فَصْلٌ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَلَهَا أَنْ تُطَلَّقَ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، وَهُوَ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ الَّذِي قَصَدَ الْكَذِبَ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي الطَّلَاقِ، فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ، وَحَكَى فِي " زَادِ الْمُسَافِرِ " عَنِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ، وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ - يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَيُرْجَعُ إِلَى نِيَّتِهِ فِي الثَّلَاثِ وَالْوَاحِدَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: مُقْتَضَى قَوْلِ أَحْمَدَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ - أَيْ: فِي الْحُكْمِ، وَيَجْعَلُ أَنَّهُ طَلَاقٌ إِذَا نَوَاهُ.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ مَا حَلَفَ بِهِ، وَفِي الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ الْيَمِينُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى هَذَا، فَيَلْزَمُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ لَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
[إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ]
فَصْلٌ (إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ) فَهِيَ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ (فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَفْتَى بِهِ أَحْمَدُ مِرَارًا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عُثْمَانَ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَفَضَالَةُ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هُوَ ثَلَاثٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ، فَيَتَنَاوَلُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ مَا شِئْتِ، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ وَاحِدَةً، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَا يَدِينُ، وَعَنْهُ: وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، قَطَعَ بِهِ أَبُو الْفَرَجِ وَصَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، كَاخْتَارِي عَنْهُ، وَفِيهِ غَيْرُ مُكَرَّرٍ ثَلَاثًا، وَعَنْهُ: ثَلَاثٌ بِنِيَّتِهَا لَهَا، كَقَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَتُطَلِّقُ بِنِيَّتِهَا (وَهُوَ فِي يَدِهَا) أَيْ: عَلَى التَّرَاخِي، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَمْلِيكٍ فِي الطَّلَاقِ، فَمَلَّكَهُ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ، وَبَعْدَهُ كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لِأَجْنَبِيٍّ (مَا لَمْ يَفْسَخْ) فَإِنْ فَسَخَهَا - بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ كَسَائِرِ الْوِكَالَاتِ (أَوْ يَطَأُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسْخِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ بِالْقَوْلِ، وَقِيلَ: يُتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ
يَدِهَا مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ، وَإِنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلَّا مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، فَإِنْ جَعْلَ لَهَا الْخِيَارَ الْيَوْمَ كُلَّهُ، أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِهَا، فَرَدَّتْهُ، أَوْ رَجَعَ فِيهِ، أَوْ وَطِئَهَا - بَطَلَ خِيَارُهَا، هَذَا الْمَذْهَبُ،
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْخِيَارِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ مُطْلَقٌ أَشْبَهَ التَّوْكِيلَ فِي الْبَيْعِ، وَيُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهَا، فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَغِيرَةٍ وَلَا مَجْنُونَةٍ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِعِوَضٍ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا قَالَتِ: اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَأُعْطِيكَ عَبْدِي - فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا لَمْ يَطَأْ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا يَبْطُلُ بِدُخُولِ الْعِوَضِ فِيهِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) رَجْعِيَّةٍ، حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةَ، وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِأَنَّ اخْتَارِي تَفْوِيضٌ مُعَيَّنٌ، فَيَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَهُوَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُضَافٌ إِلَيْهَا، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَمْرِهَا (إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) كَاخْتَارِي مَا شِئْتِ أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ نِيَّتُهُ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ: اخْتَارِي عَدَدًا، فَإِنَّهُ يُرْجَعُ إِلَى مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلَّا مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ طَالَ (وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّخْيِيرَ عَلَى الْفَوْرِ.
رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقِيلَ: مُتَرَاخٍ كَالْأَمْرِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» وَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا؛ وَلِأَنَّهُ خِيَارُ تَمْلِيكٍ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ، وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ عَلَى التَّرَاخِي، وَخِلَافُنَا فِي الْمُطَلِّقِ، و" أَمْرُكِ بِيَدِكِ " تَوْكِيلٌ، وَالتَّوْكِيلُ يَعُمُّ الزَّمَانَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَتَّصِلِ الْجَوَابُ، لَمْ يَقَعْ، وَشَرْطُهُ مَا لَمْ يَشْتَغِلَا بِقَاطِعٍ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّشَاغُلِ يَكُونُ إِعْرَاضًا عَنْ قَوْلِهِ: اخْتَارِي، وَمِنَ الْمَقُولِ لَهَا إِعْرَاضًا عَنِ الْقَبُولِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ افْتَرَقَا (فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ الْيَوْمَ كُلَّهُ) جَازَ (أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِهَا فَرَدَّتْهُ) بَطَلَ كَالْوَكِيلِ (أَوْ رَجَعَ فِيهِ أَوْ وَطِئَهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا - هَذَا الْمَذْهَبُ) الْمَنْصُوصُ
وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الْأُخْرَى، وَلَفْظُهُ الْأَمْرُ، وَالْخِيَارُ كِنَايَةٌ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّتِهِ، فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ: أَنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ عَلَى التَّرَاخِي، وَاخْتَارِي عَلَى الْفَوْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَنْفَسِخَ الْوَكَالَةُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارٍ وَسَكَنَهَا (وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الْأُخْرَى) أَيْ: يُقَاسُ كُلٌّ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةِ حُكْمَيْنِ، الْأَوَّلُ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَوْرُ، وَأَنْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَّا بِشَرْطِهِ، قُلْتُ: كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي تَخْرِيجَ الْعَدَدِ مِنْ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَفْيُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْفَرْقِ مِنْ حَيْثُ التَّرَاخِي وَالْفَوْرِ - لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: اخْتَارِي الْيَوْمَ، وَغَدًا، وَبَعْدَ غَدٍ - فَلَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ بَطَلَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: اخْتَارِي الْيَوْمَ بَعْدَ غَدٍ، فَإِنَّهَا إِذَا رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ بَعْدَ غَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِنْ نَوَى - بِقَوْلِهِ: اخْتَارِي نَفْسَكِ - إِيقَاعَ الثَّلَاثِ، وَقَعَ، وَإِنْ كَرَّرَ اخْتَارِي ثَلَاثًا، فَإِنْ أَرَادَ إِفْهَامَهَا وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ - فَوَاحِدَةٌ، وَإِلَّا فَثَلَاثٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، فَلَوْ خَيَّرَهَا شَهْرًا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ فِي عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ فِي عَقْدٍ سِوَاهُ كَالْبَيْعِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ يَوْمًا، فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ تُطْلَقُ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْغَدِ، وَإِنْ قَالَ: شَهْرًا، فَمِنْ سَاعَةِ نَطَقَ إِلَى اسْتِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ.
(وَلَفْظُهُ الْأَمْرُ وَالْخِيَارُ كِنَايَةٌ) ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ (فِي حَقِّ الزَّوْجِ، يَفْتَقِرُ) وُقُوعُ الطَّلَاقِ (إِلَى نِيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ عَلَى مَا مَضَى، وَكَذَا كَذِبُهُ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ (فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ نَحْوَ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، افْتَقَرَ إِلَى نِيَّتِهَا أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهَا مُوقِعَةٌ لِلطَّلَاقِ بِلَفْظِ
الْكِنَايَةِ نَحْوَ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، افْتَقَرَ إِلَى نِيَّتِهَا أَيْضًا، وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي - وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رُجُوعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَنَوَتِ الطَّلَاقَ - وَقَعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعُ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْكِنَايَةِ، فَافْتُقِرَ إِلَى نِيَّتِهَا كَالزَّوْجِ، فَلَوْ قَالَتِ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَأَنْكَرَ وَجُودَهُ - قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى دُخُولِ الدَّارِ، فَادَّعَتْهُ وَأَنْكَرَ (وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي - وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ كَأَنْتِ طَالِقٌ، وَيَقَعُ مِنَ الْعَدَدِ مَا نَوَيَاهُ دُونَ مَا نَوَاهُ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَقَعْ؛ لِفَقْدِ النِّيَّةِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِنِيَّتِهَا، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رُجُوعِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهِ.
1 -
مَسَائِلُ: الْأَجْنَبِيُّ فِي ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ، وَالْمَذْهَبُ: إِلَّا أَنَّهُ مُتَرَاخٍ، وَيَقَعُ بِإِيقَاعِ الْوَكِيلِ بِصَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ، وَفِي وُقُوعِهِ بِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ مِمَّنْ وُكِّلَ فِيهِ بِصَرِيحٍ وَجْهَانِ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَلَا يَقَعُ بِقَوْلِهَا: اخْتَرْتُ بِنِيَّةٍ حَتَّى تَقُولَ: نَفْسِي أَوْ أَبَوَيَّ، أَوِ الْأَزْوَاجَ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَوَاحِدَةٌ، وَنَفْسَهَا ثَلَاثٌ، وَعَنْهُ: إِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي ثَلَاثًا - وَقَعَتْ، وَإِنْ أَنْكَرَ قَوْلَهَا، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَتُقْبَلُ دَعْوَى الزَّوْجِ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ إِيقَاعِ وَكِيلِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنةٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا دَعْوَى عِتْقِهِ وَرَهْنِهِ وَنَحْوِهِ، وَمَنْ وُكِّلَ فِي ثَلَاثٍ فَأَوْقَعَ وَاحِدَةً أَوْ عَكْسُهُ - فَوَاحِدَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ بِالْإِطْلَاقِ تَعْلِيقًا.
(وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ) فَهَلْ يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصْلُهُمَا: هَلْ تُلْحَقُ بِالْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ؛ وَذَلِكَ تَوْكِيلٌ يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهَا بِعِوَضٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ الْوَكِيلُ (فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَنَوَتِ الطَّلَاقَ - وَقَعَ) نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَقَدْ أَوْقَعَتْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْقَعَتْهُ بِلَفْظِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعَ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَيْهَا بِلَفْظِهِ الصَّرِيحِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوقِعَ غَيْرَ مَا فَوَّضَهُ إِلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي شَيْءٍ لَا يَقْتَضِي إِيقَاعُهُ بِلَفْظِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ، فَبَاعَهُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّفْظِ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ
أَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ، فَإِنْ قَبِلُوهَا، فَوَاحِدَةً، وَإِنْ رَدُّوهَا، فَلَا شَيْءَ، وَعَنْهُ: إِنْ قَبِلُوهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَوَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ.
بَابٌ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ يَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ، وَالْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْهَا) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا، فَأَيُّهُمَا نَوَاهُ فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا احْتَمَلَهُ، وَمُمَيِّزٌ وَمُمَيِّزَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْبَالِغِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ) فَهُوَ كِنَايَةٌ، إِنْ نَوَى بِهِ الْإِيقَاعَ وَقَعَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْإِيقَاعَ فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي حَقِّهَا، فَيَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولِهِمْ، وَالنِّيَّةُ مِنَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ (فَإِنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ) رَجْعِيَّةٌ (وَإِنْ رَدُّوهَا، فَلَا شَيْءَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَمَسْرُوقٍ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْبِضْعِ، فَافْتَقَرَ إِلَى الْقَبُولِ كَاخْتَارِي، وَكَالنِّكَاحِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَاخْتَارِي؛ وَلِأَنَّهَا طَلْقَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةً بِغَيْرِ عِوَضٍ قَبْلَ اسْتِيفَاءٍ، فَكَانَتْ رَجْعِيَّةً كَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَوْلُهُ: وَاحِدَةٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ أَوْ نَوَاهَا، فَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ (وَعَنْهُ: إِنْ قَبِلُوهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَوَاحِدَةٌ) رَجْعِيَّةٌ، وَقَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْحَسَنُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: إِنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَقَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَصِيغَةُ الْقَبُولِ أَنْ يَقُولَ أَهْلُهَا: قَبِلْنَاهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ) أَيْ: فِيهَا مِنِ الْخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنْ رَدَّتْ ذَلِكَ، فَلَغْوٌ، وَعَنْهُ: رَجْعِيَّةٌ إِذَا نَوَى بِالْهِبَةِ وَالْأَمْرِ وَالْخِيَارِ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ، وَقَعَ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَسْأَلَةِ الْبَيْعِ، وَحُكْمُهَا أَنَّهُ إِذَا بَاعَهَا لِغَيْرِهِ - فَلَغْوٌ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الطَّلَاقَ؛ لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةً، وَالطَّلَاقُ مُجَرَّدُ إِسْقَاطٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " فِي كَوْنِهِ كِنَايَةً كَهِبَةٍ وَجْهَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ ذَكَرَ عِوَضًا مَعْلُومًا طُلِّقَتْ مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَبُولِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: وَبَائِعٌ وَمُشْتَرٍ كَخَائِنٍ يُؤَدَّبَانِ، وَلَا قَطْعَ، وَيُحْبَسَانِ حَتَّى يُظْهِرَا تَوْبَةً.
