اللِّبَاسِ، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ، وَلَا تَلْبِسُ الْقُفَّازَيْنِ، وَلَا الْخَلْخَالَ وَنَحْوَهُ وَلَا تَكْتَحِلُ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ رَأْسِهَا كُلِّهِ، وَلَا يُمْكِنُهَا إِلَّا بِجُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ، وَلَا يُمْكِنُهَا كَشْفُ جَمِيعِ الْوَجْهِ إِلَّا بِجُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى سَتْرِ الرَّأْسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ آكَدُ لِوُجُوبِ سَتْرِهُ مُطْلَقًا، وَأَلْحَقَ أَبُو الْفَرَجِ بِهِ الْكَفَّيْنِ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُبْهِجِ " رِوَايَةً، فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا مِنْهَا، جَازَ أَنْ تُسْدِلَ الثَّوْبَ فَوْقَ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِفِعْلِ عَائِشَةَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، وَشَرْطُ الْقَاضِي فِي السَّاتِرِ أَنْ لَا يُصِيبَ بَشَرَتَهَا فَإِنْ أَصَابَهَا، ثُمَّ ارْتَفَعَ بِسُرْعَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَدَتْ لِاسْتِدَامَةِ السَّتْرِ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلَّفِ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ وَلَا هُوَ مِنَ الْخَبَرِ بَلِ الظَّاهِرُ مِنْهُ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ الْمَسْدُولُ مِنْ إِصَابَةِ الْبَشْرَةِ، فَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَبَيَّنَ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ) مِنْ قَطْعِ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَنَحْوِهَا (إِلَّا فِي اللِّبَاسِ، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ) لِحَاجَتِهَا إِلَى السَّتْرِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَكَعَقْدِ الْإِزَارِ لِلرَّجُلِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا السُّكَّ وَالْمُطَيَّبَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهَا» . وَإِنَّمَا كُرِهَ فِي الْجُمُعَةِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ لِقُرْبِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ، (وَلَا تَلْبَسُ) أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ (الْقُفَّازَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَكَالرَّجُلِ، وَهُمَا شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ كَمَا يُعْمَلُ لِلْبُزَاةِ، وَفِي لُبْسِهِمَا الْفِدْيَةُ كَالنِّقَابِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَغْطِيَتِهِمَا بِكُمِّهَا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ جَوَازُهُ بِهِمَا بِدَلِيلِ تَغْطِيَةِ الرَّجُلِ قَدَمَيْهِ بِإِزَارِهِ لَا بِخُفٍّ، وَإِنَّمَا جَازَ تَغْطِيَةُ قَدَمَيْهَا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَمِثْلُهُمَا إِنْ لَفَّتْ عَلَى يَدَيْهَا خِرْقَةً أَوْ خِرَقًا، وَشَدَّتْهَا عَلَى
بِالْإِثْمِدِ وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِيِّ، وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا.
[المبدع في شرح المقنع]
حِنَّاءٍ أَولا، كَشَدِّهِ عَلَى جَسَدِهِ شَيْئًا، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَحْمَدَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لَا يَحْرُمُ، وَإِنْ لَفَّتْهَا بِلَا شَدٍّ فَلَا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اللُّبْسُ لَا التَّغْطِيَةُ كَبَدَنِ الرَّجُلِ، (وَلَا الْخَلْخَالَ، وَنَحْوَهُ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَحَمَلَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الزِّينَةِ كَالْكُحْلِ، وَلَا فِدْيَةَ، فِيهِ بِخِلَافِ الْقُفَّازَيْنِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهَا لُبْسَ الْحَلْيِ كَالسِّوَارِ، وَالدُّمْلُجِ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
قَالَ نَافِعٌ: كُنَّ نِسَاءُ ابْنِ عُمَرَ يَلْبَسْنَ الْحَلْيَ، وَالْمُعَصْفَرَ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَفِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ: وَتَلْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ، وَلَا دَلِيلَ لِلْمَنْعِ، وَلَا يَحْرُمُ لِبَاسُ زِينَةٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُكْرَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْمُحْرِمَةُ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا يَتْرُكَانِ الطِّيبَ، وَالزِّينَةَ، وَلَهُمَا سِوَى ذَلِكَ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " يَحْرُمُ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالِ كَحَلْيٍ، (وَلَا تَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ) نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا تَكْتَحِلُ بِالْأَسْوَدِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِامْرَأَةٍ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا وهي محرمة: اكْتَحِلِي بِأَيِّ كُحْلٍ شِئْتِ غَيْرِ الْإِثْمِدِ وَالْأَسْوَدِ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ، وَيَجِبُ الْفِدْيَةُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ كَاللِّبَاسِ، وَالطِّيبِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِلَّا لِزِينَةٍ فَيُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ.
وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، لَكِنْ إِنَّمَا خُصَّتِ الْمَرْأَةُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الزِّينَةِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهَا أَكْثَرُ، وَتَقْيِيدِهِمْ بِالْإِثْمِدِ وَالْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِزِينَةٍ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، كَالَّذِي يُتَدَاوَى بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وَلِهَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَرَى بِالدُّرُورِ الْأَحْمَرِ بَأْسًا، (وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ، وَالْكُحْلِيُّ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمَةِ: «وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوَحَلْيٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ: أَنَّهُمَا كَانَا يُحْرِمَانِ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فَلَمْ يُكْرَهِ الْمَصْبُوغُ بِهِ كَالسَّوَادِ فَإِنْ كَانَ مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ، فَلَا؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَأَمَّا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَصْبُوغُ بِالرَّيَاحِينِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ لِكَرَاهَتِهِ لَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ (وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ) لِمَا رَوَى عِكْرِمَةُ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ، وَهُنَّ حُرُمٌ.
رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ كَالْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ فَإِذَا اخْتَضَبَتْ وَشَدَّتْ يَدَيْهَا بِخِرْقَةٍ فَدَتْ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لَوْنُهُ لَا رِيحُهُ عَادَةً كَخِضَابٍ بِسَوَادٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلرَّجُلِ فِيمَا لَا يَتَشَبَّهُ فِيهِ بِالنِّسَاءِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَا دَلِيلَ لِلْمَنْعِ.
وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ فِي الْحِنَّاءِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَهُ الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَرِهَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هُوَ بِلَا حَاجَةٍ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ، وَاحْتَجَّ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهِينَ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ فَأَمَّا خِضَابُهَا بِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَمُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ فَاسْتُحِبَّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُزَوَّجَةِ أَنْ تَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ، وَالتَّحَبُّبِ لِلزَّوْجِ كَالطِّيبِ، وَيُكْرَهُ لِلْأَيِّمِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «يَا مَعَاشِرَ النِّسَاءِ اخْتَضِبْنَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَخْتَضِبُ لِزَوْجِهَا، وَإِنَّ الْأَيِّمَ تَخْتَضِبُ تَعَرَّضُ لِلرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -» (وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ فِي الْمِرْآةِ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ إِزَالَةَ شَعَثٍ أَوْ تَسْوِيَةَ شَعْرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الزِّينَةِ، كُرِهَ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَبٌ، وَفِي قَوْلٍ: يَحْرُمُ، وَقَوْلُهُ: (لَهُمَا) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ متعلق بالنظر لِقُرْبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَجُوزُ " وَهُوَ الظَّاهِرُ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَّجِرَ، وَيَصْنَعَ الصَّنَائِعَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَيَلْبَسُ الْخَاتَمَ، لَكِنْ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ لِزِينَةٍ كَحَلْيٍ وَنَظَرٍ فِي مِرْآةٍ
بَابُ الْفِدْيَةِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ، أَحَدُهَا: مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ، وَهِيَ فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظَّافِرِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَعَنْهُ: يَجِبُ الدَّمُ إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الْفِدْيَةِ]
[أَنْوَاعُ الفدية في الحج]
ِ قَالَ: الْجَوْهَرِيُّ فَدَاهُ، وَفَادَاهُ: إِذَا أَعْطَى فَدَاءَهُ، وَفَدَاهُ بِنَفْسِهِ، وَفَدَّاهُ: إِذَا قَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ.
انْتَهَى.
وَهِيَ مَا تَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ أَوْ حُرُمٍ، (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ) مِنْهَا مَا وَرَدَ النَّصُّ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ بِالتَّرْتِيبِ، وَمِنْهَا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَخْيِيرٌ، وَلَا تَرْتِيبٌ كَفِدْيَةِ الْفَوَاتِ (أَحَدُهَا مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَوْعَانِ) ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ فِدْيَةَ الْأَذَى وَنَحْوِهِ، وَتَارَةً جَزَاءُ صَيْدٍ فَأَشَارَ إِلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ:
(أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 184] وَلِحَدِيثِ كَعْبٍ السَّابِقِ، وَفِي لَفْظِ «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ شَاةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَقَدْ دَلَّا عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخْيِيرِ مِنَ الصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةُ، وَالذَّبْحُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] أَيْ: فَأَفْطَرَ (وَهِيَ فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ) الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، وَقِسْنَا الْبَاقِي عَلَيْهِ، (وَ) هُوَ (تَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَاللُّبْسُ وَالطِّيبُ) لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي كَوْنِهِ حُرِّمَ فِي الْإِحْرَامِ لِأَجْلِ التَّرَفُّهِ، فَالصَّوْمُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْإِطْعَامِ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَهُوَ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْ غَيْرِهِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَعَنْهُ: نِصْفُ صَاعٍ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَيَعْتَبِرُ بِالتَّمْرِ
فَيُخَيَّرُ.
الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ أَوْ يَقُوِّمُهُ بِدَرَاهِمَ، فَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالزَّبِيبِ الْمَنْصُوصِ كَالشَّعِيرِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ مِثْلُهُ فِي التَّخْيِيرِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَعْذُورِ، وَالتَّبَعُ لَا يُخَالِفُ أَصْلَهُ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا مَعَ الْعُذْرِ ثَبَتَ مَعَ عَدَمِهِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ.
وَالشَّرْطُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ لَا للتَّخْيِيرِ، (وَعَنْهُ: يَجِبُ الدَّمُ) عَيْنًا، فَإِنْ عَدِمَهُ، أَطْعَمَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ (إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ فَيُخَيَّرُ) جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورٍ يَخْتَصُّ الْإِحْرَامَ كَدَمٍ يَجِبُ بِتَرْكِ رَمْيٍ، وَمُجَاوَزَةِ مِيقَاتٍ.
