وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ، أَوْ عَلَامَاتِ النِّسَاءِ مِنَ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ يُئِسَ مِنْ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ أَوْ عَدِمَ الْعَلَامَاتِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، أُعْطِيَ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ، وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى، فَإِذَا كَانَ مَعَ الْخُنْثَى بِنْتٌ وَابْنٌ جَعَلْتَ لِلْبِنْتِ أَقَلَّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفٌ وَهُوَ سَهْمَانِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْجُمْهُورِ، فَيُعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ عَلَامَةِ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالسِّنِّ أَوِ الْإِنْبَاتِ، وَبِهِ يَنْكَشِفُ الْأَمْرُ (فَيَظْهَرُ فِيهِ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ مِنْ نَبَاتِ لِحْيَتِهِ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ أَوْ عَلَامَاتِ النِّسَاءِ مِنَ الْحَيْضِ، وَنَحْوِهِ) كَتَفَلُّكِ ثَدْيَيْهِ أَوْ سُقُوطِهِمَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَذَا إِنْ حَاضَ مِنْ فَرْجِهِ، وَأَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ وُجِدَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ، فَلَا ذَكَرَ وَلَا أُنْثَى، وَفِي " الْجَامِعِ ": لَا فِي إِرْثٍ وَدِيَةٍ؛ لِأَنَّ لِلْغَيْرِ حَقًّا، وَقِيلَ: أَوِ انْتَشَرَ بَوْلُهُ عَلَى كَثِيبِ رَمْلٍ، أَوِ اشْتَهَى النِّسَاءَ، فَذَكَرٌ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تُعَدُّ أَضْلَاعُهُ، فَإِنْ كَانَتْ سِتَّةَ عَشَرَ، فَرَجُلٌ، وَإِنْ كَانَتْ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَأُنْثَى؛ لِأَنَّ أَضْلَاعَهَا أَكْثَرُ بِوَاحِدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ وَالْأَصْحَابُ: لَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا وَقَعَ فِي الْخُنْثَى إِشْكَالٌ (وَإِنْ يَئِسَ مِنْهُ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ أَوْ عَدَمِ الْعَلَامَاتِ بَعْدَ بُلُوغِهِ) أَيْ: لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةِ، أَوِ اخْتَلَطَتْ، فَأَمْنَى مِنْ كُلٍّ مِنَ الْفَرْجَيْنِ، فَيُسَمَّى مُشْكِلًا، وَحِينَئِذٍ (أُعْطِيَ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ، وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى) نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُنْكِرٌ، وَأَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَاللُّؤْلُئِيُّ وَخَلْقٌ؛ لِأَنَّ حَالَتَيْهِ تَسَاوَتَا، فَوَجَبَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ حُكْمِهِمَا، كَمَا لَوْ تَدَاعَى نَفْسَانِ دَارًا بِأَيْدِيهِمَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَلَيْسَ نُوَرِّثُهُ بِأَسْوَأِ حَالِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ يُنْتَظَرُ، وَفِيهِ تَضْيِيعٌ مَعَ تَعَيُّنِ اسْتِحْقَاقِ الْوَرَثَةِ لَهُ، فَيُعْطَى هُوَ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى، وَيُعْطَى مَنْ مَعَهُ نِصْفَ مَالِهِ حَالَةَ الذُّكُورِيَّةِ، وَنِصْفَ مَالِهِ حَالَةَ الْأُنُوثِيَّةِ، إِلَّا أَنْ يَرِثَ بِأَحَدِهِمَا، فَيُعْطَى نِصْفَهُ، وَسَوَاءً كَانَ الْخُنْثَى وَمَنْ مَعَهُ يَتَزَاحَمَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، كَوَلَدٍ خُنْثَى وَعَمٍّ، يُزَاحِمُ الْعَمَّ فِي تَعْصِيبِهِ بِبُنُوَّتِهِ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ الْبَاقِي، وَالْعَمُّ يُزَاحِمُهُ بِعُمُومَتِهِ فِي الزَّائِدِ عَلَى فَرْضِ الْبِنْتِ، أَوْ كَوَلَدٍ خُنْثَى وَأَبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ الْمُتَّفِقِينَ.
(فَإِذَا كَانَ مَعَ الْخُنْثَى بِنْتٌ وَابْنٌ، جَعَلْتَ لِلْبِنْتِ أَقَلَّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفٌ، وَهُوَ سَهْمَانِ،
وَلِلذَّكَرِ أَرْبَعَةً، وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةً.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَعْمَلُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ، ثُمَّ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى، ثُمَّ تَضْرِبُ إِحْدَاهُمَا أَوْ وَفْقَهَا فِي الْأُخْرَى إِنِ اتَّفَقَتَا، وَتَجْتَزِئُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِلذَّكَرِ أَرْبَعَةً، وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةً) وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَاللُّؤْلُئِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا وَلَدٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ خُنْثَى، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِنَا، فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الِابْنِ أَخٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْعَصَبَاتِ، فَلَهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْخُنْثَى وَالْبِنْتِ عَلَى خَمْسَةٍ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) وَيُسَمَّى مَذْهَبَ الْمُنَزِّلِينَ (تَعْمَلُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ، ثُمَّ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى) لِأَنَّ لَهُ حَالَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنِ اعْتِبَارِهِمَا (ثُمَّ تَضْرِبُ إِحْدَاهُمَا) إِنْ تَبَايَنَتَا (أَوْ وَفْقَهَا فِي الْأُخْرَى إِنِ اتَّفَقَتَا، وَتَجْتَزِئُ بِإِحْدَاهُمَا إِنْ تَمَاثَلَتَا أَوْ بِأَكْثَرِهِمَا إِنْ تَنَاسَبَتَا، وَتَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ، ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مَضْرُوبٌ فِي الْأُخْرَى أَوْ فِي وَفْقِهَا) فَفِي الْمُتَبَايِنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ.
مَسْأَلَةٌ: الذُّكُورَةُ مِنْ خَمْسَةٍ وَالْأُنُوثَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، فَاضْرِبْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى تَكُنْ عِشْرِينَ، ثُمَّ فِي اثْنَيْنِ تَكُنْ أَرْبَعِينَ، لِلْبِنْتِ سَهْمٌ فِي خَمْسَةٍ، وَسَهْمٌ فِي أَرْبَعَةٍ: تِسْعَةً، وَلِلذَّكَر ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلِلْخُنْثَى سَهْمٌ فِي خَمْسَةٍ، وَسَهْمَانِ فِي أَرْبَعَةٍ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَهِيَ دُونُ ثُلُثِ الْأَرْبَعِينَ، وَعَلَى قَوْلِ الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ يُوَافِقُ قَوْلَ الْأَصْحَابِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَيُخَالِفُ فِي بَعْضِهَا، فَعَلَى قَوْلِهِ، تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تِسْعَةٍ، لِلْخُنْثَى الثُّلُثُ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ وَرَّثَهُ بِالدَّعْوَى فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْيَقِينِ، فَوَافَقَ قَوْلَ الْمُنَزِّلِينَ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لِلذَّكَرِ الْخُمْسَانِ بِيَقِينٍ، وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَهُوَ يَدَّعِي النِّصْفَ عِشْرِينَ، وَلِلْبِنْتِ الْخُمْسُ بِيَقِينٍ ثَمَانِيَةٌ، وَهِيَ تَدَّعِي الرُّبُعَ، وَلِلْخُنْثَى الرُّبُعُ بِيَقِينٍ، وَهِيَ يَدَّعِي الْخُمْسَيْنِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ يَدَّعِيهَا الْخُنْثَى كُلَّهَا، فَيُعْطِيهِ نِصْفَهَا ثَلَاثَةً مَعَ الْعَشَرَةِ الَّتِي مَعَهُ، صَارَ لَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالِابْنُ يَدَّعِي أَرْبَعَةً، فَيُعْطِيهِ نِصْفَهَا اثْنَيْنِ، صَارَ لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالْبِنْتُ تَدَّعِي سَهْمَيْنِ، فَتَدْفَعُ إِلَيْهَا سَهْمًا صَارَ لَهَا تِسْعَةً، وَمَنْ وَرَّثَهُ بِالدَّعْوَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ يَكُونُ الْمِيرَاثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى هُنَا نِصْفٌ وَرُبُعٌ وَخُمُسَانِ، مُخْرَجُهُمَا مِنْ عِشْرِينَ، يُعْطَى الِابْنُ النِّصْفَ عَشَرَةً، وَالْبِنْتُ خَمْسَةً، وَالْخُنْثَى ثَمَانِيَةً، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَفِي التَّوَافُقِ زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَوَلَدُ أَبٍ خُنْثَى، فَالذُّكُورِيَّةُ مِنْ سِتَّةٍ، وَالْأُنُوثِيَّةُ مِنْ
بِإِحْدَاهُمَا إِنْ تَمَاثَلَتَا، أَوْ بِأَكْثَرِهِمَا إِنْ تَنَاسَبَتَا، وَتَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ، ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مَضْرُوبٌ فِي الْأُخْرَى أَوْ فِي وَفْقِهَا، أَوْ تَجْمَعُ مَالَهُ مِنْهُمَا إِنْ تَمَاثَلَتَا وَإِنْ كَانَا خُنْثَيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ نَزَّلْتَهُمْ بِعَدَدِ أَحْوَالِهِمْ، وَقَالَ أَبُو
[المبدع في شرح المقنع]
ثَمَانِيَةٍ، وَبَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ، فَاضْرِبْ نِصْفَ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ فِي اثْنَيْنِ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَفِي التَّمَاثُلِ زَوْجَةٌ وَوَلَدٌ خُنْثَى وَعَمٌّ، فَالذُّكُورِيَّةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَالْأُنُوثِيَّةُ كَذَلِكَ، فَاجْتَزِئْ بِإِحْدَاهُمَا، وَاضْرِبْهَا فِي حَالَيْنِ تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَفِي التَّنَاسُبِ أُمٌّ وَبِنْتٌ وَوَلَدٌ خُنْثَى وَعَمٌّ، فَالذُّكُورِيَّةُ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالْأُنُوثَةُ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَصِحُّ مِنْهَا، وَهِيَ تُنَاسِبُ الْأُولَى بِالثُّلُثِ، فَاجْتَزِئْ بِأَكْثَرِهِمَا، وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَاضْرِبْهَا فِي حَالَيْنِ تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ وَتَجْمَعُ.
(أَوْ تَجْمَعُ مَالَهُ مِنْهُمَا إِنْ تَمَاثَلَتَا) فَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى يَرِثُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ كَزَوْجٍ وَأُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ أَبٍ خُنْثَى، فَمُقْتَضَى قَوْلِ الثَّوْرِيِّ أَنْ يُجْعَلَ لِلْخُنْثَى نِصْفَ مَا يَرِثُهُ فِي حَالِ إِرْثِهِ، وَهُوَ نِصْفُ سَهْمٍ، فَتَضُمُّهُ إِلَى سِهَامِ الْبَاقِينَ، وَهِيَ سِتَّةٌ، ثُمَّ تَبْسُطُهَا أَيْضًا، لِيَزُولَ الْكَسْرُ، فَيَصِيرَ لَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ لَهُ مِنْهَا سَهْمٌ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ نِصْفَيْنِ، وَقَدْ عَمِلَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي التَّنْزِيلِ فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ: لِلْخُنْثَى سَهْمَانِ، وَهِيَ نِصْفُ سُبُعٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
فَائِدَةٌ: الْخَنَاثَى مِنَ الْوَرَثَةِ سِتَّةٌ: مَسْأَلَةُ الْوَلَدِ وَوَلِدِ الِابْنِ، وَالْأَخِ وَوَلَدِهِ، وَالْعَمِّ وَوَلَدِهِ، فَالزَّوْجَانِ، وَالْأَبَوَانِ، وَالْجَدَّانِ، يُتَصَوَّرُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وَالْخِلَافُ يَقَعُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْوَلَدِ، وَوَلَدِ الِابْنِ، فَالْأَخِ، وَأَمَّا الْبَاقِي فَلَيْسَ لِلْإِنَاثِ مِنْهُمْ مِيرَاثٌ، فَيَكُونُ لِلْخُنْثَى مِنْهُمْ نِصْفُ مِيرَاثِ ذَكَرٍ، بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ الْخَبْرِيُّ.
(وَإِنْ كَانَا خُنْثَيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ نَزَّلْتَهُمْ بِعَدَدِ أَحْوَالِهِمْ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَضِرَارٍ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ، كَإِعْطَائِهِمُ الْيَقِينَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَعَلَى هَذَا تَجْعَلُ لِلِاثْنَيْنِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ ذَكَرًا، وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ أُنْثَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا، وَأَنْ يَكُونُوا إِنَاثًا، وَلِلثَّلَاثَةِ ثَمَانِيَةٌ، أَوْ لِلْأَرْبَعَةِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلْخَمْسَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ تَجْمَعُ مَا لَهُمْ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، فَتُقَسِّمُهُ عَلَى عَدَدِ أَحْوَالِهِمْ، فَمَا خَرَجَ بِالْقَسْمِ فَهُوَ لَهُمْ إِنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ
الْخَطَّابِ: تُنَزِّلُهُمْ حَالَيْنِ، مَرَّةً ذُكُورًا وَمَرَّةً إِنَاثًا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
فصل
[المبدع في شرح المقنع]
جِهَاتٍ جَمَعْتَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْأَحْوَالِ، وَقَسَمْتَهُ عَلَى عَدَدِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، فَالْخَارِجُ بِالْقَسْمِ هُوَ نَصِيبُهُ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وِفَاقًا لِأَبِي يُوسُفَ (تُنْزِلُهُمْ حَالَيْنِ مَرَّةً ذُكُورًا وَمَرَّةً إِنَاثًا) كَمَا تَصْنَعُ بِالْوَاحِدِ (وَالْأَوَّلُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ، فَيَعْدِلُ بَيْنَهُمْ، وَعَلَى الثَّانِي: يُعْطِي بِبَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
ابْنٌ وَخُنْثَيَانِ: مَسْأَلَةُ الذُّكُورِيَّةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالْأُنُوثِيَّةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَذُكُورِيَّةُ أَحَدِهِمَا، وَأُنُوثِيَّةُ الْآخَرِ مِنْ خَمْسَةٍ: لِلْمُقَدَّرِ وَلِوَرَثَتِهِ سَهْمَانِ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ، فَاجْتَزِئْ بِأَحَدِهِمَا لِتَمَاثُلِهِمَا، وَاضْرِبْ بَقِيَّةَ الْأَحْوَالِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، لِتَبَايُنِهَا تَكُنْ سِتِّينَ، ثُمَّ فِي الْأَحْوَالِ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، فَلَهُمَا فِي حَالِ الذُّكُورِيَّةِ ثُلُثَا الْمَالِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ، وَفِي حَالِ الْأُنُوثَةِ نِصْفُهُ، وَهُوَ ثَلَاثُونَ، وَفِي حَالِ ذُكُورِيَّةِ أَحَدِهِمَا، وَأُنُوثِيَّةِ الْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَهُوَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ، وَفِي الْحَالِ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، فَإِذَا جَمَعْتَ ذَلِكَ كَانَ مَا ذَكَرْنَا فَاقْسِمْهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ تَكُنْ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ وَنِصْفًا، لِكُلِّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَرُبُعٌ، ثُمَّ اضْرِبْ نَصِيبَ كَلِّ وَاحِدٍ فِي أَرْبَعَةٍ، يَصِحُّ لِكُلِّ خُنْثَى أَحَدٌ وَسَبْعُونَ، وَلِلِابْنِ ثَمَانِيَةٌ وَتِسْعُونَ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ، وَإِذَا كَانَ وَلَدٌ خُنْثَى وَوَلَدُ أَخٍ خُنْثَى وَعَمٌّ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ، فَالْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَا أُنْثَيَيْنِ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ، فَهِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ عِنْدَ مَنْ نَزَّلَهُمْ حَالَيْنِ: لِلْوَلَدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ، وَلِلْعَمِّ رُبُعُهُ، وَمَنْ نَزَّلَهُمْ أَحْوَالًا كَانَتْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ: لِلْوَلَدِ الْمَالُ فِي حَالَيْنِ، وَالنِّصْفُ فِي حَالَيْنِ، فَلَهُ رُبُعُ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ، وَلِوَلَدِ الْأَخِ نِصْفُ الْمَالِ فِي حَالٍ، فَلَهُ رُبُعُهُ، وَهُوَ الثُّمُنُ، وَلِلْعَمِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَعْدَلُ، وَمَنْ قَالَ بِالدَّعْوَى فِيمَا زَادَ عَلَى الْيَقِينِ، قَالَ: لِلْوَلَدِ النِّصْفُ يَقِينًا، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَتَدَاعُونَهُ، فَيَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُحَرَّرِ حُكْمَ الْخُنْثَى، وَبَيَّنَهُ بِأَحْسَنِ طَرِيقٍ، وَفَصَّلَهُ أَبْلَغَ تَفْصِيلٍ، فَلْيُرَاجَعْ هُنَاكَ.