[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ]
[يَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ]
بَابٌ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ (يَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ، وَالْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ)
تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَعَنْهُ: أَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّسَاءِ، فَيَمْلِكُ زَوْجُ الْحُرَّةِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، وَزَوْجُ الْأَمَةِ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ، أَوِ الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَهَذَا مُخْتَارٌ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِمَا رَوَى أَبُو رَزِينٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؛ قَالَ: تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَقَالَ عُمَرُ: يُطَلِّقُ الْعَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ؛ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ خَالِصُ حَقِّ الزَّوْجِ، وَهُوَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُ كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ طَرَأَ رِقُّهُ كَلُحُوقِ ذِمِّيٍّ بِدَارِ حَرْبٍ فَاسْتُرِقَّ وَقَدْ كَانَ طَلَّقَ ثِنْتَيْنِ، وَقُلْنَا: يَنْكِحُ عَبْدٌ حُرَّةً، نَكَحَ هُنَا، وَلَهُ طَلْقَةٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّسَاءِ، فَيَمْلِكُ زَوْجَ الْحُرَّةِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، وَزَوْجُ الْأَمَةِ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا) هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ لَمَّا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلُّ الطَّلَاقِ، فَيُعْتَبَرُ بِهَا كَالْعَادَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْجَوَابُ: عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ طَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ - قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ، مَعَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ أَخْرَجَهُ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» ؛ وَلِأَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا، فَمَلَكَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحُرَّ الَّذِي زَوْجَتُهُ حُرَّةٌ طَلَاقُهُ ثَلَاثًا، وَالْعَبْدُ الَّذِي تَحْتَهُ أَمَةٌ طَلَاقُهُ اثْنَتَانِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ رَقِيقًا.
فَرْعٌ: الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ كَحُرٍّ، وَفِي " الْكَافِي ": كَقِنٍّ، وَالْمَكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ - كَالْقِنِّ.
وَنَوَى الثَّلَاثَ - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا، وَالْأُخْرَى: وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ
[المبدع في شرح المقنع]
(فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ، أَوِ الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ) أَوِ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي، أَوْ عَلَيَّ الطَّلَاقُ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، أَوْ يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ (وَنَوَى الثَّلَاثَ - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ بِالطَّلَاقِ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي عُرْفِهِمْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَنَوَّهْتِ بِاسْمِي فِي الْعَالَمِينَ ... وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي عَامًا فَعَامًّا
فَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ... وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا تَمَامًا
وَقِيلَ: لَيْسَ بِصَرِيحٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا فِي قَوْلِهِ: أَنْت الطَّلَاقُ بِالْمَصْدَرِ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهَا، وَهُوَ تَجَوُّزٌ وَالْبَاقِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ شَيْءٌ يَضُرُّهُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ، قُلْتُ: وَقَدِ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْإِيقَاعِ، فَكَانَ صَرِيحًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْجَزًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مَحْلُوفًا بِهِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا) فَعَنْهُ: يَقَعُ ثَلَاثٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الْكُلِّ وَهُوَ الثَّلَاثُ، وَالثَّانِيَةُ: وَاحِدَةٌ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهِيَ الْأَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تُسْتَعْمَلَانِ لِغَيْرِ الِاسْتِغْرَاقِ كَثِيرًا؛ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْتَقِدُونَهُ ثَلَاثًا، وَلَا يَفْهَمُونَ أَنَّهُمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنِ امْرَأَةٍ، وَثَمَّ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ يَقْتَضِي تَعْمِيمًا أَوْ تَخْصِيصًا عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا وَقَعَ بِالْكُلِّ، وَقِيلَ: بِوَاحِدَةٍ بِقُرْعَةٍ (أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا) اخْتَارَهَا جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَوَقَعَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ وَلِأَنَّ طَالِقٌ اسْمُ فَاعِلٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْمَصْدَرَ كَمَا يَقْتَضِيهِ الْفِعْلُ، وَالْمَصْدَرُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (وَالْأُخْرَى وَاحِدَةٌ) وَهِيَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا وَلَا بَيْنُونَةً، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الثَّلَاثُ؛ وَلِأَنَّ " أَنْتِ طَالِقٌ " إِخْبَارٌ عَنْ صِفَةٍ هِيَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَتَضَمَّنِ الْعَدَدَ كَقَوْلِهِ: حَائِضٌ وَطَاهِرٌ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهُمَا فِي حَقِّهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَنَوَى وَاحِدَةً، فَهِيَ ثَلَاثٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي الثَّلَاثِ، وَالنِّيَّةُ لَا تُعَارِضُ الصَّرِيحَ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنَوَى ثَلَاثًا - لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)
وَنَوَى ثَلَاثًا - لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا - وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِعَدِّ الْمَقْبُوضَتَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بَلْ هَذِهِ ثَلَاثًا، طُلِّقَتِ الْأُولَى وَاحِدَةً، وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا.
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، فَلَوْ وَقَعَ أَكْثَرُ مِنْهَا وَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالثَّانِي: يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَاهَا؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ مَعَهَا اثْنَتَانِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَعَهَا اثْنَتَانِ لَا يُؤَدِّيهِ مَعْنَى الْوَاحِدَةِ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ، فَنِيَّتُهُ فِيهِ نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، فَلَا تَعْمَلُ، كَمَا لَوْ نَوَى الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ إِذَا لَمْ تَحْتَمَلْ ذَلِكَ فَـ " أَنْتِ طَالِقٌ " تَحْتَمِلُهُ - قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا.
فَعَلَى الثَّانِي: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَصَادَفَ قَوْلُهُ ثَلَاثًا مَوْتَهَا أَوْ قَارَنَهُ - فَوَاحِدَةً، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَقَعُ ثَلَاثًا؛ لِوُجُودِ الْمُفَسِّرِ فِي الْحَيَاةِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، هَلْ يَرِثُهَا أَمْ لَا.
[إِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ]
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا - وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: مَعَ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ، وَذَلِكَ يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا» فَإِنْ لَمْ يَقُلْ هَكَذَا فَوَاحِدَةٌ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " و" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ إِشَارَتَهُ، لَا تَكْفِي، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " التَّرْغِيبِ " (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِعَدِّ الْمَقْبُوضَتَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ) أَيْ: يَقَعُ ثِنْتَانِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا يَدَّعِيهِ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ الْمُجْمَلَ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ أَشَارَ بِالْكُلِّ فَوَاحِدَةٌ، (وَإِنْ قَالَ:) لِإِحْدَى امْرَأَتَيْهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بَلْ هَذِهِ) أَيِ: الْأُخْرَى (ثَلَاثًا، طُلِّقَتِ الْأُولَى وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، وَالْإِضْرَابُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلطَّلَاقِ بَعْدَ إِيقَاعِهِ (وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ هَذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذَا؛ وَلِأَنَّ الْإِضْرَابَ إِثْبَاتٌ لِلثَّانِي وَنَفْيُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ لَا، بَلْ هَذِهِ - طُلِّقَتَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، وَهَذِهِ طَالِقٌ - وَقَعَ بِالثَّانِيَةِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ، كَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَ الْأُولَى وَالْآخِرَتَيْنِ وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَقَعَ بِالْأُولَى، وَإِحْدَى الْآخِرَتَيْنِ كَهَذِهِ بَلْ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ وَالثَّالِثَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَكْثَرَهُ، أَوْ جَمِيعَهُ، أَوْ مُنْتَهَاهُ، أو طالق كألف أَوْ بِعَدَدِ الْحَصَى، أَوِ الْقَطْرِ، أَوِ الرِّيحِ، أَوِ الرَّمْلِ، أَوِ التُّرَابِ - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً.
وَإِنْ قَالَ: أَشَدَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَغْلَظَهُ، أَوْ أَطْوَلَهُ، أَوْ أَعْرَضَهُ، أَوْ مِلْءَ الدُّنْيَا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ ثَلَاثًا.
و
َإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي اثْنَتَيْنِ،
وَنَوَى طَلْقَةً
[المبدع في شرح المقنع]
[إِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ الطَّلَاقِ]
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَكْثَرَهُ، أَوْ جَمِيعَهُ، أَوْ مُنْتَهَاهُ) أَوْ غَايَتَهُ (أَوْ طَالِقٌ كَأَلْفٍ، أَوْ بِعَدَدِ الْحَصَى، أَوِ الْقَطْرِ، أَوِ الرِّيحِ، أَوِ الرَّمْلِ، أَوِ التُّرَابِ) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَدَّدُ (طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) نَصَّ عَلَيْهِ فِي: كَأَلْفٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي عَدَدًا؛ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ أَقَلُّ وَأَكْثَرُ، فَأَقَلُّهُ وَاحِدَةٌ، وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثٌ وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَمِائَةٍ أَوْ أَلْفٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: كَأَلْفِ تَشْبِيهِ الْعَدَدِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ كَعَدَدِ أَلْفٍ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " و" الْمُسْتَوْعِبِ ": وَيَأْثَمُ بِالزِّيَادَةِ، وَإِنْ نَوَى كَأَلْفٍ فِي صُعُوبَتِهَا، فَفِي الْحُكْمِ الْخِلَافُ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ (وَإِنْ قَالَ: أَشَدَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَغْلَظَهُ، أَوْ أَطْوَلَهُ، أَوْ أَعْرَضَهُ، أَوْ مِلْءَ الدُّنْيَا) أَوْ مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ عِظَمَهُ (طُلِّقَتْ وَاحِدَةً) رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَقْتَضِي عَدَدًا، وَالطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ تُوصَفُ بِأَنَّهَا يَمْلَأُ الدُّنْيَا ذِكْرُهَا، وَأَنَّهَا أَشَدُّ الطَّلَاقِ وَأَعْرَضُهُ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا) فَيَقَعَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِأَنْ يُرَادَ بِهِ ذَلِكَ، فَإِذَا نَوَاهُ وَجَبَ إِيقَاعُهُ؛ لِتَرَجُّحِهِ بِالنِّيَّةِ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي مِلْءِ الْبَيْتِ، وَفِي أَقْصَاهُ أَوْ أَكْثَرِهِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: أَكْثَرُهُ ثَلَاثٌ، وَفِي " الْفُنُونِ ": أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي أَشَدِّ الطَّلَاقِ كَأَقْبَحِ الطَّلَاقِ، يَقَعُ طَلْقَةً فِي الْحَيْضِ، أَوْ ثَلَاثٌ عَلَى احْتِمَالِ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّهُ كَيْفَ يُسَوَّى بَيْنَ أَشَدِّ الطَّلَاقِ وَأَهْوَنِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَوْقَعَ طَلْقَةً، ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتُهَا ثَلَاثًا، وَلَمْ يُرِدِ اسْتِئْنَافَ طَلَاقٍ بَعْدَهَا - فَوَاحِدَةٌ، قَالَهُ فِي " الْمُوجَزِ " و" التَّبْصِرَةِ " (فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ) نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، وَإِنِ احْتَمَلَ بِوُصُولِهِ لَمْ يُوقِعْهُ بِالشَّكِّ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ ثَلَاثًا) هَذَا رِوَايَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكِ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، قَالَ
مَعَ طَلْقَتَيْنِ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَهُوَ يَعْرِفُهُ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَعِنْدَ الْقَاضِي تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَقَعَ بِامْرَأَةِ الْحَاسِبِ طَلْقَتَانِ، وَبِغَيْرِهَا طَلْقَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ ثَلَاثًا.
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَاضِي: وَأَصْلُ الرِّوَايَتَيْنِ: إِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَى يَوْمِ الْفِطْرِ، هَلْ يَدْخُلُ يَوْمُ الْفِطْرِ فِيهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا طَلَّقَ زَيْدٌ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ عَمْرٌو لِزَوْجَتِهِ: وَأَنْتِ مِثْلُهَا، أَوْ كَهِيَ، وَنَوَى الطَّلَاقَ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَإِلَّا فَلَا.
[إِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي اثْنَتَيْنِ]
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي اثْنَتَيْنِ، وَنَوَى طَلْقَةً مَعَ طَلْقَتَيْنِ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِـ " فِي " عَنْ " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: 29] فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ، قُبِلَ مِنْهُ، وَوَقَعَ مَا نَوَاهُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ وَاحِدَةً، قُبِلَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ حَاسِبًا، وَقَالَ الْقَاضِي: تَقَعُ طَلْقَتَانِ إِذَا كَانَ حَاسِبًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ مَا يُرِيدُهُ الْعَامِّيُّ (وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَهُوَ يَعْرِفُهُ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ نَوَاهُ وَعَرَفَهُ، فَيَجِبُ وُقُوعُهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَهُوَ أَشْهَرُ قِيَاسًا عَلَى الْحَاسِبِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي النِّيَّةِ (وَعِنْدَ الْقَاضِي تُطَلَّقُ وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدُ مَا لَا يَعْرِفُهُ فَهُوَ كَالْأَعْجَمِيِّ، يَنْطِقُ بِالطَّلَاقِ بِالْعَرَبِيِّ وَلَا يَفْهَمُهُ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِي مَعْنَاهَا مَعْنَى " مَعَ "، فَالتَّقْدِيرُ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ طَلْقَتَيْنِ، (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَقَعَ بِامْرَأَةِ الْحَاسِبِ طَلْقَتَانِ) ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ فِي اصْطِلَاحِهِمْ لِاثْنَيْنِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ (وَبِغَيْرِهَا طَلْقَةٌ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا جَازَ مَصْرُوفًا إِلَى اثْنَتَيْنِ بِوَضْعِ أَهِلِ الْحِسَابِ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ يَلْزَمُهُ مُقْتَضَاهُ، كَالْعَرَبِيِّ يَنْطِقُ بِالطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، وَوَجْهُهُ مَا سَبَقَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَجَبَ حَمْلُ " فِي " عَلَى مَعْنَى " مَعَ "، وَقِيلَ: بِعَامِّيٍّ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ عُرْفٌ فِي هَذَا اللَّفْظِ أَوْ لَا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ مِمَّنْ عُرْفُهُمْ أَنَّ " فِي " بِمَعْنَى " مَعَ "؛ لِأَنَّ
فَصْلٌ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ، طُلِّقَتْ طَلْقَةً، وَإِنْ قَالَ: نِصْفَيْ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، ثُلُثَ طَلْقَةٍ، سُدُسَ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَ، وَثُلُثَ، وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ
[المبدع في شرح المقنع]
الظَّاهِرَ إِرَادَةُ مَا تَعَارَفُوهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، كُلُّ هَذَا إِذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَعْرِفِ الْحِسَابَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِعَدَدِ مَا طَلَّقَ فُلَانٌ زَوْجَتَهُ، وَجَهِلَ عَدَدَهُ - فَطَلْقَةٌ، وَقِيلَ: بِعَدَدِهِ.
