المبدع في شرح المقنعصفحات 74-113

قَضَى، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِي الْمُتَتَابِعِ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الِاسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

بِأَنَّا سَوَّيْنَا فِي نَذْرِ الصَّوْمِ بَيْنَ الْأَعْذَارِ، وَبِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا زَمَنَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَظَاهِرُ " الْمُغْنِي ": لَا يَقْضِي، وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَطَاوَلْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَقْضِي، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، كَمَا لَوْ طَالَتْ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْحَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ، (وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ) كَشَهْرِ رَمَضَانَ، وَنَحْوِهِ (قَضَى) مَا تَرَكَ لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا يُكَفِّرُ، وَنَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي الْخُرُوجِ لِفِتْنَةٍ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِيهَا، وَالْخُرُوجِ لِنَفِيرٍ، وَعِدَّةٍ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ، إِذِ النَّذْرُ كَالْيَمِينِ، وَالثَّانِي لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ.
وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَكَرَمَضَانَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِطْرَهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا نَذَرَ أَيَّامًا مُطْلَقَةً فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ التَّتَابُعُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، فَكَالْأُولَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ تَمَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ لِيَكُونَ مُتَتَابِعًا.
وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ، وَيُكَفِّرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ من الْمُتَتَابِعِ) الْمَنْذُورِ (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا بِهِ أَشْبَهَ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ قَلَّ كَالْجِمَاعِ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا عَامِدًا فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَقَدْ سَبَقَ، فَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فِي الْمَنْصُوصِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: إِذَا خَرَجَ فِي مُتَتَابِعٍ مُتَعَيِّنٍ، كَنَذْرِهِ شَعْبَانَ مُتَتَابِعًا اسْتَأْنَفَ كَالْقَسَمِ قَبْلَهُ وَيُكَفِّرُ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ) وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالتَّتَابُعِ كَنَذْرِهِ اعْتِكَافَ رَجَبٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ بِلَا عُذْرٍ، (وَفِي الِاسْتِئْنَافِ

الْفَرْجِ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ، فَأَنْزَلَ، فَسَدَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، ذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِتَضَمُّنِ نَذْرِهِ التَّتَابُعَ وَلِأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْمُدَّةِ الْمُطْلَقَةِ.
وَالثَّانِي: يَبْنِي؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ هُنَا حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَأَصْلُهُمَا: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَأَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ.
(فَرْعٌ) : إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ فَأَفْطَرَ يَوْمًا أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ لِتَرْكِهِ الْإِتْيَانَ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِي الْفَرْجِ) فَهُوَ حَرَامٌ لِلنَّصِّ (فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
رَوَاهُ حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَإِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ يَشْمَلُ الْعَمْدَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَكَالْحَجِّ، وَخَرَّجَ الْمَجْدُ فِي الصَّوْمِ عَدَمَ الْبُطْلَانِ مَعَ عَدَمِ النِّسْيَانِ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَبْنِي (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِأَجْلِ الْوَطْءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، إِذِ الْوُجُوبُ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ، وَكَالصَّلَاةِ، وَالثَّانِيَةُ: وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ كَرَمَضَانَ وَكَالْحَجِّ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ (إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ) كَذَا خَصَّ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ الْوُجُوبَ وَفِي " الْفُصُولِ " يَجِبُ فِي التَّطَوُّعِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا الْمَجْدُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِهَا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ نَذْرٍ، وَهِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلِكَوْنِهِ أَفْسَدَ الْمَنْذُورَ بِالْوَطْءِ، قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (وَقَالَ الْقَاضِي) فِي " الْخِلَافِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ (عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ وَطْءٍ أَشْبَهَ الْمُظَاهِرَ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي نَذْرٍ، وَقِيلَ: مُعَيَّنٍ، فَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَتَانِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَأَحْرَمَ، ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِلْوَطْءِ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ لِلنَّذْرِ (وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ

اعْتِكَافُهُ، وَإِلَّا فَلَا.

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمُ، وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ، إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَجْزُومِ بِهِ عند الْأَكْثَرِ.
وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِابْنِ عَبْدُوسٍ (وَإِلَّا فَلَا) كَالصَّوْمِ، فَإِذَا فَسَدَ خَرَجَ فِي الْكَفَّارَةِ الْخِلَافُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: يَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ تَجِبُ بِالْإِنْزَالِ عَنْ وَطْءٍ لَا عَنْ لَمْسٍ وَقُبْلَةٍ، وَالنَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي إِطْلَاقِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: لَا يَبْطُلُ كَالصَّوْمِ، وَلَا تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ بِلَا شَهْوَةٍ كَتَغْسِيلِ رَأَسِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا: تَحْرُمُ كَشَهْوَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ.
مَسْأَلَةٌ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنِ الْجِمَاعِ فِيهِ أَوْ فَوْقَهُ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَهُ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ، وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
فَرْعٌ: إِذَا سَكِرَ فِي اعْتِكَافِهِ، فَسَدَ وَلَوْ سَكِرَ لَيْلًا، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، كَالْحَيْضِ، وَلَا يَبْنِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَإِنِ ارْتَدَّ فِيهِ فَسَدَ كَالصَّوْمِ.

[يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ]

(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ) كَالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -، (وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَعْنِيهِ) مِنَ الْجِدَالِ، وَالْمِرَاءِ، وَكَثْرَةِ الْكَلَامِ، وَالسِّبَابِ، وَالْفُحْشِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَلِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ، فَفِيهِ أَوْلَى، وَلَيْسَ الصَّمْتُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.
وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إِلَى اللَّيْلِ، فَإِنْ نَذَرَهُ لَمْ يَفِ بِهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ بَدَلًا مِنَ الْكَلَامِ ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ كَتَوَسُّدِ الْمُصْحَفِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِالْكَرَاهَةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِنْ قَالَ: عِنْدَ مَا أَهَمَّهُ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] فَحَسَنٌ (وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمُ وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ - فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَجِبُ فِيهِ، وَاعْتَكَفَ فِي قُبَّةٍ، وَكَالطَّوَافِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَقْرَأُ، وَلَا يَكْتُبُ الْحَدِيثَ، وَلَا يُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ (إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ) لَا الْمُبَاهَاةَ، لِظَاهِرِ الْأَدِلَّةِ وَكَالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَتَّسِعُ لِمَقْصُودِ الْإِقْرَاءِ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فِعْلُ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الِاعْتِكَافِ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِتَعَدِّي نَفْعِهِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَيُتَخَرَّجُ فِي كَرَاهَةِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْإِقْرَاءِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَا بَأْسَ أَنْ تَزُورَهُ زَوْجَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَتَحَدَّثَ مَعَهُ، وَتُصْلِحَ شَأْنَهُ مَا لَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَيَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ مَا لَمْ يُكْثِرْ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا يُرِيدُ خَفِيفًا بِحَيْثُ لَا يَشْغَلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَيُصْلِحَ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَيَعُودَ الْمَرِيضَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيُهَنِّئَ، وَيُعَزِّيَ، وَيُؤَذِّنَ، وَيُقِيمَ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُ لُبْسِ رَفِيعِ الثِّيَابِ، وَأَنْ لَا يَنَامَ إِلَّا عَنْ غَلَبَةٍ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ، وَأَنْ يَنَامَ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا " وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي رَفِيعِ الثِّيَابِ.
وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ، وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ صِيَانَةً لَهُ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: يُسَنُّ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، وَنَقَلَ ابْنُ تَمِيمٍ عَكْسَهُ كَالتَّنْظِيفِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ.
الثَّالِثَةُ: يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِيهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ صَائِمًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمِنْهَاجِ " وَمَعْنَاهُ فِي " الْغُنْيَةِ " خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَفِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " يُكْرَهُ فَإِنْ حُرِّمَ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، وَيُكْرَهُ إِحْضَارُ السِّلْعَةِ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالثَّانِي، وَيُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ فِيهِ الْيَسِيرُ كَالْكَثِيرِ، لَكِنْ نَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ وَشِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ طَعَامٌ وَغَيْرُهُ، فَأَمَّا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

التِّجَارَةُ وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ، فَلَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَسَّبَ بِالصَّنْعَةِ فِيهِ كَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، وَالْمُحْتَاجُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: التَّوَقُّفَ فِي اشْتِرَاطِهِ فَقِيلَ لَهُ: يَشْتَرِطُ أَنْ يَخِيطَ؛ قَالَ: لَا أَدْرِي.
وَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَإِنِ احْتَاجَ لِلُبْسِهِ خِيَاطَةً لَا لِلتَّكَسُّبِ، فَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا يَجُوزُ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، كَلَفِّ عِمَامَتِهِ وَالتَّنْظِيفِ وَلَا يَعْمَلُ الصَّنْعَةَ لِلتَّكَسُّبِ، وَلَا بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُنَافِي حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ إِبَاحَتِهِ فِي مَمَرِّهِ.

كِتَابُ الْمَنَاسِكِ

يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ولله على الناس حج البيت فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً.

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْمَنَاسِكِ]

[تَعْرِيفُ الْمَنَاسِكِ]

ِ وَاحِدُهَا مَنْسَكٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا فَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ.
وَهِيَ فِي الْأَصْلِ النَّسِيكَةِ، وَهِيَ الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَصَارَ اسْمًا لِلْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ: نَاسِكٌ، وَقَدْ غَلَبَ إِطْلَاقُهَا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِهَا، وَأُخِّرَ الْحَجُّ عَنِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ، لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الزَّكَاةُ لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ الصَّوْمُ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ نَحْوَ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] وَنَحْوَ «فَلْيَمُتَ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» ، وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ.

[حُكْمُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]

(يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَعَكْسُهُ شَهْرُ الْحِجَّةِ.
وَهُوَ لُغَةً: الْقَصْدُ إِلَى مَنْ نُعَظِّمُهُ.
وَشَرْعًا: قَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ.
وَالْعُمْرَةُ لُغَةً: الزِّيَارَةُ يُقَالُ: اعْتَمَرَهُ إِذَا زَارَهُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَشَرْعًا زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهِ، وَسَنَدُهُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ هُوَ نَصُّ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِقَوْلِهِ، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] . وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؛ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
«وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى إِحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْحَجِّ، وَعَنْهُ: هِيَ سُنَّةٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: زَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ فَقَالَ: " صَدَقَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ اسْمَ الْحَجِّ يَتَنَاوَلُهَا، وَفِي ثَالِثَةٍ: تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَكِّيِّ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ فِي " الْمُغْنِي " إِذْ رُكْنُ الْعُمْرَةِ وَمُعْظَمُهَا هُوَ الطَّوَافُ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً، وَيَقُولُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إِنَّمَا عُمْرَتُكُمُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً) لِمَا «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ؛ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا

بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا.
وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

ثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِالْعُمْرِ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ

[شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ]

(بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ) هُمَا شَرْطَانِ لِلصِّحَّةِ، وَالْوُجُوبِ (فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) أَصْلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مُنَافٍ لَهُ، (وَلَا مَجْنُونٍ) لِلْخَبَرِ، وَلِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وَقَصْدُ الْفِعْلِ شَرْطٌ، (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُمَا، لَكِنَّ الْكَافِرَ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ كَالتَّوْحِيدِ إِجْمَاعًا، وَعَنْهُ: لَا، وَهُوَ الْأَشْهَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَعَنْهُ: يُعَاقَبُ عَلَى النَّوَاهِي فَقَطْ، وَالْمُرْتَدُّ مِثْلُهُ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي رِدَّتِهِ إِذَا أَسْلَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ كَالْأَصْلِيِّ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ حَجَّ، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ حَجٌّ ثَانٍ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَيَبْطُلُ إِحْرَامُهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّتِهِ فِيهِ كَالصَّوْمِ، وَلَا تَبْطُلُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْجُنُونِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَعْقِدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الثَّانِيَةِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَيَبْطُلُ الْإِحْرَامُ بِالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَقِيلَ: لَا، كَالْمَوْتِ فَيَصِيرُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمَعْرُوفُ لَا يَبْطُلُ بِهِ كَالسُّكْرِ.
(وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ) هُمَا شَرْطَانِ لِلْوُجُوبِ، وَالْإِجْزَاءِ (فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ) لِلْخَبَرِ، ولِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، (وَلَا عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ فَلَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ السَّيِّدِ كَالْجِهَادِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الشَّهَادَةُ، (وَيَصِحُّ مِنْهُمَا) لِمَا «رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إِلَيْهِ صَبِيًّا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فَصَحَّا مِنْهُ كَالْحُرِّ، (وَلَا يُجْزِئُهُمَا) عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالْعِتْقِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ.

يُجْزِئُهُمَا إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ وَيُعْتَقَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا فَيُجْزِئُهُمَا، وَيُحْرِمُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلِأَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ قَبْلَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يُجْزِئْهُمَا إِذَا صَارَا مِنْ أَهْلِهِ كَالصَّبِيِّ يُصَلِّي ثُمَّ يَبْلُغُ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شُذُوذًا، بَلْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا.
تَنْبِيهٌ: الْمُكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ كَالْقِنِّ (إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ) الصَّبِيُّ، (وَيُعْتَقَ) الْعَبْدُ (فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا فَيُجْزِئُهُمَا) لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِالنُّسُكِ حَالَ الْكَمَالِ فَأَجْزَأَهُمَا كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ، وَإِنْ أُعْتِقَ بِجَمْعٍ لَمْ يُجْزِئْ عَنْهُ، لَكِنْ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ، وَلَوْ أَقَلُّ جُزْءٍ عَادَ فَوَقَفَ بِهَا، أَجْزَأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ إِذَنْ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا يُعْتَدُّ بِإِحْرَامٍ وَوُقُوفٍ مَوْجُودَيْنِ إِذَنْ، وَمَا قَبْلَهُ تَطَوُّعٌ لَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا، وَقَالَ الْمَجْدُ وَآخَرُونَ: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ مَوْقُوفًا فَإِذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ تَتَبَيَّنُ فَرِيضَتُهُ كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ لَا فَرْقَ فِي وُجُودِ ذَلِكَ قَبْلَ السَّعْيِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقُلْنَا بِعَدَمِ رُكْنِيَّتِهِ أَوْ سَعَى وَقُلْنَا بِرُكْنِيَّتِهِ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِحُصُولِ الرُّكْنِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَتَبَعِيَّةُ غَيْرِهِ لَهُ، وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ ": هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لِوُقُوعِ الرُّكْنِ في غير وَقْت الْوُجُوبِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ بَلَغَ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُهُ وَإِنْ أَعَادَ السَّعْيَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدِهِ، وَلَا تَكْرَارُهُ، وَاسْتِدَامَةُ الْوُقُوفِ مَشْرُوعٌ، وَلَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ جَارٍ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا زَالَ الْمَانِعُ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهَا لَا يُجْزِئُهُ، وَلَا أَثَرَ لِإِعَادَتِهِ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالْإِجْزَاءِ فَلَا دَمَ لِنَقْصِهِمَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ كَاسْتِمْرَارِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا زَالَ الْمَانِعُ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ فِي وَقْتِهِ، وَأَمْكَنَ الْإِتْيَانَ لَزِمَهُ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مَعَ الْإِمْكَانِ كَالْبَالِغِ الْحُرِّ.
1 - (وَيُحْرِمُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ) بِنَفْسِهِ (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ

وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَنَفَقَةِ الْحَجِّ وَكَفَّارَاتِهِ فِي مَالِ الْوَلِيِّ، وَعَنْهُ: فِي

[المبدع في شرح المقنع]

يُؤَدِّي إِلَى لُزُومِ مَالٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ.
فَعَلَى هَذَا يُحَلِّلُهُ مِنْهُ إِنْ رَآهُ ضَرَرًا فِي الْأَصَحِّ كَعَبْدٍ.
وَالْوَلِيُّ: مَنْ يَلِي مَالَهُ.
وَظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَصِحُّ مِنَ الْأُمِّ أَيْضًا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي عُصْبَتِهِ كَالْعَمِّ وَابْنِهِ وَجْهَانِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُحْرِمُ عَنِ الْمُمَيِّزِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ (وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أَيْ: يَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ، وَيَقَعُ لَازِمًا، وَحُكْمُهُ كَالْمُكَلَّفِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ فَأَحْرَمْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ كَالْبَالِغِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ فَصَحَّ عَقْدُهُ لَهُ كَالنِّكَاحِ، (وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ) لِمَا «رَوَى جَابِرٌ قَالَ: لَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرَّمْيِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ.
رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ.
فَدَلَّ أَنَّ مَا أَمْكَنَ الصَّبِيَّ فِعْلُهُ مِنْ وُقُوفٍ وَمَبِيتٍ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ إِنَّمَا تَجُوزُ مَعَ الْعَجْزِ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ إِلَّا مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ كَالنِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْإِجْزَاءِ هُنَاكَ فَكَذَا هُنَا، وَإِلَّا وَقَعَ الرَّمْيُ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّ كَانَ مُحْرِمًا بِفَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا يَقَعُ الْإِحْرَامُ بَاطِلًا هُنَاكَ فَكَذَا الرَّمْيُ هُنَا، وَإِنْ أَمْكَنَ الصَّبِيُّ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَا نَاوَلَهُ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ أَنْ تُوضَعَ الْحَصَاةُ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيُرْمَى عَنْهُ.
فَلَوْ جَعَلَ كَفَّ الصَّبِيِّ كَالْآلَةِ، وَرَمَى بِهَا عَنْهُ، فَحَسَنٌ، ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنِ الطَّوَافِ، طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنَ الطَّائِفِ بِهِ، وَكَوْنِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يُعْقَدَ لَهُ الْإِحْرَامُ فَإِنْ نَوَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الصَّبِيِّ، وَقَعَ عَنِ الصَّبِيِّ، كَالْكَبِيرِ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ، وَلَا فَرْقَ فِي حَامِلِهِ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا أَسْقَطَ فَرْضَ نَفْسِهِ أَوْ لَا، كَوُجُودِ الطَّوَافِ مِنَ الصَّبِيِّ فَهُوَ كَمَحْمُولٍ مَرِيضٍ.
تَنْبِيهٌ: يَجْتَنِبُ فِي حَجِّهِ مَا يَجْتَنِبُهُ الْكَبِيرُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، وَالْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُخَاطَبُ بِخِطَابٍ تَكْلِيفِيٍّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تُجَرِّدُ الصِّبْيَانَ إِذَا دَنَوْا

مَالِ الصَّبِيِّ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إِلَّا بِإِذْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

