إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ مِنْهُ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ بَصِيرًا كَانَ، أَوْ ضَرِيرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ، أَوْ بَالَتْ فِيهَا دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيهَا فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
وَإِنْ حَفَرَ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَلِفَ بِالسَّبَبِ فَوَجَبَ الضَّمَانُ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا أَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ (أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ مِنْهُ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا) عَاقِلًا كَانَ، أَوْ مَجْنُونًا، سَوَاءٌ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ، أَوِ انْخَرَقَ بِهِ سَقْفٌ، أَوْ خَرَّ فِي بِئْرٍ ; لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِ عُدْوَانِهِ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ نَصَبَ لَهُ سِكِّينًا، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَعِنْدِي مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إِلْقَاءَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِتَلَفِهِ ; لِأَنَّهُ كَمُبَاشِرٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، فَلَوْ طَلَبَهُ بِشَيْءٍ يُخَوِّفُهُ كَاللَّتِّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَهُ بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ، فَلَوْ شَهَرَ سَيْفًا فِي وَجْهِهِ، أَوْ دَلَّاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ) حَيْثُ يَحْرُمُ، فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ، وَكَذَا لَوْ حَفَرَهَا فِي مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إِذَا حَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُتَعَدِّيًا (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ) ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِهِ (أَوْ بَالَتْ فِيهَا دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا) فَزَلِقَ بِهِ حَيَوَانٌ فَمَاتَ بِهِ، فَعَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ رَاكِبًا، أَوْ قَائِدًا، أَوْ سَائِقًا كَمَا لَوْ جَنَتْ بِيَدِهَا، أَوْ فَمِهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِي " الشَّرْحِ ": قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ وَكَمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ أَمْسَكَ يَدَهُ حَتَّى مَاتَ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا وَيُفَارِقُ مَا إِذَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا، أَوْ فَمِهَا ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا (أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيهَا فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ التَّلَفَ مَنْسُوبٌ إِلَى فَاعِلِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَالْمُتَسَبِّبِ إِلَى الْقَتْلِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْوَجِيزِ " إِذَا قَصَدَهُ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ
[حَفَرَ بِئْرًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ]
(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا
بِئْرًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ مَاتَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ) فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ كَالدَّافِعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ عَادَةً لِمُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ مُكْرَهٍ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ ; لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ قُطِعَ بِسَبَبِهِ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ضَمَانُ الْمُتَسَبِّبِ.
اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَجَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ كَقَاتِلٍ وَمُمْسِكٍ، وَإِنْ تَعَدَّى أَحَدُهُمَا اخْتَصَّ بِهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ وَضَعَ حَجَرًا، ثُمَّ حَفَرَ آخَرُ عِنْدَهُ بِئْرًا، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ فَسَقَطَ عَلَيْهَا فَهَلَكَ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ الْحَافِرُ وَنَاصِبُ السِّكِّينِ ; لِأَنَّ فِعْلَهُمَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَعْمَقَ بِئْرًا قَصِيرًا ضَمِنَ هُوَ وَحَافِرُ مَا تَلِفَ بِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَعَا مَنْ يَحْفِرُ لَهُ بِدَارِهِ بِئْرًا، أَوْ مَعْدِنًا فَمَاتَ بِهَدْمٍ لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ، فَهَدَرٌ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَإِنْ حَفَرَ بِبَيْتِهِ بِئْرًا، أَوْ سَتَرَهُ لِيَقَعَ فِيهَا أَحَدٌ فَمَنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ، فَالْقَوَدُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِلَّا فَلَا كَمَكْشُوفَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ إِذْنِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَلَوْ وَضَعَ فِيهَا آخَرُ سِكِّينًا فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ عَلَيْهَا فَمَاتَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ السَّامِرِيُّ: الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ
[غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ]
(وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ نَارٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي رَعْدٍ شَدِيدٍ (فَفِيهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ الْعَادِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَضْمَنُ إِذَا لَمْ تُعْرَفِ الْأَرْضُ بِذَلِكَ (وَإِنْ مَاتَ بِمَرَضٍ) أَوْ فُجَاءَةً (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَضْمَنُ، نَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ كَالْعَبْدِ الصَّغِيرِ.
وَالثَّانِي: لَا، وَنَقَلَهُ أَبُو الصَّقْرِ لِأَنَّهُ حُرٌّ، لَا تَثْبُتُ الْيَدُ
بِمَرَضٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالْآخَرُ وَاقِفًا فَعَلَى السَّائِرِ ضَمَانُ الْوَاقِفِ وَدَابَّتِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ قَاعِدًا، أَوْ وَاقِفًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ فِي الْغَضَبِ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ، وَإِنْ قَرَّبَهُ مِنْ هَدَفٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ ضَمِنَهُ الْمُقَرِّبُ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ فَأَتْلَفَ مَالًا، أَوْ نَفْسًا، فَهُوَ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ مِنْ مُرْسِلِهِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا قَيَّدَ حُرًّا مُكَلَّفًا وَغَلَّهُ، فَتَلِفَ بِصَاعِقَةٍ، أَوْ حَيَّةٍ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ أَحَدٌ ضَمِنَهُ مُرْسِلُهُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ تَعَذَّرَ تَضْمِينُ الْجَانِي.
[إِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا]
(وَإِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ) رَاجِلَانِ وَرَاكِبَانِ، أَوْ مَاشٍ وَرَاكِبٌ، قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": بَصِيرَانِ، أَوْ ضَرِيرَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا (فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ قَتْلُ خَطَأٍ، فَكَانَتْ دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ: بَلْ نِصْفُهَا، وَجَزَمَ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ غَلَبَتِ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا بِلَا تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ فِي تَرِكَتِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَفَّارَتَانِ فِي الْخَطَأِ وَشَبَّهَهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ، وَخَرَجَ أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ قَتِيلٍ نِصْفَ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ النِّصْفُ لَهُمْ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ " إِنْ تَصَادَمَا عَمْدًا، وَذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَهَدَرٌ، وَإِلَّا شِبْهَ عَمْدٍ (وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ) فِي تَرِكَتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَلِفَ بِصَدْمَةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ: بَلْ نِصْفُهَا (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالْآخَرُ وَاقِفًا فَعَلَى السَّائِرِ ضَمَانُ الْوَاقِفِ) وَالْقَاعِدِ (وَدَابَّتِهِ) لِأَنَّهُمَا تَلِفَا بِصَدْمَةِ السَّائِرِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فِي الْوُقُوفِ، وَضَمَانُ النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ; لِأَنَّهُ قَتْلُ خَطَأٍ، وَضَمَانُ الْمَالِ عَلَى الْمُتْلِفِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُهُ صَرَّحَ بِهِ فِي " النِّهَايَةِ "، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفَ، هَذَا إِذَا وَقَفَ، أَوْ قَعَدَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَمَا تَلِفَ لِلسَّائِرِ فَهَدَرٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ قَاعِدًا، أَوْ وَاقِفًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ) لِأَنَّ السَّائِرَ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ، بَلِ الْوَاقِفُ وَالْقَاعِدُ هُوَ الْمُتَعَدِّي، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ
وَإِنْ أَرْكَبَ صَبِيَّيْنِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُمَا.
وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ دِيَتِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
مَمْلُوكًا لَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِوُقُوفِهِ، بَلِ السَّائِرُ هُوَ الْمُتَعَدِّي بِسُلُوكِهِ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ) مِنَ السَّائِرِ، وَمَالِهِ ; لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِالْوُقُوفِ فِيهِ، أَشْبَهَ وَاضِعَ الْحَجَرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا ضَمَانَ.
فَرْعٌ: إِذَا اصْطَدَمَ عَبْدَانِ مَاشِيَانِ فَمَاتَا فَهَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقِيمَتُهُ فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ كَسَائِرِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَا حُرًّا وَعَبْدًا، وَمَاتَا، ضُمِنَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ وَوَجَبَتْ دِيَةُ الْحُرِّ كَامِلَةً فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ، وَلَوْ تَجَاذَبَ حُرَّانِ حَبْلًا، وَنَحْوَهُ، فَانْقَطَعَ وَسَقَطَا، وَمَاتَا فَكَمُتَصَادِمَيْنِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ نِصْفَ دِيَةِ الْمُنْكَبِّ مُغَلَّظَةٌ، وَالْمُسْتَلْقِي مُخَفَّفَةٌ (وَإِنْ أَرْكَبَ صَبِيَّيْنِ) وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: صَغِيرَيْنِ (لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا) أَيْ: لَيْسَ وَلِيَّهُمَا (فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُمَا) لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِرُكُوبِهِمَا وَتَصَادُمِهِمَا إِثْرَ رُكُوبِهِمَا، وَفِعْلُهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَوَجَبَ إِضَافَةُ الْقَتْلِ إِلَى مَنْ أَرْكَبَهُمَا، وَهُوَ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ، وَكَذَا قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " عَلَيْهِ مَا تَلِفَ بِصَدْمَتِهِمَا إِنْ كَانَ مَالًا وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِرْكَابٌ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُتَعَدِّي، وَقَيَّدَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَا إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيَثْبُتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ صَلَحَا لِلرُّكُوبِ وَأَرْكَبَهُمَا مَا يَصْلُحُ لِرُكُوبِ مِثْلِهِمَا، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَإِنْ رَكِبَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا فَكَبَالِغَيْنِ مُخْطِئَيْنِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَكَذَا الْمَجْنُونُ، وَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ ضَمِنَهُمَا مَنْ أَرْكَبَهُمَا.
فَرْعٌ: يَضْمَنُ كَبِيرٌ صَدَمَ صَغِيرًا، وَإِنْ مَاتَ الْكَبِيرُ ضَمِنَهُ الَّذِي أَرْكَبَ الصَّغِيرَ، نَقَلَ حَرْبٌ: إِنْ حَمَلَ رَجُلٌ صَبِيًّا عَلَى دَابَّةٍ فَسَقَطَ ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَ أَهْلَهُ بِحَمْلِهِ
[رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ أَحَدَهُمْ]
(وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا) رَابِعًا (فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ دِيَتِهِ) إِنْ لَمْ يَقْصِدُوهُ، كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الثُّلُثَ فَمَا زَادَ، وَلَا قَوَدَ
وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِهِ وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ.
وَالثَّالِثُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَثُلُثَاهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ،
[المبدع في شرح المقنع]
لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْقَصْدِ غَالِبًا، وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ: كَرَمْيَةٍ عَنْ قَوْسٍ وَمِقْلَاعٍ وَحَجَرٍ عَنْ يَدٍ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَهُوَ قَتْلٌ خَطَأٌ (وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ) فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ (فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُلْغِي فِعْلَ نَفْسِهِ) قِيَاسًا عَلَى الْمُتَصَادِمَيْنِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِمْ وَجِرَاحَةِ نَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ بَهِيمَةٍ، وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ، فَلَمْ تَكْمُلِ الدِّيَةُ عَلَى شَرِكَتِهِ كَمَا لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِهِمُ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَصَحُّ فِي النَّظَرِ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَارِضَةِ، والقارصة وَالْوَاقِصَةِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ، فَرَكِبَتْ إِحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ الْأُخْرَى، وَقَرَصَتِ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ، فَقَمَصَتْ، فَسَقَطَتِ الرَّاكِبَةُ فَوُقِصَتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلِهِنَّ وَأَلْغَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ ; لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا وَهَذِهِ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَتِنَا (وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ) قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَالْمُتَصَادِمَيْنِ (وَالثَّالِثُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ وَثُلُثَاهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِينَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَارَكَ فِي قَتْلِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ مُؤْمِنَةٍ خَطَأً، فَلَزِمَهُ دِيَتُهَا كَالْأَجَانِبِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ أَهْلِهِ خَطَأً يَتَحَمَّلُ عَقْلَهَا الْعَاقِلَةُ (وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ) أَيْ: إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَقَتَلُوا أَحَدَهُمْ، أَوْ غَيْرَهُمْ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ كَالْخَمْسَةِ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ الْمَقْتُولَ يُلْغِي فِعْلَ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ هَدَرًا ; لِأَنَّهُ لَا
وَإِذَا جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ طَرَفِهِ خَطَأً، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ وَدِيَةُ طَرَفِهِ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
يَجِبُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ شَيْءٌ، وَيَكُونُ بَاقِي الدِّيَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ حَالَّةً ; لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الدِّيَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَهَذَا دُونَ الثُّلُثِ، وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا ; لِأَنَّ الرَّمْيَ لَوْ كَانَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَجُعِلَ فِعْلُ الْمَقْتُولِ هَدَرًا، بَقِيَتِ الدِّيَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ أَثْلَاثًا، وَعَنْهُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ لِاتِّحَادِ فِعْلِهِمْ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ إِنَّمَا شُرِعَ لِلتَّخْفِيفِ عَلى الْجَانِي فِيمَا يَشُقُّ وَيَكْثُرُ، وَمَا دُونَ الثُّلُثِ يَسِيرٌ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ فِعْلِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا مُوجِبُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ جُرْحًا فَمَاتَتِ النَّفْسُ بِجَمِيعِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ مَدَّ الْحَبْلَ وَرَمَى الْحَجَرَ دُونَ مَنْ وَضَعَهُ فِي الْكِفَّةِ اعْتِبَارًا بِالْمُبَاشِرِ كَمَنْ وَضَعَ سَهْمًا فِي قَوْسٍ، أَوْ قَرَّبَهُ وَرَمَى بِهِ صَاحِبَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: يَتَوَجَّهُ رِوَايَتَا مُمْسِكٍ.
