيْنِ حِينَ وُلِدَ بِالصَّلَاةِ» ، صَحَّحَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَيُقِيمُ فِي الْيُسْرَى، وَيُحَنِّكُهُ بِتَمْرٍ، وَهُوَ أَنْ يَمْضُغَهُ، وَيَدُلِّكَ بِهِ حَنَكَهُ، لِلْخَبَرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْرٌ فَشَيْءٌ حُلْوٌ.
1 - فَصْلٌ «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيَسْتَحَبُّ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: سَمِعْتُ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِيهِمُ اسْمُ مُحَمَّدٍ إِلَّا رُزِقُوا وَرُزِقَ خَيْرًا.
وَلَا يُكْرَهُ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا يُكْرَهُ بِجِبْرِيلَ، وَيَاسِينَ، وَيُكْرَهُ حَرْبٌ وَمُرَّةُ، وَبَرَّةُ، وَنَافِعٌ، وَيَسَارٌ، وَأَفْلَحُ، وَنَجِيحٌ، وَبَرَكَةُ، وَيَعْلَى، وَمُقْبِلٌ، وَرَافِعٌ، وَرَبَاحٌ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكُلُّ اسْمٍ فِيهِ تَفْخِيمٌ، وَتَعْظِيمٌ كَالْمَلِكِ بِخِلَافِ حَاكِمِ الْحُكَّامِ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ، لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ، وَبِخِلَافِ الْأَوْحَدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلِأَنَّ الْمَلِكَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمُلْكِ، وَحَقِيقَتُهُ، إِمَّا التَّصَرُّفُ التَّامُّ، أَوِ التَّصَرُّفُ الدَّائِمُ، وَلَا يَصِحَّانِ

فَإِنْ فَاتَ، فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِي إحدى وَعِشْرِينَ

[المبدع في شرح المقنع]

إِلَّا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلِأَحْمَدَ «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ» وَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ الْحَنَفِيُّ وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ بِالْجَوَازِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ بِعَدَمِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَيَحْرُمُ عَبْدُ الْعُزَّى، وَعَبْدُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ الْكَعْبَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ اتِّفَاقًا، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيَّرَ الِاسْمَ إِلَى آخَرَ فَسَمَّى حَرْبًا سِلْمًا، وَالْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ، وَشِهَابًا هِشَامًا.
وَأَمَّا اللَّقَبُ فَكَمَالُ الدِّينِ، وَشَرَفُ الدِّينِ فَلَهُ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ أَنَّ الدِّينَ أَكْمَلَهُ وَشَرَّفَهُ لا العكس قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ.
وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ لُقِّبَ بِمَا يُصَدِّقُهُ فِعْلُهُ، جَازَ، وَيَحْرُمُ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى مَخْرَجٍ صَحِيحٍ، وَيَجُوزُ التَّكَنِّي، وَأَنْ يُكَنَّى الْإِنْسَانُ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ، وَيُكْرَهُ بِأَبِي عِيسَى احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: وَبِأَبِي يَحْيَى، وَهَلْ يُكْرَهُ بِأَبِي الْقَاسِمِ، أَمْ لَا أَمْ يُكْرَهُ لِمَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَقَطْ؟ فِيهِ رِوَايَاتٌ، وَلَا يَحْرُمُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُكَنَّى بِهِ، وَاحْتَجَّ بِالنَّهْيِ، فَظَاهِرُهُ يَحْرُمُ، وَيَجُوزُ تَكْنِيَتُهُ أَبَا فُلَانٍ، وَأَبَا فُلَانَةٍ، وَتَكْنِيَتُهَا أُمَّ فُلَانٍ، وَأُمَّ فُلَانَةٍ، وَتَكْنِيَةُ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمُرَخَّمَ وَالْمُصَغَّرَ، وَهُوَ فِي الْأَخْبَارِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَا عَائِشُ يَا فَاطِمُ، «وَلِقَوْلِ أُمِّ سُلَيْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ أُنَيْسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ» . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، لَكِنْ مَعَ عَدَمِ الْأَوْلَى.
وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ وَالْفَتَى وَالْفَتَاةِ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، وَلَا تَقُلْ: عَبْدِي وَأَمَتِي.
كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَإِمَاءُ اللَّهِ، وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: رَبِّي، وَفِي مُسْلِمٍ: وَلَا مَوْلَايَ؛ فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللَّهُ.
وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ.
وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ.
(فَإِنْ فَاتَ) أَيِ: الذَّبْحُ فِي السَّابِعِ (فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِي إِحْدَى

وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلَا يَكْسِرُ عَظْمَهَا.

وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا تُسَنُّ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعِشْرِينَ) نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُهُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، فَلَوْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ أَجَزَأَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ هُوَ السُّنَّةُ فَإِنْ تَجَاوَزَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ سَابِعٍ، فَيُذْبَحُ فِي ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ فِي خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَشْهَرُ - أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْأَسَابِيعُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، بَلْ يُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءٌ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِالصِّغَرِ، فَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ أَصْلًا حَتَّى بَلَغَ وَكَسَبَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: ذَلِكَ عَلَى الْوَالِدِ، يَعْنِي لَا يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " وَ " الرَّوْضَةِ " أَنَّهُ يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا يُشْرَعُ لَهُ فِكَاكُ نَفْسِهِ.
(وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً) أَيْ: يَقْطَعُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ مِفْصَلِهِ تَفَاؤُلًا بِسَلَامَةِ أَعْضَاءِ الْمَوْلُودِ (وَلَا يَكْسِرُ عَظْمَهَا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ: عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْعَقِيقَةِ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ بَيْتِ الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا» ، وَفِي " التَّنْبِيهِ " تُعْطَى الْقَابِلَةُ مِنْهَا فَخْذًا، وَطَبْخُهَا أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَدْعُو إِلَيْهَا إِخْوَانَهُ فَيَأْكُلُوا، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَمِنْهُ طَبْخٌ حُلْوٌ تَفَاؤُلًا.

[حُكْمُ الْعَقِيقَةِ]

(وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ) فِي سَنِّهَا، وَمَا يُجْزِئُ مِنْهَا، وَمَا لَا يُجْزِئُ، وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا مِنَ الصِّفَةِ، وَمَا يُكْرَهُ، وَفِي الْأَكْلِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهَا نَسِيكَةٌ مَشْرُوعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، أَشْبَهَتِ الْأُضْحِيَّةَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا شِرْكٌ فِي دَمٍ، وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا بَدَنَةٌ، أَوْ بَقَرَةٌ كَامِلَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": أَفْضَلُهُ شَاةٌ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهُ: مِثْلُهُ أُضْحِيَّةً، وَفِي إِجْزَاءِ الْأُضْحِيَّةِ عَنْهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى

الْفَرَعَةُ وَهِيَ ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ، وَلَا الْعَتِيرَةُ وَهِيَ ذَبِيحَةُ رَجَبٍ.

[المبدع في شرح المقنع]

بَيْعِ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ وَالسَّوَاقِطِ، وَالصَّدَقَةِ بِثَمَنِهِ خِلَافَ نَصِّهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَقْيَسُ بِمَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ أَدْخَلُ مِنْهَا فِي التَّعَبُّدِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُحْتَمَلُ نَقْلُ حُكْمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ إِلَى الْأُخْرَى، فَيَكُونُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا رِوَايَتَانِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ ذَبِيحَةٌ شُرِعَتْ يَوْمَ النَّحْرِ أَشْبَهَتِ الْهَدْيَ، وَالْعَقِيقَةُ شُرِعَتْ لِأَجْلِ سُرُورٍ حَادِثٍ، وَتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، أَشْبَهَ الذَّبْحَ فِي الْوَلِيمَةِ، وَلِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فَكَانَ لَهُ الْبَيْعُ مِنْهَا، وَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِهِ إِذِ الْفَضِيلَةُ حَاصِلَةٌ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَلَا تُسَنُّ الْفَرَعَةُ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ (وَهِيَ ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ) كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ، وَقِيلَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا تَمَّتْ إِبِلُهُ مِائَةً قَدَّمَ بِكْرًا فَذَبَحَهُ لِصَنَمِهِ (وَلَا الْعَتِيرَةُ وَهِيَ ذَبِيحَةُ رَجَبٍ) وَقَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ وَأَبُو عُبَيْدٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ أَمْرًا نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ مِنْ غَنَمِهِ شَاةً، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ: يُسْتَحَبُّ الْعَتِيرَةُ، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ، وَعَتِيرَةٌ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفَرَعَةِ مِنْ خَمْسِينَ وَاحِدَةً» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا سَبَقَ لِأَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَالثَّانِي: أَنَّ فِعْلَهُمَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِسْلَامِ فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ إِلَى حِينِ النَّسْخِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا، لَزِمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، بِخِلَافِ تَأَخُّرِ النَّهْيِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ سُنِّيَّتِهَا تَحْرِيمُ فِعْلِهَا وَلَا كَرَاهَتُهُ، فَلَوْ ذَبَحَ فِي رَجَبٍ أَوْ أَوَّلَ وَلَدِ النَّاقَةِ لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ، أَوِ الصَّدَقَةِ بِهِ، أَوْ إِطْعَامِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الْجِهَادِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْجِهَادِ]

[تَعْرِيفُ الجهاد وَحُكْمُهُ]

