المبدع في شرح المقنعصفحات 110-149

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 110-149

اسْتِبْرَاؤُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، أَوْ عَجَزَتْ مُكَاتَبَتُهُ، أَوْ فَكَّ أَمَتَهُ مِنَ الرَّهْنِ، أَوْ أَسْلَمَتِ الْمَجُوسِيَّةُ، أَوِ الْمُرْتَدَّةُ، أَوِ الْوَثَنِيَّةُ، أَوِ الَّتِي حَاضَتْ عِنْدَهُ، أَوْ كَانَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُؤَلِّفِ بِالْبَائِعِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ أَغْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ يَطَؤُهَا لِمَا فِيهِ مِنِ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَالتَّمْكِينِ مِنْ وَطْءِ امْرَأَةٍ لَا يَعْلَمُ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْطُوءَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ فِرَاشٌ، فَلَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى يُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمَهَا كَزَوْجَةِ الْغَيْرِ، وَغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَكَذَا النِّكَاحُ ; لِأَنَّهُ يَتَّخِذُ حِيلَةً لِإِبْطَالِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْحِيَلُ كُلُّهَا خِدَاعٌ بَاطِلَةٌ.
(وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، هَلْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَحَكَيَاهُ رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ تُسْتَبْرَأُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَهْدِ وَتَحْرُمُ مُبَاشَرَتُهَا كَالْكَبِيرَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ عَلَيْهَا بِالْعِدَّةِ، كَذَلِكَ هَذَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّ سَبَبَ الْإِبَاحَةِ مُتَحَقِّقٌ، وَلَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِهَا دَلِيلٌ، فَإِنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَلَا يُرَادُ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلَا يُوجَدُ الشَّغْلُ فِي حَقِّهَا.
1 (وَإِنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ) لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاءٌ ; لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِيُعْلَمَ هَذَا الْوَلَدُ مِنَ النِّكَاحِ لِيَكُونَ عَلَيْهِ وَلَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِهِ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِتَجَدُّدِ الْمِلْكِ، قَالَهُ فِي " الرَّوْضَةِ "، قَالَ: وَمَتَى وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَأُمُّ وَلَدٍ، وَلَوْ أَنْكَرَ الْوَلَدَ بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا، لَا لِأَقَلَّ مِنْهَا، وَلَا مَعَ دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ دُونَ الثَّلَاثِ لَمْ يَجِبْ، وله وطؤها وَقِيلَ: يُكْرَهُ (أَوْ عَجَزَتْ مُكَاتَبَتُهُ) حَلَّتْ لِسَيِّدِهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَزَلْ مِلْكَهُ (أَوْ فَكَّ أَمَتَهُ مِنَ الرَّهْنِ) حَلَّتْ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إِنَّمَا شُرِّعَ لِمَعْنَى مَظِنَّةِ تَجْدِيدِ الْمِلْكِ، فَلَا يُشَرَّعُ مَعَ تَخَلُّفِ

هُوَ الْمُرْتَدَّ فَأَسْلَمَ، أَوِ اشْتَرَى مُكَاتَبَه ذَوَاتَ رَحِمَهِ فَحِضْنَ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَجَزَ، أَوِ اشْتَرَى عَبْدَهُ التَّاجِرُ أَمَةً فَاسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا سَيِّدُهُ حَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، وَإِنْ وُجِدَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَجْزَأَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزِئَ، وَإِنْ بَاعَ أَمَتَهُ، ثُمَّ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَظِنَّةِ، وَالْمَعْنَى (أَوْ أَسْلَمَتِ الْمَجُوسِيَّةُ، أَوِ الْمُرْتَدَّةُ، أَوِ الْوَثَنِيَّةُ، أَوِ الَّتِي حَاضَتْ عِنْدَهُ) فَإِنَّهَا تَحِلُّ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَتَجَدَّدْ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا أَصَابَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَطْءُ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاءٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَّتِ الْمُحَرَّمَةُ مِنْ إِمَائِهِ، وَالْآخَرُ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُجَدِّدَ اسْتِبْرَاءَهَا بَعْدَ إِسْلَامِهَا ; لِأَنَّ مِلْكَهُ تَجَدَّدَ عَلَى اسْتِمْتَاعِهَا، أَشَبَهَ مَا لَوْ تَجَدَّدَ مِلْكُهُ عَلَى رَقَبَتِهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إِنَّمَا وَجَبَ كَيْ لَا يُفْضَى إِلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ تَجْدِيدُ الْمِلْكِ عَلَى رَقَبَتِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ، أَمَّا إِذَا مَلَكَهُنَّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ حَتَّى يَسَتْبَرِئَهَا، أَوْ تُتِمُّ مَا بَقِيَ مِنِ اسْتِبْرَائِهَا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ إِذَا لَمْ يَحِضْنَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي الْوَطْءُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَجْدِيدُ مِلْكٍ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ اسْتِبْرَاءٌ، فَلَمْ يَحِلَّ الْوَطْءُ قَبْلَهُ كَالْمُسْلِمَةِ (أَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ فَأَسْلَمَ) فَهِيَ حَلَالٌ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ; لِأَنَّ إِسْلَامَهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ بِهِ مِلْكٌ، أَشْبَهَ إِسْلَامَ الْمُرْتَدَّةِ (أَوْ اشْتَرَى مُكَاتَبَه ذَوَاتِ رَحِمَهُ فَحِضْنَ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَجَزَ) حَلَّتْ لِلسَّيِّدِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَكَاتَبِ إِنْ رَقَّ رَقَّتْ، وَإِنْ عَتَقَ عَتَقَتْ، وَالْمَكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَفِي الْوَجْهِ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ صَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِلْعُمُومِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَكَاتِبَ إِذَا اشْتَرَى غَيْرَ مَحَارِمِهِ، ثُمَّ عَجَزَ لا تَحِلُّ لَهُ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مِلْكٌ عَلَى مَا فِي يَدِ مُكَاتِبِهِ، وَلِأَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ (أَوْ اشْتَرَى عَبْدَهُ التَّاجِرُ أَمَةً فَاسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا سَيِّدُهُ) أَيْ: بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا (حَلَّتْ لَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ) لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ عَلَى مَا فِي يَدِ عَبْدِهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَضَاهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ اسْتَبْرَأَهَا لِنَفْسِهِ.
(وَإِنْ وَجَدَ الِاسْتِبْرَاءَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَجْزَأَ) فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِهِ (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزِئَ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ

عَادَتْ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ، أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنِ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَجِبْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

الثَّانِي: إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

رَحِمِهَا مِنْ مَاءِ الْبَائِعِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ، وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا فِي الْمَوْرُوثَةِ وَيَكْفِي قَبْضُ الْوَكِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا، ثُمَّ مَلَكَ بَاقِيهَا لَمْ يُحْتَسَبْ إِلَّا مِنْ حِينِ مَلَكَ بَاقِيهَا، فَإِنْ مِلْكَهَا بِبَيْعَ خِيَارٍ فَهَلْ يُجْزِئُ اسْتِبْرَاؤُهَا، إِذَا قُلْنَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَإِنْ بَاعَ أَمَتَهُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ، أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا) أَيْ: حَيْثُ انْتَقَلَ الْمِلْكُ ; لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي لَهَا رَجُلًا، أَوِ امْرَأَةً (وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَجِبُ ; لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ مَعَ يَقِينِ الْبَرَاءَةِ وَكَمَا لَوِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ امْرَأَةٌ، وَلَوْ فَسَخَ كَخِيَارِ شَرْطٍ، وَقُلْنَا يُمْنَعُ نَقْلُ الْمِلْكِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاءٌ، وَإِنْ قَبَضَتْ مِنْهُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَيَكْفِي اسْتِبْرَاءٌ مِنْ مِلْكٍ بِشِرَاءٍ وَوَصِيَّةٍ وَغَنِيمَةٍ وَغَيْرِهَا قَبْلَ قَبْضٍ.
(وَإِنِ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَ اسْتِبْرَاؤُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هَذِهِ حِيلَةٌ وَضَعَهَا بَعْضُهُمْ ; لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً، وَلِأَنَّ إِسْقَاطَهُ هُنَا ذَرِيعَةٌ إِلَى إِسْقَاطِهِ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ إِسْقَاطَهُ بِأَنْ تَزَوَّجَهَا عِنْدَ بَيْعِهَا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ، وَالْحِيَلُ حَرَامٌ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مُطْلَّقَةً قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنْ طُلِّقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوْ مَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوِ اشْتَرَى مُعْتَدَّةً فَفِي وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ بَرَاءَتَهَا قَدْ عُلِمَتْ بِهَا، وَالثَّانِي: بَلَى كَالْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَجِبْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) صَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالْعِدَّةِ كَمَا لَوْ عُتِقَتْ، وَالثَّانِي: يَجِبُ لِمَا سَبَقَ.
فَرْعٌ: إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ فَطُلِّقَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاءٌ إِلَّا إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، أَوْ مَاتَ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ

[الْمَوْضِعُ الثَّانِي إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا]

(الثَّانِي: إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا)

يَجُزْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا

[المبدع في شرح المقنع]

وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاءٌ فَيُفْضِي إِلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ بِدُونِهِ، وَلَا يَطَأُ الزَّوْجُ قَبْلَهُ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْهَا (وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا) وَنَحْوَهُ (فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهَما فِي " الْفُرُوعِ "، إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ، صَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " فِيمَا إِذَا كَانَتْ تَحْمَلُ ; لِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِحِفْظِ مَائِهِ فَكَذَلِكَ الْبَائِعُ، وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجَوَازِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ، فَعَلَى هَذَا فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ رِوَايَتَانِ، جَزَمَ فِي " الشَّرْحِ " بِصِحَّتِهِ فِي الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَهِيَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَأَغْنَى عَنِ اسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي كُلِّ أَمَةٍ يَطَؤُهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ الْآيِسَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْآيِسَةِ ; لِأَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ احْتِمَالُ الْحَمْلِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمًا بِمَجَرَّدِهِ، وَالثَّالِثَةُ: يَلْزَمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَطَأْ، ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي " مُقْنِعِهِ " وَاخْتَارَهَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: فَإِنْ كَانَتِ الْبَائِعَةُ امْرَأَةً، قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا، وَمَا يُؤْمَنُ أَنْ تَكُونَ قَدْ جَاءَتْ بِحَمْلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ (وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ) لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ يَقِينُ بَرَاءَتِهَا مِنْهُ

[الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ إِذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا]

(الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَوْطُوءَةٌ وَطْئًا لَهُ حُرْمَةٌ فَلَزِمَهَا اسْتِعْلَامُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُزَوَّجَةً، أَوْ مُعْتَدَّةً) أَوْ فَرَغَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَأَعْتَقَهَا وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا قَبْلَ وَطْئِهَا (فَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ) لِأَنَّهُ زَالَ فِرَاشُهُ عَنْهَا قَبْلَ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ

لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُزَوَّجَةً، أَوْ مُعْتَدَّةً فَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ.
وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا وَبَيْنَ مَوْتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ حَسَبَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا

[المبدع في شرح المقنع]

كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، وَكَذَا لَوْ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا، أَوِ اسْتَبْرَأَ بَعْدَ وَطْئِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا فَأَعْتَقَهَا مُشْتَرٍ قَبْلَ وَطْئِهَا، فَإِنْ بَانَتْ مِنَ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ، أَوْ بَانَتْ بِمَوْتِ زَوْجِهَا، أَوْ طَلَاقِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَأَتَمَّتْ عِدَّتَهَا، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ ; لِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى فِرَاشِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَسَنَدِيٌّ أَنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ إِنْ لَمْ يَطَأْ لِزَوَالِ فِرَاشِهِ بِتَزْوِيجِهَا (وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا) أَوْ عُلِمَ، ثُمَّ نُسِيَ (وَبَيْنَ مَوْتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ حَسَبَ) لِأَنَّ السَّيِّدَ إِنْ كَانَ مَاتَ أَوَّلًا فَقَدْ مَاتَ، وَهِيَ زَوْجَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ آخِرًا فَقَدْ مَاتَ، وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ، وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " تَعْتَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ، فِيهَا حَيْضَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ مَاتَ أَوَّلًا فَيَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَسْبَقَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا حَيْضَةٌ، فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ بِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ هُنَا مِثْلُهُ، وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ " بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ " مَعْنَاهُ أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مَوْتًا ; لِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ خُرُوجَهَا مِنْ عُهْدَةِ الْعِدَّةِ بِيَقِينٍ إِلَّا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الزَّوْجَ إِنْ كَانَ الْمَيِّتَ آخِرًا، فَالْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَالْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالِاعْتِدَادِ مِنْ مَوْتِ الْآخَرِ (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ جُهِلَتِ الْمُدَّةُ لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، أَوِ الِاسْتِبْرَاءِ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الزَّوْجَ مَاتَ آخِرًا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السَّيِّدَ مَاتَ آخِرًا فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَلَى هَذَا جَمِيعُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهَا حَيْضَةٌ، وَمِنْ زَوْجِهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ: تَعْتَدُّ أُمُّ وَلَدٍ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا لِوَفَاةٍ كَحُرَّةٍ، وَعَنْهُ: كَأَمَةٍ، وَإِنِ ادَّعَتْ مَوْرُوثَةٌ تَحْرِيمَهَا عَلَى وَارِثٍ بِوَطْءِ مَوْرُوثِهِ فَفِي تَصْدِيقِهَا وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: لَا تَرِثُ مِنَ الزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَا تَرِثُ مَعَ الشَّكِّ وَإِيجَابُ الْعِدَّةِ اسْتِظْهَارًا، لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهَا، بِخِلَافِ الْإِرْثِ (وَإِنِ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ أَمَةٍ لَزِمَهَا

أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ جَهِلَتِ الْمَدَّةَ لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ أَوِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنِ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ أَمَةٍ لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ.

فَصْلٌ وَالِاسْتِبْرَاءُ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا، أَوْ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ

[المبدع في شرح المقنع]

اسْتِبْرَاءَانِ) فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ، فَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ كَالْعِدَّتَيْنِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ اسْتِبْرَاءً وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، فَقَالَ: إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ لِرَجُلَيْنِ فَوَطِئَاهَا، ثُمَّ بَاعَاهَا لِآخَرَ - أَجْزَأَ اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، فَلَوْ أَعْتَقَاهَا لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ ; لِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي حَقِّ الْمُعْتَدَّةِ مُعَلَّلٌ بِالْوَطْءِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنِ اثْنَيْنِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا مُعَلَّلٌ بِتَجْدِيدِ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ وَاحِدٌ.

[فَصِلٌ: مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ]

فَصْلٌ (وَالِاسْتِبْرَاءُ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا) لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَالْمَعْنَى (أَوْ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ) لَا بِبَقِيَّتِهَا، وَفِي لَفْظٍ " حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ " وَتَصْدُقُ فِي حَيْضٍ، فَلَوْ أَنْكَرَتْهُ، فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِهِ، فَوَجْهَانِ، وَوَطْؤُهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ حَرَامٌ، وَلَا يَقْطَعُهُ، وَإِنْ أَحَبَلَهَا فِيهِ اسْتُبْرِئَتْ بِوَضْعِهِ، وَإِنْ أَحَبَلَهَا فِي الْحَيْضَةِ حَلَّتْ فِي الْحَالِ لِأَنَّ مَا مَضَى حَيْضَةٌ (أَوْ بِمُضِيِّ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الشَّهْرَ أُقِيمَ مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَكَذَا بَالِغَةٌ لَمْ تَحُضْ، فَإِنْ حَاضَتْ فِيهِ اعْتَدَّتْ بِحَيْضَةٍ (وَعَنْهُ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ (اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ) وَابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ فِي " الْكَافِي ": وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهِيَ أَوْلَى، قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ جَمْعًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَوَابِلِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْحَمْلَ لَا

تَحِيضُ، أَوْ بِمُضِيِّ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً.
وَعَنْهُ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَإِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ فَبِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

[المبدع في شرح المقنع]

يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَأَمَّا شَهْرٌ فَلَا مَعْنَى له، وَلَا نَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا، وَعَنْهُ: بِشَهْرَيْنِ، وَعَنْهُ: بِشَهْرٍ وَنَصِفٍ كَالْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ (وَإِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ فَبِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَالشَّهْرُ الْعَاشِرُ بَدَلُ الْحَيْضَةِ، وَقِيلَ: وَنَصِفٌ، وَقِيلَ: بِأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَعَنْهُ: بِسَنَةٍ كَالْآيِسَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ اعْتِبَارَ تِكْرَارِهَا فِي الْآيِسَةِ لِتُعْلَمَ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ بِمُضِيِّ غَالِبِ مُدَّتِهِ، فَجَعَلَ أَحْمَدُ الشَّهْرَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ عَلَى وِفْقِ الْقِيَاسِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا عَلِمَتْ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ كَحُرَّةٍ (وَعَنْهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «لَا تُفْسِدُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ» ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ لِأَنَّ قَبِيصَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَمْرٍو، وَمَارِيَةُ اعْتَدَّتْ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثِ حِيَضٍ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مُنْقَطِعٌ (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) أَيْ: تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ضَعَّفَ أَحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ حَدِيثَ عَمْرٍو وَلِأَنَّ الْغَرَضَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، وَهُوَ يَحْصُلُ بِحَيْضَةٍ، وَعَنْهُ: بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَلَا أَظُنُّهَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

صَحِيحَةً وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ عُتِقَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنِ الرَّقَبَةِ، فَكَانَتْ حَيْضَةً فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ كَسَائِرِ اسْتِبْرَاءِ الْمُعْتَقَاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرِ اسْتِبْرَاءُ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّ لَهُ نَفْيَ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ.
1 - مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ: 1 - أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ، أَوْ قَبْلَهُ وَأَتَتْ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرِ، أَوْ يَكُونَ الْبَائِعُ ادَّعَاهُ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ وَلَدُ الْبَائِعِ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
2 - أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتَبْرَأَهَا، وَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، فَالْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ.
3 - أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، فَلَا يَلْحَقُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَيَكُونُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَمْلِكُ فَسْخَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْحَمْلَ تَجَدَّدَ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا.
4 - أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا فَنَسَبَهُ لَاحِقٌ بِالْمُشْتَرِي، فَإِنِ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ فَأَقَرَّهُ الْمُشْتَرِي لِحَقِّهِ وَبَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِنَّ كَذَّبَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَإِنِ ادَّعَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ.
5 - أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَاعَهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ، وَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي، فَإِنِ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

كِتَابُ الرَّضَاعِ

يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ،

وَإِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ رَجُلٍ يَثْبُتُ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الرَّضَاعِ]

[يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ] الرَّضَاعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا مَصْدَرُ رَضِعَ الثَّدْيَ إِذَا مَصَّهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْكَسْرُ أَفْصَحُ، وَلَهُ سَبْعُ مَصَادِرَ، وَقَالَ الْمُطَرَّزِيُّ فِي شَرْحِهِ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ إِذَا كَانَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، وَامْرَأَةٌ مُرْضِعَةٌ إِذَا كَانَ ثَدْيُهَا فِي فِي وَلَدِهَا، قَالَ ثَعْلَبٌ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] وَقِيلَ: الْمُرْضِعَةُ الْأُمُّ، وَالْمُرْضِعُ الَّتِي مَعَهَا صَبِيٌّ تُرْضِعُهُ، وَالْوَلَدُ رَضِيعٌ وَرَاضِعٌ.
وَشَرْعًا: وُصُولُ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ إِلَى جَوْفِ صَغِيرٍ حَيٍّ، وَأَوْلَى مِنْهُ مَصُّ لَبَنٍ ثَابَ مِنْ حَمْلٍ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَةٍ، أَوْ شُرْبُهُ وَنَحْوُهُ، وَأَصْلُ التَّحْرِيمِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] وَالْأَحَادِيثُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ بِالنَّصِّ، وَتَحْرِيمُ الْبِنْتِ وَغَيْرِهَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّهَا إِذَا حَرَّمَتِ الْأُخْتَ فَالْبِنْتُ أَوْلَى (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) قَالَه النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَرَادَ عَلِيٌّ ابْنَةَ حَمْزَةَ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ رَجُلٍ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ) أَيْ: يَكُونُ لَاحِقًا

نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا صَارَ وَلَدًا لَهُمَا فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَإِبَاحَةِ النَّظَرِ وَالْخُلْوَةِ وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ، وَأَوْلَادُهُ وَإِنْ سَفُلُوا أَوْلَادُ وَلَدِهِمَا وَصَارَا أَبَوَيْهِ وَآبَاؤُهُمَا أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ، وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ، وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ أَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُهُ

وَتَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

بِالْوَاطِئِ، يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنِ الْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ وَنَحْوِهِ.
(فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ) يَخْرُجُ بِذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدًا لِلرَّجُلِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ مِنْهُ (فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا صَارَ وَلَدًا لَهُمَا) أَيْ: لِلْمُرْضِعَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَا لِمَنْ يُنْسَبُ الْحَمْلُ إِلَيْهِ (فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْأُمَّ مِنَ الرَّضَاعِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ نِكَاحُهُنَّ مِنَ النَّسَبِ (وَإِبَاحَةِ النَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ) لِأَنَّ الْأُمَّ مِنَ الرَّضَاعِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، أَشْبَهَتِ الْأُمَّ مِنَ النَّسَبِ (وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ) لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، وَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَلَدًا فِي شَيْءٍ مِنْ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ النَّسَبِ مِنَ النَّفَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ (وَأَوْلَادُهُ وَإِنْ سَفُلُوا أَوْلَادُ وَلَدِهِمَا) لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ الطِّفْلِ، وَهُوَ وَلَدُهُمَا (وَصَارَا أَبَوَيْهِ) لِأَنَّهُ وَلَدُهُمَا (وَآبَاؤُهُمَا أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ) وَجَمِيعُ أَقَارِبِهِمَا يُنْسَبُونَ إِلَى الْمُرْتَضِعِ كَمَا يُنْسَبُونَ إِلَى وَلَدِهِمَا مِنَ النَّسَبِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي ثَابَ لِلْمَرْأَةِ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَنُشِرَ التَّحْرِيمُ إِلَيْهِمَا، وَنُشِرَتِ الْحُرْمَةُ إِلَى الرَّجُلِ وَإِلَى أَقَارِبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى لَبَنَ الْفَحْلِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ أَفْلَحَ حِينَ قَالَ لَهَا: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ، فَقَالَتْ: كَيْفَ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، فَقَالَ: صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً، وَالْأُخْرَى غُلَامًا أَيَحِلُّ لِلْغُلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْجَارِيَةَ؛ فَقَالَ: لَا.
. اللِّقَاحُ وَاحِدٌ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا تَفْسِيرُ لَبَنِ الْفَحْلِ (وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ) لِأَنَّهُ وَلَدُ أُخْتِهِمْ (وَإِخْوَهُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ أَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُهُ) لِأَنَّهُ وَلَدُ أَخِيهِمْ.

[تَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ]

(وَتَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ

الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، وَإِنْ سَفُلُوا فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا وَلَا تَنْتَشِرُ إِلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَلَا مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ، فَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أَبِي الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أَخِيهِ وَلَا أُمِّ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتِهِ عَلَى أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَلَا أَخِيهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنَ الزِّنَا طِفْلًا صَارَ ولدها وَلَدًا لَهَا وَتَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَثْبُتُ.
قَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، وَإِنْ سَفُلُوا فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا) لِأَنَّ الرَّضَاعَ كَالنَّسَبِ، وَالتَّحْرِيمُ فِي النَّسَبِ يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلَ، فَكَذَا فِي الرَّضَاعِ (وَلَا تَنْتَشِرُ إِلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ) أَيْ: الْمُرْتَضِعِ (مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ) لِأَنَّهَا لَا تَنْتَشِرُ فِي النَّسَبِ، فَكَذَا فِي الرَّضَاعِ (وَلَا مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ) لِأَنَّ الْحُرْمَةَ إِذَا لَمْ تَنْتَشِرْ إِلَى مَنْ هُوَ فِي الدَّرَجَةِ فَلَأَنْ لَا تَنْتَشِرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى.
(فَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أَبِي الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أَخِيهِ وَلَا أُمِّ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتِهِ عَلَى أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَلَا أَخِيهِ) فَيَجُوزُ لِلْمُرْضِعَةِ نِكَاحُ أَبِي الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ نِكَاحُ أُمِّ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتِهِ، وَلَا عَمَّتِهِ، وَلَا خَالَتِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْلَادُ الْمُرْضِعَةِ وَأَوْلَادُ زَوْجِهَا إِخْوَةَ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ وَأَخَوَاتِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُخْتَ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ، وَلَا نَسَبٌ، وَإِنَّمَا الرَّضَاعُ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَأَخِيهِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لَوِ ارْتَضَعَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى مِنِ امْرَأَةٍ صَارَتْ أُمًّا لَهُمَا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْآخَرِ، وَلَا بِأَخَوَاتِهِ الْحَادِثَاتِ بَعْدَهُ، وَلَا بِأْسَ بِتَزْوِيجِ أَخَوَاتِهِ الْحَادِثَاتِ قَبْلَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ الْآخَرِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنَ الزِّنَا طِفْلًا صَارَ ولدها وَلَدًا لَهَا) لِأَنَّهُ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهَا حَقِيقَةً (وَتُحَرَّمُ عَلَى الزَّانِي تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ وَلَدُ مَوْطُوءَتِهِ مِنَ الْوَطْءِ الْحَرَامِ، وَهُوَ كَالْحَلَالِ (وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ أَنْ يَكُونَ لَبَنَ حَمْلٍ يُنْسَبُ إِلَى الْوَاطِئِ، فَأَمَّا وَلَدُ الزِّنَا وَنَحْوُهُ، فَلَا

أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْمُلَاعَنِ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنِهِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا.

وَإِنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ.
وَإِنْ أُلْحِقْ بِهِمَا كَانَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَثْبُتُ) أَيْ: تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُمَا، أَيْ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ ; لِأَنَّهُ مَعْنَى " يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ " فَاسْتَوَى مُبَاحُهُ وَمَحْظُورُهُ كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُ رَضَاعٌ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى الْمُرْضِعَةِ، فَنَشَرَهَا إِلَى الْوَاطِئِ كَصُورَةِ الْإِجْمَاعِ، وَفِي مَسَائِلِ صَالِحٍ حَدَّثَنَا أُبَيٌّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي رَجُلٍ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ فَرَآهَا تُرْضِعُ جَارِيَةً هَلْ تَحِلُّ لَهُ أَمْ لَا؛ قَالَ: لَا، قَالَ أُبَيٌّ: وَبِهَذَا أَقُولُ أَنَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ابْنَتِهِ مِنَ الزِّنَا، فَإِنَّهَا مِنْ نُطْفَتِهِ حَقِيقَةً وَيُفَارِقُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِهِ وَابْنَتُهَا مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ، وَتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّسَبِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، أَيْ: حُكْمُهُ حُكْمُ وَلَدِ الزِّنَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ارْتِضَاعِهِمَا لَبَنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَعَدَمِ ثُبُوتِ نَسَبِهِمَا مِنْهُ، فَيَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْمُلَاعَنُ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنِهِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا) بِخِلَافِ وَلَدِ الزِّنَا ; لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنَ الزَّانِي حَقِيقَةٌ، فَكَانَ اللَّبَنُ مِنْهُ، وَاللَّبَنُ لَمْ يَثْبُتْ مِنَ الْمُلَاعِنِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ أَرْضَعَتْ أُنْثَى حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا بِالصِّهْرِيَّةِ ; لِأَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَةِ الزَّانِي وَرَبِيبَةُ الْمُلَاعِنِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ ذَكَرًا حَرُمَ عَلَيْهِ بِنْتَاهُمَا وَأَوْلَادُهُمَا وَتَحْرُمُ بِنْتُهُ وَبِنْتُهَا عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: لَا

[وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا]

(وَإِنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ) لِأَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُثْبِتَ بِقَائِفَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاقْتَصَرَ فِي " الْفُرُوعِ " عَلَى الْأَوَّلِ (وَإِنْ أُلْحِقْ بِهِمَا) قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ "

بِالرَّضَاعِ فِي حَقِّهِمَا، وَإِنْ ثَابَ لِامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي لَبَنِ الْبِكْرِ، وَعَنْهُ: يَنْشُرُهَا.
ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ.
وَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ غَيْرُ لَبَنِ الْمَرْأَةِ، فَلَوِ ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ بَهِيمَةٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَغَيْرِهِ، أَوْ مَاتَ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ (كَانَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهُمَا) لِأَنَّ الْمُرْتَضِعَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَبَعٌ لِلْمُنَاسِبِ، فَمَتَى لَحِقَ الْمُنَاسِبُ بِشَخْصٍ، فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ، وَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ، فَقِيلَ: كَنَسَبٍ، وَقِيلَ: هُوَ لِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " فِيمَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ (وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ فِي حَقِّهِمَا) تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، وَإِنِ انْتَفَى عَنْهُمَا جَمِيعًا بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهَا، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ انْتَفَى الْمُرْتَضِعُ عَنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ أُنْثَى حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ، وَيَحْرُمُ أَوْلَادُهَا عَلَيْهِمَا أَيْضًا لِأَنَّهَا ابْنَةُ مَوْطُوءَتِهِمَا (وَإِنْ ثَابَ لِامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ) قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ وَطْءٍ (لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي لَبَنِ الْبِكْرِ) وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِتَغْذِيَةِ الْأَطْفَالِ، أَشْبَهَ لَبَنَ الرَّجُلِ، وَالْبَهِيمَةِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنٍ حَقِيقَةً، بَلْ رُطُوبَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (وَعَنْهُ: يَنْشُرُهَا ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنُ حَامِدٍ) وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] وَلِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ ثَابَ بِوَطْءٍ، وَلِأَنَّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ خُلِقَ لِغِذَاءِ الطِّفْلِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا نَادِرًا، فَجِنْسُهُ مُعْتَادٌ (وَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ غَيْرُ لَبَنِ الْمَرْأَةِ، فَلَوِ ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ بَهِيمَةٍ) لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ، وَلَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يَصِيرَانِ أَخَوَيْنِ.
وَرَدَّ بِأَنَّ الْأُخُوَّةَ فَرْعٌ عَلَى الْأُمُومَةِ، وَلَا تَثْبُتُ الْأُمُومَةُ بِهَذَا الرَّضَاعِ، فَالْأُخُوَّةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ الْآدَمِيِّ، أَشَبَهَ الطَّعَامَ (أَوْ رَجُلٍ) فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ

خُنْثَى مُشْكِلٌ لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُوقَفُ أَمْرُ الْخُنْثَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا.

فَصْلٌ وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْتَضِعَ فِي الْعَامَيْنِ.
فَلَوِ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ لَمْ تَثْبُتْ.

الثَّانِي: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ

فِي ظَاهِرِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْكَرَابِيسِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ; لِأَنَّهُ لَبَنُ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ (أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ امْرَأَةَ، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَعَ الشَّكِّ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُوقَفُ أَمْرُ الْخُنْثَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ رَجُلًا ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ كَوْنُهُ مَحْرَمًا كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجَانِبَ، وَقِيلَ: إِنْ حَرَّمَ لَبَنٌ بِغَيْرِ حَمْلٍ، وَلَا وَطْءٍ، فَفِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَجْهَانِ، وَإِنْ يَئِسَ مِنِ انْكِشَافِ حَالِهِ بِمَوْتٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَالْأَصْلُ الْحَلُّ.

[شُرُوطٌ تُثْبِتُ الْحُرْمَةَ بِالرَّضَاعِ]

[الْأَوَّلُ أَنْ يَرْتَضِعَ فِي الْعَامَيْنِ]

فَصْلٌ (وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْتَضِعَ فِي الْعَامَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] «وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ قَاعِدٌ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانِكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُمَرَ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا ما كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» وَالْهَيْثَمُ ثِقَةٌ حَافِظٌ وَثَّقَهُ

الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ: ثَلَاثٌ يُحَرِّمْنَ، وَعَنْهُ: وَاحِدَةٌ.
وَمَتَى أَخَذَ الثَّدْيَ فَامْتَصَّ، ثُمَّ تَرَكَهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

أَحْمَدُ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَالْعِجْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ (فَلَوِ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ لَمْ تَثْبُتْ) لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِهِ كَوْنُهُ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقَيَّدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ بِعْدَهُمَا بِسَاعَةٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَوْ شَرَعَ فِي الْخَامِسَةِ فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ كَمَالِهَا لَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ مَا وُجِدَ مِنَ الرَّضْعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ كَافٍ فِي التَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ مَا لَوِ انْفَصَلَ مِمَّا بَعْدَهُ وَاغْتَفَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَا لَوْ رَضَعَ قَبْلَ الْفِطَامِ، قَالَ: أَوْ كَبِيرٌ لِحَاجَةٍ نَحْوَ جَعْلِهِ مُحَرَّمًا لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا تَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَلِمَ مَا تَعْلَمُ الرِّجَالُ، فَقَالَ: أَرَضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْحَوْلَيْنِ، فَلَوْ فُطِمَ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ ارْتَضَعَ فِيهِمَا حَصَلَ التَّحْرِيمُ، وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ حَتَّى جَاوَزَهُمَا، ثُمَّ ارْتَضَعَ قَبْلَ الْفِطَامِ لَمْ يُثْبِتْ

[الثَّانِي أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ]

(الثَّانِي: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ لِمَا «رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ " عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ " ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ: «أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ» " (وَعَنْهُ: ثَلَاثٌ يُحَرِّمْنَ) وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ، وَلَا الْمَصَّتَانِ» وَفِي لَفْظٍ «لَا تُحَرِّمُ الِإْمَلَاجَةُ، وَلَا

أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ فَهِيَ رَضْعَةٌ فَمَتَى عَادَ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ قَرُبَ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ شَبَعًا، أَوْ لِأَمْرٍ يُلْهِيهِ، أَوْ لِانْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى غَيْرِهِ، أَوِ امْرَأَةٍ إِلَى غَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِاخْتِيَارِهِ فَهُمَا رَضْعَةٌ إِلَّا أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْإِمْلَاجَتَانِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الثَّلَاثُ كَالْعَادَةِ فِي الْحَيْضِ (وَعَنْهُ: وَاحِدَةٌ) وَهِيَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَزَعَمَ اللَّيْثُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَمَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ.
وَعُمُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ تَعْدَادُ الرَّضَعَاتِ كَتَحْرِيمِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَعَنْ حَفْصَةَ: عَشْرٌ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْعُمُومِ، أَوْ بِالْمَفْهُومِ، وَالصَّرِيحُ رَاجِحٌ عَلَيْهِمَا، وَالْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مُقَيَّدٌ بِسُنَّةِ نَبِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ يَقِفِ اللَّيْثُ عَلَى الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (وَمَتَى أَخَذَ الثَّدْيَ فَامْتَصَّ، ثُمَّ تَرَكَهُ، أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ فَهِيَ رَضْعَةٌ) كَذَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِّ الرَّضْعَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهَا إِلَى الْعُرْفِ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَنٍ، وَلَا مِقْدَارٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى الْعُرْفِ، فَإِذَا ارْتَضَعَ، ثُمَّ قَطَعَ بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ فَهِيَ رَضْعَةٌ (فَمَتَى عَادَ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى) لِأَنَّ الْعَوْدَ ارْتِضَاعٌ، فَكَانَ رَضْعَةً أُخْرَى كَالْأُولَى (بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ قَرُبَ) إِذِ الْعِبْرَةُ بِتَعْدَادِ الرَّضَعَاتِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالرَّضْعَةِ، وَلَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَانٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَرِيبُ كَالْبَعِيدِ (وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ شِبَعًا، أَوْ لِأَمْرٍ يُلْهِيهِ) لِأَنَّ الْفَصْلَ مَوْجُودٌ فِي الْكُلِّ (أَوْ لِانْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى غَيْرِهِ، أَوِ امْرَأَةٍ إِلَى غَيْرِهَا) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَمَا تَرَى الصَّبِيَّ يَرْضَعُ مِنَ الثَّدْيِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ النَّفَسُ أَمْسَكَ عَنِ الثَّدْيِ لِيَتَنَفَّسَ وَيَسْتَرِيحَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهِيَ رَضْعَةٌ، وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ السُّعُوطِ، وَالْوَجُورِ رَضْعَةٌ، فَكَذَا هُنَا (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِاخْتِيَارِهِ فُهُمَا رَضْعَةٌ) لِأَنَّ