1 -
(وَإِذَا جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ طَرَفِهِ خَطَأً، فَلَا دِيَةَ لَهُ) بَلْ هُوَ هَدَرٌ كَالْعَمْدِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ السَّامِرِيُّ: وَهُوَ الْأَقْيَسُ لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ حِينَ رَجَعَ سَيْفُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَمَاتَ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَبَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَنُقِلَ ظَاهِرًا (وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ وَدِيَةُ طَرَفِهِ لِنَفْسِهِ) اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَذَكَرَ أَنَّهَا أَظْهَرُ عَنْهُ لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ له مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ خَطَأٌ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ، فَعَلَيْهَا إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ قَتْلًا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِلَةُ غَيْرَ الْوَرَثَةِ وَجَبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ عَلَيْهِمْ لِوَرَثَةِ الْجَانِي وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْوَرَثَةَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ شَيْءٌ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِ النَّفْسِ وَوَجَبَتْ دِيَةُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِلْجَانِي، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا سَقَطَ عَنِ الْوَرَثَةِ مَا يُقَابِلُ مِيرَاثَهُ، وَلَا يُحَمِّلُهُ دُونَ الثُّلُثِ فِي الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَنَقَلَ حَرْبٌ: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ لَا يُودَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ وَيُفَارِقُ مَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ لَأَجْحَفَ بِهِ وُجُوبُ الدِّيَةِ لِكَثْرَتِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ شِبْهَ عَمْدٍ فَوَجْهَانِ
[نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ]
(وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ) أَيْ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَاتَ مِنْ سَقْطَتِهِ،
سَقْطَتِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ فَمَاتَ الثَّانِي بِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِي وَجَذَبَ الثَّانِي الثَّالِثَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ، وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَكُونُ هُوَ قَاتِلُهُ، فَوَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْقَتْلِ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ عَمْدًا، وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِلَّا فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ (وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ فَمَاتَ الثَّانِي بِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ سَقْطَتِهِ، فَإِنْ مَاتَ الثَّانِي بِوُقُوعِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَدَمُ الثَّانِي هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُودُ أَعْمَى فَوَقَعَا فِي بِئْرٍ، وَقَعَ الْأَعْمَى فَوْقَ الْبَصِيرِ، فَقَتَلَهُ، فَقَضَى عُمَرُ بِعَقْلِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى، فَكَانَ الْأَعْمَى يُنْشِدُ فِي الْمَوْسِمِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ رَأَيْتُ مُنْكَرًا ... هَلْ يَعْقِلُ الْأَعْمَى الصَّحِيحَ الْمُبْصِرَا
خَرَّا مَعًا كِلَاهُمَا تَكَسَّرَا
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَهُ الزُّبَيْرُ، وَشُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى ضَمَانُ الْبَصِيرِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي قَادَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَا فِيهِ، وَكَانَ سَبَبَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ قَصْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْأَعْمَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمِعًا عَلَيْهِ (وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) لِأَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِمَا عَلَيْهِ، وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ ; لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِالْوُقُوعِ عَلَيْهِ، فَانْفَرَدَ بِدِيَتِهِ (وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِي وَجَذَبَ الثَّانِي الثَّالِثَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ (وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ هُوَ جَذَبَهُ وَبَاشَرَهُ بِذَلِكَ، وَالْمُبَاشَرَةُ تَقْطَعُ حُكْمَ الْمُتَسَبِّبِ كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ (وَفِي) الْوَجْهِ (الثَّانِي: عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ جَذَبَ الثَّانِيَ الْجَاذِبَ لِلثَّالِثِ، فَصَارَ مُشَارِكًا لِلثَّانِي فِي إِتْلَافِهِ، وَقِيلَ: بَلْ عَلَيْهِمَا ثُلُثَاهَا وَبَقِيَّتُهَا تُقَابِلُ جَذْبَتَهُ فَتَسْقُطُ، أَوْ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقِيلَ: دَمُهُ كُلُّهُ هَدَرٌ.
اخْتَارَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَدِيَةُ الثَّانِي
هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ عَلَى الثَّانِي، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي، وَفِي نِصْفِهَا الْآخَرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ فَجَذَبَ آخَرَ، وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا، وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ، فَالْقِيَاسُ: أَنَّ دَمَ الْأَوَّلِ هَدَرٌ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ، وَعَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ هَلَكَ بِجَذْبَتِهِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثِ لِمُشَارَكَتِهِ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: بَلْ عَلَيْهِمَا ثُلُثَاهَا، وَالْبَاقِي يُقَابِلُ نَفْسَهُ، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي لَا شَيْءَ مِنْهَا عَلَى الْأَوَّلِ، بَلْ عَلَى الثَّالِثِ كُلُّهَا، أَوْ نِصْفُهَا، وَالْبَاقِي يُقَابِلُ فِعْلَ نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ، وَهُوَ وُجُوبُ نِصْفِ دِيَتِهِ علَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ، كَمَا إِذَا رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ أَحَدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ جَذَبَ رَابِعًا فَدِيَتُهُ عَلَى الثَّالِثِ فَقَطْ، وَقِيلَ: عَلَى الثَّلَاثَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا لَمْ يَسْقُطْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، بَلْ مَاتُوا بِسُقُوطِهِمْ، وَفِي " الْمُغْنِي ": أَوْ وَقَعَ وَشُكَّ فِي تَأْثِيرِهِ، أَوْ قَتَلَهُمْ فِي الْحُفْرَةِ أَسَدٌ، وَلَمْ يَتَجَاذَبُوا فَدِمَاؤُهُمْ مُهْدَرَةٌ (وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ عَلَى الثَّانِي) لِأَنَّ هَلَاكَهُ حَصَلَ بِجَذْبِهِ، وَجَذْبُ الثَّانِي وَفِعْلُهُ مُلْغًى كَالْمُتَصَادِمَيْنِ، فَتَعَيَّنَ إِضَافَةُ التَّلَفِ إِلَى الثَّانِي (وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي) لِأَنَّ الْهَلَاكَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ (وَفِي نِصْفِهَا الْآخَرِ وَجْهَانِ) لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَلَى جِنَايَةِ نَفْسِهِ، وَفِي جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ الرِّوَايَتَانِ (وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ فَجَذَبَ آخَرَ وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ، فَالْقِيَاسُ أَنَّ دَمَ الْأَوَّلِ هَدَرٌ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "،
عَاقِلَةِ الثَّالِثَةِ دِيَةُ الرَّابِعِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ، وَدِيَةُ الرَّابِعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ، وَلِلثَّانِي بِثُلُثِهَا، وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا، وَلِلرَّابِعِ بِكَمَالِهَا عَلَى مَنْ حَضَرَهُمْ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَازَ قَضَاءَهُ فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ تَوْقِيفًا.
وَمَنِ اضْطُرَّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِي إِلْقَائِهِ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي) لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي قَتْلِهِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابِعِ) كَذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّابِعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا (وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ جَذْبَ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي سَبَبٌ فِي جَذْبِ الثَّالِثِ كَمَا لَوْ قَتَلَاهُ خَطَأً (وَدِيَةُ الرَّابِعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا) لِأَنَّ جَذْبَ الثَّلَاثَةِ سَبَبُ إِتْلَافِهِ، وَكَذَا لَوْ تَدَافَعَ وَتَزَاحَمَ عِنْدَ الْحُفْرَةِ جَمَاعَةٌ فَسَقَطَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ مُتَجَاذِبِينَ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: مَسْأَلَةُ الزُّبْيَةِ (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبُعِ الدِّيَةِ وَلِلثَّانِي بِثُلُثِهَا وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا وَلِلرَّابِعِ بِكَمَالِهَا عَلَى مَنْ حَضَرَهُمْ) رَوَى حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَفَرُوا زُبْيَةً لِلْأَسَدِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى رَأْسِهَا فَهَوَى فِيهَا وَاحِدٌ فَجَذَبَ ثَانِيًا وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَضَى فِيهَا بِمَا ذُكِرَ، وَقَالَ: فَإِنِّي أَجْعَلُ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ رَأْسَ الْبِئْرِ (ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَازَ قَضَاءَهُ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَنَشٍ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا (فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ تَوْقِيفًا) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى قَبَائِلِ الَّذِينَ ازْدَحَمُوا، أَيْ: عَوَاقِلِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الثُّلُثِ، وَالنِّصْفِ، وَأَمَّا الرُّبُعُ فَلَا يَتَوَجَّهُ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ، وَأَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْقِيَاسُ مَا قُلْنَاهُ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إِلَى مَا لَا يُدْرَى ثُبُوتُهُ، وَلَا مَعْنَاهُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
إِلَى طَعَامِ إِنْسَانٍ، أَوْ شَرَابِهِ، وَلَيْسَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ فَمَنَعَهُ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ كُلُّ مَنْ أَمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ، فَلَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهٌ: نَقَلَ جَمَاعَةٌ أَنَّ سِتَّةً تَعَاطَوْا فِي الْفَوَاتِ فَمَاتَ وَاحِدٌ، فَرُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، فَقَضَى بِخُمُسِ الدِّيَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ نَامَ عَلَى سَطْحِهِ فَهَوَى سَقْفُهُ مِنْ تَحْتِهِ عَلَى قَوْمٍ، لَزِمَهُ الْمُكْثُ، كَمَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِيمَنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِ نَارٌ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ ; لِأَنَّهُ مُلْجَأٌ لَمْ يَتَسَبَّبْ، وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ بِدَوَامِ مُكْثِهِ، أَوْ بِانْتِقَالِهِ - ضَمِنَهُ، وَاخْتَارَ فِي التَّائِبِ الْعَاجِزِ عَنْ مُفَارَقَةِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ، أَوِ الْعَاجِزِ عَنْ إِزَالَةِ أَثَرِهَا كَمُتَوَسِّطِ الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَمُتَوَسِّطِ الْجَرْحَى تَصِحُّ تَوْبَتُهُ مَعَ الْعَزْمِ وَالنَّدَمِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ مِنَ الْغَصْبِ.
[مَنْ أَمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ]
(وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ إِنْسَانٍ، أَوْ شَرَابِهِ، وَلَيْسَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ فَمَنَعَهُ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَهْلَ أَبْيَاتٍ فَاسْتَسْقَاهُمْ، فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَأَغْرَمَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الدِّيَةَ.
حَكَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: أَقُولُ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُؤُوسِ مَسَائِلِهِ: وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى هَلَاكِهِ بِمَنْعِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ مَنَعَهُ طَعَامَهُ حَتَّى هَلَكَ وَكَأَخْذِهِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ عَاجِزٌ، فَيَتْلَفُ، أَوْ دَابَّتُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى مَانِعِ الطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْفِعْلَ الَّذِي يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ، وَشَرْطُهُ الطَّلَبُ مِنْ مَالِكِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إِلَى هَلَاكِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ فَطَلَبَ مِنْهُ فَمَنَعَهُ فَمَاتَ - لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ طَعَامِهِ فِي هَذَا الْحَالِ، وَمِثْلُ الْأَوَّلِ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ تُرْسًا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَرْبًا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " (وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ) وَحَكَاهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عَنِ الْأَصْحَابِ (كُلُّ مَنْ أَمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ) حَتَّى هَلَكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دِيَتُهُ
يَفْعَلْ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَهُ، وَمَنْ أَفْزَعَ إِنْسَانًا فَأَحْدَثَ بِغَائِطٍ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى سَلَامَتِهِ، وَخَلَاصِهِ مِنَ الْمَوْتِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَخَرَّجَ الْأَصْحَابُ ضَمَانَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَدَلَّ أَنَّهُ مَعَ الطَّلَبِ وَفَرَّقَ الْمُؤَلِّفُ، فَقَالَ: (وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَهُ) لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَتَسَبَّبْ إِلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فَدَلَّ أَنَّ كَلَامَهُمْ عِنْدَهُ، وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ، فَإِنْ كَانَ مُرَادَهُمْ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِيمَنْ مَاتَ فَرَسُهُ فِي غَزَاةٍ: لَمْ يَلْزَمْ مَنْ مَعَهُ فَضْلُ حَمْلِهِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُذَكِّرُ النَّاسَ، فَإِنْ حَمَلُوهُ وَإِلَّا مَضَى مَعَهُمْ.