فَصْلٌ قَالَ الْمُؤَلِّفَ: وَجَدْنَا فِي عَصْرِنَا شَبِيهًا بِالْخُنْثَى لَمْ يَذْكُرْهُ الْفَرْضِيُّونَ، شَخْصَيْنِ
بَابُ مِيرَاثِ الْغَرْقَى وَمَنْ عُمِّيَ مَوْتُهُ إِذَا مَاتَ مُتَوَارَثَانِ، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا كَالْغَرْقَى وَالْهَدْمَى، وَاخْتَلَفَ وُرَّاثُهُمَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي امْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ، وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا، فَوَرِثْتُهُ، لَمَّا مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ، ذَكَرَهَا الْخِرَقِيُّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقَسَّمُ
[المبدع في شرح المقنع]
لَيْسَ لَهُمَا فِي قُبُلِهِمَا مَخْرَجٌ، وَلَا ذَكَرٌ، وَلَا فَرْجٌ، أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَذَكَرُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي قُبُلِهِ إِلَّا لُحْمَةٌ نَابِتَةٌ كَالرَّبْوَةِ يَرْشَحُ مِنْهَا الْبَوْلَ رَشْحًا عَلَى الدَّوَامِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَسَأَلَنَا عَنِ الصَّلَاةِ، وَالتَّحَرُّزِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَخْرَجٌ وَاحِدٌ، فِيمَا بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْهُ يَتَغَوَّطُ، وَمِنْهُ يَبُولُ، وَأُخْبِرْتُ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْبَسُ لِبَاسَ النِّسَاءِ وَيُخَالِطُهُنَّ وَيَغْزِلُ مَعَهُنَّ، وَيَعُدُّ نَفْسَهُ امْرَأَةً، قَالَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْعَجَمِ شَخْصًا لَيْسَ لَهُ قُبُلٌ وَلَا دُبُرٌ، وَإِنَّمَا يَتَقَيَّأُ مَا يَأْكُلُهُ وَيَشْرَبُهُ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي مَعْنَى الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِمَبَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَامَةٌ أُخْرَى، فَهُوَ مُشْكِلٌ، يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُهُ فِي مِيرَاثِهِ.
[بَابُ مِيرَاثِ الْغَرْقَى وَمَنْ عُمِّيَ مَوْتُهُ]
أَيْ: خَفِيَ، وَلَمْ يُعْلَمْ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا الْبَابَ عَقِبَ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ فِي الْإِرْثِ، وَهُنَا يُوجِبُ حِرْمَانَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
(إِذَا مَاتَ مُتَوَارَثَانِ فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا كَالْغَرْقَى) هُوَ جَمْعُ غَرِيقٍ كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ (وَالْهَدْمَى) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ هَدِيمٍ بِمَعْنَى مَهْدُومٍ، كَجَرِيحٍ بِمَعْنَى مَجْرُوحٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ، وَلَمْ أَرَ هَذَا مَنْقُولًا (وَاخْتَلَفَ وُرَّاثُهُمَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا) أَيْ: ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ سَبْقَ الْآخَرِ، وَلَا بَيِّنَةَ، أَوْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَةُ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا، نُصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: بَلَى، وَخَرَّجُوا مِنْهَا الْمَنْعَ فِي جَهْلِهِمُ الْحَالَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي امْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ، وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثْتُهُ لَمَّا مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْكِرُ مَا ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ، وَالْمُنْكِرُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ (وَيَكُونُ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ) لِأَنَّهُ وَارِثُهُ الْحَيُّ الْمُتَيَقَّنُ، وَغَيْرُهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ يَرِثَانِهَا يَقِينًا، وَغَيْرُهُمَا مَشْكُوكٌ فِيهِ (ذَكَرَهَا الْخِرَقِيُّ) فِي الدَّعَاوَى، وَهُوَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ وَزَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ
مِيرَاثُ كُلِّ مَيِّتٍ عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ مَاتَ مَعَهُ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى يَرِثُ صَاحِبَهُ مِنْ تِلَادِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنَ الْمَيِّتِ مَعَهُ، ثُمَّ يُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا مَاتَ أَوَّلًا، وَيُوَرَّثُ الْآخَرُ مِنْهُ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِالثَّانِي كَذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ غَرِقَ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا مَوْلَى زَيْدٍ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقَسَّمُ مِيرَاثُ كُلِّ مَيِّتٍ عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ مَاتَ مَعَهُ) وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُتَوَارَثَانِ مَعًا، وَعَلِمَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، فَلَا إِرْثَ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ تَوْرِيثِهِ كَوْنُهُ حَيًّا حِينَ مَوْتِ الْآخَرِ (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ) وَقَدْ نُصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ (أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى يَرِثُ صَاحِبَهُ مِنْ تِلَادِ مَالِهِ) أَيْ: مَالِهِ الْقَدِيمِ الْأَصْلِ (دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنَ الْمَيِّتِ مَعَهُ) وَهُوَ الْمُسْتَحْدَثُ، وَيُقَالُ لَهُ: الطَّارِفُ، وَالطَّرِيفُ، وَسَوَاءٌ جَهِلَ الْوَرَثَةُ كَيْفَ مَاتَ أَوْ تَحَقَّقُوا السَّابِقَ، وَجَهِلُوا عَيْنَهُ (ثُمَّ يُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا مَاتَ أَوَّلًا، وَيُوَرَّثُ الْآخَرُ مِنْهُ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ يَصْنَعُ بِالثَّانِي كَذَلِكَ) فَيُقَدَّرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَاتَتْ أَوَّلًا، فَوَرِثَهَا زَوْجُهَا وَابْنُهَا أَرْبَاعًا، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا وَرِثَهُ الِابْنُ فَيُدْفَعُ لِوَرَثَتِهِ الْأَحْيَاءِ، وَهُمُ الْأَبُ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ جَمِيعُ مَالِهِ، ثُمَّ يُقَدَّرُ أَنَّ الِابْنَ مَاتَ أَوَّلًا، فَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ أَثْلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ ثُلُثَ الْأُمِّ فَيُقَسِّمُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهَا الْأَحْيَاءِ، وَهُمْ أَخُوهَا وَزَوْجُهَا نِصْفَيْنِ، فَيَحْصُلُ لِلْأَخِ السُّدُسُ مِنْ مَالِ الِابْنِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَنْ جَمْعٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ عَامَ عَمْوَاسٍ، فَجُعِلَ أَهْلُ الْبَيْتِ يَمُوتُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَأَمَرَ عُمَرُ أَنْ يُوَرَّثُوا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَرُوِيَ عَنْ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ وَقَعَ عَلَيْهِمْ بَيْتٌ، فَقَالَ: يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» . وَحَمَلَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ نَصَّ أَحْمَدَ الَّذِي حَكَاهُ الْخِرَقِيُّ اخْتِصَاصَهُ
وَالْآخَرُ مَوْلَى عَمْرٍو، وَصَارَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى الْآخَرِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ: يَصِيرُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَاهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[المبدع في شرح المقنع]
بِمَا إِذَا ادَّعَى وَارِثُ كُلِّ مَيِّتٍ بِأَنَّ مَوْرُوثَهُ كَانَ آخِرَهُمَا مَوْتًا، فَأَمَّا مَعَ الْجَهْلِ، فَيُوَرَّثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مَعَ التَّدَاعِي يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَهْلِ، لِكَوْنِهَا لَا تُشْرَعُ حِينَئِذٍ، وَاحْتَجَّ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى بِمَا رَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُوَيْسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ قَتْلَى الْيَمَامَةِ وَصِفِّينَ وَالْحَرَّةِ لَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَرَّثُوا عَصَبَتَهُمُ الْأَحْيَاءَ، وَقَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمْ: أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَتْ هِيَ وَابْنُهَا زَيْدُ بْنُ عُمَرَ، فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، فَلَمْ تَرِثْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا.
وَلِأَنَّ شَرْطَ التَّوَارُثِ حَيَاةُ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ، وَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ، وَلِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي حَيَاتِهِ حِينَ يَرِثُ مَوْرُوثَهُ، فَلَا يَرِثُهُ كَالْحَمْلِ إِذَا وَضَعَتْهُ مَيِّتًا، وَلَا تَوْرِيثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُمَا مَعًا، أَوْ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا، وَتَوْرِيثُ السَّابِقِ بِالْمَوْتِ خَطَأٌ يَقِينًا، مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةٌ: يُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَيُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ، أَوْ يَصْلُحُوا، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَأَبْطَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِلَى أَنْ يُعْطِيَ الْأَخَ مَا لَا يَدَّعِيهِ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي مِنْ مَالِ الِابْنِ أَكْثَرَ مِنْ سُدُسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ.
فَرْعٌ: لَوْ عُلِمَ السَّابِقُ ثُمَّ نُسِيَ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ جُهِلَ، وَقِيلَ: بِالْقُرْعَةِ، قَالَ الْأَزَجِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ تَجْرِ الْقَرْعَةُ لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي النَّسَبِ، وَقَالَ الْوَنِّيُّ: يُعْمَلُ بِالْيَقِينِ، وَيُوقَفُ مَعَ الشَّكِّ.
(فَعَلَى هَذَا لَوْ غَرِقَ أَخَوَانِ: أَحَدُهُمَا مَوْلَى زَيْدٍ، وَالْآخَرُ مَوْلَى عَمْرٍو، وَصَارَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى الْآخَرِ) لِأَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ مَوْتُ مَوْلَى زَيْدٍ أَوَّلًا اسْتَحَقَّ مِيرَاثَهُ أَخُوهُ، ثُمَّ يُدْفَعُ إِلَى وَرَثَتِهِ الْأَحْيَاءِ، وَهُوَ مَوْلَاهُ، صَارَ مَالُ مَوْلَى زِيدٍ لِعَمْرٍو، ثُمَّ هَكَذَا يُقَدَّرُ فِي مَوْلَى عَمْرٍو (وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يُوَرَّثْ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ (يَصِيرُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَاهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) لِمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ، وَقَفَ مَالَهُمَا، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ مَوْلَاهُ آخِرُهُمَا مَوْتًا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى
بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِهِ فيرثه،
[المبدع في شرح المقنع]
إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَأَخَذَ مَالَ مَوْلَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا أُخْتٌ، فَمَنْ وَرَّثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، جَعَلَ لَهَا الثُّلُثَيْنِ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالنِّصْفَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِنْ خَلَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةً وَبِنْتًا، فَمَنْ لَمْ يُوَرِّثْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، صَحَّحَهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ: لِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ، وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِمَوْلَاهُ، وَمَنْ وَرَّثَهُمْ جَعَلَ الْبَاقِيَ لِأَخِيهِ، ثُمَّ قَسَّمَهُ بَيْنَ وَرَثَةِ أَخِيهِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ، ثُمَّ ضَرَبَهَا فِي الثَّمَانِيَةِ الْأُولَى، فَصَحَّتْ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ: لِامْرَأَتِهِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِابْنَتِهِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَلِامْرَأَةِ أَخِيهِ ثُمُنُ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ، وَلِابْنَتِهِ اثْنَا عَشَرَ، وَلِمَوْلَاهُ الْبَاقِي تِسْعَةٌ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ عَيَّنَ الْوَرَثَةُ وَقْتَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَشَكُّوا هَلْ مَاتَ الْآخَرُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ؛ وَرِثَ مَنْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ مِنَ الْآخَرِ؛ إِذِ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَقِيلَ: لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا بِحَالٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَوْ مَاتَ أَخَوَانِ عِنْدَ الزَّوَالِ، أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ، وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ، وَرِثَ الَّذِي مَاتَ بِالْمَغْرِبِ مِنَ الَّذِي مَاتَ بِالْمَشْرِقِ لِمَوْتِهِ قَبْلَهُ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الزَّوَالِ، قَالَهُ فِي " الْفَائِقِ ".
[بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ]
[مِيرَاثُ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
بَابُ
مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ
وَهُوَ جَمْعُ مِلَّةٍ، بِكَسْرِ الْمِيمِ، إِفْرَادًا وَجَمْعًا، وَهِيَ: الدِّينُ وَالشَّرِيعَةُ.
(لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ) قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بَيْنَ النَّاسِ اخْتِلَافٌ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَمُعَاذٍ، وَمُعَاوِيَةَ خِلَافُهُ،
وَعَنْهُ: لَا يَرِثُ وَإِنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، وَقَبْلَ الْقَسْمِ لَمْ يَرِثْ وَجْهًا وَاحِدًا،
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقُيِّدَ الْكَافِرُ بِالْأَصْلِيِّ، وَهُوَ مُرَادٌ (وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ: مَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ بَيْنَهُمَا مُنْقَطِعَةٌ، فَلَمْ يَتَوَارَثَا (إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِهِ فَيَرِثَهُ) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا لِمَا رَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ قَسْمُ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْحَثُّ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ الْبَعْضِ، وَرِثَ مَا بَقِيَ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، فَتَصَرُّفُهُ فِي التَّرِكَةِ وَحِيَازَتُهَا كَقِسْمَتِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا قُسِّمَتِ التَّرِكَةُ، وَتَعَيَّنَ حَقُّ كُلِّ وَارِثٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَاسْتَثْنَى الْخِرَقِيُّ وَالْمَجْدُ وَالْجَدُّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ، وَهُوَ: مَا إِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ
وَيَرِثُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِنِ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ وَهُمْ ثَلَاثُ مِلَلٍ: الْيَهُودِيَّةُ،
[المبدع في شرح المقنع]
لِثُبُوتِهِ (وَعَنْهُ: لَا يَرِثُ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، وَصَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» الْخَبَرَ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدِ انْتَقَلَ عَنْهُ بِالْمَوْتِ، فَلَمْ يُشَارِكْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَمَا لَوِ اقْتَسَمُوا، أَوْ كَانَ رَقِيقًا، فَأُعْتِقَ، فَعَلَيْهَا يَرِثُ عَصَبَةَ سَيِّدِهِ الْمُوَافِقِ لِدِينِهِ، وَوَرَّثَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمُسْلِمَ مِنْ ذَمِّيٍّ؛ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ قَرِيبُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلِوُجُوبِ نَصْرِهِمْ، وَلَا يَنْصُرُونَنَا.
(وَإِنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، وَقَبْلَ الْقَسْمِ، لَمْ يَرِثْ وَجْهًا وَاحِدًا) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنَعَهُ مُطْلَقًا، خَرَجَ مِنْهُ مَا سَبَقَ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَعَنْهُ: يَرِثُ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، كَمَنْ أَسْلَمَ، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَالْمَذْهَبُ تَوْرِيثُ مَنْ أَسْلَمَ، لَا مَنْ عَتَقَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْظَمُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبِ، وَرَدَ الشَّرْعُ بِالتَّأْلِيفِ عَلَيْهِ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِتَوْرِيثِهِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا مَا وَرَدَ مِنَ الْأَثَرِ فِي تَوْرِيثِ مَنْ أَسْلَمَ، لَكَانَ النَّظَرُ أَنْ لَا يَرِثَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ حِينَ الْمَوْتِ.