مِنَ الْحَرَمِ، وَقَالَ عَطَاءٌ يَفْعَلُ بِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْكَبِيرُ، وَيَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالْمَجْنُونِ إِذَا احْتَلَمَ، وَقِيلَ: يَصِحُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَالْبَالِغِ، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزَامِهِ وُجُوبَ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قَضَى بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهَا انْصَرَفَ إِلَيْهَا، وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْقَضَاءِ بِفِطْرٍ، فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَ فِي الْفَاسِدَةِ جُزْءًا مِنَ الْوُقُوفِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِلَّا فَلَا.
(وَنَفَقَةُ الْحَجِّ وَكَفَّارَتُهُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (وَعَنْهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ) اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ لِيَأْلَفَ الْحَجَّ، وَيَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ، وَكَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ، وَحَامِلِهِ لِشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ يَخْتَصُّ بِمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى الصَّغِيرِ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْأَوَّلَ، زَادَ الْمَجْدُ: وَمَالُهُ كَثِيرٌ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَأَمَّا سَفَرُهُ مَعَهُ لِخِدْمَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ إِلَى مَكَّةَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَهِيَ عَلَى الصَّبِيِّ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلِيِّ وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ، وَالْمُؤَلِّفُ سَوَّى بَيْنَهُمَا كَغَيْرِهِ، وَيَخْتَصُّ الْخِلَافُ مَا فَعَلَهُ الصَّبِيُّ، وَيَلْزَمُ الْبَالِغَ كَفَّارَتُهُ مَعَ خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ، قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ فَعَلَهُ الْوَلِيُّ لِمَصْلَحَتِهِ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ لِبَرْدٍ أَوْ تَطْبِيبِهِ لِمَرَضٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ بِهِ الْوَلِيُّ لَا لِعُذْرٍ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَمَا لَا يَلْزَمُ الْبَالِغَ كَفَّارَتُهُ مَعَ خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ، لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ، فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْوَلِيِّ وَدَخَلَ فِيهَا الصَّوْمُ [صَامَ عَنْهُ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً] ، كَصَوْمِهَا عَنْ نَفْسِهِ.
1 - (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، (وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) لِتَفْوِيتِ حَقِّهِ، وَقَيَّدَهُ بِالنَّفْلِ مِنْهَا دُونَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ بِحَالٍ بِخِلَافِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَنْجَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ نَذَرَهُ لَزِمَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَصَحَّ نَذْرُهُ كَالْحُرِّ، لَكِنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَذْرُهُ بِإِذْنِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى: لَا؛ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَى

زَوْجِهَا فَإِنْ فَعَلَا، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَيَكُونَانِ كَالْمُحْصَرِ، وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنِهِ لَمْ يَجُزْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْفَوْرِ لَمْ يَمْنَعْهُ (فَإِنْ فَعَلَا) انْعَقَدَ إِحْرَامُهَما؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَصَحَّتْ بِغَيْرِ إِذْنٍ كَالصَّوْمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَتَخَرَّجُ بُطْلَانُ إِحْرَامِهِ لِغَصْبِهِ نَفْسَهُ فَيَكُونُ قَدْ حَجَّ فِي بَدَنِ غَصْبٍ، فَهُوَ آكَدُ مِنَ الْحَجِّ بِمَالٍ غَصْبٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا لَازِمٌ فَمَلَكَا إِخْرَاجَهُمَا مِنْهُ كَالِاعْتِكَافِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فِي الْعَبْدِ كَالصَّوْمِ الْمُضِرِّ بِبَدَنِهِ، وَلَا يَفُوتُ بِهِ حَقٌّ.
وَالثَّانِيَةُ - وَنَقَلَهَا وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ -: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ حَلَّلَهَا فَلَمْ يَقْبَلْ، أَثِمَتْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا، (وَيَكُونَانِ كَالْمُحْصَرِ) لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ، (وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنِهِ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ، وَكَنِكَاحٍ، وَإِعَارَةٍ كَرَهْنٍ.
وَعَنْهُ: لَهُ تَحْلِيلُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ مَنَافِعَ نَفْسِهِ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ فِيهَا كَالْمُعِيرِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ إِحْرَامٍ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَا بِنَذْرٍ أُذِنَ فِيهِ لَهُمَا أَوْ لَمْ يُأْذَنْ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنْ عَلِمَ الْعَبْدُ بِرُجُوعِ سَيِّدِهِ عَنْ إِذْنِهِ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ فَمُشْتَرِيهِ كَبَائِعِهِ فِي تَحْلِيلِهِ، وَلَهُ الْفَسْخُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ بَائِعُهُ تَحْلِيلَهُ فَيُحَلِّلُهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَفْسَدَ الْعَبْدُ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ كَالْحُرِّ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَيَصِحُّ فِي رِقِّهِ لِلُزُومِهِ لَهُ كَالنَّذْرِ بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إِنْ كَانَ شُرُوعُهُ فِيمَا أَفْسَدَهُ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ إِذْنَهُ فِيهِ إِذْنٌ فِي مُوجِبِهِ، وَمِنْ مُوجِبِهِ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ فَفِي مَنْعِهِ مِنَ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ كَالنَّذْرِ، وَفِي لُزُومِهِ الْقَضَاءُ لِفَوَاتٍ أَوْ إِحْصَارٍ الْخِلَافُ كَالْحُرِّ، وَإِنْ عُتِقَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ خَالَفَ فَكَالْحُرِّ فَإِنْ عُتِقَ فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ فِي حَالٍ يُدْرِكُ بِهِ حَجَّةَ الْفَرْضِ مَضَى فِيهَا، وَأَجْزَأَهُ عَنِ الْفَرْضِ، وَالْقَضَاءِ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُ حَيَاتِهِ كَحُرٍّ مُعْسِرٍ، وَإِنْ تَحَلَّلَ بِحَصْرٍ أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبْلَ الصَّوْمِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ

تَحْلِيلُهُمَا وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَا تَحْلِيلُهَا إِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَصُمْ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَحُكْمُ الصَّبِيِّ فِي الْقَضَاءِ لِفَوَاتٍ أَوْ إِحْصَارٍ، وَصِحَّتُهُ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْقَضَاءِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِجْزَاؤُهُ عَنْهُ، وَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْعَبْدِ.

(وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ) إِذَا كَمَّلَتِ الشُّرُوطَ، (وَلَا تَحْلِيلُهَا إِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَشْبَهَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ قَدْرَ نَفَقَةِ الْحَضَرِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، كَتَبَتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَذِنَ، وَإِلَّا حَجَّتْ بِمَحْرَمٍ، وَعَنْهُ: لَهُ تَحْلِيلُهَا، فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ مَنْعُهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَالْإِحْرَامُ إِنْ لَمْ تُكْمِلِ الشُّرُوطَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لَكِنْ لَوْ أَحْرَمَتْ إِذَنْ بِلَا إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا فِي الْأَصَحِّ كَالْمَرِيضِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ، فَحَلَفَ زَوْجُهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا تَحْجُجِ الْعَامَ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحِلَّ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ فَلَيْسَ لَهَا تَرْكُ الْفَرِيضَةِ لِأَجْلِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: الطَّلَاقُ هَلَاكٌ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ.
1 - فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ لِوَالِدٍ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ حَجٍّ وَاجِبٍ، وَلَا تَحْلِيلُهُ إِنْ أَحْرَمَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِهِ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَلَهُ مَنْعُهُ كَالْجِهَادِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ؛ لِوُجُوبِهِ بِشُرُوعِهِ فِيهِ، فَصَارَ كَالْوَاجِبِ ابْتِدَاءً، وَكَذَا لَيْسَ لِوَلِيِّ سَفِيهٍ مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ، وَيَدْفَعُ نَفَقَتَهُ إِلَى سَفِيهٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ، وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ الْحَضَرَ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا، فَالْأَصَحُّ لَهُ مَنْعُهُ وَتَحْلِيلُهُ بِصَوْمٍ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ مَنَعَهُ وَأَحْرَمَ، فَهُوَ كَمَنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ كَالْحَجِّ الْمَفْرُوضِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهَلْ يُلْحَقُ الْمَنْذُورُ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا أَوْ لَا كَالتَّطَوُّعِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ.
وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ.

فَصْلٌ الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الِاسْتِطَاعَةُ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً صَالِحَةً لِمِثْلِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

[الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ]

فَصْلٌ (الشَّرْطُ الْخَامِسُ الِاسْتِطَاعَةُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] وَلِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْتَطِيعِ؛ لِأَنَّ " مَنْ " بَدَلٌ مِنَ " النَّاسِ " فَتَقْدِيرُهُ (وَلِلَّهِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ) لِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ شَرْعًا وَعَقْلًا، (وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؛ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ السَّبِيلِ فَقَالَ: " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَكَذَا.
رَوَاهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ عَنْهُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا كَالْجِهَادِ، وَلَيْسَ هُوَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، وَالْإِجْزَاءِ فَإِنَّ خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ حَجُّوا، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إِنَّمَا شُرِطَتْ لِلْوُصُولِ فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ، أَجْزَأَهُ كَالْمَرِيضِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ وَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ وَالتَّكَسُّبُ بِالصَّنْعَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ.
وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لِمَنْ يَحْتَاجُهُمَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ: مَنْ قَدَرَ أَنْ يَمْشِيَ عَنْ مَكَّةَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ فَإِنْ كَانَ عَادَتَهُ السُّؤَالُ، وَالْعَادَةُ إِعْطَاؤُهُ فَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلَانِ،

بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ أَوْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعِنْدَنَا يُكْرَهُ لِمَنْ حِرْفَتُهُ السُّؤَالُ، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ: لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ، يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ.
وَيُعْتَبَرُ الزَّادُ مُطْلَقًا إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَكَوْنُهُ مِلْكَهُ، فَلَوْ وَجَدَهُ فِي الْمَنَازِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ سَوَاءٌ وَجَدَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِزِيَادَةٍ كَمَاءِ الْوُضُوءِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى وِعَاءِ الزَّادِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَأَمَّا الرَّاحِلَةُ فَلَا تُشْتَرَطُ إِلَّا مَعَ الْبُعْدِ، وَهُوَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَقَطْ، إِلَّا مَعَ عَجْزٍ كَشَيْخٍ كَبِيرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ (صَالِحَةً لِمِثْلِهِ بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ) عَادَةً؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الصَّلَاحِيَةُ كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الزَّادِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ وَالْأُمَرَاءِ، أَوْ مِنَ الْخَاصَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَفِي الرَّاحِلَةِ وَآلَتِهَا أَنْ يَكُونَ الْجَمَلُ جَيِّدًا بِمَحَارَةٍ إِنْ كَانَ كَالْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا تُشْتَرَطُ الْمَحَارَةُ إِذَا أَمْكَنَهُ الرُّكُوبُ عَلَى الْقَتْبِ، وَلَا كَوْنُ الْجَمَلِ جَيِّدًا قَالَهُ ابْنُ الْمَنْجَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ فِي الزَّادِ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ الدَّلِيلِ وَلِئَلَّا يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْحَجِّ بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ اعْتُبِرَ مَنْ يَخْدُمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فَظَاهِرُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَزِمَهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ (أَوْ) يَمْلِكُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) أَيِ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الثَّمَنِ كَمِلْكِ الْمُثَمَّنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّقَبَةُ فِي الْكَفَّارَةِ لِمِلْكِهَا، وَيُعْتَبَرُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ لِذَهَابِهِ وَعَوْدِهِ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يَقُومُ بِهَا عَلَى غُرَمَائِهِ فَهُنَا أَوْلَى، وَيَشْتَرِيهِمَا بِنَقْدٍ بِيَدِهِ، فَإِنْ فَضُلَ مِنْهُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَاسِعًا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَأَمْكَنَهُ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي الْخَادِمِ وَالْكُتُبِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا كَهُمَا، فَإِنِ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى نُسْخَتَيْ كِتَابٍ بَاعَ الْأُخْرَى (وَقَضَاءِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى بَرَاءَتِهَا.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ

وَخَادِمٍ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ؛ وَمُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ، فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ،

[المبدع في شرح المقنع]

أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لِلَّهِ - تَعَالَى - أَوْ لِآدَمِيٍّ (وَمُؤْنَتِهِ) لِقَوْلِهِ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» ، (وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ) الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْحَجِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(عَلَى الدَّوَامِ) وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَكِفَايَةٌ دَائِمَةٌ لَهُ، وَلِأَهْلِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى عِيَالِهِ إِلَى أَنْ يَعُودَ وَيَبْقَى لَهُ إِذَا رَجَعَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عَائِلَتِهِ عَلَى الدَّوَامِ مِنْ عَقَارٍ، أَوْ بِضَاعَةٍ، أَوْ صِنَاعَةٍ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ، وَكَالْمُفْلِسِ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الرَّوْضَةِ " إِلَى أَنْ يَعُودَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ مِثْلُهُ وَأَوْلَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي " الشَّرْحِ " إِلَى هَذَا وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا خَافَ الْعَنَتَ قَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَيْهِ لِوُجُوبِهِ إِذَنْ، وَلِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْحَجُّ كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْهُ، وَلِأَنَّهُ أَهَمُّ الْوَاجِبَيْنِ، وَيُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَصَالِحِهِ بَعْدَ إِحْرَازِ الْحَجِّ.
1 - (وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ) لِمَا سَبَقَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ، وَكَالْبَذْلِ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مَا بُذِلَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، أَوِ الْمَالَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِنَّةِ كَبَذْلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": لَا يَمْلِكُ، وَلَا يَجِبُ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَلَا فَرْقَ فِي الْبَاذِلِ أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا أَوْ قَرِيبًا حَتَّى الِابْنَ (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ) وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَيَأْتِي بِهِ (عَلَى الْفَوْرِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

«تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ» ؛ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ، وَحَدِيثِ الْفَضْلِ «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ كَالصِّيَامِ إِذْ لَوْ مَاتَ مَاتَ عَاصِيًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: لَا فِي الشَّابِّ، وَكَذَا الْخِلَافُ لَهُمْ فِي صَحِيحٍ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى زَمِنَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يَجِبُ مُوَسَّعًا، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ زَادَ الْمَجْدُ: مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ وَتَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحَارِبٍ وَلَا مَشْغُولٍ بِشَيْءٍ، وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ لَمْ يُسَمَّ قَضَاءً، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ الْمُوَسَّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ لِتَأْخِيرِهِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَيُسَمَّى قَضَاءً فِيهِ، وَفِي الزَّكَاةِ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهًا، ثُمَّ بَطَلَ بِمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَإِذًا لَا يُسَمَّى قَضَاءً، وَقِيلَ: إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُؤَخِّرْهُ؛ لِأَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَالْأَشْهَرُ: سَنَةَ تِسْعٍ فَقِيلَ أَخَّرَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: لِرُؤْيَةِ الْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ عُرَاةً، وَقِيلَ: بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ الزَّمَانُ فِيهَا كَهَيْئَتِهِ، وَتَتَعَلَّمَ مِنْهُ أُمَّتُهُ الْمَنَاسِكَ الَّتِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَيْهَا، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ، وَيُقَالُ: اجْتَمَعَ

فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ مِنْ بَلَدِهِ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ عُوفِيَ.
وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ لَزِمَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

يَوْمَئِذٍ أَعْيَادُ أَهْلِ كُلِّ دِينٍ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى الْحَجِّ (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) كَزَمَانَةٍ، وَنَحْوِهَا (لَزِمَهُ) عَلَى (الْفَوْرِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ الْحَجُّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَوْ كَانَ نَضْوَ الْخَلْقِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا يَرْكَبُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَمَاعَةٌ عَدَمَ الْقُدْرَةِ، وَيُسَمَّى: الْمَعْضُوبَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ فِيهِ كَالصَّوْمِ، وَشَرْطُهُ الِاسْتِطَاعَةُ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ الْعَجْزِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ النَّوْعِ بَلْ تَنُوبُ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ وَعَكْسُهُ، وَلَا كَرَاهِيَةَ فِي نِيَابَتِهَا عَنْهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفَوَاتِ رَمَلٍ وَحَلْقٍ وَرَفْعِ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ (مِنْ بَلَدِهِ) أَوْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ، كَالِاسْتِنَابَةِ عَنِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ كَذَلِكَ، فَكَذَا النَّائِمُ كَقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَافِيًا بِنَفَقَةِ رَاكِبٍ، فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَةَ رَاجِلٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي إِمْكَانِ الْمَسِيرِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ؛ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَسْقُطُ، وَعَلَى الثَّانِي: يَثْبُتُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، (وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمَعْضُوبِ، (وَإِنْ عُوفِيَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أُتِيَ بِمَا أَمَرَ بِهِ فَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، وَسَوَاءٌ عُوفِيَ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ أَوْ قَبْلَ فَرَاغِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ

ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا لَا خِفَارَةَ فِيهِ، وَيُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ.
وَعَنْهُ: أَنَّ إِمْكَانَ الْمَسِيرِ، وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ

[المبدع في شرح المقنع]

كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا، وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْبُرْءُ قَبْلَ إِحْرَامِ النَّائِبِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ اتِّفَاقًا؛ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَرْجُوَّ بُرْؤُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ كَالْمَحْبُوسِ.
(وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى الْوَاجِبِ مِنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ (لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ، كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ (إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ) أَيْ: يَكُونُ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَسِيرُ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ (وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا) ؛ لِأَنَّ فِي الْمَلْزُومِ بِدُونِهِ ضَرَرًا، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا، وَلَوْ غَيْرَ الطَّرِيقِ الْمُعْتَادِ بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا غَالِبُهُ السَّلَامَةُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «وَلَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى أَشْبَهَ الْبَرَّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَالِبٌ فَخِلَافٌ، وَخَرَّجَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا اسْتَوَى الْحَرِيرُ، وَالْكَتَّانُ، أَمَّا إِذَا غَلَبَ الْهَلَاكُ، لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا فِي الْبَحْرِ (لَا خِفَارَةَ فِيهِ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ يَسِيرَةً، ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ، (وَيُوجَدُ فِيهِ) أَيْ: فِي الطَّرِيقِ (الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ) أَيْ: يَجِدُ ذَلِكَ فِي الْمَنَازِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ حَمْلَ مَائِهِ، وَعَلَفِ بَهَائِمِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ لَأَدَّى إِلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَلِأَنَّهُ مُتَعَذِّرُ الْإِمْكَانِ، بِخِلَافِ زَادِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ.
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ، وَحَمْلُ الْكَلَأِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ إِمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ) مِنْ عُذْرٍ (مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وَلِتَعَذُّرِ فِعْلِ الْحَجِّ مَعَهُ؛ لِعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَظَهَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ وَسِعَةَ الْوَقْتِ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلِأَنَّ إِمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ

الْوُجُوبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخِفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهَا وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةً وَعُمْرَةً، فَإِنْ ضَاقَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْعِبَادَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ.
فَعَلَى هَذَا: هَلْ يَأْثَمُ إِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ؛ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ.
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخِفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهَا) ؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ يَقِفُ إِمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا، فَلَمْ يُمْنَعِ الْوُجُوبُ مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِهَا كَثَمَنِ الْمَاءِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَنْهُ بِالْيَسِيرَةِ، وَجَوَّزَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنِ الْمُخْفَرِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنَ الرَّعَايَا (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ) وَجَبَ قَضَاؤُهُ، (وَأُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَالدَّيْنِ، وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ لَا.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ، وَأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ بِإِيجَابِ نَفْسِهِ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ كَالصَّلَاةِ، وَيُسْتَنَابُ مِنْ أَقْرَبِ، وَطَنِهِ لِيَتَخَيَّرَ الْمَنُوبَ عَنْهُ، فَإِنْ لَزِمَهُ بِخُرَاسَانَ فَمَاتَ بِبَغْدَادَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَقَالَ: أَحْمَدُ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ، لَا مِنْ حَيْثُ مَوْتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْمَكَانَيْنِ، وَيُجْزِئُ دُونَ الْوَاجِبِ إِذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ كَحَاضِرٍ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لم يكْمل الْوَاجِبَ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ كَمَنْ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتٍ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ بِحَجٍّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ وَجَبَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَقَعُ

مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ، وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ.

فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا وَهُوَ زَوْجُهَا، أَوْ مَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَجُّ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَإِنْ مَاتَ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ فِي الطَّرِيقِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ فِيمَا بَقِيَ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَسَافَةً وَفِعْلًا وَقَوْلًا، وَإِنْ صُدَّ فَعَلَ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْوَاجِبِ (فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يُخْلِفْ مَا يَكْفِي الْحَجَّ مِنْ بَلَدِهِ (أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) وَتَزَاحَمُوا (أَخَذَ الْحَجُّ بِحِصَّتِهِ) كَمَا لَوْ خَلَّفَ مِائَةً، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَالْحَجُّ يَكْفِيهِ مِائَةٌ فَيَطْلُعُ لَهُ خَمْسُونَ، (وَحَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَعَنْهُ: يَسْقُطُ الْحَجُّ عُيِّنَ فَاعِلُهُ أَمْ لَا، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ لِتَأَكُّدِهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَوْصَى بِحَجٍّ نَفْلٍ أَوْ أُطْلِقَ جَازَ مِنَ الْمِيقَاتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ قَرِينَةٌ، وَقِيلَ: مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ كَحَجٍّ وَاجِبٍ، فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهُ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ حَجَّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: الْمُتَطَوِّعُ مَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ كَانَ.
أَصْلٌ: يَلْزَمُ الْأَعْمَى أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ كَالْبَصِيرِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ قَائِدٌ كَبَصِيرٍ يَجْهَلُ الطَّرِيقَ، وَهُوَ كَالْمُحْرِمِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يُشْتَرَطُ لِلْأَدَاءِ قَائِدٌ يُلَائِمُهُ أَيْ: يُوَافِقُهُ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَقِيلَ: وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ، فَلَوْ تَبَرَّعَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِلْمِنَّةِ.

[يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا]

فَصْلٌ (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ: رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ

تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا، وَعَنْهُ: أَنَّ

[المبدع في شرح المقنع]

مَعَهَا حُرْمَةٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ «ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» ، وَلَهُ أَيْضًا " ثَلَاثًا " وَهَذَا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَاصٌّ، وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَالزِّيَارَةِ وَالتِّجَارَةِ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجُوزِ، وَالشَّابَّةِ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ، وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: لَا يَحِلُّ سَفَرُهَا إِلَّا لِمَحْرَمٍ قَالَ: إِذَا صَارَ لَهَا سَبْعُ سِنِينَ أَوْ تِسْعٌ.
قُلْتُ: هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ، وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ، وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ مَعَ كُلِّ مَنْ أَمِنَتْهُ، وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يُخْشَى مِنْهُنَّ، وَلَا عَلَيْهِنَّ فِتْنَةٌ، وَعَنْهُ: لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَحُجُّ كُلُّ امْرَأَةٍ آمِنَةً مَعَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ، وَقَالَ: هَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَسُؤَالِهِمْ، فَخَرَجَتْ جَوَابًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمُ اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِإِمَاءِ الْمَرْأَةِ، وَعُتَقَائِهَا، لَكِنْ قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِمَاءُ الْمَرْأَةِ يُسَافِرْنَ مَعَهَا، وَلَا يَفْتَقِرْنَ إِلَى مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَأَمَّا عُتَقَاؤُهَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُنَّ كَالْإِمَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مَحْرَمٌ، وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَمَلَكْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِتْقِ، (وَهُوَ زَوْجُهَا أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [أَنْ] تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فصاعدا إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأُطْلِقَ عَلَى الزَّوْجِ مَحْرَمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سَفَرِ الْمَحْرَمِ مَعَهَا صِيَانَتُهَا، وَحِفْظُهَا مَعَ الْخَلْوَةِ، وَالنَّظَرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ (بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) كَرَضَاعٍ، وَمُصَاهَرَةٍ، وَوَطْءٍ مُبَاحٍ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ رَابُّهَا، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهَا، وَرَبِيبُهَا، وَهُوَ ابْنُ زَوْجِهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَخَرَجَ مِنْهُ الزَّانِي، وَالْوَاطِئُ بِشُبْهَةٍ، فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِأُمِّ الْمَوْطُوءَةِ، وَابْنَتِهَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مُبَاحٍ، قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَالتَّحْرِيمِ بِاللِّعَانِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " الْمَحْرَمِيَّةُ نِعْمَةٌ فَاعْتُبِرَ إِبَاحَةُ سَبَبِهَا كَسَائِرِ الرُّخَصِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَاخْتَارَهُ فِي " الْفُصُولِ " فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ لَا الزِّنَا، لَكِنْ يُسْتَثْنَى، وَمُرَادُهُمْ بِالشُّبْهَةِ الْوَطْءُ الْحَرَامُ مَعَ الشُّبْهَةِ.
ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ فَيَرِدُ عَلَى إِطْلَاقِهِ الْمُلَاعَنَةُ فَيُزَادُ فِيهِ سَبَبٌ مُبَاحٌ لِحُرْمَتِهَا، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْآدَمِيِّ " فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ، وَتَغْلِيظٌ لَا لِحُرْمَتِهَا، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِثْنَائِهِنَّ لِانْقِطَاعِ حُكْمِهِنَّ، وَظَهَرَ أَنَّ زَوْجَ الْأُخْتِ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِأُخْتِهَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لَيْسَ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِسَيِّدَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ أَبَدًا، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ الْمَحْرَمِيَّةُ، وَعَنْهُ: هُوَ مَحْرَمٌ، وَذَكَرَ فِي " شَرْحِ الْمَذْهَبِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا كَذِي مَحْرَمِهَا، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ، وَبِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ (إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا يَقُومَانِ بِأَنْفُسِهِمَا، فَكَيْفَ يَخْرُجَانِ مَعَ غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَحْرَمِ حِفْظُ الْمَرْأَةِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِي " الْفُرُوعِ ": ذَكَرًا وَيُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ، وَكَالْمَجُوسِ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مِثْلَهُ مُسْلِمٌ لَا يُؤْمَنُ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إِسْلَامُهُ إِنْ أُمِّرَ عَلَيْهَا، وَكَوْنُهُ بَاذِلًا لِلْخُرُوجِ مَعَهَا وَلَوْ عَبْدًا وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَهُمَا، وَلَوْ بَذَلَتِ النَّفَقَةَ، لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ مَعَهَا وَكَانَتْ كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا إِلَّا الْعَبْدَ إِذَا قُلْنَا: بِأَنَّهُ مَحْرَمٌ فَيَلْزَمُهُ السَّفَرُ مَعَهَا، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الزَّوْجَ بِالسَّفَرِ مَعَهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ أَوْ أَمْرُ تَخْيِيرٍ فَإِنْ أَرَادَ أَجْرَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَلْزَمُهَا،

الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ، مَضَتْ فِي حَجِّهَا، وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا نَذْرٌ وَلَا نَافِلَةٌ،

[المبدع في شرح المقنع]

وَيَتَوَجَّهُ كَنَفَقَتِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي التَّغْرِيبِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ لَمْ يَلْزَمْهَا لِلْمِنَّةِ، (وَعَنْهُ: أَنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ) كَإِمْكَانِ الْمَسِيرِ، وَتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وَلِوُجُودِ السَّبَبِ فَهُوَ كَسَلَامَتِهَا مِنْ مَرَضٍ، فَعَلَى هَذَا يَحُجُّ عَنْهَا كَمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَيَلْزَمُهَا أَنْ تُوصِيَ بِهِ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ دُونَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَسِعَةِ الْوَقْتِ، وَقَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَشَرْطُهَا فِي " الْهِدَايَةِ " لِلْوُجُوبِ قَالَ الْمَجْدُ: وَالتَّفْرِقَةُ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَيْنِ مُشْكِلَةٌ، وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِمَّا نَفْيًا، وَإِمَّا إِثْبَاتًا.
فَرْعٌ: إِذَا حَجَّتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَرُمَ، وَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ تَرَكَ حَقًّا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ، وَيَصِحُّ مِنْ مَعْضُوبٍ، وَأَجِيرِ خِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ أَوَّلًا، وَتَاجِرٍ وَلَا إِثْمَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
1 - (وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ، مَضَتْ فِي حَجِّهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالرُّجُوعِ لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَمَحَلُّهُ إِذَا تَبَاعَدَتْ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، وَأَمْكَنَهَا الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ، فَهُوَ أَوْلَى مِنَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَإِنْ مَاتَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ، (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ) فِي الصَّحِيحِ لِحَدِيثِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا (وَلَا نَذْرٌ وَلَا نَافِلَةٌ) أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِنَذْرٍ ولا نافلة من عليه حجة الإسلام (فَإِنْ فَعَلَ انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ

فَإِنْ فَعَلَ، انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَعَنْهُ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ.
وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ «هَذِهِ عَنْكَ وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» وَقَوْلُهُ أَوَّلًا «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ» أَيِ: اسْتَدِمْهُ، كَقَوْلِكَ لِلْمُؤْمِنِ: آمِنْ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُلْغَاةٌ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَنْعَقِدُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ أَرَادَ التَّلْبِيَةَ لِقَوْلِهِ هَذِهِ عَنْكَ، وَلَمْ يَجُزْ فَسْخُ حَجٍّ إِلَى حَجٍّ، وَعَنْهُ: يَقَعُ بَاطِلًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الْخِلَافِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ نَفْسَهُ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ، وَغَيْرُهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْإِحْرَامِ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ لارتكابه النهي، (وَعَنْهُ) : يَجُوزُ عَنْ غَيْرِهِ، (وَيَقَعُ مَا نَوَاهُ) قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَاهَانَ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا مَالَ لَهُ، أَيَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَ نَفْسِهِ، كَالزَّكَاةِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةٌ يَقَعُ عَمَّا نَوَاهُ بِشَرْطِ عَجْزِهِ عَنْ حَجَّةٍ لِنَفْسِهِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَنُوبُ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَ نَفْسِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مَا قِيلَ يَنُوبُ فِي نَفْلِ عَبْدٍ، وَصَبِيٍّ، وَيَحْرُمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَمَتَى وَقَعَ الْحَجُّ لِلْحَاجِّ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَنَابَ عَنِ الْمَعْضُوبِ أَوْ عَنِ الْمَيِّتِ وَاحِدًا فِي فَرْضِهِ، وَآخَرَ فِي نَذْرِهِ فِي سَنَةٍ جَازَ، وَزَعَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَكِنْ يُحْرِمْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوَّلًا أَيُّهُمَا أَحْرَمَ أَوَّلًا، فَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ الْأُخْرَى عَنِ النَّذْرِ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ (وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا كَالْمَعْضُوبِ.

فصل

[المبدع في شرح المقنع]

وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ كَالْفَرْضِ، وَمَحَلُّهُمَا: إِذَا أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ قَادِرًا وَلَمْ يُؤَدِّ الْفَرْضَ، لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِنَفْسِهِ فَنَائِبُهُ أَوْلَى، وَإِذَا أَدَّى فَرْضَهُ ثُمَّ عَجَزَ جَازَتِ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي الْفَرْضِ فَالنَّفْلُ أَوْلَى ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَيَكْفِي النَّائِبَ أَنْ يَنْوِيَ الْمُسْتَنِيبُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسْمِيَتُهُ لَفْظًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَهِلَ اسْمَهُ أَوْ نَسَبَهُ لَبَّى عَمَّنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ.

فَصْلٌ: فِي مُخَالَفَةِ النَّائِبِ إِذَا أَمَرَهُ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ حَجَّ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَقَعُ عَنِ الْآمِرِ، وَيَرُدُّ كُلَّ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: إِنْ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ، فَلَا، وَمِنْ مَكَّةَ يَرُدُّ مِنَ النَّفَقَةِ مَا بَيْنَهُمَا، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتٍ، وَمَنْ أُمِرَ بِإِفْرَادٍ فَقَرَنَ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زَادَ كَبَيْعٍ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى، وَقِيلَ: هَدَرٌ، وَكَذَا إِنْ تَمَتَّعَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَيْنِ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ فَيَرُدُّ حِصَّتَهَا، وَمَنْ أُمِرَ بِتَمَتُّعٍ فَقَرَنَ، لَمْ يَضْمَنْ، وَقَالَ الْقَاضِي يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وَعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ كَإِفْرَادِهِ، وَلَوِ اعْتَمَرَ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِهَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَمَنْ أُمِرَ بِقِرَانٍ فَتَمَتَّعَ أَوْ أَفْرَدَ فَلِلْآمِرِ، وَيَرُدُّ نَفَقَةً قَدْرَ مَا تَرَكَهُ مِنْ إِحْرَامِ النُّسُكِ الْمَتْرُوكِ مِنَ الْمِيقَاتِ ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَفِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهَا: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ، وَأَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا، وَإِنِ اسْتَنَابَهُ رَجُلٌ فِي حَجٍّ، وَآخَرُ فِي عُمْرَةٍ، وَأَذِنَا فِي الْقِرَانِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ مَشْرُوعٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنَا صَحَّا لَهُ، وَضَمِنَ الْجَمِيعَ لِمَنْ أَمَرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ أَوْ عَكْسِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " يَقَعُ عَنْهُمَا فَإِنْ أَدَّى أَحَدَهُمَا رَدَّ عَلَى غَيْرِ الْآمِرِ نِصْفَ نَفَقَتِهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي صِفَتِهِ، وَإِنْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَحَجَّ، ثُمَّ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ،

بَابُ الْمَوَاقِيتِ وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْغَرْبِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ

[المبدع في شرح المقنع]

صَحَّ وَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ نَفْسِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَرَادُوا إِقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ فَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ، وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتٍ فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَلَدِهِ فَأَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ، أَوْ فِي عَامٍ، أَوْ فِي شَهْرٍ فَخَالَفَ، جَازَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِإِذْنِهِ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَوْ نَوَاهُ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَجَبَ رَدُّ مَا أَخَذَهُ.
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ، قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، إِنْ لَمْ يَحُجَّا، وَقِيلَ: وَغَيْرِهِمَا، وَتُقَدَّمُ أُمُّهُ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ، وَيُقَدَّمُ وَاجِبُ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُقَدَّمُ دَيْنُ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهِ لِنَفْسِهِ فَأُمُّهُ أَوْلَى وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ نَفْلٍ لَا تَحْلِيلُهُ لِلُزُومِهِ بِالشُّرُوعِ، وَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَيَحْرُمُ فِيهَا

[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]

ِ هِيَ جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الْحَدُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: زَمَنُ الْعِبَادَةِ، وَمَكَانُهَا.
(وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ، [وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ] مَسِيرَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، (وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْغَرْبِ مِنَ الْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ اسْمُهَا " مَهْيَعَةَ " فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْبَحْرِ، وَثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَثَلَاثٍ مِنْ مَكَّةَ، (وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ " أَلَمْلَمُ " وَلَيْسَتْ بِمَزِيدَةٍ، (وَأَهْلِ نَجْدٍ) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ ": هُوَ مَا بَيْنَ جُرَشَ إِلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكُلُّهَا مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

عَمَلِ الْيَمَامَةِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ، وَالْغَوْرُ: هُوَ تِهَامَةُ كُلُّهَا، وَكُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَنَجْدٌ انْتَهَى.
فَنَجْدُ الْيَمَنِ وَنَجْدُ الْحِجَازِ وَالطَّائِفِ (قَرْنٌ) بِسُكُونِ الرَّاءِ فَقَطْ، وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَهُوَ تِلْقَاءَ مَكَّةَ عَلَى يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ مِنْهَا، (وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ) هو منزل مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا، وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ، وَقِيلَ: الْعِرْقُ الْأَرْضُ السَّبْخَةُ تُنْبِتُ الطُّرَفَاءَ، وَأَصْلُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَدَلَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ": أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَفِيَ النَّصُّ فَوَافَقَهُ بِرَأْيِهِ فَإِنَّهُ مُوَفَّقٌ لِلصَّوَابِ، وَلَيْسَ الْأَفْضَلُ لِلْعِرَاقِيِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْعَقِيقِ وَهُوَ وَادٍ وَرَاءَ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَةٍ أَوْ مَرْحَلَتَيْنِ يَلِي الشَّرْقَ.
وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» . تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ شِيعِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ،

وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَمِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنَ الْحِلِّ وَلَوْ أَرَادُوا الْحَجَّ،

[المبدع في شرح المقنع]

(وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا) كَمَا سَلَفَ (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ) كَالشَّامِيِّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: يُهِلُّ مِنْ مِيقَاتِهِ مِنَ الْجُحْفَةِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ.
وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَعَطَاءً، وَأَبَا ثَوْرٍ قَالُوا: يُحْرِمُ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيَتَوَجَّهُ إِلَى مِثْلِهِ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ يَسْكُنُهَا جَازَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ أَيِّ: جَوَانِبِهَا شَاءَ، وَالْأَوْلَى الْأَبْعَدُ، (وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ فَمِنَ الْحِلِّ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعَمِّرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلَّهَا فِي الْحَرَمِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْحِلِّ لِيَجْتَمِعَ فِي إِحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ.
وَظَاهِرُهُ مِنْ أَيِّ الْحِلِّ أَحْرَمَ، جَازَ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: كُلَّمَا تَبَاعَدَ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ قِيلَ: التَّنْعِيمُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْحِلِّ إِلَى مَكَّةَ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " الْجِعْرَانَةُ لِاعْتِمَارِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْهَا، ثُمَّ مِنْهُ، ثُمَّ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إِذَا أَرَادَ عُمْرَةً وَاجِبَةً فَمِنَ الْمِيقَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ لِمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، وَأَحْرَمَ دُونَهُ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْلًا، فَمِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، فَلَوْ خَالَفَ فَأَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ، صَحَّ، وَلَزِمَهُ دَمٌ لِمُخَالَفَةِ الْمِيقَاتِ، وَيُجْزِئُهُ إِنْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ طَوَافِهَا، وَكَذَا بَعْدَهُ، كَإِحْرَامِهِ دُونَ مِيقَاتِ الْحَجِّ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كَالْحَجِّ فَعَلَيْهِ لَا يُعْتَدُّ بِأَفْعَالِهِ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَا، وَإِنْ أَتَى مَحْظُورًا فَدَى، وَبِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَقَضَاهَا بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ، وَيُجْزِئُهُ عَنْهَا، وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ مَنْ كَانَ بِالْحَرَمِ حُكْمُ مَنْ بِمَكَّةَ فِيمَا ذَكَرْنَا.
1 -