(وَمَنْ أَفْزَعَ إِنْسَانًا) أَوْ ضَرَبَهُ (فَأَحْدَثَ بِغَائِطٍ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ) قَضَى بِذَلِكَ عُثْمَانُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ تَعَدَّى فِيهِ، اقْتَضَى خُرُوجَ الْحَدَثِ فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ كَمَا لَوِ اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً فَأَفْضَاهَا فَاسْتَطْلَقَ الْحَدَثُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى قَضِيَّةِ عُثْمَانَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَدَلَّ عَلَى التَّوْقِيفِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَحْدَثَ بِغَيْرِ الْغَائِطِ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْبَوْلَ كَذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِمَا، وَزَادَ الْقَاضِي: وَالرِّيحُ، وَفَرَّقَ فِي " الشَّرْحِ " بَيْنَ الرِّيحِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْهُ (وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِإِزَالَةِ مَنْفَعَةٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ آلَةِ جَمَالٍ، وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ، وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَدُمْ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: إِنْ دَامَ فَثُلُثُ دِيَةٍ.
فَرْعٌ: إِذَا وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً كَبِيرَةً مُطَاوِعَةً، وَلَا شُبْهَةَ، أَوِ امْرَأَتَهُ، وَمِثْلُهَا تُوطَأُ لِمِثْلِهِ فَأَفْضَاهَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَالْمَنِيِّ، أَوْ بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ فَهَدَرٌ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ، أَيْ: لَهُ طَلَبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، بِخِلَافِ أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ.
فَصْلٌ: وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ، أَوِ السُّلْطَانُ رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى مَا قَالَهُ فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيُحْضِرَهَا فَأَجْهَضَتْ جَنِينَهَا، أَوْ مَاتَتْ، فَعَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ: أَدَّبَ وَلَدَهُ أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ، أَوِ السُّلْطَانُ رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ) أَيْ: فَوْقَ الضَّرْبِ الْمُعْتَادِ (فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ أَدَبٌ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْحَدِّ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَسْرَفَ أَوْ زَادَ عَلَى الْمَقْصُودِ، أَوْ ضَرَبَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنْ صَبِيٍّ وَغَيْرِهِ - ضَمِنَ (وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ الضَّمَانِ) وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا يَسْقُطُ بِإِذْنِ أَبِيهِ، وَهَلْ يَسْقُطُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ فَقَلَعَ عَيْنَهُ فَفِي ضَمَانِهَا وَجْهَانِ (عَلَى مَا قَالَهُ) أَيِ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيُحْضِرَهَا فَأَجْهَضَتْ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَجْهَضَتِ النَّاقَةُ: أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ تَمَامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الْإِجْهَاضُ فِي غَيْرِ النَّاقَةِ (جَنِينَهَا، أَوْ مَاتَتْ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ) أَمَّا ضَمَانُ الْجَنِينِ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ إِلَى امْرَأَةٍ مُغَيَّبَةٍ كَانَ يُدْخَلُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ؟ ! فَبَيْنَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ إِذْ فَزِعَتْ، فَضَرَبَهَا الطَّلْقُ، فَأَلْقَتْ وَلَدًا فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ، فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، إِنَّمَا أَنْتَ وَالٍ وَمُؤَدِّبٌ، وَصَمَتَ عَلِيٌّ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانُوا قَالُوا بِرَأْيِهِمْ، فَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَالُوا فِي هَوَاكَ، فَلَمْ يَنْصَحُوا لَكَ، إِنَّ دِيَتَهُ عَلَيْكَ ; لِأَنَّكَ أَفْزَعْتَهَا فَأَلْقَتْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَلَّا تَبْرَحَ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِكَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِأَنَّهَا نَفْسٌ هَلَكَتْ بِإِرْسَالِ السُّلْطَانِ إِلَيْهَا فَضَمِنَهَا كَجَنِينِهَا، أَوْ نَفْسٌ هَلَكَتْ بِسَبَبِهِ فَوَجَبَ أَنْ تُضْمَنَ كَمَا لَوْ ضَرَبَهَا فَمَاتَتْ، وَقِيلَ: هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِ عَادَةٍ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ سَبَبٌ عَادِيٌّ، بِخِلَافِ الضَّرْبَةِ، وَالضَّرْبَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ فِي الْعَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَدَّبَ حَامِلًا فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا ضَمِنَ، وَكَذَا إِنْ شَرِبَتِ الْحَامِلُ دَوَاءً
عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ.
وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَى السَّابِحِ لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَضْمَنَهُ الْعَاقِلَةُ، وَإِنْ أَمَرَ عَاقِلًا يَنْزِلُ بِئْرًا، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً فَهَلَكَ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِمَرَضٍ فَأَسْقَطَتْهُ، فَأَمَّا إِنْ طَلَبَ السُّلْطَانُ امْرَأَةً لِكَشْفِ حَقٍّ لِلَّهِ مِنْ حَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ، أَوِ اسْتَعْدَى عَلَيْهَا رَجُلٌ بِالشُّرْطَةِ فِي دَعْوَى لَهُ فَأَسْقَطَتْ، ضَمِنَهُ السُّلْطَانُ فِي الْأُولَى، وَالْمُسْتَعْدِي فِي الثَّانِيَةِ.
نَصَّ عَلَيْهِمَا كَقَطْعٍ لَمْ يَأْذَنْ سَيِّدٌ فِيهَا، وَإِنْ مَاتَتْ فَزَعًا فَوَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": إِنِ اسْتَعْدَى إِنْسَانٌ عَلَى امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا، أَوْ مَاتَتْ فَزَعًا، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَعْدِي الضَّمَانُ إِنْ كَانَ ظَالِمًا لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الظَّالِمَةُ فَأَحْضَرَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَضْمَنَهَا، وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُكْرَهَةٍ فَأَحْبَلَهَا، وَمَاتَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي " الْفُنُونِ ": إِنْ شَمَّتْ حَامِلٌ رِيحَ طَبِيخٍ فَاضْطَرَبَ جَنِينُهَا فَمَاتَتْ، أَوْ مَاتَ، فَقَالَ حَنْبَلِيٌّ وَشَافِعِيَّانِ: إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهَا، فَلَا إِثْمَ، وَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ عَلِمُوا، وَكَانَ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً الرَّائِحَةُ تَقْتُلُ - احْتُمِلَ الضَّمَانُ، أَوِ الْإِضْرَارُ، وَاحْتُمِلَ: لَا لِعَدَمِ تَضَرُّرِ بَعْضِ النِّسَاءِ، وَكَرِيحِ الدُّخَانِ يَتَضَرَّرُ بِهَا صَاحِبُ السُّعَالِ، وَضِيقِ نَفْسٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ (وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَى السَّابِحِ) الْحَاذِقِ (لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ، لَمْ يَضْمَنْهُ) فِي الْأَصَحِّ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ لِمَصْلَحَتِهِ، كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصَّبِيَّ الضَّرْبَ الْمُعْتَادَ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ بَالِغٌ عَاقِلٌ نَفْسَهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَضْمَنَهُ الْعَاقِلَةُ) قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ لِيَحْتَاطَ فِي حِفْظِهِ، فَإِذَا غَرِقَ فَقَدْ نُسِبَ إِلَى التَّفْرِيطِ فِي حِفْظِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لَهُ: سَبِّحْ عَبْدِي هَذَا، فَسَبَّحَهُ، ثُمَّ رَقَّاهُ، ثُمَّ عَادَ وَحْدَهُ يَسْبَحُ، فَغَرِقَ، فَهَدَرٌ، وَإِنِ اسْتُؤْجِرَ لِيُسَبِّحَهُ وَيُعَلِّمَهُ، وَمِثْلُهُ لَا يَغْرَقُ غَالِبًا، وَإِنِ اسْتُؤْجِرَ لِحِفْظِهِ ضَمِنَهُ إِنْ غَفَلَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَشُدَّ مَا يُسَبِّحُهُ عَلَيْهِ شَدًّا جَيِّدًا، أَوْ جَعَلَهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ جَارٍ، أَوْ وَاقِفٍ لَا يَحْمِلُهُ، أَوْ عَمِيقٍ مَعْرُوفٍ بِالْغَرَقِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَإِنْ أَمَرَ عَاقِلًا يَنْزِلُ بِئْرًا، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً فَهَلَكَ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ،
إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَمْ يَأْمُرْهُ، وَكَاسْتِئْجَارِهِ قَبْضُهُ الْأُجْرَةَ أَوَّلًا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمُوهُ كَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَهُوَ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ إِذَا خَالَفَهُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِطَاعَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ: صَاحِبُ " التَّرْغِيبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " غَيْرَ مُكَلَّفٍ ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى إِتْلَافِهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ مُرَادَ الشَّيْخِ مَا جَرَى بِهِ عُرْفٌ وَعَادَةٌ، كَقَرَابَةٍ وَصُحْبَةٍ وَتَعْلِيمٍ، وَنَحْوِهِ، فَهَذَا مُتَّجِهٌ وَإِلَّا ضَمِنَهُ، وَقَدْ «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مُعَاوِيَةَ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: لَا يُقَالُ: هَذَا تَصَرُّفٌ فِي مَنْفَعَةِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ لِلْحَاجَةِ، وَاطَّرَدَ بِهِ الْعُرْفُ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ) أَوْ حَائِطٍ، وَعِبَارَةُ " الْفُرُوعِ ": وَإِنْ وَضَعَ شَيْئًا عَلَى عُلُوٍّ فَهِيَ أَجْوَدُ، وَفِيهِ شَيْءٌ (فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَوَضْعُهُ لِذَلِكَ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ إِذَا وَضَعَهَا مُتَطَرِّفَةً، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى إِلْقَائِهَا وَتَعَدَّى بِوَضْعِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَنَى حَائِطًا مَائِلًا، وَلَوْ تَدَحْرَجَ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ، وَأَنَّهُمَا فِي بَهِيمَةٍ حَالَتْ بَيْنَ مُضْطَرٍّ وَطَعَامِهِ لَا تَنْدَفِعُ إِلَّا بِقَتْلِهَا مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ.
1 -
مَسْأَلَةٌ: مَنْ نَزَلَ بِئْرًا فِي مَحَلٍّ عُدْوَانًا، أَوْ سَقَطَ فِيهِ فَسَقَطَ فَوْقَهُ آخَرُ فَمَاتَا ضَمِنَهُمَا عَاقِلَةُ الْحَافِرِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ، وَقِيلَ: عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي نِصْفُ دِيَةِ الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ.
دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَهَذِهِ الْخَمْسُ أُصُولٌ فِي الدِّيَةِ إِذَا أَحْضَرَ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ شَيْئًا مِنْهَا لَزِمَ قَبُولُهُ، وَفِي الْحُلَلِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَيْسَتْ أَصْلًا فِي الدِّيَةِ.
وَفِي
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابٌ: مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ]
[أُصُولُ الدِّيَةِ] ِ الْمَقَادِيرُ: وَاحِدُهَا مِقْدَارٌ، وَهُوَ مَبْلَغُ الشَّيْءِ، وَقَدْرُهُ (دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ) ذَهَبًا (أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَن
َّ أُصُولَ الدِّيَةِ
الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، وَالذَّهَبُ، وَالْوَرِقُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ ; لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: «وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَلْفُ دِينَارٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وَهُوَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ.
وَعَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ مَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (فَهَذِهِ الْخَمْسُ أُصُولٌ فِي الدِّيَةِ إِذَا أَحْضَرَ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ شَيْئًا مِنْهَا لَزِمَ قَبُولُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ النَّوْعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّهَا أُصُولٌ فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا، فَكَانَتِ الْخِيَرَةُ إِلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ (وَفِي الْحُلَلِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَيْسَتْ أَصْلًا فِي الدِّيَةِ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "
الْأُخْرَى: أَنَّهَا أَصْلٌ، وَقَدْرُهَا مِائَتَا حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْأَصْلُ خَاصَّةً، وَهَذِهِ أَبْدَالٌ عَنْهَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِبِلِ وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَيْهَا
فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ وَجَبَتْ أَرْبَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَخَمْسُ وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ، وَلَا تَنْضَبِطُ (وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهَا أَصْلٌ) نَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا السَّامِرِيُّ لِحَدِيثِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ: «أَهْلُ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَعَلَى هَذِهِ تَكُونُ الْأُصُولُ سِتَّةً (وَقَدْرُهَا مِائَتَا حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ) لِأَنَّهَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ (كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَفِي الْمَذْهَبِ جَدِيدَانِ مِنْ جِنْسٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَلَا تُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى تَكُونَ جَدِيدَةً تُحَلُّ عَنْ طَيِّهَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ جِنْسٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْأَصْلُ خَاصَّةً) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» وَلِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ فَغَلَّظَ بَعْضَهَا وَخَفَّفَ بَعْضَهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي غَيْرِ الْإِبِلِ (وَ) عَلَى (هَذِهِ) بَقِيَّةُ مَا ذُكِرَ (أَبْدَالٌ عَنْهَا) أَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ عَلَيْهِ، فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ تَسْلِيمُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ، وَمَنْ أَرَادَ الْعُدُولَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلِلْآخَرِ مَنْعُهُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا فَاسْتُحِقَّتْ كَالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُتْلَفَةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ، قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ زَادَ ثَمَنُهَا انْتَقَلَ إِلَى الْبَاقِي (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِبِلِ) لَزِمَهُ إِخْرَاجُهَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا (وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَيْهَا) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْخِرَقِيُّ، وَهِيَ أَصَحُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ.
[مَقَادِيرُ دِيَةِ الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ]
(فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ وَجَبَتْ أَرْبَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ الْحَيَوَانِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَمْلُ كَالزَّكَاةِ، وَالْأُضْحِيَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثُونَ
وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، وَهَلْ يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا ثَنَايَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً وَجَبَتْ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ بِنْتُ
[المبدع في شرح المقنع]
حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً) نَصَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا رُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هُشَيْمٍ، أَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ مَنْ حَمَلَ الْعَاقِلَةِ كَخَطَأٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " رِوَايَةُ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا وَشِبْهِهِ أَرْبَاعًا (وَهَلْ يُعْتَبَرُ) فِي الْخَلِفَاتِ (كَوْنُهَا ثَنَايَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا لَا يُعْتَبَرُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَطْلَقَ الْخَلِفَاتِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا فَاعْتِبَارُ السِّنِّ تَقْيِيدٌ، لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِدَلِيلٍ، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ " مِنْ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْأَنْوَاعِ مُقَدَّرَةٌ بِالسِّنِّ، فَكَذَا الْخَلِفَاتُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُجْزِئُ مِنْهَا مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ، وَهِيَ مَا لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَبَازِلِ عَامٍ، وَهُوَ مَا لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَقَلَّمَا تَحْمِلُ الْأَثْنِيَةُ.
لَاحِقَةٌ: لَوْ أَحْضَرَهَا خَلِفَةً فَأَسْقَطَتْ قَبْلَ وَضْعِهَا فَعَلَيْهَا بَدَلُهَا، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حَمْلِهَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ تَسَلَّمَهَا الْوَلِيُّ بِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ تَكُنْ حَامِلًا قُبِلَ قَوْلُ الْجَانِي.
[مَقَادِيرُ دِيَةِ الْخَطَأِ]
(وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً وَجَبَتْ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ
مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ، وَالنِّصْفُ أَتْبِعَةً، وَفِي الْغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايَا، وَالنِّصْفُ أَجْذِعَةً، وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ سَلِيمًا مِنَ الْعُيُوبِ.
[المبدع في شرح المقنع]
فِي ذَلِكَ، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنِ الْحَجَّاجِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ، وَالنِّصْفُ أَتْبِعَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْكُلَّ مُسِنَّاتٍ لَكَانَ فِيهِ إِجْحَافٌ عَلَى الْجَانِي وَبِالْعَكْسِ فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَطَأِ يُؤْخَذُ مَعَهُمَا سِنٌّ ثَالِثٌ مِنْ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ وَسِنٌّ خَامِسٌ لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ، وَهُوَ ابْنُ مَخَاضٍ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا مِنْ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَا جُعِلَ ابْنُ مَخَاضٍ عِوَضَ بِنْتِ مَخَاضٍ (وَفِي الْغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايَا، وَالنِّصْفُ أَجْذِعَةً) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ دِيَةَ الْإِبِلِ مِنَ الْأَسْنَانِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ أَلَّا يَكُونَا مُنَاصَفَةً (وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ سَلِيمًا مِنَ الْعُيُوبِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْإِبِلِ، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ وَجَبَ أَخْذُهَا، سَوَاءٌ قَلَّتْ قِيمَتُهَا، أَوْ كَثُرَتْ، نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَطْلَقَهَا، فَتَقْيِيدُهَا بِالْقِيمَةِ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَ أَسْنَانِ دِيَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ تَخْفِيفًا كَدِيَةِ الْخَطَأِ عَنْ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَاعْتِبَارُهَا بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمَا، وَإِزَالَةُ التَّخْفِيفِ الْمَشْرُوعِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَا يُجْزِئُ مَرِيضٌ، وَلَا عَجِيفٌ، وَلَا مَعِيبٌ، وَلَا دُونَ دِيَةِ الْأَثْمَانِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهَا مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَحُلَلٍ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا) ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِأَلْفِ مِثْقَالٍ، وَعَلَى أَهْلِ
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا أَنْ تَبْلُغَ دِيَةَ الْأَثْمَانِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَيُؤْخَذُ فِي الْحُلَلِ الْمُتَعَارَفِ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهَا جُعِلَتْ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا.
فَصْلٌ وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَتُسَاوِي جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلَى ثُلُثِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَرِقِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا أَبْدَالُ مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَوِيَ قِيمَتُهَا كَالْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمِيِّ مِنَ الْمُتْلَفَاتِ (فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا أَنْ تَبْلُغَ دِيَةَ الْأَثْمَانِ) وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا اعْتُبِرَتِ الْقِيمَةُ فِي الْإِبِلِ، وَهِيَ أَصْلٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي غَيْرِهَا (وَالْأَوَّلُ أَوْلَى) لِأَنَّ تَقْوِيمَ عُمَرَ لِأَجْلِ أَخْذِ الدَّرَاهِمِ عِوَضًا عَنِ الْإِبِلِ، وَذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تُؤْخَذُ عَلَى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، ثُمَّ قَوَّمَهَا عُمَرُ لِغَلَائِهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي حَالِ رُخْصِهَا أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تُؤْخَذُ عَلَى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ مَعَ رُخْصِهَا، وَقِلَّةِ قِيمَتِهَا وَنَقْصِهَا عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرِ الْقِيمَةُ فِي الْإِبِلِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيمَا سِوَاهَا قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إِبِلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إِبِلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلَ، أَوِ الْعَاقِلَةَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِبِلٌ فَمِنْ غَالِبِ إِبِلِ بَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِبِلٌ وَجَبَ مِنْ غَالِبِ إِبِلِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ إِبِلُهُ عِجَافًا، أَوْ مِرَاضًا كُلِّفَ تَحْصِيلَ صِحَاحٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ ; لِأَنَّهَا بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَلَا يُؤْخَذُ فِيهَا مَعِيبٌ كَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ، وَالْبَقَرُة وَالْغَنَمُ كَذَلِكَ (وَيُؤْخَذُ فِي الْحُلَلِ الْمُتَعَارَفُ) لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَالْحِرْزِ (فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهَا جُعِلَتْ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ تَسَاوِي الْأَبْدَالِ، وَلِتَبْلُغَ قِيمَةُ الْجَمِيعِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
فَرْعٌ: تُغَلَّظُ دِيَةُ طَرَفٍ كَقَتْلٍ، وَلَا تُغَلَّظُ فِي غَيْرِ إِبِلٍ.
[فَصْلٌ دِيَةُ الْمَرْأَةِ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ) إِجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ،، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ فِي كِتَابِهِ: «دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ
الدِّيَةِ، فَإِذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ.
وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ نِصْفُ دِيَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
الرَّجُلِ» لَكِنْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْأَصَمِّ: أَنَّ دِيَتَهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ يُخَالِفُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّهُمَا فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُفَسِّرًا وَمُخَصِّصًا لَهُ (وَتُسَاوِي جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (فَإِذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا الشَّيْبَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَزَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدٍ لِمَا رَوَى رَبِيعَةُ، قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: كَمْ فِي إِصْبَعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، قُلْتُ: فَفِي إِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قُلْتُ: فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ، قُلْتُ: فَفِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قُلْتُ: لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا قَلَّ عَقْلُهَا؟ ! ، قَالَ: هَكَذَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي.
رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ عَلِيٍّ كَالزَّائِدِ، فَلَوْ بَلَغَ جِرَاحُهَا الثُّلُثَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْأَظْهَرُ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ - أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ حَدَّ الْقِلَّةِ، وَلِهَذَا صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " - يَخْتَلِفَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ: حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ، وَ " حَتَّى " لِلْغَايَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَالثُّلُثُ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ لِقَوْلِهِ «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» وَلِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا دُونَهُ، فَأَمَّا دِيَةُ نِسَاءِ سَائِرِ الْأَدْيَانِ فَتُسَاوِي دَيَاتُهُنَّ
ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى، وَكَذَلِكَ أَرْشُ جِرَاحِهِ.
فَصْلٌ وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ
[المبدع في شرح المقنع]
دِيَاتِ رِجَالِهِنَّ إِلَى الثُّلُثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُسَاوِيَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ; لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ التَّنْصِيفُ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ دِيَةُ الْمُسْلِمِينَ.
(وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى) لِأَنَّ مِيرَاثَهُ كَذَلِكَ، فَكَذَا دِيَتُهُ، لَا يُقَالُ: الْوَاجِبُ دِيَةُ أُنْثَى لِتَيَقُّنِهَا ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الذُّكُورِيَّةَ وَالْأُنُوثِيَّةَ احْتِمَالًا وَاحِدًا فَيَجِبُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بِكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ (وَكَذَلِكَ أَرْشُ جِرَاحِهِ) لِأَنَّ الْجِرَاحَ كَالتَّابِعِ لِلْقَتْلِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْقَتْلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى فَلَأَنْ يَجِبُ أَرْشُ الْجِرَاحِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لَكِنْ إِنْ كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَيَسْتَوِي الذَّكَرُ، وَالْخُنْثَى ; لِأَنَّ أَدْنَى حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَهِيَ تُسَاوِيهِ، وَفِيمَا زَادَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ جُرْحِ ذَكَرٍ.
[فَصْلٌ: دِيَةُ الْكِتَابِيِّ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «دِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ) اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ» وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عُمَرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ رَجَعَ أَحْمَدُ عَنِ الثَّانِيَةِ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَحَدِيثُ
وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دَيَاتِهِمْ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حِينَ كَانَتِ الدِّيَةُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَأَوْجَبَ فِيهَا نِصْفَهَا (وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ) مِنْ دِيَاتِهِمْ كَجِرَاحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَاتِهِمْ، وَهُوَ الثُّلُثُ، أَوِ النِّصْفُ عَلَى الْخِلَافِ (وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ (وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ، وَالْوَثَنِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَحَقْنِ الدَّمِ، لَا فِي كُلِّ شَيْءٍ بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، أَشْبَهَ الْمَجُوسِيَّ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالذِّمِّيِّ، وَالْمُسْتَأْمِنِ، وَالْمُعَاهِدِ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ، وَجِرَاحُ كُلِّ أَحَدٍ مُعْتَبَرٌ مِنْ دِيَتِهِ كَالْمُسْلِمِ.
فَرْعٌ: عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَسَائِرُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، لَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا تُحْقَنُ دِمَاؤُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُمْ فَدِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ ; لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدِّيَاتِ، فَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا (وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ، أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ حَتَّى يُدْعَى (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ) لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: كَدِيَةِ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْ يَتْبَعُهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنَّ هَذَا يَنْتَقِضُ بِصِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَجَانِينِهِمْ ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ فَدِيَةُ مَجُوسِيٍّ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا.