فَرْعٌ: لَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَدَبَّرَهُ، يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ حِينَ الْمَوْتِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ حَيَاتِي عَتَقَ، وَوَرِثَ فِي الْأَصَحِّ لِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
(وَيَرِثُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْإِرْثِ اخْتِلَافُ الدِّينِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، لَكِنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ فِي ذَلِكَ، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ أُسَامَةَ (وَهُمْ ثَلَاثُ مِلَلٍ) هَذَا رِوَايَةُ (الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ كِتَابٌ، وَأَحْكَامٌ وَشَرَائِعُ غَيْرُ الْأُخْرَى (وَدِينُ سَائِرِهِمْ) أَيْ: بَاقِيهِمْ كَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ
وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَدِينُ سَائِرِهِمْ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أديانهم لَمْ يَتَوَارَثُوا، وَعَنْهُ: يَتَوَارَثُونَ، وَلَا يَرِثُ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، وَلَا حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا، ذَكَرَهَ الْقَاضِي،
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوْثَانِ، فَإِنَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُمْ بِأَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَجَمْعٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْمُوَالَاةَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَهُمْ، أَشْبَهَ اخْتِلَافَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ، وَعَنْهُ: الْكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ يَنْفِي تَوَارُثَهُمْ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحْمَدَ تَصْرِيحًا بِذِكْرِ انْقِسَامِ الْمِلْكِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَوَارُثَ بَيْنَهَا، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِلَلًا كَثِيرَةً، فَتَكُونُ الْمَجُوسِيَّةُ مِلَّةً، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِلَّةً، وَعُبَّادُ الشَّمْسِ مِلَّةً، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ، لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ، وَقَوْلُ مَنْ حَصَرَ الْمِلَّةَ بِعَدَمِ الْكِتَابِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ عَدَمِيٌّ، لَا يَقْتَضِي حُكْمًا، وَعَنْهُ: مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، نَقَلَهَا حَرْبٌ، فَعَلَيْهَا يَتَوَارَثُونَ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] عَامٌّ فِي جَمِيعِهِمْ، فَالصَّابِئَةُ، قِيلَ: كَالْيَهُودِ، وَقِيلَ: كَالنَّصَارَى.
(وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ لَمْ يَتَوَارَثُوا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ (وَعَنْهُ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَوَارَثَا، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا، إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ، وَإِنْ قُتِلَ فِي رِدَّتِهِ، فَمَا لَهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْهُ: أنه لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي اخْتَارَهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
: يَتَوَارَثُونَ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَكَمَفْهُومِ حَدِيثِ أُسَامَةَ، قَالَ فِي الشَّرْحِ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَلَا يَرِثُ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، وَلَا حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) وَقَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّهْذِيبِ اتِّفَاقًا لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَوَارَثَا) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": وَهُوَ الْأَقْوَى فِي الْمَذْهَبِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الدَّارُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّ الْمِلَّةَ الْوَاحِدَةَ يَتَوَارَثُونَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ فِي النُّصُوصِ تَقْتَضِي تَوْرِيثَهُمْ، وَلَمْ يَرِدْ بِتَخْصِيصِهِمْ نَصٌّ، وَلَا إِجْمَاعٌ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِمْ قِيَاسٌ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهَا، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّوْرِيثِ مَوْجُودٌ، فَيُعْمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحَقِيقِ الْمَانِعِ.
مَسْأَلَةٌ: يَتَوَارَثُ حَرْبِيٌّ وَمُسْتَأْمَنٌ، وَذِمِّيٌّ وَمُسْتَأْمَنٌ، وَفِي الْمُنْتَخَبِ: يَرِثُ مُسْتَأْمَنًا وَرَثَتُهُ بِدَارِ حَرْبٍ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَفِي التَّرْغِيبِ: هُوَ فِي حُكْمِ ذِمِّيٍّ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: الْمُسْتَأْمَنُ يَمُوتُ هُنَا تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ (وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِ، وَلَوِ انْتَقَلَ إِلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ أَوِ اسْتِقْرَارُهَا، فَلِأَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُ مِلْكٌ أَوْلَى (إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ) فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، وَلَوِ ارْتَدَّ مُتَوَارَثَانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا ارْتَدَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَرِثَهُ الْآخَرُ، وَيَخْرُجُ فِي مِيرَاثِ سَائِرِ الْأَقَارِبِ كَذَلِكَ (وَإِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
قُتِلَ) أَوْ مَاتَ (فِي رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالصَّحِيحُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَلِأَنَّ مَالَهُ مَالُ مُرْتَدٍّ، أَشْبَهَ الَّذِي كَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُمْ، فَلَا يَرِثُونَهُ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) رُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ، وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمْعٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهُ كَمَرَضِ مَوْتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ عَلَى الْأُولَى: يَأْخُذُونَهُ فَيْئًا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: إِرْثًا.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي اخْتَارَهُ) رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ يَرِثُهُ أَهْلُ دِينِهِ كَالْحَرْبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَرِثُهُ، فَهُوَ فَيْءٌ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ تِلَادِ مَالِهِ وَطَارِئِهِ، فَإِنِ ارْتَدَّ وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وُقِفَ مَالُهُ إِلَى أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِحُكْمِ الزِّنْدِيقِ، وَهُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ، الَّذِي كَانَ يُسَمَّى مُنَافِقًا فِي عَصْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حُكْمُهُ كَالْمُرْتَدِّ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": وَآكَدُ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ إِذَا لَمْ يَتُبْ أَوْ تَابَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: بِكَفِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُمْ بِإِظْهَارِ الشَّهَادَةِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِبَاطِنِهِمْ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمُنَافِقَ يَرِثُ وَيُورَثُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْخُذْ مِنْ تَرِكَةِ مُنَافِقٍ شَيْئًا، وَلَا جَعَلَهُ فَيْئًا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمِيرَاثَ مَدَارُهُ عَلَى النُّصْرَةِ الظَّاهِرَةِ، وَاسْمُ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي الظَّاهِرِ إِجْمَاعًا، وَلَا لِحُكْمِ الدَّاعِيَةِ، وَهُوَ إِذَا دُعِيَ إِلَى بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ، فَمَالُهُ فَيْءٌ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَهْمِيِّ، وَعَلَى الْأَصَحِّ أَوْ غَيْرِ دَاعِيَةٍ وَهُمَا فِي غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ
فَصْلٌ وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَجُوسُ أَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا، وَرِثُوا بِجَمِيعِ قَرَابَاتِهِمْ فَإِذَا خَلَّفَ أُمَّهُ –
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي الْجَهْمِيِّ، إِذَا مَاتَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا نَصَارَى مَنْ يَشْهَدُهُ؟ قَالَ: أَنَا لَا أَشْهَدُهُ، يَشْهَدُهُ مَنْ شَاءَ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهَا.
[مِيرَاثُ الْمَجُوسِيِّ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَجُوسُ أَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا، وَرِثُوا بِجَمِيعِ قَرَابَاتِهِمْ) إِنْ أَمْكَنَ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَجَمْعٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفَ، فَإِذَا كَانَتِ الْأُمُّ أُخْتًا، وَجَبَ إِعْطَاؤُهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا فِي الْآيَتَيْنِ كَالشَّخْصَيْنِ، وَلِأَنَّهُمَا قَرَابَتَانِ تَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً، وَلَا تَحْجِبُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إِذَا كَانَا فِي شَخْصَيْنِ، وَلَا تَرْجِيحَ فِيهِمَا، فَيَرِثُ بِهِمَا جَمِيعًا، كَزَوْجٍ هُوَ ابْنُ عَمٍّ، وَابْنُ عَمٍّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، وَعَنْهُ: يَرِثُ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّهُمَا قَرَابَتَانِ لَا يُوَرَّثُ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ، فَلَا يُوَرَّثُ بِهِمَا فِي غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَجَوَابُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: لَمْ يَحْكِ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَبِأَنَّ الْقَرَابَتَيْنِ فِي الْأَصْلِ تُسْقِطُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، إِذَا كَانَا فِي شَخْصَيْنِ، فَكَذَا إِذَا كَانَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُمْ: لَا تُوَرَّثُ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ لِعَدَمِ وُجُودِهِمَا فَلَوْ تُصُوِّرَ وُجُودُهُمَا، كَزَوْجٍ هُوَ ابْنُ عَمٍّ وَرِثَ بِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي يَجْتَمِعُ بِهَا قَرَابَتَانِ، وَيَصِحُّ الْإِرْثُ بِهِمَا سِتٌّ: إِحْدَاهُنَّ فِي الذُّكُورِ، وَهِيَ عَمٌّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، وَخَمْسٌ فِي الْإِنَاثِ، وَهِيَ بِنْتٌ، هِيَ أُخْتٌ، أَوْ بِنْتُ ابْنٍ، وَأُمٌّ هِيَ أُخْتٌ، وَأُمُّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، وَأُمُّ أَبٍ هِيَ أُخْتٌ لِأُمِّ، وَمَتَى كَانَتِ الْبِنْتُ أُخْتًا، وَالْمَيِّتُ رَجُلٌ، فَهِيَ أُخْتٌ لِلْأُمِّ، وَمَتَى كَانَ امْرَأَةً فَهِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، فَإِنْ قِيلَ: أُمٌّ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، أَوْ أُمٌّ، أَوْ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، وَأُمُّ أَبٍ هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، فَهُوَ مُحَالٌ.
(فَإِذَا خَلَّفَ أُمَّهُ - وَهِيَ أُخْتُهُ مِنْ أَبِيهِ - وَعَمًّا، وَرِثَتِ الثُّلُثَ بِكَوْنِهَا أُمًّا، وَالنِّصْفَ
وَهِيَ أُخْتُهُ مِنْ أَبِيهِ - وَعَمًّا، وَرِثَتِ الثُّلُثَ بِكَوْنِهَا أُمًّا، وَالنِّصْفَ بِكَوْنِهَا أُخْتًا، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا أُخْتٌ أُخْرَى، لَمْ تَرِثْ بِكَوْنِهَا أُمًّا إِلَّا السُّدُسُ؛ لِأَنَّهَا انْحَجَبَتْ بِنَفْسِهَا وَبِالْأُخْرَى، وَلَا يَرِثُونَ بِنِكَاحِ ذَوِي الْمَحَارِمِ، وَلَا بِنِكَاحٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمُوا.
[المبدع في شرح المقنع]
بِكَوْنِهَا أُخْتًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ) لِخَبَرِ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .
(فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أُخْتٌ أُخْرَى، لَمْ تَرِثْ بِكَوْنِهَا أُمًّا إِلَّا السُّدُسَ) وَعَلَّلَهُ (لِأَنَّهَا انْحَجَبَتْ بِنَفْسِهَا وَبِالْأُخْرَى) لِأَنَّ الْأُمَّ تُرَدُّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِالْأُخْتَيْنِ، وَمَنْ وَرَّثَهَا بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَرَّثَهَا الثُّلُثَ بِكَوْنِهَا أُمًّا، وَلَمْ يَحْجِبْهَا بِنَفْسِهَا، وَقَدْ تَحْجُبُ هِيَ نَفْسَهَا، وَهُوَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ مَجُوسِيٌّ أُمَّهُ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ، فَلَهَا السُّدُسُ، وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ، وَلَا يَرِثُ أُمَّهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، وَلَا ابْنَتَهُ بِالْأُخُوَّةِ لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْأُمِّ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، فَيَكُونُ إِذًا قَدْ حَجَبَتْ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا.
مَسْأَلَةٌ: مَجُوسِيٌّ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا، وَعَنْ عَمٍّ، فَلَهَا الثُّلُثَانِ، وَالْبَقِيَّةُ لِلْعَمِّ، وَلَا تَرِثُ الْكُبْرَى بِالزَّوْجِيَّةِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ مَاتَتِ الْكُبْرَى بَعْدَهُ، فَالْمَالُ لِلصُّغْرَى؛ لِأَنَّهَا بِنْتٌ وَأُخْتٌ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْكُبْرَى، فَلَهَا نِصْفٌ وَثُلُثٌ، وَالْبَقِيَّةُ لِلْعَمِّ، وَمَنْ وَرَّثَ بِأَقْوَاهُمَا لَمْ يُوَرِّثْهَا بِالْأُخُوَّةِ شَيْئًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، ثُمَّ لَوْ تَزَوَّجَ الصُّغْرَى، فَوَلَدَتْ بِنْتًا، وَخَلَّفَ مَعَهُنَّ عَمًّا، فَلَبِنَاتِهِ الثُّلُثَانِ، وَمَا بَقِيَ لِلْعَمِّ، وَلَوْ مَاتَتْ بَعْدَهُ ابْنَتُهُ الْكُبْرَى، فَلِلْوُسْطَى النِّصْفُ؛ لِأَنَّهَا بِنْتٌ، وَمَا بَقِيَ لَهَا وَلِلصُّغْرَى؛ لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، فَهَذِهِ بِنْتُ بِنْتٍ، وَرِثَتْ مَعَ بِنْتٍ فَوْقَ السُّدُسِ، وَلَوْ مَاتَتْ بَعْدَهُ الْوُسْطَى، فَالْكُبْرَى أُمٌّ وَأُخْتٌ لِأَبٍ، وَالصُّغْرَى بِنْتٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَمَا بَقِيَ لَهُمَا بِالتَّعْصِيبِ، وَإِنْ مَاتَتِ الصُّغْرَى بَعْدَهَا فَأُمُّ أُمِّهَا أُخْتٌ لِأَبٍ، فَلَهَا الثُّلُثَانِ، وَمَا بَقِيَ لِلْعَمِّ، وَلَوْ مَاتَتْ بَعْدَهُ بِنْتُهُ الصُّغْرَى، فَلِلْوُسْطَى بِأَنَّهَا أُمٌّ السُّدُسُ، وَحَجَبَتْ نَفْسَهَا، وَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، بِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ، وَمَا بَقِيَ لِلْعَمِّ، وَلَا تَرِثُ الْكُبْرَى بِأَنَّهَا جَدَّةٌ مَعَ أُمٍّ، فَهَذِهِ جَدَّةٌ حَجَبَتْ أُمًّا، وَوَرِثَتْ مَعَهَا، وَمَنْ حَجَبَ نَفْسَهُ عَمِلَ بِهِ.
