المبدع في شرح المقنعصفحات 83-122

كِتَابُ الْعَارِيَةِ

صفحات 83-122

وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أَبِيهِمَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَشَرِيكِ أَبِيهِ، وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أَوْ لِرَبِّ

[المبدع في شرح المقنع]

تَسْلِيمِهِ، وَمِنْ شَأْنِ الْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَ الْمُمْتَنِعَ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ يُلْزِمُ فِي الْعَقَارِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَإِذَا وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أَبِيهِمَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَشَرِيكِ أَبِيهِ) لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ حَالَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ تَمَلَّكَاهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ عَلَى شُرَكَائِهِ بِسَبَبِ شَرِكَتِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ (وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ " الْعِلَلِ "، وَأَبُو بَكْرٍ، وَفِي إِسْنَادِهِمَا نَائِلُ بْنُ نَجِيحٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، وَنَائِلٌ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُخْتَصُّ بِهِ الْعَقَارُ، أَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ فِي الْبُنْيَانِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: تَثْبُتُ؛ لِأَنَّهَا خِيَارٌ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالشِّرَاءِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ فِي مَعْنَى الْمُسْلِمِ، فَيَبْقَى فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهَا إِذَا ثَبَتَتْ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ، فَلِأَنْ تَثْبُتَ عَلَى الذِّمِّيِّ مَعَ دَنَاءَتِهِ أَوْلَى، وَإِنَّهَا تَثْبُتُ لِكَافِرٍ عَلَى مِثْلِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا كَالْمُسْلِمِينَ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقِيلَ: لَا تَثْبُتُ لَهُمَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ مُسْلِمًا، فَإِنْ تَبَايَعَ كَافِرَانِ بِخَمْرٍ شِقْصًا فَلَا شُفْعَةَ فِي الْأَصَحِّ كَخِنْزِيرٍ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: هَلْ هِيَ مَالٌ لَهُمْ؟ فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ هَلْ لَهُمْ شُفْعَةٌ؟ وَذُكِرَ لَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِلرَّافِضَةِ شُفْعَةٌ، فَضَحِكَ وَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَثْبَتَهَا لَهُمْ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْغُلَاةِ مِنْهُمْ، فَأَمَّا الْغُلَاةُ

الْمَالِ عَلَى الْمَضَارِبِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

كَمُعْتَقِدِ غَلَطِ جِبْرِيلَ فِي الرِّسَالَةِ، وَمَنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِنَ الدُّعَاةِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يُقِرُّ عَلَى كُفْرِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أَوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمَضَارِبِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: هَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمَضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؟ وَفِيهَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَجِبُ، وَصُورَتُهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُضَارِبُ لَهُ شِقْصٌ فِي عَقَارٍ، فَاشْتَرَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ بَقِيَّتَهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَالثَّانِي: لَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ تَعَلُّقًا فِي الْجُمْلَةِ، أَشْبَهَ رَبَّ الْمَالِ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، وَإِلَّا وَجَبَتَ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ ": وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْعَامِلِ فِيمَا اشْتَرَاهُ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ.
الثَّانِيَةُ: الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمَضَارِبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَقَعَ لَهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالثَّانِي: تَجِبُ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ كَالْمُنْفَرِدِ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا، فَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، وَهَذِهِ شُفْعَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ تَجْلِبْ مِلْكًا، وَإِنَّمَا قَرَّرَتْهُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": وَالْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى شِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَا شُفْعَةَ لِمُضَارِبٍ فِيمَا بَاعَهُ مِنْ مَالِهَا وَلَهُ فِيهِ مِلْكٌ، وَلَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بِيعَ شَرِكَةً لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، إِنْ كَانَ فِيهَا حَظٌّ، فَإِنْ أَبِي أَخَذَ بِهَا رَبُّ الْمَالِ.
تَذْنِيبٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا يَرَى الشُّفْعَةَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَهَا، وَكَذَا كُلُّ أَرْضٍ وَقَفَهَا كَالشَّامِ وَمِصْرَ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِهَا حَاكِمٌ، أَوْ يَفْعَلَهُ الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ، فَتَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ يَنْفُذُ فِيهِ.

بَابُ الوديعة وَهِيَ أَمَانَةٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى، وَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

[بَابُ الْوَدِيعَةِ]

[ضَمَانُ الْوَدِيعَةِ]

[الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ]

ِ الْوَدِيعَةُ وَهِيَ فَعِيلَةٌ مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ إِذَا تَرَكَهُ، أَيْ هِيَ مَتْرُوكَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ، وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدَّعَةِ، فَكَأَنَّهَا عِنْدَ الْمُودَعِ غَيْرُ مُبْتَذَلَةٍ لِلِانْتِفَاعِ، وَقِيلَ: مِنْ وَدَعَ الشَّيْءُ يَدَعُ إِذَا سَكَنَ، فَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِعَيْنٍ تُوضَعُ عِنْدَ آخَرَ لِيَحْفَظَهَا، فَهِيَ وَكَالَةٌ فِي الْحِفْظِ، فَيُعْتَبَرُ أَرْكَانُهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنَّهَا تَوْكِيلٌ فِي حِفْظِ مَمْلُوكٍ، أَوْ مُحْتَرَمٍ مُخْتَصٍّ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَالْإِجْمَاعُ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] مَعَ السُّنَّةِ الشَّهِيرَةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ حِفْظُ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ.
وَيُسْتَحَبُّ أَخْذُهَا لِمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ ثِقَةٌ قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهَا، وَتُكْرَهُ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِرِضَى رَبِّهِ، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتٍ، وَجُنُونٍ، وَعَزْلٍ مَعَ عِلْمِهِ، فَإِنْ بَطَلَتْ بَقِيَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً يُؤَدِّيهِ إِلَى مَالِكِهِ، فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَهَدَرٌ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهُ فَوَجْهَانِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِيدَاعُ وَالِاسْتِيدَاعُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَتَبَرُّعِهِ بِهِ.
(وَهِيَ أَمَانَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» ، رَوَاهُ ابْنُ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدِعَ يَحْفَظُهَا لِمَالِكِهَا، فَلَوْ ضُمِنَتْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَذَلِكَ مُضِرٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ

يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ

وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، وَإِنْ عَيَّنَ صَاحِبُهَا حِرْزًا فَجَعَلَهَا فِي دُونِهِ ضَمِنَ، وَإِنْ أَحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ أَوْ فَوْقِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا (إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) فَيَضْمَنَهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيدَاعٍ (وَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ، وَسَوَاءٌ ذَهَبَ مَعَهَا مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ أَوْ لَا.
وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُ إِذَا تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَمَّنَهُ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يُنَافِي الْأَمَانَةَ، وَحَدِيثُ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْرِيطِ مِنْ أَنَسٍ فِي حِفْظِهَا فَلَا مُنَافَاةَ.

[حِفْظُ الْوَدِيعَةِ فِي حِرْزِ مِثْلِهَا]

(وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) عُرْفًا كَسَرِقَةٍ، وَكَمَا يَحْفَظُ مَالَهُ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِأَدَائِهَا، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحِفْظِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": مَنِ اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ فِي حِرْزِ مِثْلِهِ عَاجِلًا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْفَظْهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، وَإِنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزٍ، ثُمَّ نَقَلَهَا عَنْهُ إِلَى حِرْزِ مِثْلِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا رَدَّ حِفْظَهَا إِلَى اجْتِهَادِهِ، فَلَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي بَيْتِ مَالِكِهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: احْفَظْهَا فِي مَوْضِعِهَا، فَنَقَلَهَا عَنْهُ لِغَيْرِ خَوْفٍ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُودِعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ فِي حِفْظِهَا فِي مَوْضِعِهَا.
(وَإِنْ عَيَّنَ صَاحِبُهَا حِرْزًا فَجَعَلَهَا فِي دُونِهِ ضَمِنَ) سَوَاءٌ رَدَّهَا إِلَيْهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ فِي حِفْظِ مَالِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا حَفِظَهَا فِيمَا عَيَّنَهُ وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ غَيْرُ مُفَرِّطٍ (وَإِنْ أَحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ أَوْ فَوْقِهِ) بِلَا حَاجَةٍ كَلُبْسِ خَاتَمٍ فِي خِنْصَرٍ، فَلَبِسَهُ فِي بِنْصَرٍ لَا عَكْسِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِهَذَا الْحِرْزِ يَقْتَضِي مَا هُوَ مِثْلُهُ، كَمَنِ اكْتَرَى لِزَرْعٍ حِنْطَةً، فَلَهُ زَرْعُهَا وَزَرْعُ مِثْلِهَا فِي الضَّرَرِ، فَمَا فَوْقَهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى (وَقِيلَ: يَضْمَنُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ.
وَحَكَاهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " رِوَايَةً.
قَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: إِذَا خَالَفَ فِي الْوَدِيعَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ صَاحِبِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَهَاهُ (إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ) كَمَا لَوْ خَافَ عَلَيْهَا مِنْ سَيْلٍ أَوْ

أَنْ يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْ إِخْرَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ التَّوَى لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ ضَمِنَ وَإِنْ أَخْرَجَهَا لِغَيْرِ خَوْفٍ ضَمِنَ، فَإِنْ قَالَ: لَا تُخْرِجْهَا وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا، فَأَخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ أَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَضْمَنْ

وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

حَرِيقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا، وَالْأَوْلَى إِنْ نَقَلَهَا إِلَى الْأَعْلَى لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، لَا إِنْ نَقَلَهَا إِلَى الْمُسَاوِي لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": أَصْحَابُنَا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ تَلَفِهَا بِسَبَبِ النَّقْلِ وَبَيْنَ تَلَفِهَا بِغَيْرِهِ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبِ النَّقْلِ كَانْهِدَامِ الْبَيْتِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ ضَمِنَ (فَإِنْ نَهَاهُ عَنْ إِخْرَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ التَّوَى) أَيْ: الْهَلَاكُ (لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ حِفْظَهَا نَقْلُهَا، وَتَرْكَهَا تَضْيِيعٌ لَهَا، وَهَذَا إِذَا وَضَعَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا أَوْ فَوْقِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَأَحْرَزَهَا فِي دُونِهِ فَلَا ضَمَانَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَالْحَارِثِيُّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا عِنْدَ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِلِاحْتِيَاطِ عَلَيْهَا، وَهُوَ إِذْنُ نَقْلِهَا (وَإِنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ ضَمِنَ) سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِالْأَمْرِ الْمُخَوِّفِ أَوْ بَغِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ لِامْتِثَالِهِ أَمْرَ صَاحِبِهَا (وَإِنْ أَخْرَجَهَا لِغَيْرِ خَوْفٍ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ خَالَفَ نَصَّ صَاحِبِهَا لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ فَوْقِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ لَهُ حِرْزًا (فَإِنْ قَالَ: لَا تُخْرِجْهَا وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا، فَأَخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ أَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا بِحِفْظِهَا إِذِ الْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا صَرَّحَ لَهُ بِتَرْكِهَا مَعَ الْخَوْفِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِإِتْلَافِهَا، وَقِيلَ: إِنْ وَافَقَهُ أَوْ خَالَفَهُ ضَمِنَ كَإِخْرَاجِهَا لِغَيْرِ خَوْفٍ، وَهَذَا جَارٍ فِيمَا إِذَا قَالَ: لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ، أَوْ لَا تَنَمْ فَوْقَهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ ". فَرْعٌ: إِذَا أَخْرَجَ الْوَدِيعَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْ إِخْرَاجِهَا فَتَلِفَتْ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُهَا وَجُودَهُ، فَعَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْبَيِّنَةُ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ مَعَ يَمِينِهِ.

[أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ]

(وَإِنْ أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ ضَمِنَ) لِأَنَّ الْعَلَفَ مِنْ كَمَالِ الْحِفْظِ،

أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلَفِهَا.

فَإِنْ قَالَ: اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيْبِكَ فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ ضَمِنَ، وَإِنْ قَالَ: اتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.

وَإِنْ دَفَعَ

[المبدع في شرح المقنع]

بَلْ هُوَ الْحِفْظُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي عَلْفَهَا وَسَقْيَهَا، فَكَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ عُرِفًا، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ كَغَيْرِ الْوَدِيعَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ عَلْفُهَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ (إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا) لِأَنَّ مَالِكَهَا أَذِنَ فِي إِتْلَافِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا، لَكِنْ إِذَا نَهَاهُ عَنْ عَلْفِهَا فَتَرَكَهُ، أَثِمَ لِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ لَزِمَهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ بِقَبُولِهِ، وَيُعْتَبَرُ حَاكِمٌ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " لَا.
فَرْعٌ: إِذَا عَلَفَ الدَّابَّةَ، أَوْ سَقَاهَا فِي دَارِهِ أَوْ غَيْرِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ غُلَامِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، وَالْحُكْمُ فِي النَّفَقَةِ وَالرُّجُوعِ كَالْحُكْمِ فِي نَفَقَةِ الْبَهِيمَةِ الْمَرْهُونَةِ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ مِثْلُهَا.