ِ وَهُوَ مَصْدَرُ جَاهَدَ جِهَادًا، وَمُجَاهَدَةً.
وَمُجَاهِدٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَجْهَدَ: إِذَا بَالَغَ فِي قتلِ عَدُوِّهِ حَسَبَ الطَّاقَةِ وَالْوُسْعِ.
وَشَرْعًا: عِبَارَةٌ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ خَاصَّةً.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] . وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] الْآيَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدَ بِلَا ضَرَرٍ غَيْرُ آثِمٍ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي، سَقَطَ عَنِ الْكُلِّ، فَيَجْعَلُ فِعْلَ الْبَعْضِ كَافِيًا فِي السُّقُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَنْ يَكْفِي، أَثِمَ الْكُلُّ كَفَرْضِ الْأَعْيَانِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي كَوْنِهِ مُخَاطَبًا، وَيَفْتَرِقَانِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَرْضُ عَيْنٍ، لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَالْقَاعِدُونَ كَانُوا حُرَّاسًا لِلْمَدِينَةِ، وَهُوَ نَوْعُ جِهَادٍ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَاهُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ إِلَى النَّوَاحِي،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَيُقِيمُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْأَوَامِرُ الْمُطْلَقَةُ.
وَالْفَرْضُ فِي ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْغَيْرَ يَقُومُ بِهِ، كَجُنْدٍ لَهُمْ دِيوَانٌ، وَفِيهِمْ كِفَايَةٌ، أَوْ قَوْمٍ أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ وَفِيهِمْ مَنَعَةٌ؛ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ طَائِفَةٌ بَعْدَ أُخْرَى فَهَلْ تُوصَفُ الثَّانِيَةُ بِالْفَرْضِيَّةِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَكَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِي أَنَّ فَرْضِيَّتَهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ مُحْتَمَلٌ (وَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ) لِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؛ قَالَ: جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ لِضَعْفِهَا وَخَوْفِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يُسْهَمُ لَهَا.
وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَهِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ فَلَا يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ (حُرٌّ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُبَايِعُ الْحُرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ، وَالْعَبْدَ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْجِهَادِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يَلْزَمُ رَقِيقًا.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُبَعَّضًا وَمُكَاتَبًا، رِعَايَةً لِحَقِّ السَّيِّدِ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمْ لَا.
(مُكَلَّفٌ) لِأَنَّ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمَا، وَالْكَافِرُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْجِهَادِ (مُسْتَطِيعٌ) بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَطِيعِ عَاجِزٌ، وَالْعَجْزُ يَنْفِي الْوُجُوبَ.
ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي بَدَنِهِ) مِنَ الْمَرَضِ، وَالْعَمَى، وَالْعَرَجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17] ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ تَمْنَعُهُ مِنَ الْجِهَادِ، فَفِي الْعَمَى ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْعَرَجُ فَالْمَانِعُ مِنْهُ الْفَاحِشُ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ الْجَيِّدَ، وَالرُّكُوبَ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يَمْنَعُهُ الْمَشْيَ فَصَرَّحَ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " قَوْلًا، وَفِي " الْبُلْغَةِ ": يَلْزَمُ أَعْرَجَ يَسِيرًا.
وَكَذَا حُكْمُ الْمَرَضِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ خَفِيفًا كَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ، فَلَا، كَالْعَوَرِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ عَاجِزًا بِبَدَنِهِ فِي مَالِهِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَحَجِّ مَعْضُوبٍ وَأَوْلَى (الْوَاجِدُ

الْوَاجِدُ لِزَادِهِ وَمَا يَحْمِلُهُ إِذَا كَانَ بَعِيدًا.

وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إِلَى تَأْخِيرِهِ، وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ أَوْ حَصَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.

و

َأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ،

وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ،

[المبدع في شرح المقنع]

لِزَادِهِ) أَيْ: الْقَادِرُ عَلَى النَّفَقَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91] وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِآلَةٍ، فَاعْتُبِرَتِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا، وَسَوَاءٌ وُجِدَ ذَلِكَ، أَوْ بِبَذْلٍ مِنَ الْإِمَامِ، قَالَهُ الْمَجْدُ (وَمَا يَحْمِلُهُ إِذَا كَانَ بَعِيدًا) أَيْ: يُعْتَبَرُ مَعَ الْبُعْدِ - وَهُوَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ - مَرْكُوبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] الْآيَةَ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَإِنَّمَا الْمُشْتَرَطُ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ، وَنَفَقَةَ عِيَالِهِ فِي مُدَّةِ غَيْبَتِهِ، وَسِلَاحٌ يُقَاتِلُ بِهِ فَاضِلًا عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَأُجْرَةِ مَسْكَنِهِ، عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَجِّ.

[أَقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ]

(وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ) لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَرَّةً فِي الْعَامِ، وَهِيَ بَدَلٌ عَنِ النُّصْرَةِ، فَكَذَا مُبْدَلُهَا فَإِنْ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَجَبَ.
قَالَهُ الْأَصْحَابُ (إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إِلَى تَأْخِيرِهِ) كَضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَدَدٍ أَوْ عُدَّةٍ، أَوْ يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ عَدَدًا يَسْتَعِينُ بِهِمْ، أَوْ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِمْ مَانِعٌ، أَوْ رَجَاءَ إِسْلَامِهِمْ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَخَّرَ قِتَالَهُمْ حَتَّى نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَأَخَّرَ قِتَالَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ بِغَيْرِ هُدْنَةٍ.
وَظَاهِرُهُ بِهُدْنَةٍ، وَبِغَيْرِهَا.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ مَعَ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِظْهَارِ لِمَصْلَحَةِ رَجَاءِ إِسْلَامِ الْعَدُوِّ، وَهَذَا رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَلَا يُعْتَبَرُ أَمْنُ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ وَضْعَهُ عَلَى الْخَوْفِ.
(وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مَنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَصَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) وَكَذَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْبُلْغَةِ " فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ، وَتَقَابَلَ الصَّفَّانِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] الْآيَةَ.
الثَّانِي: إِذَا نَزَلَ الْكُفَّارُ بِبَلَدٍ، تَعَيَّنَ عَلَى أَهْلِهِ قِتَالُهُمْ، وَدَفْعُهُمْ، كَحَاضِرِي الصَّفِّ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: 41] الْآيَةَ زَادَ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " ثَالِثًا، وَهُوَ إِذَا اسْتَنْفَرَهُ مِنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ عَبْدًا.
وَاسْتَثْنَى فِي " الْبُلْغَةِ " مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ السَّابِقَيْنِ إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: مَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمَكَانِ، وَالْآخَرُ مَنْ يَمْنَعُهُ الْإِمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ، وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ: مَا لَمْ يَحْدُثْ لَهُ مَرَضٌ أَوْ عَمًى وَنَحْوُهُمَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". فَرْعٌ: إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالنَّفِيرِ، صَلَّى ثُمَّ نَفَرَ مَعَ الْبُعْدِ، وَمَعَ قُرْبِ الْعَدُوِّ يَنْفِرُ وَيُصَلِّي رَاكِبًا أَفْضَلُ، وَلَا يَنْفِرُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.

[أَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ]

(وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ.
وَالْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ فِي ذَلِكَ فَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؛ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ) لِحَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عِنْدَهَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ.
أَوْ: مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ مَرْفُوعًا: «شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيِ الْبَرِّ، وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ، وَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا شُهَدَاءَ الْبَحْرِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ، وَشَهِيدُ الْبَرِّ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ، وَشَهِيدُ الْبَحْرِ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ

وَيَغْزُو مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَدْوِ.

وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ رَسُولُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالِدَيْنُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ خَطَرًا وَمَشَقَّةً لِكَوْنِهِ بَيْنَ خَطَرِ الْعَدُوِّ وَالْغَرَقِ إِلَّا مَعَ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: تُكَفِّرُ الشَّهَادَةُ كُلَّ الذُّنُوبِ غَيْرَ الدَّيْنِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَغَيْرَ مَظَالِمِ الْعِبَادِ.
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خَبَرَ أَبِي أُمَامَةَ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ تَهَاوَنَ بِقَضَائِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ قَضَاؤُهُ، وَكَانَ أَنْفَقَهُ فِي وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِيهِ عَنْهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ، وَكَذَا الْأَعْمَالُ الصِّغَارُ فَقَطْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا الحَجُّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَرَمَضَانَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ.
(وَيَغْزُو مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ مَعَ الْفَاجِرِ يُفْضِي إِلَى قَطْعِهِ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِئْصَالِهِمْ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَحْفَظَ الْمُسْلِمِينَ لَا مُخَذِّلَ وَنَحْوَهُ.
وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» ، وَيُقَدَّمُ الْقَوِيُّ مِنْهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ) أَيْ: يَتَعَيَّنُ جِهَادُ الْمُجَاوِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَعْظَمُ ضَرَرًا.
إِلَّا لِحَاجَةٍ مِثْلَ كَوْنِ الْأَبْعَدِ أَخْوَفَ، وَالْأَقْرَبِ مُهَادِنًا، وَمَعَ التَّسَاوِي فَجِهَادُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَاسْتَبْعَدَهُ أَحْمَدُ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْجِهَادِ، وَالْكِفَايَةُ حَاصِلَةٌ بِغَيْرِهِ.

[الرِّبَاطُ وَأَحْكَامُهُ]

(وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا رَوَى أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ مَرْفُوعًا «تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا» ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ» .

[المبدع في شرح المقنع]

«مَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الرِّبَاطَ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَإِنْ زَادَ فَلَهُ أَجْرُهُ، وَأَمَّا أَقَلُّهُ فَقَالَ الْمَجْدُ، وَالْآجُرِّيُّ: سَاعَةٌ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَقَالَ أَيْضًا يَوْمٌ رِبَاطٌ، وَلَيْلَةٌ رِبَاطٌ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجْمَاعًا، وَالصَّلَاةُ بِهَا أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِذَا اخْتُلِفَ فِي شَيْءٍ فَانْظُرْ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الثَّغْرِ فَإِنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ، وَهَلِ الْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنَ الرِّبَاطِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ) وَكُلُّ مَكَانٍ يَخَافُ أَهْلُهُ مِنَ الْعَدُوِّ.
مَأْخُوذٌ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ (لِلْجِهَادِ) وَأَفْضَلُهُ أَشَدُّهُ خَوْفًا؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ، وَمَقَامُهُمْ بِهِ أَنْفَعُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ) أَيِ: الْأَبْنَاءُ، وَالذُّرِّيَّةُ (إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَخُوفٌ.
وَلَا يُؤْمَنُ مِنْ ظَفَرِ الْعَدُوِّ بِمَنْ فِيهِ، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى الْأَهْلِ فَتَحْصُلُ بِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «جُزْءٌ مِنْ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا، وَيُصَامُ نَهَارُهَا» . تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ أَنَّ أَفْضَلَ الرِّبَاطِ الْمُقَامُ بِأَشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: أَيْنَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ؟ قَالَ: مَدِينَةٌ تَكُونُ مَعْقِلًا لِلْمُسْلِمِينَ كَأَنْطَاكِيَةَ، وَالرَّمْلَةِ، وَدِمَشْقَ، وَقَالَ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الشَّامُ أَرْضُ الْمَحْشَرِ، وَدِمَشْقُ مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ إِذَا غَلَبَتِ الرُّومُ.
قُلْتُ لَهُ: فَالْأَحَادِيثُ «أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ» فَقَالَ: مَا أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا فِي الثُّغُورِ، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: «لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» هُمْ أَهْلُ الشَّامِ.
وَيُسَمَّى الشَّامُ مَغْرِبًا بِاعْتِبَارِ الْعِرَاقِ، كَمَا يُسَمَّى الْعِرَاقُ مَشْرِقًا، وَفِيهِ حَدِيثُ مَالِكِ

وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ

[المبدع في شرح المقنع]

بْنِ عَامِرٍ عَنْ مُعَاذٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قَالَ: «فُسْطَاطُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

[الْهِجْرَةُ وَأَحْكَامُهَا]

(وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجَزُ عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ) وَهِيَ مَا يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْكُفْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَاتِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَلِمَ؟ قَالَ: لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَمَعْنَاهُ: لَا يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ، وَيَرَوْنَ نَارَهُ إِذَا أُوقِدَتْ.
وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الدِّينِ وَاجِبٌ عَلَى الْقَادِرِ، وَالْهِجْرَةَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَتَتِمَّتُهُ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَشَرْطُهُ أَنْ يُطِيقَ ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: 98] الْآيَةَ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ دَارَ الْبُغَاةِ، وَالْبِدْعَةِ كَرَفْضٍ وَاعْتِزَالٍ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَوْ فِي الْعُدَّةِ، بِلَا رَاحِلَةٍ وَلَا مَحْرَمٍ.
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " إِنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنَ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهَا، لَمْ تُهَاجِرْ إِلَّا بِمَحْرَمٍ، كَالْحَجِّ، وَمَعْنَاهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَزَادَ: إِنْ أَمْكَنَهَا إِظْهَارُ دِينِهَا، وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ إِشْعَارٌ بِبَقَاءِ حُكْمِ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ إِذْ حُكْمُهَا مُسْتَمِرٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، «وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ» أَيْ: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ إِلَيْهِ، لَا مِنْهُ.
(وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ جِهَادِهِمْ، وَيُكَثِّرُ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعِينُهُمْ، وَيَتَخَلَّصَ مِنْ تَكْثِيرِ عَدُوِّهِمْ، الِاخْتِلَاطِ بِهِمْ، وَقَضِيَّةُ نُعَيْمٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ.
وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: تَجِبُ.
وَأَطْلَقَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": لَا يُسَنُّ لِامْرَأَةٍ بِلَا رُفْقَةٍ، مَنْ صَلَّى لَزِمَتْهُ الْهِجْرَةُ،

عَلَيْهِ.

وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ، وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْهَا، فَلا توصف باسْتِحْبَاب، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". فَرْعٌ: لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْمَعَاصِي، لَكِنْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: 56] أَنَّ الْمَعْنَى إِذَا عُمِلَ بِالْمَعَاصِي فِي أَرْضٍ فَاخْرُجُوا مِنْهَا، قَالَهُ عَطَاءٌ، وَيَرُدُّهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ.
. . .» الْحَدِيثُ.

[لَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ وَأَبِيهِ]

(وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) لِآدَمِيٍّ لَا وَفَاءَ لَهُ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ يُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ، وَبِهَا تَفُوتُ النَّفْسُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهٌ: لَا يَسْتَأْذِنُ مَعَ تَأْجِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الطَّلَبُ إِلَّا بَعْدَ حُلُولِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، فَلَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَى عَنْهُ ابْنُهُ مَعَ عِلْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَفِي مَعْنَاهُ إِقَامَةُ الْكَفِيلِ أَوْ تَوَثُّقُهُ بِرَهْنٍ، لِعَدَمِ ضَيَاعِ حَقِّ الْغَرِيمِ بِتَقْدِيرِ قَتْلِهِ (وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: لَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: ارْجِعْ

وَأَبِيهِ، إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ.

وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ مِنْ ضَعْفِهِمْ إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ إِلَى الْقِتَالِ، أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ وَإِنْ زَادَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلَّا فَبِرُّهُمَا» ، وَلِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ.
وَظَاهِرُهُ لَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّةُ الْآذِنِ، وَهُوَ وَجْهٌ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ.
قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ لَهُ أُمٌّ: أَتَظُنُّ سُرُورَهَا؛ فَإِذَا أَذِنَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهَا، وَإِلَّا فَلَا تَغْزُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا كَافِرَيْنِ، أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِإِذْنِهِمَا كَالْمَجْنُونَيْنِ، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَغَيْرَهُ كَانُوا يُجَاهِدُونَ بِدُونِ إِذْنِ آبَائِهِمْ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ إِلَّا فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي الْجِدِّ لِأَبٍ، فَلَوْ أَذِنَا لَهُ فِيهِ، وَشَرَطَا عَلَيْهِ عَدَمَ الْقِتَالِ وَحَضَرَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِتَالُ، وَسَقَطَ حُكْمُ الشَّرْطِ (إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) كَرِضَاهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَيَتَوَجَّهُ لَوِ اسْتَنَابَ مَنْ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ.
(وَأَبِيهِ) خَصَّ الْأَبَ وَحْدَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأُمَّ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْأَبِ، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِهِ، وَهُوَ كَلَامُ الْأَكْثَرِ (إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ) فَإِنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةً، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْمَدِينِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَظَانِّ الْقَتْلِ مِنَ الْمُبَارَزَةِ وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّلِ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِفَوَاتِ الْحَقِّ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ) لِأَنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ مُتَعَيِّنَةٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ أَحَدٍ، كَفُرُوضِ الْأَعْيَانِ.
وَأَمَّا السَّفَرُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ، قِيلَ لَهُ: فَكُلُّ الْعِلْمِ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ؛ قَالَ: الْفَرْضُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا خَاصَّةً يَطْلُبُهُ بِلَا إِذْنٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": مَنْ لَزِمَهُ التَّعَلُّمُ، وَقِيلَ: أَوْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: أَوْ نَفْلًا، وَلَا يَحْصُلُ بِبَلَدِهِ، فَلَهُ السَّفَرُ لِطَلَبِهِ بِلَا إِذْنِ أَبَوَيْهِ.

[لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ]

(وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ) وَلَوْ ظَنُّوا التَّلَفَ (الْفِرَارُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

الْكُفَّارُ، فَلَهُمُ الْفِرَارُ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الظَّفَرُ.
وَإِنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِمْ نَارٌ، فَعَلُوا

[المبدع في شرح المقنع]

﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَّ الْفِرَارَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (مِنْ ضَعْفِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَمَا فَرَّ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": لَا يَلْزَمُ ثَبَاتُ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ، وَكَلَامُ الْأَكْثَرِ بِخِلَافِهِ.
وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَأَبُو طَالِبٍ إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ إِلَى قِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 16] وَمَعْنَى التَّحَرُّفُ لِلْقِتَالِ: أَنْ يَنْحَازَ إِلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَالُ فِيهِ أَمْكَنَ كَمَنْ كَانَ فِي وَجْهِ الشَّمْسِ وَالرِّيحِ، أَوْ فِي مَكَانٍ يَنْكَشِفُ فِيهِ، فَيَنْحَرِفُ وَاحِدَةً، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ.
قَالَ: عُمَرُ يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ.
فَانْحَازُوا إِلَيْهِ وَانْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَمَعْنَى التَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ: هُوَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ مَعَهُمْ، فَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ، كَخُرَاسَانَ، وَالْحِجَازِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنِّي فِئَةٌ لَكُمْ» وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ مِنْهُ، وَقَالَ عُمَرُ: أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَجُيُوشُهُ بِالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
(وَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ) عَلَى مِثْلَيْهِمْ (فَلَهُمُ الْفِرَارُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] . شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: 66] الْآيَةَ فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعَدَدِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ مِنَ الْعَدَدِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمُ الْفِرَارُ مِنْ أَدْنَى زِيَادَةٍ، وَهُوَ أَوْلَى مَعَ ظَنِّ التَّلَفِ بِتَرْكِهِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَقِيلٍ اسْتِحْبَابَ الثَّبَاتِ لِلزَّائِدِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ (إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِمْ) أَيْ ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ (الظَّفَرُ) فَيَلْزَمُهُمُ الْمُقَامُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمُ الْفِرَارُ لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَالِ مُحْتَسِبِينَ،

مَا يَرَوْنَ السَّلَامَةَ فِيهِ، وَإِنْ شَكُّوا، فَعَلُوا مَا شَاءُوا مِنَ الْمَقَامِ أَوْ إِلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِي الْمَاءِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمُ الْمُقَامُ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَيَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْمُوَلِّينَ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَحَمَلَ ابْنُ الْمُنَجَّا كَلَامَهُ هُنَا عَلَى الْأَوْلَى، جَمْعًا بَيْنَ نَقْلِهِ وَمُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلَاكُ فَالْأَوْلَى الثَّبَاتُ وَالْقِتَالُ.
وَعَنْهُ: لُزُومًا، قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَسْتَأْسِرَ.
وَقَالَ: فَلْيُقَاتِلْ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلَّا لِأَمْرٍ شَدِيدٍ.
وَقَالَ عَمَّارٌ: مَنِ اسْتَأْسَرَ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، فَلِهَذَا قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَأْثَمُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِنِ اسْتَأْسَرُوا جَازَ.
قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ". تَنْبِيهٌ: إِذَا نَزَلَ الْعَدُوُّ بِبَلَدٍ فَلِأَهْلِهِ التَّحَصُّنُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ وَقُوَّةٌ، وَلَا يَكُونُ تَوَلِّيًا، وَلَا فِرَارًا (وَإِنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِمْ نَارٌ) وَاشْتَعَلَ بِهِمْ (فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ السَّلَامَةَ فِيهِ) لِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ وَاجِبٌ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَهُنَا كَذَلِكَ (وَإِنْ شَكُّوا فَعَلُوا مَا شَاءُوا مِنَ الْمُقَامِ، أَوْ إِلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِي الْمَاءِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُمُ ابْتُلُوا بِأَمْرَيْنِ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَظَنِّ السَّلَامَةِ فِي الْمَقَامِ، وَالْوُقُوعِ فِي الْمَاءِ ظَنًّا مُتَسَاوِيًا؛ لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُمَا مَرْتَبَتَانِ فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا.
(وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمُ الْمُقَامُ) نَصَرَهُمَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ كَانَ مَوْتُهُمْ بِفِعْلِهِمْ، وَإِنْ أَقَامُوا فَمَوْتُهُمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهَا، وَصَحَّحَ فِي " النِّهَايَةِ " الْأُولَى، وقَالَ: لِأَنَّهُمْ مُلْجَأُونَ إِلَى الْإِلْقَاءِ، فَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمُ الْفِعْلُ بِوَجْهٍ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُخَلِّصُهُمْ.

فَصْلُ وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ، وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَقَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ، وَهَدْمُ حُصُونِهِمْ وَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ نَحْلٍ وَلَا تَغْرِيقُهُ، وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ وَلَا شَاةٍ إِلَّا لِأَكْلٍ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

[يَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَقَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ وَهَدْمُ حُصُونِهِمْ]

فَصْلٌ وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ لِمَا رَوَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ عَنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؛ فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى تَبْيِيتِهِمْ: كَبْسُهُمْ لَيْلًا وَقَتْلُهُمْ، وَهُمْ غَارُّونَ.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ قَتَلَ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ إِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ (وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا، وَنَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَلِأَنَّ الرَّمْيَ بِهِ مُعْتَادٌ كَالسِّهَامِ.
وَظَاهِرُهُ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.
وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ.
(وَقَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ) وَكَذَا السَّابِلَةُ.
(وَهَدْمُ حُصُونِهِمْ) وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " هَدْمُ عَامِرِهِمْ، وَهُوَ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إِضْعَافُهُمْ وَإِرْهَابُهُمْ، لِيُجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: فِيهِ رِوَايَتَانِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي يُلْقَى فِي نَهْرِهِمْ سُمٌّ لَعَلَّهُ يَشْرَبُ مِنْهُ مُسْلِمٌ، وَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ نَحْلِ بِالْمُهْمَلَةِ (وَلَا تَغْرِيقُهُ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ بِأَشْيَاءَ.
قَالَ: «إِذَا غَزَوْتَ فَلَا تُحْرِقْ نَحْلًا، وَلَا تُغْرِقْهُ» ، وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَحْوَهُ، وَلِأَنَّ قَتْلَهُ فَسَادٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: 205] الْآيَةَ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ فَلَا يَجُوزُ إِهْلَاكُهُ لِغَيْظِهِمْ كَنِسَائِهِمْ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعَسَلِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ، وَفِي أَخْذِ كُلِّ شَهْدِهِ بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ لِلنَّحْلِ شَيْءٌ رِوَايَتَانِ (وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ وَلَا شَاةٍ إِلَّا لِأَكْلٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ) أَمَّا عَقْرُ دَوَابِّهِمْ لِغَيْرِ الْأَكْلِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرْبِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، إِذْ قَتْلُ بَهَائِمِهِمْ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، لَمْ يَجُزْ

وَفِي إِحْرَاقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ إِنْ لَمْ يَضُرَّ

[المبدع في شرح المقنع]

لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا.
وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " جَوَازَ ذَلِكَ.
مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْقِتَالِ كَالْخَيْلِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " بِشَرْطِ عَجْزِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ سِيَاقِهِ وَأَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ إِيصَالُهُ إِلَى الْكُفَّارِ لِلْبَيْعِ، فَتَرْكُهُ لَهُمْ بِلَا عِوَضٍ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَعَكْسُهُ أَشْهَرُ.
وَفِي " الْبُلْغَةِ " يَجُوزُ قَتْلُ مَا قَاتَلُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَأَمَّا عَقْرُهَا لِلْأَكْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، فَيُبَاحُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لَا يُرَادُ إِلَّا لِلْأَكْلِ كَالدَّجَاجِ وَسَائِرِ الطَّيْرِ؛ فَحُكْمُهُ كَالطَّعَامِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْقِتَالِ، كَالْخَيْلِ، لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ لِلْأَكْلِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَخْتَارُ عَقْرَهَا لِغَيْرِ الْأَكْلِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، لَمْ يُبَحْ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إِبَاحَتُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَالطَّعَامِ، وَاسْتَثْنَى فِي الْمُغْنِي مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ". فَرْعٌ: إِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُ مَتَاعٍ فَتُرِكَ، وَلَمْ يُشْتَرَ، فَلِلْإِمَامِ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِحْرَاقُهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا.
وَإِلَّا حَرُمَ إِذَا جَازَ اغْتِنَامُهُ حَرُمَ إِتْلَافُهُ، وَإِلَّا جَازَ إِتْلَافُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ نَقْلِهِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، أَخَذَهُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقُلْ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَيَجِبُ إِتْلَافُ كُتُبِهِمُ الْمُبَدَّلَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ". (وَفِي إِحْرَاقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ) . قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قال الزركشي وَهُوَ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الحشر: 5] الْآيَةَ وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْآيَةَ» ، وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

بِالْمُسْلِمِينَ، وَالْأُخْرَى: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أَوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ بِنَا، وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ.
وَإِذَا ظَفِرَ بِهِمْ لَمْ يَقْتُلْ صَبِيّ وَلَا امْرَأَة وَلَا رَاهِب،

[المبدع في شرح المقنع]

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَزَادَ: وَلَا نَفَعَ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِبَقَائِهِ لِعُلُوفِهِمْ أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (وَالْأُخْرَى لَا يَجُوزُ) لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِتْلَافًا مَحْضًا، فَلَمْ يَجُزْ كَعَقْرِ الْحَيَوَانِ (إِلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ) كَالَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ، وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، وَيَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَزَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَوْ يُحْتَاجُ إِلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ، أَوْ يُمَكِّنُ مِنْ قِتَالٍ، أَوْ سَدِّ شَقٍّ، أَوْ سِتَارَةِ مَنْجَنِيقٍ.
(أَوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ بِنَا) فَنَفْعَلُهُ بِهِمْ، قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّهُمْ يُكَافَئُونَ عَلَى فِعْلِهِمْ.
وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ) أَيْ فِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ؛ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُكَافَأَتُهُمْ، وَإِقَامَةُ كَلِمَةِ الْحَقِّ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَيْهِ جَازَ كَالْقَتْلِ، لَكِنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ تَحْرِيقُهُمْ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَعِنْدَ الْعَجْزِ: يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي فَتْحِ الثُّقُوبِ لِتَغْرِقهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ؛ أَمَّا النَّارُ فَلَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ - تَعَالَى - وَأَمَّا الْمَاءُ فَلِأَنَّ الْإِتْلَافَ بِهِ يَعُمُّ النِّسَاءَ، وَالذُّرِّيَّةَ مَعَ أَنَّ عَنْهُ وَجْهًا، لَكِنْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِنَا، جَازَ.
(وَإِذَا ظَفِرَ بِهِمْ لَمْ يَقْتُلْ صَبِيًّا) لَمْ يَبْلُغْ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ؛ فَفِي قَتْلِهِ إِتْلَافُ الْمَالِ فَإِنْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِ عَوَّلَ عَلَى شَعَرِ عَانَتِهِ.
قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ". (وَلَا امْرَأَةً) لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْخُنْثَى كَهِيَ.
(وَلَا رَاهِب) فِي صَوْمَعَتِهِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا يُخَالِطُ

وَلَا شَيْخ فَان وَلَا زَمِن وَلَا أَعْمَى إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا؛ فَإِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ جَازَ رَمْيُهُمْ،

[المبدع في شرح المقنع]

النَّاسَ لِقَوْلِ عُمَرَ: سَتَمُرُّونَ عَلَى قَوْمٍ فِي صَوَامِعَ لَهُمُ، احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعُوهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمُ اللَّهُ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ.
(وَلَا شَيْخ فَان) فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190] : لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ.
وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْرِفُ حُجَّةً فِي تَرْكِ قَتْلِ الشُّيُوخِ يُسْتَثْنَى بِهَا عُمُومُ قَوْلِهِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَيُقْتَلُ كَالشَّابِّ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِهِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ قَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ، وَخَبَرُنَا خَاصٌّ بِالْهَرِمِ فَيُقَدَّمُ.
(وَلَا زَمِن وَلَا أَعْمَى) كَالشَّيْخِ الْفَانِي لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي عَدَمِ النِّكَايَةِ.
زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَعَبْدٌ وَفَلَّاحٌ.
وَفِي " الْإِرْشَادِ ": وَخبْرٌ، لَا رَأْيَ لَهُمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ ذَا رَأْيٍ، وَخَصَّهُ فِي " الشَّرْحِ " بِالرِّجَالِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، جَازَ؛ لِأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ شَيْخٌ لَا قِتَالَ فِيهِ لِأَجْلِ اسْتِعَانَتِهِمْ بِرَأْيِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَهُ، وَلِأَنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ عَلَى الْحَرْبِ، وَرُبَّمَا كَانَ أَبْلَغَ فِي الْقِتَالِ.
قَالَ الْمُتَنَبِّي: الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ، وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسٍ حُرَّةٍ ... بَلَغَتْ مِنَ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانٍ (إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً أَلْقَتْ رَحًى عَلَى مَحْمُودِ بْنِ سَلَمَةَ» ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي، فَسَكَتَ» . وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَدَّى إِلَى تَلَفِ قَاتِلِهِ، زَادَ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ: أَوْ يُحَرِّضُوا عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا انْكَشَفَتْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَشَتَمَتْهُمْ

وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ.
وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ إِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَيَرْمِيهِمْ وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ.
وَمِنْ أَسَرَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ إِلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْمَسِيرِ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ إِكْرَاهُهُ.

وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ

[المبدع في شرح المقنع]

رُمِيَتْ قَصْدًا.
وَظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ خِلَافُهُ.
وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهَا مِمَّنْ مَنَعْنَا قَتْلَهُ كَهِيَ.
(فَإِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ) أَيْ: بِمَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ (جَازَ رَمْيُهُمْ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَفِيهِمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَلِأَنَّ كَفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ حِينَئِذٍ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً أَوْ لَا (وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ.
(وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ) كَأَنْ تَكُونَ الْحَرْبُ غَيْرَ قَائِمَةٍ، أَوْ لِإِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ، أَوْ لِلْأَمْنِ مِنْ شَرِّهِمْ (إِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) مِثْلَ كَوْنِ الْحَرْبِ قَائِمَةً أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِالرَّمْيِ (فَيَرْمِيهِمْ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِلضَّرُورَةِ.
(وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ) بِالرَّمْيِ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، فَلَوْ لَمْ يَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِالرَّمْيِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ لَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ والليث لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: 25] الْآيَةَ قَالَ اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْنٍ يَقْدِرُ عَلَى فَتْحِهِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي حَالَ قِيَامِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": يَجِبُ الرَّمْيُ وَيُكَفِّرُ وَلَا دِيَةَ.
فَرْعٌ: إِذَا نَازَلَ الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ، فَقَالُوا: ارْحَلُوا عَنَّا وَإِلَّا قَتَلْنَا أَسْرَاكُمْ، قَالَ أَحْمَدُ: فَيَرْحَلُوا عَنْهُمْ.
(وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ (حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ) فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ فِي أَمْرِ الْأَسِيرِ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ (إِلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْمَسِيرِ مَعَهُ) فَلَهُ إِكْرَاهُهُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُمْكِنُهُ إِكْرَاهُهُ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَهُ قَتْلُهُ، فَإِنِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

امْتَنَعَ مِنَ الِانْقِيَادِ مَعَهُ لِجُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَهُ قَتْلُهُ.
وَعَنِ الْوَقْفِ فِي الْمَرِيضِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يُخَلِّيهِ وَلَا يَقْتُلُهُ.
وَيَحْرُمُ قَتْلُ أَسِيرِ غَيْرِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ جَوَازَ قَتْلِهِ لِمَصْلَحَةٍ كَقَتْلِ بِلَالٍ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَسِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ خَالَفَ، وَفَعَلَ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ رَجُلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا، عَاقَبَهُ الْأَمِيرُ، وَغَرَمَ ثَمَنَهُ غَنِيمَةً؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ.