[جُزْءٌ: طَلْقَةٌ كَطَلْقَةٍ]
فَصْلٌ وجُزْء طَلْقَة كَهِيَ (إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ) فَتَقَعُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعا ممَّنْ يُحْفَظُ عَنْهُ (أَوْ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ، طُلِّقَتْ طَلْقَةً) ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي النِّصْفَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ تُكْمَلُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ يَتَحَقَّقُ بِهِ، وَفِيهِ عَمَلٌ بِالْيَقِينِ وَإِلْغَاءُ الشَّكِّ، وَإِيقَاعُ مَا أَوْقَعَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (وَإِنْ قَالَ: نِصْفَيْ طَلْقَتَيْنِ) وَقَعَ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ نِصْفَيِ الشَّيْءِ جَمِيعُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (أَوْ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ، فَيُكَمَّلُ النِّصْفُ، فَصَارَ ذَلِكَ طَلْقَتَيْنِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ مِنْ طَلْقَةٍ، فَالزَّائِدُ عَلَيْهَا يَكُونُ لَغْوًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي خَمْسَةِ أَرْبَاعِ طَلْقَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةِ أَثْلَاثٍ (وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَنَصَرَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ، وَقَدْ كُرِّرَ ثَلَاثًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ طَلْقَتَيْنِ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: ثَلَاثة أَنْصَافٍ مِنْ طَلْقَتَيْنِ، وَذَلِكَ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ، ثُمَّ تُكْمَلُ فَتَصِيرُ طَلْقَتَيْنِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ ثِنْتَيْنِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": تَقَعُ ثِنْتَانِ (وَإِنْ قَالَ: نِصْفُ طَلْقَةٍ، ثُلُثُ طَلْقَةٍ سُدُسُ
طَلْقَةً، وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَثُلُثَ طَلْقَةٍ، وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ.
وَعَنْهُ: إِذَا قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا، مَا أَرَى إِلَّا قَدْ بِنَّ مِنْهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
طَلْقَةٍ) أَيْ: يَقَعُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَجْزَاءُ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي التَّغَايُرُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْطُوفٍ (أَوْ نِصْفُ، وَثُلُثُ، وَسُدُسُ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ طَلْقَةً) ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الطَّلْقَةِ، فَيَجِبُ أَنْ تُطَلَّقَ وَاحِدَةً (وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَثُلُثَ طَلْقَةٍ، وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا (ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ أَجْزَاءَ الطَّلْقَةِ عَلَى جُزْءٍ آخَرَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، فَيَقَعُ جُزْءًا، ثُمَّ يُكْمَلُ بِالسَّرَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ هِيَ الْأَوْلَى لَجَاءَ بِهَا بِلَامِ التَّعْرِيفِ، فَقَالَ: ثُلُثُ الطَّلْقَةِ سُدُسُ الطَّلْقَةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا: إِذَا ذُكِرَ لَفْظٌ ثُمَّ أُعِيدَ مُنَكَّرًا، فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِهَا، فَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6] فَالْعُسْرُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، بِخِلَافِ الْيُسْرِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَوْ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ الْأُولَى لَذَكَرَهَا بِالضَّمِيرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى.
(وَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ) أَوْ عَلَيْكُنَّ، نَصَّ عَلَيْهِ (طَلْقَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى قَسْمَ الطَّلْقَةِ بَيْنَهُنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رُبُعُهَا، ثُمَّ تُكْمَلُ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَتَيْنِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَسَمَ لَمْ يَزِدْ وَاحِدَةً عَلَى طَلْقَةٍ، وَعَنْهُ: يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: لِأَنَّهُ إِذَا قُسِّمَتِ اثْنَتَانِ بَيْنَهُنَّ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ جُزْآنِ مِنْ طَلْقَتَيْنِ، ثُمَّ يُكَمَّلُ كُلَّ جُزْءٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْسَمُ بِالْأَجْزَاءِ مَعَ الِاخْتِلَافِ كَالدُّورِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَأَمَّا الْجُمَلُ الْمُتَسَاوِيَةُ مِنْ جِنْسٍ كَالنُّقُودِ فَإِنَّمَا يُقْسَمُ بِرُءُوسِهَا، وَيُكَمَّلُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِد مِنْ وَاحِدٍ كَأَرْبَعَةٍ لَهُمْ دِرْهَمَانِ صَحِيحَانِ، فَإِنَّهُ يُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ، وَالطَّلْقَاتُ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَا أَخْذًا بِالْيَقِينِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ إِيقَاعِ طَلْقَةٍ زَائِدَةٍ بِالشَّكِّ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لَهُنَّ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ يُصِيبُ كُلَّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ طَلْقَةٍ، ثُمَّ تُكْمَلُ (وَعَنْهُ: إِذَا قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا، مَا أَرَى إِلَّا قَدْ بِنَّ مِنْهُ) نَقَلَهَا الْكَوْسَجُ (وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ إِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُنَّ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ جُزْءٌ مِنْ
قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا، فَعَلَى الْأُولَى يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ.
فَصْلٌ إِذَا قَالَ: نِصْفُكِ أَوْ جُزْءٌ مِنْكِ، أَوْ إِصْبَعُكِ، أَوْ دَمُكِ طَالِقٌ - طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ: شَعْرُكِ، أَوْ ظُفْرُكِ، أَوْ سِنُّكِ طَالِقٌ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الرِّيقِ وَالدَّمْعِ
[المبدع في شرح المقنع]
ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ، ثُمَّ تُكْمَلُ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": أَنَّهُنَّ يُطَلَّقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي.
(وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا، فَعَلَى الْأَوْلَى يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ) ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةِ طَلْقَةٌ وَرُبُعًا، ثُمَّ تُكْمَلُ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِيمَا إِذَا أَوْقَعَ ثَلَاثًا فَلَأَنه تُطَلَّقُ ثَلَاثًا إِذَا أَوْقَعَ خَمْسًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنْ قَالَ: أَوَقَعْتُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا، فَكَذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ تِسْعًا - وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثٌ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً - فَثَلَاثٌ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ عَلَى الْأُولَى، فَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثُلُثَ طَلْقَةٍ، وَثُلُثَ طَلْقَةٍ وَسُدُسَ طَلْقَةٍ - وَقَعَ ثَلَاثٌ، كَمَا لَوْ عَطَفَهُ بِالْفَاءِ أَوْ ثُمَّ، إِلَّا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى.
[إِذَا قَالَ نِصْفُكِ أَوْ جُزْءٌ مِنْكِ طَالِقٌ]
فَصْلٌ (إِذَا قَالَ: نِصْفُكِ أَوْ جُزْءٌ مِنْكِ) سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا، أَوْ مَشَاعًا، أَوْ مُبْهَمًا (أَوْ إِصْبَعُكِ، أَوْ دَمُكِ طَالِقٌ - طُلِّقَتْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِصِحَّتِهِ فِي الْبَعْضِ بِخِلَافِ زَوَّجْتُكَ بَعْضَ وَلِيَّتِي، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا تُطَلَّقُ بِدَمِهَا كَلَبَنِهَا، وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى سَوَادِهَا أَوْ بَيَاضِهَا - لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ، وَقِيلَ: بَلَى، فَإِنْ قَالَ: يَدُكِ طَالِقٌ، وَلَا يَدَ لَهَا، أَوْ إِنْ قُمْتِ فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَامَتْ وَقَدْ قُطِعَتْ - فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ هُوَ بِطْرِيقِ السِّرَايَةِ أَوْ بِطْرِيقِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنِ الْكُلِّ؛.
(وَإِنْ قَالَ: شَعْرُكِ، أَوْ ظُفْرُكِ، أَوْ سِنُّكِ طَالِقٌ - لَمْ تُطَلَّقْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَزُولُ وَيَخْرُجُ عِوَضُهَا فِي الشَّعْرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا رُوحَ فِيهِ، لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّهِ أَشْبَهَ الْعَرَقَ،
وَالْعَرَقِ وَالْحَمْلِ لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ قَالَ: رُوحُكِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تُطَلَّقُ.
فَصْلٌ فِيمَا تُخَالِفُ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرَهَا إِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: تُطَلَّقُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ يُسْتَبَاحُ بِنِكَاحِهَا، فَتُطَلَّقُ بِهِ كَالْإِصْبَعِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ جُزْءٌ يَنْفَصِلُ عَنْهَا فِي حَالِ السَّلَامَةِ بِخِلَافِ الْإِصْبَعِ.
(وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الرِّيقِ وَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ وَالْحَمْلِ لَمْ تُطَلَّقْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَاوِرٌ لَهَا، وَالْحَمْلِ - وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا - فَمَآلُهُ إِلَى الِانْفِصَالِ، وَهُوَ مُودَعٌ فِيهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: 98] قِيلَ: هُوَ مُسْتَوْدَعٌ فِي بَطْنِ الْأُمِّ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": هَلْ يَقَعُ وَيَسْقُطُ الْقَوْلُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى صِفَةٍ كَسَمْعٍ وَبَصَرٍ؛ إِنْ قُلْنَا: تَسْمِيَةُ الْجُزْءِ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَلَامُهُ - صَحَّ وَإِنْ قُلْنَا بِالسِّرَايَةِ فَلَا (وَإِنْ قَالَ: رُوحُكِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ) جَزَمَ بِهِ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ لَا تَبْقَى بِعَدَمِ مُزَايِلِهَا، أَشْبَهَ الْحَيَاةَ وَالدَّمَ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تُطَلَّقُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْفُرُوعِ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَعِتْقٌ وَظِهَارٌ، وَحَرَامٌ بِذِكْرِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَالرُّوحِ، فَبِذَلِكَ أَقُولُ؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عُضْوًا وَلَا شَيْئًا يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وَحُكي فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عَنْ أَحْمَدَ التَّوَقُّفَ عَنْهَا.
مَسْأَلَةٌ: الْعِتْقُ فِي ذَلِكَ كَطَلَاقٍ.
[فَصْلٌ فِيمَا تُخَالِفُ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرَهَا]
فَصْلٌ فِيمَا تُخَالِفُ الْمَدْخُولَ بِهَا غَيْرَهَا (إِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ
بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إِفْهَامَهَا، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً، بَلْ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ بَلْ طَلْقَةً، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
كُلَّ وَاحِدٍ يَقْتَضِي وُقُوعًا إِذًا، وَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنْ قَالَهُ ثَلَاثًا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إِفْهَامَهَا) ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، وَشَرْطُهُ الِاتِّصَالُ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لَهَا، طُلِّقَتْ ثَانِيَةً، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ التَّأْكِيدُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْكَلَامِ، فَقُبِلَ مُتَّصِلًا كَسَائِرِ التَّوَابِعِ مِنَ الْعَطْفِ وَالصِّفَةِ وَالْبَدَلِ، فَلَوْ نَوَى بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدَ الْأَوَّلَةِ لَمْ يُقْبَلْ، وَوَقَعَ الثَّلَاثُ، وَإِنْ أَكَّدَ الثَّانِيَةَ بِالثَّالِثَةِ، فَفِي قَبُولِهِ بِالْحُكْمِ رِوَايَتَانِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَجْهٌ كَإِقْرَارٍ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ فِي قَوْلِهِ: اعْتَدِّي اعْتَدِّي، فَأَرَادَ الطَّلَاقَ، هِيَ تَطْلِيقَةٌ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الثَّانِيَ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِئْنَافِ، فَيُصْرَفُ إِلَى التَّأْكِيدِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ» وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ الْإِيقَاعَ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَيُقَدِّرُ لَهُ مَا يَتِمُّ الْكَلَامُ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ - فَثَلَاثٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: تَبِينُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالْأُولَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ، وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ، وَكَرَّرَهُ - وَقَعْنَ، وَلَوْ قَصَدَ التَّأْكِيدَ - قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وَكَانَ قَبْلَ الْأَخِيرَةِ " أَنْتِ "، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.
فَرْعٌ: إِذَا أَتَى شَرْطٌ أَوِ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ صِفَةٌ عَقِبَ جُمْلَةٍ، اخْتَصَّ بِهَا، بِخِلَافِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً، بَلْ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ بَلْ طَلْقَةً، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ قَبْلَ طَلْقَةٍ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ) .
وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ - تَقَعُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَادَفَتْ مَحَلَّ النِّكَاحِ، فَيَقَعُ؛ وَلِأَنَّ الْفَاءَ تَقْتَضِي الْجَمْعَ مَعَ التَّعْقِيبِ، وَثُمَّ تَقْتَضِيهِ مَعَ التَّرَاخِي.
الثَّانِيَةُ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، بَلْ طَالِقٌ، تُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اقْتَضَى إِيقَاعَ
قَبْلَ طَلْقَةٍ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: تُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ، وَيَقَعَانِ مَعًا، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
طَلْقَةٍ، وَالطَّلَاقُ لَا يَرْتَفِعُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَالثَّانِي: يَقْتَضِي إِيقَاعَ طَلْقَةٍ؛ لِأَنَّ بَلْ لِإِثْبَاتِ الثَّانِي، وَالْإِضْرَابِ عَنِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إِضْرَابُهُ، وَجَبَ وُقُوعُهُمَا جَمِيعًا، وَعَنْهُ: فِي أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَلْ طَلْقَةً أَوْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ وَاحِدَةً، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمٌ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً، بَلْ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ بَلْ طَلْقَةً - تَقَعُ ثِنْتَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَوْقَعَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي " طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ " ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِيقَاعُ وَاحِدَةٍ، وَالثَّانِي: يَقْتَضِي إِيقَاعَ طَلْقَتَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ تَقَعُ ثِنْتَانِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى يَصِحُّ دُخُولُهَا فِي الثِّنْتَيْنِ، فَلَا يَكُونُ الْإِضْرَابُ عَنْهَا مُسْتَدْرَكًا؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ فَائِدَةٍ، وَهُوَ الْوُقُوعُ، وَالثَّانِيَةُ ظَاهِرَةٌ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ قَبْلَ طَلْقَةٍ، فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ، وَالْمَحَلُّ يَحْتَمِلُهُ، فَإِنْ أَرَادَ فِي " بَعْدَهَا طَلْقَةٌ ": سَأُوقِعُهَا، فَفِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَا يُقْبَلُ حُكْمًا، وَفِي الْبَاطِنِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، قَطَعَ بِهِ فِي " قَبْلَ طَلْقَةٍ " فِي " الْمُذْهَبِ " و" الْمُسْتَوْعِبِ " وَزَادَ بَعْدَ طَلْقَةٍ.
(وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِالْأُولَى) ؛ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ مَحَلًّا (وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا) ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ كَالْأَجْنَبِيَّةِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي) أَيْ: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ بَعْضُهُ قَبْلَ بَعْضٍ، فَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا جَمِيعُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلْقَةٌ بَعْدَ طَلْقَةٍ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: تُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ) وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ (وَيَقَعَانِ مَعًا) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ وُقُوعَ الطَّلْقَةِ الْأُخْرَى قَبْلَ الطَّلْقَةِ الْمُوَقَّعَةِ، فَوَقَعَتْ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَأَخَّرَتْ عَنِ الزَّمَنِ الَّذِي قُصِدَ إِيقَاعُهَا فِيهِ لِكَوْنِهِ زَمَنًا مَاضِيًا - وَجَبَ إِيقَاعُهَا فِي أَقْرَبِ الْأَزْمِنَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعَهَا، وَلَا يَلْزَمُ تَأْخِيرُهَا إِلَى مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ زَمَنًا يُمْكِنُ الْوُقُوعُ فِيهِ، وَهُوَ زَمَنٌ قَرِيبٌ، فَلَا يُؤَخَّرُ إِلَى الْبَعِيدِ.
مَعَ طَلْقَةٍ، أَوْ طَالِقٌ وَطَالِقٌ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَالْمُعَلَّقُ كَالْمُنْجَزِ فِي هَذَا، فَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ مَعَ طَلْقَةٍ، فَدَخَلَتْ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ - طُلِّقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، وَاثْنَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ) أَوْ مَعَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي وُقُوعَهُمَا مَعًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ، فَلَوْ قَالَ: مَعَهَا اثْنَتَانِ وَقَعَ ثَلَاثٌ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةٌ تَحْتَ طَلْقَةٍ، أَوْ تَحْتَهَا، أَوْ فَوْقَ طَلْقَةٍ، أَوْ فَوْقَهَا (أَوْ مَعَ طَلْقَةٍ، أَوْ طَالِقٌ وَطَالِقٌ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي الْجَمْعَ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يَتِّمُ بِآخِرِهِ فِي الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، فَكَذَا فِي الْعَطْفِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ مُغَيِّرَةٌ لَهُ بِخِلَافِ الْعَطْفِ، فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْعَطْفَ هُنَا يُبَيِّنُ عَدَدَ الْوَاقِعِ فَهُوَ كَالصِّفَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا غَايَرَ بَيْنَ الْحُرُوفِ وَنَوَى التَّأْكِيدَ - لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرِيرِ الْأَوَّلِ بِصُورَتِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ، أَنْتِ مُفَارَقَةٌ، وَنَوَى التَّأْكِيدَ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ - قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهَا بِالْحُرُوفِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، بَلْ أَعَادَ اللَّفْظَ بِمَعْنَاهُ، وَمِثْلُ هَذَا يُعَادُ تَوْكِيدًا، فَلَوْ عَطَفَ فَقَالَ: مُطَلَّقَةٌ، وَمُسَرَّحَةٌ، وَمُفَارِقَةٌ، وَقَالَ: أَرَدْتُ التَّأْكِيدَ - فَاحْتِمَالَانِ.
(وَالْمُعَلَّقُ كَالْمُنْجَزِ فِي هَذَا) ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى الشَّرْطِ يَجِبُ تَحَقُّقُهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ يَقَعُ عَلَيْهَا لَوْ كَانَ مُنْجَزًا - تَقَدَّمَ الشَّرْطُ أَوْ تَأَخَّرَ - (فَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ مَعَ طَلْقَةٍ، فَدَخَلَتْ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ شَرْطُ وُقُوعِهِمَا مَعًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ، فَلَوْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا بِالْجَزَاءِ أَوْ مَعَ طَلْقَتَيْنِ - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا (وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ - طُلِّقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى، فَيَجِبُ أَلَّا يَلْحَقَهَا مَا بَعْدَهَا (وَاثْنَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبِينُ بِالْأُولَى، فَيَتَعَيَّنُ إِيقَاعُ الثَّانِيَةِ أَيْضًا، وَفِي " الْمُغْنِي " عَنِ الْقَاضِي: تُطَلَّقُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا طَلْقَةً مُنْجَزًا، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: أَن " ثُمَّ " كَسَكْتَةٍ لِتَرَاخِيهَا، فَيَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعَهَا طَلْقَةٌ، فَيَقَعُ بِالْمَدْخُولِ بِهَا ثِنْتَانِ، وَاحِدَةٌ إِذَنْ، وَطَلْقَةٌ
بِهَا، وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ.
بَابٌ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُونَ النِّصْفِ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَفِي النِّصْفِ وَجْهَانِ، فَإِذَا قَالَ:
[المبدع في شرح المقنع]
بِالشَّرْطِ، وَيَقَعُ بِغَيْرِهَا إِنْ قُدِّمَ الشَّرْطُ الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ لَغْوٌ، وَالْأُولَى مُعَلَّقَةٌ، وَإِنْ أَخَّرَهُ فَطَلْقَةٌ مُنْجَزَةٌ وَالْبَاقِي لَغْوٌ، وَفِي " الْمُذْهَبِ " فِيمَا إِذَا تَقَدَّمَ الشَّرْطُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَوْقَعَ وَاحِدَةً فَقَطْ فِي الْحَالِ، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ كَالْمُنْجَزِ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَمْ تُفَرِّقْ، وَأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ فَطَلْقَةٌ مُنْجَزَةٌ، وَإِنْ قَدَّمَهُ لَمْ يَقَعْ إِلَّا طَلْقَةٌ بِالشَّرْطِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ - طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ) ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يَقْتَضِي إِيقَاعَ الطَّلَاقِ بِشَرْطِ الدُّخُولِ، وَقَدْ كُرِّرَ التَّعْلِيقُ، فَيَتَكَرَّرُ الْوُقُوعُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ كَرَّرَ الشَّرْطَ ثَلَاثًا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا - فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ - لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ، فَاقْتَضَى وُقُوعُ الثَّلَاثِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ]
بَابٌ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ الِاسْتِثْنَاءُ: إِخْرَاجٌ بِإِلَّا أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا، قِيلَ: مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ؛ لِوُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلِسَانِ الْعَرَبِ (حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ إِيقَاعِهِ، وَلَوْ صَحَّ لَرَفَعَهُ (وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُونَ النِّصْفِ) فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ فِيهِ، فَجَازَ كَمَا فِي عَدَدِ الْمُطَلَّقَاتِ، وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ رَافِعًا لِوَاقِعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النِّصْفِ، أَيْ: لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ، وَلَا الْأَكْثَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَوَّاهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ (وَفِي النِّصْفِ
أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً - طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، أَوْ خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا، أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا رُبُعَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَهَلْ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا
[المبدع في شرح المقنع]
وَجْهَانِ) وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ وَصَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " رِوَايَتَيْنِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَجَازَ الْأَكْثَرُ إِنْ سَلِمَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَدَدِ، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ بِالصِّفَةِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْصِيصٌ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْكُلُّ نَحْوَ: اقْتُلْ مَنْ فِي الدَّارِ إِلَّا بَنِي تَمِيمٍ، وَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ، فَيَحْرُمُ قَتْلُهُمْ، وَسَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ (فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً - طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ دُونَ النِّصْفِ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا) طُلِّقَتْ ثَلَاثًا بِغَيْرِ خِلَافٍ (أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ) وَقَعَ ثَلَاثٌ - بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ (أَوْ خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا) وَقَعَتِ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنْ عَادَ إِلَى الْخَمْسِ فَقَدِ اسْتَثْنَى الْأَكْثَرَ، وَإِن عَادَ إِلَى الثَّلَاثِ الَّتِي يَمْلِكُهَا فَقَدْ رَفَعَ جَمِيعَهَا، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنْ صَحَّ الْأَكْثَرُ فَثِنْتَانِ، وَإِنْ قَالَ: خَمْسًا إِلَّا طَلْقَةً، فَقِيلَ: يَقَعُ اثْنَتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ (أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا رُبُعَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ النَّاقِصَةَ تُكْمَلُ، فَتَصِيرُ ثَلَاثًا ضَرُورَةَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهٌ أَنَّهَا تُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، فَقِيلَ: تَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ، وَاثْنَتَيْنِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ - لَمْ يَصِحَّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنِ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً، فَفِي صِحَّتِهِ احْتِمَالَانِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَهَلْ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) لَا يَصِّحُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ - خِلَافًا لِـ " الرِّعَايَةِ " - إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً - فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " و" الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدَةِ مِمَّا قَبْلَهَا، فَتَبْقَى وَاحِدَةً، وَهِيَ
وَاحِدَةً - لَمْ يَصِحَّ، أَوْ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إِلَّا طَلْقَةً - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ
[المبدع في شرح المقنع]
مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَتَصِيرُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَاحِدَةَ مُخْرَجَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ لِإِبْطَالِ اسْتِثْنَاءِ الثِّنْتَيْنِ، وَالثَّانِي: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الثِّنْتَيْنِ لَا يَصِحُّ؛ لِكَوْنِهِمَا أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنِ اسْتِثْنَاءٍ بَاطِلٍ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً - لَمْ يَصِحَّ) وَيَقَعُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلِ بَاطِلٌ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَعُودُ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدَةِ إِلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، فَتَقَعُ طَلْقَتَانِ (أَوْ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إِلَّا طَلْقَةً - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الِاسْتِثْنَاءِ يَجْعَلُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَغْوًا، فَبَطَلَ كَاسْتِثْنَاءِ الْجَمْعِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ) ذَكَرَ فِي " الْوَاضِحِ " أَنَّهُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَتَصِيرُ الْوَاحِدَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنَ الثَّلَاثِ، فَلَوْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ أَوْ ثُمَّ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً، فَقِيلَ: تَقَعُ الثَّلَاثُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي طَلْقَةٍ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ إِلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً، وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَإِلَّا وَاحِدَةً، طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةً، وَإِنْ أَسْقَطَ الْوَاوَ، فَقِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، فَهَلْ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": إِنَّهَا تُطَلَّقُ ثَلَاثًا وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ إِلَّا وَاحِدَةً - وَقَعَتِ الثَّلَاثُ) ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ نَصٌّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ أَقْوَى، وَلَوِ ارْتَفَعَ بِالنِّيَّةِ لَرُجِّحَ
طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ إِلَّا وَاحِدَةً - وَقَعَتِ الثَّلَاثُ، وَإِنْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ، وَاسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ - لَمْ تُطَلَّقْ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَرْجُوحُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ - وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ": يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ حُكْمًا، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ قَالَ: نِسَائِي الْأَرْبَعُ طَوَالِقُ وَاسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلِ الْأَرْبَعُ - فَفِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ (وَإِنْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ، وَاسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ - لَمْ تُطَلَّقْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ الْعُمُومُ فِي الْخُصُوصِ، وَذَلِكَ شَائِعٌ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِذَا قَالَ: أَرْبَعَتُكُنَّ طَوَالِق إِلَّا فُلَانَةَ - لَمْ تَصِحَّ عَلَى الْأَشْبَهِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ وَأُوقِعَ، وَيَصِحُّ أَرْبَعَتُكُنَّ إِلَّا فُلَانَةَ طَوَالِقُ، وَإِنِ اسْتَثْنَى مَنْ سَأَلَتْهُ طَلَاقَهَا - دِين، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَنِسَائِي الْأَرْبَعِ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ لِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْ نِسَاءَكَ، فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ - طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى سَبَبِهِ، وَإِنِ اسْتَثْنَاهَا قُبِلَ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى نِيَّتِهِ.