(وَلَا يَرِثُونَ بِنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَلَا بِنِكَاحٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ) كَمَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَتَهُ ثَلَاثًا (لَوْ أَسْلَمُوا) لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَالْمَجُوسُ وَغَيْرُهُمْ فِي هَذَا
بَابُ ميراث المطلقة إِذَا طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضٍ غَيْرِ مَخُوفٍ، أَوْ غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ طَلَاقًا بَائِنًا، قُطِعَ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا لَمْ يَقْطَعْهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ طَلَاقًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ، بِأَنْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ، أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
سَوَاءٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمْ إِذَا اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ، وَأَقَرُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ يَرِثُونَ بِهِ، سَوَاءٌ وُجِدَ بِشُرُوطِهِ الصَّحِيحَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَا، كَمَنْ تَزَوَّجَ بِلَا شُهُودٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ يُقَرُّ عَلَيْهِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِرْثُ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَفِي بَعْضِ الْأَنْكِحَةِ خِلَافٌ، وَاسْتِحْقَاقُ الْإِرْثِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ، فِي أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَالْمَجُوسِيُّ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ؛ لِإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ أَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أُقِرَّا، وَإِلَّا فَلَا، فَعَلَيْهِ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لَمْ يَتَوَارَثَا، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ تَوَارَثَا، وَنُؤوِّلُ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
[بَابُ مِيرَاثِ الْمُطَلَّقَةِ]
ِ أَيْ غَيْرَ مَشْدُودَةٍ، وَلَا مُمْسَكَةٍ بِعَقْدِ النِّكَاحِ (إِذَا طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضٍ غَيْرِ مَخُوفٍ أَوْ غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ طَلَاقًا بَائِنًا، قُطِعَ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ التَّوَارُثَ سَبَبُهُ الزَّوْجِيَّةُ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ هُنَا، وَلِأَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ فِي مَرَضٍ غَيْرِ مَخُوفٍ حُكْمُ الطَّلَاقِ فِي الصِّحَّةِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، فَبَانَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، لَمْ يَتَوَارَثَا إِجْمَاعًا لِزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْمِيرَاثِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ، ثُمَّ صَحَّ مِنْهُ، وَمَاتَ بَعْدَهُ، لَمْ تَرِثْهُ (وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا لَمْ يَقْطَعْهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ) سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ طَلَاقًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ بِأَنْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ) أَيْ: فِي مَرَضِهِ، فَأَجَابَهَا، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَارٍّ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، صَحَّحَهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ، فَهُوَ كَمَنْ سَأَلَتْهُ طَلْقَةً، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: إِذَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، لَمْ تَرِثْهُ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا خَالَعَهَا (أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلٍ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ
فِعْلٍ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَفَعَلَتْهُ، أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، فَوُجِدَ فِي الْمَرَضِ، أَوْ طَلَّقَ مَنْ لَا يَرِثُ كَالْأَمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، فَعَتَقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ، فَهُوَ كَطَلَاقِ الصَّحِيحِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا الْمِيرَاثَ، مِثْلَ أَنْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً،
[المبدع في شرح المقنع]
فَفَعَلَتْهُ) أَوْ خَيَّرَهَا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى مَشِيئَتِهَا، فَشَاءَتْ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَارٍّ، وَلِزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ بِأَمْرٍ لَا يُتَّهَمُ فِيهِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِهَا، فَفَعَلَتْ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ فِيهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ) لَيْسَ مِنْ صُنْعِهِمَا، وَلَا مِنْ صُنْعِهَا، وَلَهَا مِنْهُ بُدٌّ (فَوُجِدَ فِي الْمَرَضِ) كَقُدُومِ زَيْدٍ مَثَلًا، لَمْ تَرِثْهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى فِيهِمَا بِالْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ فِي الْمَرَضِ، فَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِهِ فِي الْمَرَضِ، وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ فِي الْمَرَضِ، وَلَوْ قَالَ فِي الصِّحَّةِ: أَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ لَمْ أَضْرِبْ غُلَامِي، فَلَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى مَاتَ وَرِثَتْهُ، وَلَا يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ، وَإِنْ مَاتَ الْغُلَامُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ طُلِّقَتْ، وَكَانَ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى مَجِيءِ زَيْدٍ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُوفِكِ مَهْرَكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ وَفَّاهَا مَهْرَهَا، فَأَنْكَرَتْهُ صَدَقَ الزَّوْجُ فِي تَوْرِيثِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَصْدُقْ فِي بَرَاءَتِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَوْ قَالَ لَهَا فِي صِحَّتِهِ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَذَلِكَ نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لَهَا فِي صِحَّتِهِ: إِذَا مَرِضْتُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهُوَ كَطَلَاقِ الْمَرِيضِ سَوَاءٌ أَوْ إِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ ثَلَاثًا، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ، وَكَانَ كَطَلَاقِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُبْطِلُ حَقَّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَا لَهَا (أَوْ طَلَّقَ) الْمُسْلِمُ فِي الْمَرَضِ طَلَاقًا بَائِنًا (مَنْ لَا يَرِثُ كَالْأَمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، فَعَتَقَتْ أَوْ أَسَلَمَتْ) ثُمَّ مَاتَ عَقِبَهَا (فَهُوَ كَطَلَاقِ الصَّحِيحِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) أَيْ: لَمْ يَرِثَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَارٍّ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَوَرِثَاهُ كَغَيْرِهِمَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي " الْمُغْنِي "
أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، فَفَعَلَتْهُ، أَوْ قَالَ لِلذِّمِّيَّةِ أَوِ الْأَمَةِ: إِذَا أَسْلَمْتِ أَوْ عَتَقْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ سَيِّدَ الْأَمَةِ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا، فَطَلَّقَهَا الْيَوْمَ، وَرِثَتْهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَلَمْ يَرِثْهَا، وَهَلْ تَرِثُهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ تَرِثُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
، وَالْكَافِي، فَلَوْ قَالَ لَهُمَا: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ غَدًا، فَعَتَقَتِ الْأَمَةُ، وَأَسْلَمَتِ الذِّمِّيَّةُ لَمْ يَرِثَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَارٍّ.
1 -
(فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا الْمِيرَاثَ مِثْلَ أَنْ طَلَّقَهَا) ثَلَاثًا، وَفِي الْمُحَرَّرِ أَبَانَهَا - وَهُوَ أَوْلَى - فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ (ابْتِدَاءً) وَرِثَتْهُ إِذَا مَاتَ فِي قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَشُرَيْحٍ وَعُرْوَةٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ، فَلَا تَرِثُ كَالْبَائِنِ فِي الصِّحَّةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهَا، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ عُثْمَانَ وَرَّثَ تَمَاضُرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ، فَبَتَّهَا، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ خِلَافُ هَذَا، بَلْ رَوَى عُرْوَةُ أَنَّ عُثْمَانَ، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنْ مِتَّ، لَأُوَرِّثَنَّهَا مِنْكَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ قَصْدًا فَاسِدًا، فَعُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، كَالْقَاتِلِ الْقَاصِدِ اسْتِعْجَالَ الْمِيرَاثِ (أَوْ عَلَّقَهُ) أَيِ: الثَّلَاثَ (عَلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) شَرْعًا (كَالصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ (وَنَحْوِهَا) كَالصَّوْمِ الْوَاجِبِ، أَوْ عَقْلًا، كَأَكْلٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهَا تَضْطَرُّ إِلَى فِعْلِ ذَلِكَ، فَتَعْلِيقُهُ عَلَيْهِ كَتَنْجِيزِهِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَكَذَا إِنْ عَلَّقَهُ عَلَى كَلَامِهَا لِأَبَوَيْهَا، أَوْ أَحَدِهِمَا قُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا، وَفِي الْمُحَرَّرِ، وَكَلَامُ أَبِيهَا (فَفَعَلَتْهُ) وَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ قَذَفَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَلَاعَنَهَا فِي مَرَضِهِ، وَقِيلَ: لِلْحَدِّ لَا لِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَرِثَتْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ آلَى مِنْهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَرَضِهِ، وَبَانَتْ بِالْإِيلَاءِ، لَمْ تَرِثْهُ ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (أَوْ قَالَ لِلذِّمِّيَّةِ أَوِ الْأَمَةِ: إِذَا أَسْلَمْتِ أَوْ عَتَقْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْحِرْمَانِ ظَاهِرٌ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ رَتَّبَ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْإِرْثِ (أَوْ عَلِمَ أَنَّ سَيِّدَ الْأَمَةِ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا، فَطَلَّقَهَا) أَيْ: أَبَانَهَا (الْيَوْمَ) لِأَنَّهُ فَارٌّ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ
الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَرِثْهُ، وَإِنْ أَكْرَهَ الِابْنُ امْرَأَةَ
[المبدع في شرح المقنع]
لِعَدَمِ الْفِرَارِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَكَذَا إِذَا وَطِئَ عَاقِلٌ - وَقِيلَ: مُكَلَّفٌ - حَمَاتَهُ، أَوْ عَلَّقَ إِبَانَتَهَا فِي صِحَّتِهِ عَلَى مَرَضِهِ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ لَهُ، فَفَعَلَهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ عَلَى تَرِكَةٍ، نَحْوَ: لَأَتَزَوَّجَنَّ عَلَيْكِ، أَوْ وَكَّلَ فِي صِحَّتِهِ مَنْ يُبِينُهَا مَتَى شَاءَ، فَأَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ (وَرِثَتْهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ) رِوَايَةً وَاحِدَةً لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى (وَلَمْ يَرِثْهَا) لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْنُونَةِ قَطْعُ التَّوَارُثِ، خُولِفَ فِي الزَّوْجَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ (وَهَلْ تَرِثُهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ تَرِثُهُ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْأَشْهَرُ: أَنَّهَا تَرِثُهُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَجَمْعٍ، لِمَا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَاهُ طَلَّقَ أُمَّهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَوَرِثَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ تَوْرِيثِهَا فِرَارُهُ مِنْ مِيرَاثِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَزُولُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَشَرْطُهُ: مَا لَمْ تَرْتَدَّ، وَالْأَظْهَرُ أَوْ تُسْلِمْ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَرِثُ بَعْدَ الْعِدَّةِ، اخْتَارَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَوْرِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا سِوَاهَا، ثُمَّ مَاتَ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، فَتَرِثُهُ الْخَمْسُ، وَعَنْهُ، وَصَحَّحَهَا فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّ رُبُعَهُ لِلْمَبْتُوتَةِ، وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ لِلْأَرْبَعِ، إِنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ، وَإِلَّا فَلِلثَّلَاثِ السَّوَابِقِ بِالْعَقْدِ، وَقِيلَ: كُلُّهُ لِلْمَبْتُوتَةِ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ، أَوْ مَاتَتْ، فَحَقُّهَا لِلْجُدُدِ فِي عَقْدٍ، وَإِلَّا فَلِلسَّابِقَةِ إِلَى كَمَالِ أَرْبَعٍ بِالْمَتْبُوعَةِ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَرِوَايَتَانِ، أَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ عَدَمَ الْإِرْثِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَرَضِهِ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ: لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَالْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ ثَبَتَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِفِرَارِهِ، وَهَذَا فَارٌّ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِيرَاثُ وَجَبَ تَكْمِيلُ الصَّدَاقِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ عِدَّةَ وَفَاةٍ، وَقِيلَ: طَلَاقٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَهَا الْمِيرَاثُ وَالصَّدَاقُ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَلَا تَجِبُ بِفِرَارِهِ، وَالثَّالِثَةُ: لَهَا الْمِيرَاثُ وَنِصْفُ الصَّدَاقِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَهِيَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ، وَالرَّابِعَةُ: لَا تَرِثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَهَا نِصْفُ
أَبِيهِ عَلَى مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا لَمْ يُقْطَعْ مِيرَاثُهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ امْرَأَةٌ سِوَاهَا، وَإِنْ فَعَلَتْ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّدَاقِ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَنْصِيفِ الصَّدَاقِ، وَنَفَى الْعِدَّةَ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا الْمِيرَاثُ، فَلَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مُعْتَدَّةً مِنْ نِكَاحٍ أَشْبَهَتِ الْمُطَلَّقَةَ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ خَلَا بِهَا، وَأَنْكَرَ الْوَطْءَ وَصَدَّقَتْهُ، فَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِلْوَفَاةِ، وَيَكْمُلُ لَهَا الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ تَكْفِي فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ (فَإِنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَرِثْهُ) لِأَنَّهَا فَعَلَتْ بِاخْتِيَارِهَا مَا يُنَافِي نِكَاحَ الْأَوَّلِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَتِ النِّكَاحَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً مَعَ الزَّوْجِ الثَّانِي، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
(وَإِنْ أَكْرَهَ الِابْنُ) وَهُوَ عَاقِلٌ وَارِثٌ (امْرَأَةَ أَبِيهِ) أَوْ جَدِّهِ الْمَرِيضِ (عَلَى مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا) مِنْ وَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَمْ يُقْطَعْ مِيرَاثُهَا) لِأَنَّهُ قَصَدَ حِرْمَانَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَبَانَهَا زَوْجُهَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ زَادَ إِرْثُهُ أَوْ نَقَصَ، أَوْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ أُخَرُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، أَوْ فَاتَ إِرْثُهُ بِقَتْلٍ أَوْ حَجْبٍ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهَا مُشَارِكَةٌ لَهُ فِيمَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا، أَشَبَهَ مَا لَوْ خَالَعَتْهُ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ امْرَأَةٌ) وَارِثَةٌ (سِوَاهَا) فَإِنَّ الْمُسْتَكْرَهَةَ لَا تَرِثُ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الِابْنُ مَجْنُونًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ كَافِرًا، أَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ، لَمْ تَرِثْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَالِاعْتِبَارُ بِالتُّهْمَةِ حَالَ الْإِكْرَاهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ صَارَ ابْنُ الِابْنِ وَارِثًا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ تَرِثْ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حَالَ الْوَطْءِ وَعَكْسُهُ لَوْ كَانَ وَارِثًا حَالَ الْوَطْءِ، فَعَادَ مَحْجُوبًا، وَرِثَتْ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ حِينَ الْوَطْءِ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ إِنِ انْتَفَتِ التُّهْمَةُ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا الْإِرْثَ أَوْ بَعْضَهُ، لَمْ تَرِثْهُ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ لَوْ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ مُضَارَّةً لِيَنْتَقِضَ إِرْثَ غَيْرِهَا، وَأَقَرَّتْ بِهِ، لَمْ تَرِثْهُ، وَمَعْنَى كَلَامِ شَيْخِنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ تَرِثُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ لِلْمَرِيضِ امْرَأَتَانِ، فَاسْتَكْرَهَ ابْنُهُ إِحْدَاهُمَا، لَمْ تَرِثْهُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، لِكَوْنِ مِيرَاثِهَا لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَكْرَهَ الثَّانِيَةَ بَعْدَهَا، وَرِثَتْ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمَا، فَإِنِ اسْتَنْكَرَهُمَا مَعًا، وَرِثَتَا مَعًا.
مَسْأَلَةٌ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ حَمَاتَهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ، وَتَرِثُهُ، سَوَاءً طَاوَعَتْهُ أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حِينَ الْوَطْءِ، لَمْ تَرِثْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَكُونُ
فِي مَرَضِ مَوْتِهَا مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا، لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُ زَوْجِهَا، وَإِنْ خَلَّفَ زَوْجَاتٍ، نِكَاحُ بَعْضِهِنَّ فَاسِدٌ، أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا، وَإِذَا طَلَّقَ
[المبدع في شرح المقنع]
فَارًّا، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ بِنْتَ امْرَأَتِهِ، وَهُوَ زَائِلُ الْعَقْلِ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا عَاقِلًا وَرِثَتْ؛ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا، وَفِي الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: تُنْشَرُ الْحُرْمَةُ كَالْوَطْءِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا كَالنَّظَرِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ وَالْخَلْوَةِ لِشَهْوَةٍ وَجْهًا لَهُ: يُنْشَرُ الْحُرْمَةُ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ.
1 -
(وَإِنْ فَعَلَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا) بِأَنْ تُرْضِعَ زَوْجَهَا الصَّغِيرَ أَوْ تَرْتَدَّ، سَقَطَ مِيرَاثُهَا (لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُ زَوْجِهَا) لِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَلَمْ يُسْقِطْ فِعْلُهَا مِيرَاثَ الْآخَرِ كَالزَّوْجِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالزَّوْجُ فِي إِرْثِهَا إِذَا قَطَعَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ كَفِعْلِهِ، وَكَذَا رِدَّةُ أَحَدِهِمَا، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ، وَالْأَشْهَرُ: لَا، وَكَذَا خَرَّجَ الشَّيْخُ فِي سَائِرِ الْأَقَارِبِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أُعْتِقَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا، فَأُجِّلَ سَنَةً، وَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى مَرِضَتْ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، فَاخْتَارَتْ فُرْقَتَهُ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَتَوَارَثَا، ذَكَرَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَقَةِ إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي مَرَضِهَا، لَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ لَا لِلْفِرَارِ، وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ صَغِيرَةً، فَفَسَخَتِ النِّكَاحَ فِي مَرَضِهَا، لَمْ يَرِثْهَا الزَّوْجُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: خِلَافُهُ، وَلَهَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَيْسَ لِلْفِرَارِ فَلَمْ يَرِثْهَا، كَمَا لَوْ فَسَخَتِ الْمُعْتَقَةُ نِكَاحَهَا (وَإِنْ خَلَّفَ زَوْجَاتٍ، نِكَاحُ بَعْضِهِنَّ فَاسِدٌ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَوْ مُنْقَطِعٌ قَطْعًا يَمْنَعُ الْإِرْثَ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهَا (أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ) لِأَنَّهَا تُزِيلُ الْإِبْهَامَ، فَشُرِعَتْ كَالْعِتْقِ (فَمَنْ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا) ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْأَصْحَابُ، لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُعَيِّنُهَا.