[حُكْمُ الْأَسْرَى]

(وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ رِجَالَ قُرَيْظَةَ، وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ وَالسَّبْعِمِائَةٍ، وَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَفِيهِ تَقُولُ أُخْتُهُ: مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ، وَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ» . وَالِاسْتِرْقَاقُ «لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا قَالَ: وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فَبِالرِّقِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي صَغَارِهِمْ.
فَرْعٌ: لَا يُبْطِلُ الِاسْتِرْقَاقُ حَقًّا لِمُسْلِمٍ.
قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يُسْقِطُ حَقَّ قَوْدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَفِي سُقُوطِ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِضَعْفِهَا بِرِقِّهِ كَذِمَّةِ مَرِيضٍ احْتِمَالَانِ.
وَفِي " الْبُلْغَةِ ": يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ إِلَّا أَنْ يَغْنَمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ فَيَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهُ فَيَكُونُ رِقُّهُ كَمَوْتِهِ؛ وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ حُلُولُهُ بِرِقِّهِ، وَإِنْ غُنِمَا مَعًا فَهُمَا لِلْغَانِمِ، وَدَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ.
(وَالْمَنُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِبَالِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ فَأَخَذَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: 24] الْآيَةَ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّ

وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ أَوْ مَالٍ.
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بِمَالٍ إِلَّا غَيْرُ الْكِتَابِيِّ، فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَّ عَلَى أَبِي عُرْوَةَ الشَّاعِرِ، وَعَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَعَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ (وَالْفِدَاءُ) لِلْآيَةِ، وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ جَائِزٌ (بِمُسْلِمٍ) بِلَا نِزَاعٍ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَغَيْرِهِ (أَوْ بِمَالٍ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَادَى أَهْلَ بَدْرٍ بِالْمَالِ بِلَا رَيْبٍ.
(وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ) بِالْمَالِ.
وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَجْهًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمُ السِّلَاحَ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَبَيْعُ أَنْفُسِهِمْ أَوْلَى، وَهَذَا التَّخْيِيرُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُقَاتِلَةِ الْأَحْرَارِ.
ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، فَإِنْ كَانُوا أَرِقَّاءَ فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَتْلِهِمْ، وَتَرْكِهِمْ غَنِيمَةً كَالْبَهَائِمِ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ، وَالذُّرِّيَّةُ فَيَصِيرُونَ أَرِقَّاءَ بِنَفْسِ السَّبْيِ؛ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ، وَكَانَ يَسْتَرِقُّهُمْ إِذَا سَبَاهُمْ.
وَمَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَالزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالْأَعْمَى، فَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِمْ، وَعَدَمِ النَّفْعِ فِي اقْتِنَائِهِمْ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي ": يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الشَّيْخِ وَالزَّمِنِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، فَقَالَ: كُلُّ مَنْ لَا يُقْتَلُ كَأَعْمَى وَغَيْرِهِ، يَرِقُّ بِنَفْسِ السَّبْيِ، وَتَوَسَّطَ الْمَجْدُ فَجَعَلَ مَنْ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ هَؤُلَاءِ حُكْمَهُ حُكْمَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، إِذِ الزَّمِنُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَاطُورًا، وَالْأَعْمَى يَنْفُخُ فِي كِيرِ الْحَدَّادِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّفْعُ الْمُطْلَقُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَسْرِهِ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تَخْيِيرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهِ.

رِوَايَتَانِ.
وَلَا يَجُوزُ إِلَّا الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَسْلَمُوا، رَقُّوا فِي الْحَالِ.
وَمَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَمُسْلِمٍ أَصْلِيٍّ فِي قَوْدٍ وِدْيَةٍ، لَكِنْ لَا قَوْدَ مَعَ شُبْهَةِ التَّأْوِيلِ، وَفِي الدِّيَةِ الْخِلَافُ كَبَاغٍ.
وَالتَّخْيِيرُ السَّابِقُ ثَابِتٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ، فَقَالَ فِيهِ: (إِلَّا غَيْرَ الْكِتَابِيِّ فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَإِلَيْهَا مَيْلُ الْمُؤَلِّفِ وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " كَغَيْرِهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهَا الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْبُلْغَةِ ". قَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ السَّيْفُ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يَدُلُّ هَذَا عَلَى مُفَادَاتٍ وَمَنٍّ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ فَلَمْ يُسْتَرَقَّ كَالْمُرْتَدِّ، وَالْمُؤَلِّفُ تَبِعَ أَبَا الْخَطَّابِ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمَجْدُ جَعَلَ مَنَاطَ الْحُكْمِ فِيمَنْ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ.
فَعَلَى قَوْلِهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يَجْرِي فِيهِمُ الْخِلَافُ، لِعَدَمِ أَخْذِهَا مِنْهُمْ.
وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ مَوْلَى مُسْلِمٍ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ تَفْوِيتَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ بِخِلَافِ وَلَدِهِ الْحَرْبِيِّ لِبَقَاءِ نَسَبِهِ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِذِمِّيٍّ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ كَغَيْرِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الْأَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ هَذَا تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٌ لَا تَشَهٍّ؛ فَمَتَى رَأَى مَصْلَحَةً فِي خَصْلَةٍ لَزِمَهُ فِعْلُهَا.
وَفِي " الرَّوْضَةِ " يُنْدَبُ، وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لَهُمْ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ مَا فِيهِ الْأَصْلَحُ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ.
وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَسْرَى؛ فَالْقَوِيُّ قَتْلُهُ أَصْلَحُ، وَلَا يُمَثَّلُ بِهِ، وَعَنْهُ: بَلَى إِنْ فَعَلَوْهُ، وَالضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ فِدَاؤُهُ أَصْلَحُ، وَمَنْ لَهُ رَأْيٌ حَسَنٌ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ، وَمَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ، فَاسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ، وَإِنْ تَرَدَّدَ نَظَرُهُ، فَقَتْلُهُ أَوْلَى.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْإِمَامِ عَمَلَ الْمَصْلَحَةِ فِي مَالٍ وَغَيْرِهِ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَهْلِ مَكَّةَ.
فَرْعٌ: مَنِ اسْتُرِقَّ أَوْ فُودِيَ بِمَالٍ، كَانَ لِلْغَانِمِينَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(فَإِنْ أَسْلَمُوا،

سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا، وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ.
وَإِنْ سُبِيَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا انْفَسَخَ

[المبدع في شرح المقنع]

رَقُّوا فِي الْحَالِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَرُمَ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» وَهَذَا مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، فَصَارَ رَقِيقًا، كَالْمَرْأَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ قَتْلُهُ.
وَيُتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ ذَلِكَ حَالَ كُفْرِهِمْ فَفِي حَالِ إِسْلَامِهِمْ أَوْلَى، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَزُولُ حُكْمُ التَّخْيِيرِ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إِلَى الْكُفَّارِ.
وَزَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": إِلَّا أَنْ تَمْنَعَهُ عَشِيرَةٌ، وَنَحْوُهَا.
1 - (وَمَنْ سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ) وَلَوْ مُمَيِّزًا (مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ) لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ انْقَطَعَتْ فَيَصِيرُ تَابِعًا لِسَابِيهِ فِي دِينِهِ، وَعَنْهُ: كَافِرٌ كَمَا لَوْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ مَعَ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَى عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَجَعَلَ التَّبَعِيَّةَ لِأَبَوَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ انْقَطَعَتِ التَّبَعِيَّةُ، وَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الْفِطْرَةِ.
وَعَنْهُ: يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي النَّسَبِ، فَكَذَا فِي الدِّينِ.
وَعَنْهُ: يَتْبَعُ الْمَسْبِيَّ مَعَهُ مِنْهُمَا.
اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ.
(وَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ، فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ بَاقِيَةٌ.
وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دَارِهِمَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَتَبِعَ سَابِيَهُ الْمُسْلِمَ.
فَرْعٌ: يَتْبَعُ الطِّفْلُ سَابِيًا ذِمِّيًّا كَمُسْلِمٍ، وَقِيلَ: إِنْ سُبِيَ مُفْرَدًا فَمُسْلِمٌ.
وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ، وَالْفَضْلُ: يَتْبَعُ مَالِكًا مُسْلِمًا كَسَبْيٍ.
اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ

نِكَاحُهَا، وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا.
وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ مَنِ اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا يُفَرَّقُ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ ذَوِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِذَا حَصَرَ

[المبدع في شرح المقنع]

بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ) وَبِسَبْيِهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ مَعْنًى لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَقْطَعِ اسْتِدَامَتَهُ كَالْعِتْقِ.
وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ: الْمُزَوَّجَاتُ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] بِالسَّبْيِ، وَهَذَا إِذَا تَعَدَّدَ سَابِيهَا.
قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْبِيَهَا رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
(وَإِنْ سُبِيَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَعَنْهُ: لَا يَنْفَسِخُ، قَدَّمَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " كَزَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا) لِلْآيَةِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ، وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي قَوْمِهِنَّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 24] الْآيَةَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا سُبِيَ مُنْفَرِدًا أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا سُبِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يُفَرَّقْ.
(وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ مَنِ اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . أَظْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْتَرُوا مِمَّا سَبَى الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ يَنْهَى أُمَرَاءَ الْأَمْصَارِ عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لِلْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ سَبْيَ بَنِي قُرَيْظَةَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنِ ابْتِدَائِهِ كَالْمُسْلِمِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِي الْبَالِغِ دُونَ الصِّغَارِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ، وَكَذَا الْخِلَافُ بِمُفَادَاتِهِ بِمَالٍ.
(وَلَا يُفَرَّقُ فِي الْبَيْعِ) وَلَا فِي الْقِسْمَةِ (بَيْنَ ذَوِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ) قَبْلَ الْبُلُوغِ

الْإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ

[المبدع في شرح المقنع]

أَمَّا فِي الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، فَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحْبَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ رَضِيَتِ الْأُمُّ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَرْضَى بِمَا فِيهِ ضَرَرُهَا، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ قَلْبُهَا فَتَنْدَمُ، وَحُكْمُ الْأَبِ مَعَ وَلَدِهِ كَالْأُمِّ وَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ كَهُمَا لِقِيَامِهمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْحَضَانَةِ، فَقَامَا مَقَامَهُمَا فِي تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ، وَكَذَا يَحْرُمُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَعُمُومُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، كَالْعَمَّةِ، وَابْنِ أَخِيهَا.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوْلَى جَوَازُ التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حِلُّ الْبَيْعِ وَالتَّفْرِيقِ، وَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُهُمْ بِمَنْ سَبَقَ (إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا.
قِيلَ: إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ، وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ» ، وَلِأَنَّ الْأَحْرَارَ يَتَفَرَّقُونَ بِالتَّزْوِيجِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَالْعَبِيدُ أَوْلَى.
وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَةَ تَتَضَرَّرُ بِمُفَارَقَةِ وَلَدِهَا، وَلِهَذَا حَرُمَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَعَلَى الْمَنْعِ فَيُسْتَثْنَى التَّفْرِيقُ بِالْعِتْقِ، وَافْتِدَاءُ الْأَسْرَى، وَسَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ إِذَا مَلَكَ أُخْتَيْنِ.
1 - (وَإِذَا حَصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَ مُصَابَرَتُهُ) مَهْمَا أَمْكَنَ (إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا) لِأَنَّ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الِانْصِرَافِ جَازَ.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ لِانْصِرَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حِصْنِ الطَّائِفِ قَبْلَ فَتْحِهِ، وَبِهِ يَزُولُ اللُّزُومُ.
وَبِالْإِسْلَامِ، وَبِبَذْلِ الْمَالِ عَلَى الْمُوَادَعَةِ، سَوَاءٌ أَعْطَوْهُ جُمْلَةً، أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ، وَبِالْفَتْحِ، وَبِالنُّزُولِ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَبِالْهُدْنَةِ بِشَرْطِهَا.
(فَإِنْ

أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ.
وَإِنْ سَأَلُوهُ الْمُوَادَعَةَ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، جَازَ إِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ، وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، جَازَ إِذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَلَا يَحْكُمْ إِلَّا بِمَا فِيهِ الْأَحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ

[المبدع في شرح المقنع]

أَسْلَمُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ (أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ) فَكَمُسْلِمٍ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» . . . . الْخَبَرَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ حَيْثُ كَانَ، وَمَنْفَعَةُ إِجَارَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ (وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ) لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَحَمْلُ امْرَأَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ حُرًّا مُسْلِمًا، وَالْمَجْنُونُ كَصَغِيرٍ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْصِمُ أَوْلَادَهُ الْكِبَارَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَتْبَعُونَهُ، وَلَا زَوْجَتَهُ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ سَأَلُوهُ الْمُوَادَعَةَ) وَهِيَ الْمُصَالَحَةُ، وَالْمُسَالَمَةُ (بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، جَازَ إِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ إِعْلَاءُ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَصَغَارُ الْكَفَرَةِ؛ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْمُوَادَعَةِ، فَيَجِبُ كَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ، وَشَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي عَقْدِهَا بِغَيْرِ مَالٍ عَجْزَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِضْرَارَهُمْ بِالْمُقَامِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الِانْصِرَافِ.
(وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ جَازَ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ إِذَا نَزَلُوا لَزِمَهُ أَنْ يُنْزِلَهُمْ، وَخُيِّرَ كَأَسْرَى.
وَالْكَلَامُ فِي مَقَامَيْنِ فِي صِفَةِ الْحَاكِمِ، فَقَالَ: (إِذَا كَانَ حُرًّا مسلما بالغا عَاقِلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ أَشْبَهَ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْبُلْغَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " بِخِلَافِ الْقَضَاءِ لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِيَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالشَّاهِدَ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَا مُجْتَهِدًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا فِي الْجِهَادِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمَا، وَتَرَكَ قَيْدَ الذُّكُورِيَّةِ وَالْعَدَالَةِ لِوُضُوحِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلَيْنِ فَأَكْثَرَ، جَازَ، وَالْحُكَمُ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ؛ فَلَوْ جَعَلُوا الْحُكْمَ عَلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ، صَحَّ؛ فَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَوْ جَعَلُوا

وَالْفِدَاءِ فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ، لَزِمَ قَبُولُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبْيٍ، فَأَسْلَمُوا، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ.
وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ.

[المبدع في شرح المقنع]

التَّعْيِينَ إِلَيْهِمْ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا غَيْر الْأَصْلَحِ.
ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ.
الثَّانِي: فِي صِفَةِ الْحُكْمِ فَقَالَ: (وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ الْأَحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ فَقَامَ مَقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ الْأَحَظِّ فِي الْأَسْرَى؛ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ لَازِمٌ.
(مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ) لِأَنَّ سَعْدًا حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِقَتْلِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ أَرْقِعَةٍ» . (وَالْفِدَاءِ) لِمَا سَبَقَ فِي الْإِمَامِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَاشْتُرِطَ فِيهِ التَّرَاضِي.
وَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ إِجْبَارَ الْأَسِيرِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ (فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ لَزِمَهُ قَبُولُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ، كَهُوَ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَبَاهُ الْإِمَامُ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ.
قَالَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَقِيلَ: فِي الْمُقَاتِلَةِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالذُّرِّيَّةِ لِأَنَّهُمَا غَنِيمَةٌ، فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ تَرْكُهَا مَجَّانًا، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الْبُلْغَةِ ": لَوْ حَكَمَ بِأَسْرٍ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ بِإِطْلَاقِهِمْ إِلَّا بِرِضَا الْغَانِمِينَ (وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبْيٍ، فَأَسْلَمُوا) بَعْدَ الْحُكْمِ (عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ) لِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَعْصِمُونَ أَمْوَالَهُمْ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ، وَكَذَا سَبْيُهُمْ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ ". (وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْبُلْغَةِ " وَفِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ "

بَابُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ يَلْزَمُ الْإِمَامَ عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ يَمْنَعُهُ مِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَغَيْرِهِمَا رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ.
قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَوُجُوبِ قَتْلِهِمْ، كَالْأَسِيرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ قَتْلَهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَالُ عَلَى مَا حُكِمَ فِيهِ، فَإِنَّ حُكِمَ بِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، كَانَ غَنِيمَةً، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْقَهْرِ.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ تَغْيِيرُ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ مِمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهِ، فَلَا يَقْتُلُ مَنْ حَكَمَ بِرِقِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مِنَ الرِّقِّ، وَفِيهِ إِتْلَافُ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ رِضَا الْغَانِمِينَ، وَلَا رِقُّ مَنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْخِلُ الضّرر عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِبَقَائِهِمْ، وَلَا رِقُّ وَلَا قَتْلُ مَنْ حَكَمَ بِفِدَائِهِ لِأَنَّهُمَا أَشَدُّ مِنَ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ لُزُومِهِ، وَلَهُ الْمَنُّ إِلَّا أَنَّهُ أَخَفُّ مِمَّا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ فَإِذَا رَآهُ الْإِمَامُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَتَمُّ نَظَرًا، وَكَالِابْتِدَاءِ، وَقَبُولِ الْفِدَاءِ مِمَّنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ أَوْ رِقِّهِ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بِرِضَا الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَإِذَا رَضِيَ بِشِرْكِهِ، جَازَ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.

[بَابُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ]

َ. يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ إِخْلَاصُ النِّيَّةَ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي الطَّاعَاتِ، وَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ سِرًّا بِحُضُورِ قَلْبٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَابُ مَا يُدْعَى عِنْدَ اللِّقَاءِ.
ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا غَزَا قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي، وَنَصِيرِي بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أُصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَقُولُهُ عِنْدَ قَصْدِ مَجْلِسِ عِلْمٍ.
(يَلْزَمُ الْإِمَامَ) وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ (عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْجَيْشِ فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ كَبَقِيَّةِ الْمَصَالِحِ، فَيَخْتَارُ مِنَ الرِّجَالِ مَا فِيهِ غِنًى، وَمَنْفَعَةٌ لِلْحَرْبِ، وَمُنَاصَحَةٌ، وَمِنَ الْخَيْلِ مَا فِيهِ قُوَّةٌ، وَصَبْرٌ عَلَى الْحَرْبِ، وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الرُّكُوبِ وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ.
(فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ) كَالْفَرَسِ إِذَا كَانَ حَطِمًا، وَهُوَ الْكَسِيرُ أَوْ

الدُّخُولِ وَيَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ وَالْمُرْجِفَ وَالنِّسَاءَ إِلَّا طَاعِنَةً فِي السِّنِّ لِسَقْيِ الْمَاءِ وَمُعَالَجَةِ

[المبدع في شرح المقنع]

قَحِمًا، وَهُوَ الْكَبِيرُ، أَوْ ضَرِعًا وَهُوَ الصَّغِيرُ أَوْ هَزِيلًا.
وَكَالرَّجُلِ إِذَا كَانَ زَمِنًا أَوْ أَشَلَّ أَوْ مَرِيضًا.
(يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ) لِئَلَّا يَنْقَطِعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ كَلًّا عَلَى الْجَيْشِ، وَمُضَيِّقًا عَلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْهَزِيمَةِ.
(وَيَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ) وَهُوَ الَّذِي يُفَنِّدُ النَّاسَ عَنِ الْغَزْوِ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ (وَالْمُرْجِفُ) وَهُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِقُوَّةِ الْكُفَّارِ وَضَعْفِنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: 47] الْآيَةَ وَكَذَا يُمْنَعُ مُكَاتِبٌ بِأَخْبَارِنَا، وَرَامٍ بَيْنَنَا بِالْفِتَنِ، وَمَعْرُوفٌ بِنِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَزِمَ الْإِمَامَ مَنْعُهُمْ، إِزَالَةً لِلضَّرَرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِمْ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا يُمْنَعُ صَبِيٌّ.
وَعِبَارَةُ " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي " وَ " الْبُلْغَةِ " طِفْلٌ.
وَفِي " الشَّرْحِ " يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لِمَنِ اشْتَدَّ مِنَ الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْفَعَةً، وَمَعُونَةً (وَالنِّسَاءِ) لِلِافْتِتَانِ بِهِنَّ مَعَ أَنَّهُنَّ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، لِاسْتِيلَاءِ الْخَوْفِ وَالْجُبْنِ عَلَيْهِنَّ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ، فَيُحِلُّونَ مِنْهُنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ امْرَأَةَ أَمِيرِ الْجَيْشِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِلَّا طَاعِنَةً فِي السِّنِّ) أَيْ: عَجُوزًا (لِسَقْيِ الْمَاءِ وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى) أَيْ: لِلْمَصْلَحَةِ لِقَوْلِ «الرَّبِيعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسْتقِي الْمَاءَ، وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَنَسٍ مَعْنَاهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ يَشْتَغِلُونَ بِالْحَرْبِ عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَوْفِيرًا لِلْمُقَاتِلَةِ.
وَنَهْيُ النِّسَاءِ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَصَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْكَرَاهَةِ.

الْجَرْحَى.
وَلَا يَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَيَرْفُقُ بِهِمْ فِي الْمَسِيرِ، وَيُعِدُّ لَهُمُ الزَّادَ، وَيُقَوِّي نُفُوسَهُمْ بِمَا يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَيُعَرِّفُ عَلَيْهِمُ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَلَا يَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمِنُ مكْره، وَغَائِلَتُهُ لِخُبْثِ طَوِيَّتِهِ، وَالْحَرْبُ تَقْتَضِي الْمُنَاصَحَةَ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا (عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي حَرْبِهِ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَيُرْوَى أَيْضًا أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَبِهَذَا حَصَلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا يُسْتَعَانُ بِهِمْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، مِثْلَ كَوْنِ الْكُفَّارِ أَكْثَرَ عَدَدًا وَيَخَافُ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ مَعَ حُسْنِ رَأْيٍ فِي الْمُسْلِمِينَ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَزَادَ آخَرُونَ: وَقَوَّتُهُ بِهِمْ بِالْعَدِّ.
وَفِي " الْوَاضِحِ " رِوَايَتَانِ: الْجَوَازُ، وَعَدَمُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَبَنَاهُمَا عَلَى الْإِسْهَامِ لَهُ، وَرَدَّهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَخْتَلِفُ أَنَّهُ لَا يُسْتَعَانُ بِهِمْ، وَلَا يُعَاوِنُونَ.
وَأَخَذَ الْقَاضِي مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِعَانَةِ تَحْرِيمَهَا فِي الْعِمَالَةِ وَالْكِتَابَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ دِيوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": يُكْرَهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ.
فَرْعٌ: تَحْرُمُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ أَعْظَمُ ضَرَرًا لِكَوْنِهِمْ دُعَاةً بِخِلَافِ الْيَهُودِ والنصارى نَصَّ عَلَى ذَلِكَ (وَيَرْفُقُ بِهِمْ فِي الْمَسِيرِ) فَيَسِيرُ بِهِمْ سَيْرَ أَضْعَفِهِمْ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمِيرُ الْقَوْمِ أَفْطَفُهُمْ» أَيْ: أَقَلُّهُمْ سَيْرًا، وَلِئَلَّا يَنْقَطِعَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، أَوْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْجِدِّ فِيهِ، جَازَ، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَكْرَهُ السَّيْرَ الشَّدِيدَ إِلَّا لِأَمْرٍ يَحْدُثُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَدَّ حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8] . لِيَشْغَلَ النَّاسَ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ.
(وَيُعِدُّ لَهُمُ الزَّادَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَبِهِ قِوَامُهُمْ، وَرُبَّمَا طَالَ سَفَرُهُمْ فَيَهْلَكُونَ حَيْثُ لَا زَادَ لَهُمْ.
(وَيُقَوِّي نُفُوسَهُمْ بِمَا يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ) فَيَقُولُ: أَنْتُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَشَدُّ أَبْدَانًا، وَأَقْوَى قُلُوبًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَسْتَعِينُ بِهِ النُّفُوسُ عَلَى الْمُصَابَرَةِ، وَيَبْعَثُهَا عَلَى