[قَالَ اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيْبِكَ فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ فَهَلَكَتْ]

(فَإِنْ قَالَ: اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيْبِكَ، فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ) أَوْ يَدِهِ (ضَمِنَ) لِأَنَّ الْجَيْبَ أَحْرَزُ، وَرُبَّمَا نَسِيَ فَسَقَطَ مِنْهُ (وَإِنْ قَالَ: اتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ) أَوْ يَدِكَ (فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ أَحْرَزُ (وَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَظْهَرُهُمَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ يَسْقُطُ مِنْهَا الشَّيْءُ بِالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ الْكُمِّ، وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَحْرَزُ مِنَ الْكُمِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْبَطُّ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِذَا عَيَّنَ يَدَهُ، فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْيَدُ أَحْرَزُ عِنْدَ الْمُغَالَبَةِ، وَالْكُمُّ أَحْرَزُ عِنْدَ غَيْرِهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ عِنْدَ الْمُغَالَبَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَإِلَّا ضَمِنَهَا لِنَقْلِهَا إِلَى أَدْنَى مِمَّا أُمِرَ بِهِ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا مُطْلَقًا فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ، أَوْ يَدِهِ، أَوْ شَدَّهَا فِي كُمِّهِ، أَوْ عَضُدِهِ، وَقِيلَ: مِنْ جَانِبِ الْجَيْبِ، أَوْ تَرَكَ فِي كُمَّهِ ثَقِيلًا بِغَيْرِ شَدٍّ، أَوْ تَرَكَهَا فِي وَسَطِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنْ تَرَكَهَا فِي رَأْسِهِ، أَوْ غَرَزَهَا فِي عِمَامَتِهِ، أَوْ تَحْتَ قَلَنْسُوَتِهِ احْتُمِلَ أَنَّهُ أَحْرَزُ.

الْوَدِيعَةَ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ ضَمِنَ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ الْأَجْنَبِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا أَوْ خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ رَدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ حَمَلَهَا مَعَهُ إِنْ كَانَ

[المبدع في شرح المقنع]

تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: اتْرُكْهَا فِي بَيْتِكَ فَشَدَّهَا فِي ثِيَابِهِ وَأَخْرَجَهَا مَعَهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْرَزُ، وَإِنْ قَالَ: لَا يُدْخِلُ بَيْتَ الْوَدِيعَةِ أَحَدًا فَخَالَفَهُ، وَسَرَقَهَا الدَّاخِلُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا شَاهَدَهَا فِي دُخُولِ الْبَيْتِ، وَإِنْ سَرَقَهَا غَيْرُ الدَّاخِلِ فَلَا فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِإِتْلَافِهَا، وَقِيلَ: بَلَى، جُزِمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَلَّ السَّارِقُ عَلَيْهَا (وَإِنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) أَوْ مَالَ رَبِّهَا عَادَةً (كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ لَمْ يَضْمَنْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُودِعٌ، فَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِ مَالِهِ، وَكَوَكِيلِ رَبِّهَا، وَأَلْحَقَ بِهِمَا فِي " الرَّوْضَةِ " الْوَلَدَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَمَا لَوْ دَفَعَ الْمَاشِيَةَ إِلَى الرَّاعِي، أَوِ الْبَهِيمَةَ إِلَى غُلَامِهِ لِيَسْقِيَهَا، وَقِيلَ: يَضْمَنُ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَصْدُقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ، أَوِ التَّلَفِ كَالْمُودِعِ.

[دَفْعُ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ فَهَلَكَتْ]

(وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ) لِعُذْرٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِلَّا (ضَمِنَ) لِأَنَّهُ مُوَدِعٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْحَاكِمِ (وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ) إِذَا تَلِفَتْ (مُطَالَبَةُ الْأَجْنَبِيِّ) لِأَنَّ الْمُودِعَ ضَمِنَ بِنَفْسِ الدَّفْعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْحِفْظِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ دَفْعًا وَاحِدًا لَا يُوجِبُ ضَمَانَيْنِ بِخِلَافِ غَاصِبِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ضَامِنَةٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ) وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ، أَشْبَهَ الْمُودِعَ مِنَ الْغَاصِبِ، وَكَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَى إِنْسَانٍ هِبَةً، وَعَلَيْهِ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي إِنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَعَلَى الْأَوَّلِ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُمَا لَا يُطَالِبَانِ إِنْ جَهِلَا، وَيَتَخَرَّجُ مِنْ رِوَايَةِ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ لَهُ الْإِيدَاعُ بِلَا عُذْرٍ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَنْهَهُ.
(وَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا أَوْ خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ رَدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا) أَوْ وَكِيلِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ

أَحْفَظَ لَهَا، وَإِلَّا دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْدَعَهَا ثِقَةً، أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ، فَإِنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا أَوْ أَعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ ضَمِنَهَا.

وَإِنْ تَعَدَّى فِيهَا فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيْرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثَّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا أَوْ جَحَدَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا، أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كَيْسِهَا، أَوْ خَلَطَهَا

[المبدع في شرح المقنع]

تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ دَرْكِهَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْحَاضِرِ، وَتَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ، وَفِي مُؤْنَةِ رَدٍّ مِنْ بَعْدِ خِلَافٍ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ حَمَلَهَا مَعَهُ) فِي السَّفَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ لِضَرُورَةٍ، أَوْ لِغَيْرِهَا (إِنْ كَانَ أَحْفَظَ لَهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحِفْظُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَزِيَادَةٌ، وَشَرْطُهُ إِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَا خَوْفَ، وَفِي " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْمُوجَزِ " وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ، زَادَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَ " الِانْتِصَارِ " كَأَبٍ وَوَصِيٍّ، وَلَهُ مَا أَنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَيَتَوَجَّهُ كَنَظَائِرِهِ، وَقِيلَ: مَعَ غَيْبَةِ رَبِّهَا، أَوْ وَكِيلِهِ إِنْ كَانَ أَحْرَزَ، وَإِنِ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحْفَظَ لَهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ (دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ) لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهَا غَرَرًا؛ لِأَنَّهُ بِعَرْضِيَّةِ النَّهْبِ وَغَيْرِهِ، إِذِ الْحَاكِمُ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَفِي لُزُومِهِ قَبُولُهَا وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَوْدَعَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ إِذَا أَوْدَعَهَا ثِقَةً، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْفَظَ لَهَا وَأَحَبَّ إِلَى مَالِكِهَا، وَكَتَعَذُّرِ حَاكِمٍ فِي الْأَصَحِّ (فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ) أَيْ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ (أَوْدَعَهَا ثِقَةً) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ أَوْدَعَ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِأُمِّ أَيْمَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ الْإِيدَاعَ عِنْدَ غَيْرِهِ لِخَوْفِهِ عَلَيْهَا، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْمُقِيمِ لَا الْمُسَافِرِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ حُكْمُ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا فِي دَفْعِهَا إِلَى حَاكِمٍ أَوْ ثِقَةٍ.
(أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ) لِأَنَّ الْحِفْظَ يَحْصُلُ بِهِ (فَإِنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا) ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ، فَإِنْهُ قَدْ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ فَلَا تَصِلُ إِلَى صَاحِبِهَا، وَرُبَّمَا نَسِيَ مَوْضِعَهَا، أَوْ أَصَابَهَا آفَةٌ، وَكَذَا إِنْ أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَ ثِقَةٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَخَذَهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْمُؤَلِّفُ اكْتِفَاءً بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ (أَوْ أَعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ) أَيْ: مَنْ لَا يَدُلُّهُ عَلَى الْمَكَانِ (ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُودِعْهَا إِيَّاهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاحْتِفَاظِ بِهَا

[تَعَدَّى فِي الْوَدِيعَةِ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا]

(وَإِنْ تَعَدَّى فِيهَا فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيْرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثَّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ

بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ ضَمِنَهَا، وَإِنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا، وَإِنْ أَخَذَ

[المبدع في شرح المقنع]

رَدَّهَا) بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ ضَمِنَهَا لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ لَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا، أَشْبَهَ مَا قَبِلَ التَّعَدِّي، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ضَمِنَهَا بِعُدْوَانٍ، فَبَطَلَ الِاسْتِئْمَانُ، كَمَا لَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا إِذَا اسْتَعْمَلَهَا لِنَفْعِهَا كَلُبْسِ صُوفٍ وَنَحْوِهِ، خَوْفًا مِنْ عَثٍّ وَنَحْوِهِ (أَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا) لِأَنَّهُ بِجَحْدِهَا خَرَجَ عَنِ الِاسْتِئْمَانِ عَنْهَا، فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالْإِقْرَارِ بِهَا؛ لِأَنَّ يَدَهُ صَارَتْ يَدَ عُدْوَانٍ (أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا) أَوْ كَانَتْ مَشْدُودَةً فَأَزَالَ الشَّدَّ، أَوْ مَقْفُولَةً فَأَزَالَهُ، وَسَوَاءٌ أَخَرَجَ مِنْهَا شَيْئًا أَوْ لَا لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ بِفِعْلٍ تَعَدَّى فِيهِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ: لَا يَضْمَنُ، فَإِنْ خَرَقَ الْكِيسَ فَوْقَ الشَّدِّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا خَرَقَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكِ الْحِرْزَ (أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ) كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ، وَدَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ (ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ صَيَّرَهَا فِي حُكْمِ التَّالِفِ وَفَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رَدَّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي لُجَّةِ بَحْرٍ، وَسَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ بِمِثْلِهَا، أَوْ دُونِهَا، أَوْ أَجْوَدَ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ دِرْهَمًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَيْئًا، فَخَلَطَهُ مَعَ دَرَاهِمِهِ، فَضَاعَا، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ فِي " النَّوَادِرِ " وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ، ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْمَنْثُورِ " عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: لِأَنَّهُ خَلَطَهُ بِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ضَاعَ ضَمِنَ، نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِذَا خَلَطَ إِحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيْدٍ بِالْأُخْرَى بِلَا إِذْنٍ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ، فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا نَوَى التَّعَدِّيَ فِيهَا وَلَمْ يَتَعَدَّ لَمْ يَضْمَنْ، وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا: بَلَى، كَمُلْتَقِطٍ فِي وَجْهٍ.
(وَإِنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ) كَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْجَزُ بِذَلِكَ عَنْ رَدِّهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا فِي صُنْدُوقٍ فِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُ لِلتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ خَلَطَ بِيضًا بِسُودٍ، وَصِحَاحًا بِمُكَسَّرَةٍ.
وَالثَّالِثَةُ: يَضْمَنُ إِنْ خَلَطَ بِيضًا بِسُودٍ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّهَا تَكْتَسِبُ مِنْهَا سَوَادًا، وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهَا (أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا) أَوْ لِيَعْلِفَهَا لَمْ

دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ فَضَاعَ الْكُلُّ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ، وَإِنْ رَدَّ بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ ضَمِنَ الْجَمِيعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ غَيْرَهُ.

وَإِنْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ وَدِيعَةً ضَمِنَهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ إِلَى وَلِيِّهِ، وَإِنْ أَوْدَعَ الصَّبِيَّ

[المبدع في شرح المقنع]

يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، وَعُرْفًا، وَلِهَذَا يَضْمَنُ إِذَا تَلِفَتْ بِتَرْكِهِ (وَإِنْ أَخَذَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ فَضَاعَ الْكُلُّ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ تَعَلَّقَ بِالْأَخْذِ فَلَمْ يَضْمَنْ غَيْرَ مَا أَخَذَهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ رَدِّهِ (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ) حَكَاهَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ قَدْ تَعَدَّى فِيهَا فَضَمِنَهَا، كَمَا لَوْ أَخَذَ الْجَمِيعَ (وَإِنْ رَدَّ بَدَلَهَ مُتَمَيِّزًا فَكَذَلِكَ) أَيْ: يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ ضَمِنَ الْجَمِيعَ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي لِخَلْطِهِ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ غَيْرَهُ) وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ ". وَحُكِيَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِتَضْمِينِ الْجَمِيعِ، قَالَ: وَإِنَّهُ قَوْلُ سُوءٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَنُوطٌ بِالتَّعَدِّي، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَأْخُوذِ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ فِي أَخْذِهِ مِنْهَا، فَرَدَّ بَدَلَهُ بِلَا إِذْنِهِ، وَشَرْطُهَا كَمَا جُزِمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَخْتُومَةٍ، وَلَا مَشْدُودَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ ضَمِنَ الْجَمِيعَ لِهَتْكِ الْحِرْزِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقِيَاسُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ.
فَرْعٌ: إِذَا مَنَعَهَا بَعْدَ طَلَبِ طَالِبِهَا شَرْعًا وَالتَّمَكُّنِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا لَهَا ضَمِنَ، فَإِنْ ضَمِنَهَا فَجَدَّدَ لَهُ صَاحِبُهَا اسْتِئْمَانًا، أَوْ أَبْرَأَهُ بَرِئَ فِي الْأَصَحِّ كَرَدِّهِ إِلَيْهِ، أَوْ إِنْ جِئْتَ ثُمَّ تَرَكْتَ، فَأَنْتَ أَمِينِي، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، فَإِنْ رَدَّهَا فَهُوَ ابْتِدَاءُ اسْتِئْمَانٍ.

[أَوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً فَتَلِفَتْ]

(وَإِنْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ وَدِيعَةً ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ شَرْعِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّصَرُّفِ (وَلَمْ يَبْرَأْ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ إِلَى وَلِيِّهِ) أَيِ النَّاظِرِ فِي مَالِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِرَدِّهَا إِلَى الْمُودِعِ، لَكِنْ إِنْ خَافَ عَلَيْهَا التَّلَفَ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَخْلِيصَهَا مِنَ الْهَلَاكِ، جُزِمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ " (وَإِنْ أَوْدَعَ الصَّبِيَّ) أَوِ الْمَعْتُوهَ، أَوِ السَّفِيهَ (وَدِيعَةً فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ مَالِكَهَا قَدْ فَرَّطَ فِي تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ سَوَاءٌ أَتْلَفَهَا بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى إِتْلَافِهَا بِدَفْعِهَا إِلَيْهِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُ) نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ قَبْلَ الْإِيدَاعِ ضُمِنَ بِهِ بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ سَلَّطَهُ

وَدِيعَةً فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُ، وَإِنْ أَوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً؛ فَأَتْلَفَهَا، ضَمِنَهَا فِي رَقَبَتِهِ.

فَصْلٌ وَالْمُودَعُ أَمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإِذْنِ دَفْعِهَا إِلَى

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا اسْتَحْفَظَهُ إِيَّاهَا (وَإِنْ أَوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا فِي رَقَبَتِهِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ اسْتِحْفَاظُهُ، وَبِهِ تَحْصُلُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ، وَكَوْنُهَا فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ إِتْلَافَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَحُكِيَ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: فِيهِ وَجْهَانِ كَوَدِيعَةِ الصَّبِيِّ إِذَا أَتْلَفَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَضْمَنُ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ " وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ.

[فَصْلُ وَالْمُودَعُ أَمِينٌ]

ٌ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ) مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي قَبْضِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهَا، وَعَلَى الْقَبُولِ وَلَوْ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ، أَوْ زَوْجَتِهِ، أَوْ خَازِنِهِ (وَتَلَفٍ) . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إِذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، قَالَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: يُصَدَّقُ فِي تَلَفِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَالْمَذْهَبُ إِنِ ادَّعَاهُ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَحَرِيقٍ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِوُجُودِ السَّبَبِ وَلَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ.
كُلُّ مَالٍ تَلِفَ فِي يَدِ أَمِينٍ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَا ضَمَانَ فِيهِ، إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إِذَا اسْتَسْلَفَ السُّلْطَانُ لِلْمَسَاكِينِ زَكَاةً قَبْلَ حَوْلِهَا فَتَلِفَتَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا لِلْمَسَاكِينِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ الشَّافِعِيُّ.

إِنْسَانٍ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَادَّعَى الرَّدَّ أَوِ التَّلَفَ لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِذْنٍ فِي دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ) بِأَنْ قَالَ: دَفَعْتُهَا إِلَى فُلَانٍ بِأَمْرِكَ، فَأَنْكَرَ مَالِكُهَا الْإِذْنَ فِي دَفْعِهَا قَبْلَ قَوْلِ الْمُودِعِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا، وَلَوِ اعْتَرَفَ بِالْإِذْنِ وَأَنْكَرَ الدَّفْعَ قُبِلَ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ فِي الْمَنْصُوصِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ إِنْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ، وَكَانَ الدَّفْعُ فِي دَيْنٍ بَرِئَ الْكُلُّ، فَإِنْ أَنْكَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الدَّافِعَ يَضْمَنُ لِكَوْنِهِ قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ مُفَرِّطٌ لِكَوْنِهِ أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ يُبَرِّئُهُ مِنَ الْحَقِّ، وَلَمْ يَبْرَأْ بِدَفْعِهِ، فَكَانَ ضَامِنًا سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ أَنَّ الرَّدَّ إِلَى رَسُولٍ مُوَكَّلٍ وَمُودَعٍ، فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ ضَمِنَ لِتَعَلُّقِ الدَّفْعِ بِثَالِثٍ، وَيُحْتَمَلُ: لَا، وَإِنْ أَقَرَّ.
وَقَالَ: قَصَّرْتُ لِتَرْكِ الْإِشْهَادِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخَّرَ رَدَّهَا بَعْدَ طَلَبِهَا بِلَا عُذْرٍ ضَمِنَ، وَيُمْهَلُ لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ وَهَضْمِ طَعَامٍ بِقَدْرِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ أَخَّرَ لِكَوْنِهِ فِي حَمَّامٍ، أَوْ عَلَى طَعَامٍ إِلَى قَضَاءِ غَرَضٍ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ عَلَى وَجْهٍ، وَاخْتَارَهُ الْأَزَجِّيُّ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ فَتَمَكَّنَ وَأَبِي ضَمِنَ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا وَكِيلُهُ.
(وَإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَادَّعَى الرَّدَّ أَوِ التَّلَفَ لَمْ يُقْبَلْ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِالْجُحُودِ، وَمُعْتَرِفًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ الْمُنَافِي لِلْأَمَانَةِ (وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَتُهُ) لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَلِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَالْكَذِبُ الصَّادِرُ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِظْهَارِ الْحَقِّ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِهِمَا، مُتَقَدِّمًا جُحُودُهُ، لَمْ تُسْمَعْ فِي الْمَنْصُوصِ، وَبَعْدَهُ تُسْمَعُ بِرَدٍّ؛ لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الرَّدِّ، وَالْأَصَحُّ وَبِتَلَفٍ، فَلَوْ شَهِدَتْ بِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَقْتًا لَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهُ فَلَا يَنْبَغِي بِأَمْرِ مُتَرَدِّدٍ (وَإِنْ قَالَ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ قُبِلَ قَوْلُهُ) مَعَ يَمِينِهِ (فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُنَافِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَلَا يُكَذِّبُهَا، فَإِنَّ مَنْ تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ مِنْ حِرْزِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ أَوْ رَدَّهَا لَا شَيْءَ لِمَالِكِهَا عِنْدَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَوْ قَالَ: لَكَ وَدِيعَةٌ ثُمَّ ادَّعَى ظَنَّ الْبَقَاءِ ثُمَّ عُلِمَ تَلَفُهَا، فَوَجْهَانِ.

يُقْبَلْ، وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ قَالَ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ فَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا لَمْ يَضْمَنْهَا، وَبَعْدَهَ يَضْمَنُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنِ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ) فَهِيَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ اعْتِمَادًا عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ الرَّدِّ مَا لَمْ يُعْلَمْ مَا يُزِيلُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إِتْلَافِهَا وَالتَّعَذُّرُ فِيهَا، فَيَنْتَفِي الضَّمَانُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ أَنْ يُوجَدَ جِنْسُ الْوَدِيعَةِ فِي مَالِهِ أَوْ لَا (فَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَأْمَنْهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمُودِعِ فَإِنْهُ ائْتَمَنَهُ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى الرَّدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ، فَإِنِ ادَّعَى الرَّدَّ إِلَى رَبِّهَا، فَأَنْكَرَهُ وَرَثَتُهُ، فَوَجْهَانِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، فَلَوْ وُجِدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبًا: وَدِيعَةٌ، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْوِعَاءُ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةٌ قَبْلَ هَذِهِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ فِي بَرْنَامَجِ أَبِيهِ: لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِخَطِّ أَبِيهِ عَلَى كِيسٍ لِفُلَانٍ كَخَطِّهِ بِدَيْنٍ لَهُ، فَيَحْلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَفِي رَدِّهِ عَلْيِهِ وَجْهَانِ، وَإِسْنَادُ الدَّارِ وَالْكَاتِبِ وَدَفْتَرِهِ وَنَحْوِهِمَا، وُكَلَاءُ كَالْأَمِيرِ فِي هَذَا.
غَرِيبَةٌ: لَوْ أَوْدَعَ كِيسًا مَخْتُومًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ وَادَّعَى أَنَّهُ فُضَّ خَتْمُهُ، وَأَنَّهُ خَانَ صُدِّقَ الْمُودِعُ، فَلَوْ فُتِحَ فَوُجِدَ فِيهِ دَرَاهِمُ مِنْ ضَرْبِ خَمْسِ سِنِينَ فَكَذَلِكَ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ فِي " فَتَاوِيهِ ". فَائِدَةٌ: إِذَا اسْتَعْمَلَ كَاتِبًا خَائِنًا، أَوْ عَاجِزًا أَثِمَ بِمَا أَذْهَبَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ لِتَفْرِيطِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ الْوَارِثِ (قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا لَمْ يَضْمَنْهَا) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ (وَبَعْدَهُ يَضْمَنُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ لِتَأَخُّرِ رَدِّهَا مَعَ إِمْكَانِهِ لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ إِيدَاعٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَطَارَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا إِلَى سَطْحٍ آخَرَ، وَأَمْكَنَهُ

ادَّعَى الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ فَأَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلِفُ الْمُودِعُ أَيْضًا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا فَهِيَ لَهُمَا وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

رَدُّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَالثَّانِي لَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي إِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهَا، لِكَوْنِهَا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَفِي ثَالِثٍ إِنْ جَهِلَهَا رَبُّهَا ضَمِنَ، قُطِعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ (وَإِنِ ادَّعَى الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ) أَيِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الَّذِي أَوْدَعَهَا وَلَا بَيِّنَةَ (فَأَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْمُودَعِ وَقَدْ نَقَلَهَا إِلَى الْمُدَّعِي فَصَارَتِ الْيَدُ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْيَدُ لَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ (وَيَحْلِفُ الْمُودِعُ أَيْضًا) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِحَقِّهِ، وَيَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا لِلْأَوَّلِ، فَإِنْهَا تُسَلَّمُ لِلْأَوَّلِ، وَيُغَرَّمُ قِيمَتُهَا لِلثَّانِي، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا فَهِيَ لَهُمَا) أَيْ: بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا، وَتَدَاعَيَا مَعًا (وَيُحْلَفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) فِي نِصْفِهَا، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ عِوَضُهَا، يَقْتَسِمَانِهِ أَيْضًا (فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ) يَمِينًا وَاحِدَةً إِذَا أَكْذَبَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَقِيلَ: لَا يَحْلِفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) وُجُوبًا لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْحَقِّ فِيمَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمَا كَالْعِتْقِ وَالسَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ (فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ (وَأَخَذَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الْقُرْعَةِ، فَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا قَالَ: هِيَ لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ، أَوْ لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا، وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَتُقَرُّ بِيَدِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْوَاضِحِ ". (وَإِنْ أَوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا) يَنْقَسِمُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا يَنْقُصُ بِتَفْرِقَتِهِ (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ مُمْكِنَةٌ بِغَيْرِ غَبْنٍ، وَلَا ضَرَرٍ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " بِمَا إِذَا كَانَ الشَّرِيكُ غَائِبًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ إِذْنِ حَاكِمٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الْمِثْلِيِّ

أَوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ، فَهَلْ لِلْمُودِعِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَهِيَ الْأَرْضُ الدَّاثِرَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا آثَارُ الْمِلْكِ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

صُرِّحَ بِهِ فِي " النِّهَايَةِ " وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ غَيْرِ ذَلِكَ بَيْعٌ، وَلَيْسَ لِلْمُودِعِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْمُودَعِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا الْحَيْفُ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّقْوِيمِ، وَذَلِكَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ.
(وَإِنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ، فَهَلْ لِلْمُودِعِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا وَذَلِكَ مِنْهُ، وَعَبَّرَ فِي " الْفُرُوعِ " بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ وَكِيلًا لِلْمَالِكِ، وَمِثْلُهُ مُرْتَهِنٌ، وَمُسْتَأْجِرٌ، وَمُضَارِبٌ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ مَعَ حُضُورِ الْمَالِكِ لَا يَلْزَمُهُ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عُذْرٌ يُبِيحُ دَفْعَهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا، وَإِنْ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَضْمَنْ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَضَمَّنَهُ أَبُو الْوَفَاءِ إِنَّ فَرَّطَ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ قَهْرًا لَمْ يَضْمَنْ، عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءُ: إِنْ ظُنَّ أَخْذُهَا مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ، كَانَ دَالًّا وَيَضْمَنُ.
1 - أَحْكَامٌ: إِذَا اسْتُودِعَ فِضَّةً وَأُمِرَ بِصَرْفِهَا بِذَهَبٍ فَفَعَلَ وَتَلِفَ الذَّهَبُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ قَالَ: اصْرِفْ مَالِي عَلَيْكَ مِنْ قَرْضٍ، فَفَعَلَ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنَ الْقَرْضِ، وَإِنِ اسْتُودِعَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ أَمْسَكَ وَلَدَهَا، وَقِيلَ: بِإِذْنِ رَبِّهَا وَهُوَ أَمَانَةٌ، فَلَوْ سَأَلَهُ عَنِ الْوَدِيعَةِ ظَالِمٌ وَرَّى عَنْهَا، فَإِنْ ضَاقَ النُّطْقُ عَنْهَا جَحَدَهَا وَتَأَوَّلَ، وَكَذَا إِنْ أُحْلِفَ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَوَى جَحْدَهَا، أَوْ إِمْسَاكَهَا لِنَفْسِهِ، أَوِ التَّعَدِّي فِيهَا لَمْ يَضْمَنْ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ".

[بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

[تَعْرِيفُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ الْمَوَاتُ كَسَحَابٍ، وَالْمَيْتَةُ وَالْمَوَتَانُ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ، الْأَرْضُ الدَّارِسَةُ الْخَرَابُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".

لَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ

وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، مُسْلِمًا كَانَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَرَّفَهَا الْأَزْهَرِيُّ بِأَنَّهَا الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ، وَلَا بِهَا مَاءٌ، وَلَا عِمَارَةٌ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَالْمَوَاتُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَوْتِ، وَهُوَ عَدَمُ الْحَيَاةِ، وَالْمُوتَانِ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، الْمَوْتُ الذَّرِيعُ، وَرَجُلٌ مَوْتَانُ الْقَلْبِ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، يَعْنِي أَعْمَى الْقَلْبِ لَا يَفْهَمُ.
وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» ؛ قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ، وَفِي الزَّرْكَشِيِّ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، وَالْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ، فَمَنْ أَحْيَى مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ.
(وَهِيَ الْأَرْضُ الدَّاثِرَةُ) أَيْ: الدَّارِسَةُ (الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْمَوَاتِ شَرْعًا، وَكَذَا إِنْ مَلَكَهَا مَنْ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَبَادٍ، كَحَرْبِيٍّ، وَآثَارِ الرُّومِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَوَاتَ إِذَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكُ أَحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ، فَإِنْهُ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ مِلْكٌ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ فَلَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (فَإِنْ كَانَ فِيهَا آثَارُ الْمِلْكِ) وَبَادٍ أَهْلُهُ (وَلَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْكَافِي " إِحْدَاهُمَا: يَمْلِكُ بِالْإِحْيَاءِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَمْلِكُ بِهِ، كَاللُّقَطَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُمْلَكُ بِهِ كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ مَالِكُهُ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهَا يَوْمَئِذٍ مَالِكٌ، وَكَانَ مَلَكَهَا مُتَقَدِّمًا مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ، أَوْ مَشْكُوكٌ فِي عِصْمَتِهِ، وَلَمْ يَعْقُبُوا وَرَثَةً، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا

أَوْ كَافِرًا، بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ إِذْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا مَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ لِظَاهِرِ خَبَرِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهَا فَيْءٌ، فَعَلَيْهَا لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ لِمَنْ شَاءَ، وَعَنْهُ: يَمْلِكُ بِهِ، عَمَلًا بِعُمُومِ أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، وَعَنْهُ: يَمْلِكُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَابِقِ الْعِصْمَةِ دُونَ الْمُتَيَقِّنِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى قَدْ وُجِدَ، وَشُكَّ فِي الْمَانِعِ، اخْتَارَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَاسْتَثْنَى فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " مِنْ هَذَا مَا بِهِ آثَارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جَاهِلِيٍّ كَآثَارِ الرُّومِ، وَمَسَاكِنِ ثَمُودَ، وَنَحْوِهِمْ، فَإِنْهُ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ فِي الْأَظْهَرِ لِمَا رَوَى طَاوُسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدُ لَكُمْ» ، رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ ". مَسْأَلَةٌ: نَقَلَ أَبُو الصَّقْرِ فِي أَرْضٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، لَيْسَ فِيهَا مَزَارِعُ، وَلَا عُيُونٌ وَأَنْهَارٌ، وَتَزْعُمُ كُلُّ قَرْيَةٍ أَنَّهَا لَهُمْ، فَإِنْهَا لَيْسَتْ لِهَؤُلَاءِ، وَلَا لِهَؤُلَاءِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُمْ أَحْيَوْهَا، فَمَنْ أَحْيَاهَا فَلَهُ، وَمَعْنَاهُ نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ.

[مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ]

(وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ) أَيْ لِلْمُحْيِي لِلْأَخْبَارِ (مُسْلِمًا كَانَ) اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ لَا، لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِفِعْلِهِ كَالِاصْطِيَادِ (أَوْ كَافِرًا) أَيْ: ذِمِّيًّا فِي الْمَنْصُوصِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِلْعُمُومِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ، وَحَمَلَ أَبُو الْخَطَّابِ قَوْلَهُ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» وَجَوَابُهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ أَنَّهَا لَكُمْ، أَيْ: لِأَهْلِ دَارِكُمْ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَعَلَى الْمَنْصُوصِ إِذَا أَحْيَا مَوَاتًا عَنْوَةً لَزِمَهُ عَنْهُ الْخَرَاجُ، وَإِنْ أَحْيَا غَيْرَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ: عَلَيْهِ عُشْرُ ثَمَرِهِ، وَزَرْعُهُ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ إِذْنِهِ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ مُسْتَدِلًّا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ فَلَا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إِلَى إِذْنٍ كَأَخْذِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَحَكَاهُ فِي " الْوَاضِحِ " رِوَايَةً؛ لِأَنَّ لَهُ مُدْخَلًا فِي النَّظَرِ فِي ذَلِكَ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا) يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ الْبِلَادِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، فُتِحْتَ عُنْوَةً كَأَرْضِ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ

أَرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا، وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ

[المبدع في شرح المقنع]

كَخَيْبَرَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَوَاتُ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، وَعَنْهُ: لَيْسَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ مَوَاتٌ مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا لِجَمَاعَةٍ، فَلَا يُخْتَصُّ بِهَا أَحَدُهُمْ، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْعَامِّ، وَأَنَّ أَحْمَدَ قَالَهُ حِينَ كَانَ السَّوَادُ عَامِرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ (إِلَّا مَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا) أَيْ: لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ بِالْإِحْيَاءِ مَوَاتَ بَلْدَةِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا خَرَاجُهَا؛ لِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَوَاتَ تَابِعٌ لِلْبَلَدِ، وَيُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِهِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهَا مِنْ مُبَاحَاتِ دَارِهِمْ، فَمَلَكَ بِهِ كَالْمُبَاحِ.
(وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ) كَطُرُقِهِ، وَفِنَائِهِ، وَمَسِيلِ مَائِهِ، وَمَرْعَاهُ، وَمُحْتَطَبِهِ، وَحَرِيمِهِ (لَمْ يَمْلِكْ بِالْإِحْيَاءِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْمِلْكِ فَأُعْطِيَ حُكْمُهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ مَنَافِعَ الْمَرَافِقِ لَا يَمْلِكُهَا الْمُحْيِي بِالْإِحْيَاءِ، لَكِنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَقْطَعُهُ إِمَامٌ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ (وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَنَصُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْإِحْيَاءِ لِلْعُمُومِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِمَصَالِحِ الْعَامِرِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَمْلِكُ بِهِ تَنْزِيلًا لِلضَّرَرِ فِي الْمَآلِ مَنْزِلَةَ الضَّرَرِ فِي الْحَالِ، إِذْ هُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ فِي الْمَآلِ، وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ» ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ، وَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةٌ، فَجَازَ إِحْيَاؤُهُ كَالْبَعِيدِ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ إِلَى الْعُرْفِ، وَعَلَيْهَا لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ.
فَائِدَةٌ: إِذَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ، فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ لِلْخَبَرِ، وَلَا تُغَيَّرُ

الظَّاهِرَةُ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ وَالْكُحْلِ وَالْجِصِّ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ، وَإِذَا كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا مُلِكَ

[المبدع في شرح المقنع]

بَعْدَ وَضْعِهَا؛ لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِيمَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا: تَوْبَتُهُ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ.
(وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ) وَهُوَ شَيْءٌ أَسْوَدُ، تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ (وَالنِّفْطُ) بِفَتْحٍ، وَكَسْرِهَا، وَهُوَ أَفْصَحُ (وَالْكُحْلُ وَالْجِصُّ بِالْإِحْيَاءِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ «وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ، فَقَطَعَ لَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ قَالَ رَجُلٌ: أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ، قَالَ: فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَسَأَلَهُ عَمَّا يُحْمَى مِنَ الْأَرَاكِ؟ قَالَ: مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ فَلَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ كَطُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مِنْ مَوَارِدِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَفَيْضِ جُودِهِ الْعَمِيمِ، فَلَوْ مُلِّكَ بِالِاحْتِجَارِ مِلْكٌ مَنَعَهُ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا، فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ، فَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَهِيَ كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ، فَمَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ كَالْأَرْضِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهَا، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ» . فَرْعٌ: مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فِي الْجَزَائِرِ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِيهَا يَرُدُّ الْمَاءَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَيَضُرُّ بِأَهْلِهِ.
(وَإِذَا كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى أَحَدٍ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ، وَإِحْيَاؤُهُ بِعَمَلٍ مِمَّا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ، وَتَمْهِيدِهِ، وَفَتْحِ قَنَاةٍ إِلَيْهِ (وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ) كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ (وَإِذَا مَلَكَ

بِالْإِحْيَاءِ، وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ، وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ، أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ، أَوْ كَلَأٌ، أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُحْيَا) أَيْ: إِذَا مَلَكَ الْأَرْضَ بِالْإِحْيَاءِ (مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَالْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا، وَهَذَا مِنْهَا بِخِلَافِ الْكَنْزِ فَإِنْهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَيُفَارِقُ مَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا قَبْلَ إِحْيَائِهَا؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ عَنِ النَّاسِ نَفْعًا كَانَ وَاصِلًا إِلَيْهِمْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ، وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ أَوْ أَقْطَعَهَا فَظَهَرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إِحْيَائِهَا كَانَ لَهُ إِحْيَاؤُهَا، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِتْمَامِ حَقِّهِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ، أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ، أَوْ كَلَأٌ، أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» ؛ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظِ: «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَلِأَنَّهُ لَوْ سَبَقَ إِلَى الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ أَرْضَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَهُنَا أَوْلَى (وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا لَا يَمْلِكُهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِمِلْكِ الْأَرْضِ كَالْكَنْزِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ أَرْضِهِ، أَشْبَهَ الْمَعَادِنَ الْجَامِدَةَ وَالزَّرْعَ (وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً مُبَاحًا، وَلَمْ يَنْضُرْ بِهَا، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي

لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ أَوْ يُجْرِيَ لَهَا مَاءً، وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً،

[المبدع في شرح المقنع]

اتِّصَالَهُ بِمَرْعًى، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَبْلُ وَالدَّلْوُ؛ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ مَالِهِ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ، لِمَا رَوَى إِيَاسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالدُّخُولِ، أَوْ لَهُ فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ، فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، جُزِمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَعَلَيْهَا يَبِيعُهُ بِكَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، وَيَحْرُمُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ بِالرَّيِّ، أَوْ جُزَافًا، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، قَالَ: وَإِنْ بَاعَ آصُعًا مَعْلُومَةً مِنْ سَائِحٍ، جَازَ كَمَاءِ عَيْنٍ، لَا بَيْعَ كُلِّ الْمَاءِ لِاخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ.

[فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ]

ٍ) مَنِيعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ مَعَهُ إِجْرَاءُ مَاءٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِالتَّحْوِيطِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِلْبِنَاءِ، أَوْ لِلزَّرْعِ، أَوْ حَظِيرَةً لِلدَّوَابِّ (أَوْ يُجْرِي لَهَا مَاءً) مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ أَكَثُرُ مِنَ الْحَائِطِ، وَيَمْلِكُهُ بِغَرْسٍ، أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لِيَزْرَعَ لَا بِحَرْثٍ وَزَرْعٍ.
(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْقَدِيمَةَ، مَنْسُوبَةً إِلَى عَادٍ، وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهِ

مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً فَحَرِيمُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَعِنْدَ الْقَاضِي حَرِيمُهَا قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقِيلَ: قَدْرُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

(مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً) أَيْ: قَدِيمَةً (فَحَرِيمُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبِئْرَ مَعَ الْحَرِيمِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ "، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَالشَّيْخَانِ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَالْبَدِيءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا» ، وَرَوَى الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ فِيهَا مَاءٌ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَاءِ فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ، وَقَوْلُهُ: حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً، مَحْمُولٌ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي انْطَمَّتْ، وَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَجَدَّدَ حَفْرَهَا وَعِمَارَتَهَا، أَوِ انْقَطَعَ مَاؤُهَا، فَاسْتَخْرَجَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ إِحْيَاءً لَهَا، فَأَمَّا الْبِئْرُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَارُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ لِلسَّابِلَةِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِي شُرْبٍ وَسَقْيٍ، وَيُقَدَّمُ آدَمِيٌّ ثُمَّ حَيَوَانٌ، وَإِنْ حَفَرَهَا فِيهِ لِارْتِفَاقِهِ كَعَادَةِ مَنِ انْتَجَعَ أَرْضًا فَهُوَ أَحَقُّ مَا أَقَامَ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَلْزَمُهُ بَذْلُ فَاضِلِهِ لِشَارِبِهِ فَقَطْ، وَإِنْ رَحَلَ فَسَابِلَةٌ، فَإِنْ عَادَ فَفِي اخْتِصَاصِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ حَفَرَهَا تَمَلُّكًا، أَوْ يَمْلِكُهُ الْحَيُّ مَلَكَهَا، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لَوِ احْتَاجَتْ طَيًّا فَبَعَّدَهُ، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْبُلْغَةِ "، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الشُّرْبَ مِنَ الْآبَارِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ كُرِهَ حَفْرُهَا (وَعِنْدَ الْقَاضِي) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ (حَرِيمُهَا قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَرِيمُ الْبِئْرِ مَدُّ رِشَائِهَا» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَقُدِّرَ بِمَدِّ الرِّشَاءِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِهِ (وَقِيلَ: قَدْرُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا) وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْقَاضِي، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ " فَإِنْ كَانَ بِدُولَابٍ فَقَدْرُ مَدَارِ الثَّوْرِ، وَإِنْ كَانَ بِسَانِيَةٍ فَبِقَدْرِ طُولِ الْبِئْرِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَقِي مِنْهَا بِيَدِهِ فَبِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْوَاقِفُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْحَاجَةِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: التَّحْدِيدُ الْوَارِدُ فِي الْخَبَرِ وَكَلَامِ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ

تَرْقِيَةِ مَائِهَا، وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ مَا عَدَا إِحْيَاءً وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ كَالسَّقْيِ، وَالْحَرْثِ، فَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى الْمَجَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَإِنْهُ قَدْ يُحْتَاجُ إِلَى حَرِيمِهَا لِغَيْرِ تَرْقِيَةِ الْمَاءِ لِمَوْقِفِ الْمَاشِيَةِ وَعَطَنِ الْإِبِلِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لَهُ أَبْعَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْحَاجَةِ، أَوْ قَدْرُ الْأَذْرُعِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ فِي التَّقْدِيرِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، فَأَمَّا حَرِيمُ الْعَيْنِ الْمُسْتَخْرَجَةِ فَهُوَ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْكَافِي " وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ قَدْرُ الْحَاجَةِ، وَحَرِيمُ النَّهْرِ: مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ، وَطَرِيقِ شَاوِيهِ، وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَ (وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ مَا عُدَّ إِحْيَاءً) وَحَكَاهُ الْقَاضِي رِوَايَةً؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَطْلَقَ الْإِحْيَاءَ وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ (وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ) هَذَا بَيَانٌ لِمَا يُعَدُّ إِحْيَاءً فِي الْعُرْفِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُحْيَى دَارًا لِلسُّكْنَى، وَحَظِيرَةً، وَمَزْرَعَةً، فَإِحْيَاءُ كُلٍّ مِنْهَا بِمَا يُنَاسِبُهُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلسُّكْنَى، فَإِحْيَاؤُهَا بِبِنَاءِ حِيطَانِهَا، وَتَسْقِيفِ بَعْضِهَا بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَعَنْهُ: وَقَسْمُ بُيُوتِهِ، وَعُلُوُّ أَبْوَابِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لَا يُعْتَبَرُ نَصْبُ أَبْوَابٍ عَلَى الْبُيُوتِ، وَإِنْ كَانَتْ حَظِيرَةً فَبِنَاءُ حَائِطٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلزَّرْعِ فَبِأَنْ يَسُوقَ إِلَيْهَا مَاءً إِنْ كَانَتْ تُسْقَى، وَيَقْلَعَ مَا بِهَا مِنَ الْأَحْجَارِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى ذَلِكَ، وَيَقْلَعَ مَا بِهَا مِنَ الْأَشْجَارِ كَأَرْضِ الشِّعْرَى، وَيُزِيلَ عُرُوقَهَا الْمَانِعَةَ مِنَ الزَّرْعِ، أَوْ يَحْبِسَ الْمَاءَ عَنْهَا كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَزْرَعَهَا، وَيَسْقِيَهَا، وَلَا أَنْ يَحْرُثَهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، فَقَالَ: أَنْ يُحَوِّطَهَا بِحَائِطٍ أَوْ يُعَمِّرَهَا الْعِمَارَةَ الْعُرْفِيَّةَ (وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ كَالسَّقْيِ، وَالْحَرْثِ، فَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ إِحْيَاءٌ) لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ كَثِيرَةَ الدَّغَلِ وَالْحَشِيشِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا إِلَّا بِتَكْرَارِ حَرْثِهَا، وَتَنْقِيَةِ دَغْلِهَا وَحَشِيشِهَا الْمَانِعِ مِنْ زَرْعِهَا كَانَ إِحْيَاءً.
تَنْبِيهٌ: حَرِيمُ شَجَرٍ قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا، فَإِنْ غَرَسَهَا فِي مَوَاتٍ فَهِيَ لَهُ وَحَرِيمُهَا، وَإِنْ سَبَقَ إِلَى شَجَرٍ مُبَاحٍ كَزَيْتُونٍ وَخَرُّوبٍ، فَسَقَاهُ وَأَصْلَحَهُ فَهُوَ لَهُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ،

يَتَكَرَّرُ فَهُوَ إِحْيَاءٌ

وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَوَارِثُهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ يَنْقُلُهُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ بِيعُهُ، وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ إِحْيَاؤُهُ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ، فَإِنْ طَلَبَ الْإِمْهَالَ أُمْهِلَ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَإِنْ رَكِبَهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ، وَحَرِيمُهُ وَحَرِيمُ دَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ، وَكُنَاسَةٍ، وَثَلْجٍ، وَمَاءِ مِيزَابٍ، وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكٍ، وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ الْعَادَةِ.

[تَحَجَّرَ مَوَاتًا]

(وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا) تَحَجُّرُ الْمَوَاتِ: الشُّرُوعُ فِي إِحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتِمَّهُ، مِثْلَ أَنْ يُحِيطَ حَوْلَ الْأَرْضِ تُرَابًا أَوْ بِجِدَارٍ صَغِيرٍ، أَوْ يَحْفُرَ بِئْرًا وَلَمْ يَصِلْ مَاؤُهَا.
نَقَلَهُ حَرْبٌ، (لَمْ يَمْلِكْهُ) لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِحْيَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) مِنْ سَائِرِ النَّاسِ لِقَوْلِهِ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (وَوَارِثُهُ بَعْدَهُ) لِقَوْلِهِ: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» (وَمَنْ يَنْقُلُهُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِذَا نَقَلَهُ إِلَى غَيْرِهِ بِالْهِبَةِ صَارَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ (وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ، وَكَمَنَ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ قَبْلَ أَخْذِهِ (وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ) أَيْ: بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ إِحْيَاؤُهُ قِيلَ لَهُ) أَيْ: يَقُولُ لَهُ السُّلْطَانُ وَنَحْوُهُ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ (إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ) لِيُحْيِيَهُ غَيْرُكَ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ (فَإِنْ طَلَبَ الْإِمْهَالَ أُمْهِلَ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْكَافِي "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " عَلَى الشَّهْرَيْنِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " يُمْهَلُ مُدَّةً قَرِيبَةً بِسُؤَالِهِ (فَإِنْ) بَادَرَ وَ (أَحْيَاهُ غَيْرُهُ) قَبْلَ فَرَاغِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ (فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَفْهُومِ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ

فَصْلٌ وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ بَلْ يَصِيرُ

[المبدع في شرح المقنع]

مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» أَنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ إِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ فِيهَا حَقٌّ، وَلِأَنَّهُ إِحْيَاءٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَمَا لَوْ أَحْيَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى، كَحَقِّ الشَّفِيعِ يُقَدَّمُ عَلَى شِرَاءِ الْمُشْتَرِي، وَالثَّانِي: يَمْلِكُهُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يُمْلَكُ بِهِ فَقُدِّمَ عَلَى الْمُتَحَجِّرِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي نُزُولِ مُسْتَحِقٍّ عَنْ وَظِيفَةٍ لِزَيْدٍ، هَلْ يَتَقَرَّرُ فِيهَا غَيْرُهُ؟ قَالَ شَيْخُنَا فِيمَنْ نَزَلَ عَنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامَةِ: لَا يَتَعَيَّنُ الْمَنْزُولُ لَهُ، وَيُوَلِّيِ مِنْ لَهُ الْوِلَايَةُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ شَرْعًا، اعْتَرَضَهُ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ نُزُولُهُ بِعِوَضٍ أَوْ لَا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ رَغْبَةٌ مُطْلَقَةٌ عَنْ وَظِيفَتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَكَلَامُ الشَّيْخِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَنْزُولَ لَهُ لَيْسَ أَهْلًا، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ النُّزُولَ يُفِيدُ الشُّغُورَ، وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ بِنُزُولِهِ إِذِ السَّاقِطُ لَا يَعُودُ، وَقَوْلُهُ: قَضِيَّةٌ فِي عَيْنِ الْأَصْلِ عَدَمُهُ، وَمِمَّا يُشْبِهُ النُّزُولَ عَنِ الْوَظَائِفِ النُّزُولُ عَنِ الْإِقْطَاعِ، فَإِنْهُ نُزُولٌ عَنِ اسْتِحْقَاقٍ يَخْتَصُّ بِهِ لِتَخْصِيصِ الْإِمَامِ لَهُ اسْتِغْلَالَهُ، أَشْبَهَ مُسْتَحِقِّ الْوَظِيفَةِ، وَمُتَحَجِّرِ الْمَوَاتِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِجَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْخُلْعِ، فَإِنْهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ مَعَ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمْلِكِ الْبُضْعَ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُتَحَجِّرَ.

[لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيَهُ]

فَصْلٌ (وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ» ، «وَأَقْطَعَ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَرْضًا» ، «وَأَقْطَعَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ» ، وَجَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطِعَ مِقْدَارَ مَا عَيَّنَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إِحْيَائِهِ اسْتَرْجَعَهُ كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالٍ مَا عَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهِ بِالْعَقِيقِ الَّذِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ) لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ بِهِ لَمَا جَازَ اسْتِرْجَاعُهُ (بَلْ يَصِيرُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ) لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ بِالْإِقْطَاعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُسَمَّى تَمَلُّكًا لِمَآلِهِ إِلَيْهِ، وَكَذَا لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ.
نَقَلَ حَرْبٌ: الْقَطَائِعُ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِقَطَائِعِ الْأُمَرَاءِ، فَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا، وَنَقَلَ

كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ، وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهَا فَلِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا الْجُلُوسُ فِيهَا، وَيَكُونُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا، فَإِنْ أَطَالَ الْجُلُوسَ فِيهَا فَهَلْ يُزَالُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

يَعْقُوبُ: قَطَائِعُ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ مِنَ الْمَكْرُوهَةِ، كَانَتْ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَأَخَذَهَا هَؤُلَاءِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ: مَا أَدْرِي مَا هَذِهِ الْقَطَائِعُ يُخْرِجُونَهَا مِمَّنْ شَاءُوا إِلَى مَنْ شَاءُوا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا مَنْ أُقْطِعَهَا، فَكَيْفَ يَخْرُجُ عَنْهُ، وَلِهَذَا عَوَّضَ عُمَرُ جَرِيرًا الْبَجْلِيَّ لَمَّا رَجَعَ فِيمَا أَقْطَعَهُ (وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ) لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (فِي الطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ) إِنْ قِيلَ إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ إِذَا كَانَتْ وَاسِعَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبَاحُ الْجُلُوسُ فِيهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ، فَجَازَ إِقْطَاعُهُ كَالْأَرْضِ الدَّارِسَةِ، وَتُسَمَّى إِقْطَاعَ إِرْفَاقٍ (مَا لَمْ يُضَيَّقْ عَلَى النَّاسِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، فَضْلًا عَمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ.
(وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ) لِمَا ذُكِرَ فِي إِقْطَاعِ الْأَرْضِ (وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا) بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّابِقَ إِذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ عَنْهَا فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهَا، وَهَذَا قَدِ اسْتَحَقَّ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ، فَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَشَرْطُهُ مَا لَمْ يَعُدْ فِيهِ، وَيَحْرُمُ مَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَلَوْ بِعِوَضٍ، وَحُكْمُهُ فِي التَّظْلِيلِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَيْسَ بِبِنَاءٍ، وَمَنْعِهِ مِنَ الْمُقَامِ إِذَا أَطَالَ مُقَامُهُ، حُكْمُ السَّابِقِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهَا فَلِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا الْجُلُوسُ فِيهَا) عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى وَجْهٍ لَهَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ عَلَى إِقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمُبَاحٍ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالِاحْتِيَازِ (وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا) لِسَبْقِهِ إِلَى مُبَاحٍ كَمَارٍّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إِزَالَتُهُ، وَأَنَّهُ إِذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ فَارَقَ لِيَعُودَ قَرِيبًا فَعَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَعَنْهُ: يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إِلَى اللَّيْلِ، وَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى إِذْنٍ، فِيهِ وَجْهَانِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضِيقِهِ، أَوْ كَوْنِهِ يُؤْذِي الْمَارَّةَ (فَإِنْ أَطَالَ الْجُلُوسَ فِيهَا) مِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ

وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا، وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَعْدِنٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ، وَهَلْ يُمْنَعُ إِذَا طَالَ مُقَامُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ كَصَيْدٍ، وَعَنْبَرٍ، وَحَطَبٍ، وَثَمَرٍ، وَمَا يَنْبِذِهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ

[المبدع في شرح المقنع]

(فَهَلْ يُزَالُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُزَالُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالتَّمَلُّكِ، وَيُخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، وَالثَّانِي: لَا يُزَالُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الِاسْتِدَامَةِ كَالِابْتِدَاءِ (وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ) فَأَكْثَرُ، وَضَاقَ الْمَكَانُ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي السَّبْقِ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ (وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ.
(وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَعْدِنٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ) لِلْخَبَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَعْدِنُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا إِذَا كَانَ فِي مَوَاتٍ (وَهَلْ يُمْنَعُ إِذَا طَالَ مُقَامُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا، وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لَا يُمْنَعُ لِلْخَبَرِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ، وَفِي " الشَّرْحِ " إِنْ أَخَذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَأَرَادَ الْإِقَامَةَ لِيَمْنَعَ غَيْرَهُ، مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ أَخَذَهُ لِتِجَارَةٍ هَايَأَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَخَذَهُ لِحَاجَةٍ، فَأَوْجُهُ الْقُرْعَةِ وَالْمُهَايَأَةِ، وَتَقْدِيمِ مَنْ يَرَى الْإِمَامُ، وَيَنْصِبُ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَيُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَخْذِهِمْ جُمْلَةً أَقْرَعَ (وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ كَصَيْدٍ، وَعَنْبَرٍ، وَحَطَبٍ، وَثَمَرٍ، وَمَا يَنْبُذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ) كَالَّذِي يُنْثَرُ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ، وَمَا يَنْبُعُ مِنَ الْمِيَاهِ فِي الْمَوَاتِ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» ، مَعَ قَوْلِهِ لَمَّا رَأَىَ ثَمَرَةً سَاقِطَةً: " «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لِأَكَلْتُهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَيَمْلِكُهُ الْآخِذُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا (وَإِنْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثْنَانِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا) جَزَمَ بِهِ الْآدَمِيُّ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " الْبَغْدَادِيَّانِ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي السَّبَبِ، وَالْقِسْمَةُ مُمْكِنَةٌ، وَحِذَارًا مِنْ تَأْخِيرِ الْحَقِّ، وَهَذَا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَخْذِهِمْ جُمْلَةً، وَالْأَشْهَرُ الْقُرْعَةُ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ بِالِاجْتِهَادِ وَظُهُورِ الْأَحَقِّيَّةِ كَأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.

بِهِ، وَإِنْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثْنَانِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ، فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ ثُمَّ يُرْسِلَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: الْأَسْبَابُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّمْلِيكِ: الْإِحْيَاءُ، وَالْمِيرَاثُ، وَالْمُعَاوَضَاتُ، وَالْهِبَاتُ، وَالْوَصَايَا، وَالْوَقْفُ، وَالصَّدَقَاتُ، وَالْغَنِيمَةُ، وَالِاصْطِيَادُ، وَوُقُوعُ الثَّلْجِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَعَدَّهُ، وَانْقِلَابُ الْخَمْرِ، وَالْبَيْضَةُ الْمُذِرَّةُ فَرْخًا.
(وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْرًا جَارِيًا أَوْ وَاقِفًا، وَالْجَارِي قِسْمَانِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ نَهْرًا عَظِيمًا كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ الَّذِي لَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ بِالسَّقْيِ مِنْهُ، فَهَذَا لَا تَزَاحُمَ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهِ، وَيَتَشَاحُّونَ فِي مَائِهِ كَنَهْرِ الشَّامِ، أَوْ مَسِيلٍ يَتَشَاحُّ فِيهِ أَهْلُ الْأَرَضِينَ الشَّارِبَةِ مِنْهُ، فَيُبْدَأُ بِمَنْ فِي أَوَّلِ النَّهْرِ فَيَسْقِي وَيَحْبِسُ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَى الثَّانِي فَيَفْعَلُ كَذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ الْأَرَاضِي كُلُّهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ، أَوْ عَنِ الثَّانِي، أَوْ عَنْ مَنْ يَلِيهِمَا فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِينَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا مَا فَضُلَ، فَهُمْ كَالْعَصَبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ «أَنَّ رَجُلًا خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا، إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسَلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهُ إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] » الْآيَةَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: نَظَرْنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» ، فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَشِرَاجُ الْحَرَّةِ: مَسَايِلُ الْمَاءِ، جَمْعُ شَرْجٍ، وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، وَالْحَرَّةُ أَرْضٌ مُلْتَبِسَةٌ بِحِجَارَةٍ سُودٍ، وَلِأَنَّ السَّابِقَ فِي أَوَّلِ النَّهْرِ كَالسَّابِقِ إِلَى أَوَّلِ الْمُشْرَعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُهُ مُسْتَقِلَّةً سَدَّهَا حَتَّى يَصْعَدَ إِلَى الثَّانِي، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ الْأَعْلَى مُخْتَلِفَةً، مِنْهَا عَالِيَةٌ، وَمِنْهَا مُسْتَفِلَةٌ، سَقَى كُلَّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِدَتِهَا، فَإِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ اقْتَسَمَا الْمَاءَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ إِنْ أَمْكَنَ

إِلَى مَنْ يَلِيهِ، فَإِنْ أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ، جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَإِلَّا أَقْرَعَ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَفْضُلُ عَنْ أَحَدِهِمَا سَقَى مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ (فَإِنْ أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ) أَيْ: إِذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ لِيُحْيِيَ مَوَاتًا أَقْرَبَ مِنْ رَأَسِ النَّهْرِ مِنْ أَرْضِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْبَقُ إِلَى النَّهْرِ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مَنْعَهُ مِنَ الْإِحْيَاءِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ سَبَقَ إِلَى مَسِيلِ مَاءٍ، أَوْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، فَأَحْيَا فِي أَسْفَلِهِ مَوَاتًا ثُمَّ آخَرُ فَوْقَهُ ثُمَّ ثَالِثٌ، سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ تَقَدُّمُ السَّبْقِ إِلَى الْإِحْيَاءِ لَا إِلَى أَوَّلِ النَّهْرِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْجَارِي فِي نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُبَاحَ الْأَصْلِ، مِثْلَ أَنْ يَحْفُرَ إِنْسَانٌ نَهْرًا يَتَّصِلُ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ مُبَاحٍ، فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ لَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ، فَإِذَا اتَّصَلَ الْحَفْرُ مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ فِيهِ، إِذِ الْإِحْيَاءُ يَحْصُلُ بِتَهْيِئَتِهِ لِلِانْتِفَاعِ دُونَ حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ، فَيَصِيرُ مَالِكًا لِقَرَارِهِ، وَحَافَّتَيْهِ، وَحَرِيمِهِ، وَهُوَ مُلْقَى الطِّينِ مِنْ جَوَانِبِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُفَّهُمْ، وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ جَازَ، وَإِلَّا قَسَّمَهُ حَاكِمٌ عِنْدَ التَّشَاحِّ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ، فَإِنِ احْتَاجَ الْمُشْتَرِكَ إِلَى كَرِيٍّ أَوْ عِمَارَةٍ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى إِلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ اشْتَرَكَ الْكُلُّ، إِلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَهُ كَذَلِكَ كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ، فَإِذَا حَصَلَ نَصِيبُ إِنْسَانٍ فِي سَاقِيَتِهِ سَقَى بِهِ مَا شَاءَ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ سَقْيُ أَرْضٍ، لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي سَاقِيَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ إِجْرَاءِ مَاءٍ، أَوْ رَحًى، أَوْ دُولَابٍ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِكِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ النَّهْرِ قَبْلَ قَسْمِهِ شَيْئًا يَسْقِي بِهِ

الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ

وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَمَا

[المبدع في شرح المقنع]

أَرْضًا فِي أَوَّلِ النَّهْرِ أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مِنْهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَصَرُّفٍ فِي أَوَّلِ حَافَّةِ النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ فَاضَ مَاءُ هَذَا النَّهْرِ إِلَى أَرْضِ إِنْسَانٍ فَهُوَ مُبَاحٌ كَالطَّائِرِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَنْبَعُ الْمَاءِ مَمْلُوكًا بِأَنْ يَشْتَرِكَ جَمْعٌ فِي اسْتِنْبَاطِ عَيْنٍ وَإِجْرَائِهَا، فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا، وَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَفِي سَاقِيَتِهَا عَلَى حَسَبِ النَّفَقَةِ وَالْعَمَلِ فِيهَا.

[لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ]

(وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ، أَيْ يَمْنَعُ (أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا) كَخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَضَوَالِّ النَّاسِ لِمَا رَوَى عُمَرُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، النَّقِيعُ بِالنُّونِ مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ، فَيَكْثُرُ فِيهِ الْخِصْبَ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَامَ نَحْمِيهَا؟ قَالَ: فَأَطْرَقَ عُمَرُ وَجَعَلَ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَعْرَابِيُّ مَا بِهِ جَعَلَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ.
قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ كُلَّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنَ الظَّهْرِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً، فَجَازَ لِلْإِمَامِ فِعْلُهَا كَسَائِرِ الْمَصَالِحِ (مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ) لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَحْمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ إِذَا انْتَجَعَ بَلَدًا، أَقَامَ كَلْبًا عَلَى نَشَزٍ ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ، وَوَقَّفَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ بِالْعُوَاءِ، فَحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِنَفْسِهِ، وَيَرْعَى مَعَ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ، فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ عَلَى النَّاسِ، وَمَنْعِهِمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ (وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ الْإِمَامِ، فَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ كَانَ يَحْمِي لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَحْمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا إِلَّا قَدْرًا لَا يُضَيَّقُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضُرُّهُمْ.
(وَمَا حَمَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ) أَيْ: مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ

حَمَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ، وَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

بَابُ الْجَعَالَةِ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي، أَوْ لُقَطَتِي، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ فَلَهُ كَذَا،

[المبدع في شرح المقنع]

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصٌّ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِالِاجْتِهَادِ، فَعَلَيْهِ مَنْ أَحْيَا مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَمْلِكْهُ (وَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا لِإِمَامٍ غَيْرِهِ نَقْضُهُ كَهُوَ؛ لِأَنَّ حِمَى الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ، وَمِلْكُ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ نَصٌّ، وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ.
    وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ كَمَا لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ أَحْيَاهُ إِنْسَانٌ هَلْ يَمْلِكُهُ.
    مَسْأَلَةٌ: قَالَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " إِذَا كَانَ الْحِمَى لِكَافَّةِ النَّاسِ تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ، فَإِنْ خُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ، وَمُنِعَ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَإِنْ خُصَّ بِهِ الْفُقَرَاءُ مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْفُقَرَاءِ وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَلَوِ اتَّسَعَ الْحِمَى الْمَخْصُوصُ لِعُمُومِ النَّاسِ جَازَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهِ لِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ عَلَى مَنْ يُخَصُّ بِهِ، وَلَوْ ضَاقَ الْحِمَى الْعَامُّ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْتَصَّ بِهِ أَغْنِيَاؤُهُمْ، وَفِي فُقَرَائِهِمْ قَوْلٌ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوَابِّ عِوَضًا مِنْ مَرْعَى مَوَاتٍ أَوْ حِمًى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَرَّكَ النَّاسَ فِيهِ.
    تَذْنِيبٌ: مَنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ جَامِعٍ لِفَتْوَى، أَوْ لِإِقْرَاءِ النَّاسِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِيهِ، أَوْ غَابَ لِعُذْرٍ وَعَادَ قَرِيبًا، وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلَاةٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِيهَا، وَإِنْ غَابَ لِعُذْرٍ وَعَادَ قَرِيبًا، فَوَجْهَانِ، وَمَنْ سَبَقَ إِلَى رِبَاطٍ، أَوْ نَزَلَ فَقِيهٌ بِمَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ بِخَانِقَاهْ، رُجِّحَ بِهِ فِي الْأَقْيَسِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ لِحَاجَةٍ.