فَرْعٌ: لَوْ قَبَِّلَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ تَرِثْهُ لِخُرُوجِهَا مِنْ حَيِّزِ التَّمَلُّكِ وَالتَّمْلِيكِ،
أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي مَرَضِهِ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ، فَالْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ بَيْنَ الثَّمَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَيَتَوَجَّهُ خِلَافٌ كَمَنْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَإِذَا طَلَّقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي مَرَضِهِ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ، فَالْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ بَيْنَ الثَّمَانِ) جَعَلَ ابْنُ الْمُنَجَّا هَذَا الْخِلَافَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، هَلْ تَرِثُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ؛ وَالْأَصَحُّ الْإِرْثُ، فَعَلَى هَذَا الصَّحِيحُ هُنَا أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَ الثَّمَانِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَنَقَلَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ الْمِيرَاثَ هَلْ هُوَ لِلْمُطَلَّقَاتِ، أَوْ بَيْنَ الثَّمَانِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَيْنَ الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَرِثْنَ مَا كُنَّ يَرِثْنَ، وَكُنَّ يَرِثْنَ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ، فَكَذَا بَعْدَ تَزْوِيجِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ بَيْنَ الثَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَاتِ إِذَا وَرِثْنَ، وَقَدْ مَضَى نِكَاحُهُنَّ، فَلِأَنْ تَرِثَ الزَّوْجَاتُ، وَنِكَاحُهُنَّ بَاقٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ نَكَحَ غَيْرَهَا، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَتَرِثَاهُ جَمِيعًا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَرِيضِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ مَا كَانَتْ تَرِثُ قَبْلَ طَلَاقِهَا، وَهُوَ جَمِيعُ الْمِيرَاثِ، فَكَذَا بَعْدَهُ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": بِأَنَّهَا إِنَّمَا تَرِثُ مَا كَانَتْ تَرِثُ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، لَمْ تَرِثْ إِلَّا نِصْفَ مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ، فَكَذَا إِذَا طَلَّقَهَا، فَعَلَى هَذَا: لَوْ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ، فَلِلْمُطَلَّقَةِ رُبُعُ مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رُبُعُهُ، الثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلزَّوْجَاتِ، وَعَنْهُ: لِلْأَرْبَعِ، كَمَا لَوْ مَاتَ فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كُنَّ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، أَوْ طَلَّقَهَا، وَنَكَحَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَمَاتَ فِي عِدَّتِهَا، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَبَاقِي الزَّوْجَاتِ الْأَوَائِلِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَفِي مِيرَاثِهَا رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا مِيرَاثَ لَهَا، فَيَكُونُ لِبَاقِي الزَّوْجَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: تَرِثُ مَعَهُنَّ، وَلَا شَيْءَ
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ إِذَا أَقَرَّ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ بِوَارِثٍ لِلْمَيِّتِ، فَصَدَّقَهُمْ أَوْ كَانَ صَغِيرًا، ثَبَتَ نَسَبُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْمَنْكُوحَةِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ الْخَامِسَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، صَحَّ نِكَاحُهَا، وَهَلْ تَرِثُ الْمُطَلَّقَةُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: عَدَمُ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَوْرِيثُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، أَوْ أُخْتَانِ، أَوْ حِرْمَانُ الزَّوْجَاتِ الْمَنْصُوصُ عَلَى مِيرَاثِهِنَّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ دُونَ الْمُطَلَّقَةِ، وَالثَّانِيَةُ: تَرِثُ الْمُطَلَّقَةُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْخَمْسِ، وَالثَّانِي: يَكُونُ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَاتِ الْأَوَائِلِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَحْرِمَهُنَّ مِيرَاثَهُنَّ بِالطَّلَاقِ، فَكَذَا يُمْنَعُ مِنْ تَنْقِيصِهِنَّ مِنْهُ، وَرَدَّ الْمُؤَلِّفُ كِلَا الْوَجْهَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَرَدَّهُ نَصُّ الْكِتَابِ عَلَى تَوْرِيثِ الزَّوْجَاتِ، فَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ؛ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ نِكَاحَهُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي مِيرَاثِهِ بِالزَّوْجِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا فِي مَرَضِهِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وَنَكَحَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ، ثُمَّ مَاتَ فِي مَرَضِهِ فَعَلَى الْمُخْتَارِ تَرِثُهُ الْمَنْكُوحَاتُ خَاصَّةً، وَعَلَى الثَّانِي فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَيْنَ الثَّمَانِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِلْمُطَلَّقَاتِ، وَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَالْمِيرَاثُ لَهُنَّ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُطَلَّقَاتِ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ طَلَاقًا يَقْطَعُ الْمِيرَاثَ، فَأَنْكَرَ، لَمْ تَرِثْهُ إِنْ مَاتَ إِذَا كَانَتْ مُقِيمَةً عَلَى قَوْلِهَا، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَ " الْفُرُوعِ ".
[بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ]
الْإِقْرَارُ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ (إِذَا أَقَرَّ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ) وَلَوْ مَعَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ أَنَّهُ وَاحِدٌ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (بِوَارِثٍ لِلْمَيِّتِ، فَصَدَّقَهُمْ أَوْ كَانَ صَغِيرًا) أَوْ مَجْنُونًا، وَسَوَاءً كَانَ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبِلَ قَوْلَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، لَمَّا ادَّعَى نَسَبَ وَلِيدَةِ أَبِيهِ، وَقَالَ: هَذَا أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَأَثْبَتَ نَسَبَهُ مِنْهُ» ، وَلِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ فِي مِيرَاثِهِ وَدُيُونِهِ وَسَائِرِ حُقُوقِهِ، فَكَذَا فِي النَّسَبِ، وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ ثَبَتَ
وَإِرْثُهُ، سَوَاءً كَانُوا جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا، وَسَوَاءً كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْجُبُ الْمُقِرَّ أَوْ لَا يَحْجُبُهُ كَأَخٍ يُقِرُّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ عَدْلَانِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، أَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ بِهِ وَعَلَى الْمُقِرِّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ فَضْلَ مَا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
الْإِرْثُ، وَاشْتَرَطَ فِي الْبَالِغِ الْعَاقِلِ التَّصْدِيقَ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ إِقْرَارٌ، فَاشْتَرَطَ تَصْدِيقَ الْمُقَرِّ لَهُ كَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَفِي الصَّغِيرِ يُكْتَفَى بِصِغَرِهِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ، فَقَبِلَ الْإِقْرَارَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ كَالْمَالِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالنَّسَبِ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُنْكِرٍ لَا يَرِثُ لِمَانِعِ رِقٍّ وَنَحْوِهِ، إِنْ كَانَ مَجْهُولَ النِّسَبِ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْإِرْثُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَانِعٌ (سَوَاءً كَانُوا) أَيْ: الْمُقِرِّينَ (جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا) لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، فَكَذَا فِي الْإِقْرَارِ بِغَيْرِهِ (وَسَوَاءً كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْجُبُ الْمُقِرَّ، أَوْ لَا يَحْجُبُهُ كَأَخٍ يُقِرُّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ) أَوِ ابْنُ ابْنٍ يُقِرُّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ، وَيَسْقُطُ الْمُقِرُّ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَهُ شُرَيْحٌ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ مَانِعٌ مِنَ الْإِرْثِ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ وَارِثًا حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَقِيلَ: لَا يَرِثُ مُسْقَطٌ، اخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ سِوَى الْقَاضِي، وَأَنَّهُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُفْضِي إِلَى إِسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ فَسَقَطَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ، لَخَرَجَ الْمُقِرُّ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا، فَيَبْطُلُ إِقْرَارُهُ، فَعَلَيْهِ نَصِيبُهُ بِيَدِ الْمُقِرِّ، وَقِيلَ: بِبَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، فَصَدَّقَا الْمُقِرَّ، يَثْبُتُ إِرْثُهُمَا مِنَ الْمُقِرِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْتَبَرُ إِقْرَارُ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ إِذَا كَانَا مِنَ الْوَرَثَةِ، وَلَوْ كَانَتْ بِنْتًا، صَحَّ لِإِرْثِهَا بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِابْنٍ لِلْآخَرِ مِنْ غَيْرِهِ، فَصَدَّقَهُ نَائِبُ الْإِمَامِ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ لَهُ مَنْصِبُ الْوَرَثَةِ، قَالَ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ لَهُ اسْتِيفَاءُ قَوَدٍ، لَا وَارِثَ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَخَذَ نِصْفَ مَا بِيَدِ الْمُقِرِّ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ) لِوَارِثٍ مُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ (لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ) بِالْإِجْمَاعِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، دُونَ الْمُنْكِرِ، وَلَا إِثْبَاتُهُ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّ الْآخَرَ مُنْكِرٌ، فَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ، وَلَوْ كَانَ الْمُقِرُّ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَقَرَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى أَبِيهِمَا بِدَيْنٍ أَوْ نَسَبٍ، ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ إِعْطَاءٌ لَهُ حُكْمُ شَهَادَةٍ وَإِقْرَارٍ، وَفِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ مِنْهُمَا رِوَايَتَانِ (إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ) أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (عَدْلَانِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) أَوْ
يَدِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ، فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِأَخٍ، فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ، فَلَهَا خُمْسُ مَا فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَضْلٌ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَدَهُ (أَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ بِهِ) ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنَ الْمُقِرِّينَ الْوَارِثِينَ، وَيُشَارِكُهُمْ فِي الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، فَثَبَتَ النَّسَبُ بِهَا كَالْأَجَانِبِ، وَلِأَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى غَيْرِ مُوَرِّثِهِمَا لَقُبِلَ، فَكَذَا إِذَا شَهِدَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا، جَزَمَ بِهِ الْأَزَجِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَوْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ أَخًا، وَمَاتَ الْمُقِرُّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ وَرِثُوهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَيَرِثُهُ الْأَخُ، وَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ وَلَدِ الْمُقِرِّ الْمُنْكِرِ لَهُ تَبَعًا، فَتَثْبُتُ الْعُمُومَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " خِلَافٌ مَعَ كَوْنِهِ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْ أَبِي الْمُقِرِّ أَوْ مَعْرُوفَ النِّسَبِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُقِرُّ، وَخَلَفُهُ وَالْمُنْكِرُ، فَإِرْثُهُ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ خَلَفُهُ فَقَطْ، وَرِثَهُ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِقْرَارَهُ كَوَصِيَّةٍ، فَيَأْخُذُ الْمَالَ فِي وَجْهٍ، وَثُلُثَهُ فِي آخَرَ، وَقِيلَ: لِبَيْتِ الْمَالِ (وَعَلَى الْمُقِرِّ) إِذَا لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ (أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ فَضْلَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ (فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِأَخٍ، فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ) ، نَقَلَهُ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ فِي يَدِهِ النِّصْفَ، وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا الثُّلُثَ، فَالسُّدُسُ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُقَرِّ بِهِ، وَهُوَ ثُلُثُ النِّصْفِ (وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ، فَلَهَا خُمْسُ مَا فِي يَدِهِ) لِأَنَّ فِي يَدِهِ النِّصْفَ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّ خُمْسَيْنِ، فَنِصْفُ الْخُمْسِ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُقَرِّ بِهَا، وَهُوَ خُمْسُ مَا فِي يَدِهِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَحَمَّادٌ: يُقَاسِمُهُ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي مِيرَاثِ أَبِينَا، وَمَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ بِمَنْزِلَةِ التَّالِفِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ: إِنَّمَا أَقَرَّ لَهُ بِالْفَاضِلِ عَنْ مِيرَاثِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمُعَيَّنٍ، وَكَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ، وَالتَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِهِ إِلَّا الثُّلُثَ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ.
فَرْعٌ: خَلَّفَ ابْنًا، فَأَقَرَّ بِأَخٍ، ثُمَّ جَحَدَهُ، لَمْ يُقْبَلْ جَحْدُهُ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ أَوْ بِهِ، فَوَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ جَحْدِهِ بِآخَرَ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إِلَى الْأَوَّلِ شَيْئًا، لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ لِلْآخَرِ شَيْءٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَفْعُ النِّصْفِ كُلِّهِ إِلَى الثَّانِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ لِلثَّانِي، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالثَّانِي مِنْ غَيْرِ جَحْدِ
وَإِذَا خَلَّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَأَقَرَّا بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَأَخَذَ مَا فِي يَدِ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَحْدَهُ أَخَذَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأُمِّ وَحْدَهُ، أَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ سِوَاهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَطَرِيقُ الْعِلْمِ أَنْ تَضْرِبَ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، وَتَدْفَعَ إِلَى الْمُقِرِّ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، وَإِلَى الْمُنْكِرِ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ.
فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخَوَيْنِ، فَصَدَّقَهُ أَخُوهُ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوَّلِ، فَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ، ثُمَّ جَحَدَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَخٍ لَمْ يَلْزَمْهُ لِلثَّانِي شَيْءٌ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي: يُدْفَعُ إِلَيْهِ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: يَلْزَمُهُ دَفْعُ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ الْأَوَّلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، دُونَ الثَّانِي (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَضْلٌ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ) لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى غَيْرِهِ.
1 -
(وَإِذَا خَلَّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ، وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَأَقَرَّا بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُ) لِإِقْرَارِ كُلِّ الْوَرَثَةِ بِهِ (وَأَخَذَ مَا فِي يَدِ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ، وَأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُقَرِّ بِهِ، إِذْ هُوَ مَحْجُوبٌ بِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَحْدَهُ أَخَذَ مَا فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ يُسْقِطُهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَأْخُذُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ سَهْوٌ (وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ) لِأَنَّ كُلَّ الْوَرَثَةِ لَمْ يُقِرُّوا بِهِ، وَإِقْرَارُهُمْ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِهِ (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ مِنَ الْأُمِّ وَحْدَهُ، أَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ سِوَاهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي يَدِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ فِي يَدِهِ السُّدُسَ، وَبِإِقْرَارِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمِيرَاثِ إِلَّا التُّسْعَ، فَيَبْقَى فِي يَدِهِ نِصْفُ التُّسْعِ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ (وَطَرِيقُ الْعَمَلِ) فِي هَذَا الْبَابِ (أَنْ تَضْرِبَ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ) لِأَنَّ بِهِ يَظْهَرُ مَا لِلْمُقِرِّ وَمَا لِلْمُنْكِرِ، وَمَا يَفْضُلُ، وَتُرَاعَى الْمُوَافَقَةُ (وَتَدْفَعُ إِلَى الْمُقِرِّ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، وَإِلَى الْمُنْكِرِ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، وَمَا فَضُلَ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ) فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِأَخٍ، فَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالْإِنْكَارُ مِنِ اثْنَيْنِ، فَاضْرِبْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى لِتَبَايُنِهِمَا، تَكُنْ سِتَّةً: لِلْمُقِرِّ سَهْمٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي الْإِنْكَارِ بِاثْنَيْنِ، وَلِلْمُنْكِرِ سَهْمٌ مِنَ الْإِنْكَارِ فِي الْإِقْرَارِ بِثَلَاثَةٍ، يَبْقَى سَهْمٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْفَاضِلُ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ فِي يَدِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ.