1 -
مَسْأَلَةٌ: نِسَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَذُرِّيَّتُهُمْ وَرَاهِبٌ يَتْبَعُونَ أَهْلَ الدَّارِ أَوِ الْآبَاءِ.
فَصْلٌ وَدِيَةُ الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ.
وَعَنْهُ: لَا يُبْلَغُ بِهَا دِيَةُ الْحُرِّ، وَفِي جِرَاحِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا فِي الْحُرِّ فَهُوَ مُقَدَّرٌ فِي الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عَشْرِ قِيمَتِهِ، نَقَّصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرَ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمَا نَقَصَ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ.
وَمَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ: دِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ) أَيْ: يُضْمَنُ الرَّقِيقُ فِي الْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ بِقِيمَتِهِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَثُرَتْ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ; لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَيُضْمَنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَالْفَرَسِ وَيُخَالِفُ الْحُرَّ، فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَمَانِ مَالٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ، وَهَذَا ضَمَانُ مَالٍ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمِلْكِيَّةِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا فَاخْتَلَفَا، وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَذَلِكَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ إِلَّا النَّخَعِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُؤدي بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ حُرٍّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةُ عَبْدٍ (وَعَنْهُ: لَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ الْحُرِّ) لِأَنَّ الْحُرَّ أَشْرَفُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - لَمَّا أَوْجَبَ فِي الْحُرِّ دِيَةً لَا تَزِيدُ، وَهُوَ أَشْرَفُ لِخُلُوِّهِ مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَنْقُوصَ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا (وَفِي جِرَاحِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ) كَالْعُصْعُصِ وَخَرَزَةِ الصُّلْبِ (مَا نَقَّصَهُ) بَعْدَ الْبُرْءِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يَنْجَبِرُ، فَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ (وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا فِي الْحُرِّ) كَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَالْمُوضِحَةِ (فَهُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ) قَدَّمَهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْكَافِي " وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ كَدِيَةِ الْحُرِّ (فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْحُرِّ نِصْفُ الدِّيَةِ (وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِنَ الْحُرِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ (نَقَّصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرَ) لِأَنَّهُ سَاوَى الْحُرَّ فِي ضَمَانِ الْجِنَايَةِ بِالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ، فَسَاوَاهُ فِي اعْتِبَارِ مَا دُونَ النَّفْسِ بِبَدَلِ النَّفْسِ كَالرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمَا نَقَصَ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ) قَدَّمَهَا فِي "
نِصْفُهُ حُرٌّ فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ وَهَكَذَا فِي جِرَاحِهِ، وَإِنْ قَطَعَ خُصْيَتَيْ عَبْدٍ، أَوْ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَيْهِ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ وَلَمْ يُزَلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَإِنْ قَطَعَ ذَكَرَهُ، ثُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، قَالَ أَحْمَدُ: إِنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ مَا نَقَصَ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ الْأَمْوَالِ فَيَجِبُ فِيهِ مَا نَقَصَ كَالْبَهَائِمِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَقْيَسُ وَأَوْلَى ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْحُرِّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا، فَعَلَى الْأُولَى إِنْ بَلَغَتِ الْجِنَايَةُ ثُلُثَ قِيمَتِهَا احْتَمَلَ أَنْ تُرَدَّ إِلَى النِّصْفِ، فَيَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ قِيمَتِهَا، وَفِي أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ خُمُسُهَا كَالْحُرَّةِ، فَإِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ رُدَّتْ إِلَى النِّصْفِ وَاحْتَمَلَ أَلَّا تُرَدَّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْحُرَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِكَوْنِ الْأَصْلِ زِيَادَةَ الْأَرْشِ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا زَادَ نَقْصُهَا وَضَرَرُهَا، زَادَ فِي ضَمَانِهَا، فَإِذَا خُولِفَ فِي الْحُرَّةِ بَقِينَا فِي الْأَمَةِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ (وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ) فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ رَقِيقًا، وَإِنْ كَانَ قَاتِلُهُ عَبْدًا أُقِيدَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنَ الْجَانِي، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ نَصِفَهُ حُرٌّ أَوْجَبَ الْقَوَدَ لِتَسَاوِيهِمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْقَاتِلِ أَكْثَرَ لَمْ يَجِبِ الْقَوَدُ لِعَدَمِ التَّسَاوِي (فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ) أَيْ: إِذَا قَتَلَهُ حُرٌّ عَمْدًا، ضَمِنَ نِصْفَ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ دِيَتِهِ ; لِأَنَّهَا دِيَةُ حُرٍّ فِي الْخَطَأِ (وَهَكَذَا فِي جِرَاحِهِ) أَيْ: إِذَا كَانَ قَدْرُ الدِّيَةِ مِنْ أَرْشِهَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَهُ، أَوْ يَدَيْهِ، فَإِنْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ فَالْجَمِيعُ عَلَى الْجَانِي ; لِأَنَّ نِصْفَ دِيَةِ الْيَدِ رُبْعُ دِيَتِهِ، فَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلُثِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَإِنْ قَطَعَ خُصْيَتَيْ عَبْدٍ، أَوْ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَيْهِ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ) أَيْ: قِيمَةُ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ عَنِ الدِّيَةِ (لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهَا بَدَلٌ، عَنِ الْأَعْضَاءِ الْمَمْلُوكَةِ لِلسَّيِّدِ (وَلَمْ يُزَلْ مِلْكُهُ عَنْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يَقْتَضِي الزَّوَالَ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ ; لِأَنَّ قَطْعَ يَدِ الْعَبْدِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ تَلَفِ بَعْضِ مَالِهِ (وَإِنْ قَطَعَ ذَكَرَهُ، ثُمَّ خَصَاهُ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِقَطْعِ الذَّكَرِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحُرِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (وَقِيمَتُهُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ مِنَ الْحُرِّ بَعْدَ الذَّكَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ،
خَصَاهُ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِقَطْعِ الذَّكَرِ، وَقِيمَتُهُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ.
وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ وَدِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا يُقَالُ: الْقِيمَةُ هُنَا نَقَصَتْ ; لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَيَّدَهَا بِقَطْعِ الذَّكَرِ، بِخِلَافِ الْحُرِّ، فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي مُقَابِلِهِ، لَكِنَّهَا تَزِيدُ وَتَنْقُصُ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ (وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ) لِمَا مَرَّ، وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ يَلْزَمُهُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَفِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، أَوْ أَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ قِيمَتَاهُ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: فَإِنْ أَذْهَبَ إِحْدَاهُمَا أَوَّلًا غَرِمَ قِيمَتَهُ كَامِلًا، ثُمَّ قِيمَتَهُ نَاقِصًا.
فَرْعٌ: إِذَا جَرَحَ اثْنَانِ فِي وَقْتَيْنِ عَبْدًا، أَوْ حَيَوَانًا، وَلَمْ يُوجِبَاهُ، ثُمَّ سَرَى الْجُرْحَانِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا نَقَصَهُ بِجُرْحِهِ مِنْ قِيمَتِهِ وَيَتَسَاوَيَانِ فِي بَقِيَّتِهَا، قَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي يَلْزَمُ الثَّانِيَ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ، وَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ تَتِمَّةُ قِيمَتِهِ سَلَفًا.
[فَصْلٌ: دِيَةُ الْجَنِينِ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ الْجَنِينِ) وَهُوَ اسْمٌ لِلْوَلَدِ فِي الْبَطْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِجْنَانِ، وَهُوَ السِّتْرُ ; لِأَنَّهُ أَجَنَّهُ بَطْنُ أُمِّهِ، أَيْ: سَتَرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: 32] (الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إِذَا سَقَطَ) فَلَوْ ظَهَرَ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ بَاقِيهِ فَفِيهِ الْغُرَّةُ كَمَا لَوْ سَقَطَ جَمِيعُهُ (مَيِّتًا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، قَالَ: لَتَأْتِيَنِي بِمَنْ شَهِدَ مَعَكَ فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَزَادَ: «وَوَرِثَهَا وَلَدَهَا مَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلْ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلْ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلْ؟ ! ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ» مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ.
فَإِذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مِنَ الضَّرْبَةِ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، سَوَاءٌ أَلْقَتْهُ فِي حَيَاتِهَا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَ فِي حَيَاتِهَا، وَظَاهِرُهُ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً (غُرَّةُ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٌ) الْأَحْسَنُ تَنْوِينُ غُرَّةٍ، وَعَبْدٌ بَدَلٌ مِنْهُ، وَتَجُوزُ الْإِضَافَةُ عَلَى تَأْوِيلِ إِضَافَةِ الْجِنْسِ إِلَى النَّوْعِ، وَسُمِّيَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَصْلُ فِي الْغُرَّةِ الْخِيَارُ، وَأَصْلُهَا الْبَيَاضُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: الْغُرَّةُ: عَبْدٌ أَبْيَضُ، أَوْ أَمَةٌ بَيْضَاءُ، قُلْتُ: وَلَيْسَ الْبَيَاضُ شَرْطًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ إِذَا سَقَطَ مِنَ الضَّرْبَةِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ يَسْقُطَ عُقَيْبَ الضَّرْبَةِ، أَوْ تَبْقَى مُتَأَلِّمَةً مِنْهَا إِلَى أَنْ يَسْقُطَ، أَوْ يَكُونَ مِنْهَا كَشُرْبِ دَوَاءٍ، وَنَحْوِهِ، فَلَوْ قَتَلَ حَامِلًا، وَلَمْ يَسْقُطْ جَنِينُهَا فَلَا ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَلَدِ إِلَّا بِخُرُوجِهِ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ، وَالْغُرَّةُ هِيَ عَبْدٌ، أَوْ أَمَةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ: أَوْ فَرَسٌ.
فَجَوَابُهُ أَنَّهُ وَهْمٌ انْفَرَدَ بِهِ عِيسَى بْنُ مُوسَى عَنِ الرُّوَاةِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي النَّقْلِ وَجَعَلَ ابْنُ سِيرِينَ مَكَانَ الْفَرَسِ مِائَةَ شَاةٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ فِي وَلَدِهَا مِائَةَ شَاةٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِي مُضْغَةٍ، وَلَا عَلَقَةٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا كَانَ عَلَقَةً فَثُلُثُ غُرَّةٍ، وَإِنْ كَانَ مُضْغَةً فَثُلُثَيْ غُرَّةٍ، فَإِنْ أَلْقَتْ مُضْغَةً فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً فَفِيهِ غُرَّةٌ، وَإِنْ شَهِدْنَ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، وَلَوْ بَقِيَ تَصَوُّرٌ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا شَيْءَ فِيهِ كَالْعَلَقَةِ، وَالثَّانِي: وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فِيهِ غُرَّةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ، فَلَوْ أَلْقَتْ رَأْسَيْنِ فَغُرَّةٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينٍ وَأَكْثَرَ، فَلَمْ تَجِبْ بِالشَّكِّ (قِيمَتُهَا
الْإِبِلِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْغُرَّةِ خُنْثَى، وَلَا مَعِيبٌ وَلَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ.
وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) وَذَلِكَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي الْجِنَايَةِ، وَهُوَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَيْهِ، لَا يُقَالُ: قَدْ وَجَبَ فِي الْأُنْمُلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَهَا فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، وَالسِّنِّ، وَأَمَّا الْأُنْمُلَةُ فَيَجِبُ فِيهَا مَا ذُكِرَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَةِ الْأُصْبُعِ.