1 -
فَرْعٌ: يُعْتَبَرُ لِلِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ اتِّصَالٌ مُعْتَادٌ، قَطَعَ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَنِيَّتُهُ قَبْلَ تَكْمِيلِ مَا أَلْحَقَهُ بِهِ، حَكَاهُ الْفَارِسِيُّ إِجْمَاعًا، وَقِيلَ: وَبَعَّدَهُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ وَمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ، وَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ بِالنِّيَّةِ وَبِالِاسْتِثْنَاءِ، قَالَ: وَفِي الْقُرْآنِ جُمَلٌ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا بِكَلَامٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا﴾ [آل عمران: 72] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: 71] فَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَسَأَلَهُ أَبُو دَاوُدَ عَمَّنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَقِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ سِوَاهَا؛ فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ، فَسَكَتَ، فَقِيلَ: إِلَّا فُلَانَةَ؛ قَالَ: إِلَّا فُلَانَةَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْنِهَا، فَأَبَى أَنْ يُفْتِيَ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ وَصَلَهُ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ، فَإِنْ كَانَ نُطْقًا، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ نَوَاهُ وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ - دِينَ، وَفِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ.
بَابٌ الطَّلَاقُ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل
ِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسُ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ،
يَنْوِي الْإِيقَاعَ - وَقَعَ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَمْ يَقَعْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ وَقَالَ الْقَاضِي: يَقَعُ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: لَا يَقَعُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسُ، وَيَقَعُ إِذَا قَالَ: قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّ زَوْجًا قَبْلِي طَلَّقَهَا، أَوْ طَلَّقْتُهَا فِي نِكَاحٍ قَبْلَ هَذَا - قُبِلَ مِنْهُ، إِذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمُرَادِهِ، فَهَلْ تُطَلَّقُ؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ]
[إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسُ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ] بَابٌ الطَّلَاقُ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ (إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسُ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ، يَنْوِي الْإِيقَاعَ - وَقَعَ) ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَمْ يَقَعْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى زَمَنٍ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ فِيهِ، وَهُوَ الزَّمَنُ الْمَاضِي وَقَبْلَ نِكَاحِهِ، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِيَوْمَيْنِ، فَقَدِمَ الْيَوْمَ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَقَعُ) وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ، فَلَغَتِ الصِّفَةَ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ لِآيِسَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ (وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: لَا يَقَعُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسُ) ؛ لِعَدَمِ إِمْكَانِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ (وَيَقَعُ إِذَا قَالَ: قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا، وَهَذَا الْوَقْتُ قَبْلَهُ، فَيَقَعُ فِيهِ بِخِلَافِ الْأُولَى، قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَنْهُ: فِي الْأُولَى إِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمْسُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنِّي طَلَّقْتُهَا أَمْسُ - طُلِّقَتْ بِإِقْرَارِهِ، وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي يَوْمِهَا؛ لِاعْتِرَافِهَا أَنَّ أَمْسُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِدَّتِهَا (فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّ زَوْجًا قَبْلِي طَلَّقَهَا، أَوْ طَلَّقْتُهَا فِي نِكَاحٍ قَبْلَ هَذَا - قُبِلَ مِنْهُ، إِذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ) ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، وَقَوْلُهُ: إِذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ، لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُحْتَمِلًا لِلصِّدْقِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": إِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ، وَقَعَ طَلَاقُهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْوُجُودُ، فَإِذَنْ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَا لَمْ تُكَذِّبْهُ قرينة مِنْ غَضَبٍ، أَوْ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ مَاتَ) الْقَائِلُ (أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمُرَادِهِ، فَهَلْ تُطَلَّقُ) الْمَقُولُ لَهَا؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ) بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ
وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ، فَقَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فِيهِ، فَإِنْ خَالَعَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ بِيَوْمٍ، وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمَيْنِ، صَحَّ الْخُلْعُ، وَبَطَلَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَقَعَ الطَّلَاقُ دُونَ الْخُلْعِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ
[المبدع في شرح المقنع]
النِّيَّةِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، فَإِنْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِهِ، لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ النِّيَّةُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهَا، وَإِنْ قِيلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِي لِلْوُقُوعِ قَدْ وُجِدَ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ) فَلَهَا النَّفَقَةُ (فَقَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ لَمْ تُطَلَّقْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى صِفَةٍ مُمْكِنَةِ الْوُجُودِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: تُطَلَّقُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسُ، وَجَزَمَ بِهِ الْحُلْوَانِيُّ، فَلَوْ قَدِمَ مَعَ مُضِيِّ الشَّهْرِ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ (وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ عَلَى الصِّفَةِ، فَإِذَا حَصَلَتْ، وَقَعَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِكِ بِشَهْرٍ، فَلَوْ وَطِئَهَا، كَانَ مُحَرَّمًا، وَلَهَا الْمَهْرُ (فَإِنْ خَالَعَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ بِيَوْمٍ) فَأَكْثَرَ (وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمَيْنِ، صَحَّ الْخُلْعُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ مَعَ زَوْجِهِ (وَبَطَلَ الطَّلَاقُ) ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا، وَلَا إِرْثَ لَهَا؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ) فَأَقَلَّ (وَقَعَ الطَّلَاقُ) ؛ لِأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي السَّاعَةِ وَهِيَ زَوْجَةٌ، (دُونَ الْخُلْعِ) ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا، وَخُلْعُ الْبَائِنِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَحِينَئِذٍ لَهَا الرُّجُوعُ بِالْعِوَضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصِحُّ خُلْعُهَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ، فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ عَقْدِهَا بِشَهْرٍ وَيَوْمٍ، فإنا نَحْكُمُ بِوُقُوعِ عِتْقِ الْبَائِعِ وَبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْهُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ أَنَّهَا تُطَلَّقُ فِي الْحَالِ، وَهَذِهِ تُعْطِي أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَأْتِي لَا مَحَالَةَ أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَكَذَا إِنْ
قَبْلَ مَوْتِي، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، فَإِنْ قَالَ: بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ مَعَ مَوْتِي - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ تَزَوُّجَ أَمَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا مَاتَ أَبِي أَوِ اشْتَرَيْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَاتَ أَبُوهُ أَوِ اشْتَرَاهَا - لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ: قَبْلَ مَوْتِكِ أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ، فَإِنْ قَالَهُ بِالتَّصْغِيرِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي الْجُزْءِ الَّذِي يَلِيهِ الْمَوْتُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَصْغِيرٌ يَقْتَضِي الْجُزْءَ الْيَسِيرَ (فَإِنْ قَالَ: بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ مَعَ مَوْتِي - لَمْ تُطَلَّقْ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: بَعْدَ مَوْتِكِ، أَوْ مَعَ مَوْتِكِ - بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَلَمْ يُصَادِفِ الطَّلَاقَ نِكَاحًا يُزِيلُهُ، فَإِنْ قَالَ: يوم مَوْتِي، فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ - لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بَعْدَهُ، فَلَا يَقَعُ قَبْلَهُ لِمُضِيِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِشَهْرٍ وَقَعَ إِذَنْ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": فِي جُزْءٍ يَلِيهِ مَوْتُهُ كَقَبْلَ مَوْتِي، وَإِنْ قَالَ: أَطْوَلُكُمَا حَيَاةً طَالِقٌ، فَبِمَوْتِ إِحْدَاهُمَا يَقَعُ بِالْأُخْرَى إِذَنْ، وَقِيلَ: وَقْتُ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِشَهْرٍ، تَعَلَّقَتْ بِالصِّفَةِ بِأَوَّلِهِمَا مَوْتًا.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا مَاتَ أَبِي أَوِ اشْتَرَيْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَاتَ أَبُوهُ أَوِ اشْتَرَاهَا - لَمْ تُطَلَّقْ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ وَالشِّرَاءِ يَمْلِكُهَا، فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِالْمِلْكِ وَهُوَ زَمَنُ الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي، وَكَقَوْلِهِ: إِذَا مَلَكْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ - فِي الْأَصَحِّ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ) اخْتَارَهُ فِي " الْجَامِعِ "، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي التَّبْصِرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ سَبَبُ مِلْكِهَا وَطَلَاقِهَا، وَفَسْخُ النِّكَاحِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِ، فَيُوجَدُ الطَّلَاقُ فِي زَمَنِ الْمِلْكِ السَّابِقِ عَلَى الْفَسْخِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الشِّرَاءِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: تُطَلَّقُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " بِنَاءً عَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ زَمَنَ الْخِيَارِ.
(وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً) أَيْ: دَبَّرَهَا أَبُوهُ (فَمَاتَ أَبُوهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ) ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُمْنَعُ
تُطَلَّقْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُطَلَّقَ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً فَمَاتَ أَبُوهُ - وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ.
فَصْلٌ وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ، وَلَا مَاءَ فِيهِ، أَوْ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ، أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ، أَوْ لَأَطِيرَنَّ، أَوْ إِنْ لَمْ أَصْعَدِ السَّمَاءَ وَنَحْوَهُ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ
[المبدع في شرح المقنع]
بثُبُوت الْمِلْكِ لَهُ، فَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ، فَيَقَعُ طَلَاقُهُ (وَالْعِتْقُ) ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ وَقَدْ وُجِدَا مَعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ تُخْرَجُ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ أَجَازَ الِابْنُ، وَقُلْنَا: إِجَازَتُهُ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ - فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَنْفِيذٌ، وَقَعَا مَعًا، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَهُ لَمْ يُعْتَقْ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إِلَى الْوَرَثَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدِ أَدَاءِ الدَّيْنِ، وَقَعَا، وَإِلَّا حُكْمُهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَمَنْعِ الطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا لَهَا، فَإِنْ أَسْقَطَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ قَبْلَ إِسْقَاطِهِ.
[إِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ، وَلَا مَاءَ فِيهِ، أَوْ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ، أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ، أَوْ لَأَطِيرَنَّ، أَوْ إِنْ لَمْ أَصْعَدِ السَّمَاءَ وَنَحْوَهُ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ أَبِعْ عَبْدِي، فَمَاتَ الْعَبْدُ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْمُسْتَحِيلِ، وَعَدَمُهُ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ، وَفِي الثَّانِي: فَإِنَّهُ يُوقِعُ الطَّلَاقَ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ) وَحَكَاهُ عَنِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، فَإِنَّ الْحَالِفَ عَلَى فِعْلِ الْمُمْتَنِعِ كَاذِبٌ حَانِثٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النحل: 38] ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُتَصَوَّرٍ فَصَارَ مُمْتَنِعًا - حَنِثَ، فَهَذَا أَوْلَى، وَقِيلَ: لَا تُطَلَّقُ فِي الْمُحَالِ لِذَاتِهِ، وَإِنَّ الْمُحَالَ عَادَةً كَالْمُمْكِنِ فِي تَأْخِيرِ الْحِنْثِ إِلَى آخِرِ حَيَاتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ وَقْتَهُ كَقَوْلِهِ: لَأَطِيرَنَّ الْيَوْمَ، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَإِنْ أَطْلَقَ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ اتِّفَاقًا.
فَرْعٌ: إِذَا حَلِفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا، وَهُوَ مَيِّتٌ، فَقِيلَ: يَحْنَثُ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ:
طَالِقٌ إِنْ شَرِبْتِ مَاءَ الْكُوزِ - وَلَا مَاءَ فِيهِ - أَوْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ، أَوْ شَاءَ الْمَيِّتُ، أَوِ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ - حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِمَا فَلَا، وَفَرَّقَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَرِبْتِ مَاءَ الْكُوزِ - وَلَا مَاءَ فِيهِ - أَوْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ، أَوْ شَاءَ الْمَيِّتُ، أَوِ الْبَهِيمَةُ) أَوْ إِنْ قَلَبْتِ الْحَجَرَ ذَهَبًا، أَوْ إِنْ جَمَعْتِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أَوْ إِنْ رَدَدْتِ أَمْسُ (لَمْ تُطَلَّقْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ؛ لِأَنَّ مَا يُقْصَدُ تَبْعِيدُهُ يُعَلَّقُ عَلَى الْمُحَالِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40] ؛ وَلِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي ... وَعَادَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ
وَكَحَلِفِهِ بِاللَّهِ عَلَيْهِ (وَتُطَلَّقُ فِي الْآخَرِ) وَيُلْغَى الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ أَرْدَفَ الطَّلَاقَ بِمَا يَرْفَعُ جُمْلَتَهُ، وَيُمْنَعُ وُقُوعُهُ فِي الْحَالِ، وَفِي الثَّانِي: فَلَمْ يَصِحَّ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْكِ، وَقِيلَ: إِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ عَقْلًا وَقَعَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ، وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ - عَادَةً - كَالطَّيَرَانِ وَصُعُودِ السَّمَاءِ، لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ لَهُ وُجُودًا، وَقَدْ وُجِدَ فِي مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ.