أَحَدِهِمَا، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَصَارُوا ثَلَاثَةً، ثُمَّ تَضْرِبُ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ، لِلْمُنْكِرِ سَهْمٌ مِنَ الْإِنْكَارِ فِي الْإِقْرَارِ أَرْبَعَةً، وَلِلْمُقِرِّ سَهْمٌ مِنَ الْإِقْرَارِ فِي الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةً، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِنْ صَدَقَ الْمُقِرُّ مِثْلُ سَهْمِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ مِثْلُ سَهْمِ الْمُنْكِرِ، وَمَا فَضَلَ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ سَهْمَانِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ، وَسَهْمٌ فِي حَالِ الْإِنْكَارِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَأْخُذُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُنْكِرِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ إِلَّا رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ، وَصَحَّحَهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ: لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ سَهْمَانِ وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا فَأَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ بِكَلَامٍ
[المبدع في شرح المقنع]
(فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخَوَيْنِ، فَصَدَّقَهُ أَخُوهُ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ) لِإِقْرَارِ كُلِّ الْوَرَثَةِ بِهِ (فَصَارُوا ثَلَاثَةً ثُمَّ تَضْرِبُ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ) وَهِيَ أَرْبَعَةٌ (فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ) وَهِيَ ثَلَاثَةٌ (تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ) لِمَا ذَكَرْنَا (لِلْمُنْكِرِ سَهْمٌ مِنَ الْإِنْكَارِ فِي الْإِقْرَارِ أَرْبَعَةً، وَلِلْمُقِرِّ سَهْمٌ مِنَ الْإِقْرَارِ فِي الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةً، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِنْ صَدَّقَ الْمُقِرَّ مِثْلُ سَهْمِهِ) لِأَنَّهُ مُقِرٌّ (وَإِنْ أَنْكَرَهُ مِثْلُ سَهْمِ الْمُنْكِرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَمَا فَضَلَ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ سَهْمَانِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ، وَسَهْمٌ فِي حَالِ الْإِنْكَارِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَاضِلُ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَأْخُذُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُنْكِرِ فِي حَالِ التَّصْدِيقِ إِلَّا رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُمْ أَرْبَعَةٌ، (وَصَحَّحَهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ) ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ مِنِ اثْنَيْنِ، وَالْمُقَرُّ بِهِ يَسْتَحِقُّ رُبُعَ مَا فِي يَدِ الْمُنْكِرِ، فَاضْرِبْ أَرْبَعَةً فِي اثْنَيْنِ بِثَمَانِيَةٍ (لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَرْبَعَةً، أَخَذَ مِنْهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ رُبُعَهَا بَقِيَ ثَلَاثَةٌ (وَلِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ سَهْمٌ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ رُبُعَ مَا فِي يَدِ الْمُقَرِّ بِهِمَا (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ سَهْمَانِ) لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَرْبَعَةً خَرَجَ مِنْهَا سَهْمٌ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَسَهْمٌ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، بَقِيَ اثْنَانِ لِلْآخَرِ، وَذَكَرَ ابْنُ اللَّبَّانِ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا الثُّلُثَ، وَقَدْ حَضَرَ مَنْ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ، فَوَجَبَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ لَوِ ادَّعَى إِنْسَانٌ دَارًا فِي يَدِ آخَرَ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ لِلْمُدَّعِي، فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ، وَقَدْ رَدَّ الْخَبْرِيُّ عَلَى ابْنِ اللَّبَّانِ قَوْلَهُ، وَقَالَ: يَبْقَى مَعَ الْمُنْكِرِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، وَهُوَ لَا يَدَّعِي إِلَّا الثُّلُثَ، وَقَدْ حَضَرَ مَنْ يَدَّعِي هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا، فَيَجِبُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنْ يَضُمَّ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ السُّدُسَ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُقِرِّ
مُتَّصِلٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا سَوَاءً اتَّفَقَا أَوِ اخْتَلَفَا، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ نَسَبُهُمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا، فَإِنْ أُقِرَّ بِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ، أُعْطِيَ الْأَوَّلُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَالثَّانِي ثُلُثَ مَا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
بِهِ، فَيَضُمَّهُ إِلَى النِّصْفِ الَّذِي هُوَ بِيَدِ الْمُقَرِّ لَهُمَا فَيُقَسِّمَانِهِ أَثْلَاثًا، فَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ، لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرَيْنِ سَهْمَانِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُلْزِمُ الْمُقِرَّ أَكْثَرَ مِنَ الْفَضْلِ عَنْ مِيرَاثِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِمَا، وَالْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ لَا يَنْقُصُ مِيرَاثُهُ عَنِ الرُّبُعِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا التُّسْعَانِ، وَقِيلَ فِي حَالِ الْإِنْكَارِ: يَدْفَعُ الْمُقِرُّ بِهِمَا إِلَيْهِمَا نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَيَأْخُذُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُنْكِرِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، فَيَحْصُلُ لِلْمُنْكِرِ الثُّلُثُ، وَلِلْمُقِرِّ الرُّبُعُ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ السُّدُسُ وَالثُّمُنُ، وَلِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ الثُّمُنُ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، لِلْمُنْكِرِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ، وَلِلْمُقِرِّ سِتَّةٌ، وَلِلْمُخْتَلِفِ ثَلَاثَةٌ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَصَحُّ.
(وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا فَأَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا) مُطْلَقًا (سَوَاءٌ اتَّفَقَا) مَعَ إِقْرَارِ الِابْنِ بِهِمَا أَوِ اخْتَلَفَا، أَيْ: تَجَاحَدَا؛ لِأَنَّ نَسَبَهُمَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ كُلٍّ مِنَ الْوَرَثَةِ قَبْلَهُمَا، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مُوَافَقَةُ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ نَسَبُهُمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا) لَأَنَّ الْإِقْرَارَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْ كُلِّ الْوَرَثَةِ، وَيَدْفَعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ فَإِنْ صُدِّقَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَجَحَدَهُ الْآخَرُ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَفِي الْآخَرِ وَجْهَانِ: فَإِنْ كَانَا تَوْءَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى إِنْكَارِ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ تَجَاحَدَا مَعًا أَوْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَمَتَى أَقَرَّ الْوَارِثُ بِأَحَدِهِمَا، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرَيْنِ مَعًا، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي فِيهِ احْتِمَالَانِ.
(فَإِنْ أَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ أُعْطِيَ الْأَوَّلُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأُخُوَّتِهِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ إِرْثُهُ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَقْسُومَةً عَلَى اثْنَيْنِ (وَالثَّانِي ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ) وَهُوَ السُّدُسُ؛ لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الْأَوْلَادَ ثَلَاثَةٌ، فَأَحَدُهُمْ يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ فَقَطْ (وَثَبَتَ نَسَبُ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ، (وَيَقِفُ نَسَبُ الثَّانِي عَلَى
يَدِهِ، وَثبت نسب الْأَوَّلِ، وَيَقِفُ نَسَبُ الثَّانِي عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِامْرَأَةٍ لِلْمَيِّتِ، لَزِمَهُ مِنْ إِرْثِهَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ: مَاتَ أَبِي وَأَنْتَ أَخِي،
[المبدع في شرح المقنع]
تَصْدِيقِهِ) لِأَنَّهُ صَارَ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَا تَوْءَمَيْنِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَإِنْ كُذِّبَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ مُصَدِّقٌ بِهِ ثَبَتَ نَسَبُ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ نَسَبُ الْأَوَّلِ، وَيَأْخُذُ الثَّانِي ثُلُثَيْ مَا فِي يَدِهِ، وَثُلُثَ مَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِامْرَأَةٍ لِلْمَيِّتِ، لَزِمَهُ مِنْ إِرْثِهَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ) أَيْ يَلْزَمُهُ مَا يَفْضُلُ فِي يَدِهِ لَهَا عَنْ حَقِّهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِابْنٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا كُلُّهُمْ، أَوْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ اثْنَانِ مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، ثَبَتَ كُلُّ إِرْثِهَا، فَإِنْ مَاتَ الْمُنْكَرُ، فَأَقَرَّ بِهِ ابْنُهُ، فَهَلْ يَكْمُلُ إِرْثُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمْ بِأَخٍ وَأُخْتٍ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا فِي الْأَخِ، وَالْآخَرُ فِي الْأُخْتِ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُمَا، وَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ بِهِمَا إِلَيْهِمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، وَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ بِالْأَخِ إِلَيْهِ رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ، وَيَدْفَعُ الْمُقِرَّ بِالْأُخْتِ إِلَيْهَا سُبُعَ مَا فِي يَدِهِ، فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ: سَهْمُ الْمُقِرِّ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ عَلَى تِسْعَةٍ: لَهُ سِتَّةٌ، وَلَهُمَا ثَلَاثَةٌ، وَسَهْمُ الْمُقِرِّ بِالْأَخِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ: لَهُ ثَلَاثَةٌ وَلِأُخْتِهِ سَهْمٌ، وَسَهْمُ الْمُقِرِّ بِالْأُخْتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى سَبْعَةٍ: لَهُ سِتَّةٌ، وَلَهَا سَهْمٌ، وَكُلُّهَا مُتَبَايِنَةٌ، فَاضْرِبْ أَرْبَعَةً فِي سَبْعَةٍ فِي تِسْعَةٍ، ثُمَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ تَكُنْ سَبْعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ، وَمِنْهَا تَصِحُّ، لِلْمُقِرِّ بِهِمَا سِتَّةٌ فِي أَرْبَعَةٍ فِي سَبْعَةٍ بِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسِتِّينَ، وَلِلْمُقِرِّ بِالْأُخْتِ سِتَّةٌ فِي أَرْبَعَةٍ فِي تِسْعَةٍ بِمِائَتَيْنِ وَسِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلْمُقِرِّ بِالْأَخِ ثَلَاثَةٌ فِي سَبْعَةٍ فِي تِسْعَةٍ بِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَلِلْأَخِ الْمُقَرِّ بِهِ سَهْمَانِ فِي أَرْبَعَةٍ فِي سَبْعَةٍ سِتَّةً وَخَمْسِينَ، وَسَهْمٌ فِي سَبْعَةٍ فِي تِسْعَةٍ بِثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ فِي أَرْبَعَةٍ فِي سَبْعَةٍ بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ، وَسَهْمٌ فِي أَرْبَعَةٍ فِي تِسْعَةٍ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، يَجْتَمِعُ لَهَا أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَصَادُقِهِمَا وَتَجَاحُدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا عَنْ مِيرَاثِهِ.
وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ: مَاتَ أَبِي وَأَنْتَ أَخِي، أَوْ مَاتَ أَبُونَا وَنَحْنُ ابْنَاهُ (فَقَالَ: هُوَ أَبِي،
فَقَالَ: هُوَ أَبِي وَلَسْتَ بِأَخِي، لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ، وَإِنْ قَالَ: مَاتَ أَبُوكَ وَأَنَا أَخُوكَ، قَالَ: لَسْتَ أَخِي، فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْمُقِرِّ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: مَاتَتْ زَوْجَتِي، وَأَنْتَ أَخُوهَا، قَالَ: لَسْتَ بِزَوْجِهَا، فَهَلْ يُقْبَلُ إِنْكَارُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ وَإِذَا أَقَرَّ مَنْ أُعِيلَتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ بِمَنْ يُزِيلُ الْعَوْلَ كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ، أَقَرَّتْ إِحْدَاهُمَا بِأَخٍ، فَاضْرِبْ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، تَكُنْ سِتَّةً وَخَمْسِينَ، وَاعْمَلْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَلِلْمُنْكِرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلْمُقِرَّةِ سَبْعَةٌ، يَبْقَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَسْتَ بِأَخِي، لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ) لِأَنَّهُ نَسَبَ الْمَيِّتَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ أَبُوهُ، وَأَقَرَّ بِمُشَارَكَةِ الْمُقِرِّ فِي مِيرَاثِهِ بِطَرِيقِ الْأُخُوَّةِ، فَلَمَّا أَنْكَرَ أُخُوَّتَهُ، لَمْ يَثْبُتْ إِقْرَارُهُ بِهِ، وَبَقِيَتْ دَعْوَاهُ أَنَّهُ أَبُوهُ دُونَهُ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَى ذَلِكَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: لِلْمُقَرِّ، وَقِيلَ: لِلْمُقِرِّ بِهِ (وَإِنْ قَالَ: مَاتَ أَبُوكَ، وَأَنَا أَخُوكَ، قَالَ: لَسْتَ أَخِي، فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْمُقِرِّ بِهِ) لِأَنَّهُ صَدَرَ الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ أَبُوهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَ الْمِيرَاثِ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى مُشَارَكَتَهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا أَنْكَرَ أُخُوَّتَهُ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى هَذَا الْمُقِرِّ.
(وَإِنْ قَالَ: مَاتَتْ زَوْجَتِي، وَأَنْتَ أَخُوهَا، قَالَ: لَسْتَ بِزَوْجِهَا، فَهَلْ يُقْبَلُ إِنْكَارُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُقْبَلُ إِنْكَارُ الْأَخِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ لِمَا سَبَقَ، وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَسَبَ الْمَيِّتَ إِلَيْهِ بِالزَّوْجِيَّةِ فِي ابْتِدَاءِ إِقْرَارِهِ كَمَا نَسَبَ الْأُبُوَّةَ فِي قَوْلِهِ: مَاتَ أَبِي، وَيُفَارِقُهَا فِي أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مِنْ شَرْطِهَا الْإِشْهَادُ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِعْلَانُ بِهَا وَاشْتِهَارُهَا، فَلَا يَكَادُ يَخْفَى بِخِلَافِ النِّسَبِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ غَالِبًا.
[إِقْرَارُ مَنْ أُعِيلَتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ]
فَصْلٌ (وَإِذَا أَقَرَّ مَنْ أُعِيلَتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ بِمَنْ يُزِيلُ الْعَوْلَ كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ) أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُولُ إِلَى سَبْعَةٍ (أَقَرَّتْ إِحْدَاهُمَا بِأَخٍ، فَاضْرِبْ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ) وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ نَاشِئَةٌ مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي اثْنَيْنِ (فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ) وَهِيَ سَبْعَةٌ (تَكُنْ سِتَّةً وَخَمْسِينَ، وَاعْمَلْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ) مُرْتَفِعَةٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ، وَهِيَ مَالُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي ثَمَانِيَةٍ (وَلِلْمُنْكِرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ) مُرْتَفِعَةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي ثَمَانِيَةٍ (وَلِلْمُقِرَّةِ سَبْعَةٌ) لِأَنَّ لَهَا
تِسْعَةٌ لِلْأَخِ، فَإِنْ صَدَقَهَا الزَّوْجُ فَهُوَ يَدَّعِي أَرْبَعَةً، وَالْأَخُ يَدَّعِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ.