فَرْعٌ: إِذَا اخْتَلَفَ قِيمَةُ الْإِبِلِ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِهَا فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تُقَوَّمُ بِالْإِبِلِ ; لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ، فَتُجْعَلُ قِيمَتُهَا خَمْسِينَ دِينَارًا، أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَذَكَرَ فِي " الْكَافِي ": وَإِنْ أَعْوَزَتْ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا مِنْ أَحَدِ الْأُصُولِ فِي الدِّيَةِ (مَوْرُوثَةً عَنْهُ كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا) لِأَنَّهَا دِيَةٌ لَهُ وَبَدَلٌ عَنْهُ فَوَرِثَهَا وَرَثَتُهُ كَمَا لَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَقَالَ اللَّيْثُ: هِيَ لِأُمِّهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ حُرٍّ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَوْرُوثَةً عَنْهُ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ (ذَكَرًا كَانَ) الْوَلَدُ (أَوْ أُنْثَى) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الذَّكَرَ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ (وَلَا يُقْبَلُ فِي الْغُرَّةِ خُنْثَى، وَلَا مَعِيبٌ) يُرَدُّ بِهِ فِي الْبَيْعِ، وَلَا خَصِيٌّ، وَلَا هَرِمَةٌ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ ; لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجِبُ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّ الْغُرَّةَ بَدَلٌ فَاعْتُبِرَتْ فِيهَا السَّلَامَةُ كَإِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَهِيَ خِيَارٌ (وَلَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) فِي الْأَشْهَرِ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهُ، وَلَيْسَ مِنَ الْخِيَارِ، وَقِيلَ: أَوْ أَقَلُّ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مَنْ جَاوَزَ السَّبْعَ أَنَّهُ مَقْبُولٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: الْغُرَّةُ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ إِلَى عَشْرٍ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ سِنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَبِالْجُمْلَةِ: الْبَالِغُ أَكْمَلُ مِنَ الصَّغِيرِ وَأَقْدَرُ عَلَى التَّصَرُّفِ
أُمِّهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أُمِّهِ فَعُتِقَتْ، ثُمَّ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ فَفِيهِ غُرَّةٌ.
وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ فَفِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا، وَالْآخَرُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَنْفَعُ فِي الْخِدْمَةِ.
(وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ جَنِينُ آدَمِيَّةٍ فَوَجَبَ فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَقُدِّرَ بَدَلُهُ مِنْ قِيمَتِهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا، وَنَقَلَ حَرْبٌ: الْوَاجِبُ فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ هُنَا ; لِأَنَّ الرَّقِيقَ الْوَاجِبُ قِيمَتُهُ بِخِلَافِ الْحُرِّ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ نَقْدًا يَوْمَ الْجِنَايَةِ كَمُوضِحَتِهَا إِذَا سَاوَتْهَا حُرِّيَّةً وَرِقًّا، وَإِلَّا فَبِالْحِسَابِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنَ أَبِيهِ، أَوْ هُوَ أَغْلَى مِنْهَا دِيَةً فَيَجِبُ عُشْرُ دِيَتِهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى ذَلِكَ الدَّيْنِ (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) لِأَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حُرًّا، فَكَذَا إِذَا كَانَ رَقِيقًا، وَنَصَّ الْمُؤَلِّفُ عَلَى ذَلِكَ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ عُشْرُ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ أُنْثَى ; لِأَنَّهُ مُتْلَفٌ، فَاعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِهِ بِأُمِّهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ جَنِينٌ خَالَفَ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ قِيمَةِ جَمِيعِهِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِأُمِّهِ، وَلِأَنَّهُ مَاتَ مِنَ الْجِنَايَةِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ ضَمَانُهُ بِهِمَا كَجَنِينِ الْحُرَّةِ.
فَرْعٌ: جَنِينُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا يَجِبُ بِالْحِسَابِ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا فَنِصْفُهُ حُرٌّ، فِيهِ نِصْفُ غُرَّةٍ لِوَرَثَتِهِ، وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ لِسَيِّدِهِ.
(وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ فَعُتِقَتْ) أَوْ أَعْتَقَ جَنِينَهَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ، أَوْ بَعْدَهَا (ثُمَّ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ فَفِيهِ غُرَّةٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ سَقَطَ حُرًّا، وَالْعِبْرَةُ بِحَالِ السُّقُوطِ ; لِأَنَّ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَعَنْهُ: بِضَمَانِ جَنِينٍ مَمْلُوكٍ، نَقَلَهَا حَرْبٌ،، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَعَنْهُ: إِنْ سَبَقَ الْعِتْقُ الْجِنَايَةَ ضَمِنَ بِالْغُرَّةِ، وَإِلَّا فَبِضَمَانِ الرَّقِيقِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: التَّوَقُّفَ، وَحَكَي فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا، فَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَالدِّيَةُ كَامِلَةً مَعَ سَبْقِ الْعِتْقِ الْجِنَايَةَ، وَإِلَّا فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ فِي الرَّقِيقِ يُجْرَحُ، ثُمَّ يُعْتَقُ (وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ فَفِيهِ) غُرَّةٌ قِيمَتُهَا (عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ) لِأَنَّ جَنِينَ الْحُرَّةِ
مَجُوسِيًّا اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا، وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ إِنْ كَانَ حُرًّا.
أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ عَبْدًا إِذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُسْلِمَةِ مَضْمُونٌ بِعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، فَكَذَا جَنِينُ الْكَافِرَةِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا، وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا) أَيْ: أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، أَوْ نِصْفِ عُشْرِ دِيَةِ أَبِيهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ ضَمَانُ مُتْلَفٍ، فَغَلَبَ فِيهِ الْأَكْثَرُ تَغْلِيظًا عَلَى الْجَانِي، وَلِأَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ فِي الْمُتْلَفِ مَا يَجِبُ ضمانه وَعَكْسُهُ، غَلَبَ الْوُجُوبُ كَالْمُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ مُتَوَلِّدًا بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّهَا تُؤْخَذُ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ الدِّيَةِ، وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ; لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ كَانَ بَيْنَ كِتَابِيَّيْنِ فَأَسْلَمُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الضَّرْبِ قَبْلَ الْوَضْعِ، فَفِيهِ غُرَّةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ كِتَابِيَّةٍ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ (وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ إِنْ كَانَ حُرًّا) لِأَنَّهُ حُرٌّ مَاتَ بِجِنَايَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْقَتْلِ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ إِلَّا إِذَا اسْتَهَلَّ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْأَوَّلُ نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ الِارْتِضَاعَ وَنَحْوَهُ أَدَلُّ عَلَى الْحَيَاةِ مِنَ الِاسْتِهْلَالِ، فَأَمَّا بِمُجَرَّدِ الْحَرَكَةِ، فَلَا (أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ عَبْدًا) لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الدِّيَةِ فِي الْحُرِّ (إِذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ فِي مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ فِيهِ حَيَاةٌ يَجُوزُ بَقَاؤُهَا، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، وَلَا قِيمَةٌ كَمَا لَوْ سَقَطَ مَيِّتًا (وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا) لِأَنَّ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَجُزِ الْعَادَةُ بِبَقَائِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ مَنْ وُلِدَ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَعِشْ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ وَابْنِهَا - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - (وإِلَّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ) قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرِهَا: كَحَيَاةِ مَذْبُوحٍ، فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لَهَا وَحِينَئِذٍ تَجِبُ فِيهِ غُرَّةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حَيَاتِهِ، وَلَا
لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَإِلَّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَيِّنَةَ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ وَجْهَانِ.
فَصْلٌ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْقَتْلَ تُغَلَّظُ دِيَتُهُ بِالْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَالرَّحِمِ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيِّنَةَ فَفِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ وَجْهَانِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا - وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " -: يُقَدَّمُ قَوْلُ الْجَانِي ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ كَحَيَاتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ ثَمَّ بَيِّنَةٌ عُمِلَ بِهَا ; لِأَنَّهَا تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتُثْبِتُهُ.
أَصْلٌ: الْغُرَّةُ وَالدِّيَةُ يَرِثُها مَنْ يَرِثُهُ كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا، وَلَا يَرِثُ قَاتِلٌ وَلَا رَقِيقٌ، فَتَرِثُ عَصَبَةُ سَيِّدٍ قَاتِلٍ جَنِينَ أَمَتِهِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " هُنَا إِنْ شَرَطَ زَوْجُ الْأَمَةِ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ كَانَ حُرًّا وَإِلَّا عَبْدًا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ شَرِبَتِ الْحَامِلُ دَوَاءً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ، هُوَ لِوَرَثَتِهَا دُونَهَا ; لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ، وَعَلَيْهَا عِتْقُ رَقَبَةٍ.
فَرْعٌ: يَجِبُ فِي جَنِينِ دَابَّةٍ مَا نَقَصَ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَجَنِينِ أَمَةٍ، أَيْ: عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْبَهِيمَةَ إِنَّمَا يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا قَدْرُ نَقْصِهَا، فَكَذَا فِي جَنِينِهَا.
[فَصْلٌ: دِيَةُ الْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ]
فَصْلٌ (ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْقَتْلَ) إِذَا كَانَ خَطَأً، وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَوْ عَمْدًا، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": كَمَا يَجِبُ بِوَطْءِ صَائِمَةٍ مُحْرِمَةٍ كَفَّارَتَانِ، ثُمَّ قَالَ: تُغَلَّظُ إِذَا كَانَ مُوجِبُهُ الدِّيَةَ، وَفِي " الْمُفْرَدَاتِ " تُغَلَّظُ عِنْدَنَا فِي الْجَمِيعِ، ثُمَّ دِيَةُ
الْمُحَرَّمِ، فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْحُرُمَاتُ الْأَرْبَعُ وَجَبَ دِيَتَانِ وَثُلُثٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَطَأِ لَا تَغْلِيظَ فِيهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " التَّرْغِيبِ ": وَطَرَفٌ (تُغَلَّظُ دِيَتُهُ بِالْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ) نَقَلَهُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ (وَالرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ " وَغَيْرِهِمَا الرَّحِمُ بِالْمُحَرَّمِ كَالْعِتْقِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِالرَّحِمِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وُطِئَتْ فِي طَوَافٍ فَقَضَى عُثْمَانُ فِيهَا بِسِتَّةِ آلَافٍ وَأَلْفَيْنِ تَغْلِيظًا لِلْحَرَمِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ ذَا رَحِمٍ، أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ: دِيَتُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَلِلشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلِلْبَلَدِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَهُوَ قَوْلُ التَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِالتَّغْلِيظِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ (فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْحُرُمَاتُ الْأَرْبَعُ وَجَبَ دِيَتَانِ وَثُلُثٌ) لِأَنَّ الْقَتْلَ يَجِبُ بِهِ دِيَةٌ، وَقَدْ تَكَرَّرَ التَّغْلِيظُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَكَانَ كَذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَمَكَّةَ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " يَخْرُجُ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: التَّغْلِيظُ بِدِيَةِ عَمْدٍ، وَقِيلَ: بِدِيَتَيْنِ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " إِنْ لَمْ يُقْتَلْ بِأَبَوَيْهِ فَفِي لِزُومِهِ دِيَتَانِ أَمْ دِيَةٌ وَثُلُثٌ؟ رِوَايَتَانِ (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ) وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ الْأَظْهَرُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِذَلِكَ) كَجَنِينٍ وَعَبْدٍ (وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ وَاحِدَةً فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ (وَالْأَخْبَارِ) مِنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقَالٍ» وَرَوَى الْجَوْزَجَانِيُّ عَنْ أَبِي
قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَمْدًا أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ كَمَا حَكَمَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
فَصْلٌ وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ خَطَأً فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فِدَائِهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ تَسْلِيمِهِ لِيُبَاعَ فِي الْجِنَايَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَبَى تَسْلِيمَهُ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ
[المبدع في شرح المقنع]
الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءَ، فَكَانَ مِمَّا أَحْيَا مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ، أَيْ: أَنَّهُ لَا تَغْلِيظَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ بِثَابِتٍ مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا، وَلَوْ صَحَّ فَفِعْلُ عُمَرَ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ أَوْلَى فَيُقَدَّمُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَهُوَ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ مَعَ مُوَافَقَةِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْقِيَاسِ.
(وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ) وَقَدَّمَ فِي " الِانْتِصَارِ ": أَوْ كَافِرٌ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ (كَافِرًا) سَوَاءٌ كَانَ كِتَابِيًّا، أَوْ غَيْرَهُ حَيْثُ حُقِنَ دَمُهُ (عَمْدًا أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ (لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِكَافِرٍ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ شُرِعَ زَجْرًا عَنْ تَعَاطِيهِ (كَمَا حَكَمَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَرُفِعَ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ وَغَلَّظَ الدِّيَةَ أَلْفَ دِينَارٍ فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَهُ نَظَائِرُ، مِنْهَا الْأَعْوَرُ إِذَا قَلَعَ عَيْنَ صَحِيحٍ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ حَيْثُ لَا قِصَاصَ، وَمِنْهَا أَنَّ سَارِقَ الثَّمَرِ يَلْزَمُهُ مَثَلًا قِيمَتُهُ حَيْثُ لَا قَطْعَ، وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ فِي الْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ وَاحِدٌ لِلْعُمُومِ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا عَمْدًا ; لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَمْ تَتَضَاعَفْ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُودَى الْمَجُوسِيُّ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَالْكِتَابِيُّ بِثُلُثَيْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ إِنْ قُلْنَا: دِيَتُهُ ثُلُثُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهَا تُغَلَّظُ بِثُلُثٍ.