تَذْنِيبٌ: الْعِتْقُ وَالظِّهَارُ وَالْحَرَامُ وَالنَّذْرُ كَالطَّلَاقِ، وَالْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى قِيلَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا كَفَّارَةَ فِيهَا كَالْغَمُوسِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ: لَأَفْعَلَنَّ، أَوْ لَا فَعَلْتُ، نَحْوَ: لَأَقُومَنَّ، أَوْ لَا قُمْتُ - يَصِحُّ بِنِيَّةِ جَاهِلٍ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ نَوَاهُ عَالِمٌ فَرِوَايَتَا أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ يُرِيدُ إِنْ قُمْتِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ، وَتَبِعَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إِذَا جَاءَ غَدٌ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا عُلِّقَ
الْبَهِيمَةُ، لَمْ تُطَلَّقْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَتُطَلَّقُ فِي الْآخَرِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إِذَا جَاءَ غَدٌ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تُطَلَّقُ.
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ، أَوْ فِي رَجَبٍ - طُلِّقَتْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ،
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى شَرْطٍ مُسْتَحِيلٍ، فَهَلْ يَقَعُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مَظْرُوفًا لِلْيَوْمِ وَمَشْرُوطًا لِلْغَدِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَحَالٌ، وَالْمَذْهَبُ: عَدَمُ الْوُقُوعِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تُطَلَّقُ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ لَمْ يَتَحَقَّقْ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إِذَا جَاءَ فِي الْيَوْمِ، وَلَا يَجِيءُ غَدٌ إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْيَوْمِ وَذَهَابِ مَحَلِّ الطَّلَاقِ.
وَفِي " الْمُغْنِي ": إِنَّ اخْتِيَارَ الْقَاضِي أَنَّهَا تُطَلَّقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ مُحَالٍ، فَلَغَا الشَّرْطَ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ لِآيِسَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": إِنَّهَا تُطَلَّقُ فِي غَدٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَأَقُومَنَّ، وَقَامَ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ حَنِثَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَخَاكِ لَعَاقِلٌ، وَكَانَ كَذَلِكَ - لَمْ يَحْنَثْ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ إِنَّ أَخَاكِ لَعَاقِلٌ، وَإِنْ شَكَّ فِي عَقْلِهِ لَمْ يَقَعْ وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرَّغِيفَ، فَأَكَلَهُ - حَنِثَ، وَإِنْ قَالَ: مَا أَكَلْتُهُ، لَمْ يَحْنَثْ إِنْ كَانَ صَادِقًا، وَحَنِثَ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ مَا آكُلُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ وَلَا ضَربتُكِ، وَنَوَى بِهِ التَّعْلِيقَ - صَحَّ إِنْ كَانَ جَاهِلًا، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا لِاسْتِحَالَةِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَذْهَبَ لَهُمْ، وَكَقَصْدِهِ التَّأْكِيدَ.
[فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ]
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ (إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، أَوْ يَوْمَ السَّبْتَ، أَوْ فِي رَجَبٍ - طُلِّقَتْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَكُونُ ظَرْفًا طُلِّقَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا دَخَلَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْهَا طُلِّقَتْ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ أَوْ فِي هَذَا الشَّهْرِ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ - دِينَ وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، أَوْ فِي الْيَوْمِ وَفِي غَدٍ وَفِي بَعْدِهِ، فَهَلْ تُطَلَّقُ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ فِي الْأَوَّلِ وَاحِدَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثًا
[المبدع في شرح المقنع]
بِشَهْرٍ، أَوْ وَقْتٍ عَيَّنَهُ - وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَقْضِكَ حَقَّكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَخْرُجَ الشَّهْرُ قَبْلَ قَضَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَضَاهُ فِي آخِرِهِ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ، وَلَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْحِنْثِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ أَوْ فِي هَذَا الشَّهْرِ - طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ وَالشَّهْرَ ظَرْفٌ لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ إِذَنْ، وَكَذَا إِنْ قَالَ فِي الْحَوْلِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فِي رَأْسِهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ - دِينَ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي غَيْرِهِ (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ آخِرَ الشَّهْرِ مِنْهُ، فَإِرَادَتُهُ لَا تُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، وَكَذَا وَسَطُهُ، إِذْ لَيْسَ أَوَّلُهُ أَوْلَى فِي ذَلِكَ مِنْ وَسَطِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُطْلِقَ تَنَاوَلَ أَوَّلَهُ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلٌ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يَدِينُ وَلَا يُقْبَلُ حُكْمًا، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، أَوْ مَجِيئِهِ، أَوْ غُرَّتِهِ - طُلِّقَتْ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: نَوَيْتُ آخِرَهُ، أَوْ وَسَطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالْغُرَّةِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ الْأَوَّلَ مِنَ الشَّهْرِ يُسَمَّى غَرَرًا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا كَانَ رَمَضَانُ، أَوْ إِلَى رَمَضَانَ، أَوْ إِلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، أَوْ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ - طُلِّقَتْ سَاعَةَ يَسْتَهِلُّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: مِنَ السَّاعَةِ إِلَى الْهِلَالِ، فَتُطَلَّقُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَجِيءِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، طُلِّقَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا، أَوْ بَعْدَ غَدٍ، أَوْ فِي الْيَوْمِ وَفِي غَدٍ وَفِي بَعْدِهِ فَهَلْ تُطَلَّقُ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَكْثَرَ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهَا إِذَا طُلِّقَتِ الْيَوْمَ، فَهِيَ طَالِقٌ فِي غَدٍ وَفِي بَعْدِهِ، وَكَقَوْلِهِ: كُلَّ يَوْمِ ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَالثَّانِي: ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي أَوْقَاتِ الطَّلَاقِ يَدُلُّ عَلَى تَعْدَادِهِ
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إِنْ لَمْ أُطَلِّقُكِ الْيَوْمَ - طُلِّقَتْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَقِيلَ: تُطَلَّقُ فِي الْأَوَّلِ وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ مَنْ طُلِّقَتْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هِيَ طَالِقٌ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ (وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثًا) وَهَذَا الْقَوْلُ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ إِعَادَةَ " فِي " تَقْتَضِي فِعْلًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْيَوْمِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ، وَأَنْتِ طَالِقٌ فِي بَعْدِ غَدٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَخْرُجَ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ فِي كُلِّ يَوْمٍ - عَلَى هَذَا الْخِلَافِ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ الْيَوْمَ - طُلِّقَتْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْيَوْمَ يَفُوتُ بِهِ طَلَاقُهَا، فَوَجَبَ وُقُوعُهُ قَبْلَهُ فِي آخِرِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ، كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْيَوْمِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تُطَلَّقُ) وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ شَرْطَ طَلَاقِهَا خُرُوجُ الْيَوْمَ، وَبِخُرُوجِهِ يَفُوتُ مَحَلُّ طَلَاقِهَا، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَبْطُلُ هَذَا بِمَا إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْيَوْمِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الطَّلَاقِ يَفُوتُ بِمَوْتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَكَذَا هُنَا، وَكَذَا إِنْ أَسْقَطَ الْيَوْمَ الْأَخِيرَ، وَإِنْ أَسْقَطَ الْأَوَّلَ، وَقَعَ قَبْلَ آخِرِهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَيَأْتِي إِنْ أَسْقَطَهُمَا، وَاحْتَجَّ بِهَا الْمُؤَلِّفُ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، فَدَلَّ أَنَّهَا مِثْلُهَا، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِيهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
مَسَائِلُ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ الْيَوْمَ، أَوْ إِنْ لَمْ أَشْتَرِ لَكِ ثَوْبًا الْيَوْمَ، فَالْخِلَافُ كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: إِنْ لَمْ أَبِعْكَ الْيَوْمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَلَمْ يَبِعْهُ حَتَّى خَرَجَ الْيَوْمَ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ عُتِقَ، أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ أَوِ الْمَرْأَةُ فِي الْيَوْمِ - طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ بَيْعُهُ، وَإِنْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فَلَا، وَمَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا قَالَ: تُطَلَّقُ، وَإِنْ وُهِبَ الْعَبْدُ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَوْدُهُ إِلَيْهِ بِبَيْعِهِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَبِعْ عَبْدِي فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَكَاتَبَ الْعَبْدَ - لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَجْزُهُ، فَلَمْ يَعْلَمْ فَوَاتَ الْبَيْعِ، وَإِذَا قَالَ: إِذَا مَضَى يَوْمٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ نَهَارًا وَقْعَ إِذَا عَادَ النَّهَارُ إِلَى مِثْلِ وَقْتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا فَبِغُرُوبِ شَمْسِ الْغَدِ.
أَبُو بَكْرٍ: لَا تُطَلَّقُ وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ، فَمَاتَتْ غَدْوَةً، وَقِدَمَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَهَلْ وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ، أَوْ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ، فَمَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِهِ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا، طُلِّقَتِ الْيَوْمَ وَاحِدَةً، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ: طَالِقٌ الْيَوْمَ وَطَالِقٌ غَدًا، أَوْ نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ، وَنِصْفَهَا غَدًا،
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ، فَمَاتَتْ غُدْوَةً، وَقَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَهَلْ وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ مِنْ أَوَّلِهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَوْلَى كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةَ، وَقِيلَ: بَعْدَ قُدُومِهِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ قُدُومَهُ شَرْطًا، فَلَا تُطَلَّقُ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي: لَا تُطَلَّقُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ قُدُومُ زَيْدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَقَعْ بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا الْإِرْثُ، فَلَوْ مَاتَ الرَّجُلُ غُدْوَةً، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ مَاتَ الزَّوْجَانِ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ - كَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ، فَقَدِمَ زَيْدٌ فِيهِ - فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا تُطَلَّقُ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ؛ لِأَنَّ قُدُومَهُ شَرْطٌ فِيهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَهُوَ أَصَحُّ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَمْسُ، أَوْ عَكْسُ، طُلِّقَتْ طَلْقَةً غَدًا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهَا.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ، أَوْ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ، فَمَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِهِ - لَمْ تُطَلَّقْ) صَحَّحَهُ السَّامِرِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَوْقَعَ طَلَاقَهَا فِيهِ لَمْ يَأْتِ، وَهِيَ مَحَلُّ الطَّلَاقِ، فَلَمْ تُطَلَّقْ كَمَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقِيلَ: إِنْ قَدِمَ فِيهِ طُلِّقَتْ بَعْدَ قُدُومِهِ، وَقِيلَ: مِنْ أَوَّلِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ بَعْدَ الْغَدِ أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا، طُلِّقَتِ الْيَوْمَ وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ مَنْ طُلِّقَتِ الْيَوْمَ فَهِيَ طَالِقٌ غَدًا (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَطَالِقٌ غَدًا) فَتُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ فِي الْيَوْمَيْنِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا تُطَلَّقُ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ، طُلِّقَتِ الْيَوْمَ وَلَمْ تُطَلَّقْ غَدًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الزَّمَانَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ، فَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ (أَوْ نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنَصِفَهَا غَدًا، فَتُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يُكْمَلُ ضَرُورَةَ عَدَمِ تَبْعِيضِ الطَّلَاقِ (وَإِنْ نَوَى نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَبَاقِيَهَا غَدًا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: نِصْفَهَا الْيَوْمَ كُمِّلَتْ، فَلَمْ يَبْقَ لَهَا بَقِيَّةٌ يَقَعُ غَدًا، وَلَمْ
فَتُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ نَوَى نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ، وَبَاقِيَهَا غَدًا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى شَهْرٍ، أَوْ حَوْلٍ - طُلِّقَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَهَا فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ من آخِر الشَّهْرِ أَوْ أَوَّلَ آخِرِهِ، طُلِّقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ: فِي آخِرِ أَوَّلِهِ، طُلِّقَتْ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُطَلَّقُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ
[المبدع في شرح المقنع]
يَقَعْ شَيْءٌ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْقَعَهُ، وَالثَّانِي: تَقَعُ اثْنَتَانِ فِي الْيَوْمَيْنِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى شَهْرٍ، أَوْ حَوْلٍ - طُلِّقَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي ذَرٍّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ غَايَةً لِلطَّلَاقِ وَلَا غَايَةَ لِآخِرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَجْعَلَ غَايَةً لِأَوَّلِهِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُؤَقِّتًا لِإِيقَاعِهِ، فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ، وَعَنْهُ: تُطَلَّقُ إِذَنْ كَنِيَّتِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ الْخِلَافَ مَعَ النِّيَّةِ، وَكَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى مَكَّةَ، وَلَمْ يَنْوِ بُلُوغَهَا مَكَّةَ، وَإِنْ قَالَ: بَعْدَ مَكَّةَ، وَقْعَ إِذَنْ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَهَا فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ، وَلَفْظُهُ يَحْتَمِلُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنَ الْيَوْمِ إِلَى سَنَةٍ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، فَيَقْتَضِي أَنَّ طَلَاقَهَا فِي الْيَوْمِ، فَإِنْ أَرَادَ وُقُوعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، لَمْ يَقَعْ إِلَّا بَعْدَهَا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ تَكْرِيرَ طَلَاقِهَا مِنْ حِينِ لَفِظْتُ بِهِ إِلَى سَنَةٍ، طُلِّقَتْ مِنْ سَاعَتِهَا ثَلَاثًا إِذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ أَوْ أَوَّلِ آخِرِهِ، طُلِّقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ آخِرَ الشَّهْرِ آخَرُ يَوْمٍ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى وَقْتٍ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ فِي الْأَوْلَى بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ، فَيَحْرُمُ وَطْؤُهُ فِي تَاسِعِ عِشْرِينَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ.