بَيْنَهُمَا.
وَالسُّعُوطُ وَالْوَجُورُ كَالرَّضَاعِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَيَحْرُمُ لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَاللَّبَنُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْقَطْعَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا) فَيَكُونَا رَضْعَتَيْنِ لِأَنَّ جَعْلَهُمَا رَضْعَةً يَلْغِي الزَّمَانَ مَعَ طُولِهِ، أَوِ انْتِقَالِهِ مِنِ امْرَأَةٍ إِلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْآكِلَ لَوْ قَطَعَ الْأَكْلَ لِلشُّرْبِ، أَوْ عَارَضَ وَعَادَ فِي الْحَالِ كَانَ أَكْلَةً وَاحِدَةً، فَكَذَا الرَّضَاعُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: حَدُّ الرَّضْعَةِ أَنْ يَمُصَّ، ثُمَّ يُمْسِكَ عَنِ الِامْتِصَاصِ لِتَنَفُّسٍ، أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ خَرَجَ الثَّدْيُ مِنْ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَخْرُجْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ، وَلَا الْمَصَّتَانِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مَصَّةٍ أَثَرًا، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْوَجُورِ، وَالسُّعُوطِ رَضْعَةٌ، فَالِامْتِصَاصُ أَوْلَى.
1 (وَالسُّعُوطُ) هُوَ أَنْ يَصُبَّ فِي أَنْفِهِ اللَّبَنَ مِنْ إِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَدْخُلُ حَلْقَهُ (وَالْوَجُورُ) هُوَ أَنْ يَصُبَّهُ فِي حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ الثَّدْيِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (كَالرَّضَاعِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ الْأَصَحُّ وِفَاقًا لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَرَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ هَذَا يَصِلُ إِلَيْهِ اللَّبَنُ كَمَا يَصِلُ بِالِارْتِضَاعِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُحَرِّمُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ فِي السُّعُوطِ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْ جُرْحٍ فِي بَدَنِهِ، وَعَلَى الْأَوْلَى إِنَّمَا يُحَرَّمُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَرَّمُ بِالرَّضَاعِ، وَهُوَ خَمْسٌ عَلَى الْأَشْهَرِ، فَإِنَّهُ فَرْعٌ عَلَى الرَّضَاعِ فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَالِاعْتِبَارُ بِشُرْبِ الطِّفْلِ لَهُ، فَأَمَّا إِنْ سَقَاهُ جَرْعَةً بَعْدَ أُخْرَى مُتَتَابِعَةً فَرَضْعَةٌ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الرَّضْعَةِ الْعُرْفُ وَهُمْ لَا يَعُدُّونَ هَذَا رَضَعَاتٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى مَا إِذَا قُطِعَتْ عَلَيْهِ الرَّضَاعُ 1 - (وَيَحْرُمُ لَبَنُ الْمَيْتَةِ) وَهُوَ كَلَبَنِ الْحَيَّةِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّهُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ، وَنَجَاسَتُهُ لَا تُؤَثِّرُ كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ وَكَمَا لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَقَالَ الْخَلَّالُ: لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَتَوَقَّفَ عَنْهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مَهَنَّا ; لِأَنَّهُ لَبَنٌ لَيْسَ بِمَحَلٍّ

الْمَشُوبُ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ وَإِلَّا فَلَا.
وَالْحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَنْشُرُهَا.

[المبدع في شرح المقنع]

لِلْوِلَادَةِ، أَشْبَهَ لَبَنَ الرَّجُلِ (وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ) بِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ اخْتَلَطَ بِشَرَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ (ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهِ بَيْنَ الْخَالِصِ وَالْمَشُوبِ كَالنَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ، وَالنَّجَاسَةِ الْخَالِصَةِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ الْمَشُوبَ لَيْسَ بِلَبَنٍ خَالِصٍ، فَلَمْ يُحَرِّمْ كَالْمَاءِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ) وَذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ، فَكَذَا هُنَا (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَغْلِبِ اللَّبَنُ لَمْ يُحَرِّمْ ; لِأَنَّهُ يَزُولُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتْ صِفَاتُ اللَّبَنِ بَاقِيَةً، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، فَلَوْ صَبَّهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَشُوبٍ، وَلَا يَحْصُلْ بِهِ التَّغَذِّي، وَلَا إِنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَلَا إِنْشَارُ الْعَظْمِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحَرِّمُ ; لِأَنَّ أَجْزَاءَ اللَّبَنِ حَصَلَ فِي بَطْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ ظَاهِرًا، وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعٍ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.
فَرْعٌ: إِذَا عَمِلَ اللَّبَنُ جُبْنَا حَرَّمَ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ وَاصِلٌ مِنَ الْحَلْقِ يَحْلُ بِهِ إِنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَعَنْهُ لَا لِزَوَالِ الِاسْمِ، وَإِذَا قُلْنَا: الْوَجُورُ لَا يُحَرِّمُ فَهَذَا أَوْلَى.
(وَالْحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيْهِ) وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي، فَلَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ كَمَا لَوْ قَطَّرَ فِي إِحْلِيلِهِ وَكَمَا لَوْ وَصَلَ مِنْ جُرْحٍ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ) وَابْنُ أَبِي مُوسَى (تَنْشُرُهَا) لِأَنَّهُ سَبِيلٌ يَحْصُلُ بِالْوَاصِلِ مِنْهُ الْفِطْرُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَالرَّضَاعِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِذِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِطْرِ، وَالرَّضَاعِ ثَابِتٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الرَّضَاعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِنْشَارُ الْعَظْمِ، وَإِنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي

فَصْلٌ وَإِذَا تَزَوَّجَ كَبِيرَةً، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَثَلَاثَ صَغَائِرَ، فَأَرْضَعَتِ الْكَبِيرَةُ إِحْدَاهُنَّ فِي الْحَوْلَيْنِ، حُرِّمَتِ الْكَبِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَثَبَتَ نِكَاحُ الصُّغْرَى، وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا، وَإِنْ أَرْضَعَتِ اثْنَتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيْنِ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى.
وَعَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

الْحُقْنَةِ مَوْجُودٌ فِي الرَّضَاعِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَبَنُ أُنْثَى تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ، وَإِنْ ثَابَ بَعْدَهَا فَقَدْ حَاضَتْ وَبَلَغَتْ، وَإِنْ ثَابَ بِدُونِ حَمْلٍ وَوَطْءٍ، وَقُلْنَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، صَارَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهَا، وَإِنْ شَكَّتِ الْمُرْضِعَةُ فِي الرَّضَاعِ، أَوْ كَمَالِهِ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَلَا بَيِّنَةَ، فَلَا تَحْرِيمَ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَبَ مِنْ نِسْوَةٍ وَسَقَى طِفْلًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَضَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.

[فَصْلٌ: إِرْضَاعُ الزَّوْجَةِ الْكَبِيرَةِ الزَّوْجَةَ الصَّغِيرَةِ]

فَصْلٌ (وَإِذَا تَزَوَّجَ كَبِيرَةً، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَثَلَاثَ صَغَائِرَ، فَأَرْضَعَتِ الْكَبِيرَةُ إِحْدَاهُنَّ فِي الْحَوْلَيْنِ، حُرِّمَتِ الْكَبِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ) وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: نِكَاحُهَا ثَابِتٌ وَتُنْزَعُ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ، وَجَوَابُهُ: مَا تَقَدَّمَ (وَثَبَتَ نِكَاحُ الصُّغْرَى) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا (وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهَا اجْتَمَعَتْ مَعَ أُمِّهَا فِي النِّكَاحِ كَمَا لَوْ صَارَتَا أُخْتَيْنِ وَكَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الرَّضَاعِ عَقْدًا وَاحِدًا، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْكُبْرَى أَوْلَى بِفَسْخِ نِكَاحِهَا لِتَحْرِيمِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ كَمَا لَوِ ابْتَدَأَ الْعَقْدُ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ طَرَأَ عَلَى نِكَاحِ الْأُمِّ، وَالْبِنْتِ، فَاخْتَصَّ الْفَسْخُ بِنِكَاحِ الْأُمِّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ امْرَأَةٌ وَبِنْتُهَا، وَالْأَخْتَانُ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنَ الْأُخْرَى، وَفَارَقَ مَا لَوِ ابْتَدَأَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الدَّوَامَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ (وَإِنْ أَرْضَعَتِ اثْنَتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيْنِ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى) لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ وَاجْتَمَعَتَا فِي الزَّوْجِيَّةِ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُمَا مَعًا (وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأُولَى وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ

الثَّانِيَةِ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأُولَى وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ أَرْضَعَتِ الثَّلَاثَ مُتَفَرِّقَاتٍ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُولَتَيْنِ وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْأَصَاغِرِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ تُحَرَّمُ ابْنَتُهَا عَلَيْهِ كَأُمِّهِ وَجَدَّتِهِ وَأُخْتِهِ وَرَبِيبَتِهِ إِذَا أَرْضَعَتْ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ وَكُلُّ رَجُلٍ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ كَأَخِيهِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْكَبِيرَةَ لَمَّا أَرْضَعَتِ الصَّغِيرَةَ أَوَّلًا انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، ثُمَّ أَرْضَعَتِ الْأُخْرَى، فَلَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهُمَا فِي النِّكَاحِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا (وَإِنْ أَرْضَعَتِ الثَّلَاثَ مُتَفَرِّقَاتٍ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُولَتَيْنِ) لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ (وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ) لِأَنَّ رَضَاعَهَا بَعْدَ انْفِسَاخِ نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ، وَالصَّغِيرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا، فَلَمْ تُصَادِفْ إِخْوَتَهَا جَمْعًا فِي النِّكَاحِ (عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى) وَهِيَ أَنَّ الْكَبِيرَةَ تَحْرُمُ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ (وَعَلَى الثَّانِيَةِ) وَهِيَ انْفِسَاخُ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ (يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْجَمِيعِ) لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ إِذَا انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، ثُمَّ أَرْضَعَتِ الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةَ لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ إِخْوَتَهَا جَمْعًا فِي النِّكَاحِ، فَإِذَا أَرْضَعَتِ الثَّالِثَةَ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا ; لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَتَا فِي نِكَاحِهِ وَهُمَا أُخْتَانِ وَحِينَئِذٍ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْجَمِيعِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ فِي نِكَاحِهِ ; لِأَنَّهَا إِذَا أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ، ثُمَّ إِذَا أَرْضَعَتِ اثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا مُجْتَمِعَاتٍ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ فِي النِّكَاحِ عَلَى الْأُولَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأُمِّ، وَالْأُولَى بِالِاجْتِمَاعِ، ثُمَّ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الِاثْنَتَيْنِ لِكَوْنِهِمَا أُخْتَيْنِ مَعًا (وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْأَصَاغِرِ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ جَمْعٍ، فَإِنَّهُنَّ رَبَائِبُ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهِنَّ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى حُرِّمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ) لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ (وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا عَلَيْهِ كَأُمِّهِ وَجَدَّتِهِ وَأُخْتِهِ

وَأَبِيهِ وَابْنِهِ إِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ بِلَبَنِهِ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ، وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ.

