المبدع في شرح المقنعصفحات 180-219

بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ،

وَأَوَّلُ

[المبدع في شرح المقنع]

الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ الْعَبَثُ وَالشُّرْبُ حَالَ الْخُطْبَةِ [إِنْ سَمِعَهَا] وَإِلَّا جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ إِذَا اشْتَدَّ عَطَشُهُ، وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي بِأَنَّهُ إِذَنْ أَوْلَى، وَقَالَ فِي " الْفُصُولِ ": وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ شُرْبَهُ بَعْدَ الْأَذَانِ بِقَطْعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَذَا شُرْبُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ، وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِلْحَاجَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَتَحْصِيلًا لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَنْ يَنْتَظِرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَيُصَلِّيهَا فِي مَوْضِعِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَيُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» وَذَكَرَ الشَّيْخَانُ وَجَمَاعَةٌ جُلُوسَهُ بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ إِلَى طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا، لَا فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَجْرِ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.

[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]

[حُكْمُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]

بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ وَيَتَكَرَّرُ لِأَوْقَاتِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَعُودُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ تَفَاؤُلًا، لِيَعُودَ ثَانِيَةً كَالْقَافِلَةِ، وَجُمِعَ بِالْيَاءِ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ.
(وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] هِيَ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي التَّفْسِيرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ يُدَاوِمُونَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْجِهَادِ بِدَلِيلِ قَتْلِ تَارِكِهَا، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَعْيَانِ، لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا

وَقْتِهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ إِذَا زَالَتْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ، فَصَلَّى بِهِمْ

وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، وَالْأَكْلُ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

أَذَانٌ، أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَعَنْهُ: فَرْضُ عَيْنٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " فَلَا يُقَاتَلُ تَارِكُهَا كَالتَّرَاوِيحِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ (إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ) كَالْأَذَانِ.

[وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]

(وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ) لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَكَمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوهَا إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى فِعْلِهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَرَوَى الْحَسَنُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَغْدُو إِلَى الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَتِمُّ طُلُوعُهَا، وَكَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ إِذَا حَضَرَ» (وَآخِرُهُ إِذَا زَالَتْ) لِأَنَّهَا شَارَكَتِ الضُّحَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي آخِرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ) لِمَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأُوا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ النَّاسَ أَنْ يَفْطُرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا غَدًا لِعِيدِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى فِي غَيْرِ يَوْمِ الْعِيدِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ، وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْرٍ صَحِيحٌ، فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَاجِبٌ كَالْفَرَائِضِ، وَكَذَا لَوْ مَضَى أَيَّامٌ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ ": لَا تُصَلَّى إِذًا.

الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ، وَالْغُسْلُ وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَاشِيًا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلَّا الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

[سُنَنُ الْعِيدَيْنِ]

(وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ عَجِّلِ الْأَضْحَى، وَأَخِّرِ الْفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسُ» وَلِأَنَّهُ يَتَّسِعُ بِذَلِكَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ، وَوَقْتُ إِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيَكُونُ تَعْجِيلُ الْأُضْحِيَّةِ بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَنْ بِمِنًى فِي ذَبْحِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْأَكْلُ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا» وَفِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " أَنَّ الْأَكْلَ فِيهِ آكَدُ مِنَ الْإِمْسَاكِ فِي الْأَضْحَى، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالصَّدَقَةُ (وَالْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ كَبِدِهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ تَنَاوُلًا وَهَضْمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ شَاءَ أَكْلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْغُسْلُ) وَقَدْ سَبَقَ (وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا) لِلْمَأْمُومِ، لِيَحْصُلَ لَهُ الدُّنُوُّ مِنَ الْإِمَامِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ فَيَكْثُرُ ثَوَابُهُ (بَعْدَ الصُّبْحِ) أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ أَنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَعَلَهُ رَافِعٌ، وَيَنْوِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (مَاشِيًا) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا اسْتُحِبَّ الرُّكُوبُ وَإِظْهَارُ السِّلَاحِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَنْ لَهُ ضَرُورَةٌ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ رَاكِبًا كَالْعَوْدِ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ:

إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ، رَجَعَ فِي أُخْرَى، وَهَلْ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

ثُمَّ تَرْكَبُ إِذَا رَجَعْتَ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَيَكُونُ مُظْهِرًا لِلتَّكْبِيرِ، وَعَنْهُ: يُظْهَرُ فِي الْفِطْرِ فَقَطْ لَا عَكْسِهِ (إِلَّا الْمُعْتَكِفَ) فِي الْعَشْرِ الْأُخَرِ أَوْ عَشْرِ ذِيِ الْحِجَّةِ (يَخْرُجُ مِنْ) مُعْتَكَفِهِ إِلَى الْمُصَلَّى (فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ " لَجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ إِلَّا الْمُعْتَكِفَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ» وَاسْتَحَبَّهُ السَّلَفُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْعِبَادَةِ، فَاسْتُحِبَّ بَقَاؤُهُ كَالْخَلُوقِ، وَعَنْهُ: ثِيَابٌ جَيِّدَةٌ وَرَثَّةٌ سَوَاءٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: مُعْتَكِفٌ كَغَيْرِهِ فِي زِينَةٍ وَطِيبٍ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُ وَلَا يُنْتَظَرُ، لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إِلَيْهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مُعْتَكِفًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ خُرُوجُهُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: يُسَنُّ لِلْإِمَامِ التَّجَمُّلُ وَالتَّنَظُّفُ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَكِفًا.
فَرْعٌ: لَا بَأْسَ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْعِيدِ لَكِنْ لَا يَتَطَيَّبْنَ، وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَوْ زِينَةٍ، وَلَا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» وَعَنْهُ:

شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ، وَإِذْنُ الْإِمَامِ، وَالْعَدَدُ الْمُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَتُسَنُّ

[المبدع في شرح المقنع]

يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمَجْدُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَالْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: لِلشَّابَّةِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي خُرُوجُهُنَّ فِي وَقْتِنَا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
. (وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ فِي أُخْرَى) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِلَّتُهُ: لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، أَوْ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُمَا فِي التَّبَرُّكِ بِمُرُورِهِ بِهِمْ، وَسُرُورِهِمْ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ لِيَتَبَرَّكَ الطَّرِيقَانِ بِوَطْئِهِ عَلَيْهِمَا، أَوْ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ، أَوْ لِتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، فَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي غَيْرِهَا، قُلْنَا: وَيَلْزَمُهُ فِي الْجُمُعَةِ، نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهِ شُرِعَتْ لِمَعْنًى خَاصٍّ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الْأَوْلَى سُلُوكُ الْأَبْعَدِ فِي الْخُرُوجِ، وَالْأَقْرَبِ فِي الْعَوْدِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا) أَيْ: صِحَّتِهَا إِذًا (الِاسْتِيطَانُ، وَإِذْنُ الْإِمَامِ، وَالْعَدَدُ الْمُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَأُسْقِطَ الْإِذْنُ " كَالْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، فَلَا تُقَامُ إِلَّا حَيْثُ تُقَامُ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا خُطْبَةٌ رَاتِبَةٌ، أَشْبَهَتِ الْجُمُعَةَ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَافَقَ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ، لَكِنْ إِنْ فَاتَتْ قُضِيَتْ تَطَوُّعًا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، قَدَّمَهُ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَيَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ، وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْمُنْفَرِدُ؛ لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ إِذَا لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ أَهْلَهُ، وَمَوَالِيَهُمْ، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَاهُ فَصَلَّى بِهِمْ

فِي الصَّحْرَاءِ.
وَتُكْرَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ.

وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

رَكْعَتَيْنِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقِمْهَا النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لِاشْتِغَالِهِ عَنْهَا بِالْمَنَاسِكِ، لِأَنَّهَا أَهَمُّ، لِكَوْنِهِمَا فَرْضَ عَيْنٍ، وَصَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَعَلَى الْأَوْلَى يَفْعَلُونَهَا تَبَعًا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إِنْ صَلَّوْا بَعْدَ خُطْبَةِ الْإِمَامِ صَلَّوْا بِغَيْرِ خُطْبَةٍ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ، وَصَحَّحَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الِاسْتِيطَانُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً قَالَ: وَيُكْتَفَى بِاسْتِيطَانِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إِذَا لَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ، وَإِنْ قُلْنَا بِاعْتِبَارِهِ، وَكَانَ فِي الْقَرْيَةِ أَقَلُّ مِنْهُمْ، وَإِلَى جَنْبِهِمْ مِصْرٌ أَوْ قَرْيَةٌ تُقَامُ فِيهِ الْعِيدُ لَزِمَهُمُ السَّعْيُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْعِيدَ لَا يَتَكَرَّرُ، فَلَا يَشُقُّ إِتْيَانُهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ كَالْجُمُعَةِ.
(وَتُسَنُّ فِي الصَّحْرَاءِ) الْقَرْيَةِ عُرْفًا، نَقَلَ حَنْبَلٌ: الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى أَفْضَلُ إِلَّا ضَعِيفًا أَوْ مَرِيضًا؛ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَخْرُجُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلِأَنَّهُ أَوْقَعُ لِهَيْبَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَظْهَرُ لِشِعَارِ الدِّينِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا فِي مُعْظَمِ الْأَمْصَارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ الْجَامِعُ وَاسِعًا فَهُوَ أَفْضَلُ، كَأَهْلِ مَكَّةَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُمْ يُحَصِّلُونَ بِذَلِكَ مُعَايَنَةَ الْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ شِعَارِ الدِّينِ (وَتُكْرَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لِمُخَالَفَةِ فِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَمَعَ الْعُذْرِ لَا يُكْرَهُ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ لِينٌ، وَلِلْمَعْنَى: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ عَلِيٍّ، وَيَخْطُبُ لَهُمْ، لِتَكْمِيلِ حُصُولِ مَقْصُودِهِمْ، وَإِنْ تَرَكُوا فَلَا بَأْسَ،

يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ خَمْسًا.
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَلَهُمْ فِعْلُهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ سَقَطَ الْفَرْضُ وَجَازَتِ التَّضْحِيَةُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ صَلَاةَ الْإِمَامِ.
وَالْمُسْتَخْلَفُ، هَلْ يُصَلِّي أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلَا يَؤُمُّ فِيهَا عَبْدٌ كَالْجُمُعَةِ فِي الْأَشْهَرِ

[صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]

(وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) قَبْلَ الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَيْهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَكَمَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ تَقْدِيمُ الخُطْبَةِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ، وَفِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ قَدَّمَهَا فِي أَوَاخِرِ خِلَافَتِهِ (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) إِجْمَاعًا، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ: «صَلَاةُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرَ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى» . رَوَاهُ أَحْمَدُ (يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَ (الِاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا) زَوَائِدَ (وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ خَمْسًا) زَوَائِدَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَبَّرَ فِي عِيدٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ» إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: أَنَا أَذْهَبُ إِلَى هَذَا، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَالَ: التَّكْبِيرُ سَبْعٌ فِي الْأُولَى،

كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ.
ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ، وَفِي

[المبدع في شرح المقنع]

وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بِعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ: سَبْعٌ زَوَائِدُ فِي الْأُولَى، رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: خَمْسٌ فِي الْأُولَى، وَأَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ أَنَسٍ، وَعَنْهُ: يُصَلِّي أَهْلُ الْقُرَى بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي التَّكْبِيرِ، وَكُلٌّ جَائِزٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَيْسَ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي التَّكْبِيرِ وَفِي الْعِيدَيْنِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ؛ وَهُوَ السُّنَّةُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَالِاسْتِعَاذَةَ لِلْقِرَاءَةِ، وَعَنْهُ: الِاسْتِفْتَاحُ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ تَلِي الِاسْتِفْتَاحَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَكَذَا هُنَا، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَ الِاسْتِعَاذَةِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» . قَالَ أَحْمَدُ: فَأَرَى أن يَدْخُلُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ، وَعَنْ زَيْدٍ كَذَلِكَ، رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ، (وَيَقُولُ) بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ وَعَقِبَ الْآخِرَةِ مِنْهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا) لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَمَّا يَقُولُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ؟ قَالَ: يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عليه، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَحَرْبٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ، كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ (وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْغَرَضَ الذِّكْرُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، لَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، فَلِهَذَا

الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَنْهُ: يُوَالِي

[المبدع في شرح المقنع]

نَقَلَ حَرْبٌ أَنَّ الذِّكْرَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ: يَحْمَدُ وَيُكَبِّرُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْهُ: وَيَدْعُو، وَعَنْهُ: وَيُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ، وَظَاهِرُهُ: قَوْلُ شَيْءٍ لَا وُقُوفٌ مُجَرَّدٌ.
فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: إِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ.
الثَّانِي: إِذَا نَسِيَ التَّكْبِيرَ حَتَّى رَكَعَ، سَقَطَ، أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهُ، وَكَذَا إِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ، أَوِ لتَّعَوَّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ، فَعَلَى هَذَا يَأْتِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَمْ يُعِدْهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا، أَتَى بِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا لِتَسْلَمَ مِنْ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا غَيْرُهَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ يَسِيرًا لَمْ يَسْتَأْنِفِ الْقِرَاءَةَ.
الثَّالِثُ: إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَحْرَمَ ثُمَّ رَكَعَ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ كَالِاسْتِفْتَاحِ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَهُ الْإِمَامُ حَتَّى رَكَعَ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَائِمًا بَعْدَ فَرَاغِهِ من التكبير الزائد، لَمْ يَقْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: إِنْ لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَإِنْ سَبَقَهُ بِبَعْضِ التَّكْبِيرِ، فَعَلَى الْخِلَافِ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِـ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] "، وَ " ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مِثْلُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَلِأَنَّهُ فِيهِ حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15] هَكَذَا فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَنْهُ: الْأُولَى (ق) وَالثَّانِيَةُ (اقْتَرَبَتِ) اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْهُ: (لَا تَوْقِيتَ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ (وَيَجْهَرُ

بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ

فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَسْتَفْتِحُ الْأُولَى بِتِسْعِ

[المبدع في شرح المقنع]

بِالْقِرَاءَةِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَجْهَرُ بالْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ» وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا مَا رَوَاهُ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ مَنْ يَلِيهِ، وَلَمْ يَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ (وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَهُ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ فِي إِحْدَى رَكْعَتَيِ الْعِيدِ، فَكَانَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ كَالْأُولَى (وَعَنْهُ: يُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، فَكَانَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ.

[خُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ]

(فَإِذَا سَلَّمَ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ السَّلَامَ مِنَ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السَّلَامُ الْمَعْرُوفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّصِيحَةِ فَقَالَ: إِذَا اسْتَقْبَلَهُمْ سَلَّمَ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ (خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ) بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمَا كَالْجُمْعَةِ فِي أَحْكَامِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، حَتَّى فِي الْكَلَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِلَّا التَّكْبِيرَ مَعَ الْخَاطِبِ، وَاسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ الطَّهَارَةَ، وَاتِّحَادَ الْإِمَامِ، وَالْقِيَامَ، وَالْجِلْسَةَ، وَالْعَدَدَ؛ لِكَوْنِهِمَا سُنَّةً لَا شَرْطًا لِلصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ، فَأَشْبَهَا الذِّكْرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ (يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيِّ؛ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ فِي الْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ

تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ.
يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ فِي الْأَضْحَى، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ،

[المبدع في شرح المقنع]

رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَهَلْ يَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ لِيَسْتَرِيحَ، كَمَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " أَوْ لَا؟ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْجُمُعَةِ لِمَوْضِعِ الْأَذَانِ، فِيهِ وَجْهَانِ، وَيُسَنُّ أَنْ (يَسْتَفْتِحَ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: يُكَبِّرُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَالتَّكْبِيرُ فِي الْأُولَى نَسَقًا وِفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ جَالِسًا، وَقِيلَ: قَائِمًا كَسَائِرِ أَذْكَارِ الْخُطْبَةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ فِي الثَّانِيَةِ كَالْأُولَى، وَعَنْهُ: بَعْدَ فَرَاغِهَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عبد الله بن عُتْبَةَ: إِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: التَّكْبِيرَاتُ شَرْطٌ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَفْتَتِحُهَا بِالْحَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ افْتَتَحَ خُطْبَةً بِغَيْرِهِ (يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «اغْنُوهُمْ عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) أَيْ مِنْ جِنْسِهَا، وَقَدْرِهَا، وَوُجُوبِهَا، وَوَقْتِهَا (وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ في الأضحى) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِفَاطِمَةَ: «قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا أَنْ يَغْفِرَ لَكِ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ» وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِي؟ قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ قَالُوا: فَمَا لَنَا؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ، قَالُوا: وَالصُّوفُ؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةِ حَسَنَةٌ» قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (وَيُبَيَّنُ لَهُمْ حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ

وَالتَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، وَالذِّكْرَ بَيْنَهُمَا، وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ.

وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِها

وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ذَكَرَ فِي خُطْبَةِ الْأَضْحَى كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْبَرَاءِ، وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمْ (وَالتَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ وَالذِّكْرَ بَيْنَهُمَا) سُنَّةٌ فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ، أَشْبَهَ الِاسْتِفْتَاحَ، فَعَلَى هَذَا إِنْ نَسِيَهُ فَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ أَتَمَّ، وَلَمْ تَبْطُلْ، وَسَاهِيًا لَا يَلْزَمُهُ سُجُودٌ، لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
(وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ) لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَا: مُرْسَلٌ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَ حُضُورُهَا وَاسْتِمَاعُهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُمَا شَرْطٌ.
فَائِدَةٌ: السُّنَّةُ لِمَنْ حَضَرَ الْعِيدَ مِنَ النِّسَاءِ حُضُورُ الْخُطْبَةِ، وَأَنْ يَنْفَرِدْنَ بِمَوْعِظَةٍ إِذَا لَمْ يَسْمَعْنَ خُطْبَةَ الرِّجَالِ، وَفِي " نِهَايَةِ " أَبِي الْمَعَالِي: إِذَا فَرَغَ فَرَأَى قَوْمًا لَمْ يَسْمَعُوهَا اسْتُحِبَّ إِعَادَةُ مَقَاصِدِهَا لَهُمْ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ مَعَ عَدَمِ خَوْفِ فِتْنَةٍ.

[كَرَاهَةُ التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا]

(وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهِمَا) وَهُوَ مَكْرُوهٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرَى الصَّلَاةَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: لَا يُسَنُّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْغُنْيَةِ "؛ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ فِعْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا فِي غَيْرِ

فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا، وَعَنْهُ: أَرْبَعًا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ

[المبدع في شرح المقنع]

مَوْضِعِهما، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَرَوَى حَرْبٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْعِيدِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ إِسْحَاقُ، فَلَوْ فَارَقَ مَوْضِعَهُمَا، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لَمْ يُكْرَهِ التَّنَفُّلُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: يُكْرَهُ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مَوْضِعَ الْعِيدِ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ.

[قَضَاءُ صَلَاةِ الْعِيدِ]

(وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَلِأَنَّهَا أَصْلٌ بِنَفْسِهَا، فَتُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ التَّشَهُّدِ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُصَلِّي أَرْبَعًا كَالْجُمُعَةِ، وَإِذَا أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً قَضَى أُخْرَى، وَكَبَّرَ فِيهَا سِتًّا زَوَائِدَ أَوْ خَمْسًا، عَلَى الْخِلَافِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ فِي الْقَضَاءِ يُرَاعِي مَذْهَبَهُ فِي التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالسَّهْوِ، فَكَذَا فِي التَّكْبِيرِ، وَعَنْهُ: بِمَذْهَبِ إِمَامِهِ؛ لِئَلَّا يُكَبِّرَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَدَدًا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ فِي الْأَصْلِ، وَكَمَأْمُومٍ، وَكَذَا إِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ.
(وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِفِعْلِ أَنَسٍ، وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَظَاهِرُهُ: مَتَى شَاءَ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: قَبْلَ الزَّوَالِ، وَإِلَّا مِنَ الْغَدِ، وَعَنْهُ: إِنْ قَضَى جَمَاعَةً كَبَّرَ، وَلَا يُكَبِّرُ الْمُنْفَرِدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ: إِذَا قَضَى رَكْعَتَيْنِ فَهَلْ يُكَبِّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَعَنْهُ: أَرْبَعًا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَرَوَيَا

مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ.

وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْأَضْحَى يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ

[المبدع في شرح المقنع]

أَنَّ عَلِيًّا أَمَّرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعْفَةِ النَّاسِ أَرْبَعًا، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَكَقَضَاءِ الْجُمُعَةِ بِلَا تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُصَلِّي تَطَوُّعًا، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهِ بِسَلَامٍ كَالظُّهْرِ، وَعَنْهُ: أَوْ بِسَلَامَيْنِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ) لِأَنَّهُ تَطَوَّعٌ بِالنَّهَارِ، فَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ كَالْمُطْلَقِ، وَلِأَنَّ كُلًّا قَدْ جَاءَ الْأَثَرُ بِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُرَجِّحَ، فَكَانَ لَهُ فِعْلُ مَا شَاءَ، فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا فَكَالسُّنَنِ فِي الْقَضَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ لِلضَّعْفَةِ، وَفِي صِفَةِ صَلَاةِ الْخَلِيفَةِ الْخِلَافُ، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ، سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ، وَضَحَّى، وَتَنْوِيهُ الْمَسْبُوقَةِ نَفْلًا.

[التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ]

(وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ) خُصُوصًا فِي الْفِطْرِ؛ وَهُوَ آكَدُ مِنَ الْأَضْحَى، نَصَّ عَلَيْهِ، مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] . قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا، وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى فِيهِمَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ وَهُوَ مُمْتَدٌّ إِلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ خُطْبَتِهِ؛ لِأَنَّ شِعَارَ الْعِيدِ لَمْ يَنْقَضِ، فَسُنَّ كَمَا فِي حَالِ الْخُرُوجِ، وَعَنْهُ: إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ: إِلَى وُصُولِهِ الْمُصَلَّى؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْخُرُوجِ هُوَ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ، وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ (وَفِي الْأَضْحَى) يُسَنُّ فِيهِ الْمُطْلَقُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَرَ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَالْمُرَادُ لِغَيْرِ أُنْثَى، وَأَيَّامُ الْعَشْرِ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ: الْمَعْدُودَاتُ (يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ.

يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
إِلَّا الْمُحْرِمَ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ.
فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، قَضَاهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ، أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ،

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ.
رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْعِيدِ، فَاخْتُصَّ بِالْجَمَاعَةِ كَالْخُطْبَةِ، فَيُكَبِّرُ الْإِمَامُ إِلَى الْقِبْلَةِ كَغَيْرِهِ، وَالْأَشْهَرُ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمُحَافَظَةِ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ) قَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَغَيْرِهِ، لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لِلْمَسْبُوقِ، أَشْبَهَ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى) بَعْدِ صَلَاةِ (الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَمَدَّ التَّكْبِيرَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ الْجَعْفِيِّ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: بِأَيِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: بِالْإِجْمَاعِ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ؛ وَهِيَ أَيَّامٌ يُرْمَى فِيهَا، أَشْبَهَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، وَعَنْهُ: يُكَبَّرُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَنْهُ: مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، رَوَاهُ سَعِيدٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُكَبَّرُ فِي الْفِطْرِ عَقِبَ الْفَرَائِضِ، لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَلَا عَقِبَ نَافِلَةٍ، وَلَوْ صُلِّيَتْ جَمَاعَةً (إِلَّا الْمُحْرِمَ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَشْغُولٌ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالْجَهْرُ بِهِ مَسْنُونٌ إِلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيَأْتِي بِهِ كَالذِّكْرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يُكَبِّرُ تَبَعًا لِلرِّجَالِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ كَالْأَذَانِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْجَهْرِ، وَالْمُسَافِرُ كَالْمُقِيمِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ، وَالْمُمَيِّزُ كَالْبَالِغِ فَرْعٌ: إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَضَاهَا فِيهَا مِنْ عَامِهِ، فَكَبَّرَ، لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِيهِ، وَوَقْتُ التَّكْبِيرِ بَاقٍ، وَإِنْ قَضَاهَا فِي غَيْرِهَا، لَمْ يُكَبِّرْ كَالتَّلْبِيَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: بِلَى

وَفِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ.
وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ،

[المبدع في شرح المقنع]

كَالدُّعَاءِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَضَاهَا فِيهَا، كَبَّرَ فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَعَنْهُ: لَا يُكَبِّرُ لِبُعْدِ أَيَّامِهَا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ وَقْتُهَا.
فَائِدَةٌ: سُمِّيَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ مِنْ تَشْرِيقِ اللَّحْمِ؛ وَهُوَ تَقْدِيدُهُ، وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَقِيلَ: هُوَ التَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ (فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، قَضَاهُ) مَكَانَهُ وَيَعُودُ، فَيَجْلِسُ مَنْ قَامَ أَوْ ذَهَبَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ جَالِسًا فِي مُصَلَّاهُ سُنَّةٌ، فَلَا تُتْرَكُ مَعَ إِمْكَانِهَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنْ كَبَّرَ مَاشِيًا فَلَا بَأْسَ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَقْيَسُ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ، وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ، وَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ (مَا لَمْ يُحْدِثْ) لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَالذِّكْرُ تَابِعٌ لَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَقِيلَ: أَوْ يَتَكَلَّمْ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ عَقِيبَهَا، فَنَافَاهُ مَا يُنَافِيهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَأْتِي بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَالدُّعَاءِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " (فَإِنْ نَسِيَهُ الْإِمَامُ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ لِيُحْرِزَ الْفَضِيلَةَ، بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَفِي الِانْفِرَادِ بِهِ تَرْكُ الْمُتَابَعَةِ، وَإِذَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ، أَتَى بِهِ، ثُمَّ كَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ.
تَنْبِيهٌ: فَإِنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ تَلْبِيَةٌ وَتَكْبِيرٌ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ، كَبَّرَ، ثُمَّ لَبَّى، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَكَانَ أَشْبَهَ بِهَا، وَالْمَسْبُوقُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ يَقْضِي مَا فَاتَهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
(وَفِي التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: لَا يُكَبِّرُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقَالَ: فِي الْفِطْرِ إِنْ قِيلَ فِيهِ مُقَيَّدٌ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ، وَالثَّانِي: يُكَبِّرُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْوَفَاءِ،

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى بِإِذْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ مُؤَقَّتَةٌ تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، كَالْمَكْتُوبَةِ، وَخَصَّهُ فِي " الْكَافِي " بِعِيدِ الْفِطْرِ (وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَقُولُ كَذَلِكَ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ.
قَالَ أَحْمَدُ: اخْتِيَارِي تَكْبِيرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ كَذَلِكَ.
رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، وَلِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ خَارِجُ الصَّلَاةِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْحَاجِّ، فَكَانَ شَفْعًا كَالْأَذَانِ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ تَثْلِيثَ التَّكْبِيرِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَأَمَّا تَكْبِيرُهُ ثَلَاثًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَلَعَلَّهُ يُقَاسُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بعد الفراغ مِنَ الصَّلَاةِ، وَعَلَى قَوْلِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بَعْدَ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.
تَتِمَّاتٌ: لَا بَأْسَ قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ كَالْجَوَابِ، وَقَالَ: لَا أَبْتَدِئُ بِهِ، وَعَنْهُ: الْكُلُّ حَسَنٌ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ، قِيلَ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَنْ تَوَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ أَقَامَهَا كُلَّ عَامٍ، لِأَنَّهَا رَاتِبَةٌ، مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا، بِخِلَافِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.

[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ]

[سَبَبُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَحُكْمُهَا]

بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ يُقَالُ: كَسَفَتْ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا، وَمِثْلُهُ خَسَفَتْ، وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ، وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ؛ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: 8]

الْإِمَامِ وَغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً

يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى

[المبدع في شرح المقنع]

وَقِيلَ: الْكُسُوفُ فِي أَوَّلِهِ، وَالْخُسُوفُ فِي آخِرِهِ، وَقِيلَ: الْكُسُوفُ الذَّهَابُ كُلُّهُ.
وَفِعْلُهَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْتَنْبَطَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: 37] . (وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ) اسْتَعْمَلَهُ فِيهِمَا (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ) هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالنَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا، وَقُدِّمَ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ لَهُمَا أَمْرًا وَاحِدًا، وَرَوَى أَحْمَدُ مَعْنَاهُ، وَلَفْظُهُ «فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ» وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى: «إِنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ، وَقَالَ: إِنَّمَا صَلَّيْتُ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُصَلِّي» ؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِنْ حَضَرَهَا ذَوِي الْهَيْئَاتِ مَعَ الرِّجَالِ فَحَسَنٌ، وَكَذَا لِلصِّبْيَانِ حُضُورُهَا، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ لَهُمْ، وَلِلْعَجَائِزِ كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ (جَمَاعَةً) فِي جَامِعٍ أَفْضَلَ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ بِهَا، لِخَوْفِ فَوْتِهَا بِالتَّجَلِّي، وَعَنْهُ: بِالْمُصَلَّى أَفْضَلُ (وَفُرَادَى) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا الجَمَاعَةٌ كَالنَّوَافِلِ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَغَيْرِ إِذْنِهِ) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَإِذْنُهُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا، وَكَصَلَاتِهَا مُنْفَرِدًا، وَعَنْهُ: بِلَى كَالْعِيدِ (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بَعَثَ مُنَادِيًا فَنَادَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ

بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " بِرَفْعِهَما وَنَصْبِهَما، وَوَقْتُهُمَا مِنْ حِينِ الْكُسُوفِ إِلَى الِانْجِلَاءِ، وَلَا تُقْضَى كَاسْتِسْقَاءٍ، وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ

[صِفَةُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ]

(فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَقْرَأُ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوْ هِيَ (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ (ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: إِنَّهُ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بِقَدْرِ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: نَصِفُهَا.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ) كَغَيْرِهَا (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) قِيلَ: كَمُعْظَمِهَا (ثم يركع فَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ) نِسْبَتُهُ إِلَى الْقِرَاءَةِ كَنِسْبَةِ الْأَوَّلِ مِنْهَا (ثُمَّ يَرْفَعُ) وَظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ إِطَالَةٍ (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُطِيلُهُ كَالرُّكُوعِ، وَقِيلَ: وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُطِيلُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْأَكْثَرُ كَمَا لَا يُطِيلُ الْقِيَامَ عَنْ رُكُوعٍ يَسْجُدُ بَعْدَهُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعًا لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الرِّوَايَاتِ، وَانْفَرَدَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِإِطَالَتِهِ، فَيَكُونُ فَعَلَهُ مَرَّةً لِيَتَبَيَّنَ الْجَوَازُ، أَوْ أَطَالَهُ قَلِيلًا لِيَأْتِيَ بِالذِّكْرِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَالْأَصْلُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قَامَ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَمَّعَ وَحَمَّدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ

ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا، أَتَمَّهَا خَفِيفَةً.
وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا، أَوْ غَابَتْ كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْبَقَرَةِ» ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ «ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ» ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «إنَّهُ جَهَرَ بِقِرَاءَتِهِ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ، وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ.
(ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ) لَكِنْ يَكُونُ دُونَ الْأُولَى فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّ قِيَامٍ أَقْصَرُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَكَذَا التَّسْبِيحُ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: قِرَاءَةُ الْقِيَامِ الثَّالِثِ أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِي (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ) لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا خُطْبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ أَمَرَ بِهَا دُونَ الْخُطْبَةِ» ، وَعَنْهُ: لَهَا خُطْبَتَانِ، تَجَلَّى الْكُسُوفُ أَوْ لَا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالسَّامِرِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي نَصًّا بِعْدَمهُمَا، إِنَّمَا أَخَذُوهُ مِنْ نَصِّهِ: لَا خُطْبَةَ لِلِاسْتِسْقَاءِ (فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ «فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّجَلِّي، وَقَدْ حَصَلَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَشُرِعَ تَخْفِيفُهَا لِزَوَالِ السَّبَبِ.

خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ أَتَمَّهَا صَلَاةَ كُسُوفٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَوْ قَبْلَهُ أَتَمَّهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ (وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا) لَمْ يُصَلِّ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِيَ» فَجَعَلَهُ غَايَةً لِلصَّلَاةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا زَوَالُ الْعَارِضِ، وَإِعَادَةُ النِّعْمَةِ بِنُورِهِمَا، وَقَدْ حَصَلَ، فَإِنْ خَفَّ قَبْلَهَا شَرَعَ فِيهَا وَأَوْجَزَ (أَوْ غَابَتِ) الشَّمْسُ (كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ) لِأَنَّهُ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا، وَقِيلَ: إِنْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ، صَلَّى، وَيُعْمُل بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ، فَلَوْ شَكَّ فِي التَّجَلِّي لِغَيْمٍ، أَتَمَّهَا مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ، وَلَوِ انْكَشَفَ الْغَيْمُ عَنْ بَعْضِ الْقَمَرِ، وَلَا كُسُوفَ عَلَيْهِ، أَتَمَّهَا؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَالْأَشْهَرُ يُصَلِّي إِذَا غَابَ الْقَمَرُ خَاسِفًا لَيْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ وَقْتَ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِ، وَالثَّانِي: لَا، لِغَيْبُوبَتِهِ كَالشَّمْسِ، وَفِي مَنْعِ الصَّلَاةِ لَهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَجْهَانِ إِنْ فُعِلَتْ وَقْتَ نَهْيٍ.
فَرْعٌ: إِذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَلَمْ يَذْهَبِ الْكُسُوفُ لَمْ يُعِدْهَا، بَلْ يَذْكُرُ وَيَدْعُو، وَيَعْمَلُ بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ وَذَهَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْجَلِيَ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ.
(وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ) وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " جَازَ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رُكُوعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.

وَلَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ إِلَّا لِلزَّلْزَلَةِ الدَّائِمَةِ.

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي السُّنَنِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَعَنْهُ: أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَفْضَلُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِكُلِّ نَوْعٍ قَالَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ الْكُسُوفِ، فَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَأَخَّرَ الِانْجِلَاءُ، فَزَادَ فِي عَدَدِ الرُّكُوعِ، وَفِي بَعْضِهَا أَسْرَعَ، فَاقْتَصَرَ، وَفِي بَعْضِهَا تَوَسَّطَ فَتَوَسَّطَ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ: بِأَنَّ تَأَخُّرَ الِانْجِلَاءِ لَا يُعْلَمُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ في جميعها.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا أَقْوَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي السُّجُودِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ.
فَرْعٌ: الرُّكُوعُ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَتُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ فِي وَجْهٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْوَفَاءِ، إِنْ صَلَّاهَا الْإِمَامُ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ.

[لَا يُصَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ]

(وَلَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي زَمَانِهِمِ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَهُبُوبُ الرِّيَاحِ، وَالصَّوَاعِقُ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ شَدِيدَةً، اصْفَرَّ لَوْنُهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا، وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» لِأَنَّ الرِّيَاحَ نِعْمَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] (إِلَّا لِلزَّلْزَلَةِ) هِيَ وَجْفَةُ الْأَرْضِ وَاضْطِرَابُهَا وَعَدَمُ سُكُونِهَا (الدَّائِمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْنَا بِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: يُصَلِّي لِكُلِّ آيَةٍ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَلَّلَ الْكُسُوفَ بِأَنَّهُ آيَةٌ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَهْبَةٍ، كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَجَاءٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَنْ يَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَفِي " النَّصِيحَةِ ": يُصَلُّونَ لِكُلِّ آيَةٍ مَا أَحَبُّوا رَكْعَتَيْنِ، أَمْ أَكْثَرَ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَأَنَّهُ يَخْطُبُ.
تَنْبِيهٌ: تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ عَلَى الْكُسُوفِ، وَيُقَدَّمُ هُوَ عَلَى الْجُمُعَةِ إِنْ أَمِنَ فَوْتَهَا أَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِي خُطْبَتِهَا، وَكَذَا عَلَى الْعِيدِ وَالْمَكْتُوبَةِ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ خَافَ بَدَأَ بِالْفَرْضِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْوِتْرِ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ، وَالتَّرَاوِيحِ عَلَيْهِ، وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ صُلِّيَتِ التَّرَاوِيحُ جَمَاعَةً قُدِّمَتْ لِمَشَقَّةِ الِانْتِظَارِ، وَإِنْ كَسَفَتْ بِعَرَفَةَ صَلَّى ثُمَّ دَفَعَ، وَإِنْ مُنِعَتْ وَقْتَ نَهْيٍ ذَكَرَ وَدَعَا، وَقِيلَ: لَا يُتَصَوَّرُ كُسُوفٌ إِلَّا فِي ثَامِنٍ أَوْ تَاسِعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَا خُسُوفَ إِلَّا فِي إِبْدَارِ الْقَمَرِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَرَدَّهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو شَامَةَ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ الْقَمَرَ خُسِفَ لَيْلَةَ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي غَدِهِ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قال: وَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا صَوَّرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ، وَاسْتَبْعَدَهُ أَهْلُ النَّجَّامَةِ، وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ عَاشِرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَيُسْتَحَبُّ الْعِتْقُ فِي كُسُوفِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَمْرِهِ بِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ. قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: لِقَادِرٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.

بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَإِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ وَقَحَطَ الْمَطَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ

وَصَفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامِهَا صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ.
وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا وَعَظَ النَّاسَ،

[المبدع في شرح المقنع]

[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

[حُكْمُ صلاة الاستسقاء]

ِ هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ السُّقْيَا.
قَالَ الْقَاضِي عياض: الِاسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ بِطَلَبِ السُّقْيَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَابُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ طَلَبِ السُّقْيَا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
(وَإِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ) أَيْ: أَصَابَهَا الْجَدْبُ؛ وَهُوَ نَقِيضُ الْخِصْبِ (وَقَحَطَ الْمَطَرُ) أَيِ: احْتَبَسَ (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ) وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: يُسَنُّ حَضَرًا وَسَفَرًا، جَمَاعَةً وَفُرَادَى، وَالْأَفْضَلُ جَمَاعَةٌ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْقَحْطُ فِي غَيْرِ أَرْضِهِمْ، وَظَاهِرُهُ: اخْتِصَاصُهَا بِالْجَدْبِ، فَلَوْ غَارَ مَاءُ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ نَقُصَ وَضَرَّ فَرِوَايَتَانِ، وَلَا اسْتِسْقَاءَ لِانْقِطَاعِ مَطَرٍ عَنْ أَرْضٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، وَلَا مَسْلُوكَةٍ لِعَدَمِ الضَّرَرِ.

[صِفَةُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

(وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامِهَا صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الْعِيدَيْنِ، فَعَلَى هَذَا تُسَنُّ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ؛ لِأَنَّهُ

وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَتَرْكِ

[المبدع في شرح المقنع]

ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لَمْ يُقِمْهَا إِلَّا فِي الصَّحْرَاءِ؛ وَهِيَ أَوْسَعُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «صَلَّى النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ، يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا، وَخَمْسًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى؛ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «وَقَرَأَ " سَبِّحْ "، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْهُ: رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ؛ وَهِيَ ظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «اسْتَسْقَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَيَّدَةٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا تُفْعَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الزَّوَالِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
(وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا وَعَظَ النَّاسَ) أَيْ: يُخَوِّفُهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِالْخَيْرِ فِيمَا يَرِقُّ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وَيَنْصَحُهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِالْعَوَاقِبِ (وَأَمْرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ) وَذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْقَحْطِ، وَالتَّقْوَى سَبَبٌ لِلْبَرَكَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96] الْآيَةَ (وَالصِّيَامِ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى نُزُولِ الْغَيْثِ، وَقَدْ رُوِيَ «دَعْوَةُ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ» ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الشَّهْوَةِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ، وَالتَّذَلُّلِ لِلرَّبِّ، زَادَ جَمَاعَةٌ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ صَائِمًا، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّوْمَ بِأَمْرِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْأُمُورِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، لَا مُطْلَقًا، وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ فِي الطَّاعَةِ، وَيُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ، وَيُكْرَهُ فِي

التَّشَاحُنِ.
وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَتَنَظَّفُ لَهَا، وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا، وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخُ، وَيَجُوزُ خُرُوجُ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا وَلَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَكْرُوهِ (وَالصَّدَقَةِ) لِأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلرَّحْمَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى رَحْمَتِهِمْ بِنُزُولِ الْغَيْثِ (وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ) وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الشَّحْنَاءِ؛ وَهِيَ الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْبَهْتِ، وَتَمْنَعُ نُزُولَ الْخَيْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «خَرَجْتُ لِأُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» (وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا) أَيْ: يُعَيِّنُهُ لَهُمْ (يَخْرُجُونَ فِيهِ) لِيَتَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَسْنُونَةِ (وَيَتَنَظَّفُ لَهَا) مِنْ إِزَالَةِ الرَّائِحَةِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَحْوِهِمَا، لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ؛ وَهُوَ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ لَهُ أَشْبَهَ الْجُمُعَةَ (وَلَا يَتَطَيَّبُ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ اسْتِكَانَةٍ وَخُضُوعٍ (وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لِلِاسْتِسْقَاءِ مُتَذَلِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخُ) لِأَنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى إِجَابَتِهِمْ، وَظَاهِرُهُ: تَخْرُجُ الْعَجَائِزُ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهَا، وَالْأَشْهَرُ: لَا يُسْتَحَبُّ.
بَلْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُرُوجُهُمْ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَلَا تَخْرُجُ ذَاتُ هَيْئَة؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي خُرُوجِهِنَّ أَكْثَرُ.
(وَيَجُوزُ خروج الصبيان) كَالْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الرِّزْقَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ، لَكِنَّ الْمُمَيِّزَ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى الْبَزَّارُ مَرْفُوعًا «لَوْلَا أَطْفَالٌ

يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَيُصَلِّي بِهِمْ.

ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً.
يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ

[المبدع في شرح المقنع]

رُضَّعٌ، وَعِبَادٌ رُكَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، لِصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبًّا» ، وَلِأَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُمْ مُسْتَجَابًا كَالْمَشَايِخِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِحْبَابُ خُرُوجِ الْبَهَائِمِ.
وَفِي " الْفُصُولِ " نَحْنُ لِخُرُوجِ الشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، قَالَ: وَيُؤْمَرُ سَادَةُ الْعَبِيدِ بِإِخْرَاجِ عَبِيدِهِمْ وَإِمَائِهِمْ، وَلَا يَجِبُ، وَالْمُرَادُ: مَعَ عَدَمِ الْفِتْنَةِ (وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا) لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَاللَّهُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَذْهَبُ يَكْرَهُ، لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنَ الْإِجَابَةِ، وَإِذَا غِيثَ الْمُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا ظَنُّوهُ بِدُعَائِهِمْ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ (وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25] وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمْ لَا يُفْرَدُونَ بِيَوْمٍ؛ لِئَلَّا يَتَّفِقَ نُزُولُ غَيْثٍ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمُ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالسَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِفْرَادُهُمْ بِيَوْمٍ أَوْلَى؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا إِنَّمَا حَصَلَ مِنَ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ، وَفِي خُرُوجِ عَجَائِزِهِمُ الْخِلَافُ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُمْ شَابَّةٌ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَجَعَلَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي الْجُمْلَةِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ الِاسْتِسْقَاءُ بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، وَقَدِ اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ، وَمُعَاوِيَةُ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ مَرَّةً أُخْرَى، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
وَقَالَ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": لَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ.
وَقَالَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَيَجُوزُ أَنْ يُستَشَفَّعَ إِلَى اللَّهِ بِرَجُلٍ صَالِحٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ.

كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ وَقِرَاءَةَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ، وَيَرْفَعُ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ أَحْمَدُ فِي " مَنْسَكِهِ " الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: إِنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ، وَجَزَمَ به فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (فَيُصَلِّي بِهِمْ) رَكْعَتَيْنِ كَالْعِيدِ، وَعَنْهُ: بِلَا تَكْبِيرٍ زَائِدٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَفِي " النَّصِيحَةِ " يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] وَفِي الثَّانِيَةِ مَا أَحَبَّ

[خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ]

(ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ خَطَبَ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَعَنْهُ: خُطْبَتَيْنِ كَالْعِيدِ؛ وَهِيَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ثُمَّ خَطَبَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَكَالْعِيدِ، وَعَنْهُ: قَبْلَهَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَالْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَنْهُ: لَا خُطْبَةَ لَهَا، صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَنَصَرَهَا فِي " الْخِلَافِ " فَعَلَيْهَا يَدْعُو بَعْدَهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرٍ، وَيَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ كَالْعِيدِ فِي الْأَحْكَامِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ (يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ» ، وَعَنْهُ: يَفْتَتِحُهَا بِالْحَمْدِ كَالْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: بِالِاسْتِغْفَارِ؛ لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ.

يَدَيْهِ فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ: فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ ": وَيَكْثُرُ فِيهَا الدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَى الْإِجَابَةِ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْغَيْثِ، رَوَى سَعِيدٌ: أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ، فَقَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْغَيْثَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ الْمَطَرُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] . ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 11] وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ (وَقِرَاءَةُ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 3] (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) فِي الدُّعَاءِ؛ وَهُوَ سُنَّةٌ لِقَوْلِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَظُهُورُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ، لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ» ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، طَبَقًا غَدَقًا عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَوْلُهُ: " غَيْرَ رَائِثٍ " أَيْ: غَيْرَ بَطِيءٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الدُّعَاءَ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَأَنَّ النَّاسَ يُؤْمِنُونَ.