فَمِنْ مَكَّةَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ، فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ، أَحْرَمَ.
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَلَوْ أَرَادُوا الْحَجَّ فَمِنْ مَكَّةَ) «لِقَوْلِ جَابِرٍ أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ مِنَ الْأَبْطَحِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَظَاهِرُهُ لَا تَرْجِيحَ لِمَوْضِعٍ عَلَى آخَرَ، وَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْهُ: فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ خِلَافَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ إِلَّا فِي " الْإِيضَاحِ " قَالَ: يُحْرِمُ بِهِ مِنَ الْمِيزَابِ، وَعَنْهُ: فِيمَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: يُهِلُّ بِالْحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَهِيَ ضعيفة عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِسُقُوطِ دَمِ الْمُتْعَةِ عَنِ الْآفَاقِيِّ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَعَنْهُ: إِذَا أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ عَنْ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ مَكَّةَ فَقَضَى نُسُكَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا أَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَرَادَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَنْ إِنْسَانٍ، ثُمَّ عَنْ آخَرَ، يَخْرُجُ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، وَكَالْعُمْرَةِ، وَمَنَعُوا وُجُوبَ إِحْرَامِهِ مِنَ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ.
(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ) كَعَنْدَابٍ فَإِنَّهَا فِي طَرَفِ الْمَغْرِبِ (فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ أَحْرَمَ) لِقَوْلِ عُمَرَ: انْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ قَدِيدٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالتَّقْدِيرِ فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْقِبْلَةِ، وَهَذَا فِيمَنْ عَلِمَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ، أَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ؛ إِذِ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ جَائِزٌ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ حَرَامٌ فَإِنْ تَسَاوَى مِيقَاتَانِ فِي الْقُرْبِ إِلَيْهِ، أَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدِهِمَا عَنْ مَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا، فَفِي " الرِّعَايَةِ " أَحْرَمَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْمُحَاذَاةِ.
1 - (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوَزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ

مُكَرَّرَةٍ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ النُّسُكُ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَمَنْ جَاوَزَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ - وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ تَجَاوَزُوهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ» فِيهِ ضَعْفٌ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ نُسُكًا ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ ظَاهِرَةٌ، وَيَنْبَنِي عَلَى عُمُومِ الْمَفْهُومِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَحُكْمُ مَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ كَمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ دُخُولَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ أَتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْنِ، وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ، وَلِعَدَمِ تَكَرُّرِ حَاجَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: لَا يَلْزَمُهُ، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَعَلَى الْأُولَى إِذَا دَخَلَ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ دَاخِلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ، فَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ لَمْ يَلْزَمْهُمُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ.
فَلَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ لِمِيقَاتِهِمْ فَمِنْ مَوْضِعِهِمْ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: بَلَى لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ مَنْ أَسْلَمَ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ حر بالغ عَاقِلٌ كَالْمُسْلِمِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ.
(إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ) «لِدُخُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحْرَمَ، وَحُكْمُ الْخَوْفِ كَذَلِكَ.
(أَوْ حَاجَةٍ مُكَرَّرَةٍ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ) كَالْحَشَّاشِ لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَدْخُلَنَّ إِنْسَانٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا الْحَمَّالِينَ، وَالْحَطَّابِينَ، وَأَصْحَابَ مَنَافِعِهَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَحُكْمُ الْمَكِّيُّ إِذَا تَرَدَّدَ إِلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ كَذَلِكَ، إِذْ لَوْ وَجَبَ لَأَدَّى إِلَى ضَرَرٍ وَمَشَقَّةٍ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ قَيِّمِهِ لِلْمَشَقَّةِ.
(ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ) أَيْ: مَنْ لَا تَلْزَمُهُ، أَوْ لَمْ يُرِدِ الْحَرَمَ (النُّسُكُ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَكَانَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَلِأَنَّ

مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، رَجَعَ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ.
وَالِاخْتِيَارُ أَلَّا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ

[المبدع في شرح المقنع]

مَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ لَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ كَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ.
(وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ رَجَعَ) إِلَى الْمِيقَاتِ (فَأَحْرَمَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْوَاجِبِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، وَشَرْطُ الرُّجُوعِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهَيْنِ.
(فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ) صَحَّ إِحْرَامُهُ.
(وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ» ، وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ.
(وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ) بَعْدَ إِحْرَامِهِ، لَمْ يَسْقُطِ الدَّمُ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِتَرْكِ إِحْرَامِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ، وَعَنْهُ: يَسْقُطُ لِإِتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا، لَمْ يَسْقُطْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَدَمٍ مَحْظُورٍ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَنقلَ مهَنا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ.
(وَالِاخْتِيَارُ) أَيِ: الْأَفْضَلُ (أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) الْمَكَانِيِّ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا يُعْدَلُ عَنِ الْأَفْضَلِ، وَالْجَوَازُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: إِنْ نَوَى عَلَى ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ، وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُ بِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَّتُهُمَا.
قَالَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ مَرْدُودٌ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ مَعْنَى أَهَلَّ، أَيْ: قَصَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَيَكُونُ إِحْرَامُهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصلاتين مِنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحْرَمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْرِمُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا مِنَ الْمِيقَاتِ.

(وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لِمِيقَاتِ الْمَكَانِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِ الْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ (فَهُوَ مُحَرَّمٌ) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الصِّحَّةَ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَبْلَ دَاوُدَ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُعْظَمُ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ» ، وَكَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَأَنْكَرَهُ عُمَرُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرَ، وَعُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ حِينَ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، فَكُرِهَ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَلِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ مَحْظُورٍ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْوِصَالُ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْأَمْنُ مَعَ احْتِمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ صِحَّةُ الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ كَالْأَوَّلِ نَقَلَ طَالِبٌ وَسِنْدِيٌّ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ فَسْخَهُ بِعُمْرَةٍ، فَلَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ، وَعَنْهُ: يَنْعَقِدُ عُمْرَةً، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُكْرَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ رِوَايَةً لَا يَجُوزُ.

وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

بَابُ الْإِحْرَامِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فَكَذَا لِلْحَجِّ، وَقَوْلُهُ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] أَيْ: مُعْظَمُهُ فِي أَشْهُرٍ كَقَوْلِهِ «الْحَجُّ عَرَفَةُ» أَوْ أَرَادَ حَجَّ الْمُتَمَتِّعِ، وَإِنْ أَضْمَرَ الْإِحْرَامَ، أَضْمَرْنَا الْفَضِيلَةَ، وَالْخَصْمُ يُضْمِرُ الْجَوَازَ، وَالْمُضْمَرُ لَا يَعُمُّ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
«وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) » رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهُ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ بِإِطْلَاقِهِ لِلْأَيَّامِ كَالْعِدَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ: الْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لِسَبْقِ اللَّيَالِي فَنَقُولُ: سِرْنَا عَشْرًا، وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَقَطْ، وَالْجَمْعُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَعَلَى اثْنَتَيْنِ، وَبَعْضٍ آخَرَ كَعِدَّةِ ذَاتِ الْقُرُوءِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَفْسُدُ فِيهَا تَوْقِيتٌ بَلْ يُفْعَلُ فِي كُلِّ السَّنَةِ، وَهِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ، لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ قَالَ: حَجَّةً مَعِي» ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ هِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ، وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ، وَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالنَّحْرِ، وَالتَّشْرِيقِ كَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلَا دَلِيلَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ.
رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عَائِشَةَ.
وَخَصَّهَا بَعْضُهُمْ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

[بَابُ الْإِحْرَامِ]

[مَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ]

بَابُ الْإِحْرَامِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي التَّحْرِيمِ كَأَنَّهُ يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ النِّكَاحَ، وَالطِّيبَ، وَأَشْيَاءَ مِنَ اللِّبَاسِ كَمَا يُقَالُ أَشْتَى: إِذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَرْبَعَ: إِذَا دَخَلَ فِي الرَّبِيعِ.
وَشَرْعًا: هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ لَا بِنِيَّةٍ لِيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ.
(يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ) وَلَوْ حَائِضًا وَنُفَسَاءَ، وَيَتَيَمَّمَ لِعَدَمٍ، وَلَا

نَظِيفَيْنِ إِزَارًا وَرِدَاءً، وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا، وَيَنْوِيَ

[المبدع في شرح المقنع]