(الثَّانِي جَزَاءُ الصَّيْدِ يُخَيَّرُ فِيهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] فَعَطَفَ هَذِهِ الْخِصَالَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِـ " أَوْ " الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْيِيرِ كَفِدْيَةِ الْأَذَى وَالْيَمِينِ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَهَدْيِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ إِتْلَافٍ مُنِعَ مِنْهُ لِلْإِحْرَامِ أَوْ فِيهَا أَجْنَاسٌ كَالْحَلْقِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الطَّعَامَ فِيهَا لِلْمَسَاكِينِ فَكَانَ مِنْ خِصَالِهَا كَغَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا يُخَيَّرُ فِيهِ (بَيْنَ الْمِثْلِ) وَسَيَأْتِي فَإِنِ اخْتَارَهُ ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ ذَبْحُهُ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيًّا (أَوْ يَقُوِّمَهُ) أَيِ: الْمِثْلَ (بِدَرَاهِمَ فَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُتْلَفٍ وَجَبَ مِثْلُهُ إِذَا قُوِّمَ، وَجَبَ قِيمَةُ مِثْلِهِ كَالْمِثْلِيِّ فِي مَالِ الْآدَمِيِّ، فَعَلَى هَذَا يَقَوِّمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ وَبِقُرْبِهِ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ آخَرُونَ يَقَوِّمُ بِالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ذَبْحِهِ، وَعَنْهُ: يَقَوِّمُ مَكَانَ إِتْلَافِهِ أَوْ بِقِرْبِهِ لَا الْمِثْلُ عَمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لَهُ الصَّدَقَةُ بِالدَّرَاهِمِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا، وَالْقِيمَةُ لَيْسَتْ مِمَّا خَيَّرَ اللَّهُ فِيهِ، وَالطَّعَامُ الْمُخْرَجُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَالْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ: يُجْزِئِ كُلُّ مَا يُسَمَّى طَعَامًا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْخِلَافِ " وَذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا لِإِطْلَاقِ لَفْظِهِ (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا) أَيْ: مِنَ الْبُرِّ، وَمِنْ غَيْرِهِ مُدَّانِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْمُؤَلِّفُ أَطْلَقَ الْعِبَارَةَ كَالْخِرَقِيِّ (أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا)
لَهُ، خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَعَنْهُ: أنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ.
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهَا: دَمُ الْمُتْعَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " رِوَايَةً؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ دَخَلَهَا الصَّوْمُ وَالْإِطْعَامُ مَكَانَ الْيَوْمِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَعَنْهُ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَحَمَلَ الْقَاضِي الْأُولَى عَلَى الْحِنْطَةِ، وَالثَّانِيَةَ عَلَى التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، إِذِ الصِّيَامُ مُقَابِلُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَغَيْرِهَا فَكَذَا هُنَا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَيُعْتَبَرُ كُلُّ مَذْهَبٍ عَلَى أَصْلِهِ فَعِنْدَنَا مِنَ الْبُرِّ مُدٌّ، وَمِنْ غَيْرِهِ مُدَّانِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ مَا لَا يَعْدِلُ يَوْمًا، صَامَ يَوْمًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضِهِ، كَبَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ، (وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَإِذَا عَدِمَ أَحَدَهَا، بَقِيَ التَّخْيِيرُ ثابتا بَيْنَ التَّالِيَيْنِ، فَإِذَا اخْتَارَ الْإِطْعَامَ يَوْمَ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ متلف غير مِثْل فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَمَالِ الْآدَمِيِّ فَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيُطْعِمُهُ الْمَسَاكِينَ، وَإِذَا اخْتَارَ الصِّيَامَ، فَعَلَى مَا سَبَقَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي ظَاهِرِ نَقْلِ حَنْبَلٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي لَهُ مِثْلٌ، وَقِيلَ: بَلَى، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ) نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيِّ كَالْمُتْعَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ (فَيَجِبُ الْمِثْلُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ) كَمَا ذَكَرْنَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا إِطْعَامَ فِيهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ لِيَعَدِلَ بِهِ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ، قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
[دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَلَى التَّرْتِيبِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ،
وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ،
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَجِبُ الْهَدْيُ) فِي الْمُتْعَةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وَفِي الْقِرَانِ قِيَاسًا عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ) الْهَدْيَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَوْ وَجَدَهُ بِبَلَدِهِ أَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُؤَقَّتٌ، فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَاءِ الْوُضُوءِ، بِخِلَافِ رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) لِمَا سَبَقَ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا لِيُكُونَ إِثْبَاتُهَا أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، وَاسْتَحَبَّا صَوْمَ عَرَفَةَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ عَدَمَ اسْتِحْبَابِ صَوْمِهِ يَخْتَصُّ بِالنَّقْلِ، وَعَلَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِيُصُومَهَا فِي الْحَجِّ، وَعَنْهُ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُ، وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يُلْزِمُ نَفْسَهُ الْمُخَالَفَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَوَقْتُ جَوَازِهَا إِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ، وَعَنْهُ: بِالْحَلِّ مِنْهَا، وَعَنْهُ: وَقَبْلَ إِحْرَامِهَا، وَأَنْكَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَالْمُرَادُ: فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نِسُكَيِ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَالْحَجِّ، وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِهَا، فَوَقْتُ وُجُوبِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ، (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَرْفُوعُ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَلِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ (فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَوْمٍ وَاجِبٍ جَازَ فِي وَطَنِ فَاعِلِهِ، جَازَ فِي غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْفُرُوضِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ طَافَ لِلزِّيَارَةِ.
قَالَهُ الْقَاضِي فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ إِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ، وَمُعْتَبَرٌ لِجَوَازِ الصَّوْمِ، وَتَأْخِيرُهَا إِنَّمَا كَانَ رُخْصَةً، وَتَخْفِيفًا كَتَأْخِيرِ رَمَضَانَ
وَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَعَنْهُ: لَا يُصُومُهَا، وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَعَنْهُ: إِنْ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإِنْ تَرْكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ مَعَ فِعْلِهِ دَمٌ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ وَالصَّوْمَ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ.
وَلَا يَجِبُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِسَفَرٍ وَمَرَضٍ، وَلِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُهُ (وَإِنْ لَمْ يَصُمْ) الثَّلَاثَةَ (قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَعَنْهُ: لَا يُصُومُهَا) وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلَفٌ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالسَّبْعَةُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِبَقَاءِ أَعْمَالٍ مِنَ الْحَجِّ (وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) لِوُجُوبِ قَضَائِهَا بِفَوَاتِهِ كَرَمَضَانَ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِعَدَمِ جَوَازِ صَوْمِهَا أَوْ بِجَوَازِهِ، وَلَمْ يَصُمْهَا (وَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ فَلَزِمَهُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَخَّرِ لِلْعُذْرِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْخِلَافِ " بِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ فِي وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِهِ كَالْوُقُوفِ إِلَى اللَّيْلِ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
(وَعَنْهُ: إِنْ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي هُوَ الْمُبْدَلُ لَوْ أَخَّرَهُ لَعُذْرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِهِ، وَالْبَدَلُ أَوْلَى، (وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ مَعَ فِعْلِهِ دَمٌ) فَعَلَى أَنَّهُ إِنْ صَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ ": بِتَأْخِيرِ الصَّوْمِ عَنْ أَيَّامِ الْحَجِّ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ) الْوَاجِبَ لِعُذْرٍ مِثْلِ إنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ (أَوِ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ) كَسَائِرِ الْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ، (وَإِنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ زَائِدٌ كَالْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: أَحْمَدُ مَنْ تَمَتَّعَ فَلَمْ يَهْدِ إِلَى قَابِلٍ يَهْدِي هَدْيَيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ فِي الْمُتْعَةِ نُسُكٌ مُؤَقَّتٌ فَلَزِمَ الدَّمُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، كَتَأْخِيرِ رَمْيِ الْجِمَارِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ، وَاجِبٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ
التَّتَابُعُ فِي الصِّيَامِ وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، وَإِنْ وَجَبَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
النَّوْعُ
[المبدع في شرح المقنع]
بِفَوَاتِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِفَوَاتِهِ دَمٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، (وَلَا يَجُبِ التَّتَابُعُ) وَلَا التَّفْرِيقُ (فِي الصِّيَامِ) لَا فِي الثَّلَاثَةِ وَلَا السَّبْعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وِفَاقًا لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا، وَلَا تَفْرِيقًا، وَيَشْمَلُ مَا إِذَا قَضَاهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ التَّفْرِيقُ كَسَائِرِ الصَّوْمِ، وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي الْأَدَاءِ إِذَا صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَأَتْبَعَهَا السَّبْعَةَ، ثُمَّ إِنَّمَا كَانَ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الصلاتين بِخِلَافِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلِ فَلَمْ يَسْقُطْ.
فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ، وَلَمْ يَصُمْ فَكَصَوْمِ رَمَضَانَ، نَصَّ عَلَيْهِ، تَمَكَّنَ مِنْهُ أَمْ لَا.
(وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ) وَأَجْزَأَهُ الصَّوْمُ كَمَا لَوْ وَجَدَ الرَّقَبَةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ الِانْتِقَالَ إِلَى الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ، وَفِي " الْفُصُولِ " تَخْرِيجٌ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَظِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُظَاهِرَ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا فَنَاسَبَهُ الْمُعَاقَبَةُ، بِخِلَافِ الْحَاجِّ، فَإِنَّهُ فِي طَاعَةٍ، فَنَاسَبَهُ التَّخْفِيفُ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ، أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ؛ لِكَوْنِهِ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ الْبَدَلُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصُمْ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ فَفَرْقٌ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ إِنْ قُلْنَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْمُبْدَلِ هُنَاكَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْبَدَلِ مِنْ أَصْلِهِ، وَيُبْطِلُ مَا مَضَى منها، وَهُنَا صَوْمُهُ صَحِيحٌ يُثَابُ عَلَيْهِ (وَإِنْ وَجَبَ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ، نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ حَالَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُتَّصِلِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ عَدَمُ الْهَدْيِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، نَقَلَهَا يَعْقُوبُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ.
الثَّانِي: الْمَحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ.
الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الْوَطْءِ يَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ كَدَمِ الْمُتْعَةِ، لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ، أَخْرَجَ بَقَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَخْرَجَ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
[النَّوْعُ الثَّانِي الْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ]
(النَّوْعُ الثَّانِي: الْمَحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ وَاجِبٌ، فَكَانَ ذَلِكَ بَدَلَهُ كَدَمِ الْمُتْعَةِ، (ثُمَّ حَلَّ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِيهِ خِلَافٌ يُذْكَرُ، وَأَنَّهُ لَا إِطْعَامَ فِيهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَعَنْهُ: بَلَى قَالَ الْآجُرِّيُّ: إِنْ عَدِمَ الْهَدْيَ مَكَانَهُ قَوَّمَهُ طَعَامًا، وَصَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَحَلَّ.