(وَإِنْ قَالَ: فِي آخِرِ أَوَّلِهِ، طُلِّقَتْ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُطَلَّقُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ فَمَا دُونَ يُسَمَّى أَوَّلَهُ، فَإِذَا شَرَعَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي صَدَقَ أَنَّهُ
بِغُرُوبِ شَمْسِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ، فَإِنْ قَالَ: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ إِذَا مَضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ، وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الَّذِي حَلَفَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْعَدَدِ فَإِنْ قَالَ: إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِانْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً، طُلِّقَتِ الْأُولَى فِي الْحَالِ، وَالثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، وَكَذَا
[المبدع في شرح المقنع]
آخِرُهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْحِنْثُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ آخِرِهِ وَآخِرُ أَوَّلِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لَا يُسَمَّى أَوَّلَ الشَّهْرِ، وَيَصِحُّ بِنِيَّةٍ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ: فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ فِيهِ، فَبِدُخُولِهِ (فَإِنْ قَالَ: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ إِذَا مَضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ) أَيْ: إِذَا كَانَ حَلِفُهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ كُلَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِالْأَهِلَّةِ؛ لِأَنَّهَا السَّنَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ بِالنَّصِّ (وَيُكْمَلُ الشَّهْرُ الَّذِي حَلَفَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْعَدَدِ) أَيْ: إِذَا كَانَ الْحَلِفُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَجَبَ تَكْمِيلُ الشَّهْرِ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَصِفَتُهُ إِذَا كَانَ قَدْ مَضَى مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ نَاقِصًا، بَقِيَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْأَحَدَ عَشَرَ بِالْأَهِلَّةِ، أَضَافَ إِلَى التِّسْعَةَ عَشَرَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْعَدَدَ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَامَ نِصْفَ الشَّهْرِ، وَجَبَ تَكْمِيلَهُ مِنَ الَّذِي يَلِيهِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ الثَّانِي مِنْ نِصْفِهِ، فَيُكْمَلُ مِنَ الَّذِي يَلِيهِ وَهَلُمَّ جَرَّا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ سَنَةً شَمْسِيَّةً أَوْ عَدَدِيَّةً، قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا سَنَةً حَقِيقِيَّةً كَمَا يُقْبَلُ إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ سَنَةً إِذَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ.
(فَإِنْ قَالَ: إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِانْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَهَا بِلَامِ التَّعْرِيفِ انْصَرَفَ إِلَى السَّنَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَهِيَ الَّتِي آخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ، وَوَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ أَنَّ إِشَارَتَهُ إِلَيْهَا كَتَعْرِيفِهَا، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ سَنَةً كَامِلَةً، دِينَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً، طُلِّقَتِ الْأُولَى فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السَّنَةَ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ، فَيَقَعُ إِذَنْ (وَالثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ) ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ ظَرْفٌ لِلطَّلْقَةِ، فَتُطَلَّقُ فِي أَوَّلِهَا (وَكَذَا الثَّالِثَةُ) وَمَحَلُّهُ إِذَا أَدْخَلْنَا عَلَيْهَا وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، أَوِ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ، أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا بَعْدَ أَنْ بَانَتْ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَتِ الثَّانِيَةُ لَمْ تُطَلَّقْ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا فِي أَثْنَائِهَا وَقَعَتِ الطَّلْقَةُ عَقِبَ الْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ صَحَّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ، وَقَالَ الْقَاضِي:
الثَّالِثَةُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا - دِينَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ السِّنِينَ الْمُحَرَّمُ - دِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ فَقَدِمَ لَيْلًا، لَمْ تُطَلَّقْ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتَ، فَتُطَلَّقُ، وَإِنْ قُدِمَ بِهِ مَيِّتًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ تُطَلَّقْ.
[المبدع في شرح المقنع]
تُطَلَّقُ بِدُخُولِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ تَنْحَلُّ الصِّفَةُ بِوُجُودِهَا حَالَ الْبَيْنُونَةِ، فَلَا تَعُودُ بِحَالٍ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا حَتَّى دَخَلَتِ الثَّالِثَةُ، ثُمَّ نَكَحَهَا - فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ عَقِبَ تَزْوِيجِهَا، وَلَوْ دَامَتْ بَائِنًا حَتَّى مَضَى الْعَامُ الثَّالِثُ لَمْ تُطَلَّقْ بَعْدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي مَبْدَأِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَدَّمَ فِي " الْكَافِي " أَنَّ أَوَّلَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ حِينِ يَمِينِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ؛ لِأَنَّهَا السَّنَةُ الْمَعْرُوفَةُ.
(فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا - دِينَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَنَةً حَقِيقِيَّةً (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: الْقَبُولُ؛ لِأَنَّهَا سَنَةً حَقِيقةً، وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ السِّنِينَ الْمُحَرَّمُ - دِينَ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ (وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، قَالَ الْمُؤَلِّفَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْرُجَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ فَقَدِمَ لَيْلًا، لَمْ تُطَلَّقْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ، إِذِ الْيَوْمُ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، فَلَوْ قَدِمَ نَهَارًا طُلِّقَتْ، قِيلَ: عَقِبَهُ، وَقِيلَ: مِنْ أَوَّلِهِ، وَعَلَيْهَا يَنْبَنِي الْإِرْثُ (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتَ، فَتُطَلَّقُ) وَقْتَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ يُسَمَّى يَوْمًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ كَمَنْ نَوَى الْوَقْتَ (وَإِنْ قُدِمَ بِهِ مَيِّتًا أَوْ مُكْرَهًا) مَحْمُولًا أَوْ مَاشِيًا (لَمْ تُطَلَّقْ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ، وَإِنَّمَا قُدِمَ بِهِ، إِذِ الْفِعْلُ يُنْسَبُ إِلَى فَاعِلِهِ، يُقَالُ: دَخَلَ الطَّعَامُ الْبَلَدَ، وَهُوَ لَا يُدْخَلُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا مَجَازًا، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ، نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّنْبِيهِ "، فَإِنْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهَا تُطَلَّقُ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ
باب تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجِ، وَلَا يَصِحُّ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ أَوْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَهِيَ طَالِقٌ - لَمْ تُطَلَّقْ إِذَا تَزَوَّجَهَا، وَعَنْهُ: تُطَلَّقُ، وَإِنْ قَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا قَدِمَ مُخْتَارًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ الْحَالِفُ - قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ يَمْتَنِعُ بِالْيَمِينِ مِنَ الْقُدُومِ فَجَهِلَ الْيَمِينَ أَوْ نَسِيَهَا، فَرِوَايَتَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ عَلَى هَذَا نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَقَرَائِنُ أَحْوَالِهِ الدَّالَّةُ عَلَى قَصْدِهِ، وَمَتَى أُشْكِلَ الْحَالُ، وَقَعَ.
[بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ]
[إِنْ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ لَمْ تُطَلَّقْ قَبْلَ وُجُودِهِ]
بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ وَهُوَ تَرْتِيبُ شَيْءٍ غَيْرِ حَاصِلٍ عَلَى شَيْءٍ حَاصِلٍ أَوْ غَيْرِ حَاصِلٍ بِـ " إِنْ " أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا (يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجِ وَلَا يَصِحُّ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ: مَنْ صَحَّ مِنْهُ الطَّلَاقُ بِطْرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ، صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ، إِذِ التَّعْلِيقُ مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ تَطْلِيقٌ، فَإِذَا عُلِّقَ الطَّلَاقُ عَلَى شَرْطٍ وَقَعَ عِنْدَ وُجُودِهِ، أَيْ: إِذَا اسْتَمَرَّتِ الزَّوْجِيَّةُ، وَلَا يَقَعُ قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مُتَحَقِّقَ الْوُجُودِ - عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَيَصِحُّ مَعَ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِهِ، وَعَنْهُ: يَتَنَجَّزُ بِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ فِي الْعِتْقِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَأَخَّرَ الْقَسَمُ كَأَنْتِ طَالِقٌ لَأَفْعَلَنَّ كَالشَّرْطِ، وَأَوْلَى بِأَلَّا يُلْحَقَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " أَنْتِ طَالِقٌ "، وَكَرَّرَهُ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ عَقِبَ الرَّابِعَةِ: إِنْ قُمْتِ - طُلِّقْتِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقٌ مَا لَمْ يَمْلِكْ بِشَرْطٍ، وَيَصِحُّ بِصَرِيحِهِ وَكِنَايَتِهِ مَعَ قَصْدِهِ.
(فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ أَوْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَهِيَ طَالِقٌ - لَمْ تُطَلَّقْ إِذَا تَزَوَّجَهَا) عَلَى الْمَشْهُورِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ قَامَتْ - لَمْ تُطَلَّقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ، لَمْ تُطَلَّقْ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَإِنْ قَالَ: عَجَّلْتُ مَا عَلَّقْتُهُ، لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَإِنْ قَالَ: سَبَقَ لِسَانِي بِالشَّرْطِ وَلَمْ أُرِدْهُ، وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِنْ قُمْتِ - دِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
جَدِّهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَادَ: وَإِنْ عَيَّنَهَا وَعَنِ الْمِسْوَرِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (وَعَنْهُ: تُطَلَّقُ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْإِحْضَارِ، فَصَحَّ عَلَى حُدُوثِ الْمِلْكِ كَالْوَصِيَّةِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ فَقَطْ؛ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ.
(وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ قَامَتْ - لَمْ تُطَلَّقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ إِلَى زَمَنٍ يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَعَنْهُ: صِحَّةُ قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ، فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ لِعَتِيقَتِهِ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لِرَجْعِيَّتِهِ: إِنْ رَاجَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَأَرَادَ التَّغْلِيظَ عَلَيْهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " في الأوليين، قَالَ أَحْمَدُ فِي الْعَتِيقَةِ: قَدْ وَطِئَهَا، وَالْمُطَلِّقُ قَبْلَ الْمِلْكِ، لَمْ يَطَأْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ التَّسْوِيَةُ.
(وَإِنْ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ، لَمْ تُطَلَّقْ قَبْلَ وُجُودِهِ) ؛ لِأَنَّهُ زَوَالٌ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، أَشْبَهَ الْعِتْقَ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ: أَنْتَ حُرٌّ إِلَى الْحَوْلِ، وَعَنْهُ: يَقَعُ فِي الْحَالِ مَعَ تَيَقُّنِ وَجُودِهِ، وَخَصَّهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُصَيِّرُهُ كَمُتْعَةٍ، وَنَقَلَ مُهَنَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تُطَلَّقُ إِذَنْ، قِيلَ لَهُ: فَتَتَزَوَّجُ فِي قَبْلِ مَوْتِي بِشَهْرٍ؛ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يُمْسِكُ عَنِ الْوَطْءِ حَتَّى يَمُوتَ، وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " تَحْرِيمَهُ وَجْهًا (فَإِنْ قَالَ: عَجَّلْتُ مَا عَلَّقْتُهُ، لَمْ يَتَعَجَّلْ) ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ، وَقِيلَ: بَلْ يَتَعَجَّلُ، وَهَلْ تُطَلَّقُ أُخْرَى عِنْدَ الشَّرْطِ؛ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ، دِينَ.
فَصْلٌ وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ سِتَّةٌ: إِنْ، وَإِذَا، وَمَتَى، وَمَنْ، وَأَيُّ، وَكُلَّمَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ قَالَ: سَبَقَ لِسَانِي بِالشَّرْطِ وَلَمْ أُرِدْهُ، وَقَعَ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، فَلَوْ فَصَلَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَحُكْمِهِ بِكَلَامٍ مُنْتَظِمٍ نَحْوَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ إِنْ قُمْتِ، لَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَقْطَعَهُ كَسَكْتَةٍ وَتَسْبِيحَةٍ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَرِيضَةً رَفْعًا وَنَصْبًا، وَقَعَ بِمَرَضِهَا (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إِنْ قُمْتِ - دِينَ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، وَمَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ (وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَإِرَادَةُ التَّعْلِيقِ مِنَ التَّنْجِيزِ بَعِيدَةٌ جِدًّا، وَفِيهِ فَتْحُ بَابٍ عَظِيمِ الْخَطَرِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي " الْكَافِي " و" الْمُسْتَوْعِبِ " فِيهِ رِوَايَتَانِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ مِنْ وَثَاقٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ تَرَكَتْ هَذَا الصَّبِيَّ يَخْرُجُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، فَإِنْ كَانَ نَوَى لَا يَخْرُجُ حَنِثَ، وَإِنْ نَوَى لَا تَدَعُهُ يَخْرُجُ، لَمْ يَحْنَثْ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ نِيَّتَهُ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا تَأْخُذْ حَقَّكَ مِنِّي فَأُكْرِهَ عَلَى الدَّفْعِ - حَنِثَ، وَإِنْ أُكْرِهَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَخْذِهِ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ فِي حِجْرِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَأْخُذْ - لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَخْذَهُ الْحَاكِمُ مِنَ الْغَرِيمِ فَدَفَعَهُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ فَأَخَذَهُ - حَنِثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا تَأْخُذْ حَقَّكَ عَلَيَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا، كَمَا لَوْ قَالَ: أُعْطِيكَ حَقَّكَ.