فَصْلٌ وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَرَبِيبَتِهِ إِذَا أَرْضَعَتْ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا تَصِيرُ ابْنَتَهَا مِنَ الرَّضَاعِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتِ الْمُرْضِعَةُ أُمَّهَ، فَالْمُرْتَضِعَةُ أُخْتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ جَدَّتُهُ فَهِيَ عَمَّتُهُ (وَكُلُّ رَجُلٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ كَأَخِيهِ وَأَبِيهِ وَابْنِهِ إِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ بِلَبَنِهِ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا تَصِيرُ ابْنَتُهُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الْمُرْضِعَةُ امْرَأَةَ أَخِيهِ، فَالْمُرْتَضِعَةُ بِنْتُ أَخِيهِ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةَ أَبِيهِ، فَالْمُرْتَضِعَةُ أُخْتُهُ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةَ ابْنِهِ، فَالْمُرْتَضِعَةُ بِنْتُ ابْنِهِ، فَلَوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ بِلَبَنِ غَيْرِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا رَبِيبَةُ زَوْجِهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ (وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا طَرَأَ أَوْجَبَ الْفَسْخَ كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ طِفْلًا فَأَرْضَعَتْهُ زَوْجَتُهُ الْكَبِيرَةُ.
1 - مَسَائِلُ: إِذَا تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صغيرا - انْفَسَخَ النِّكَاحُ لِأَنَّهَا إِنْ أَرْضَعَتِ الزَّوْجَ صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتِ الزَّوْجَةَ صَارَتْ عَمَّتَهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صغيرا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ; لِأَنَّهَا إِنْ أَرْضَعَتِ الزَّوْجَ صَارَ خَالَهَا، وَإِنْ أَرْضَعَتِ الزَّوْجَةَ صَارَتْ عَمَّتَهُ، وَإِنَّ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا الزَّوْجَ صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْها صَارَتْ خَالَتَهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالَتِهِ فَأَرْضَعَتِ الزَّوْجَ صَارَ خَالَ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ خَالَةَ زَوْجِهَا.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمَّ رَجُلٍ وَابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ وَزَوْجَةَ ابْنِهِ طِفْلَةً رَضْعَةً رَضْعَةً لَمْ تَحْرُمْ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْأَصَحِّ.

[فَصْلٌ إِفْسَادُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِرَضَاعٍ]

فَصْلٌ (وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ

مَهْرِهَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لَهَا، وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا سَقَطَ مَهْرُهَا.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ مَهْرُهَا وَلَمْ يُرْجَعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ أَيْضًا وَرَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

مَهْرِهَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لَهَا) لِأَنَّهُ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِعَرْضِ السُّقُوطِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إِذَا رَجَعُوا، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ نِصْفُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَالْفَسْخُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ (سَقَطَ مَهْرُهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا كَمَا لَوِ ارْتَدَّتْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى، فَعَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: تَرْجِعُ بِجَمِيعِ صَدَاقِهَا ; لِأَنَّهَا أَتْلَفَتِ الْبِضْعَ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتِ الْمُرْضِعَةُ أَرَادَتِ الْفَسَادَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ ; لِأَنَّهَا قَرَّرَتْهُ عَلَيْهِ وَأَلْزَمَتْهُ إِيَّاهُ وَأَتْلَفَتْ عَلَيْهِ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الضَّمَانُ كَمَا لَوْ أَتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، وَالْوَاجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى، لَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبِضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا بِقَتْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ) وَأَفْسَدَهُ غَيْرُهَا (وَجَبَ مَهْرُهَا) الْمُسَمَّى لَهَا (وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ) قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": هُوَ الْأَقْوَى، وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقَرِّرْ عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا، وَلَمْ يُلْزِمْهُ إِيَّاهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَمَا لَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الرُّجُوعَ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ لَسَقَطَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُفْسِدَةَ لِلنِّكَاحِ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ (وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ أَيْضًا وَرَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ) أَيْ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كُلَّهُ عَلَى زَوْجِهَا، فَتَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ كَنِصْفِ الْمَهْرِ في غير الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَهُمَا

الْمَذْهَبِ، وَإِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى وَلَا مَهْرَ لِلْكُبْرَى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهِ صَدَاقُهَا، وَإِنْ كَانَتِ الصُّغْرَى هِيَ الَّتِي دَبَّتْ إِلَى الْكُبْرَى، وَهِيَ نَائِمَةٌ فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْكُبْرَى إِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَخْذُ مِنَ الْمُفْسِدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى لِلرُّجُوعِ الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ بِحُكْمِهِ (وَلَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا) بَعْدَ الدُّخُولِ (لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ) وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتِ، وَلِأَنَّ الْمَهْرَ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ، وَالْمُسْتَقَرُّ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ بِشَيْءٍ إِذَا كَانَ أَدَّاهُ إِلَيْهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى إِنْ أَفْسَدَتْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لَهَا نِصْفَ مَهْرِهَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (وَإِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى) لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ إِذَا جَاءَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَانَ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي كَوْنِ الْمَهْرِ عَلَيْهِ (يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى) لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسَبَّبَتْ فِي انْفِسَاخِ نِكَاحِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَفِي رَقَبَتِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهَا، وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَدِهِ زَوْجَتَهُ الصُّغْرَى حُرِّمَتِ الصَّغِيرَةُ ; لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِأُمِّهَا وَتُحَرَّمُ أُمُّ الْوَلَدِ أَبَدًا ; لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ عَلَى سَيِّدِهَا وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَرْشُ جِنَايَتِهَا (وَلَا مَهْرَ لِلْكُبْرَى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسَبَّبَتْ إِلَى انْفِسَاخِ نِكَاحِهَا فَسَقَطَ صَدَاقُهَا كَمَا لَوِ ارْتَدَّتِ.
(وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهِ صَدَاقُهَا) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا وَلَا بِغَيْرِهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ الصُّغْرَى هِيَ الَّتِي دَبَّتْ إِلَى الْكُبْرَى، وَهِيَ نَائِمَةٌ فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا) لِأَنَّهَا فَسَخَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، وَقَاسَ فِي " الْوَاضِحِ " نَائِمَةً عَلَى مُكْرَهَةٍ (وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْكُبْرَى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ إِلَى فَسْخِ نِكَاحِهَا الْمُوجِبِ لِتَقْرِيرِ نِصْفِ الْمُسَمَّى وَأَتْلَفَتْ عَلَى

كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ بِجَمِيعِهِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِشَيْءٍ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ لَهُنَّ

[المبدع في شرح المقنع]

الزَّوْجِ الْبِضْعَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَلَفَتْ عَلَيْهِ مَبِيعًا (أَوْ بِجَمِيعِهِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي) وَنَسَبَهُ فِي " الشَّرْحِ " إِلَى الْأَصْحَابِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ، لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِشَيْءٍ) فَإِنِ ارْتَضَعَتِ الصَّغِيرَةُ مِنْهَا رَضْعَتَيْنِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، ثُمَّ انْتَبَهَتِ الْكَبِيرَةُ فَأَتَمَّتْ لَهَا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ فَقَدْ حَصَلَ الْفَسَادُ بِفِعْلِهِمَا فَيَتَقَسَّطُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكَبِيرَةِ وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ فَعَلَيْهِ خُمُسُ مَهْرِهَا، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا أَرْضَعَتْ أُمُّ زَوْجَتِهِ الْكُبْرَى الْمَدْخُولُ بِهَا زَوْجَتَهُ الصُّغْرَى بَطَلَ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ وَلَهُ نِكَاحُ أَيَّتِهِمَا شَاءَ وَتَغْرَمُ الْمُرْضِعَةُ كُلَّ مَهْرِ الْكُبْرَى لِلزَّوْجِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ زَوْجَتِهِ الْكُبْرَى فَهِيَ كَأُمِّهَا، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّتُهَا صَارَتِ الصُّغْرَى خَالَةَ الْكُبْرَى، أَوْ عَمَّتَهَا، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا وَنَكَحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ إِنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُهَا أَوْ زَوْجَةُ أَخِيهَا بِلَبَنِهِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِ الْكَبِيرَةِ، أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ أَخِيهَا أَوْ بِنْتُ أُخْتِهَا وَلَا تَحْرُمُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى التَّأْبِيدِ.
1 - (وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً حَرُمَتْ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، فَعَلَى هَذَا تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ (وَلَمْ تَحْرُمْ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُنَّ أُمُومَةٌ، وَالثَّانِي لَا يَصِيرُ أَبًا لَهَا ; لِأَنَّهُ رَضَاعٌ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْأُمُومَةُ، فَلَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْأُبُوَّةُ كَلَبَنِ الْبَهِيمَةِ، فَلَوْ أَرْضَعْنَ طِفْلًا لَمْ يَصِيرُوا أُمَّهَاتٍ لَهُ وَصَارَ الْمَوْلَى أَبًا لَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَقِيلَ: لَا تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ كَالْأُمُومَةِ وَكَلَبَنِ الرَّجُلِ وَالْأَوَّلُ

لَبَنٌ مِنْهُ فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً حَرُمَتْ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ تَحْرُمْ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ امْرَاةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةِ رَضْعَتَيْنِ لَمْ تَحْرُمِ الْمُرْضِعَاتُ، وَهَلْ تَحْرُمُ

[المبدع في شرح المقنع]

أَصَحُّ، فَإِنَّ الْأُبُوَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ لِكَوْنِهِ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ، لَا لِكَوْنِ الْمُرْضِعَةِ أُمًّا لَهُ، وَإِذَا قُلْنَا بِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَاتُ لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ وَهُنَّ مَوْطُوءَاتُ أَبِيهِ فَإِنْ أَرْضَعْنَهُ بِغَيْرِ لَبَنٍ السَّيِّدِ لَمْ يَصِرِ السَّيِّدُ أَبًا لَهُ بِحَالٍ، وَلَا يَحْرُمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي ".

فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ خَمْسُ بَنَاتٍ فَأَرْضَعْنَ طِفْلًا رَضْعَةً رَضْعَةً لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ، وَهَلْ يَصِيرُ الرَّجُلُ جَدًّا وَأَوْلَادُهُ إِخْوَةُ الْمُرْضِعَاتِ أَخْوَالَهُ وَخَالَاتَهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَمُلَ لِلْمُرْتَضِعِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِ بَنَاتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَالْآخَرُ لَا ; لِأَنَّ كَوْنَهُ جَدًّا فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهِ أُمًّا، وَكَوْنُهُ خَالًا فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ أُخْتِهِ أُمًّا، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ الْفَرْعُ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَرْجَحُ ; لِأَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِيرُ أَخُوهُنَّ خَالًا لَمْ تُثْبِتِ الْخُؤُولَةُ فِي حَقِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ ; لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ مِنَ اللَّبَنِ الْمُحَرِّمِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَلَوْ كَمُلَ لِلطِّفْلِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجَةِ ابْنِهِ، فَعَلَى الْخِلَافِ.
1 - (وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَيْنِ لَمْ تَحْرُمِ الْمُرْضِعَاتُ) لِأَنَّ عَدَدَ الرَّضَعَاتِ لَمْ يَكْمُلْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ (وَهَلْ تَحْرُمُ الصُّغْرَى؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا تَحْرُمُ) لِأَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَالثَّانِي: عُلِمَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " وَصَحَّحَ التَّحْرِيمَ فِيهِمَا (وَعَلَيْهِ

الصُّغْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا تَحْرُمُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ عَلَى قَدْرِ رَضَاعِهِنَّ يُقَسَّمُ بَيْنَهُنَّ أَخْمَاسًا.
فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ امْرَأَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ صِغَارًا حَرُمَتِ الْكُبْرَى، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا حَرُمَ الصِّغَارُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمُلَ رَضَاعُهَا، أَوْ لَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَرْضَعْنَ وَاحِدَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَيْنِ، فَهَلْ تَحْرُمُ الْكُبْرَى بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