[فِدْيَةُ الْوَطْءِ يَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ]
(الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الْوَطْءِ يَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ الصَّحَابَةِ، وَكَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ كَدَمِ الْمُتْعَةِ؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ الْعَبَادِلَةَ أَفْتَوْا بِهِ، (وَقَالَ الْقَاضِي إِنْ لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ أَخْرَجَ بَقَرَةً) ؛ لِأَنَّهَا تُشَارِكُهُ فِي الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ؛ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ) لِقِيَامِهَا مَقَامَهَا فِي الْأَضَاحِي، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَخْرَجَ بِقِيمَتِهَا أَيْ: قِيمَةِ الْبَدَنَةِ (طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا) كَجَزَاءِ الصَّيْدِ فِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْإِطْعَامِ مَعَ وُجُودِ الْمِثْلِ، وَلَا إِلَى الصِّيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِطْعَامِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهَا، وَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحٌ فِي التَّرْتِيبِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى خَصْلَةٍ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الَّتِي قَبْلَهَا.
(وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهَا كَفِدْيَةِ الْأَذَى، وَعَلَّلَه ابْنُ الْمُنَجَّا فَقَالَ: بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ، وَذَكَرَ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي أَنَّ الْوَطْءَ هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ أَوْ الِاسْتِهْلَاكَاتِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ
وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ بَدَنَةٌ إِنْ كَانَ فِي الْحَجِّ، وَشَاةٌ إِنْ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، فَلَا فِدْيَةَ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالطِّيبِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ كَقَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَقَدْ عُورِضَ الْمُؤَلِّفُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي " مُخْتَصَرِهِ " إِلَّا بِإِجْزَاءِ سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ مَعَ وُجُودِ الْبَدَنَةِ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي غَيْرِ كِتَابِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ: مِنْ الِانْتِقَالِ إِلَى الصَّوْمِ إِذَا عَدِمَ الْبَدَنَةَ هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَقَالَ: لَمْ يَجِدْه قَوْلًا لِأَحْمَدَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " فِي الْمُحْرِمِ إِذَا جَامَعَ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُمَا وَعَلَيْهِ بدنة وَعَلَى الْمُجَامِعِ أُخْرَى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ، وَبَأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنِ الْعَبَادِلَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا عَدِمَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ عَدِمَ الْبَدَنَةَ: عَدِمَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَقَرَةً أَوْ شَاةً، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْبَدَنَةِ تَبَعًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَبِأَنَّ الْبَقَرَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَهَا، وَالسَّبُعُ مِنَ الْغَنَمِ كَذَلِكَ
(وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ بدنة إَنْ كَانَ فِي الْحَجِّ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَشَاةٌ إِنْ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ) ؛ لِأَنَّهَا أحد النُّسُكَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ بِالْوَطْءِ فِيهَا شَيْءٌ كَالْآخَرِ، وَإِنَّمَا كَانَ شَاةً؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعُمْرَةِ أَخَفُّ، (وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ مَا عَلَى الرَّجُلِ (إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَعَ، لِوُجُودِ الْجِمَاعِ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ الْحَدِّ، وَلِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ كَمَا لَوْ قَتَلَا رَجُلًا، وَكَنَفَقَةِ الْقَضَاءِ، وَلِأَنَّهُ آكَدُ مِنَ الصَّوْمِ.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا، ذَكَرَهَا وَصَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وَطْءَ مِنْهَا وَكَالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ
عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا.
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ، أَوْ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوِ الْمُبَاشَرَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بَدَنَةً، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مُلْحَقٌ بِدَمِ الْمُتْعَةِ، وَمَا وَجَبَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْفِعْلُ وَكَالصَّوْمِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهَا كَالْمُطَاوِعَةِ، (وَقِيلَ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ) لِحُصُولِ الْوَطْءِ (يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا) ؛ لِأَنَّ الْإِفْسَادَ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَإِفْسَادِ حَجِّهِ، وَكَنَفَقَةِ الْقَضَاءِ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ عَلَى الزَّوْجِ حَمْلُهَا، وَلَوْ طُلِّقَتْ، وَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ، وَيُخَيَّرُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى أَنْ يَدَعَهَا، وَأَغْرَبَ فِي " الرَّوْضَةِ " فَقَالَ: الْمُكْرَهَةُ يَفْسُدُ صَوْمُهَا، وَلَا يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ، وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهَا، وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ.
[الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ) أَيْ فَوَاتِ الْحَجِّ، وَتَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ فِي الْأَصَحِّ (أَوْ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَنَحْوِهَا (أَوِ الْمُبَاشِرَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ) كَمَا يَأْتِي.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِغَيْرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِدْيَةُ الْأَذَى، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ، وَالْمُتْعَةُ، وَالْبَدَنَةُ الْوَاجِبَةُ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَقِيسٌ فَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ: (فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بدنة) كَالْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشِرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ أَيْ هِيَ مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبٍ فِي إِحْرَامِهِ، أَشْبَهَتِ الْبَدَنَةَ الْوَاجِبَةَ بِالْوَطْءِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا، انْتَقَلَ إِلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يَجِبُ الْبَدَنَةُ، ثُمَّ بَقَرَةٌ، ثُمَّ سَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، ثُمَّ قِيمَةُ الْبَدَنَةِ طَعَامًا، ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يُخَيَّرُ فِيهَا، (وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) كَالْمَبِيتِ بِمِنًى، وَمُزْدَلِفَةَ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ (مُلْحَقٌ بِدَمِ الْمُتْعَةِ) ؛ لِأَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ وَجَبَ لِتَرَفُّهِهِ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ دَمٍ وَاجِبٍ لِتَرْكِ وَاجِبٍ (وَمَا
لِلْمُبَاشَرَةِ مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ الْأَذَى، وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَعَنْهُ: بَدَنَةٌ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ، فَأَنْزَلَ، أَوِ اسْتَمْنَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَلْ هُوَ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ فَدَى بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَبَ لِلْمُبَاشَرَةِ) كَالْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ، وَالْوَطْءِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَفَى الْحَجِّ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ الْأَذَى) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّاةُ الْوَاجِبَةُ فَيُخَيَّرُ فِيهَا كَمَا يُخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى لِلتَّرَفُّهِ، (وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ دُونَ الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ، (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) جَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ إِحْرَامَهُ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ كَالطِّيبِ، (وَعَنْهُ: بَدَنَةٌ) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ كَالْوَطْءِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَسَوَاءٌ مَذَى أَوْ لَمْ يُمْذِ، وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا لِكَوْنِهِ اسْتِمْتَاعًا يُلْتَذُّ بِهِ.
(وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ) أَيْ: أَمْنَى (أَوِ اسْتَمْنَى فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ إِحْرَامَهُ بِذَلِكَ، أَشْبَهُ مَا لَوْ أَنْزَلَ بِالْمُبَاشِرَةِ، (وَهَلْ هُوَ بَدَنَةٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَنَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَا إِذَا أَمْنَى بِتَكْرَارِ النَّظَرِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ، (أَوْ شَاةٌ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ إِنْزَالٌ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فَوَجَبَتْ كَالْإِنْزَالِ بِاللَّمْسِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) هُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ عَبَّاسٍ، (وَإِنْ مَذَى بِذَلِكَ) أَيْ: بِتَكْرَارِ النَّظَرِ أَوِ الِاسْتِمْنَاءِ (فَعَلَيْهِ شَاةٌ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَالْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَنِيِّ لِكَوْنِهِ خَارِجًا بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِهِ لَذَّةٌ فَهُوَ كَاللَّمْسِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " أَوْ مَذَى بِنَظْرَةٍ فَكَذَلِكَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ خِلَافُهُ، وَفِي " الْكَافِي ": لَا فِدْيَةَ بِمَذْيٍ بِتَكْرَارِ نَظَرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَخْرِيجٌ، وَلَا هَدْيَ بِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْآدَمِيُّ إِنْ مَذَى بِاسْتِمْتَاعِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً: يَفْدِي بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ أَنْزَلَ أَوْ لَا، وَمُرَادُهُ: إِنْ كَرَّرَهُ، وَأَخَذَهَا مِنْ نَقْلِ
فَصْلٌ وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ مِثْلَ أَنْ حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأَوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، لَزِمَهُ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ، وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَثْرَمِ فِيمَنْ جَرَّدَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَكُنِ مِنْهُ غَيْرُ التَّجْرِيدِ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّهُ لَمْسٌ، فَإِنَّ التَّجْرِيدَ لَا يَخْلُو عَنْ لَمْسِ ظَاهِرٍ أَوْ أَنَّهُ أَمْنَى أَوْ أَمْذَى إِذْ مُجَرَّدُهُ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْظُرُ إِلَى نِسَائِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، (وَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ وَلَا اخْتِيَارٍ؛ لِأَنَّهُ دُونَ النَّظَرِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ تَكْرَارِ النَّظَرِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْإِنْزَالُ لِقُدْرَتِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ هُنَا لِذِكْرِ النِّسْيَانِ، وَذَكَرَهُ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ، وَالْمَذْهَبُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ، وَالنَّاسِي، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ نِسْيَانٌ غَالِبًا، وَيُفْسِدُ الْعِبَادَةَ أَيْ: الصَّوْمَ بِمُجَرَّدِهِ، وَالْجَاهِلُ وَالْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ مَعَ سَهْوِهِ.
[حُكْمُ تَكَرُّرِ الْمَحْظُورِ مَنْ جِنْسٍ]
فَصْلٌ (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ مِثْلَ أَنْ حَلَقَ، ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ، ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأَوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ سَوَاءٌ تَابَعَهُ أَوْ فَرَّقَ أَوْ وَطِئَهَا أَوْ غَيْرَهَا.
فَظَاهِرُهُ لَوْ قَلَّمَ خَمْسَةَ أَظْفَارٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ لَزِمَهُ دَمٌ قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَمَّا بُنِيَتِ الْجُمْلَةُ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي تَدَاخُلِ الْفِدْيَةِ كَذَا الْوَاحِدُ عَلَى الْوَاحِدِ فِي تَكْمِيلِ الدَّمِ، وَلِأَنَّ مَا تَدَاخَلَ مُتَتَابِعًا تَدَاخَلَ مُتَفَرِّقًا كَالْأَحْدَاثِ وَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَوَجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ، (وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ إِحْرَامًا فَوَجَبَتْ كَالْأَوَّلِ، وَيُعْتَبَرُ بِالْحُدُودِ، وَالْأَيْمَانِ، وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَطْءٍ كَفَّارَةٌ؛
صَيْدٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدَاءٌ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهَا، كَالْأَوَّلِ فَيَطَّرِدُ فِي غَيْرِهِ، وعَنْهُ.
وَإِنْ تَعَدَّدَ سَبَبُ الْمَحْظُورِ فَلَبِسَ لِلْحَرِّ، ثُمَّ لِلْبَرْدِ، ثُمَّ لِلْمَرَضِ فَكَفَّارَاتٌ، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِذَا لَبِسَ وَغَطَّى رَأْسَهُ مُتَفَرِّقًا، فَكَفَّارَتَانِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَرِوَايَتَانِ.
(وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا لَزِمَهُ مِثْلُهُ، وَمَنْ قَتَلَ أَكْثَرَ، لَزِمَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صُيُودًا مَعًا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ، فَكَذَا مُتَفَرِّقًا، بَلْ أَوْلَى، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ بَدَلُ مُتْلَفٍ كَبَدَلِ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] وَلَمْ يُوجِبْ جَزَاءً ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ مَحْظُورٌ أَشْبَهَ غَيْرَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا تَتَعَدَّدُ إِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْأَوَّلِ، وَنَقَلَ أَيْضًا: إِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ ثَانِيًا فَلَا جَزَاءَ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعُقُوبَةِ فِي الثَّانِي لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275] وَلِلْعَامِدِ مَا سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، بَلْ وَقِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ مُقَدَّرٌ بِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِكِبَرِهِ وَصِغَرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ) كَحَلَقَ وَلَبِسَ وَطَيَّبَ (فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدَاءٌ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَمْ تَتَدَاخَلْ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ مَحْظُورٍ فَلَمْ يَتَعَدَّدْ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَمُوجِبَاتُهَا مُخْتَلِفَةٌ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَقِيلَ: إِنْ قَرُبَ الْوَقْتُ لَمْ يَتَعَدَّدِ الْفِدَاءُ، وَإِلَّا تَعَدَّدَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَحْظُورَاتُ تَتَّحِدُ كَفَّارَتُهَا فَإِنْ تَعَدَّدَتْ فَلَا تَدَاخُلَ.
(وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ، وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ،
مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَعَنْهُ فِي الصَّيْدِ: لَا كَفَّارَةَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ وَيَتَخَرَّجُ فِي الْحَلْقِ مِثْلُهُ.
وَإِنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ كَإِتْلَافِ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ لِأَذًى بِهِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى مَعْذُورٍ بِنَوْعٍ آخَرَ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا بِالْكِتَابِ، وَمُخْطِئًا بِالسُّنَّةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: فَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً أَيَغْرَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ يُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَمَضَتْ بِهِ السُّنَنُ.
وَقَالَ عُمَرُ: لِيَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ، وَالْعَمْدِ.
رَوَاهُ النَّجَّادُ.
(وَعَنْهُ: فِي الصَّيْدِ: لَا كَفَّارَةَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يَشْغَلُهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ، وَفِي بَيْضِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا حُجَّةٌ لَنَا مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَسِيَ الْإِحْرَامَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَلْزَمُهُ، وَخَصَّ الْعَمْدَ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ الْوَعِيدِ فِي آخِرِهَا، وَلِأَنَّ مَا سَبَقَ أَخَصُّ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ، وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ دُونَ الْعَمْدِ، وَهُوَ غَرِيبٌ.
(وَيَتَخَرَّجُ فِي الْحَلْقِ مِثْلُهُ) هَذَا وَجْهٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، أَيْ: لَا تَجُبِ الْكَفَّارَةُ إِلَّا فِي الْعَمْدِ لِعُمُومِ " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ "، وَلِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِسَبَبٍ فِي إِحْرَامِهِ أَشْبَهَ الصَّيْدَ، وَقَصَرَ الْمُؤَلِّفُ التَّخْرِيجَ فِي الْحَلْقِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الثَّانِي مِثْلُهُ.
فَرْعٌ: الْمُكْرَهُ عِنْدَنَا كَالْمُخْطِئِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، (وَإِنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا) أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، (فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ: عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ رَوَيْتُهُ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
. . . . . وَذَكَرَهُ،
وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ.
وَمِنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ، وَإِنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فَأَمَرَهُ بِخَلْعِهَا وَغَسْلِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ» ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) نَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ جَرِيمَةَ الْإِحْرَامِ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْحَلْقِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْحَالِقَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَا يُمْكِنُ تَلَافِي مَا فَعَلَهُ بِخِلَافِ اللَّابِسِ، وَالْمُتَطَيِّبِ، وَالْمُغَطِّي رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِإِزَالَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَمْدَ مَحَلُّ وِفَاقٍ، لَكِنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ خَطَأٌ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، (وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ) أَيْ: قَطَعَ مِنْهُ النُّسُكَ، (ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا) فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالرَّفْضِ وِفَاقًا، لِكَوْنِ أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ مَا فَعَلَهُ فِي الْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ الْإِحْرَامَ كَفِعْلِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرَّفْضِ، وَعَنْهُ: كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ ذَكَرَهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ". وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَفْضِهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا، وَفِي التَّرْغِيبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": يَلْزَمُهُ دَمٌ لِرَفْضِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِالْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهَيْنِ، وَفِي مُفْرَدَاتِهِ مَبْنَاهُ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَسُرْعَةُ الْحُصُولِ فَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا انْعَقَدَ، وَحُكْمُهُ كَالصَّحِيحِ، (وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتَدَامَتُهُ، لَكِنْ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ لَهُ لُبْسُهُ مَا لَمْ يَنْزِعْهُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ مِنِ ابْتِدَاءِ الطِّيبِ دُونَ اسْتَدَامَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ اسْتِدَامَةِ لُبْسِ الْمُطَيَّبِ، (وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ) أَيْ: بَعْدَ إِحْرَامِهِ؛ لِقَوْلِهِ: «لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانُ» (وَإِنْ أَحْرَمَ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ) أَوْ سَرَاوِيلُ
قَمِيصٌ، خَلَعَهُ وَلَمْ يَشُقُّهُ فَإِنِ اسْتَدَامَ لُبْسُهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رَشَّ فِيهِ مَاءً، هَاجَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْ جُبَّةٌ، وَلَوْ عَبَرَ بِالْمَخِيطِ لَعَمَّ (خَلَعَهُ وَلَمْ يَشُقُّهُ) لِحَدِيثِ يَعْلَى، وَلَوْ وَجَبَ شَقُّهَا أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ لَأَمَرَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلِمَا فِي الشَّقِّ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا (فَإِنِ اسْتَدَامَ لُبْسُهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّ خَلْعَهُ وَاجِبٌ، لِلْأَمْرِ بِهِ فَوَجَبَتِ الْفِدْيَةُ كَمَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ تُسَمَّى لُبْسًا لِقَوْلِهِمْ لَبَسْتُ شَهْرًا.
لَا يُقَالُ قَدْ أَمَرَهُ بِغَسْلِ الطِّيبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ، وَرَدَ مَا يَقْتَضِي اسْتِدَامَةَ الطِّيبِ دُونَ لُبْسِهِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَاجِعٌ عَلَى حَدِيثِ صَاحِبِ الْجُبَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ الْخَلُوقِ، وَفِي بَعْضِهَا، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، وَفِي بَعْضِهَا «عَلَيْهِ رَدَعٌ مِنْ زَعْفَرَانَ» فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ كَانَ مِنْ زَعْفَرَانَ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ فَفِيهِ أَوْلَى؛ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ، الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ عَامَ الْجِعْرَانَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ سَنَةَ عَشْرٍ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ، وَالْحُكْمُ لَهُ.
(وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رَشَّ فِيهِ مَاءً هَاجَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَائِحَتَهُ تَظْهَرُ عند رَشَّ الْمَاءَ، والماء لَا رَائِحَةَ لَهُ أَشْبَهُ مَا لَوْ ظَهَرَ بِنَفْسِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ رِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ الْآنَ، أَشْبَهَ الَّذِي لَمْ يَتَطَيَّبْ أَصْلًا.
تَنْبِيهٌ: الْقَارِنُ كَغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَنَّهُمَا حُرْمَتَانِ كَحُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ إِحْرَامَانِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النُّسُكِ، وَنِيَّةَ الْحَجِّ غَيْرُ نِيَّةِ الْعُمْرَةِ، وَاخْتَارَ جَمْعٌ أَنَّهُ إِحْرَامٌ وَاحِدٌ كَبَيْعِ دَارٍ وَعَبْدٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ بِفِعْلِ الْمَحْظُورِ جَزَاءَانِ ذَكَرَهَا فِي " الْوَاضِحِ " وَذَكَرَ الْقَاضِي تَخْرِيجًا إِنْ لَزِمَهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ، وَخَصَّهَا ابْنُ عَقِيلٍ بِالصَّيْدِ كَمَا لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ بِإِحْرَامٍ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَكَمَا لَوْ وَطِئَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ.
فَصْلٌ وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهَا إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِي الْحِلِّ، فَيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا.
وَدَمُ
[المبدع في شرح المقنع]
[كُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ]
فَصْلٌ (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحَرَمِ أَوِ الْإِحْرَامِ (فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] وَيَجِبُ نَحْرُهُ بِالْحَرَمِ، وَيُجْزِئُ جَمِيعُهُ قَالَ: أَحْمَدُ: مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» وَفِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهٌ: لَا يُنْحَرُ فِي الْحَجِّ إِلَّا بِمِنًى، وَلَا فِي الْعُمْرَةِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَيَجِبُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْحَرَمِ أَوْ إِطْلَاقُهُ لِمَسَاكِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ كَالذَّبْحِ، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَةٌ، فَلَوْ سَلَّمَهُ لِلْفُقَرَاءِ سَلِيمًا فَذَبَحُوهُ أَجْزَأَ، وَإِلَّا اسْتَرَدَّهُ، وَنَحَرَهُ، فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ ضَمِنَهُ، وَالطَّعَامُ كَالْهَدْيِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ فَاخْتُصَّ بِهِمْ كَالْهَدْيِ، وَمَسَاكِينُ الْحَرَمِ مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُجْتَازًا مِنَ الْحَاجِّ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ بَانَ بَعْدَ الدَّفْعِ غِنَاهُ فَكَالزَّكَاةِ، وَمَا جَازَ تَفْرِيقُهُ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الذِّمَّةِ كَالْحَرْبِيِّ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُغَدِّيَ الْمَسَاكِينَ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ إِنْ جَازَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إِيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ، وَتَفْرِيقُهُ فِي غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] (إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهَا) كَالتَّقْلِيمِ، وَالطِّيبِ (إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِي الْحِلِّ فَيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ كَعْبًا بِهَا بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَهِيَ فِي الْحِلِّ، وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ، وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ: فِي غَيْرِ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ خُولِفَ فِيهِ لِمَا سَبَقَ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْفُصُولِ " الْعُذْرَ فِي الْمَحْظُورِ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمَعْذُورِ كَسَائِرِ الْهَدْيِ، وَعَنْهُ: فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ حَيْثُ قَتَلَهُ كَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ لِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ.
فَرْعٌ: وَقْتُ ذَبْحِهِ حِينَ فِعْلِهِ، وَلَهُ الذَّبْحُ قَبْلَهُ لِعُذْرٍ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ.
(وَدَمُ
الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَأَمَّا الصِّيَامُ، فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ.
وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أُحْصِرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا هَدْيَهُمْ، وَحَلُّوا، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ فَكَانَ مَوْضِعَ ذَبْحِهِ كَالْحَرَمِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَطْرَافِ الْحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لِلْمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِهِ إِلَّا فِي الْحَرَمِ فَيَبْعَثُهُ إِلَى الْحَرَمِ، وَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى نَحْرِهِ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ النَّحْرُ فِي الْحَرَمِ أَشْبَهُ مَا لَوْ حُصِرَ فِيهِ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى مَا إِذَا كَانَ حَصْرُهُ خَاصًّا، وَأَمَّا الْحَصْرُ الْعَامُّ فَلَا، وَقَوْلُهُ ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] فِي حق غير الْمُحْصَرِ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَحَلُّلَ الْمَحْصَرِ مِنَ الْحِلِّ، وَتَحَلُّلَ غَيْرِهِ مِنَ الْحَرَمِ فَكَلٌّ يَنْحَرُ فِي مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ.
(وَأَمَّا الصِّيَامُ) وَالْحَلْقُ وَهَدْيُ تَطَوُّعٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَمَا سُمِّيَ نُسُكًا (فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ لِعَدَمِ تَعَدِّي نَفْعِهِ، وَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ بِخِلَافِ الْهَدْيِ.
(وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ، وَفَسَّرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النُّسُكَ فِي خَبَرِ كَعْبٍ بِذَبْحِ شَاةٍ، وَالْبَاقِي مَقِيسٌ، فَإِنِ اخْتَارَ ذَبْحَ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ لَحْمًا، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَيَلْزَمُهُ كُلُّهَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَمَا لَوِ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ: سُبُعُهَا، وَالْبَاقِي لَهُ أَكْلُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَذَبْحِ سَبْعِ شِيَاهٍ، وَهُوَ كَالْأُضْحِيَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَا يُجْزِئُ مَا لَا يُضَحَّى بِهِ.
[تُجْزِئُ الْبَقَرَةُ مَكَانَ الْبَدَنَةِ]
(وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَبِعَكْسِهَا.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْذُورَةً، وَنَصَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: مَالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
[المبدع في شرح المقنع]
إِحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ بَقَرَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُهُ مَعَ عَدَمِ الْبَدَنَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنْ كَانَتْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَجْزَأَتْ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ النَّعَامَةَ، وَيُجْزِئُ عَنْهَا سَبْعُ شِيَاهٍ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُولَةٌ بِسُبُعٍ بدنة، وَهِيَ دَمٌ كَامِلٌ، وَأَطْيَبُ لَحْمًا، وَعَنْهُ: ثُمَّ عَدِمَهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا عَشْرُ شِيَاهٍ لِقَوْلِ رَافِعٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْعَلُ فِي قَسْمِ الْغَنَمِ عَشْرًا مِنَ الشِّيَاهِ بِبَعِيرٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ: الْخَلَّالُ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَمَنْ لَزِمَهُ سَبْعُ شِيَاهٍ أَجْزَأَهُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " لِإِجْزَائِهِمَا عَنْ سَبْعَةٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِلَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ أَطْيَبُ، وَالْبَقَرَةُ كَالْبَدَنَةِ فِي إِجْزَاءِ سَبْعِ شِيَاهٍ عَنْهَا
[بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ]
[مَا قَضَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ في جزاء الصيد]
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَهُوَ وَاجِبٌ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] فَجَزَاءٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَمَنْ نَوَّنَ " جَزَاءٌ " - وَقُرِئَ بِهِ فِي السَّبْعَةِ - فَـ " مِثْلُ " صِفَةٌ، " و ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] " صِفَةٌ أُخْرَى لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " مِثْلُ " بَدَلًا، وَقُرِئَ شَاذًّا بِنَصْبِ " مِثْلُ " أَيْ: يُخْرِجُ مِثْلَ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقُرِئَ بِإِضَافَةِ الْجَزَاءِ إِلَى " مِثْلِ " فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الزَّائِدِ كَقَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ " ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] " بِقَوْلِهِ " فَجَزَاءٌ " إِنْ نَصَبْتَ " مِثْلًا " لِعَمَلِهِ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ صِلَتِهِ لَا إِنْ رَفَعْتَهُ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ صِلَتِهِ، وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِصِفَةٍ أَوْ بَدَلٍ، وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِهِ إِنْ أَضَفْتَهُ، وَيَجُوزُ جَعْلُهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ " قَتَلَ "؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ يَكُونُ مِنَ النَّعَمِ، " و ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: 95] " صِفَةٌ لِجَزَاءٍ إِذَا نَوَّنْتَهُ، وَإِذَا أَضَفْتَهُ فَفِي مَوْضِعِ حَالٍ عَامِلُهَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ الْمُقَدَّرِ فِي الْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ.
(وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنَّهَا لَا
أَحَدُهُمَا قَضَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ، فَفِيهِ مَا قَضَتْ فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرَتِهِ وَالْإِيَّلِ وَالثَّيْتَلِ وَالْوَعْلِ بَقَرَةٌ، وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ وَفِي الْغَزَالِ وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
تَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ (فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، (وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: قَضَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّهُمْ (فَفِيهِ: مَا قَضَتْ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» وَلِقَوْلِهِ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «اقْتَدَوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ» ، وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، وَأَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ، فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خَلْقِهِ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَجَعَلَهَا الْخِرَقِيُّ مِنْ أَقْسَامِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا جَنَاحَيْنِ فَيُعَايَا بِهَا، فَيُقَالُ: طَائِرٌ تَجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ، (وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ) بَقَرَةٌ، قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَقَالَهُ عُرْوَةُ، وَمُجَاهِدٌ؛ لِأَنَّهَا شَبِيهٌ بِهِ، وَعَنْهُ: بَدَنَةٌ، وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، (وَبَقَرَتِهِ) أَيْ: فِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ قَضَى بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ، وَعَنْهُ: لَا جْزَاءَ لِبَقَرَةِ وَحْشٍ، كَجَامُوسٍ، (وَالْإِيَّلِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مُشَدَّدَةً: الذَّكَرُ مِنَ الْأَوْعَالِ فِيهِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَالثَّيْتَلِ) هُوَ الْوَعِلُ الْمُسِنُّ، (وَالْوَعْلِ) هُوَ تَيْسُ الْجَبَلِ وَجَمْعُهُ: وُعُولٌ (بَقَرَةٌ) قَالَ الْأَصْحَابُ: كَالْإِيَّلِ، وَعَنْهُ: فِي كُلٍّ مِنْهَا بَدَنَةٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْوَاضِحِ " وَفِي " صِحَاحِ
وَفِي الْوَبْرِ وَالضَّبِّ جَدْيٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَوْهَرِيِّ " وَالْوَعْلُ هِيَ: الْأَرْوَى، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: فِيهَا بَقَرَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَقَرة: مَا بَلَغَ أَنْ يُقْبَضَ عَلَى قَرْنِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ ثَوْرًا، (وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ، وَنَحْوِهِ مَرْفُوعًا، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَانَ الْعُلَمَاءُ بِالشَّامِ يَعُدُّونَهَا مِنَ السِّبَاعِ، وَيَكْرَهُونَ أَكْلَهَا، قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَهُوَ الْقِيَاسُ إِلَّا أَنَّ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ، وَالْآثَارِ أَوْلَى، (وَفِي الْغَزَالِ) عَنْزٌ قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَبَهًا بِالْعَنْزِ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَدُ الشَّعْرِ مُتَقَلِّصُ الذَّنَبِ، (وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَزَالِ، وَسَبَقَ أَنَّ الْأَشْهَرَ يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ حَرَّمْنَا أَكْلَهُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، كَمَا وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي الْمُتَوَلَّدِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ الْغَزَالِ إِذَا قُلْنَا بِإِبَاحَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، (وَفِي الْوَبْرِ) بِسُكُونِ الْبَاءِ دُوَيْبَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ السِّنَّوْرِ طَحْلَاءُ، وَلَا ذَنَبَ لَهَا، (وَالضَّبُّ) حَيَوَانٌ صَغِيرٌ لَهُ ذَنَبٌ شَبِيهٌ بِالْحِرْذَوْنِ (جَدْيٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الضَّبِّ، وَعَنْهُ: شَاةٌ، وَقَالَهُ جَابِرٌ وَعَطَاءٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَدْيَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّاةِ، وَأَمَّا الْوَبْرُ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى الضَّبِّ، وَفِي " الْمُغْنِي ": فِيهِ شَاةٌ، وَحَكَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ جَفْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْبَرَ مِنْهَا (وَفِي الْيَرْبُوعِ) قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: هُوَ الْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْفَأْرِ (جَفْرَةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٌ، وَهِيَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ (لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هِيَ الَّتِي فُطِمَتْ، وَرَعَتْ (وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْهُ، وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –
وَفِي الْحَمَامِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ شَاةٌ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا، وَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالصَّحِيحِ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ: فِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْعَنَاقُ: الْأُنْثَى مَنْ وَلَدِ الْمَعْزِ أَصْغَرُ مِنَ الْجَفْرَةِ (وَفِي الْحَمَامِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ شَاةٌ) حَكَمَ بِهِ عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ لِمَا سَبَقَ وَلِاخْتِلَافِ الْقِيمَةِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالسِّعْرِ وَصِفَةِ الْمُتْلَفِ وَلَمْ يُوصَفْ، وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ، مَعَ أَنَّ مَالِكًا، وَافَقَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ دُونَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي الْقِيمَةَ فِي كُلِّ طَيْرٍ تَرَكْنَاهُ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ لِمَا تَقَدَّمَ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ قُلْنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَضَى فِي حَمَامَةٍ حَالَ الْإِحْرَامِ بِشَاةٍ؛ لِأَنَّهَا حَمَامَةٌ مَضْمُونَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ فَضُمِّنَتْ بِشَاةٍ كَحَمَامَةِ الْحَرَمِ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ مَا عَبَّ.
بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: وَضَعَ مِنْقَارَهُ فِي الْمَاءِ فَيَكْرَعُ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ، وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ.
وَهَدَرَ أَيْ صَوَّتَ، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ شَاةً لِشَبَهِهِ فِي كَرْعِ الْمَاءِ، وَلَا يَشْرَبُ كَبَقِيَّةِ الطُّيُورِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَنَدِي: كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ كَالْحَمَامِ فِيهِ شَاةٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَوَاخِتُ، وَالْقَمَرِيُّ، وَالْقَطَا، وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهَا حَمَامًا، (وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَجَلُ مِنَ الْحَمَامِ؛ لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ.
[مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ في جزاء الصيد]
(النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ) بِشَيْءٍ (فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] . وَظَاهِرُهُ لَا يَكْفِي وَاحِدٌ، (مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إِلَّا بِهَا، وَلِاعْتِبَارِهَا بِكُلِّ مَا يُحْكَمُ بِهِ فَيَعْتَبِرَانِ الشَّبَهَ خِلْقَةً لَا قِيمَةً لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ كَتَقْوِيمِهِ عَرْضَ التِّجَارَةِ لِإِخْرَاجِهَا، وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا الْقَاتِلَيْنِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِمَا إِذَا قَتَلَهُ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ يُنَافِي الْعَدَالَةَ أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ لِعَدَمِ فِسْقِهِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَعَلَى قِيَاسِهِ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ.