وَلِلْمُقَرِّ بِهِ مِنَ السِّهَامِ تِسْعَةٌ، فَاقْسِمْهَا عَلَى سِهَامِهِمْ، لِكُلِّ سَهْمَيْنِ سَهْمًا، لِلزَّوْجِ سَهْمَانِ، وَلِلْأَخِ سَبْعَةٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُخْتَانِ لِأُمٍّ، فَإِذَا ضَرَبْتَ وفق مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، كَانَتِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي وَفْقِ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلْأُخْتِ الْمُنْكِرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلْمُقِرَّةِ ثَلَاثَةٌ يَبْقَى فِي يَدِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ، لِلْأَخِ مِنْهُمَا سِتَّةٌ، يَبْقَى سَبْعَةٌ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: تُقَرُّ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ سَهْمًا مَضْرُوبًا فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ (يَبْقَى تِسْعَةٌ لِلْأَخِ) لِأَنَّهَا الْفَاضِلُ (فَإِنْ صَدَقَهَا الزَّوْجُ فَهُوَ يَدَّعِي أَرْبَعَةً) وَهِيَ تَمَامُ النِّصْفِ (وَالْأَخُ يَدَّعِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ رُبُعُ الْمَالِ (وَلِلْمُقِرِّ بِهِ مِنَ السِّهَامِ تِسْعَةٌ، فَاقْسِمْهُمَا) أَيْ: التِّسْعَةَ (عَلَى سِهَامِهِمْ) الْمُدَّعَى بِهِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ (لِكُلِّ سَهْمَيْنِ سَهْمًا، لِلزَّوْجِ سَهْمَانِ) مُضَافَانِ إِلَى مَا أَخَذَهُ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ تَكُنْ سِتَّةً وَعِشْرِينَ (وَلِلْأَخِ سَبْعَةٌ) مُضَافَةٌ إِلَى مَا أَخَذَهُ، فَإِنْ أَقَرَّتِ الْأُخْتَانِ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ، دَفَعَ إِلَى كُلِّ أُخْتٍ سَبْعَةً، وَإِلَى الْأَخِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، يُقِرَّانِ بِهَا لِلزَّوْجِ، وَهُوَ مُنْكِرُهَا، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَتَأْتِي (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُخْتَانِ لِأُمٍّ) فَتَكُونُ مَسْأَلَةُ الْإِنْكَارِ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُولُ إِلَى تِسْعَةٍ، وَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ فِيهَا نِصْفًا وَثُلُثًا، وَمَا بَقِيَ وَهُوَ سَهْمٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ لَا يَصِحُّ وَلَا يُوَافَقُ، فَاضْرِبْ سِتَّةً فِي أَرْبَعَةٍ تَبْلُغْ ذَلِكَ، فَإِذَا نَظَرْتَ بَيْنَهُمَا فَهُمَا مُتَّفِقَانِ بِالْأَثْلَاثِ (فَإِذَا ضَرَبْتَ وَفْقَ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ كَانَتِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي وَفْقِ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ) وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ (أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ) مُرْتَفِعَةٌ مِمَّا ذَكَرْنَا (وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ) سَهْمَانِ فِي ثَمَانِيَةٍ (سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلْأُخْتِ الْمُنْكِرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ) مُرْتَفِعَةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي ثَمَانِيَةٍ (وَلِلْمُقِرِّ ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّ لَهَا سَهْمًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، مَضْرُوبٌ فِي وَفْقِ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ بِثَلَاثَةٍ (يَبْقَى فِي يَدِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ) أَيْ: مِنَ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ (لِلْأَخِ مِنْهُمَا سِتَّةٌ) ضِعْفُ نَصِيبِهَا (يَبْقَى سَبْعَةٌ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ) لِاسْتِكْمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ حَقَّهُ (فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا) قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ (تُقِرُّ فِي يَدِ الْمُقِرَّةِ) لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ (وَالثَّانِي:
فِي يَدِ الْمُقِرَّةِ، وَالثَّانِي: تُؤْخَذُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَالثَّالِثُ: يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُقِرَّةِ وَالزَّوْجِ وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ، عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَهُمْ، فَإِنْ صَدَقَ الزَّوْجُ الْمُقِرَّةَ، فَهُوَ يَدَّعِي اثْنَيْ عَشَرَ، وَالْأَخُ يَدَّعِي سِتَّةً، يَكُونَانِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلَا تَنْقَسِمُ عَلَيْهَا الثَّلَاثَةَ عَشَرَ وَلَا تُوَافِقُهَا، فَاضْرِبْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مَضْرُوبٌ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، مَضْرُوبٌ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَعَلَى هَذَا تَعْمَلُ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ.
[المبدع في شرح المقنع]
يُؤْخَذُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا أَرْبَابَ لَهَا (وَالثَّالِثُ: يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُقِرَّةِ وَالزَّوْجِ وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَهُمْ) لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، فَإِنَّ الْمُقِرَّةَ إِذَا كَانَتْ صَادِقَةً، فَهُوَ لِلزَّوْجِ وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَهُوَ لَهَا، وَإِذَا كَانَ لَهُمْ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، قُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الِاحْتِمَالِ، كَمَا قَسَّمْنَا مِيرَاثَ الْخُنْثَى، وَبَيْنَ مَنْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلْمُقِرَّةِ النِّصْفُ، وَلِلزَّوْجِ وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ النِّصْفُ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي حَالٍ لِلْمُقِرَّةِ، وَفِي حَالٍ لَهُمَا، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ تَجْعَلُ نِصْفَ الزَّوْجِ وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ عَلَى خَمْسَةٍ؛ لِأَنَّ لَهُ النِّصْفَ، وَلَهُمَا الثُّلُثَ، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ فِي سِتَّةٍ، فَتُقْسَمُ السَّبْعَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَشَرَةٍ، لِلْمُقِرَّةِ خَمْسَةٌ، وَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ، وللأخت سهمان فَإِذَا أَرَدْتَ تَصْحِيحَ الْمَسْأَلَةِ، فَاضْرِبْهَا وَهِيَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ فِي عَشَرَةٍ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مَضْرُوبٌ فِي عَشَرَةٍ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ عَشَرَةٍ مَضْرُوبٌ فِي سَبْعَةٍ.
(فَإِنْ صَدَّقَ الزَّوْجُ الْمُقِرَّةَ فَهُوَ يَدَّعِي اثْنَيْ عَشَرَ) لِأَنَّ لَهُ النِّصْفَ، وَهُوَ هُنَا سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ، مَعَهُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، بَقِيَ مَا ذُكِرَ (وَالْأَخُ يَدَّعِي سِتَّةً) لِأَنَّهُ هُوَ، وَأُخْتَاهُ يَدَّعُونَ أَرْبَعَةً مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، مَضْرُوبَةً فِي وَفْقِ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ، لَهُ نِصْفُهَا (يَكُونَانِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلَا تَنْقَسِمُ عَلَيْهَا الثَّلَاثَةَ عَشَرَ، وَلَا تُوَافِقُهَا، فَاضْرِبْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) لِانْكِسَارِهَا عَلَى الْمَقْسُومِ عَلَيْهِ (فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ) وَهُوَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ تَكُنْ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ وَسِتَّةٍ وَتِسْعِينَ (ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مَضْرُوبٌ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَضْرُوبٌ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ) فَلِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ مِائَتَانِ، ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ،
بَابُ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، يَمْنَعُ الْقَاتِلَ مِيرَاثَ الْمَقْتُولِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِلْمُنْكِرَةِ كَذَلِكَ، وَلِلْمُقِرَّةِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بِأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَلِلْأَخِ سِتَّةٌ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ، ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ، وَلِلزَّوْجِ اثْنَا عَشَرَ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَخَمْسِينَ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إِلَى مِائَتَيْنِ وَسِتَّةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ السِّهَامَ كُلَّهَا تَتَّفِقُ بِالْأَسْدَاسِ (وَعَلَى هَذَا تُعْمِلُ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ) مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُهَا مَعْنًى، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهَا عَمَلًا.
مَسْأَلَةٌ: ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ لِأَبٍ، ادَّعَتِ امْرَأَةٌ أَنَّهَا أُخْتُ الْمَيِّتِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَصَدَّقَهَا الْأَكْبَرُ، وَقَالَ الْأَوْسَطُ: هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، وَقَالَ الْأَصْغَرُ: هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، فَالْأَكْبَرُ يَدْفَعُ إِلَيْهَا نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَيَدْفَعُ الْأَوْسَطُ سُدُسَ مَا فِي يَدِهِ، وَيَدْفَعُ الْأَصْغَرُ سُبُعَ مَا بَقِيَ، وَتَصِحُّ مِنْ مِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِمْ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَمَسْأَلَةُ الْأَكْبَرِ مِنِ اثْنَيْنِ، وَالثَّانِي مِنْ سِتَّةٍ، وَالثَّالِثِ مِنْ سَبْعَةٍ، وَالِاثْنَانِ دَاخِلَانِ فِي السِّتَّةِ، فَتَضْرِبُ سِتَّةً فِي سَبْعَةٍ بِاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، فَهَذَا مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَتَأْخُذُ مِنَ الْأَكْبَرِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَمِنَ الْأَوْسَطِ سَبْعَةً - وَهُوَ السُّدُسُ - وَمِنَ الْأَصْغَرِ سِتَّةً - وَهُوَ السُّبُعُ - فَصَارَ لَهَا أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ.
فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، وَتَرَكَ بِنْتًا، فَأَقَرَّ الْبَاقِي بِأَخٍ لَهُ مِنْ أَبِيهِ، فَفِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَهُ رُبُعًا، وَسُدُسًا، فَيَفْضَلُ فِي يَدِهِ ثُلُثٌ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُقِرِّ بِهِ، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ الْبِنْتُ وَحْدَهَا، فَفِي يَدِهَا الرُّبُعُ، وَهِيَ تَزْعُمُ أَنَّ لَهَا السُّدُسَ يَفْضَلُ فِي يَدِهَا نِصْفُ السُّدُسِ، تَدْفَعُهُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
[بَابُ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ]
ِ عَقَدَ هَذَا الْبَابَ لِبَيَانِ إِرْثِ الْقَاتِلِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَبِّرَ بِالنَّفْيِ وَالْقَتْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَالْمَضْمُونُ مُوجِبٌ لِلْحِرْمَانِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَارَّةٍ) كَمَنْ رَمَى إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا (يَمْنَعُ الْقَاتِلَ مِيرَاثَ الْمَقْتُولِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ
سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ، صَغِيرًا كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ كَبِيرًا، وَمَا لَا يُضْمَنُ
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا، صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْفَرَائِضِ، وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ، لَمْ يُأْمَنْ مِنْ دَاعِرٍ مُسْتَعْجِلٍ الْإِرْثَ أَنْ يَقْتُلَ مُورِّثَهُ، فَيَفْنَى الْعَالَمُ، فَاقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ حِرْمَانَهُ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ قَطْعُ الْمُوَالَاةِ، وَهِيَ سَبَبُ الْإِرْثِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمَقْتُولَ يَرِثُ مِنْ قَاتِلِهُ مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَ مُوَرِّثَهُ، ثُمَّ يَمُوتَ قَبْلَ الْمَجْرُوحِ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ، وَسَوَاءٌ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شَارَكَ غَيْرَهُ، فَلَوْ شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ ظُلْمًا بِقَتْلٍ لَمْ يَرِثْهُ (سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا) بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُمَا وَرَّثَاهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ تَنَاوَلَتْهُ بِعُمُومِهَا، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِشُذُوذِهِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ عُمَرَ أَعْطَى دِيَةَ ابْنِ قَتَادَةَ الْمَذْحِجِيِّ لِأَخِيهِ دُونَ أَبِيهِ، وَكَانَ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْوَارِثَ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، كَمَا فَعَلَ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ (أَوْ خَطَأً) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ يَرِثُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةُ تُخَصِّصُ قَاتِلَ الْعَمْدِ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا سِوَاهُ.
وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ لَا يَرِثُ مِنْ غَيْرِهَا كَقَاتِلِ الْعَمْدِ، وَالْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَطَلَبًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ
بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا كَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَقَتْلِ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ أَوِ
[المبدع في شرح المقنع]
أَبُو الْوَفَاءِ، وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: أَنَّهُ يَرِثُ مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ مِنْ صَبِيٍّ مَجْنُونٍ، وَإِنَّمَا يُحْرَمُ مَنْ يُتَّهَمُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْوَفَاءِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُظْهِرُ الْجُنُونَ لِيَقْتُلَهُ، وَقَدْ يُحَرِّضُ عَاقِلٌ صَبِيًّا، فَحَسَمْنَا الْمَادَّةَ كَالْخَطَأِ (بِمُبَاشَرَةٍ) كَانَ الْخَطَأُ كَمَنْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ مُوَرِّثَهُ (أَوْ سَبَبٍ) كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا، فَسَقَطَ فِيهَا مُوَرِّثُهُ (صَغِيرًا كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ كَبِيرًا) لِأَنَّهُ قَاتِلٌ فَتَشْمَلُهُ الْأَدِلَّةُ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ مَصْلَحَتَهُ، كَضَرْبِ الْأَبِ وَالزَّوْجِ لِلتَّأْدِيبِ، وَكَسَقْيِهِ الدَّوَاءَ، وَبَطِّ جُرْحِهِ، وَالْمُعَالَجَةِ إِذَا مَاتَ بِهِ، وَفِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً، فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا، لَمْ تَرِثْ مِنَ الْغُرَّةِ شَيْئًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، فَمَاتَ، لَمْ يَرِثْهُ، وَإِنَّهُ إِنْ سَقَاهُ دَوَاءً أَوْ فَصَدَهُ، أَوْ بَطَّ سَلْعَتَهُ لِحَاجَةٍ، فَوَجْهَانِ، وَإِنَّ فِي الْحَافِرِ احْتِمَالَيْنِ، وَمِثْلُهُ نَصْبُ سِكِّينٍ، وَوَضْعُ حَجَرٍ، وَرَشُّ مَاءٍ، وَإِخْرَاجُ جَنَاحٍ، انْتَهَى.
وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا، وَجَزَمَ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّهُ إِذَا أَدَّبَ وَلَدَهُ، فَمَاتَ، يُمْنَعُ الْإِرْثَ، وَظَاهِرُ الشَّرْحِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مَصْلَحَتَهُ.
(وَمَا لَا يُضْمَنُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا كَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا) كَمَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ بِالرَّجْمِ، أَوْ بِالْمُحَارَبَةِ، وَكَذَا إِنْ شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوِ الْقِصَاصَ، نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ فِي أَرْبَعَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عَلَى أُخْتِهِمْ بِالزِّنَا، فَرُجِمَتْ، فَرَجَمَهَا مَعَ النَّاسِ: يَرِثُونَهَا؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ قَتَلَةٍ، وَيَتَوَجَّهُ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودٍ كَذَلِكَ (أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا مَأْذُونًا فِيهِ، فَلَمْ يُمْنَعِ الْمِيرَاثَ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ، فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ (وَقَتْلِ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ، أَوِ الْبَاغِي لِلْعَادِلِ، فَلَا يَمْنَعُ) صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْعُدْوَانِ حَسْمًا لِمَادَّتِهِ، وَنَفْيًا لِلْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ، فَلَوْ مَنَعَ هُنَا، لَكَانَ مَانِعًا مِنِ اسْتِيفَاءِ الْوَاجِبِ، أَوِ الْحَقِّ الْمُبَاحِ اسْتِيفَاؤُهُ (وَعَنْهُ: لَا يَرِثُ الْبَاغِي الْعَادِلَ، وَلَا الْعَادِلُ الْبَاغِيَ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَهَاتَانِ رِوَايَتَانِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى لَا يَرِثُ الْبَاغِي الْعَادِلَ، جَزَمَ بِهَا الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلِاَفَيْهَا، وَالْمُغْنِي وَالتَّبْصِرَةِ وَالتَّرْغِيبِ؛ لِأَنَّ الْبَاغِيَ آثِمٌ ظَالِمٌ، فَنَاسَبَ أَنْ لَا يَرِثَ مَعَ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَادِلِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الْفِعْلِ مُثَابٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ نَفْيَ الْإِرْثِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمْعٌ إِنْ جَرَحَهُ الْعَادِلُ لِيَصِيرَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، وَرِثَهُ، لَا إِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ ابْتِدَاءً، قَالَ فِي
الْبَاغِي لِلْعَادِلِ، فَلَا يَمْنَعُ، وَعَنْهُ: لَا يَرِثُ الْبَاغِي الْعَادِلَ، وَلَا الْعَادِلُ الْبَاغِيَ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ قَاتِلٍ لَا يَرِثُ.