الْعُرَفَاءَ، وَيَعْقِدُ لَهُمُ الْأَلْوِيَةَ، وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ بِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَيَتَخَيَّرُ لَهُمُ الْمَنَازِلَ وَيَتَتَبَّعُ مَكَامِنَهَا، فَيَحْفَظُهَا، وَيَبُثُّ الْعُيُونَ عَلَى الْعَدُوِّ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ، وَيَمْنَعُ جَيْشَهُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْمَعَاصِي، وَيَعِدُ ذَا الصَّبْرِ بِالْأَجْرِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْقِتَالِ لِطَمَعِهَا فِي الْعَدُوِّ (وَيُعَرِّفُ عَلَيْهِمُ الْعُرْفَاءَ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّفَ عَامَ خَيْبَرَ عَلَى كُلِّ عَشْرَةٍ عَرِيفًا، وَلِأَنَّهُ يَنْظُرُ فِي حَالِهِمْ، وَيَتَفَقَّدُهُمْ، وَهُوَ أَقْرَبُ أَيْضًا لِجَمْعِهِمْ وَقَدْ وَرَدَ «الْعِرَافَةُ حَقٌّ» ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةَ النَّاسِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «الْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ» فَتَحْذِيرٌ لِلتَّعَرُّضِ لِلرِّيَاسَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِحَقِّهَا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ (وَيَعْقِدُ لَهُمُ الْأَلْوِيَةَ) وَهِيَ الْمَطَارِفُ الْبِيضُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ اللِّوَاءُ: رَايَةٌ لَا يَحْمِلُهَا إِلَّا صَاحِبُ جَيْشِ الْعَرَبِ، أَوْ صَاحِبُ دَعْوَةِ الْجَيْشِ.
وَهِيَ أَعْلَامٌ مُرَبَّعَةٌ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ حِينَ أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ احْتَبِسْهُ عَلَى الْوَادِي حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا، قَالَ: فَحَبَسْتُهُ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَرَّتْ بِهِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا» . وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا نَزَلَتْ بِالنَّصْرِ؛ نَزَلَتْ مُسَوَّمَةً بِهَا، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَكُونُ بِأَيِّ لَوْنٍ شَاءَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يُسْتَحَبُّ أَلْوِيَةٌ بِيضٌ، وَفِي " الشَّرْحِ " كَالْمُحَرَّرِ، وَزَادَ: يُغَايِرُ أَلْوَانَهَا، لِيَعْرِفَ كُلُّ قَوْمٍ رَايَتَهُمْ.
(وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ بِهِ) عِنْدَ الْحَرْبِ لِمَا رَوَى سَلَمَةُ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ شِعَارُنَا: أَمُتْ أَمُتْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا «حم لَا يُنْصَرُونَ» وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى نُصْرَةِ صَاحِبِهِ، وَرُبَّمَا يَهْتَدِي بِهَا إِذَا ضَلَّ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ لِئَلَّا يَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
(وَلْيَتَخَيَّرْ لَهُمُ الْمَنَازِلَ) أَيْ: أَصْلَحَهَا كَالْخِصْبَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْفَقُ بِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِمْ (وَيَتَتَبَّعْ مَكَامِنَهَا) وَهِيَ جَمْعُ مَكْمَنٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَخْتَفِي بِهِ الْعَدُوُّ (فَيَحْفَظُهَا) لِيَأْمَنَ هُجُومَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ.
(وَيَبُثُّ الْعُيُونَ عَلَى الْعَدُوِّ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فِي غَزَاةِ الْخَنْدَقِ فِي أُخْرَى.
وَقَدْ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إِلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ.
(حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ) فَيَتَحَرَّزُ مِنْهُمْ وَيَتَمَكَّنُ مِنَ الْفُرْصَةِ فِيهِمْ.
(وَيَمْنَعُ جَيْشَهُ مِنْ الْفَسَادِ وَالْمَعَاصِي) ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا سَبَبُ الْخِذْلَانِ، وَتَرْكَهَا دَاعٍ لِلنَّصْرِ، وَسَبَبُ الظَّفَرِ، وَكَذَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ الْمَانِعَةِ لَهُمْ مِنَ الْقِتَالِ.
(وَيَعِدُ ذَا الصَّبْرِ بِالْأَجْرِ وَالنَّفْلِ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى بَذْلِ جُهْدِهِ، وَزِيَادَةِ صَبْرِهِ

وَالنَّفْلِ، وَيُشَاوِرُ ذَوِي الرَّأْيِ، وَيَصَفُّ جَيْشَهُ، وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ جَنَبَةٍ كُفْئًا، وَلَا يَمِيلُ مَعَ قَرِيبِهِ وَذِي مَذْهَبِهِ عَلَى غَيْرِهِ.

وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ أَوْ قَلْعَةٍ أَوْ مَاءٍ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ؛

[المبدع في شرح المقنع]

(وَيُشَاوِرُ ذَوِي الرَّأْيِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ النَّاسِ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وَلِأَنَّ فِيهَا اجْتِمَاعَ الرَّأْيِ فِي تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَيُخْفِي مِنْ أَمْرِهِ مَا أَمْكَنَ إِخْفَاؤُهُ لِئَلَّا يَعْلَمَ بِهِ الْعَدُوُّ.
وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً، وَرَّى بِغَيْرِهَا (وَيَصُفُّ جَيْشَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: 4] قَالَ: الْوَاقِدِيُّ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَوِّي الصُّفُوفَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلِأَنَّ فِيهِ رَبْطَ الْجَيْشِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَسَدَّ الثُّغُورِ فَيَصِيرُونَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَيَتَرَاصُّونَ، لِقَوْلِهِ ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4] (وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ جَنَبَةٍ كُفْئًا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ خَالِدًا عَلَى إِحْدَى الْجَنَبَتَيْنِ، وَالزُّبَيْرَ عَلَى الْأُخْرَى، وَأَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى السَّاقَةِ» . وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْحَرْبِ، وَأَبْلَغُ فِي إِرْهَابِ الْعَدُوِّ.
(وَلَا يَمِيلُ مَعَ قَرِيبِهِ وَذِي مَذْهَبِهِ عَلَى غَيْرِهِ) لِئَلَّا يَنْكَسِرَ قَلْبُ مَنْ يَمِيلُ عَنْهُ، فَيَخْذُلُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَيُشَتِّتُ الْكَلِمَةَ.
فَرْعٌ: إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ آخَرَ أُصِيبَ فَرَسُهُ، وَمَعَهُ فَضْلٌ اسْتَحَبَّ لَهُ حَمْلُهُ، وَلَا يَجِبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ كَمَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ فَضْلِ طَعَامِهِ لِلْمُضْطَرِّ إِلَيْهِ، وَتَخْلِيصُهُ مِنْ عَدُوٍّ.
ذَكَرِهِ فِي " الشَّرْحِ ".

[جَوَازُ بَذْلِ الْإِمَامِ الْجُعْلَ لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ أَوْ قَلْعَةٍ أَوْ مَاءٍ]

(وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (أَنْ يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ أَوْ قَلْعَةٍ) يَفْتَحُهَا (أَوْ مَاءٍ) فِي مَفَازَةٍ، أَوْ مَالٍ يَأْخُذُهُ، أَوْ ثَغْرَةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ اسْتَأْجَرَا فِي الْهِجْرَةِ مَنْ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ أَشْبَهَ أُجْرَةَ الْوَكِيلِ، وَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِفِعْلِ مَا جُعِلَ فِيهِ، سَوَاءٌ له كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا مِنَ الْجَيْشِ أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُجَاوِزُ ثُلُثَ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُمُسِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ إِعْطَاءُ دَالٍّ، وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ.
(وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) إِذَا كَانَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ جُعْلٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كَالْجُعْلِ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَرَدِّ الضَّالَّةِ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ

فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، فَإِنْ جَعَلَ لَهُ جَارِيَةً مِنْهُمْ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَهُ قِيمَتُهَا، وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ أَوْ قَبْلَهُ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَلَهُ قِيمَتُهَا، وَإِنْ فُتِحَتْ صُلْحًا - وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْجَارِيَةَ - فَلَهُ قِيمَتُهَا؛ فَإِنْ أَبَى إِلَّا الْجَارِيَةَ، وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا، فُسِخَ الصُّلْحُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا قِيمَتُهَا.