وَالْمَعِيبِ مِثْلُهُ إِلَّا الْمَاخِضَ تُفْدَى بِقِيمَةِ مِثْلِهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيهَا مِثْلُهَا وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ بِأَعْوَرَ مِنْ أُخْرَى، وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى، وَفِي فِدَائِهَا بِهِ وَجْهَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ) وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحَائِلِ (مِثْلُهُ) لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ، وَالْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ كَالْبَهِيمَةِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي الزَّكَاةِ يَضَمَنُ مَعِيبًا بِصَحِيحٍ، ذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ، وَخَرَّجَهُ فِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالًا مِنَ الرِّوَايَةِ هُنَاكَ، وَفِيهَا يَتَعَيَّنُ الْكَبِيرُ أَيْضًا فَمِثْلُهُ هُنَا.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ مُقَيِّدٌ بِالْمَثَلِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إِيجَابِ مَا لَا يَصْلُحُ هَدْيًا كَالْجَفْرَةِ، وَالْعَنَاقِ، وَلَا يَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ فِي أَبْعَاضِهِ، لَكِنْ إِنْ فَدَى الْمَعِيبَ بِصَحِيحٍ فَهُوَ أَفْضَلُ بِلَا نِزَاعٍ (إِلَّا الْمَاخِضَ) أَيِ: الْحَامِلَ الَّتِي دَنَا وَقْتُهَا، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلِ الْعِبْرَةُ بِالْحَمْلِ (تُفْدَى بِقِيمَةِ مِثْلِهَا) قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ لَحْمِهَا، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيهَا مِثْلُهَا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الْقِيمَةِ عُدُولٌ عَنِ الْمِثْلِ مَعَ إِمْكَانِهِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: يُفْدِي بِحَائِلٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تَزِيدُ فِي لَحْمِهَا كَلَوْنِهَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا جَنَى عَلَى مَاخِضٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا ضَمِنَ نَقْصَ الْأُمِّ فَقَطْ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا؛ لَأَنَّ الْحَمْلَ مِنَ الْبَهَائِمِ زِيَادَةٌ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " إِذَا صَادَ حَامِلًا فَإِنْ تَلِفَ حَمْلُهَا ضَمِنَهُ، وَفِي " الْفُصُولِ " يَضْمَنُهُ إِنْ تَهَيَّأَ لِنَفْخِ الرُّوحِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَصِيرُ حَيَوَانًا كَمَا يَضْمَنُ جَنِينَ امْرَأَةٍ بِغُرَّةٍ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ جَزَاؤُهُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَمِثْلُهُ يَعِيشُ، وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ إِلَى أَنْ يَطِيرَ؛ لأنه مضمون وَلَيْسَ بِمُمْتَنَعٍ.
(وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ بِأَعْوَرَ مِنْ أُخْرَى) ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَحَلُّهُ، وَمِثْلُهُ أَعْرَجُ مِنْ قَائِمَةٍ بِأَعْرَجَ مِنْ أُخْرَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ، وَعَكْسِهِ، لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ، (وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى) ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ،
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ إِلَّا مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، فَهَلْ تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ أَتْلَفْ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ قِيمَةِ مَثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
وَإِنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَتَلِفَ بِشَيْءٍ ضَمِنَهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَرْطَبُ قَالَ: جَمَاعَةٌ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ، (وَفِي فِدَائِهَا بِهِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ، وَهِيَ أَطْيَبُ فَيَتَسَاوَيَانِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ لَيْسَتْ مَنْ جِنْسِ زِيَادَتِهَا، أَشْبَهَ فِدَاءَ الْمَعِيبِ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، وَكَالزَّكَاةِ.
[مَا لَا مِثْلَ لَهُ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ، وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ) إِذَا كَانَ دُونَ الْحَمَامِ (فَفِيهِ قِيمَتُهُ) لِمَا رَوَى النَّجَّادُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أُصِيبَ مِنَ الطَّيْرِ دُونَ الْحَمَامِ فَفِيهِ الدِّيَةُ أَيْ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ كَمَالِ الْآدَمِيِّ (إِلَّا مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ) كَالْكُرْكِيِّ، وَالْأوزِّ، وَالْحُبَارَى (فَهَلْ تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، بَلْ طَعَامًا، وَقِيلَ: بَلَى، وَالثَّانِي: يَجِبُ شَاةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَكَالْحَمَامِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ) أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ (فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ) إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ؛ ضُمِنَتْ أَبْعَاضُهُ كَالْآدَمِيِّ فَيَقَوَّمُ الصَّيْدُ سَلِيمًا، ثُمَّ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَوَّلًا عَشَرَةً، وَثَانِيًا ثَمَانِيَةً، فَالْوَاجِبُ دِرْهَمَانِ (أَوْ قِيمَةُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عند الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ يَشُقُّ إِخْرَاجُهُ فَيَمْتَنِعُ إِيجَابُهُ، وَلِهَذَا عَدَلَ الشَّارِعُ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ إِلَى الشَّاةِ، فَيُقَوِّمُ الْمِثْلَ سَلِيمًا بِعَشَرَةٍ مَثَلًا، وَمَعِيبًا بِسِتَّةٍ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ سِتَّةً، وَظَهَرَ بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْوِيمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ قَدْ يَنْقُصُ شَيْئًا لَا يَنْقُصُ الصَّيْدُ بِقَدْرِهِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى نَعَامَةٍ، قِيمَتُهَا صَحِيحَةٌ عِشْرُونَ، وَمَقْطُوعَةٌ يَدُهَا عَشْرٌ، فَالنُّقْصَانُ الرُّبْعُ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى مِثْلِهَا وَهِيَ الْبَدَنَةُ، فَقِيمَتُهَا مَثَلًا سَلِيمَةً مِائَةٌ، وَمَقْطُوعَةٌ يَدُهَا خَمْسُونَ فَالنُّقْصَانُ النِّصْفُ، فَلَوِ اعْتَبَرَ نَفْسَ الصَّيْدِ كَانَ الْوَاجِبُ خَمْسَةً،
وَإِنْ جَرَحَهُ، فَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ.
وَإِنِ انْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ فَعَادَ، فَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَوِ اعْتَبَرَ الْمِثْلَ كَانَ الْوَاجِبُ خَمْسِينَ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِ مِثْلِهِ كَالْمَكِيلَاتِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هنا غير ثَابِتَةٌ لِوُجُودِ الْخِيَرَةِ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْمِثْلِ إِلَى عِدْلِهِ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الصِّيَامِ فَيَنْتَفِي الْمَانِعُ.
(وَإِنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَتَلِفَ بِشَيْءٍ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ دَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ فَعَلَّقَ رِدَاءَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْحَمَامُ، فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ، فَسَأَلَ مَنْ مَعَهُ فَحَكَمَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بِشَاةٍ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَا إِنْ جَرَحَهُ فَتَحَامَلَ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ أَمَّا إِنْ نَفَّرَهُ إِلَى مَكَانٍ فَسَكَنَ بِهِ، ثُمَّ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَشْهَرِ (وَإِنْ جَرَحَهُ فَغَابَ، وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ) إِذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ مُوحٍ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ فَنُقَوَّمَهُ صَحِيحًا، وَجَرِيحًا جِرَاحَةً غَيْرَ مُنْدَمِلَةٍ، فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ سُدْسَهُ، وَهُوَ مِثْلِيٌّ فَقِيلَ: يَجِبُ سدس مِثْلُهُ، وَقِيلَ: قِيمَةُ سُدْسِ مِثْلِهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ كُلَّهُ، فَلَوْ كَانَ مُوحِيًا وَغَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَقَتْلِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ: إِذَا جَرَحَهُ وَغَابَ وَجَهِلَ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ (وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا، وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: يَضْمَنُ كُلَّهُ إِحَالَةً لِلْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ الْمَعْلُومِ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِهَا، وَهَذَا أَقْيَسُ كَنَظَائِرِهِ، (وَإِنِ انْدَمَلَ) أَيْ: صَلُحَ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ فَصَارَ كَتَالِفٍ وَكَجُرْحٍ تَيَقَّنَ بِهِ مَوْتَهُ.
وَقِيلَ: يَضْمَنُ مَا نَقَصَ؛ لِئَلَّا يَجِبَ جَزَاءَانِ لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، فَلَوْ جَرْحَهُ جُرْحًا غَيْرَ مُوحٍ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى فَمَاتَ ضَمِنَهُ كُلَّهُ لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّيْدَ يُضْمَنُ مِمَّا يَضْمَنُ بِهِ الْآدَمِيُّ مِنْ مُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ (وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ) أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ (فَعَادَ) بِأَنْ حَفِظَهُ وَأَطْعَمَهُ، وَسَقَاهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ زَالَ، أَشْبَهُ مَا لَوِ
شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ، وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ، وَعَنْهُ: إِنْ كَفَّرُوا بِالْمَالِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
انْدَمَلَ الْجُرْحُ (وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ) ؛ لِأَنَّ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ فَإِنْ صَارَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ الرِّيشِ فَهُوَ كَالْجُرْحِ، وَإِنْ غَابَ فَفِيهِ مَا نَقَصَ لَا كُلُّ الْجَزَاءِ، (وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ) بِجَزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَدَّدَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالضَّمَانِ بِتَعَدُّدِ الْإِتْلَافِ كَمَالِ الْآدَمِيِّ، وَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِهِ هُنَا عَلَى مَا إِذَا تَعَدَّدَ قَتْلُ الصَّيْدِ، وَكَانَ الْجَزَاءُ مُخْتَلِفًا كَالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْكَبْشِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَدَاخُلُهُ كَالْحُدُودِ، وَخَوْفًا لَهُ مِنَ التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ إِخْرَاجُ جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جُرْحِهِ، وَقَبْلَ مَوْتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ (وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الْمِثْلَ بِقَتْلِهِ فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْقَتْلُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُؤَدِّي إِلَى خُرُوجِ الرُّوحِ، وَهُوَ فِعْلُ الْجَمَاعَةِ، لَا كُلِّ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِعَبْدِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَجَاءَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُعَرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، وَيُحْتَمَلُ التَّبْعِيضُ فَكَانَ وَاحِدًا كَقِيَمِ الْمَتْلَفَاتِ، وَكَذَا الدِّيَةُ لَا كَفَّارَةُ الْقَتْلِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَمَتَى ثَبَتَ اتِّحَادُ الْجَزَاءِ فِي الْهَدْيِ ثَبَتَ فِي الصَّوْمِ لِلنَّصِّ (وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، أَشْبَهَ كَفَّارَةَ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، (وَعَنْهُ: إِنْ كَفَّرُوا بِالْمَالِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَلَمْ يُكَمَّلْ كَالدِّيَةِ، (وَإِنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ) نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَنَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وذكرها الحلواني عَنِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَفَّارَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكَمُلَ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - تَعَالَى - عَطَفَ عَلَى الْبَدَلِ الْكَفَّارَةَ، وَقِيلَ: لَا جَزَاءَ عَلَى مُحْرِمٍ مُمْسِكٍ مَعَ مُحْرِمٍ قَاتِلٍ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ لُزُومِ الْمُتَسَبِّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ.