[فَصْلٌ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ]
(وَأَدَوَات الشَّرْطِ سِتَّةٌ) كَذَا وَقَعَ بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَالْوَجْهُ سِتٌّ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى عَلَى تَأْوِيلِ الْأَدَوَاتِ بِالْأَلْفَاظِ، أَوْ هُوَ جَمْعُ لَفْظٍ وَهُوَ مُذَكَرٌ، نَظِيرُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ وَثَلَاثُ ذُودٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي وَالنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ، لَكِنْ أُرِيدَ بِهَا الْإِنْسَانُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ فِيهَا، فَإِنَّ
التَّكْرَارَ إِلَّا كُلَّمَا، وَفِي مَتَى وَجْهَانِ، وَكُلُّهَا عَلَى التَّرَاخِي إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ " لَمْ "، فَإِنِ اتَّصَلَ بِهَا صَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ، إِلَّا " إنْ "، وَفِي " إِذَا " وَجْهَانِ.
فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرَهَا أَدَاةٌ لَهُ كَـ " مَا "، وَإِنَّمَا خَصَّ السِّتَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا غَالِبُ مَا تُسْتَعْمَلُ لَهُ (إِنْ، وَإِذَا، وَمَتَى، وَمَنْ، وَأَيُّ، وَكُلَّمَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إِلَّا كُلَّمَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64] و: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] (وَفِي مَتَى وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ
وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَالثَّانِي: لَا يَقْتَضِيهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهَا اسْمُ زَمَنٍ بِمَعْنَى أَيِّ وَقْتٍ، وَبِمَعْنَى إِذَا، وَكَوْنِهَا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِهِ كَإِذَا، وَأَيُّ وَقْتٍ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْأَمْرَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 68] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ [الأعراف: 203] وَكَذَلِكَ أَيُّ وَقْتٍ، وَأَيُّ زَمَانٍ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلتَّكْرَارِ، وَسَائِرُ الْحُرُوفِ يُجَازَى بِهَا إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ وَغَيْرِهِ، فَلَا تُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
فَرْعٌ: مَنْ وَأَيُّ الْمُضَافَةُ إِلَى الشَّخْصِ يَقْتَضِيَانِ عُمُومَ ضَمِيرِهِمَا فَاعِلًا كَانَ أَوْ مَفْعُولًا.
(وَكُلُّهَا عَلَى التَّرَاخِي إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ " لَمْ ") أَوْ نِيَّةِ الْفَوْرِ، أَوْ قَرِينَتِهِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ، لِكَوْنِ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي وَقْتًا إِلَّا ضَرُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي وَقْتٍ، فَهِيَ مُطْلَقَةٌ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ (فَإِنِ اتَّصَلَ بِهَا صَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ) ؛ لِأَنَّ " مَتَى " و" أَيُّ " مَعْنَاهُمَا: أَيُّ زَمَانٍ، وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ، فَأَيُّ زَمَنٍ وُجِدَتِ الصِّفَةُ فِيهِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِي " أَيُّ " كَوْنُهَا مُضَافَةً إِلَى زَمَنٍ، فَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى شَخْصٍ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ " مَنْ "، وَظَاهِرُهُ: أَنْ " مَنْ " لِلْفَوْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ " مَنْ " لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الزَّمَانِ إِلَّا ضَرُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي زَمَانٍ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ " أَيُّ "، فَيَجِبُ أَلَّا تَكُونَ عَلَى التَّرَاخِي، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ " الْمُحَرَّرِ " حَكَى فِي " مَنْ " و" أَيُّ " الْمُضَافَةِ إِلَى
إِذَا قُمْتِ، أَوْ مَنْ قَامَتْ مِنْكُنَّ، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ قُمْتِ، أَوْ مَتَى قُمْتِ، أَوْ كُلَّمَا قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَتَى قَامَتْ طُلِّقَتْ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْقِيَامُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الطَّلَاقُ، إِلَّا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
الشَّخْصِ وَجْهَيْنِ، وَيَتَوَجَّهَانِ فِي مَهْمَا، فَإِنِ اقْتَضَتْ فَوْرًا فَهِيَ فِي التَّكْرَارِ كَـ " مَتَى "، وَأَمَّا " كُلَّمَا " فَدَلَالَتُهَا عَلَى الزَّمَنِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ " أَيُّ " و" مَتَى "، فَإِذَا صَارَتَا لِلْفَوْرِ عِنْدَ اتِّصَالِهِمَا بِلَمْ، فَلِأَنْ تَصِيرَ " كُلَّمَا " كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (إِلَّا " إنْ ") أَيْ: مَعَ عَدَمِ نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ، فَإِذَا قَالَ: إِنْ لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ - لَمْ يَقَعْ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ إِيقَاعِهِ بِمَوْتٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ (وَفِي " إِذَا " وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي، نَصَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا تَسْتَعْمِلُ شَرْطًا بِمَعْنَى " إِنْ " كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
فَجَزَمَ بِهَا كَـ " إِنْ "؛ وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى " مَتَى " و" إِنْ "، فَلَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَالثَّانِي: عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّهَا اسْمٌ لِزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَيَكُونُ كَمَتَى، فَأَمَّا الْمُجَازَاةُ بِهَا، فَلَا تُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا.
مَسْأَلَةٌ: قَدْ عُلِمَ حُكْمُ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ، وَأَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ بِعَزْمِهِ عَلَى التَّرْكِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ "؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَصْدِ، وَالْقَصْدِ هُوَ النِّيَّةُ؛ وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَحْنَثْ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، فَأَثَّرَ فِيهِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ كَالْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ إِذَا نَوَى قَطْعَهُمَا - ذَكَرَهُ فِي " الْوَاضِحِ ".
تَذْنِيبٌ: قَوْلُهُمُ الْأَدَوَاتُ الْأَرْبَعُ فِي النَّفْيِ عَلَى الْفَوْرِ صَحِيحٌ فِي " كُلَّمَا " و" أَيُّ " و" مَتَى "، فَإِنَّهَا تَعُمُّ الزَّمَانَ بِخِلَافِ " مَنْ "؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَسْمَاءِ الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا تَعُمُّ الْأَشْخَاصَ، فَلَا يَظْهَرُ أَنَّهَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ: مَنْ لَمْ أُطَلِّقْهَا مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ طَلَاقُهَا، أَوْ يَنْوِيَ وَقْتًا أَوْ تَقُومَ قَرِينَةٌ بِفَوْرٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ.
(فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ، أَوْ إِذَا قُمْتِ، أَوْ مَنْ قَامَتْ مِنْكُنَّ، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ قُمْتِ، أَوْ مَتَى قُمْتِ، أَوْ كُلَّمَا قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَتَى قَامَتْ طُلِّقَتْ) ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْجَزَاءِ، وَعَدَمَهُ عَدَمَهُ إِلَّا أَنْ يُعَارِضَ مُعَارِضٌ (وَإِنْ تَكَرَّرَ الْقِيَامُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الطَّلَاقُ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّكْرَارِ (إِلَّا فِي " كُلَّمَا ") فَإِنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ (و" مَتَى " فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) بِنَاءً عَلَى مُقْتَضَاهَا التَّكْرَارُ وَعَدَمُهُ، وَلَوْ قُمْنَ الْأَرْبَعُ فِيمَنْ قَامَتْ وَأَيَّتُكُنَّ قَامَتْ، أَوْ مَنْ
" كُلَّمَا "، وَفِي " مَتَى " فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوَ كُلَّمًا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً - طَلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَاتٍ ثَلَاثٍ، فَاجْتَمَعْنَ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ رَأَيْتِ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأَيْتِ فَقِيهًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأَيْتِ أَسْوَدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَرَأَتْ رَجُلًا أَسْوَدَ فَقِيهًا - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَقَمْتُهَا، أَوْ أَيَّتُكُنَّ أَقَمْتُهَا - طُلِّقْنَ (وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) لِوُجُودِ وَصْفِهِ النِّصْفَ مَرَّتَيْنِ، وَالْجَمِيعُ مَرَّةً؛ لِأَنَّ " كُلَّمَا " تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تُطَلَّقُ وَاحِدَةً.
1 -
(وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَاتٍ ثَلَاثٍ، فَاجْتَمَعْنَ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ رَأَيْتِ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأَيْتِ فَقِيهًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأَيْتِ أَسْوَدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَرَأَتْ رَجُلًا أَسْوَدَ فَقِيهًا - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) لِوُجُودِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً فِيهِمُ الثَّلَاثُ صِفَاتٍ.
أَصْلٌ: أَدَوَاتُ الشَّرْطِ إِذَا تَقَدَّمَ جَزَاؤُهَا عَلَيْهَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْفَاءِ فِي الْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ، احْتَاجَتْ إِلَى حَرْفٍ، وَاخْتَصَّتِ الْفَاءُ؛ لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ تُطَلَّقْ) ؛ لِأَنَّ " إِنْ لَمْ " لَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ (إِلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ بِهَا بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَقَعُ لِجَوَازِ أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا (إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ) فَيُعْمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ نَوَى الطَّلَاقَ بِقَوْلٍ صَالِحٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَكَذَا إِذَا دَلَّتْ قرينة عَلَى الْفَوْرِ، وَفِي " الْإِرْشَادِ " رِوَايَةٌ: يَقَعُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ إِيقَاعِهِ، وَقَعَ الْحِنْثُ بِمَوْتِهِ، وَوَرِثَهُ صَاحِبُهُ إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثًا وَرِثَتْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا هُوَ، وَلَا يَرِثُ ثَانِيًا وَتَرِثُهُ، وَيَتَخَرَّجُ لَا تَرِثُهُ مِنْ تَعْلِيقِهِ فِي صِحَّتِهِ عَلَى فِعْلِهَا، فَيُوجَدُ فِي مَرَضِهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": فِي إِرْثِهِمَا رِوَايَتَانِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ فِي الصِّحَّةِ وَالطَّلَاقَ فِي الْمَرَضِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: لَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى جَزَمَ بِهِ
يُطَلِّقْهَا لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ: مَنْ لَمْ أُطَلِّقْهَا، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أُطَلِّقْكِ، أو متى أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ - طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ: إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهَلْ تُطَلَّقُ فِي الْحَالِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ ثَلَاثًا وَلَمْ يُطَلِّقْهَا - طُلِّقَتَ ثَلَاثًا، إِلَّا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى، وَإِنْ قَالَ الْعَامِّيُّ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ - بِفْتَحِ الْهَمْزَةِ - فَهُوَ شَرْطٌ، وَإِنْ قَالَهُ عَارِفٌ بِمُقْتَضَاهُ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَحُكِيَ عَنِ الْخَلَّالِ أَنَّهُ
[المبدع في شرح المقنع]
جَمَاعَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ لَمْ يَقَعْ فِيهِ طَلَاقٌ، فَحَلَّ لَهُ الْوَطْءُ.
(وَإِنْ قَالَ: مَنْ لَمْ أُطَلِّقْهَا أَوْ أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أُطَلِّقْكِ) أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ (فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ - طُلِّقَتْ) فِي الْحَالِ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، فَإِنَّهَا اسْمٌ لِوَقْتِ الْفِعْلِ، فَيُقَدَّرُ بِهَذَا، أَوْ لِهَذَا يَصِحُّ بِهِ السُّؤَالُ فَيُقَالُ: مَتَى دَخَلْتِ أَوْ أَيَّ وَقْتٍ دَخَلْتِ، وَأَمَّا " مَنْ " فَتَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ زَمَنٍ عُقَيْبَ الْيَمِينِ إِذَا لَمْ يُطَلِّقْ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ يَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ الطَّلَاقُ ضَرُورَةَ أَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ، وَفِي وَجْهٍ أَنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ أُطَلِّقْهَا أَوْ إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، أَوْ أَيَّتُكُنَّ لَمْ أُطَلِّقْهَا كَحُكْمِ " إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ ". 1 - (وَإِنْ قَالَ: إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهَلْ تُطَلَّقُ فِي الْحَالِ) أَوْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِلْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي (وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ ثَلَاثًا وَلَمْ يُطَلِّقْهَا - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّ " كُلَّمَا " تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ الطَّلَاقِ بِتَكَرُّرِ الصِّفَةِ، وَالصِّفَةُ عَدَمُ طَلَاقِهِ لَهَا، فَإِذَا مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فَيَقَعُ وَاحِدَةً، وَثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، إِذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا (إِلَّا الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى) وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ (وَإِنْ قَالَ الْعَامِّيُّ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - فَهُوَ شَرْطٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُرِيدُ بِهِ إِلَّا الشَّرْطَ، وَلَا يَعْرِفُ أَنَّ مُقْتَضَاهَا التَّعْلِيلَ، فَلَا يُرِيدُهُ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ مَا لَا يَعْرِفُهُ وَكُنْيَتُهُ (وَإِنْ قَالَهُ عَارِفٌ بِمُقْتَضَاهُ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ " أَنْ " لِلتَّعْلِيلِ لَا لِلشَّرْطِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: 17] ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 90] ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 91] قَالَ الْقَاضِي: