المبدع في شرح المقنعصفحات 314-353

غَيْرَ مُثْخَنٍ وَغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ.
وَعَنْهُ: لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا مَنْ شُرِطَ لَهُ، فَإِنْ قَطَّعَ أَرْبَعَتَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

لِلْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ السَّلَبِ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَهُ كَالنَّفْلِ، لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِالشَّرْطِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ مِمَّنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ كَالْمُرْجِفِ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِي السَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ.
(غَيْرَ مَخْمُوسٍ) لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ احْتُسِبَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَلِأَنَّ سَبَبَهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ كَسَهْمِ الْفَارِسِ.
(إِذَا قَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ) فَلَوْ قَتَلَهُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَلَا سَلَبَ لَهُ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَقَفَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ، وَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ، فَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً، فَانْهَزَمَ أَحَدُهُمْ، فَقَتَلَهُ إِنْسَانٌ فَلَهُ سَلَبُهُ؛ لِأَنَّهَا كَرٌّ وَفَرٌّ، «لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَتَلَ طَلِيعَةَ الْكُفَّارِ، وَهُوَ مُنْهَزِمٌ، فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَلَبِهِ لَهُ أَجْمَعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلَوْ أَثْخَنَهُ بِالْجِرَاحِ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَقْتُولِ (مُنْهَمِكًا عَلَى الْقِتَالِ) أَيْ: مُقْبِلًا عَلَى الْقِتَالِ، فَإِنْ كَانَ مُنْهَزِمًا فَلَا سَلَبَ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَرِّرْ بنفسه فِي قَتْلِهِ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَ " الْبُلْغَةِ " إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ، أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِنَّمَا سَمِعْنَا: لَهُ سَلَبُهُ فِي الْمُبَارَزَةِ وَإِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ.
وَظَاهِرُهُ لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَبِيًّا أَوِ امْرَأَةً، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِجَوَازِ قَتْلِهِمْ إِذًا، وَفِي الْآخَرِ: لَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَأَطْلَقَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ، مِمَّنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
(غَيْرَ مُثْخَنٍ) أَيْ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ فِيهِ مَنَعَةٌ، فَلَوْ كَانَ مُثْخَنًا بِالْجِرَاحِ، وَقَتَلَهُ آخَرُ فَلَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِعَدَمِ التَّغْرِيرِ (وَغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ) أَيْ: بِأَنْ يَقْتُلَهُ حَالَ الْمُبَارَزَةِ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ.
فَلَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مِنْ جَانِبٍ أَوْ أَغْرَى بِهِ كَلْبًا عَقُورًا، فَقُتِلَ، فَلَا سَلَبَ، وَيَكُونُ غَنِيمَةً.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ

وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ لِلْقَاطِعِ، وَإِنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ لَهُمَا، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

مِنْهُمَا شَرْطٌ.
وَقَوَّى الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ كُلَّهَا تَرْجِعُ إِلَى التَّغْرِيرِ، وَأَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ " الْخِرَقِيُّ " وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَعَنْهُ: لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مَنْ شُرِطَ لَهُ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي " الِانْتِصَارِ " وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَأَخَذَهَا الْقَاضِي مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَنَالَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ عَوْفًا قَالَ لِخَالِدٍ: «أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذا مِنْ قَضَايَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَامَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ لِكُلِّ قَاتِلٍ.
(فَإِنْ قَطَعَ أَرْبَعَتَهُ وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ لِلْقَاطِعِ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ سَلَبَ أَبِي جَهْلٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ ابْنَ مَسْعُودٍ مَعَ أَنَّهُ تَمَّمَ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ هُوَ الَّذِي كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ.
(وَإِنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ؛ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُشْرِكْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سَلَبٍ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالتَّغْرِيرِ فِي قَتْلِهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالِاشْتِرَاكِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ غَنِيمَةً، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ (وَقَالَ الْقَاضِي) وَالْآجُرِّيُّ: (هُوَ لَهُمَا) أَيْ: يَشْتَرِكَانِ فِي سَلَبِهِ، لِعُمُومِ مَنْ «قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَلِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي السَّبَبِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي السَّلَبِ.
فَلَوِ اشْتَرَكَا فِي ضَرْبِهِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَبْلَغَ فِي قَتْلِهِ مِنَ الْآخَرِ، فَلَهُ سَلَبُهُ (وَإِنْ أَسَرَهُ فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ) أَوْ غَيْرُهُ (فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) لِأَنَّ الَّذِي أَسَرَهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَالْغَيْرُ لَمْ يُغَرِّرْ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ.
وَكَذَا لَوِ اسْتَحْيَاهُ الْإِمَامُ فَرِقِّيَّتُهُ إِنْ رَقَّ، وَفِدَاؤُهُ إِنْ فُدِيَ غَنِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ أَسْرَى، فَقَتَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ وَاسْتَبْقَى، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ

أَسَرَهُ فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ؛ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ لِمَنْ أَسَرَهُ، وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ لِلْقَاتِلِ.
وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَسِلَاحٍ وَالدَّابَّةُ بِآلَتِهَا.
وَعَنْهُ: أَنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ.
وَنَفَقَتُهُ وَخَيْمَتُهُ وَرَحْلُهُ غَنِيمَةٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

أَعْطَى أَحَدًا مِمَّنْ أَسَرَهُمْ سَلَبًا، وَلَا فِدَاءً (وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ لِمَنْ أَسَرَهُ) لِأَنَّ الْأَسْرَ أَصْعَبُ مِنَ الْقَتْلِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ السَّلَبَ بِهِ كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ بِالْأَسْرِ.
(وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ مُثْخَنٌ بِالْجِرَاحِ (وَقِيلَ: هُوَ لِلْقَاتِلِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: هُوَ لِلْقَاطِعِ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ كَقَتَلَهُ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَطَعَ مِنْهُ يَدًا أَوْ رِجْلًا، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ لِلْقَاتِلِ، كَمَا لَوْ عَانَقَهُ فَقَتَلَهُ، أَوْ كَانَ الْكَافِرُ مُقْبِلًا عَلَى مُسْلِمٍ، فَقَتَلَهُ آخَرُ مَنْ وَرَائِهِ، وَقِيلَ: غَنِيمَةٌ لِعَدَمِ الِانْفِرَادِ بِقَتْلِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَتْلِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُعْطَى السَّلَبُ لِمَنْ قَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبِلَ قَوْلَ أَبِي قَتَادَةَ، وَجَوَابُهُ الْخَبَرُ الْآخَرُ، وَبِأَنَّ خَصْمَهُ أَقَرَّ لَهُ، فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَحَكَى فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا: يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبِلَ قَوْلَ الَّذِي شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ الْبَيِّنَةَ، وَإِطْلَاقُهَا يَنْصَرِفُ إِلَى شَاهِدَيْنِ، وَكَقَتْلِ الْعَمْدِ.
(وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ) وَعِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَدِرْعٍ.
(وَحُلِيٍّ) كَسِوَارٍ، وَمِنْطَقَةٍ ذَهَبٍ وَرَانٍ وَتَاجٍ.
(وَسِلَاحٍ) كَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَقَوْسٍ وَلْتٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهَا فِي حَرْبِهِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ مِنَ الثِّيَابِ، وَعَنْهُ فِي السَّيْفِ: لَا أَدْرِي.
(وَالدَّابَّةُ بِآلَتِهَا) أَيْ: مِنَ السَّلْبِ لِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحَرْبِ كَالسِّلَاحِ، وَآلَتُهَا كَلِجَامٍ، وَسَرْجٍ، وَلَوْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا كَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهَا مِنْ دَرَاهِمَ، وَنَحْوِهِ لَا يَدْخُلُ (وَعَنْهُ: أَنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ)

فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ الْغَزْوُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ إِلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُونَ كَلَبَهُ فَإِنْ دَخَلَ

[المبدع في شرح المقنع]

اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ مَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ خَبَرَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ فَأَخَذَ سُوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّابَّةَ.
فَعَلَى هَذَا، هِيَ وَمَا عَلَيْهَا غَنِيمَةٌ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ قَاتَلَ عَلَيْهَا رَاكِبًا، فَلَوْ صُدَّ عَنْهَا، ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ نُزُولِهِ عَنْهَا فَهِيَ مِنَ السَّلَبِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا، كَسِلَاحِهِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ مُمْسِكًا بِعِنَانِهَا فَالْخِلَافُ.
(وَنَفَقَتُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ (وَخَيْمَتُهُ وَرَحْلُهُ) وَجَنِيبُهُ الَّذِي فِي يَدِهِ (غَنِيمَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمَلْبُوسِ، وَلَا مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْحَرْبِ أَشْبَهَ بَقِيَّةَ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ؛ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ الْجَنِيبُ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رُكُوبُهُمَا مَعًا.
أَلْحَقَ فِي " التَّبْصِرَةِ " حِلْيَةَ الدَّابَّةِ بِذَلِكَ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
1 - فَصْلٌ.
يَجُوزُ سَلْبُ الْقَتْلَى وَتَرْكُهُمْ عُرَاةً، وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ، وَيُكْرَهُ نَقْلُ رُءُوسِهِمْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، وَالْمُثْلَةُ بِقَتْلَاهُمْ، وَيكره رَمْيُهَا بِمَنْجَنِيقٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ الرُّءُوسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبُوهُ، وَعَنْهُ: إِنْ مَثَّلُوا مُثِّلَ بِهِمْ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمُثْلَةُ حَقٌّ لَهُمْ، فَلَهُمْ فِعْلُهَا لِلِاسْتِيفَاءِ وَأَخَذِ الثَّأْرِ، وَلَهُمْ تَرْكُهَا، وَالصَّبْرُ أَفْضَلُ.

[لَا يَجُوزُ الْغَزْوُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ]

(وَلَا يَجُوزُ الْغَزْوُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ) لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْحَرْبِ، وَأَمْرُهُ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَجُزِ الْمُبَارَزَةُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَالْغَزْوُ أَوْلَى (إِلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ) أَيْ: يَطْلُعَ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً (عَدُوٌّ يَخَافُونَ كَلَبَهُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ أَيْ: شَرَّهُ وَأَذَاهُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّةَ تَدْعُو إِلَيْهِ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنَ الضَّرَرِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لأحد التَّخَلُّفُ إِلَّا مَنْ يُحْتَاجُ إِلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْإِمَامُ (فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ)

قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَغَنِمُوا، فَغَنِيمَتُهُمْ فَيْءٌ، وَعَنْهُ: هِيَ لَهُمْ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَعَنْهُ: هِيَ لَهُمْ لَا خُمُسَ فِيهَا، وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا، فَلَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

هُوَ بِفَتْحِ الْأَحْرُفِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ النُّونُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْقُوَّةُ وَالدَّفْعُ.
(دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) أَيْ: إِذْنِ الْمُعْتَبَرِ إِذْنُهُ، وَهُوَ إِمَامُ الْحَقِّ، غَيْرُ الْمُتَغَلِّبِ (فَغَنِمُوا، فَغَنِيمَتُهُمْ فَيْءٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُمْ عُصَاةٌ بِفِعْلِهِمْ، وَافْتِئَاتِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ لِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ، فَنَاسَبَ حِرْمَانَهُمْ كَقَتْلِ الْموروثِ (وَعَنْهُ: هِيَ لَهُمْ بَعْدَ الْخُمُسِ) وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " هِيَ الْأَوْلَى، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249] (وَعَنْهُ: هِيَ لَهُمْ لَا خُمُسَ فِيهَا) لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ جِهَادٍ، أَشْبَهَ الِاحْتِطَابَ، أَوْ يُقَالُ: أَخَذُوهُ لَا بِقُوَّةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقُوهُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ الْوَاحِدِ وَلَوْ عَبْدًا إِذَا دَخَلَ الْحَرْبَ وَغَنِمَ، الْخِلَافُ، وَكَذَا مَا سُرِقَ مِنْهَا أَوِ اخْتُلِسَ.
ذَكَرَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " وَمَعْنَاهُ فِي " الرَّوْضَةِ ". (وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا) لَا غَيْرَهَا مِنْ ثِيَابٍ وَحَنُوطٍ (فَلَهُ أَكْلُهُ وَعَلَفُ دَابَّتِهِ) أَوْ دَوَابِّهِ (بِغَيْرِ إِذْنٍ) فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ: «أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، إِذِ الْحَمْلُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَأُبِيحَ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ، وَلَهُ إِطْعَامُ سَبْيٍ اشْتَرَاهُ، بِخِلَافِ فَهْدٍ وَكَلْبِ صَيْدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرَادُ لِلتَّفَرُّجِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الْغَزْوِ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ مَا لَمْ يُجِزْهُ الْإِمَامُ وَيُوكِلْ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَمَّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " مَا دَامُوا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا يَتِمُّ الْمِلْكُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِحْرَازِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.