وَقِيلَ: الْقَرَارُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ فِعْلَ الْمُمْسِكِ عِلَّةً.
قَالَ
بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ، فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِي مِثْلِهِ، وَإِنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَرْسَلَ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ عَلَى الْمُمْسِكِ، لِتَأَكُّدِهِ، وَإِنَّ عَكْسَهُ الْمَالُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
[بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ]
[حُكْمُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ]
بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ (وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعَضَّدُ شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لَقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيَحْرُمُ عَلَى دَالٍّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا حُرِّمَتْ بِسُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَهَا أَيْ: أَظْهَرَ تَحْرِيمَهَا، وَبَيَّنَهُ.
(فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِي مِثْلِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ، وَلِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْجَزَاءِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِلَّا بِقِيمَتِهِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُضْمَنُ مِنَ الْإِحْرَامِ يُضْمَنُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا الْقَمْلَ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرِّمَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِأَجْلِ الرَّفَهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ كَالطِّيبِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَلَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ جَزَاءَانِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى.
فَرْعٌ: إِذَا دَلَّ مُحِلٌّ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ، فَقَتَلَهُ، ضَمِنَاهُ بِجَزَاءٍ وَاحِدٍ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ.
كَلْبَهُ عَلَيْهِ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ، أَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِيهِ، فَهَلَكَ فِرَاخُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَتَلَ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ أَوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً فِي الْحَرَمِ، فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ، أَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِيهِ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَهَذَا مِنْ صَيْدِهِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ صَيْدَهُ مَعْصُومٌ مَحَلُّهُ بِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، فَلَا يَخْتَصُّ مَنْ فِي الْحَرَمِ، وَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ الْفِرَاخَ دُونَ أُمِّهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ إِذِ الْقَاتِلُ حَلَالٌ مِنَ الْحِلِّ، (وَإِنْ قَتَلَ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ أَوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحِلِّ لَمْ يَضْمَنْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُهُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا اعْتِبَارًا بِالْقَاتِلِ، وَلِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْحَرَمِ، وَالْغُصْنُ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ، فَوَجَبَ الْجَزَاءُ احْتِيَاطًا، وَقَدَّمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": يَجِبُ ضَمَانُ الْفَرْخِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ تَلَفِهِ، وَإِنْ فَرَّخَ فِي مَكَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ عَنْهُ بِالْخِلَافِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَقَفَ صَيْدٌ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ، وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ، حُرِّمَ تَغْلِيبًا، وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ فَقَطْ فِيهِ، فَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فِي الْحَرَمِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ، ضَمِنَهُ
فَصْلٌ وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ إِلَّا الْيَابِسَ وَالْإِذْخِرَ وَمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّ،
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ بَلْ دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا بِإِرْسَالِ طَيْرٍ عَلَيْهِ، أَشْبَهُ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَهْمٍ، وَحَكَى صَالِحٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِنْ كَانَ الصَّيْدُ قَرِيبًا مِنَ الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ لِتَفْرِيطِهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ صَيْدًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَيْهِ كَاسْتِرْسَالِهِ، وَعَنْهُ: بَلَى لِتَفْرِيطِهِ (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا أَشْبَهُ مَا لَوْ رَمَى حجرا، فأصاب صَيْدًا، إِذِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَاحِدٌ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَبِهِ فَارَقَ الْكَلْبُ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا وَقَصْدًا، وَفِي " الْفُرُوعِ ": إِنْ قَتَلَ السَّهْمُ صَيْدًا غَيْرَ الَّذِي قَصَدَهُ فَكَالْكَلْبِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ الرَّامِي.
فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ الْبَرِّيِّ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ «وَلَا يُعَضَّدُ شَجَرُهَا» فَدَخَلَ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَالشَّوْكِ، وَالْعَوْسَجِ قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ كَالسِّبَاعِ، (وَحَشِيشِهِ) لِقَوْلِهِ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» قَالَ: أَحْمَدُ لِلْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ لَا يُحْتَشُّ مِنْ حَشِيشِ الْحَرَمِ، وَيَعُمُّ الْأَرَاكَ، وَالْوَرَقَ (إِلَّا الْيَابِسَ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَكَذَا مَا انْكَسَرَ، وَلَمْ يُبْنَ فَإِنَّهُ كَظُفْرٍ مُنْكَسِرٍ، وَلَا بِأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِمَا
وَفِي جَوَازِ الرَّعْيِ وَجْهَانِ، وَمَنْ قَلَعَهُ ضَمِنَ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَالْحَشِيشَ
[المبدع في شرح المقنع]
زَالَ بِغَيْرِ فِعْلٍ آدَمِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي الْقَطْعِ، (وَالْإِذْخِرَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْعَبَّاسِ «إِلَّا الْإِذْخِرَ» وَيُلْحَقُ بِهِ الْكَمْأَةُ، وَالثَّمَرَةُ، (وَمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّ) ؛ لِأَنَّ فِي تَحْرِيمِهِ ضَرَرًا عَلَى مَنْ زَرَعَهُ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرَعًا فَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصُهُ بِالزَّرْعِ مِنَ الْبَقْلِ وَالرَّيَاحِينِ وَالزَّرْعِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّرْعِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْمَنْعُ فِيمَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنَ الشَّجَرِ، وَهُوَ خِلَافُ الرَّاجِحِ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ عَلَى إِبَاحَتِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنَ الْأَشْجَارِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْبَنَّا فِي " خِصَالِهِ " بِالْجَزَاءِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ شَجَرِهَا، وَكَمَا لَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ أَنْبَتَهُ فِي الْحَرَمِ أَوَّلًا فَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ أَنْبَتَهُ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ غَرَسَهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": إِنَّ مَا أَنْبَتَهُ مِنْ جِنْسِ شَجَرِهِمْ لَا يَحْرُمُ كَجَوْزٍ، وَنَخْلٍ كَالزَّرْعِ، وَالْآهِلُ مِنَ الْحَيَوَانِ، فإنا إِنَّمَا أَخْرَجْنَا مِنَ الصَّيْدِ مَا كَانَ أَصْلُهُ إِنْسِيًّا دُونَ مَا تَأْنَسُ مِنَ الْوَحْشِ، كَذَا هُنَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ فَيَعُمُّ الْأَشْجَارَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ وَأَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ، وَالْجَوَابُ عَنِ النَّهْيِ بِأَنَّ شَجَرَ الْحَرَمِ هُوَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ، وَهَذَا مُضَافٌ إِلَى مَالِكِهِ فَلَا يَعُمُّهُ الْخَبَرُ.
(وَفِي جَوَازِ الرَّعْيِ) أَيْ: رَعْيِ حَشِيشِهِ (وَجْهَانِ) وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ: إحداهما: الْمَنْعُ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُهُ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ إِتْلَافُهُ بِنَفْسِهِ حَرُمَ أَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِ مَا يُتْلِفُهُ كَالصَّيْدِ، وَعَكْسُهُ الْإِذْخِرُ.
وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ أَبُو حَفَصٍ الْعُكْبَرِيُّ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ الْحَرَمَ فَتَكْثُرُ فِيهِ فَلَمْ يُنْقَلْ شَدُّ أَفْوَاهِهَا، وَلِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَالْإِذْخِرِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْخِلَافُ إِنْ أَدْخَلَهَا لِلرَّعْيِ، فَإِنْ أَدْخَلَهَا لِحَاجَتِهِ، فَلَا ضَمَانَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِنِ احْتَشَّهُ لَهَا
بِقِيمَتِهِ، وَالْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ سَقَطَ الضَّمَانُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَمَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
فَكَرَعْيِهِ (وَمَنْ قَلَعَهُ) أَيْ: شَجَرَ الْحَرَمِ وَحَشِيشَهُ (ضَمِنَ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ (الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ) جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَالدَّوْحَةُ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ وَكَالْمُتَوَسِّطَةِ، وَعَنْهُ: فِي الْكَبِيرَةِ بَدَنَةٌ (وَالْحَشِيشَ) وَالْوَرَقَ (بِقِيمَتِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ تَرَكَ فِيمَا تَقَدَّمَ لَفْظَ الصَّحَابَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، (وَالْغُصْنُ مَا نَقَصَ) كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ نَقَصَ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ فِيهِ بمَا نَقَصَهُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ فَنَقَصَ، وَعَنْهُ: فِي الْغُصْنِ الْكَبِيرِ شَاةٌ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِقِيمَتِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرِّرِ ".
فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمِثْلَ قَوَّمَهُ، ثُمَّ صَامَ، نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " يُخَيَّرُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ تَقْوِيمِهَا، وَيَفْعَلُ بِثَمَنِهَا كَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَفِي " الْفُصُولِ " مَنْ لَمْ يَجِدْ، قَوَّمَ الْجَزَاءَ طَعَامًا كَصَيْدٍ (فَإِنِ اسْتَخَلَفَ سَقَطَ الضَّمَانُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا لَوْ قَطَعَ شَعْرَ آدَمِيٍّ، ثُمَّ نَبَتَ، وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ شَعْرًا ثُمَّ عَادَ، وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَقْطُوعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالصَّيْدِ، وَقِيلَ: يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُ قَاطِعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ فَهُوَ كَقَلْعِ الرِّيحِ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَلَعَ شَجَرَةً مِنَ الْحَرَمِ فَغَرَسَهَا فِيهِ فَنَبَتَتْ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهَا، وَلَمْ يُزِلْ حُرْمَتَهَا، فَإِنْ نَقَصَتْ، ضَمِنَ نَقْصَهَا أَوْ يَبِسَتْ، ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا، وَإِنْ غَرَسَهَا فِي الْحِلِّ فَنَبَتَتْ، رَدَّهَا لِإِزَالَةِ حُرْمَتِهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَوْ يَبِسَتْ ضَمِنَهَا، وَإِنْ قَلَعَهَا غَيْرُهُ فِي الْحِلِّ فَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِخِلَافِ مَنْ نَفَّرَ صَيْدًا، فَخَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ الْمُنَفِّرُ لَا قَاتِلُهُ؛ لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ، وَيُحْتَمَلُ فِيمَنْ قَلَعَهُ أَنَّهُ كَدَالٍّ مَعَ قَاتِلٍ، فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رُدَّ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ.