يَضُرُّ حَدَثُهُ بَعْدَ غُسْلِهِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، (وَيَتَنَظَّفَ) بِأَخْذِ شَعْرِهِ، وَظُفْرِهِ، وَقَطْعِ رَائِحَةٍ، لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ فَسُنَّ فِيهِ ذَلِكَ كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ، (وَيَتَطَيَّبَ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُرَادُهُ فِي بَدَنِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ مَذْهَبًا، وَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ تَطْيِيبُ ثَوْبِهِ، وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ فِيهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمِسْكِ أَوْ أَثَرُهُ كَالْبَخُورِ فَإِنِ اسْتَدَامَهُ فَلَا كَفَّارَةَ لِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَامُ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَمَا سَبَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَامْرَأَةٌ كَرَجُلٍ، فَإِنْ نَقَلَهُ مِنْ بَدَنِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ أَوْ نَقَلَهُ عَنْهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ نَزَعَهُ، ثُمَّ لَبِسَهُ فَدَى بِخِلَافِ مَا لَوْ سَالَ بِعَرَقٍ أَوْ شَمْسٍ، (وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ إِزَارًا وَرِدَاءً) وَنَعْلَيْنِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لِيُحْرِمَ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ، وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي " تَبْصِرَةِ " الْحُلْوَانِيِّ إِخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الرِّدَاءِ أَوْلَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِحْرَامُهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ.
(وَيَتَجَرَّدَ) الرَّجُلُ (عَنِ الْمَخِيطِ) وَهُوَ كُلُّ مَا يُخَاطُ كَالْقَمِيصِ، وَالسَّرَاوِيلِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى اللُّبْسِ، لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ (وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيبِهِمَا) «لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، خَرَجَ حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ اسْتِحْبَابِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَهُ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَرْكَعُهُمَا وَقْتَ نَهْيٍ، وَلَا مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُحْرِمُ عَقِيبَ

الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَيَشْتَرِطُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ

[المبدع في شرح المقنع]

صَلَاةٍ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْهُ: عَقِبَهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَكِبَ، وَإِذَا سَارَ سَوَاءٌ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَقِبَ فَرْضٍ إِنْ كَانَ وَقْتُهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ، وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ إِنْ كَانَ بِالْمِيقَاتِ مَسْجِدٌ اسْتُحِبَّ صَلَاةُ الرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عند إِحْرَامُهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، (وَيَنْوِي الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَفِعْلِ مَنْ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَاسْتُحِبَّ تَعَيُّنُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ فَكَيْفَ يَنْوِي النِّيَّةَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ الْمَنْجَا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ يَنْوِي بِنِيَّتِهِ نُسُكًا مُعَيَّنًا، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ شَرْطٌ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ كَنِيَّةِ الْوُضُوءِ، (وَلَا يَنْعَقِدُ النُّسُكُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ) لِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ وَعِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَافْتَقَرَ إِلَيْهَا كَالصَّلَاةِ، وَنِيَّةُ النُّسُكِ كَافِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةٌ مَعَ تَلْبِيَةٍ أَوْ سَوْقِ هَدْيٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَيْسَ فِي آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ، فَكَذَا أَوَّلُهَا كَالصَّوْمِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْهَدْيُ: فَإِيجَابُ مَالٍ كَالنَّذْرِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا لَا يَجِبُ، فَكَذَا تَابَعَهُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ لِلنَّدْبِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ تَجِبُ التَّلْبِيَةُ.
فَرْعٌ: إِذَا نَطَقَ بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ، فَالْعِبْرَةُ بِالْمَنْوِيِّ، لَا بِمَا سَبَقَ لِسَانُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَشْتَرِطَ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَجِدُنِي وَجِعَةً فَقَالَ: حُجِّي، وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاسْتَحَبَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْخَائِفِ، خَاصَّةً جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي.
وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي.

وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ، وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ

[المبدع في شرح المقنع]

(فَيَقُولُ) هَذَا رَاجِعٌ إِلَى تَعْيِينِ النُّسُكِ، وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ " أَوْلَى (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ هَذَا فِي الصَّلَاةِ؛ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا، وَتَيْسِيرِهَا عَادَةً، (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِعُرْوَةَ: قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةً.
وَيَسْتَفِيدُ بِهِ أَنَّهُ مَتَى حُبِسَ بِمَرَضٍ أَوَ عُذْرٍ أَوْ خَطَأٍ فِي طَرِيقٍ وَغَيْرِهِ، حَلَّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ: فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ فَيَلْزَمُهُ نَحْرُهُ، فَلَوْ قَالَ: فَلِي أَنْ أَحِلَّ خُيِّرَ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَحِلَّ مَتَى شَاءَ أَوْ إِنْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقْضِهِ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرُهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ بِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِحْرَامِ، وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ فَكَذَا هُوَ.
فَرْعٌ: يَبْطُلُ إِحْرَامُهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّتِهِ لَا بِجُنُونٍ، وَإِغْمَاءٍ، وَسُكْرٍ كَمَوْتٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَا.

[التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ]

(وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ.
قَالَتْ: وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ مَعَهُ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا التَّمَتُّعُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، النَّهْيُ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَعَاقَبُوا مَنْ تَمَتَّعَ، وَكَرِهَ التَّمَتُّعَ عُمَرُ، عُثْمَانُ، وَمُعَاوِيَةُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَبَعْضُهُمْ: وَالْقِرَانُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهُ.
(وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ) فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَجَمْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

فِي رِوَايَةٍ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ: لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يَعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ.
قَالَ: إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا، وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا، وَثَبَتَ عَلَى إِحْرَامِهِ لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ، وَتَأَسَّفَ» ، وَلَا يَنْقُلُهُمْ إِلَّا إِلَى الْأَفْضَلِ، وَلَا يَتَأَسَّفُ إِلَّا عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَتَأَسَّفْ لِاعْتِقَادِهِ جَوَازَهَا فِيهَا، وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ، وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلِإِتْيَانِهِ بِأَفْعَالِهِمَا كَامِلَةً عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ، وَالسُّهُولَةِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ، وَهُوَ الدَّمُ قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ عُمْرَةً وَحَجَّةً، وَمَا لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ دَمُ نُسُكٍ لَمْ يَدْخُلْهُ كَالْهَدْيِ، وَالْأُضْحِيَةِ، وَلَا يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْمَنَاسِكِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الصَّوْمِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نُسُكًا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ، وَالْقُرَبُ يَدْخُلُهَا الْإِبْدَالُ كَالْقِرَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ بِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ الرَّفَهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ (فَإِنْ أَعْرَضَ) بِأَنَّ النُّسُكَ الَّذِي لَا دَمَ فِيهِ أَفْضَلُ كَإِفْرَادٍ لَا دَمَ فِيهِ (رُدَّ) تَمَتُّعُ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ عِنْدَكَ، وَإِنَّمَا كَانَ إِفْرَادٌ لَا دَمَ فِيهِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ دَمُ جَنَابَةٍ، وَإِفْرَادٌ فِيهِ دَمُ تَطَوُّعٍ أَفْضَلُ.
(ثُمَّ الْإِفْرَادُ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ» ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» . وَقَالَ عُمَرُ،

وَعَنْهُ: إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ.

وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

وَعُثْمَانُ، وَجَابِرٌ: هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْسَاكِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِإِتْيَانِهِ بِالْحَجِّ تَامًّا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى خَبَرٍ فَكَانَ أَوْلَى، وَشَرْطُ أَفْضَلِيَّتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَعْتَمِرَ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَوْ أَخَّرَهَا عَنْ سَنَتِهِ فَالتَّمَتُّعُ، وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنْهُ لِكَرَاهَةِ تَأْخِيرِ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ.
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنِ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَفْرَدَ عَمَلَ الْحَجِّ عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِيمَا بَعْدُ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ ذَكَرَ أَصْحَابُهُ فَقَطْ.
وَأَجَابَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَتَأَسَّفَ عَلَى التَّمَتُّعِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى.
(وَعَنْهُ: إِن ساق الْهَدْيَ فَالْقِرَانَ أَفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعَ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مُسَارَعَةً إِلَى فِعْلِ الْعِبَادَتَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ، وَهُوَ الدَّمُ فَكَانَ أَوْلَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَنَسًا سَمِعَهُ يُلَقِّنُ قَارِنًا تَلْبِيَتَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يُلَبِّي بِهِمَا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ سَمِعَهُ فِي وَقْتَيْنِ، أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمَّا أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَيْ: فَعَلَ الْحَجَّ بَعْدَهَا، وَيُسَمَّى قِرَانًا لُغَةً.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ بِهِ وَصِحَّتِهَا وَصَرَاحَتِهَا مَعَ أَنَّهُ قَوْلُهُ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِهِ لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ فِي حَجَّة الوداع بالعمرة إِلَى الْحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ» .

أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا فِي عَامِهِ وَالْإِفْرَادُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ، وَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَا، وَقَالَ: سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو الصَّحَابَةِ، وَهُوَ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

[صِفَةُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ]

(وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَأَحْرَمَ آخَرُونَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِهِ (مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يُهِلُّ بِهَا فِيهِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ، لَا الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ مِنْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا كَالْمُفْرِدِ، (وَيَفْرُغَ مِنْهَا) قَالَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَمَعْنَاهُ: يَتَحَلَّلُ مِنْهَا قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَكَانَ قَارِنًا، وَاجْتِمَاعُ النُّسُكَيْنِ مُمْتَنِعٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفَرَاغَ مِنْهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْمُغْنِي " وَذَكَرَ أَنَّ صِفَتَهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] أَيْ: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ تَوَصُّلًا بِهَا إِلَى الْحَجِّ فَعَلَى قَوْلِهِ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ التَّمَتُّعُ الْمُوجِبُ لِلدَّمِ، وَمِنْ هُنَا قُلْنَا إِنَّ تَمَتُّعَ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى لَا مُتْعَةَ لَهُمْ، وَحكي رِوَايَةً، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَمُ مُتْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَهُ لَا عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذَا مِنَ الْإِمَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا مُتْعَةَ عَلَيْهِمْ أَيِ: الْحَثُّ كَافِيهِمْ.
(ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا) نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ،

جارٍ التحميل