[بَابُ الْجَعَالَةِ]

هِيَ بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ مَالِكٍ، يُقَالُ: جَعَلْتُ لَهُ جُعْلًا: أَوْجَبْتُ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْجُعْلُ وَالْجَعَالَةُ وَالْجَعِيلَةُ: مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْرٍ يَفْعَلُهُ،

فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ اسْتَحَقَّهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ فَهُوَ بَيْنَهُمْ، وَمَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَصْلُهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ كَالْوَسْقِ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، وَحَدِيثُ اللَّدِيغِ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ، وَالْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ فَاقْتَضَتْ جَوَازَ ذَلِكَ.
(وَهِيَ أَنْ يَقُولَ) الْمُطْلَقُ التَّصَرُّفِ (مَنْ رَدَّ عَبْدِي، أَوْ لُقَطَتِي، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ) وَكَذَا سَائِرُ مَا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ (فَلَهُ كَذَا) وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ دِينَارٍ أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَإِلَّا فَلَهُ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَتَكُونُ عَقْدًا جَائِزًا، لِكُلٍّ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي يَدِهِ، فَلَوْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ فِي يَدِهِ، فَجَعَلَ لَهُ مَالِكُهَا جُعْلًا لِيَرُدَّهَا، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ (فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ اسْتَحَقَّهُ) لِأَنَّ الْعَقْدَ اسْتَقَرَّ بِتَمَامِ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ الْجُعْلَ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَفِي أَثْنَائِهِ يَسْتَحِقُّ حِصَّةَ تَمَامِهِ (وَإِنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ فَهُوَ بَيْنَهُمْ) بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ، فَاشْتَرَكُوا فِيهِ كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ دُخُولًا كَامِلًا، وَهُنَا لَمْ يَرُدَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَامِلًا، وَمِثْلُهُ مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَنَقَبَ ثَلَاثَةٌ نَقْبًا وَاحِدًا، فَلَوْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهِ دِينَارًا، وَلِآخَرَ دِينَارَيْنِ، وَالثَّالِثِ ثَلَاثَةً، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلْثُ مَا جُعِلَ لَهُ فِي رَدِّهِ، فَلَوْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ دِينَارًا، وَلِآخَرِينَ عِوَضًا مَجْهُولًا فَرَدُّوهُ، فَلِصَاحِبِ الدِّينَارِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِينَ أُجْرَةُ عَمَلِهِمَا، فَإِنْ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا فِي رَدِّهِ فَرَدَّهُ هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا: رَدَدْنَاهُ مُعَاوَنَةً لَهُ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْجُعْلِ، وَإِنْ قَالَا: رَدَدْنَاهُ لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَلَهُ ثُلْثُ الْجُعْلِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ مَوْضِعِ كَذَا، فَرَدَّهُ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ، أَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ، فَرَدَّ أَحَدَهُمَا، فَنَصِفُهُ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ أَبْعَدَ فَلَهُ الْمُسَمَّى، ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمَوْضِعِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " كَهُرُوبِهِ مِنْهُ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ أَوْ مَوْتِهِ.
(وَمَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْلِ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ) لِأَنَّ فِعْلَهُ وَقَعَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلِأَنَّهُ بَدَّلَ مَنَافِعَهُ جُعِلَ لَهُ، فَيَكُونُ عَامِلًا فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ،

ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، سَوَاءٌ أَرَدَّهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَصِحُّ عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ وَعَمَلٍ مَجْهُولٍ إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا، وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا،

[المبدع في شرح المقنع]

وَفَارَقَ الْمُلْتَقَطَ بَعْدَ بُلُوغِ الْجُعْلِ، فَإِنَّمَا بَدَّلَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ جُعِلَ لَهُ، فَاسْتَحَقَّهُ كَالْأَجِيرِ إِذَا عَمِلَ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْجُعْلِ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (سَوَاءٌ أَرَدَّهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْلِ أَوْ بَعْدَهُ) لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْجُعْلَ بَدَلٌ عَنِ الْفِعْلِ وَالرَّدِّ، فَإِنْ قَالَ غَيْرُ صَاحِبِ الضَّالَّةِ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ دِينَارٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى مَالِكِهَا فَلَا (وَتَصِحُّ عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ وَعَمَلٍ مَجْهُولٍ) لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ وَالْمُدَّةُ مَجْهُولَيْنِ كَالشَّرِكَةِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ (إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَازِمًا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، وَكَالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا تَعْلِيقًا مَحْضًا، فَلَوْ قَالَ: أَنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الْمِائَةِ صَحَّ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْإِسْقَاطِ أَقْوَى، وَفِي " الْمُغْنِي " تَخْرِيجٌ بِجَوَازِ جَهَالَةِ الْجُعْلِ، إِنْ لَمْ يَمْنَعِ التَّسْلِيمَ لِقَوْلِهِ: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا بِخِلَافٍ، فَلَهُ شَيْءٌ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرَةِ أَرْؤُسٍ فَلَهُ رَأْسٌ.
فَعَلَيْهِ لَوْ كَانَتِ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ، لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أَجْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ كَالْإِجَارَةِ وَقَدْ تَضَمَّنُ كَلَامُهُ أُمُورًا: مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، وَالْمُدَّةِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ قَدَّرَ الْمُدَّةَ بِأَنْ قَالَ: إِنْ وَجَدْتَهَا فِي شَهْرٍ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا إِذَا جَازَتْ مَجْهُولَةً، فَمَعَ التَّقْدِيرِ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْعَامِلِ لِلْحَاجَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَمَلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَالْوِكَالَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ كُلَّمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ، وَكُلُّ مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَخْذُهُ فِي الْجَعَالَةِ.
(وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ) مِنَ الطَّرَفَيْنِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ كَالْمُضَارَبَةِ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَمَتَى فَسَخَهَا الْعَامِلُ) قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ (لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ (وَإِنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَعَلَيْهِ

فَمَتَى فَسَخَهَا الْعَامِلُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْجُعْلِ أَوْ قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَاعِلِ، وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِغَيْرِ جُعْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ، إِلَّا فِي رَدِّ الْآبِقِ، فَإِنَّ لَهُ بِالشَّرْعِ دِينَارًا أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَعَنْهُ: إِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا أَنْفَقَ

[المبدع في شرح المقنع]

لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ) أَيْ: أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، وَلَوْ قِيلَ: تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ لَمْ يَبْعُدْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا فَسَخَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْعَمَلِ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، فَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فِي الْجُعْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ فَجَازَ فِيهِ ذَلِكَ، كَالْمُضَارَبَةِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْجُعْلَ، أَوْ قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَاعِلِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَسَافَةِ، وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ وَالْمَسَافَةِ كَالْأَجِيرِ، فَإِذَا تَحَالَفَا فُسِخَ الْعَقْدُ وَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ يَجِبُ الْمُسَمَّى فِي صَحِيحِهِ، فَوَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي فَاسِدِهِ كَالْإِجَارَةِ، وَقِيلَ فِي آبِقٍ: الْمُقَدَّرُ شَرْعًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بِلَا شَرْطٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِغَيْرِ جُعْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِأَخْذِ الْأُجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لَهَا وَأُذِنَ لَهُ؛ فَلَهُ الْأُجْرَةُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَلَّصَ مَتَاعًا لِغَيْرِهِ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ (إِلَّا فِي رَدِّ الْآبِقِ) فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِلَا شَرْطٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِئَلَّا يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَشْتَغِلَ بِالْفَسَادِ (فَإِنَّ لَهُ بِالشَّرْعِ) أَيْ: بِشَرْعِ الشَّارِعِ، لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ (دِينَارًا أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ إِذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ دِينَارًا» ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الشَّارِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِرَدِّهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْمِصْرِ أَوْ خَارِجِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّادُّ إِمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: لَا يَسْتَحِقُّهُ إِمَامٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ

عَلَيْهِ فِي قُوتِهِ، وَإِنْ هَرَبَ مِنْهُ فِي طَرِيقِهِ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ فِي تَرِكَتِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فِيهِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي رَدِّهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِظَاهِرِ الْخِرَقِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مُرْسَلٌ وَفِيهِ مَقَالٌ، وَكَمَا لَوْ رَدَّ جَمَلَهُ الشَّارِدَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ (وَعَنْهُ: إِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أُعْطِيتُ الْجُعْلَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَعَنْهُ: إِنْ رَدَّهُ مِنَ الْمِصْرِ فَعَشَرَةٌ.
قَالَ الْخَلَّالُ: اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ، وَجُزِمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ دِينَارٌ، أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي " الْخِصَالِ " لِابْنِ الْبَنَّا، وَكِتَابِ " الرِّوَايَتَيْنِ " أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مُطْلَقًا، وَبَالَغَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ عَمَّرَ قَنَاةً دُونَ قَوْمٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ "، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْآبَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ، فَكَمَا يَرْجِعُ بِالْأَعْيَانِ يَرْجِعُ بِهَا، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فِيمَا عَمِلَهُ بِأَنْ يُزِيلَهُ، كَمَا يَرْجِعُ فِي الْأَعْيَانِ، لَا أَنَّهُ يَرْجِعُ بِبَدَلِ ذَلِكَ عَلَى مَالِكِ الْعَيْنِ.
(وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي قُوَّتِهِ) أَيْ: يَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الْإِنْفَاقِ شَرْعًا، لِحُرْمَةِ النَّفْسِ بِخِلَافِ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْهُ مَحَلُّ خِلَافٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا كَرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ (وَإِنْ هَرَبَ مِنْهُ فِي طَرِيقِهِ) فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَأْذُونًا فِيهَا شَرْعًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَتْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ ثُمَّ هَرَبَ، وَقِيلَ: إِنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَفِي جَوَازِ اسْتِخْدَامِهِ بِهَا رِوَايَتَانِ فِي " الْمُوجَزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ إِلَّا بِرَدِّهِ لَا بِوِجْدَانِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْوِجْدَانِ، فَعَلَيْهِ هِيَ بَعْدَ الْوِجْدَانِ كَغَيْرِهَا مِنَ اللُّقَطَاتِ لِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوِجْدَانِ الْوِجْدَانُ الْمَقْصُودُ، لَا مُجَرَّدَ الْوِجْدَانِ حَتَّى لَوْ ضَاعَتْ بَعْدُ أَوْ تَلِفَتْ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَقْصُودٍ قَطْعًا، فَإِذَنْ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ.
(وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ فِي تَرِكَتِهِ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْجُعْلُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ؛ فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْأُجْرَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الْآبِقِ أَوْ لَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ شُمُولُهُ لِلْجُعْلِ وَالنَّفَقَةِ إِذْ لَا مُقْتَضَى لِلتَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ

بَابُ اللُّقَطَةِ وَهِيَ الْمَالُ الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ

وَتَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ جَوَازُ أَخْذِ الْآبِقِ لِمَنْ وَجَدَهُ، بِخِلَافِ الضَّوَالِّ الَّتِي تَحْفَظُ نَفْسَهَا، وَهُوَ أَمَانَةٌ، وَمَنِ ادَّعَاهُ فَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ أَخَذَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَيِّدَهُ دَفَعَهُ إِلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ؛ لِيَحْفَظَهُ لِصَاحِبِهِ، وَلَهُ بَيْعُهُ لِمَصْلَحَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَإِنْ قَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ؛ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُ ثَمَنِهِ، وَيُصْرَفُ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ السَّيِّدُ فَأَنْكَرَ الْعِتْقَ وَطَلَبَ الْمَالَ دُفِعَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ بَيْعُهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَفِظُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ، فَإِنْ بَاعَهُ فَهُوَ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

[بَابُ اللُّقَطَةِ]

[تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ]

بَابُ اللُّقَطَةِ حُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ: اللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ: الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطِ، وَحُكِيَ عَنْهُ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمُلْتَقَطِ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فُعَلَةٍ فَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ كَالضُّحَكَةِ، وَالْهُمَزَةِ، وَاللُّمَزَةِ، وَبِسِكُونِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، وَالْفَرَّاءُ: هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْمَالِ الْمُلْتَقَطِ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ، وَلَقَطَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ.
(وَهِيَ الْمَالُ الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى اللُّقَطَةِ شَرْعًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَتُسَمَّى ضَالَّةً، وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنْمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَهَا أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ، أَحَدُهَا: الْمَالُ الضَّائِعُ، الثَّانِي: الِالْتِقَاطُ، الثَّالِثُ: الْمُلْتَقَطُ، وَهُوَ كُلُّ مَنْ يَصِحُّ اكْتِسَابُهُ بِالْفِعْلِ مِنِ اصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ.