نِصْفُ مَهْرِهَا) لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ، لَا بِسَبَبٍ مِنْهَا (يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ) لِأَنَّهُنَّ قَرَّرْنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَسَبَّبْنَ إِلَى إِتْلَافِ الْبِضْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفْنَ مَبِيعَهُ (عَلَى قَدْرِ رَضَاعِهِنَّ يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ أَخْمَاسًا) لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ اشْتَرَكُوا فِيهِ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَ كَمَا لَوْ أَتْلَفُوا عَيْنًا وَتَفَاوَتُوا فِي الْإِتْلَافِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ طِفْلًا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ بِلَبَنِ رَجُلٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ لَبَنُهَا فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَصَارَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ الطِّفْلَ رَضْعَتَيْنِ صَارَتْ أُمَّهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْسَ مُحَرِّمَاتٌ، وَلَمْ يَصِرِ الرَّجُلَانِ أَبَوَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكْمِلْ عَدَدُ الرَّضَاعِ مِنْ لَبَنٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِ رَبِيبِهِمَا، لَا لِكَوْنِهِ وَلَدَهُمَا (فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ امْرَأَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ صِغَارًا حَرُمَتِ الْكُبْرَى) لِأَنَّهَا مِنْ جَدَّاتِ النِّسَاءِ وَجَدَّةُ الزَّوْجَةِ مُحَرَّمَةٌ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا حُرِّمَ الصِّغَارُ أَيْضًا) لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ مَدْخُولٌ بِأُمِّهِنَّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمُلَ رَضَاعُهَا، أَوْ لَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ اجْتَمَعَتْ مَعَ جَدَّتِهَا فِي النِّكَاحِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اجْتَمَعَتْ مَعَ أُمِّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ أُمِّهَا (وَإِنْ وَأَرْضَعْنَ وَاحِدَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَيْنِ فَهَلْ تَحْرُمُ الْكُبْرَى بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، أَصَحُّهُمَا تَحْرُمُ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ جَدَّةً بِكَوْنِ الصُّغْرَى قَدْ كَمُلَ لَهَا خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ بَنَاتِهَا، وَالثَّانِي: قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَوْلَى، لَا تَصِيرُ جَدَّةً، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّ كَوْنَهَا جَدَّةً فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهَا أُمًّا، وَلَمْ تَثْبُتِ الْأُمُومَةُ فَمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا أَوْلَى.
1 -

فَصْلٌ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهَا لَبَنٌ مِنْهُ فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ أَبَدًا ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الصَّبِيَّ أَوَّلًا، ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ لِعَيْبٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَبَدِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: تَزَوَّجَ رَجُلَانِ كُبْرَى وَصُغْرَى، ثُمَّ طَلَّقَاهُمَا وَتَزَوَّجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةَ الْآخَرِ فَأَرْضَعَتِ الْكُبْرَى الصُّغْرَى حَرُمَتِ الْكُبْرَى عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِمَا وَتَحْرُمُ الصُّغْرَى عَلَى مَنْ دَخَلَ بِالْكُبْرَى ; لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ مَدْخُولٌ بِأُمِّهَا.

[فَصْلٌ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهَا لَبَنٌ مِنْهُ فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ]

ِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهُ مِنَ الرَّضَاعِ (وَعَلَى الْأَوَّلِ أَبَدًا) وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ) وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ صَارَ ابْنًا لِلْمُطَلِّقِ ; لِأَنَّهُ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ رَضَاعًا مُحَرَّمًا، وَهِيَ زَوْجَتُهُ فَلَزِمَ مِنْ صَيْرُورَتِهَا مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِآخِرَ وَدَخَلَ بِهَا، وَمَاتَ عَنْهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مَنْ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ لَمَّا أَرْضَعَتِ الصَّبِيَّ الَّذِي تَزَوَّجَتْ بِهِ (وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الصَّبِيَّ أَوَّلًا، ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ لِعَيْبٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَبَدِ) عَلَى الْكَبِيرِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَعَلَى الصَّبِيِّ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهُ.
1 - مَسْأَلَةٌ: إِذَا زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ صَغِيرًا مَمْلُوكًا فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ سَيِّدِهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحَرُمَتْ عَلَى سَيِّدِهَا أَبَدًا ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا حُرًّا صَغِيرًا لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ لِعَدَمِ خَوْفِ الْعَنَتِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ السَّيِّدِ لَمْ يَصِرِ السَّيِّدُ أَبَاهُ، وَلَمْ يَحْرُمْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ فِي الْحَقِيقَةِ.

فَصْلٌ إِذَا شَكَّ فِي الرَّضَاعِ، أَوْ عَدَدِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنْ شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا.
وَعَنْهُ: أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْضِيَّةً اسْتُحْلِفَتْ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ

[المبدع في شرح المقنع]

[فَصْلٌ: الشَّكُّ فِي الرَّضَاعِ وَعَدَدِهِ]

فَصْلٌ (إِذَا شَكَّ فِي الرَّضَاعِ، أَوْ عَدَدِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ لِمَا «رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ فَنَهَاهُ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: دَعْهَا عَنْكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبِيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ فَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادَةِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، فَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ مِنَ الشُّهُودِ، فَقَالَ: رَجُلٌ، أَوِ امْرَأَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي مَتْنِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَرْضِيَّةً أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا لِلْخَبَرِ، وَالْمُتَبَرِّعَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ، قِيلَ: مَعَ الْيَمِينِ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ نَفْعٌ مَقْصُودٌ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا، لَا يُقَالُ: إِنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْخُلْوَةَ وَالسَّفَرَ مَعَهُ، وَتَصِيرُ مَحْرَمًا لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ الَّتِي تَرِدُ بِهَا الشَّهَادَةُ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوَّجْتَهُ وَأَعْتَقَ أَمَتَهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ حَلَّ لَهُمَا نِكَاحُهَا بِذَلِكَ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرَضِيَّةً اسْتُحْلِفَتْ) مَعَ شَهَادَتِهَا (فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا)

عَنْهُمَا، وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ: هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ فَلَا مَهْرَ، وَإِنَّ كَذَّبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَهَا الْمَهْرُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي قَالَتْ: هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ، وَأَكَذَبَهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: هِيَ ابْنَتِي مِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

أَيْ: يُصِيبُهَا فِيهِمَا بَرَصٌ عُقُوبَةً عَلَى شَهَادَتِهَا الْكَاذِبَةِ (وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ ; لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ رَأْيٌ، وَعَنْهُ لَا تُقْبَلُ إِلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ; لِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنَ النِّسَاءِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ أُمِّ الْمُنْكِرِ وَبِنْتُهُ، لَا الْمُدَّعِي إِلَّا أَنْ يَبْتَدِئَا حِسْبَةً، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فَقَطْ حَتَّى أُمِّ الْمُرْضِعَةِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنَّ الظِّئْرَ إِذَا قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنِّي أَرْضَعْتُكُمَا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّهُمَا ارْتَضَعَا مِنِّي قَبْلُ (وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ: هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ، وَلَوِ ادَّعَى خَطَأً، وَهَذَا فِي الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ (فَإِنْ صَدَّقَتْهُ، فَلَا مَهْرَ) لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ، لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ مَهْرًا كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ (وَإِنَّ كَذَّبَتْهُ) قَبِلَ قَوْلَهَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إِسْقَاطِ حُقُوقِهَا، وَتَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ، فَقَبِلَ (فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) لِأَنَّهَا فِرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَهَا الْمَهْرُ بِكُلِّ حَالٍ) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ، وَهَذَا مَا لَمْ تُطَاوِعْهُ عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: إِنْ صَدَّقَتْهُ سَقَطَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُسَمَّى فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلْ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ مَعَ جَهْلِهَا بِالتَّحْرِيمِ (وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي قَالَتْ هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ وَأَكْذَبَهَا) وَلَا بَيِّنَةَ وَحَلَفَ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (فَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ

الرَّضَاعِ، وَهِيَ فِي سِنِّهِ، أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ لَمْ تُحَرَّمْ لِتَحَقُّقِنَا كَذِبَهُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ

[المبدع في شرح المقنع]

لَا يَقْبَلُ قَوْلَهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ; لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ لَمْ يَطْلُبْهُ الزَّوْجُ ; لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَبِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَطَاوَعَتْهُ فِي الْوَطْءِ، فَلَا مَهْرَ لِإِقْرَارِهَا بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَهَا الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْمًا ; لِأَنَّ قَوْلَهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهِ.
1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا عَلِمَتْ صِحَّةَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا تَمْكِينُهُ وَتَفْتَدِي نَفْسَهَا بِمَا أَمْكَنَهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمُسَمَّى، أَوْ مَهْرَ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ إِقْرَارُهَا بِأُخُوَّتِهِ قَبْلَ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ لَهَا نِكَاحُهُ، وَلَا يَقْبَلُ رُجُوعَهَا عَنْ إِقْرَارِهَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ، أَوْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ وَأَمَكَنَ صِدْقُهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ تَزْوِيجُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَيَنْبَنِي عَلَى عِلْمِهِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، وَيَحْلِفُ مُدَّعِي الرَّضَاعِ عَلَى الْبَتِّ، وَمُنْكِرُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِذَا ادَّعَتْ أَمَةٌ أُخُوَّةَ سَيِّدِهَا بَعْدَ وَطْءٍ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَوَجْهَانِ.
1 - (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: هِيَ ابْنَتِي مِنَ الرَّضَاعِ وَهِيَ فِي سِنِّهِ، أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ لَمْ تُحَرِّمْ) وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ (لِتَحَقُّقِنَا كَذِبَهُ) كَمَا لَوْ قَالَ: أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا حَوَّاءُ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَظَ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ، وَهِيَ فِي سِنٍّ لَا يُوَلَدُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ كَانَ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ، وَهِيَ فِي سِنِّهِ لَتَحَقَّقَ مَا ذَكَرَ.

فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ فَأَنْكَرَتْهُ فَشَهِدَ بِذَلِكَ أُمُّهُ، أَوِ ابْنَتُهُ لَمْ يُقْبَلْ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَإِنْ شَهِدَتْ أُمُّهَا، أَوِ ابْنَتُهَا قُبِلَتْ، وَعَنْهُ لَا،

بِامْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ زَادَ لَبَنُهَا فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا صَارَ ابْنًا لَهُمَا، وَإِنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ.

[المبدع في شرح المقنع]

بِنَاءً عَلَى شَهَادَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ، وَالْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ، وَإِنِ ادَّعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَأَنْكَرَهَا الزَّوْجُ فَشَهِدَتْ لَهَا أُمُّهَا، أَوِ ابْنَتُهَا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ شَهِدَتْ لَهَا أُمُّ الزَّوْجِ، أَوِ ابْنَتُهُ قُبِلَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". 1 - (وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا) أَوْ زَادَ قَبْلَ أَوَانِهِ (فَهُوَ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّ اللَّبَنَ إِذَا بَقِيَ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ، وَلَمْ يَنْقُصْ، وَلَمْ تَلِدْ مِنَ الثَّانِي فَهُوَ لِلْأَوَّلِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لَهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَعُلِمُ مِنْهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْمَلْ مِنَ الثَّانِي أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ مُطْلَقًا، وَأَنَّهَا إِذَا وَلَدَتْ مِنَ الثَّانِي فَاللَّبَنُ لَهُ خَاصَّةً إِجْمَاعًا (وَإِنْ زَادَ لَبَنُهَا) فِي أَوَانِهِ (فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا صَارَ ابْنًا لَهُمَا) فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ زِيَادَتَهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْهُ وَبَقَاءُ لَبَنِ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ فَيَجِبُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِمَا (وَإِنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: هُوَ ابْنٌ لَهُمَا، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ) قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَهُوَ الْأَحْسَنُ ; لِأَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ، فَزَالَ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِهِ، وَحَدَثَ بِالْحَمْلِ مِنَ الثَّانِي، فَكَانَ لَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ، وَلَمْ يَنْقُصْ حَتَّى وَلَدَتْ، فَهُوَ لَهُمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لِلثَّانِي كَمَا لَوْ زَادَ.
1 - فَائِدَةٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ الِارْتِضَاعَ بِلَبَنِ فَاجِرَةٍ وَمُشْرِكَةٍ لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ، وَكَذَا حَمْقَاءُ وَسَيِّئَةُ الْخُلُقِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تَزَوَّجُوا الْحَمْقَاءَ، فَإِنَّ صُحْبَتَهَا بَلَاءٌ، وَفِي وَلَدِهَا ضَيَاعٌ، وَلَا تَسْتَرْضِعُوهَا، فَإِنَّ لَبَنَهَا يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ» وَفِي " الْمُجَرَّدِ ": وَبَهِيمَةٍ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ بَلَدُ الْبَهِيمَةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَعَمْيَاءَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَزِنْجِيَّةً.