[فَصْلٌ: الْعَبْدُ إِذَا جَنَى خَطَأً]
فَصْلٌ (وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ خَطَأً فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فِدَائِهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ تَسْلِيمِهِ لِيُبَاعَ فِي الْجِنَايَةِ) إِذَا جَنَى رَقِيقٌ خَطَأً، أَوْ عَمْدًا، لَا قَوَدَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ قَوَدٌ، وَاخْتِيرَ فِيهِ الْمَالُ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا وَجَبَ اعْتِبَارُ جِنَايَتِهِ ; لِأَنَّ جِنَايَةَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ غَيْرُ مُلْغَاةٍ مَعَ عُذْرِهِ وَعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، فَالْعَبْدُ أَوْلَى، وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُهَا بِذِمَّتِهِ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِلْغَائِهَا، أَوْ تَأْخِيرِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَلَا بِذِمَّةِ السَّيِّدِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ فَتَعَيَّنَ
الْجِنَايَةِ كُلِّهِ، وَإِنْ سَلَّمَهُ فَأَبَى وَلِيُّ الْجِنَايَةِ قَبُولَهُ، وَقَالَ: بِعْهُ أَنْتَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ جَنَى عَمْدًا فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَهَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
تَعْلِيقُهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ سَيِّدَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فِدَائِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا فَدَى عَبْدَهُ بِقِيمَتِهِ فَقَدْ أَدَّى عِوَضَ الْمَحَلِّ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْجِنَايَةُ، أَوْ بَيْعَهُ فِي الْجِنَايَةِ ; لِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَحَلَّ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْجِنَايَةُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي الْفِدَاءِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ أَدَّى قَدْرَ الْوَاجِبِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ رَقَبَةِ الْجَانِي، وَإِذَا فَدَاهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي وَجَبَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ لَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ لَزِمَهُ جَمِيعُ أَرْشِهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.
نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَعَنْهُ: يَفْدِيهِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ فِيهَا، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُنَّ، وَعَنْهُ: فِيمَا فِيهِ الْقَوَدُ خَاصَّةً يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهُ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ (وَعَنْهُ: إِنْ أَبَى تَسْلِيمَهُ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ) لِأَنَّهُ إِذَا عُرِضَ لِلْبَيْعِ رُبَّمَا رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِذَا أَمْسَكَهُ فَوَّتَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ذَلِكَ (وَإِنْ سَلَّمَهُ فَأَبَى وَلِيُّ الْجِنَايَةِ قَبُولَهُ، وَقَالَ: بِعْهُ أَنْتَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرَ مِنَ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ سَلَّمَهَا، وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِعِتْقٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: بِإِذْنٍ، وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ، صَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ أَرْشِهَا، وَأَرْشُهَا هُوَ قِيمَةُ الْعَبْدِ.
فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي، أَوْ هَرَبَ قَبْلَ مُطَالَبَةِ سَيِّدِهِ بِتَسْلِيمِهِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ جَنَى فَفَدَاهُ، ثُمَّ جَنَى فَحُكْمُهَا كَالْأُولَى، وَلَا يَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِشَيْءٍ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ أَمْرِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضَمَانُهَا عَلَيْهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَإِنْ جَنَى عَمْدًا فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا عَنْهُ: لَا يَمْلِكُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْجِنَايَةِ فَلَأَنْ
يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَى اثْنَيْنِ خَطَأً، اشْتَرَكَا فِيهِ بِالْحِصَصِ، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، أَوْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْبَاقِينَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ، أَوْ بِحِصَّتِهِمْ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ جَرَحَ حُرًّا فَعَفَا عَنْهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
لَا يَمْلِكُهُ بِالْعَفْوِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ إِذَا عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ انْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى الْمَالِ فَصَارَ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَالثَّانِيَةُ: يَمْلِكُهُ، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " ; لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ اسْتَحَقَّ إِتْلَافَهُ فَاسْتَحَقَّ إِبْقَاءَهُ عَلَى مِلْكِهِ كَعَبْدِهِ الْجَانِي عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذِهِ إِنْ عَفَا عَنْهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَقِيمَتُهُ فَوْقَ الْأَرْشِ، وَقُلْنَا: يَجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ - تَعَيَّنَ الْأَرْشُ، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْهُ، وَهُوَ حُرٌّ عُتِقَ، وَلَا دِيَةَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ، فَلَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ، وَهُوَ مِلْكُ سَيِّدِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَ " الْوَسِيلَةُ " رِوَايَةَ: يَمْلِكُهُ بِجِنَايَةِ عَمْدٍ، وَلَهُ قَتْلُهُ وَرِقُّهُ وَعِتْقُهُ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ لَوْ وَطِئَ الْأَمَةَ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهِيَ لَهُ وَوَلَدُهَا.
(وَإِنْ جَنَى عَلَى اثْنَيْنِ خَطَأً اشْتَرَكَا فِيهِ بِالْحِصَصِ) نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ جَنَى عَلَيْهِمْ فِي وَقْتٍ، أَوْ أَوْقَاتٍ ; لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْحَقُّ فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ لَوْ قَدَّمَ بَعْضَهُمْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ حَقَّهُ أَسَبَقُ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يُقَادُ بِالْكُلِّ اكْتِفَاءً كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ مَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَادَ بِالْأَوَّلِ، أَوْ يُؤْخَذَ حَقُّهُ بِالْقُرْعَةِ مُطْلَقًا، وَيَدْخُلُ بِالْقَتْلِ حَقُّ مَنْ بَقِيَ لِفَوْتِ مَحَلِّهِ إِنْ عُلِّقَ بِالْعَيْنِ (فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، أَوْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْبَاقِينَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ، أَوْ بِحِصَّتِهِمْ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ مَوْجُودٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِمُزَاحَمَةِ الْآخَرِ، وَقَدْ زَالَ الْمُزَاحِمُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى عَلَى إِنْسَانٍ فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ جَنَى عَلَى آخَرَ، وَالثَّانِي: يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِمْ مِنْهُ لَا غَيْرَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ تَعَلَّقَ بِقِسْطٍ مِنْ رَقَبَتِهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ عَفْوٌ أَصْلًا.
ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِرَاحَةِ، وَلَا مَالَ لَهُ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ عُشْرُ دِيَتِهِ فَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ، وَقُلْنَا يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ - صَحَّ الْعَفْوُ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِيهِ بِالدِّيَةِ صَحَّ الْعَفْوُ فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ سُدُسُهُ ; لِأَنَّ الْعَفْوَ صَحَّ فِي شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَهُ بِزِيَادَةِ الْفِدَاءِ تِسْعَةُ أَشْيَاءٍ، بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ أَلْفٌ إِلَّا عَشْرَةَ أَشْيَاءٍ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، أَجْبَرَ، وَقَابَلَ، يَخْرُجُ الشَّيْءُ نِصْفَ سُدُسِ الدِّيَةِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَتَعْدِلُ السُّدُسَ.
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: قَتَلَ عَبْدَانِ عَبْدًا عَمْدًا فَقَتَلَ الْوَلِيُّ أَحَدَهُمَا وَعَفَا عَنِ الْآخَرِ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَبَنَاهُ السَّامِرِيُّ عَلَى قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ.
(وَإِنْ جَرَحَ حُرًّا فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِرَاحَةِ، وَلَا مَالَ لَهُ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ عُشْرُ دِيَتِهِ فَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ، وَقُلْنَا يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ - صَحَّ الْعَفْوُ فِي ثُلُثِهِ) لِأَنَّهُ ثُلُثُ مَا فَاتَ عَنْهُ وَيَبْقَى الثُّلُثَانِ لِلْوَرَثَةِ (وَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِيهِ بِالدِّيَةِ صَحَّ الْعَفْوُ فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ سُدُسُهُ ; لِأَنَّ الْعَفْوَ صَحَّ فِي شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ) فَسَقَطَ (وَلَهُ بِزِيَادَةِ الْفِدَاءِ تِسْعَةُ أَشْيَاءٍ، بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ أَلْفٌ إِلَّا عَشْرَةَ أَشْيَاءٍ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ: أَجْبَرَ، وَقَابَلَ) تَصِيرُ أَلْفًا تَعْدِلُ اثْنَيْ عَشَرَ شَيْئًا، فَالشَّيْءُ إِذًا يَعْدِلُ نِصْفَ سُدُسِ الدِّيَةِ (يَخْرُجُ الشَّيْءُ نِصْفَ سُدُسِ الدِّيَةِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَتَعْدِلُ السُّدُسَ) لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا عَدَلَ نِصْفَ سُدُسٍ كَانَ الشَّيْءُ يَعْدِلُ السُّدُسَ ضَرُورَةً، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ ثُلُثُ الدِّيَةِ صَحَّ الْعَفْوُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفِدَاءَ يَكُونُ بِالدِّيَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِهِ، وَلَوْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الرُّبُعَ صَحَّ فِي ثُلُثِهِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ الْخَمُسَ صَحَّ فِي خَمْسَةِ أَسْبَاعِهِ، وَطَرِيقُ الْبَابِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ تَزِيدَ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى نِصْفِ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَتُنْسَبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِمَّا بَلَغَا فَمَا كَانَ فَهُوَ الَّذِي يَفْدِيهِ بِهِ سَيِّدُهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ لِآخَرَ فَلَهُ قَتْلُهُ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ سَقَطَ حَقُّهُ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَا لِاثْنَيْنِ فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا، فَإِنْ عَفَا قُتِلَ لِلثَّانِي، وَإِنْ قَتَلَهُمَا مَعًا أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ اقْتَصَّ وَسَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، وَعَلَى سَيِّدِ الْأَوَّلِ مَالٌ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلِلثَّانِي الْقِصَاصُ، فَإِنْ قَتَلَهُ سَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ مِنَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ عَفَا الثَّانِي
بَابٌ: دِيَاتُ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعُهَا وَمَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَهُوَ الذَّكَرُ وَالْأَنْفُ وَاللِّسَانُ النَّاطِقُ وَلِسَانُ الصَّبِيِّ الَّذِي يُحَرِّكُهُ بِالْبُكَاءِ.
وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ فَفِيهِمَا
[المبدع في شرح المقنع]
تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْقَتِيلِ الثَّانِي بِرَقَبَتِهِ وَيُبَاعُ فِيهِمَا وَيُقَسَّمُ ثَمَنُهُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ، لَا يُقَالُ: حَقُّ الْأَوَّلِ أَسْبَقُ فَيُقَدَّمُ ; لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى بِدَلِيلِ مَا لَوْ أُتْلِفَتْ أَمْوَالٌ لِجَمَاعَةٍ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا لِاثْنَيْنِ كَانَ لَهُمَا الْقِصَاصُ، وَالْعَفْوُ، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ.
[بَابٌ: دِيَاتُ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعُهَا]
[دِيَةُ مَا أُتْلِفَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ]
بَابٌ
دِيَاتُ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعُهَا
الْمَنَافِعُ: وَاحِدُهُ مَنْفَعَةٌ، وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ نَفَعَنِي كَذَا نَفْعًا، وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الشِّجَاجُ، وَهِيَ فِي الرَّأْسِ، وَالْوَجْهِ، وَالثَّانِي: فِي سَائِرِ الْبَدَنِ، وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: قَطْعُ عُضْوٍ، وَالْآخَرُ: قَطْعُ لَحْمٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَضْمُونٌ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ كَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَنَحْوِهِمَا.
(وَمَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ) أَيْ: دِيَةُ نَفْسِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ (وَهُوَ الذَّكَرُ) إِجْمَاعًا لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَقَالَ: رَوَى يُونُسُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مِنْ صَغِيرٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَشَيْخٍ فَانٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَيَّدَ ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ بِأَنْ يَنْتَشِرَ، وَهَذَا إِذَا أَبْقَى الْأُنْثَيَيْنِ سَالِمَتَيْنِ.