قَطَعَ غُصْنًا فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ، وَإِنْ قَطَعَهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَصْلُهُ فِي الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَمَنْ قَطَعَ غُصْنًا فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بَعْضُ الْأَصْلِ مِنَ الْحَرَمِ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ كَالصَّيْدِ، (وَإِنْ قَطَعَهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَصْلُهُ فِي الْحِلِّ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ، وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
فَائِدَةٌ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حَدَّ الْحَرَمِ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا، وَمِنَ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ إِضَاءَةِ لِينٍ، وَمِنَ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ عَلَى ثَنِيَّةِ زُحَلَ جَبَلٍ بِالْمُنْقَطِعِ، وَمِنَ الطَّائِفِ وَعَرَفَاتٍ وَبَطْنِ نَمِرَةَ كَذَلِكَ عِنْدَ طَرَفِ عُرَنَةَ، وَمِنَ الْجِعْرَانَةُ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ، وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةُ أَمْيَالٍ عند مُنْقَطِعُ الْأَعْشَاشِ، وَمِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُخْرِجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ، وَلَا يُدْخِلُ مِنَ الْحِلِّ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا يُخْرِجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إِلَى الْحِلِّ، وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ وَاقْتَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ إِخْرَاجُهُ إِلَى الْحِلِّ، وَفِي إِدْخَالِهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الْفُصُولِ ": لَا يَجُوزُ فِي تُرَابِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهَا يُكْرَهُ أَيْضًا فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ، كَتُرَابِ الْحَرَمِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يَحْرُمُ لِأَنَّ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ انْتِفَاعًا بِالْمَوْقوفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِطِيبِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، وَيُلْزِقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ، فَأَمَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَلَا يُكْرَهُ إِخْرَاجُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَخْرَجَهُ كَعْبٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْمِلُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ كَالثَّمَرَةِ.
فَصْلٌ وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا إِلَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ وَالْعَارِضَةِ وَالْقَائِمَةِ وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ، وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا، فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
[يَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا]
فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَعَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: «إِنِّي أُحْرِمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَحْرِيمُ صَيْدِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ مِلْكِ الصَّيْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الصِّحَّةِ احْتِمَالَيْنِ (إِلَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ) أَيْ: رَحْلِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْقَتْبِ، (وَالْعَارِضَةِ) أَيْ: مَا يُسْقَفُ بِهِ الْمَحْمَلُ، (وَالْقَائِمَةِ) إِحْدَى قَائِمَتَيِ الرَّحْلِ اللَّتَيْنِ فِي مُقَدَّمِهِ، وَمُؤَخَّرِهِ، لِقَوْلِ جَابِرٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ وَأَصْحَابُ نَضْحٍ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا فَرَخِّصْ لَنَا، فَقَالَ: " الْقَائِمَتَانِ وَالْوِسَادَةُ وَالْعَارِضَةُ وَالْمَسَدُ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعَضَّدُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.» الْمَسَدُ: هُوَ عُودُ الْبَكَرَةِ فَاسْتَثْنَى الشَّارِعُ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ مُبَاحًا كَاسْتِثْنَاءِ الْإِذْخِرِ بِمَكَّةَ، (وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ بِقُرْبِهَا فَالْمَنْعُ مِنْهُ ضَرَرٌ بِخِلَافِ مَكَّةَ، (وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، «لِقَوْلِ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ: أَحْسَبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النَّغِيرُ لِنُغَرٍ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ
وَلَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْمَدِينَةِ، وَعَنْهُ: جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ وَحَدُّ حَرَمِهَا مَا
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ.
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: حُكْمُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ حُكْمُ حَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا سَبَقَ، إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ (وَلَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْمَدِينَةِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، أَوْ لَا يَصْلُحُ لِأَدَاءِ النُّسُكِ أَوْ لِذَبْحِ الْهَدَايَا، وَكَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَكَصَيْدِ وَجٍّ وَشَجَرِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُرْمَةِ الضَّمَانُ، وَلَا مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ (وَعَنْهُ: جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ) نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ مِنْ كُتِبِ الْخِلَافِ لِمَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِهَا كَمَكَّةَ، وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ كَحَرَمِ مَكَّةَ وَالْإِحْرَامِ، وَسَلَبُهُ: ثِيَابُهُ قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالسَّرَاوِيلُ، زَادَ جَمَاعَةٌ: وَزِينَةٌ كَمِنْطَقَةٍ وَسِوَارٍ وَخَاتَمٍ وَآلَةِ اصْطِيَادٍ؛ لِأَنَّهَا آلَة لفِعْل الْمَحْظُورِ، وَلَيْسَتِ الدَّابَّةُ مِنْهُ، بِخِلَافِ قَاتِلِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى الْأَشْهَرِ لِئَلَّا يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْحَرْبِ، فَعَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ أَحَدٌ لَزِمَهُ التَّوْبَةُ فَقَطْ، (وَحَدُّ حَرَمِهَا) مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
اللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وَهِيَ أَرْضٌ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ قَالَ أَحْمَدُ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، وَكَذَا فَسَّرَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدُّهَا مِنْ جِهَتِيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَنْ رَوَى «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا» فَالْمُرَادُ بِهِ مِنْ جِهَتِيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ،
بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى.
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ يَقُولُهُ.
(مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ) لِمَا رَوَى عَلَيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: أَكْثَرُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرُوا عَيْرًا، فَأَمَّا ثَوْرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَنَّى عَنْهُ بِكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ مَكَانَهُ بَيَاضًا، لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ذِكْرَ ثَوْرٍ خَطَأً قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُ الْحَدِيثِ «مِنْ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ» وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ، حَرَمُ الْمَدِينَةِ قَدْرُ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ وَعَيْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَمَنَعَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَجُودَهُمَا بِالْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ عَيْرًا جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِهَا وَكَذَا ثَوْرٌ، وَهُوَ جَبَلٌ خَلْفَ أُحُدٍ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الثِّقَاتُ، يُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ ( «وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
تَذْنِيبٌ: مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي سُوقِ مَكَّةَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ.
وَعَنْهُ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَسُئِلَ عَنِ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: بِالْمَدِينَةِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْ رَافِعٍ مَرْفُوعًا: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى وَقْتِ كَوْنِ مَكَّةَ دَارَ حَرْبٍ، أَوْ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهَا، وَالشَّرْعُ يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَكَذَا لَا يُعْرَفُ «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ»
بَابُ ذِكْرِ دُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ: بَعْدَ مَكَّةَ، وَمَا رُوِيَ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَفْضِيلِهَا لَا أَفْضَلِيَّتُهَا، وَكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خُلِقَ مِنْهَا، وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ فَتَرْبَتُهُ خَيْرُ التُّرَبِ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ فَضْلَ الْخِلْقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ التُّرْبَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَدُلَّ أَنَّ تُرْبَتَهُ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْحُجْرَةِ فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهَا، فَلَا وَاللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمْلَتُهُ وَالْجَنَّةُ؛ لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَجَزَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَالْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ، وَتَضَاعُفُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَاضِلٌ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّيِّئَاتِ.
[بَابُ ذِكْرِ دُخُولِ مَكَّةَ]
[مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ]
بَابُ ذِكْرِ دُخُولِ مَكَّةَ وَهِيَ عَلَمٌ عَلَى جَمِيعِ الْبَلْدَةِ الْمُعَظَّمَةِ الْمَحْجُوجَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، وَسُمِّيَتْ بِهِ لِقِلَّةِ مَائِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَمُكُّ مَنْ ظَلَمَ فِيهَا أَيْ: تُهْلِكُهُ، وَيُزَادُ فِيهَا بَكَّةُ فِي قَوْلِ الضَّحَّاكِ، وَقِيلَ: بِالْبَاءِ اسْمٌ لِبُقْعَةِ الْبَيْتِ، وَبِالْمِيمِ: مَا حَوْلَهُ، وَقِيلَ: بَكَّةُ اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ، وَالْبَيْتِ، وَمَكَّةُ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ.
(يَسْتَحَبُّ) لِلْمُحْرِمِ (أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَظَاهِرُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ "؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخْلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " نَهَارًا، وَإِنَّمَا
بَنِي شَيْبَةَ، فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنًا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مِنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[المبدع في شرح المقنع]
كَرِهَهُ مِنَ السُّرَّاقِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا، وَيُسْتَحَبُّ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى كُدَيٍّ بِضَمِّ الْكَافِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالْأَوَّلُ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَالدَّالِّ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ مُتَصَرِّفٌ، وَغَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وَالثَّنِيَّةُ فِي الْأَصْلِ: الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، (ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) «لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ دَخَلَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيَقُولُ حِينَ دُخُولِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» . ذَكَرَهُ " فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ".
(فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ» ، وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ (وَكَبَّرَ) وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا كَالتَّهْلِيلِ، (وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ حَيِّنًا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ» ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
وَمَعْنَى السَّلَامِ الْأَوَّلِ: اسْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالثَّانِي: مَنْ أَكْرَمْتَهُ بِالسَّلَامِ فَقَدْ سَلِمَ، وَالثَّالِثُ: سَلِّمْنَا بِتَحِيَّتِكَ إِيَّانَا مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ.
ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا» أَيْ: تَبْجِيلًا (وَتَشْرِيفًا) أَيْ: رِفْعَةً وَإِعْلَاءً (وَتَكْرِيمًا) أَيْ: تَفْضِيلًا (وَمَهَابَةً) أَيْ: تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا (وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ ( «وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ، وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا
الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنَيْ كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ.
ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إِنَّ كَانَ مُعْتَمِرًا، أَوْ طَوَافِ الْقُدُومِ إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارَنًا، وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ» سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ، وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرُ الْحَرَمِ، قَالَهُ الْعُلَمَاءُ، «وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ اللَّهُمَّ تَقَبُّلَ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنَيْ كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " كَالْمُقْنِعِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَدَعَا وَقَالَ: وَمِنْهُ وَلَمْ يَذْكِرِ الْأَخِيرَ، وَمَهْمَا زَادَ مِنَ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ (يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَاسْتُحِبَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا.
[أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ عند زيارة البيت الطَوَاف]
(ثُمَّ يَبْتَدِئُ) بِالطَّوَافِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ إِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ تَحِيَّةٌ، فَاسْتُحِبَّ كَتَحِيَّةِ غَيْرِهِ بِالرَّكْعَتَيْنِ، وَمَحَلُّهُ: مَا لَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ فَرْضٍ أَوْ فَائِتَةٍ، أَوْ تُقَامُ الْمَكْتُوبَةُ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ أَوِ الْوَتْرِ، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ (بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا) ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِفَسْخِ نُسُكِهِمْ إِلَيْهَا أَمْرَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا لِلْعُمْرَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْحِلِّ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَوَافِ قُدُومٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحِيَّةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ (أَوْ طَوَافُ الْقُدُومِ) وَيُسَمَّى الْوُرُودَ (إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا) لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا كَذَلِكَ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي " الْفُصُولِ " وَ " التَّرْغِيبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
نَقَلَ حَنْبَلٌ: يُرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهِيَ بَعْدَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ: الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