كِتَابُ النَّفَقَاتِ تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ، مَا لَا غِنَى لَهَا عَنْهُ وَكُسْوَتُهَا بِالْمَعْرُوفِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]

[النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ]

وَهِيَ جَمْعُ نَفَقَةٍ وَتُجْمَعُ عَلَى نِفَاقٍ كَتَمْرَةٍ وَتِمَارٍ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ، وَنَحْوُهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّ النَّفَقَةَ كِفَايَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ خُبْزًا وَأُدْمًا وَنَحْوَهَا، وَأَصْلُهَا الْإِخْرَاجُ مِنَ النَّافِقِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يَجْعَلُهُ الضَّبُّ فِي مُؤَخَّرِ الْجحرِ رَقِيقًا يُعِدُّهُ لِلْخُرُوجِ إِذَا أَتَى مِنْ بَابِهِ رَفَعَهُ بِرَأْسِهِ وَخَرَجَ مِنْهُ، وَمِنْهُ سُمِّي النِّفَاقُ ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنَ الْإِيمَانِ، أَوْ خُرُوجُ الْإِيمَانِ مِنَ الْقَلْبِ فَسُمِّيَ الْخُرُوجُ نَفَقَةً لِذَلِكَ، وَهِيَ أَصْنَافٌ: نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ هُنَا، وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ، وَالْمَمَالِيكِ (تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ) إِجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] وَمَعْنَى " قُدِرَ " ضُيِّقَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: 50] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي طَعَامِهِنَّ وَكِسْوَتِهِنَّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، وَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ يَمْنَعُهَا مِنَ التَّصَرُّفِ وَالِاكْتِسَابِ، فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا كَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ

وَمَسْكَنُهَا بِمَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا، لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهِ رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

(مَا لَا غِنَى لَهَا عَنْهُ) بَيَانٌ لِمَا تُجِبُ النَّفَقَةُ (وَكِسَوْتُهَا بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: إِذَا أَسْلَمَتْ نَفْسَهَا إِلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ، فَلَهَا عَلَيْهِ جَمِيعُ حَاجَتِهَا مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ (وَمَسْكَنُهَا) لِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَهُ لِلْمُطَلَّقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] فَيَجِبُ لِمَنْ هِيَ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاشِرِتهَا بِالْمَعْرُوفِ ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ لِلِاسْتِتَارِ عَنِ الْعُيُونِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَالتَّصَرُّفِ، وَالْحِفْظِ.
(بِمَا يَصِلحُّ لِمِثْلِهَا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْمَسْكَنِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ صَلَاحِيَّةَ مَا قَبْلَ ذَلِكَ عُلِمَ بِقَوْلِهِ " بِالْمَعْرُوفِ " وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَكَالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ.
(وَلَيْسَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا) لِحَدِيثِ هِنْدٍ (لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ) جَمِيعًا هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُعْتَبَرُ حَالُ الْمَرْأَةِ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وَالْمَعْرُوفُ الْكِفَايَةُ، وَلِأَنَّ الْكِسْوَةَ عَلَى قَدْرِ حَالِهَا، فَكَذَا النَّفَقَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ حَالُ الزَّوْجِ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَطْعِمُوهُنَّ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُنَّ مِمَّا تَلْبَسُونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَرِعَايَةٌ لِكُلٍّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَكَانَ أَوْلَى، وَحِينَئِذٍ فَالنَّفَقَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ خُبْزٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ، وَالْمُعْسِرِ اعْتِبَارًا بِالْكَفَّارَاتِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ، وَالْمَذْهَبُ لَا يَجِبُ الْحَبُّ، فَلَوْ تَرَاضَيَا مَكَانَ الْخُبْزِ عَلَى حَبٍّ، أَوْ دَقِيقٍ جَازَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَه حَقِيقَةً ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُعَيِّنِ الْوَاجِبَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْكِفَايَةِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ (فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهِ رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ) أَوْ نَائِبِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ فَرَجَعَ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ كَسَائِرِ الْمُخْتَلَفَاتِ، وَلِأَنَّهُ وُضِعَ لِقَطْعِ النِّزَاعِ (فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ

أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ وَأُدْمِهِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِأَكْلِهِ وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الدِّهْنِ وَمَا يَلْبَسُ مِثْلُهَا مِنْ جَيِّدِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ، وَالْخَزِّ، وَالْإِبْرِيسَمِ، وَأَقَلُّهُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَوِقَايَةٌ وَمِقْنَعَةٌ وَمُدَاسٌ وَجُبَّةٌ فِي الشِّتَاءِ، وَلِلنَّوْمِ: الْفِرَاشُ، وَاللِّحَافُ، وَالْمِخَدَّةُ وَالزُّلِّيُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُوسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ) الْخَاصِّ (وَأُدْمِهِ) الْمُعْتَادِ لِمِثْلِهَا (الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِأَكْلِهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ مِنَ الْمَعْرُوفِ إِطْعَامُ الْمُوسِرَةِ خُبْزَ الْمُعْسِرَةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ، وَالْمُعْسِرِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ التَّفْرِيقُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْعُرْفِ، وَأَهْلُ الْعُرْفِ يَتَعَارَفُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ جِنْسَ نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ أَعْلَى مِنْ جِنْسِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِينَ، وَيَعُدُّونَ الْمُنْفِقَ مِنَ الْمُوسِرِينَ مِنْ جِنْسِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِينَ بَخِيلًا، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الدَّوَامِ، فَاخْتَلَفَ جِنْسُ الْيَسَارِ، وَالْإِعْسَارِ كَالْكِسْوَةِ، فَلَوْ تَبَرَّمَتْ مِنْ أُدْمٍ، نَقَلَهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَفْرِضُ لَحْمًا، عَادَةَ الْمُوسِرِينَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " كُلَّ جُمْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ الْعَادَةَ، لَكِنْ يُخَالِفُ فِي إِدْمَانِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُهُمْ (وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الدِّهْنِ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ كَالسَّمْنِ، وَالزَّيْتِ، وَالشَّحْمِ، وَالسِّيرْجِ، فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى حِدَتِهِ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، أَشْبَهَ كَنْسَ الْمُسْتَأْجِرِ الدَّارَ (وَمَا يَلْبَسُ مِثْلُهَا مِنْ جَيِّدِ الْكَتَّانِ) بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَالْقُطْنِ، وَالْخَزِّ، وَالْإِبْرِيسَمِ) قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: الْخَزُّ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ، وَالْإِبْرِيسَمُ الْحَرِيرُ الْمُصْمَتُ، وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ، وَقِيلَ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ كِسْوَتَهَا وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا عَلَى الدَّوَامِ فَلَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِكِفَايَتِهَا وَلَيْسَتْ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ كَالنَّفَقَةِ وَيَرْجِعُ فِيهَا إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ كَاجْتِهَادِهِ فِي الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ (وَأَقَلُّهُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَوِقَايَةٌ) وَهِيَ مَا تَضَعُهُ فَوْقَ الْمِقْنَعَةِ وَتُسَمَّى الطَّرْحَةَ (وَمِقْنَعَةٌ وَمُدَاسٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ ; لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَيْءٍ يُوَارِي جَسَدَهُ، وَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمِنْ شَيْءٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَهُوَ السَّرَاوِيلُ، وَمِنْ شَيْءٍ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ الْوِقَايَةُ، وَمِنْ شَيْءٍ فِي رِجْلِهِ، وَهُوَ الْمَدَاسُ، وَمِنْ شَيْءٍ يُدْفِئُهُ (وَ) هُوَ (جُبَّةٌ فِي الشِّتَاءِ) وَمِنْ شَيْءٍ يَنَامُ فِيهِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلِلنَّوْمِ: الْفِرَاشُ، وَاللِّحَافُ، وَالْمِخَدَّةُ) وَمِنْ شَيْءٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَالزُّلِّيُّ لِلْجُلُوسِ وَرَفِيعُ الْحَصِيرِ) وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ هِيَ

لِلْجُلُوسِ وَرَفِيعُ الْحَصِيرِ.
وَلِلْفَقِيرَةِ تَحْتَ الْفَقِيرِ قَدْرُ كِفَايَتِهَا مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ وَأُدْمِهِ وَدُهْنِهِ وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْكِسْوَةِ مِمَّا يَلْبَسُهُ أَمْثَالُهَا وَيَنَامُونَ فِيهِ وَيَجْلِسُونَ عَلَيْهِ.
وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ، أَوْ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا مَا بَيْنَ ذَلِكَ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ.
وَعَلَيْهِ مَا يَعُودُ بِنَظَافَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدُّهْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِلُبْسِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا النَّوْمَ فِي الْأَكْسِيَةِ وَالْبُسُطِ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَزِيدُ فِي عَدَدِ الثِّيَابِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ مِمَّا لا غَنَى لَهَا عَنْهُ، زَادَ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَإِزَارٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا خُفٌّ، وَلَا مِلْحَفَةٌ ; لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنَ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مَؤُونَةُ مَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ لِأَجْلِهِ (وَلِلْفَقِيرَةِ تَحْتَ الْفَقِيرِ قَدْرُ كِفَايَتَهَا مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ وَأُدْمِهِ وَدُهْنِهِ) لِأَنَّهَا إِحْدَى الزَّوْجَيْنِ فَوَجَبَ بِحَالِهَا كَالْمُوسِرَةِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ زَيْتٌ لِلْمِصْبَاحِ، وَلَا يَقْطَعُهَا اللَّحْمُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ الْعَادَةُ (وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْكِسْوَةِ مِمَّا يَلْبَسُهُ أَمْثَالُهَا وَيَنَامُونَ فِيهِ وَيَجْلِسُونَ عَلَيْهِ) عَلَى قَدْرِ عَادَتِهَا وَعَادَةِ أَمْثَالِهَا (وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ، أَوْ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا مَا بَيْنَ ذَلِكَ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ) لِأَنَّ إِيجَابَ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَإِنْفَاقُ الْمُعْسِرِ نَفَقَةَ الْمُوسِرِ لَيْسَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَفِيهِ إِضْرَارٌ بِصَاحِبِهِ، فَكَانَ اللَّائِقُ بِحَالِهِمَا هُوَ الْمُتَوَسِّطَ، وَقِيلَ: لِلْمُوسِرَةِ عَلَى الْمُعْسِرِ أَقَلُّ كِفَايَةً، وَالْبَاقِي فِي ذِمَّتِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى الْكُلِّ لَا بُدَّ مِنْ مَاعُونِ الدَّارِ، وَيُكْتَفَى بِخَزْفٍ وَخَشَبٍ، وَالْعَدْلُ مَا يَلِيقُ بِهِمَا.
أَصْلٌ: الْمُوسِرُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَةِ بِمَالِهِ، أَوْ كَسْبِهِ، وَعَكْسُهُ الْمُعْسِرُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ بِمَالِهِ، أَوْ كَسْبِهِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَمِسْكِينُ الزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ مُتَوَسِّطٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُوسِرٌ (وَعَلَيْهِ مَا يَعُودُ بِنَظَافَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدُّهْنِ وَالسِّدْرِ) وَالْمُشْطِ (وَثَمَنِ الْمَاءِ) وَأُجْرَةِ قَيِّمَةٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ كَتَنْظِيفِ الدَّارِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " وَجْهٌ، قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ تَنْظِيفٍ عَلَى مُكْتَرٍ كَرَشِّ وَكَنْسٍ وَتَنْقِيَةِ الْآبَارِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِفْظِ الْبِنْيَةِ كَبِنَاءِ حَائِطٍ وَتَغْيِيرِ الْجِذْعِ عَلَى مُكْرٍ، فَالزَّوْجُ كَمُكْرٍ، وَالزَّوْجَةُ كَمُكْتَرٍ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِيمَا يَحْفَظُ الْبِنْيَةَ دَائِمًا مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الزَّوْجَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَلْزَمُهُ مَا يَقْطَعُ صُنَانَهَا وَرَائِحَةً كَرِيهَةً،

وَالسِّدْرِ وَثَمَنِ الْمَاءِ، وَلَا تَجِبُ الْأَدْوِيَةُ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ، فَأَمَّا الطِّيبُ وَالْحِنَّاءُ، وَالْخِضَابُ، وَنَحْوُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ.
وَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهَا لِكَوْنِ مِثْلِهَا لَا تَخْدُمُ نَفْسَهَا، أَوْ لِمَرَضِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهَا وَإِلَّا أَقَامَ لَهَا خَادِمًا إِمَّا بِشِرَاءٍ، أَوْ كِرَاءٍ، أَوْ عَارِيَةٍ وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْفَقِيرَيْنِ إِلَّا فِي

[المبدع في شرح المقنع]

لَا مَا يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَالزِّينَةِ.
(وَلَا تَجِبُ الْأَدْوِيَةُ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِإِصْلَاحِ الْجِسْمِ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ بِنَاءُ مَا يَقَعُ مِنَ الدَّارِ، وَكَذَا أُجْرَةُ حَجَّامٍ وَفَاصِدٍ وَكَحَّالٍ (فَأَمَّا الطِّيبُ) أَيْ: ثَمَنُهُ، وَفِي " الْوَاضِحِ " وَجْهٌ يَلْزَمُهُ (وَالْحِنَّاءُ، وَالْخِضَابُ، وَنَحْوَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الزِّينَةِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَشِرَاءِ الْحُلِيِّ (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرِيدُ لِذَلِكَ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " التَّرْغِيبِ " يَلْزَمُهُ مَا يُرَادُ لِقَطْعِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، وَيَلْزَمُهَا تَرْكُ حِنَّاءٍ وَزِينَةٍ، نُهِيَ عَنْهَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
فَرْعٌ: الْمَكَاتَبُ، وَالْعَبْدُ كَالْمُعْسِرِ ; لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِأَحْسَنَ حَالًا مِنْهُ وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ فَعَلَيْهِ نِصْفُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَنِصْفُ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، وَعَلَى سَيِّدِهِ بَاقِيهِمَا، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَكَمُعَسِرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَكَمُتَوَسِّطَيْنِ (وَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدُمُهَا لِكَوْنِ مِثْلِهَا لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا، أَوْ لِمَرَضِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدَّوَامِ، أَشْبَهَ النَّفَقَةَ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إِخْدَامُ مَرِيضَةٍ، جَزْمَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ " وَلَا أَمَةٍ، وَقِيلَ: غَيْرُ جَمِيلَةٍ (فَإِنْ كَانَ لَهَا) أَجْزَأَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ الْخِدْمَةُ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِخَادِمِهَا وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا بِهِ (وَإِلَّا) إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ، أَوْ كَانَ، وَلَمْ تَرْضَ بِهِ (أَقَامَ لَهَا خَادِمًا إِمَّا بِشِرَاءٍ، أَوْ كِرَاءٍ، أَوْ عَارِيَةٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخِدْمَةُ كَمَا إِذَا أَسْكَنَهَا دَارًا بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ مَلَّكَهَا الْخَادِمَ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا وَتَجُوزُ كِتَابِيَّةٌ فِي الْأَصَحِّ إِنَّ جَازَ نَظَرُهَا، وَفِي " الْكَافِي " وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى إِبَاحَةِ النَّظَرِ لَهُنَّ، فَإِنْ قُلْنَا

النَّظَافَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ.
فَإِنْ قَالَتْ: أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي وَآخُذُ مَا يَلْزَمُكَ لِخَادِمِي، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَخْدُمُكِ، فَهَلْ يَلْزَمُهَا قَبُولُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

بِجَوَازِهِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ قَبُولُهَا؛ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهَا ; لِأَنَّهُمْ يَصْلُحُونَ لِلْخِدْمَةِ، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُمْ (وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ، أَشْبَهَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ (بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْفَقِيرَيْنِ) لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ وَحَالُهُ حَالُ الْمُعْسِرِينَ وَحِينَئِذٍ يَجِبُ لَهَا ثَوْبٌ وَأُدْمٌ وَمَسْكَنٌ وَمَاعُونٌ مَعَ خُفٍّ وَمِلْحَفَةٍ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: دُونَ نَفَقَةِ سَيِّدِهَا (إِلَّا فِي النَّظَافَةِ) فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ فِي الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ الْمُشْطَ، وَالدُّهْنَ، وَنَحْوَهُمَا يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَالتَّنْظِيفِ، وَلَا يُرَادُ هَذَا مِنَ الْخَادِمِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ كَثُرَ وَسَخُ الْخَادِمِ وَهَوَامُّ رَأْسِهَا، أَوْ تَأَذَّتْ بِهِ هِيَ، أَوْ سَيِّدَتُهَا فَعَلَيْهِ مَؤُونَةُ تَنْظِيفِهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ خَدَمْتُهَا فِي نَفْسِهَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ، وَقِيلَ: وَأَكْثَرُ بِقَدَرِ حَالِهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْخَادِمَ الْوَاحِدَ يَكْفِيهَا لِنَفْسِهَا، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ تُرَادُ لِحِفْظِ مِلْكِهَا وَلِلتَّجَمُّلِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَتَعْيِينُ خَادِمِهَا إِلَيْهِمَا، وَإِلَّا فَإِلَيْهِ، وَلَهُ إِبْدَالُهُ لِسَرِقَةٍ، وَنَحْوِهَا، فَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ لَهَا وَرَضِيتْهُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ، وَكَذَا نَفَقَةُ الْمُؤَجِّرِ، وَالْمُعَارِ فِي وَجْهٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فِي " الْمُوجَزِ "، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى مَالِكِهِ (فَإِنْ قَالَتْ: أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي وَآخُذُ مَا يَلْزَمُكَ لِخَادِمِي لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ فَتَعْيِنُ الْخَادِمِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَوْفِيرِهَا عَلَى حُقُوقِهِ وَتَرْفِيهِهَا وَرَفَعِ قَدْرِهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِخِدْمَتِهَا (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَخْدُمُكِ فَهَلْ يَلْزَمُهَا قَبُولُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهَا قَبُولُ ذَلِكَ.
قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهَا تَحْتَشِمُهُ، وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا لَهَا، وَالثَّانِي: بَلَى.
قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "،

فَصْلٌ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكِسْوَتُهَا وَمَسْكَنُهَا كَالزَّوْجَةِ سَوَاءٌ وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى.
وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَعَنْهُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الْكِفَايَةَ تَحْصُلُ بِهِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ مِثْلُهُ لِمَنْ يَكْفِيهَا خَادِمٌ وَاحِدٌ، وَلَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُ مَرِيضَةً، بِخِلَافِ رَقِيقَةٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي.

[فَصْلٌ: نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ وَالْبَائِنِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا]

[نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ]

فَصْلٌ (وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكِسْوَتُهَا وَمَسْكَنُهَا كَالزَّوْجَةِ سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ، أَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ (وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى) إِجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: 6] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ، وَالِإنفَاقُ عَلَيْهِ دُونَهَا مُتَعَذِّرٌ فَوَجَبَ كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ، وَفِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهَا الْخَلَّالُ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنَى، وَفِي " الْمُوجَزِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " رِوَايَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ، وَهِيَ سَهْوٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا) إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَنَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَزَادَ: وَلَا سُكْنَى وَفِي لَفْظٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «انْظُرِي يَا ابْنَةَ قَيْسٍ، إِنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَلَا نَفَقَةَ، وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحُمَيْدِيُّ (وَعَنْهُ: لَهَا السُّكْنَى) وَهِيَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ،

لَهَا السُّكْنَى.
فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى، وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ؛ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَائِشَةَ، وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] الْآيَةَ فَأَوْجَبَتْ لَهَا السُّكْنَى مُطْلَقًا، ثُمَّ خَصَّ الْحَامِلَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: 6] الْآيَةَ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لَا يَسْقُطُ بِتَرَاضِيهِمَا كَعِدَّةٍ، وَعَنْهُ: وَلَهَا النَّفَقَةُ أَيْضًا، قَالَهُ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقَ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى كَالرَّجْعِيَّةِ.
وَرَدُّوا خَبَرَ فَاطِمَةَ بِقَوْلِ عُمَرَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَنْكَرَهُ أَحْمَدُ، قَالَ عُرْوَةُ: لَقَدْ عَابَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ وَأَرْجَحُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصًّا صَرِيحًا فَأَيُّ شَيْءٍ يُعَارِضُ هَذَا، وَقَوْلُ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ فَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَقَوْلُ عُمَرَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا إِلَّا لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: 6] الْآيَةَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا، وَلَا قُوتَ» ، وَلِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا، لَا تُزِيلُهُ الرَّجْعَةُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ كَالْمُلَاعَنَةِ وَتُفَارِقُ الرَّجْعِيَّةَ، فَإِنَّهَا زَوْجَةٌ.
(فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى) عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَا اسْتِحْقَاقُهَا لَهُ فَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لَهَا، رَجَعَتْ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . أَصَحُّهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهَا دَيْنًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ بَرَاءَتُهُ مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا رُجُوعَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ آثَارِ

رِوَايَتَيْنِ.

وَهَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَهَا فَتَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا وَلَا تَجِبُ لِلنَّاشِزِ وَلَا لِلْحَامِلِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لِلْحَمْلِ فَتَجِبُ لِهَؤُلَاءِ

[المبدع في شرح المقنع]

النِّكَاحِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ كَالنَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إِذَا تَبَيَّنَ فَسَادَهُ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": إِنْ نُفِيَ الْحَمْلُ فَفِي رُجُوعِهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ عُلِمَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ الْحَمْلِ بِالْحَيْضِ فَكَتَمَتْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَتْ حَمْلًا مُمْكِنًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: إِنْ شَهِدَ بِهِ النِّسَاءُ، فَإِنْ مَضَتْ، وَلَمْ يَبْنِ رَجْعَ بِمَا أَنْفَقَ، وَعَنْهُ: لَا، كَنِكَاحٍ تَبَيَّنَ فَسَادَهُ لِتَفْرِيطِهِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ تَعْجِيلُ النَّفَقَةِ - رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا إِنْ ظَنَّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا، أَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ فَأَنْكَرَهُ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِنَفَقَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ.

[هَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ]

(وَهَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " (إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَهَا) أَيْ: مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ.
اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ (فَتَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا) لِأَنَّ الزَّوْجَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ (وَلَا تَجِبُ لِلنَّاشِزِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا وَمَعَ النُّشُوزِ لَا تَمْكِينَ (وَلَا لِلْحَامِلِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا (وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لِلْحَمْلِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ أَشْهَرُهُمَا ; لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ وَتَسْقُطُ بِعَدَمِهِ (فَتَجِبُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ) لِأَنَّهُ وَلَدُهُ فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ (وَلَا تَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ، وَالْأَمَةُ نَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا ; لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَوْجَبَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَهُ وَلَهَا لِأَجْلِهِ وَجَعَلَهَا كَمُرْضِعَةٍ بِأُجْرَةٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": فِي مَسْأَلَةِ الرِّقِّ رِوَايَتَانِ كَحَمْلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا:

جارٍ التحميل