أَصْلٌ: وَفِي حَشَفَةِ الذَّكَرِ الدِّيَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَكْمُلُ بِالْحَشَفَةِ كَمَا تَكْمُلُ مَنَافِعُ الْيَدِ بِالْأَصَابِعِ، فَلَوْ قَطَعَهَا وَبَعْضَ الْقَصَبَةِ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ وَبَعْضَ الْكَفِّ (وَالْأَنْفُ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَعَ عِوَجِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ " وَتَجِبُ إِذَا قُطِعَ مَعَ مَارِنِهِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ (وَاللِّسَانُ النَّاطِقُ) السَّلِيمُ إِذَا اسْتُوعِبَ كُلُّهُ مَحَطًّا مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ إِجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ
الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا كَالْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ وَاللَّحْيَيْنِ وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَعْضَاءِ نَفْعًا وَأَتَمُّهَا جَمَالًا، وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَ كَبِيرٍ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَسَ، فَكَمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي شَلَلِ الْعُضْوِ (وَلِسَانُ الصَّبِيِّ الَّذِي يُحَرِّكُهُ بِالْبُكَاءِ) لِأَنَّ فِي إِتْلَافِهِ إِذْهَابُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَإِتْلَافُهَا كَإِذْهَابِ النَّفْسِ فِي الْكُلِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ النُّطْقِ، فَلَوْ بَلَغَهُ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَإِنْ كَبِرَ فَنَطَقَ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ وَجَبَ فِيهِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنَ الْحُرُوفِ ; لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ نَاطِقًا.
[دِيَةُ مَا أُتْلِفَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ شَيْئَيْنِ]
(وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (كَالْعَيْنَيْنِ) إِذَا أَذْهَبَهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِ خَطَأً لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّغِيرَتَانِ، وَالصَّحِيحَتَانِ وَضِدُّهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا بَيَاضٌ يُنْقِصُ الْبَصَرَ نُقِصَ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ " كَحَوْلَاءَ وَعَمْشَاءَ مَعَ رَدِّ الْمَعِيبِ بِهِمَا (وَالْأُذُنَيْنِ) وِفَاقًا قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى فِي الْأُذُنِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، رَوَاهُ سَعِيدٌ فَمُنْقَطِعٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": وَإِشْرَافُهُمَا، وَهُوَ جِلْدٌ بَيْنَ الْعِذَارِ، وَالْبَيَاضِ الَّذِي حَوْلَهُمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": وَأَصْدَافُ الْأُذُنَيْنِ (وَالشَّفَتَيْنِ) أَيْ: إِذَا اسْتُوعِبَتَا مِنَ الْمُسْلِمِ خَطَأً إِجْمَاعًا، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا (وَاللَّحْيَيْنِ) وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا الْأَسْنَانُ ; لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعًا وَجَمَالًا، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا (وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ) أَيْ: فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي قَطْعِ حَلَمَتَيِ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ مِنْهُمَا مَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ بِذَهَابِهِ كَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَإِنْ حَصَلَ مَعَ قَطْعِهِمَا جَائِفَةٌ وَجَبَ فِيهِمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ مَعَ دِيَتِهِمَا، وَإِنْ ضَرَبَهُمَا فَأَشَلَّهُمَا فَالدِّيَةُ (وَثَنْدُوَتَيِ الرَّجُلِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَغْرَزُ الثَّدْيِ، وَالْوَاحِدَةُ ثَنْدُوَةٌ بِفَتْحِ الثَّاءِ بِلَا هَمْزَةٍ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْهَمْزِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَهُوَ أَصَحُّ فِي اللُّغَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِمَا الْجَمَالُ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا (وَالْيَدَيْنِ)
وَثَنْدُوَتَيِ الرَّجُلِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْإِلْيَتَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَإِسْكَتَيِ الْمَرْأَةِ، وَعَنْهُ: فِي الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِي الْعُلْيَا ثُلُثُهَا، وَفِي الْمَنْخَرَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِي الْحَاجِزِ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيْ: فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا لِلْأَخْبَارِ حَتَّى يَدِ مُرْتَعِشٍ وَيَدِ أَعْسَمٍ، وَهُوَ عِوَجٌ فِي الرُّسْغِ (وَالرِّجْلَيْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا حَتَّى قَدَمِ أَعْرَجٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكُومَةٌ (وَالْإِلْيَتَيْنِ) وَهُمَا مَا عَلَا وَأَشْرَفَ عَلَى الظَّهْرِ، وَعَنِ اسْتِوَاءِ الْفَخِذَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْعَظْمِ الدِّيَةُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيهِمَا الدِّيَةُ إِذَا قُطِعَتَا حَتَّى إِلَى الْعَظْمِ (وَالْأُنْثَيَيْنِ) فَفِيهِمَا الدِّيَةُ لِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
فَرْعٌ: إِذَا رَضَّ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ أَشَلَّهُمَا كَمُلَتْ دِيَتُهُمَا كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ، أَوْ ذَكَرَهُ، وَإِنْ قَطَعَ إِحْدَاهُمَا فَذَهَبَ النَّسْلُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ (وَإِسْكَتَيِ الْمَرْأَةِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَهُمَا شَفْرَاهَا، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الشَّفْرَانِ حَاشِيَتَا الْإِسْكَتَيْنِ، وَفِيهِمَا الدِّيَةُ ; لِأَنَّ فِيهِمَا مَنْفَعَةً وَجَمَالًا، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، وَإِنْ أَشَلَّهُمَا فَفِيهِمَا الدِّيَةُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى شَفَتِهِ فَأَشَلَّهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّتْقَاءِ وَغَيْرِهَا، وَفِي عَانَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حُكُومَةٌ (وَعَنْهُ: فِي الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِي الْعُلْيَا ثُلُثُهَا) رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ ; لِأَنَّ نَفْعَ السُّفْلَى أَعْظَمُ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَدُورُ وَتَتَحَرَّكُ وَتَحْفَظُ الرِّيقَ، وَالطَّعَامَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَوْلُ زَيْدٍ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ (وَفِي الْمَنْخَرَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِي الْحَاجِزِ ثُلُثُهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْمَارِنَ يَشْمَلُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ: مَنْخَرَانِ وَحَاجِزٌ فَوَجَبَ تَوْزِيعُ الدِّيَةِ عَلَى عَدَدِهَا كَسَائِرِ مَا فِيهِ عَدَدٌ مِنَ الْأَصَابِعِ، وَالْأَجْفَانِ (وَعَنْهُ: فِي الْمَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْحَاجِزِ حُكُومَةٌ) حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ الْمَنْخَرَيْنِ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ لَهُمَا ثَالِثٌ، وَلِأَنَّهُ بِقَطْعِهِمَا يَذْهَبُ الْجَمَالُ كُلُّهُ وَالْمَنْفَعَةُ، أَشْبَهَ قَطْعَ الْيَدَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ الْأَكْثَرُ، فَلَوْ قَطَعَ أَحَدَ الْمَنْخَرَيْنِ وَنِصْفَ الْحَاجِزِ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ شَقَّ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَإِنْ بَقِيَ مُنْفَرِجًا، فَالْحُكُومَةُ فِيهِ أَكْثَرُ
[دِيَةُ الْأَجْفَانِ وَالْأَصَابِعِ]
(وَفِي الْأَجْفَانِ
ثُلُثُهَا، وَعَنْهُ: فِي الْمَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْحَاجِزِ حُكُومَةٌ.
وَفِي الْأَجْفَانِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعُهَا، وَفِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا، وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا إِلَّا الْإِبْهَامَ، فَإِنَّهَا مَفْصِلَانِ فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عَقْلِهَا.
وَفِي الظُّفُرِ خُمُسُ دِيَةِ الْإِصْبَعِ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعُهَا) وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ ; لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ فِيهَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ وَنَفْعٌ كَامِلٌ، فَإِنَّهَا تُكِنُّ الْعَيْنَ وَتَحْفَظُهَا مِنَ الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ وَلَوْلَاهَا لَقَبُحَ مَنْظَرُهَا، وَيَجِبُ فِي أَشْفَارِ عَيْنِ الْأَعْمَى وَهي الْأَجْفَانُ ; لِأَنَّ ذَهَابَ الْبَصَرِ عَيْبٌ غَيْرُ الْأَجْفَانِ (وَفِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ) إِذَا كَانَتْ سَلِيمَةً (وَفِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبَعٍ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» يَعْنِي: الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ (وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا) وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ (وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا) لِأَنَّ دِيَةَ الْأُصْبُعِ تُقَسَّمُ عَلَيْهَا كَمَا قُسِّمَتْ دِيَةُ الْيَدِ عَلَى الْأَصَابِعِ بِالسَّوِيَّةِ (إِلَّا الْإِبْهَامَ، فَإِنَّهَا مَفْصِلَانِ فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عَقْلِهَا) أَيْ: نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ.
[دِيَةُ الْأَظَافِرِ وَالْأَسْنَانِ]
(وَفِي الظُّفُرِ خُمُسُ دِيَةِ الْإِصْبَعِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ زَيْدٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَعْنَاهُ إِذَا قَلَعَهُ، وَلَمْ يَعُدْ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَكَذَا إِنِ اسْوَدَّ وَدَامَ، وَالتَّقْدِيرَاتُ يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى التَّوْقِيفِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَوْقِيفٌ، فَالْقِيَاسُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً كَسَائِرِ الْجِرَاحِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مُقَدَّرٌ، وَفِي " الْكَافِي " إِنَّ مَا لَا تَوْقِيفَ فِيهِ مِنْ سَائِرِ الْجِرَاحِ تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ (وَفِي كُلِّ سِنٍّ) قُلِعَ بِسِنْخِهَا، أَوِ الظَّاهِرِ فَقَطْ (خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ سِنًّا: أَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ رُبَاعِيَّاتٍ وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَفَوْقُ: ضَاحِكَانِ وَنَاجِذَانِ وَسِتُّ طَوَاحِينَ وَأَسْفَلُ مِثْلُهَا، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ فِي جَمِيعِهَا مِائَةٌ وَسِتُّونَ بَعِيرًا ; لِأَنَّهَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ قَصِيرَةً نُقِصَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ نَقْصِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَشَرْطُهُ (إِذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ) بِضَمِّ الثَّاءِ، أَيْ:
الْإِبِلِ إِذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ، وَالْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي جَمِيعِهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فِي قَطْعِهِمَا مِنَ الْكُوعِ، وَالْكَعْبِ،
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ، يُقَالُ: ثُغِرَ وَأَثْغَرَ، يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ مِنَ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغَرْ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِقَلْعِهَا شَيْءٌ فِي الْحَالِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُ سِنِّهِ فَيَنْتَظِرُ، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَيْأَسُ مِنْ عَوْدِهَا وَجَبَتْ دِيَتُهَا، قَالَ أَحْمَدُ: يَتَوَقَّفُ سَنَةً ; لِأَنَّهُ غَالِبٌ فِي نَبَاتِهَا (وَالْأَضْرَاسُ، وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ وَالْأَكْثَرِ ; لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ» وَهَذَا نَصٌّ، وَلِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ فِي جُمْلَةٍ كَانَتْ مَقْسُومَةً عَلَى الْعَدَدِ دُونَ الْمَنَافِعِ كَالْأَصَابِعِ، وَالْأَجْفَانِ، وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ ثُغِرَ فَحُكُومَةٌ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ: إِذَا سَقَطَتْ أَخَوَاتُهَا، وَلَمْ تَعُدْ أُخِذَتْ دِيَتُهَا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي جَمِيعِهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) هَذَا رِوَايَةٌ حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ فِي كُلِّ ضِرْسٍ بَعِيرَيْنِ لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ، وَالْإِجْمَاعُ أَنَّ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا ; لِأَنَّهَا مَنْفَعَةُ جِنْسٍ، فَلَمْ تَزِدْ دِيَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ كَسَائِرِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَقِيلَ: إِنْ قَلَعَ الْكُلَّ، أَوْ فَوْقَ الْعِشْرِينَ دُفْعَةً لَمْ يَجِبْ سِوَى الدِّيَةِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: إِنْ قَلَعَ أَسْنَانَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَالدِّيَةُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَةً لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا، أَوْ بَعْضُهَا بَاقِيَةً - وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهَا فَهِيَ كَيَدٍ شَلَّاءَ، وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا فِيهَا دَاءٌ، أَوْ آكِلَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا فَفِيهَا دِيَةُ سِنٍّ صَحِيحٍ، وَإِنْ ذَهَبَ سَقَطَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ الذَّاهِبِ وَوَجَبَ الْبَاقِي.
[دِيَةُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ]
(وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فِي قَطْعِهِمَا مِنَ الْكُوعِ، وَالْكَعْبِ) لِأَنَّ الْيَدَ فِي الشَّرْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَطْعِ السَّارِقِ، وَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ، وَالْكَعْبُ بِمَنْزِلَةِ الْكُوعِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ سَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ مِنْ كَعْبِهَا (فَإِنْ قَطَعَهُمَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