عَامًّا طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ ولَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ.
وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجُوعَ وَالْجَهْدَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا.
وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: بَلْ يَدْعُونَ (اللَّهُمَّ) أَيْ: يَا اللَّهُ (اسْقِنَا) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا (غَيْثًا) هُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَطَرُ، وَيُسَمَّى الْكَلَأُ غَيْثًا (مُغِيثًا) هُوَ الْمُنْقِذُ مِنَ الشِّدَّةِ يُقَالُ: غَاثَهُ وَأَغَاثَهُ، وَغِيثَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ مَغِيثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ (هَنِيئًا) هُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ؛ وَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ (مَرِيئًا) السَّهْلُ النَّافِعُ؛ وَهُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ: الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِهَا، وَالْمُغْدِقُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ وَالْخَيْرِ (مُجَلِّلًا) السَّحَابُ الَّذِي يَعُمُّ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ نَفْعُهُ (سَحًّا) الصَّبُّ، يُقَالُ: سَحَّ الْمَاءُ يَسِحُّ إِذَا سَالَ مِنْ فَوْقٍ إِلَى أَسْفَلَ، وَسَاحَ يَسِيحُ: إِذَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (عَامًّا) شَامِلًا (طَبَقًا) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ: الَّذِي طَبَّقَ الْبِلَادَ مَطَرُهُ (دَائِمًا) أَيْ: مُتَّصِلًا إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الْخِصْبُ (اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ) الْقَانِطُ: الْيَائِسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53] أَيْ: لَا تَيْئَسُوا (اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ) أَيِ: الشِّدَّةِ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: شِدَّةُ الْمَجَاعَةِ (وَالْجَهْدِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ: الْمَشَقَّةُ، وَبِضَمِّهَا: الطَّاقَةُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ مَنْجَا: هُمَا الْمَشَقَّةُ، وَرَدَّ بِمَا سَبَقَ (وَالضَّنْكِ) الضِّيقِ (مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الضَّرْعُ لِكُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ أَوْ خُفٍّ (وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجُوعَ وَالْجَهْدَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا) الْمِدْرَارُ: الدَّائِمُ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، هَذَا الدُّعَاءُ بِكَمَالِهِ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ غَيْرَ أَنَّ

الْخُطْبَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ؛ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(وَ) يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ (يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَسْتَقْبِلُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ". قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِهَا لِلدُّعَاءِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْقِرَاءَةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كالخطبة (وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ) بَعْدَ اسْتِقْبَالِها لما في حديث عبد الله أنه حول رداءه حين استقبل القبلة.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ خَطَبَ، وَدَعَا اللَّهَ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهَذَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ اسْتَسْقَى، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ

وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ، وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ، وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، فَإِنْ سُقُوا وَإِلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا.

[المبدع في شرح المقنع]

سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ، فَقَلَبَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا، فَهِيَ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَدْ نَقَلَ التَّحْوِيلَ جَمَاعَةٌ، لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَيَبْعُدُ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ (وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى؛ وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ الرِّدَاءِ لِيُقْلَبَ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ، مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ لَا تَحْوِيلَ فِي كُسُوفٍ، وَلَا حَالَةَ الْأَمْطَارِ وَالزَّلْزَلَةِ، وصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ (وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَبْلَغُ فِي الْخُشُوعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55] وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ حَتَّى يَحْصُلَ التَّأْمِينُ (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْجَازًا لِمَا وَعَدَ مِنْ فَضْلِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] فَإِنْ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ والخير، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ، وَيَقْرَأُ آيَةً، وَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْهَا، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ (فَإِنْ سُقُوا) فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ (وَإِلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي

وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ.
وَيُنَادَى

[المبدع في شرح المقنع]

الدُّعَاءِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتُحِبَّ كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: اسْتُسْقِيَ لِلنِّيلِ بِمِصْرَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَوَالِيَةً، وَحَضَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمْعٌ.
(وَإِنْ) تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ وَ (سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ) لِأَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ زَادَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7] وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ، لِأَنَّهَا تُرَادُ لِنُزُولِ الْغَيْثِ، وَقَدْ وُجِدَ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ " وَجَمْعٌ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ بَعْدَ التَّأَهُّبِ، وَيُصَلُّونَ شُكْرًا لِلَّهِ، وَيَسْأَلُونَ الْمَزِيدَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الْعَارِضِ مِنَ الْجَدْبِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النُّزُولِ، وَقِيلَ: يَخْرُجُونَ، وَلَا يُصَلُّونَ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْجَا أَنَّ التَّشَاغُلَ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ بِالدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ ثَلَاثٍ: الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ.
فَلَوْ سُقُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ صَلَّوْا، وَجْهًا وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا، وَفِي الْخُطْبَةِ رِوَايَتَانِ.

لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا.
وَإِنْ زَادَتِ الْمِيَاهُ، فَخِيفَ

[المبدع في شرح المقنع]

مَسْأَلَةٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمْعٌ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا وَصَفْنَا؛ وَهُوَ أَكْمَلُهَا، الثَّانِي: اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي خُطْبَتِهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَالثَّالِثُ: يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ.
(وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً) كَالْكُسُوفِ (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ أَشْبَهَتِ النَّوَافِلَ، فَعَلَيْهَا يَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ، وَأَهْلُ الْقُرَى، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ، لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ بِأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَالْعِيدِ، فَعَلَيْهَا إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ دَعُوا وَانْصَرَفُوا بِلَا صَلَاةٍ، وَفِي ثَالِثَةٍ: يُعْتَبَرُ إِذْنُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ دُونَ الْخُرُوجِ لَهَا وَالدُّعَاءِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنٍ صَلَّوْا وَدَعَوْا مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ) هُوَ مَسْكَنُ الرَّجُلِ، وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنَ الْأَثَاثِ (وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا) لِقَوْلِ أَنَسٍ: «أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ مَطَرٌ، فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؛ قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْزِعُ ثِيَابَهُ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ إِلَّا الْإِزَارَ يَتَّزِرُ بِهِ» ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ اسْتِحْبَابَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْهُ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ، وَاقْتَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَقُولُ إِذَا سَالَ الْوَادِي: اخْرُجُوا بِنَا إِلَى الَّذِي جَعَلَهُ الله طُهْرًا فَنَتَطَهَّرُ بِهِ» . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيَقْرَأُ عِنْدَ فَرَاغِهِ ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 89] تَفَاؤُلًا بِالْإِجَابَةِ.
فَائِدَةٌ: إِذَا سَمِعَ الرعد ورأى الْبَرْقَ سَبَّحَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ

مِنْهَا، اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظَّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ.
وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، واعف عنا

[المبدع في شرح المقنع]

الزُّبَيْرِ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَلَا يَتْبَعُ الْبَصَرُ الْبَرْقَ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(وَإِنْ زَادَتِ الْمِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا) إِلَى آخِرِهِ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الْفُرُوعِ " عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مَا عَدَا الْآيَةَ؛ وَهِيَ اللَّائِقَةُ بِالْحَالِ، فَاسْتُحِبَّ قَوْلُهَا كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ اللَّائِقَةِ بِمَحَالِّهَا.
وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ ماء العُيُونَ إِذَا زَادَتْ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَلْ يَدْعُو، لِأَنَّهُ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ، فَاسْتُحِبَّ الدُّعَاءُ لِانْقِطَاعِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يُشْرَعُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الصَّحْرَاءِ.
وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْآمِدِيَّ قَالَ: يُصَلَّى لِكَثْرَةِ الْمَطَرِ.
قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا أَيْ: أَنْزِلْهُ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ مَوَاضِعَ النَّبَاتِ، وَلَا عَلَيْنَا فِي الْمَدِينَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَبَانِي (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ) جَمْعُ ظَرِبٍ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ: وَاحِدُ الظُّرَابِ؛ وَهِيَ الرَّوَابِي الصِّغَارُ (وَالْآكَامُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يَلِيهَا مَدَّةٌ عَلَى وَزْنِ آصَالٍ، وَتُكْسَرُ الْهَمْزَةُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ جِبَالٍ، فَالْأَوَّلُ جَمْعُ أُكُمٍ كَكُتُبٍ، وَأُكُمٌ جَمْعُ إِكَامٍ كَجِبَالٍ، وآكام جمع أكم كجبل، وَأُكُمٌ وَاحِدُهُ أَكَمَةٌ، فَهُوَ مُفْرَدٌ جُمِعَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا، وَكَانَ أَكْثَرَ ارْتِفَاعًا مِمَّا حَوْلَهُ كَالتِّلُولِ وَنَحْوِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْجِبَالُ الصِّغَارُ.
قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ حَجَرٌ وَاحِدٌ (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) هِيَ الْأَمْكِنَةُ الْمُنْخَفِضَةُ (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أَيْ أُصُولِهَا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهَا ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] أَيْ: لَا تُكَلِّفُنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ، وَقِيلَ: هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ: هُوَ الْغُلْمَةُ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ: هِيَ الْحُبُّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ: هُوَ الْعِشْقُ، وَقِيلَ: هُوَ شَمَاتَةُ

وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَعْدَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ، نُعَوُذُ بِاللَّهِ مِنْهَا (واعف عنا) أَيْ: تَجَاوَزْ وَامْحُ عَنَّا ذُنُوبَنَا (وَاغْفِرْ لَنَا) أَيِ: اسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا، وَلَا تَفْضَحْنَا (وَارْحَمْنَا) فَإِنَّا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِطَاعَتِكَ، وَلَا تَرْكَ مَعَاصِيكَ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ (أَنْتَ مَوْلَانَا) نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] . يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيَحْرُمُ بِنَوْءِ كَذَا، لِخَبَرِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؛ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَإِضَافَةُ الْمَطَرِ إِلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ كُفْرٌ إِجْمَاعًا، وَلَا يُكْرَهُ فِي نَوْءِ كَذَا، خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ فصل تُسْتَحَب

ُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ.

وَتَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ وَالْوَصِيَّةَ.

فَإِذَا نَزَلَ بِهِ، تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]

[عِيَادَةُ الْمَرِيضِ] ِ الْجَنَائِزُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ لا غير جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَيُقَالُ: بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ، وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّتٌ، وَيُقَالُ عَكْسُهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ فَلَا يُقَالُ: نَعْشٌ وَلَا جِنَازَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ سَرِيرٌ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ، وَالْمُضَارِعُ بِكَسْرِ النُّونِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لَكِنْ ذُكِرَ هُنَا؛ لِأَنَّ أَهَمَّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ الصَّلَاةُ، فَذُكِرَ فِي الْعِبَادَاتِ.
1 - فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَالِاسْتِعْدَادِ.
لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُكْرَهُ الْأَنِينُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا تَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدَائِدِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَمُرَادُ الْأَصْحَابِ غَيْرُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ «مَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ» ، وَلَا يُكْرَهُ لِضَرَرِ بَدَنِهِ، وَقِيلَ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

يُسْتَحَبُّ، وَفِي كَرَاهَةِ مَوْتِ الْفَجْأَةِ رِوَايَتَانِ، وَفِيهِ خَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَكَذَا هُمَا فِي حُقْنَةٍ لِحَاجَةٍ، وَقَطْعِ الْعُرُوقِ وَفَصْدِهَا.
مَسْأَلَةٌ: التَّدَاوِي مُبَاحٌ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ فِعْلَهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إِنْ ظُنَّ نَفْعُهُ، وَيَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ مِنْ صَوْتِ مَلْهَاةٍ وَغَيْرِهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ فِي أَلْبَانِ الْأُتُنِ وَاحْتُجَّ بِتَحْرِيمِهَا، وَفِي التِّرْيَاقِ وَالْخَمْرِ، وَنَقَلَهُ الْمَرْوَذِيُّ فِي مُدَاوَاةِ الدُّبُرِ بِالْخَمْرِ، وَيَجُوزُ بِبَوْلِ إِبِلٍ فَقَطْ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ فِي حَشِيشَةٍ تُسْكِرُ تُسْحَقُ، وَتُطْرَحُ مَعَ دَوَاءٍ: لَا بَأْسَ، أَمَّا مَعَ الْمَاءِ فَلَا، وَشَدَّدَ فِيهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الدَّوَاءَ الْمَسْمُومَ إِنْ غَلَبَ مِنْهُ السَّلَامَةُ، وَرُجِيَ نَفْعُهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلتَّلَفِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَطِبَّ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَوَاءً لَمْ يُبَيِّنْ مُفْرَدَاتِهِ الْمُبَاحَةَ، وَصَرَّحَ فِي الْمَذْهَبِ بِجَوَازِهِ.
(تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ) وَالسُّؤَالُ عَنْ حَالِهِ لِأَخْبَارٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ، وَأَوْجَبَ الشِّيرَازِيُّ وَجَمَاعَةٌ عيادته لظاهر الْأَمْرَ بِهِ، وَالْمُرَادُ مَرَّةٌ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ،.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ كَوَجْهٍ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَيَغُبُّ بِهَا، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالْعَمَلِ بِالْقَرَائِنِ بُكْرَةً

بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَلَقَّنَهُ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَشِيًّا، وَيُكْرَهُ وَسَطَ النَّهَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي رَمَضَانَ لَيْلًا، لَا مُبْتَدَعَ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَيُخْبِرُ بِمَا يَجِدُ بِلَا شَكْوَى، وَكَانَ أَحْمَدُ يَحْمَدُ اللَّهَ أَوَّلًا لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إِذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْلَ الشَّكْوَى فَلَيْسَ بِشَاكٍّ، وَيُنَفَّسُ لَهُ فِي أَجَلِهِ لِخَبَرٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَيَدْعُو لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عبد مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ يَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسَالُ اللَّهَ العظيم رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عُوفِيَ» لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُكْرَهُ أَنْ يَعُوَدَ امْرَأَةً غَيْرَ مُحْرِمَةٍ، أَوْ تَعُودُهُ، وَتَعُودُ امْرَأَةٌ امْرَأَةً مِنْ أَقَارِبِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَهَلْ يُكْرَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ عِيَادَتَهَا (وَتَذْكِيرُهُ) إِذَا خِيفَ مَوْتُهُ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " (التَّوْبَةَ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» يَعْنِي: مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوحُهُ إِلَى حَلْقِهِ (وَالْوَصِيَّةَ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

[مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ]

(فَإِذَا نَزَلَ بِهِ) أَيْ: نَزَلَ الْمَلَكُ بِهِ لَقَبْضِ رُوحِهِ (تَعَاهَدَ) أَرْفَقُ أَهْلِهِ وَأَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ (بَلَّ حَلْقَهُ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى شَفَتَيْهِ

ثَلَاثٍ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدَ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ، وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس، وَتَوْجِيهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ.
فَإِذَا مَاتَ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَشَدَّ لِحْيَيْهِ، وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ، وَخَلَعَ

[المبدع في شرح المقنع]

بِقُطْنَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُطْفِئُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ النُّطْقَ بِالشَّهَادَةِ (وَلَقِّنْهُ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْمُحْتَضِرِ مَيِّتًا بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَعَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِهَا إِقْرَارٌ بِالْأُخْرَى، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَفِي " الْفُرُوعِ " احْتِمَالٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُلَقَّنُ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَبَعٌ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْأُولَى.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيُكْرَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ بِلَا عُذْرٍ (مَرَّةً) نَقَلَهُ مُهَنَّا وَأَبُو طَالِبٍ (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ) لِئَلَّا يُضْجِرَهُ، وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَجَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِذَا قُلْتَ مَرَّةً فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ (إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ فَيُعِيدَ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ) ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ اللُّطْفَ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، فَهُنَا أَوْلَى (وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ لِينٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَلِأَنَّهُ يُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ عِنْدَهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: وَتَبَارَكَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَوْجِيهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ «قِبْلَتُكُمْ

جارٍ التحميل