بَابُ مِيرَاثِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ لَا يَرِثُ الْعَبْدُ وَلَا يُورَثُ، سَوَاءٌ كَانَ قِنًّا، أَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، فَأَمَّا
[المبدع في شرح المقنع]
الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَلِأَنَّ الْعَادِلَ إِذَا مُنِعَ مِنَ الْإِرْثِ مَعَ الْإِذْنِ، جَازَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ كُلُّ قَاتِلٍ؛ لِأَنَّ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ (فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ قَاتِلٍ لَا يَرِثُ) بِحَالٍ فِي رِوَايَةٍ هِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَعُمُومُ الْأَدِلَّةِ يَشْهَدُ لَهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى سَدِّ الذَّرِيعَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ الْمِيرَاثَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى اتِّخَاذِ الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسِيلَةً، وَفِي مَسْأَلَتِنَا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ يَمْنَعُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءَ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلَا يُفْضِي إِلَى اتِّخَاذِ قَتْلٍ مُحَرَّمٍ، فَهُوَ ضِدُّ مَا ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ.
مَسْأَلَةٌ: أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ قَتَلَ أَكْبَرُهُمُ الثَّانِي، ثُمَّ قَتَلَ الثَّالِثُ الْأَصْغَرَ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَ الثَّانِي صَارَ لِلثَّالِثِ وَالْأَصْغَرِ نِصْفَيْنِ، فَلَمَّا قَتَلَ الثَّالِثُ الْأَصْغَرَ، لَمْ يَرِثْهُ دُونَهُ الْأَكْبَرُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ نِصْفُ دَمِ نَفْسِهِ، وَمِيرَاثُ الْأَصْغَرِ جَمِيعُهُ، فَيَسْقُطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ لِمِيرَاثِهِ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ، وَلَهُ الْقِصَاصُ مِنَ الثَّالِثِ، وَيَرِثُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ وَرِثَهُ وَوَرِثَ إِخْوَتَهُ الثَّلَاثَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ مِيرَاثِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ]
بَابٌ مِيرَاثُ الْمُعَتَقِ بَعْضُهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَانِعَ مِنَ الْإِرْثِ، وَهُوَ الرِّقُّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَالْقَتْلِ الْمَضْمُونِ، وَمَنْ يَرِثُ بَعْضُهُ (لَا يَرِثُ الْعَبْدُ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي رَجُلٍ مَاتَ، وَتَرَكَ أَبًا مَمْلُوكًا يُشْتَرَى مِنْ مَالِهِ وَيُعْتَقُ، ثُمَّ يَرِثُ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يَرِثُ عِنْدَ عَدَمِ وَارِثٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَبُو الْبَقَاءِ فِي النَّاهِضِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مَوْرُوثًا، فَمَنَعَ كَوْنَهُ وَارِثًا كَالْمُرْتَدِّ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ، وَتَكُونُ لِمَوْلَاهُ، وَقِيَاسُهُمْ
الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَمَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ فَلِوَرَثَتِهِ، وَيَرِثُ وَيُحْجَبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْحَمْلِ يَنْتَقِضُ بِمُخْتَلِفِي الدِّينِ (وَلَا يُورَثُ) إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ فَيُورَثُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ قِيلَ بِهِ، فَمِلْكُهُ نَاقِصٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، يَنْتَقِلُ إِلَى سَيِّدِهِ بِزَوَالِ مِلْكِهِ فِيهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ» إِلَى آخِرِهِ، إِذِ السَّيِّدُ أَحَقُّ بِمَنَافِعِهِ وَأَكْسَابِهِ، فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ (سَوَاءٌ كَانَ قِنًّا) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ: هُوَ وَأَبُوهُ مَمْلُوكَانِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الرَّقِيقُ الْكَامِلُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعِتْقِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَرُبَّمَا قَالُوا عَبِيدٌ قِنَانٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَقِنَّةٍ (أَوْ مُدَبَّرًا) لِأَنَّ فِيهِ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَاعَهُ (أَوْ مُكَاتَبًا) لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَمْلِكْ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كِتَابَتِهِ، وَعَجَزَ عَنِ الرُّبُعِ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ إِيتَاؤُهُ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي، صَارَ حُرًّا يَرِثُ وَيُورَثُ، فَإِذَا مَاتَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ وَرَثَ، وَإِنْ مَاتَ، فَلِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ، لِأَثَرٍ سَيَأْتِي (أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهَا رَقِيقَةٌ يَجْرِي فِيهَا جَمِيعُ أَحْكَامِ الرِّقِّ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ.
فَرْعٌ: الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ إِذَا لَمْ تُوجَدْ، كَذَلِكَ.
(فَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ فَمَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ هَايَأَ سَيِّدَهُ عَلَى مَنْفَعَتِهِ، فَاكْتَسَبَ فِي أَيَّامِهِ، أَوْ وَرِثَ شَيْئًا، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ (فَلِوَرَثَتِهِ، وَيَرِثُ) إِذَا مَاتَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ (وَيُحْجَبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ) فِي قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا الْبَرْمَكِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْعَبْدِ يُعْتَقُ بَعْضُهُ: يَرِثُ وَيُورَثُ عَلَى مَا عَتَقَ مِنْهُ» وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ رَقِيقًا،
الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَتْ بِنْتٌ وَأُمٌّ، نِصْفُهُمَا حُرٌّ، وَأَبٌ حُرٌّ، فَلِلْبِنْتِ بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا، وَهُوَ الرُّبُعُ، وَلِلْأُمِّ مَعَ حُرِّيَّتِهَا وَرِقِّ الْبِنْتِ الثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ مَعَ حُرِّيَّةِ الْبِنْتِ، فَقَدْ حَجَبَتْهَا حُرِّيَّتُهَا عَنِ السُّدُسِ، فَبِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا تَحْجُبُهَا عَنْ نِصْفِهِ، يَبْقَى لَهَا الرُّبُعُ لَوْ كَانَتْ حُرَّةً، فَلَهَا بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُهُ، وَهُوَ الثُّمُنُ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ، وَإِنْ شِئْتَ نَزَّلْتَهُمْ أَحْوَالًا كَتَنْزِيلِ الْخَنَاثَى، وَإِذَا كَانَ عَصَبَتَانِ، نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرٌّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَرِثَ بِقَدْرِ الْحُرِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ بَعْضٍ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، وَقِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَقَالَ زَيْدٌ: لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبْدِ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَجَعَلَ مَالَهُ لِمَالِكِ بَاقِيهِ، قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَالِكِ بَاقِيهِ عَلَى مَا عَتَقَ مِنْهُ مِلْكٌ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ ذُو رَحِمٍ (فَإِذَا كَانَتْ بِنْتٌ وَأُمٌّ، نِصْفُهُمَا حُرٌّ، وَأَبٌ حُرٌّ، فَلِلْبِنْتِ بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا) لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَامِلَةَ الْحُرِّيَّةِ، لَكَانَ لَهَا النِّصْفُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُهُ (وَهُوَ الرُّبْعُ) لِأَنَّهُ نِصْفُ النِّصْفِ (وَلِلْأُمِّ مَعَ حُرِّيَّتِهَا وَرِقِّ الْبِنْتِ الثُّلُثُ) لِأَنَّهُ مِيرَاثُهَا حِينَئِذٍ (وَالسُّدُسُ مَعَ حُرِّيَّةِ الْبِنْتِ، فَقَدْ حَجَبَتْهَا حُرِّيَّتُهَا عَنِ السُّدُسِ، فَبِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا تَحْجُبُهَا عَنْ نِصْفِهِ، يَبْقَى لَهَا الرُّبُعُ) وَهُوَ نِصْفُ النِّصْفِ (لَوْ كَانَتْ حُرَّةً، فَلَهَا بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُهُ، وَهُوَ الثُّمُنُ) لِأَنَّهُ نِصْفُ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْحُرِّيَّةِ الْكَامِلَةِ (وَالْبَاقِي لِلْأَبِ) لِأَنَّ لَهُ السُّدُسَ بِالْفَرْضِ، وَمَا بَقِيَ بَعْدَهُ بِالتَّعْصِيبِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (وَإِنْ شِئْتَ نَزَّلْتَهُمْ أَحْوَالًا كَتَنْزِيلِ الْخَنَاثَى) فَنَقُولُ: إِنْ كَانَتَا حُرَّتَيْنِ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ، لِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأُمِّ سَهْمٌ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ، وَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ، فَالْمَالُ لِلْأَبِ، وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتُ وَحْدَهَا حُرَّةً، فَلَهَا النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ، فَهِيَ مِنِ اثْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ وَحْدَهَا حُرَّةً، فَلَهَا الثُّلُثُ، فَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَكُلُّهَا تَدْخُلُ فِي السِّتَّةِ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، لِلْبِنْتِ سِتَّةٌ، وَهِيَ الرُّبْعُ؛ لِأَنَّ لَهَا النِّصْفَ فِي حَالَيْنِ، وَلِلْأُمِّ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ لَهَا السُّدُسَ فِي حَالٍ، وَالثُّلُثَ فِي حَالٍ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَهُ فِي حَالٍ، وَالثُّلُثُ فِي حَالٍ، وَالنِّصْفُ فِي حَالٍ، وَالثُّلْثَانِ فِي حَالٍ، صَارَ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ.
(وَإِذَا كَانَ عَصَبَتَانِ) لَا يَحْجُبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرٌّ
كَالْأَخَوَيْنِ، فَهَلْ تَكْمُلُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَحْجُبُ الْآخَرَ كَابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ.
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْأَخَوَيْنِ، فَهَلْ تَكْمُلُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا تَكْمُلُ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ عَلِيٍّ، قَالَهُ الْخَبَرِيُّ، فَتُضَمُّ الْحُرِّيَّةُ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى مَا فِي الْآخَرِ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَمُلَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَرِثَا جَمِيعًا مِيرَاثَ ابْنٍ حُرٍّ؛ لِأَنَّ نِصْفَيْ شَيْءٍ شَيْءٌ كَامِلٌ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا وَرِثَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَفِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: يَكْمُلُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ ثُلُثَا أَحَدِهِمْ حُرًّا، وَثُلُثُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، فَيُقَسَّمُ حِينَئِذٍ مَا وَرِثَاهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، فَإِنْ نَقَصَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْحُرِّيَّةِ عَنْ جُزْءٍ كَامِلٍ، وَرِثَا بِقَدْرِ مَا فِيهِمَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْجُزْآنِ فِيهِمَا، سَوَاءٌ قُسِّمَ مَا وَرِثَاهُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا فِيهِ، وَالثَّانِي: لَا تَكْمُلُ، وَهُوَ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَمُلَتْ لَمْ يَظْهَرْ لِلرِّقِّ فَائِدَةٌ، وَكَانَا فِي مِيرَاثِهِمَا كَالْحُرِّيَّةِ، وَعَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ مَالِهِ فِي حَالِ حُرِّيَّتِهِمَا، وَهُوَ هُنَا الرُّبْعُ، وَالثَّانِي: بِطَرِيقِ الْخِطَابِ، وَمَعْنَاهُ: لَوْ خَاطَبْتَهُمَا، لَقُلْتَ لِلْحُرِّ: لَكَ الْمَالُ لَوْ كَانَ أَخُوكَ رَقِيقًا، وَنِصْفُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا، فَعَلَى هَذَا لِكُلِّ وَاحِدٍ رُبُعٌ وَثُمُنٌ، وَلَوْ كَانَ ابْنٌ وَبِنْتٌ، نِصْفُهُمَا حُرٌّ، وَعَمٌّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ، وَنِصْفُهُ عَلَى الثَّانِي، وَخَمْسَةُ أَثْمَانِهِ عَلَى الثَّالِثِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ أُمٌّ، فَلَهَا السُّدُسُ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ، هَلْ لَهُمَا عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْمَالِ الْبَاقِي بَعْدَ السُّدُسِ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْمَالِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الثَّانِي، هَلْ لَهَا نِصْفُ الْمَالِ، أَوْ نِصْفُ الْبَاقِي بَعْدَ السُّدُسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَحْجُبُ الْآخَرَ، كَابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ) فَوَجْهَانِ (فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ) لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكْمُلُ مِمَّا يُسْقِطُهُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَافِيهِ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُ كُلٍّ مِنْهُمَا حُرًّا، فَلِلِابْنِ النِّصْفُ، وَلَا شَيْءَ لِابْنِهِ عَلَى الْأَوْسَطِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ الرُّبُعُ، وَعَلَى الثَّالِثِ النِّصْفُ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَوَرَّثَهُمْ بَعْضُهُمْ بِالْخِطَابِ، وَتَنْزِيلِ الْأَحْوَالِ، وَحُجِبَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ عَلَى مِثَالِ تَنْزِيلِ الْخَنَاثَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
مَسْأَلَةٌ: أُمٌّ وَأَخَوَانِ بِأَحَدِهِمَا رِقٌّ، لَهَا ثُلُثٌ، وَحَجَبَهَا أَبُو الْخَطَّابِ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ، فَبِنِصْفِهَا عَنْ نِصْفِ سُدُسٍ.
تَنْبِيهٌ: يُرَدُّ عَلَى ذِي فَرْضٍ وَعَصَبَةٍ لَمْ يَرْثِ بِقَدْرِ نِسْبَةِ الْحُرِّيَّةِ مِنْهُمَا، فَلِبِنْتٍ نَصْفُهَا
بَابُ الْوَلَاءِ كُلُّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا، أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِرَحِمٍ أَوْ كتابة أو تَدْبِيرٍ أَوِ اسْتِيلَادٍ أَوْ وَصِيَّةٍ
[المبدع في شرح المقنع]
حُرٌّ النِّصْفُ بِفَرْضٍ وَرَدٍّ، وَلِابْنٍ مَكَانَهَا النِّصْفُ بِالْعُصُوبَةِ، وَالْبَقِيَّةُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلِابْنَيْنِ نِصْفُهُمَا حُرَّانِ، لَمْ نُورِّثْهَا الْمَالَ الْبَقِيَّةَ، مَعَ عَدَمِ عَصَبَةٍ، وَلِبِنْتٍ وَجَدَّةٍ نِصْفُهُمَا حُرٌّ، الْمَالُ نِصْفَيْنِ بِفَرْضٍ وَرَدٍّ، وَمَعَ حُرِّيَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِمَا، الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا بِقَدْرِ فَرْضَيْهِمَا، وَمَعَ حُرِّيَّةِ ثُلُثِهِمَا، الثُّلْثَانِ بَيْنَهُمَا، وَالْبَقِيَّةُ لِبَيْتِ الْمَالِ، ابْنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ لَهُ نِصْفُ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ آخَرُ، فَلَهُمَا الْمَالُ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ: لَهُمَا نِصْفُهُ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ، لَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا النِّصْفُ، وَلَوْ كَانَا رَقِيقَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَكْبَرُ حُرًّا، لَكَانَ الْمَالُ لَهُ، وَبِالْعَكْسِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ مَالٌ وَنِصْفٌ، فَلَهُ رُبُعُ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنٌ آخَرُ ثُلُثُهُ حُرٌّ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةٍ، كَمَا تُقَسَّمُ مَسْأَلَةُ الْمُبَاهَلَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: يُقَسَّمُ النِّصْفُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةٍ، وَفِي وَجْهٍ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ يُقَسَّمُ السُّدْسُ بَيْنَ صَاحِبَيِ النِّصْفَيْنِ نِصْفَيْنِ.
[بَابُ الْوَلَاءِ]
بَابٌ الْوَلَاءُ أَيْ: بَابُ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ، فَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِيرَاثِ هُنَا الْوَلَاءُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُتَوَارَثُ بِهَا، وَالْوَلَاءُ بِفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودٌ، وَهُوَ ثُبُوتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِالْعِتْقِ، أَوْ تَعَاطِي سَبَبِهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ رَقِيقًا عَلَى أَيِّ جِهَةٍ صَارَ لَهُ عَصَبَةً فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ التَّعْصِيبِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ مِنَ النَّسَبِ كَالْمِيرَاثِ، وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ وَالْعَقْلِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] الْآيَةَ، يَعْنِي الْأَدْعِيَاءَ، مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ الْوَلَاءُ عَنِ النَّسَبِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» رَوَاهُ