الْهِمَّةُ كَالسَّوْطِ وَالشِّسْعِ وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ

الثَّانِي: الضَّوَالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيْرِ، وَالْفُهُودِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[أَقْسَامُ اللُّقَطَةِ]

[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ]

(وَتَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ) أَيْ: هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ وَلَوْ كَثُرَ (كَالسَّوْطِ) وَهُوَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، كَذَا أَطْلَقُوا، وَفِي شَرْحِ " الْمُهَذَّبِ " هُوَ فَوْقَ الْقَضِيبِ وَدُونَ الْعَصَا، وَفِي " الْمُخْتَارِ " هُوَ سَوْطٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ (وَالشِّسْعِ) أَحَدِ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْإِصْبُعَيْنِ (وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ) وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَبْلِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا التَّمْرَةُ، وَالْخِرْقَةُ، وَمَا لَا خَطَرَ لَهُ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " صَدَقَتُهُ بِهِ أَوْلَى، فَإِنِ الْتَقَطَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ تَحْدِيدُ الْيَسِيرِ الَّذِي يُبَاحُ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ تَقْيِيدُهُ بِمَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ وَلَوْ كَثُرَ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ أَنَّهُ يَعْرِفُ الدِّرْهَمَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ تَعْرِيفُ الدَّانِقِ، وَحَمَلَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " عَلَى دَانِقِ الذَّهَبِ نَظَرًا لِعُرْفِ الْعِرَاقِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْيَسِيرِ، وَقِيلَ: مُدَّةً يَظُنُّ طَلَبَ رَبِّهِ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ بَدَلِهِ خِلَافًا لِـ " التَّبْصِرَةِ " وَقِيلَ لِأَحْمَدَ فِي الثَّمَرَةِ يَجِدُهَا أَوْ يُلْقِيهَا عُصْفُورٌ أَيَأْكُلُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: يَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: لَا يَعْرِضُ لَهَا، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ.

[الْقِسْمُ الثَّانِي الضَّوَالُّ]

(الثَّانِي الضَّوَالُّ) مُفْرَدُهُ ضَالَّةٌ، وَهِيَ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ خَاصَّةً، وَيُقَالُ لَهَا: الْهَوَامِي، وَالْهَوَامِلُ (الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ) وَتَرِدُ الْمَاءَ (كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ) نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيْرِ، وَالْفُهُودِ، وَنَحْوِهَا) كَالْكَلْبِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ تَقَوَّى عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَوُرُودِ الْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ لِكِبَرِ جُثَّتِهِ كَالْإِبِلِ، أَوْ لِطَيَرَانِهِ كَالطُّيُورِ كُلِّهَا، أَوْ لِعَدْوِهِ كَالظِّبَاءِ، أَوْ بِنَابِهِ كَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ (فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا) لِقَوْلِ عُمَرَ: مَنْ أَخَذَ الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ، أَيْ: مُخْطِئٌ، وَهِيَ تُفَارِقُ الْغَنَمَ لِضَعْفِهَا، وَقِلَّةِ صَبْرِهَا عَنِ الْمَاءِ، وَالْخَوْفِ عَلَيْهَا مِنَ الذِّئْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ كَذَلِكَ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِي " الْمُغْنِي " الْأَوْلَى إِلْحَاقُهَا بِالشَّاةِ لِمُسَاوَاتِهَا لَهَا فِي الْعِلَّةِ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الصَّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً، بِحَيْثُ إِذَا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَعَجَزَ عَنْهَا مَالِكُهَا

وَنَحْوِهَا، فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، وَمَنْ أَخَذَهَا ضَمِنَهَا، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الْإِمَامِ زَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

جَازَ الْتِقَاطُهَا لِأَجْلِ حِفْظِهَا لِصَاحِبِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَا إِذَا وَجَدَهَا فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا بِهِ كَأَرْضِ مَسْبَعَةٍ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ بِمَوْضِعٍ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا مَاءَ بِهَا وَلَا مَرْعَى، فَالْأَوْلَى أَخْذُهَا لِلْحِفْظِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِنْقَاذَهَا مِنَ الْهَلَاكِ، أَشْبَهَ تَخْلِيصَهَا مِنْ حَرِيقٍ (وَمَنْ أَخَذَهَا ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا إِذْنِ الشَّارِعِ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَنِ الْأَمْنِ وَالْفَسَادِ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ إِمَامًا أَوْ لَا، فَإِنْ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ، لَكِنْ إِذَا الْتَقَطَ ذَلِكَ غَيْرُ الْإِمَامِ وَكَتَمَهُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَرَّتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ (فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الْإِمَامِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ) لِأَنَّ الْإِمَامَ لَهُ نَظَرٌ فِي ضَوَالِّ النَّاسِ، فَكَانَ نَائِبًا عَنْ أَصْحَابِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ أَخْذُهَا لِلْحِفْظِ، لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ بِوَصْفِهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا غَيْرُهُمَا لِيَحْفَظَهَا عَلَى أَصْحَابِهَا لَمْ يَجُزْ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا.
فَائِدَةٌ: يُسَمِّ الْإِمَامُ مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنَ الضَّوَالِّ بِأَنَّهَا ضَالَّةٌ، وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " سِمَةُ الصَّدَقَةِ.
فَرْعٌ: مَا يَحْتَفِظُ بِنَفْسِهِ مِنَ الْأَحْجَارِ الْكِبَارِ كَحَجَرِ الطَّاحُونِ، وَالْخَشَبِ الْكَبِيرِ، وَقُدُورِ النُّحَاسِ فَهُوَ كَالْإِبِلِ بَلْ أَوْلَى، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " خِلَافَهُ، وَمَنْ أَخَذَ مَتَاعَهُ وَتَرَكَ بَدَلَهُ، فَلُقَطَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ.
أَصْلٌ: إِذَا وَجَدَ فِي حَيَوَانٍ نَقْدًا أَوْ دُرَّةً فَهُوَ لُقَطَةٌ لِوَاجِدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِبَائِعٍ ادَّعَاهُ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُشْتَرٍ أَنَّهُ أَكَلَهُ عِنْدَهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَ دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فِي سَمَكَةٍ فَهِيَ لِصَيَّادٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ ابْتِلَاعُهَا مِنْ مَعْدِنِهَا، فَلَوْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ أَوْ فَلَاةٍ لِعَجْزِهِ أَوِ انْقِطَاعِهَا مَلَكَهَا آخِذُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا، بَلْ هِيَ لِمَالِكِهَا كَعَبْدٍ، وَتَرْكِ مَتَاعٍ عَجْزًا فَيَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ وَأُجْرَةِ مَتَاعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا نَفَقَةَ، وَلَا أُجْرَةَ،

عَنْهُ الضَّمَانُ.

الثَّالِثُ: سَائِرُ الْأَمْوَالِ كَالْأَثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ، وَالْغَنَمِ، وَالْفُصْلَانِ، وَالْعُجُولِ، وَالْأَفْلَاءِ، فَمَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإِنْ عَرِفَهَا، وَمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا، وَالْأَفْضَلُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقِيلَ: فِي نَفَقَةِ الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا مَا يُلْقَى فِي الْبَحْرِ خَوْفًا مِنَ الْغَرَقِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ آخِذُهُ، وَفِي " الشَّرْحِ " لَا أَعْلَمُ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا، وَقِيلَ: لَا، وَلَهُ أُجْرَةُ رَدِّ مَتَاعِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنِ انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ وَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ: لِمُسْتَخْرِجِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَجُعْلِ رَدِّ الْآبِقِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَأْخُذُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ مَتَاعَهُمْ، وَلَا شَيْءَ لِلَّذِينَ أَصَابُوهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ سَائِرُ الْأَمْوَالِ]

(الثَّالِثُ: سَائِرُ الْأَمْوَالِ كَالْأَثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ، وَالْغَنَمِ، وَالْفُصْلَانِ) بِضَمِّ الْفَاءِ جَمْعُ فَصِيلٍ، وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ (وَالْعُجُولِ) جَمْعُ عِجْلٍ، وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: حِينَ يُوضَعُ، وَالْجَمْعُ الْعَجَاجِيلُ (وَالْأَفْلَاءُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْفُلُوُّ، بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ، الْمُهْرُ، وَالْأُنْثَى فُلُوَّةٌ، وَالْجَمْعُ أَفْلَاءٌ كَأَعْدَاءٍ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: إِذَا فَتَحْتَ الْفَاءَ شَدَّدْتَ، وَإِذَا كَسَرْتَ خَفَّفْتَ، فَقُلْتُ: فِلْوٌ كَجِرْوٍ (فَمَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِ مَالِ غَيْرِهِ، فَحَرُمَ كَإِتْلَافِهِ، وَكَمَا لَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ أَوْ كِتْمَانَهَا (فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا) كَغَاصِبٍ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ أَوْ لَا (وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإِنْ عَرِفَهَا) لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُحَرِّمَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ، وَالْتِقَاطُ هَذِهِ مُحَرَّمٌ، فَلَا يُسْتَفَادُ بِهِ الْمِلْكُ، وَقِيلَ: تُمْلَكُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالتَّعْرِيفِ وَالِالْتِقَاطِ، وَقَدْ وُجِدَا كَالِاصْطِيَادِ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ (وَمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا) لِحَدِيثِ زَيْدٍ ثَبَتَ فِي النَّقْدَيْنِ، وَقِسْنَا عَلَيْهِمَا الْمَتَاعَ، وَعَلَى الشَّاةِ قِسْنَا كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَابْنِ آوَى، وَالذِّئْبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ الْتِقَاطُ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا، وَعَنْهُ: وَعَرَضَ ذِكْرَهَا أَبُو الْفَرَجِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّلَ فِي عَدَمِ الْتِقَاطِ الْإِبِلِ مَا هُوَ مَعْدُومٌ فِي الْغَنَمِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا

تَرْكُهَا، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: إِنْ وَجَدَهَا بِمَضْيَعَةٍ فَالْأَفْضَلُ أَخْذُهَا، وَمَتَى أَخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا أَوْ فَرَّطَ فِيهَا ضَمِنَهَا.

وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: حَيَوَانٌ، فَيَتَخَيَّرُ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرَّقَ الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا قِيَاسَ مَا أُمِرْنَا بِالْتِقَاطِهِ عَلَى مَا مُنِعَ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَهَا فِي مِصْرٍ أَوْ مَهْلَكَةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلَوِ افْتَرَقَ الْحَالُ لَاسْتَفْصَلَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَعَلَّهَا الرِّوَايَةُ الَّتِي مَنَعَ مِنَ الْتِقَاطِهَا فِيهَا (وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهَا) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَتَضْيِيعِ الْوَاجِبِ فِي التَّعْرِيفِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا، فَكَانَ تَرْكُهَا أَوْلَى كَوِلَايَةِ مَالِ الْيَتِيمِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِنْ وَجَدَهَا بِمَضْيَعَةٍ) وَأَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا (فَالْأَفْضَلُ أَخْذُهَا) لِمَا فِيهِ مِنَ الْحِفْظِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، كَتَخْلِيصِهِ مِنَ الْغَرَقِ، وَلَا يَجِبُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ، وَخَرَجَ وُجُوبُهُ إِذَنْ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا وَجَدَ عَنْبَرَةً عَلَى السَّاحِلِ فَهِيَ لَهُ، وَالْقِنُّ الصَّغِيرُ كَالشَّاةِ، وَكَذَا كُلُّ جَارِيَةٍ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّعْرِيفِ.
(وَمَتَى أَخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا أَوْ فَرَّطَ فِيهَا ضَمِنَهَا) لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا كَالْوَدِيعَةِ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ بِرَدِّهَا كَمُمْتَنِعٍ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا ضَاعَتْ عِنْدَهُ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِلَا تَفْرِيطٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنِ الْتَقَطَهَا آخَرُ، لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى الْأَوَّلِ مَعَ عِلْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا مَلَكَهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ، فَثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ كَالْأَوَّلِ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا مِنْهُ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنَ الثَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَرَدَّهَا وَأَبَى أَخْذَهَا، وَقَالَ: عَرِّفْهَا أَنْتَ، فَعَرَّفَهَا مَلَكَهَا، وَإِنْ قَالَ: عَرِّفْهَا وَتَكُونُ مِلْكًا لِي أَوْ بَيْنَنَا صَحَّ، وَإِنْ قَصَدَ الثَّانِي بِالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَهَا لِنَفْسِهِ دُونَ الْأَوَّلِ، فَوَجْهَانِ، وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَعَرَّفَهَا وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنَ الْمُلْتَقِطِ فَعَرَّفَهَا لَمْ يَمْلِكْهَا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِأَخْذِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا.

جارٍ التحميل