[المبدع في شرح المقنع]

مَجْهُولًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلسَّرِيَّةِ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ مِمَّا غَنِمُوا، وَسَلَبَ الْمَقْتُولِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ كُلَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَّةُ (فَإِنْ جَعَلَ لَهُ جَارِيَةً مِنْهُمْ) نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ بِنْتَ فُلَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقَلْعَةِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، حَتَّى تُفْتَحَ الْقَلْعَةُ فَإِنْ فُتِحَتْ عَنْوَةً سُلِّمَتْ إِلَيْهِ (فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ) أَوْ بَعْدَهُ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنٍ، فَيَسْقُطُ بِتَلَفِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ كَالْوَدِيعَةِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ) وَهِيَ حُرَّةٌ (فَلَهُ قِيمَتُهَا) لِأَنَّهَا عَصَمَتْ نَفْسَهَا بِإِسْلَامِهَا، فَتَعَذَّرَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ (وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ أَوْ قَبْلَهُ) وَهِيَ أَمَةٌ (سُلِّمَتْ إِلَيْهِ) إِذَا كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْوَفَاءُ بِمَا شُرِطَ، فَكَانَ وَاجِبًا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْأَسْرِ، فَكَانَتْ رَقِيقَةً (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمُشْتَرِطُ (كَافِرًا فَلَهُ قِيمَتُهَا) لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمِلْكَ عَلَى مُسْلِمٍ، ثُمَّ إِنْ أَسْلَمَ، فَفِي أَخْذِهَا احْتِمَالَانِ (فَإِنْ فُتِحَتْ صُلْحًا وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْجَارِيَةَ فَلَهُ قِيمَتُهَا) أَيْ: إِنْ رَضِيَ بِهَا؛ لِأَنَّ رَدَّ عَيْنِهَا مُتَعَذِّرٌ، لِكَوْنِهَا دَخَلَتْ تَحْتَ الصُّلْحِ، وَحِينَئِذٍ تَعَيَّنَ رَدُّ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شُرِطَ فِي الصُّلْحِ تَسْلِيمُ عَيْنِهَا لَزِمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ (فَإِنْ أَبَى إِلَّا الْجَارِيَةَ وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا) (فُسِخَ الصُّلْحُ) لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ إِمْضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْجُعْلِ سَابِقٌ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَى هَذَا لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ أَنْ يُحَصِّلَهَا مِثْلَ مَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهَا لَهُ لِسَبْقِ حَقِّهِ، وَلِرَبِّ الْحِصْنِ الْقِيمَةُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا قِيمَتُهَا) وَيَمْضِي الصُّلْحُ.
حَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا وَصَحَّحَهُ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا مَعَ بَقَائِهَا، فَبَقِيَتِ الْقِيمَةُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَإِنْ بَذَلُوهَا مَجَّانًا أَوْ بِالْقِيمَةِ، لَزِمَ أَخْذُهَا، وَدَفْعُهَا إِلَيْهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إِيصَالُ حَقِّهِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَمَةِ، فَأَمَّا حُرَّةُ الْأَصْلِ، فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهَا وَدَفْعُهَا إِلَيْهِ

وَلَهُ أَنْ يَنْفُلَ فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْجَيْشُ بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَإِذَا رَجَعَ بَعَثَ أُخْرَى، فَمَا أَتَتْ بِهِ أَخْرَجَ خُمُسَهُ، وَأَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا، وَقَسَمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَالْجَيْشِ مَعًا.

[المبدع في شرح المقنع]

بِجُعْلٍ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ مَالٌ، وَيَأْخُذُهَا كَمَا لَوْ شَرَطَهَا دَابَّةً أَوْ مَتَاعًا فَأَمَّا حُرَّةُ الْأَصْلِ، فَهِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ جَرَى عَلَيْهَا فَلَا تُمْلَكُ كَالذِّمِّيَّةِ، وَلَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهَا كَالْمُسْلِمَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ لَوْلَا عَقْدُ الصُّلْحِ جَرَى عَلَيْهَا، لَكَانَتْ أَمَةً، وَجَازَ تَسْلِيمُهَا لَهُ، فَإِذَا رَضِيَ أَهْلُ الْحِصْنِ بِإِخْرَاجِهَا مِنَ الصُّلْحِ، وَتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ فَتَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَصِيرُ رَقِيقَةً.
فَرْعٌ: حَيْثُ أَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ، وَلَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ، أُعْطِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ.

[لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ زِيَادَةً عَلَى السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ]

(وَلَهُ أَنْ يَنْفُلَ) النَّفْلُ: الزِّيَادَةُ عَلَى السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ، وَمِنْهُ نَفْلُ الصَّلَاةِ (فِي الْبُدَاءَةِ) أَيْ: ابْتِدَاءُ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ (الرُّبُعَ) فَأَقَلَّ (بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ) فَأَقَلَّ (بَعْدَهُ) لِمَا رَوَى حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ الْفِهْرِيُّ قَالَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبُدَاءَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا يَزِيدُ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْبُدَاءَةِ لِمَشَقَّةِ الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ فِي الْبُدَاءَةِ رَدَءَ عَنِ السَّرِيَّةِ بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّهُمْ يَشْتَاقُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَهَذَا أَكْثَرُ مَشَقَّةً.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضَ إِلَى رَأْيِهِ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بِلَا شَرْطٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْجَيْشُ بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَإِذَا رَجَعَ بَعَثَ أُخْرَى، فَمَا أَتَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ وَلِمَا رَوَى حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ الْفِهْرِيُّ.
فَيُخَمَّسُ كَالْجَيْشِ (وَأَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جُعِلَ لَهَا) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ الْخُمُسِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَقَسَّمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَالْجَيْشِ مَعًا) لِأَنَّ الْجَيْشَ يُشَارِكُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي السِّرِيَّةِ إِذَا نُفِّلَتْ أَنَّهَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ مَعَهَا، قَالَهُ الْخِرَقِيُّ، إِذْ بِقُوَّتِهِمْ صَارَ إِلَيْهِ.

فَصْلٌ.
وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ، وَالنُّصْحُ لَهُ، وَالصَّبْرُ مَعَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، وَلَا يُبَارِزَ، وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

[لُزُومُ الْجَيْشِ طَاعَة الْأَمِيرِ]

فَصْلٌ.
(وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، فَلَوْ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَقْتَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فَأَبَوْا، عَصَوْا.
قَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ مِنْ رَقِيقِ الرُّومِ، فَلْيَأْتِ بِهِ السَّبْيَ، يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى مَا أَمَرَهُمْ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْخِلَافُ شَرٌّ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: لَا خَيْرَ مَعَ الْخِلَافِ، وَلَا شَرَّ مَعَ الِائْتِلَافِ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ: إِذَا خَالَفُوهُ تَشَعَّثَ أَمْرُهُمْ، فَلَوْ قَالَ: سِيرُوا وَقْتَ كَذَا، دَفَعُوا مَعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: السَّاقَةُ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْأَجْرُ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِيهِمْ أَهْلُ قُوَّةٍ وَثَبَاتٍ (وَالنُّصْحُ لَهُ) لِأَنَّ نُصْحَهُ نُصْحُ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، فَإِذَا نَصَحُوهُ، كَثُرَ دَفْعُهُ، وَفِي الْأَثَرِ: «إِنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ» ، وَمَعْنَاهُ: يَكُفُّ.
(وَالصَّبْرُ مَعَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200] وَلِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّفَ) وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَلَفِ لِلدَّوَابِّ (وَلَا يَحْتَطِبَ) وَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَطَبِ (وَلَا يُبَارِزَ) عِلْجًا.
(وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا إِلَّا بِإِذْنِهِ) لِأَنَّ الْأَمِيرَ أَعْرَفُ بِحَالِ النَّاسِ وَحَالِ الْعَدُوِّ، وَمَكَامِنِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ إِنْسَانٌ أَوْ بَارَزَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصَادِفَهُ كَمِينٌ لِلْعَدُوِّ فَيَأْخُذُوهُ، أَوْ يَرْحَلَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَتْرُكُوهُ فَيَهْلَكَ، أَوْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يَقْوَى عَلَى الْمُبَارَزَةِ فَيَظْفَرَ بِهِ الْعَدُوُّ، فَتَنْكَسِرَ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَذِنَ، فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ انْتِفَاءِ الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّصِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62] .

بِإِذْنِهِ.

فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ إِلَى الْبِرَازِ، اسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، فَإِنْ شَرَطَ الْكَافِرُ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إِلَيْهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ، فَإِنِ انْهَزَمَ

[المبدع في شرح المقنع]

لَكِنْ نُصَّ إِذَا كَانَ مَوْضِعًا مَخُوفًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَرَامٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْكَرَاهَةُ.
وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَحَلُّهُ: مَا لَمْ يَفْجَأْهُمُ الْعَدُوُّ.
قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ ".

[حُكْمُ الْمُبَارِزَةِ]

(فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ) وَفِي " الْبُلْغَةِ " مُطْلَقًا (إِلَى الْبِرَازِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ: عِبَارَةٌ عَنْ مُخَاصَمَةِ الْعَدُوِّ، وَبِفَتْحِهَا: اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ.
(اسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ) لِمُبَارَزَةِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ.
قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةَ، وَعَلِيٍّ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ عَلِيٌّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الدَّارَةَ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَلِأَنَّ فِي الْإِجَابَةِ إِلَيْهَا إِظْهَارًا لِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَلَدِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ.
وَظَاهِرُهُ إِذَا لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ لِمَا فِيهِ مَنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ ظَاهِرًا، وَلَوْ طَلَبَهَا الشُّجَاعُ ابْتِدَاءً، فَاحْتِمَالَانِ، فِي " الْفُصُولِ " (فَإِنْ شَرَطَ الْكفارُ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إِلَيْهِ) أَوْ كَانَ هُوَ الْعَادَةَ (فَلَهُ شَرْطُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَالْعَادَةُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ.
وَيَجُوزُ رَمْيُهُ وَقَتْلُهُ قَبْلَ الْمُبَارَزَةِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا أَمَانَ فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ

الْمُسْلِمُ، أَوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ، جَازَ الدَّفْعُ عَنْهُ وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ، فَلَهُ سَلَبُهُ، وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ إِذَا قَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ مُنْهَمِكًا عَلَى الْقِتَالِ

[المبدع في شرح المقنع]

جَارِيَةً بَيْنَهُمْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، فَيَعْمَلُ بِهَا (؛ فَإِنِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ) تَارِكًا لِلْقِتَالِ (أَوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ، جَازَ) لِكُلِّ مُسْلِمٍ (الدَّفْعُ عَنْهُ) وَيَقْتُلُ الْكَافِرَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَارَ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَقَدِ انْقَضَى قِتَالُهُ، وَالْأَمَانُ زَالَ بِزَوَالِ الْقِتَالِ؛ لِأَنَّ حَمْزَةَ، وَعَلِيًّا أَعَانَا عُبَيْدَةَ فِي قَتْلِ شَيْبَةَ حِينَ أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ، وَإِنْ أَعَانَ الْكُفَّارُ صَاحِبَهُمْ، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوا صَاحِبَهُمْ، وَيُقَاتِلُوا مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ، إِلَّا الْمُبَارَزَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ.
فَائِدَةٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ التَّلَثُّمَ فِي الْقِتَالِ، وَعَلَى أَنْفِهِ، وَلَهُ لُبْسُ عَلَامَةٍ كَرِيشِ نَعَامٍ،.
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ لِلشُّجَاعِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ ". (وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ، فَلَهُ سَلَبُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَهُ سَلَبُ الْمَقْتُولِ (وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ، وَسَمُرَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ السَّلَبَ لِكُلِّ قَاتِلٍ، سَوَاءٌ كَانَ يَسْتَحِقُّ سَهْمًا أَوْ رَضْخًا، كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُشْرِكِ، وَهُوَ وَجْهٌ.
وَخَصَّهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِالْقَاتِلِ الْمُسْلِمِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ السَّهْمَ آكَدُ مِنْهُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَالسَّلَبُ أَوْلَى، وَفِي " الْإِرْشَادِ " أَنَّ مَنْ بَارَزَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ.
وَقَطَعَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا بَارَزَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ، وَكَذَا كُلُّ عَاصٍ، كَمَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْأَمِيرِ، وَعَنْهُ فِيمَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخُمُسُ، وَبَاقِيهِ لَهُ، كَالْغَنِيمَةِ، وَيُخْرِجُ فِي الْعَبْدِ مِثْلَهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِالْغَنِيمَةِ آكَدُ،

جارٍ التحميل