أَكْلُهُ، وَعَلَفُ دَابَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ؛ فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ ثَمَنَهُ فِي الْمَغْنَمِ وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، رَدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا فَلَهُ أَكْلُهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ أَخَذَ سِلَاحًا فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ بِهِ حَتَّى

[المبدع في شرح المقنع]

تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: حُكْمُ السُّكَّرِ وَالْمَعَاجِينِ وَنَحْوِهَا كَالطَّعَامِ، وَفِي الْعَقَاقِيرِ وَجْهَانِ.
الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ الدُّهْنُ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ كَالْبُرِّ، وَلَهُ لِحَاجَةِ دُهْنِ بَدَنِهِ، وَدَابَّتِهِ، وَشُرْبِ شَرَابٍ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: دُهْنُهُ بِزَيْتٍ لِلتَّزَيُّنِ لَا يُعْجِبُنِي.
الثَّالِثُ: لَيْسَ لَهُ غَسْلُ ثَوْبِهِ بِالصَّابُونِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ قِيمَتَهُ فِي الْمَغْنَمِ.
(وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَأْكَلِ (فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ ثَمَنَهُ فِي الْمَغْنَمِ) قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ: أَنَّ صَاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: مَنْ بَاعَ مِنْهُمْ شَيْئًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَفِيهِ خُمُسُ اللَّهِ، وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَفِي رَدِّ الثَّمَنِ تَحْصِيلٌ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا.
وَفَرَّقَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " إِنْ بَاعَهُ لِغَيْرِ غَازٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ كَبَيْعِهِ الْغَنِيمَةَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَيَرُدُّ الْمَبِيعَ إِنْ كَانَ بَاقِيًا أَوْ قِيمَتَهُ أَوْ ثَمَنَهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا؛ وَإِنْ بَاعَهُ لِغَازٍ؛ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَيْسَ بَيْعًا فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا دَفَعَ إِلَيْهِ مُبَاحًا، وَأَخَذَ بِمِثْلِهِ، وَيَبْقَى أَحَقَّ بِهِ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، وَيَتَعَيَّنُ رَدُّهُ إِلَيْهِ.
وَظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى رَدِّ الثَّمَنِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ أَيْضًا قِيمَةُ أَكْلِهِ.
(وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ) وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ الْأَكْثَرُ.
(رَدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ) أَيْ: إِذَا كَانَ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَمَا بَقِيَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الطَّبْخَةِ، وَالطَّبْخَتَيْنِ مِنَ اللَّحْمِ، وَالْعَلِيفَةِ وَالْعَلِيفَتَيْنِ، مِنَ الشَّعِيرِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ الْمُسَامَحَةُ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَقْدَمُونَ بِالْقَدِيدِ فَيَهْدِيهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ.

تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يَرُدَّهُ، وَلَيْسَ لَهُ رُكُوبُ الْفَرَسِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ رَدُّهُ.
نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " خِلَافِهِمَا " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَدُّوُا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ» . وَلِأَنَّهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَلَمْ يُقَسَّمْ فَلَمْ يُبَحْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْكَبِيرِ.
(وَمَنْ أَخَذَ سِلَاحًا لَهُمْ، فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ بِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبَ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ أَعْظَمُ مِنَ الطَّعَامِ، وَضَرَرُ اسْتِعْمَالِهِ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ أَكْلِ الطَّعَامِ لِعَدَمِ زَوَالِ عَيْنِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ (ثُمَّ يَرُدُّهُ) بَعْدَ الْحَرْبِ لِزَوَالِ الْحَاجَةِ.
(وَلَيْسَ لَهُ رُكُوبُ الْفَرَسِ) فِي الْجِهَادِ.
(فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَرَجَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا لِمَا رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلْعَطَبِ غَالِبًا، وَقِيمَتُها كَبِيرَةٌ بِخِلَافِ السِّلَاحِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ.
قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " كَالسِّلَاحِ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ مِنَ الْفَيْءِ، وَلَا يُعْجِفَهَا، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَفِي قِتَالِهِ بِفَرَسٍ وَثَوْبٍ

بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ الْغَنِيمَةُ كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَهْرًا بِالْقِتَالِ، وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ، فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ مَقْسُومًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

رِوَايَتَانِ، وَنَقَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: لَا يَرْكَبُهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ

[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ]

الْغَنَائِمُ: جَمْعُ غَنِيمَةٍ، وَيُرَادِفُهَا الْمَغْنَمُ، يُقَالُ: غَنِمَ فُلَانٌ الْغَنِيمَةَ يَغْنَمُهَا، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْغَنْمِ، وَأَصْلُهَا الرِّبْحُ وَالْفَضْلُ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ، تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] وَقَدِ اشْتُهِرَ، وَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَسَّمَ الْغَنَائِمَ.
وَلَمْ تَكُنْ تَحِلُّ لِمَنْ مَضَى، وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] الْآيَةَ، ثُمَّ صَارَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ، وَخُمُسُهَا لِغَيْرِهِمْ.
(الْغَنِيمَةُ كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَهْرًا بِالْقِتَالِ) . قَوْلُهُ: (كُلُّ مَالٍ) يَدْخُلُ فِيهِ مَا يُتَمَوَّلُ كَالصَّلِيبِ، وَيُكْسَرُ، وَيُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ.
قَالَهُ أَحْمَدُ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: يَصُبُّ الْخَمْرَ، وَلَا يَكْسِرُ الْإِنَاءَ.
وَأَمَّا الْكَلْبُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَيَخُصُّ الْإِمَامُ بِهِ مَنْ شَاءَ.
قَوْلُهُ (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: الْمُحَارِبِينَ، وَقَوْلُهُ: (قَهْرًا بِالْقِتَالِ) هَذَا فَصْلٌ يَخْرُجُ بِهِ الْفَيْءُ.
(وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ) بِأَنْ أَخَذَ الْكُفَّارُ مَالَ مُسْلِمٍ، ثُمَّ أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَهْرًا (فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ (قَبْلَ قَسْمِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ غُلَامًا لَهُ أَبَقَ إِلَى الْعَدُوِّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ، وَذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: لَا يُرَدُّ إِلَيْهِ، وَهُوَ لِلْجَيْشِ؛ لِأَنَّ

بِثَمَنِهِ، وَعَنْهُ: لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ أُخِذَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَيَمْلِكُ الْكُفَّارُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْكُفَّارَ مَلَكُوهُ بِاسْتِيلَائِهِمْ، فَصَارَ غَنِيمَةً كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ.
وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ.
وَكَذَا حُكْمُ مَا إِذَا أُخِذَ مَالُ مُعَاهِدٍ، وَقُلْنَا: يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا.
فَإِنْ كَانَ أُمَّ وَلَدٍ، لَزِمَ السَّيِّدَ أَخْذُهَا، لَكِنْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالثَّمَنِ، وَيُخَيَّرُ فِي الْبَاقِي (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) صَاحِبُهُ (مَقْسُومًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصَابُوهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنْ أَصَبْتَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَكَ وَإِنْ أَصَبْتَهُ بَعْدَ مَا قُسِّمَ أَخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ» . وَإِنَّمَا امْتَنَعَ أَخْذُهُ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى حِرْمَانِ أَخْذِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَأَدَّى إِلَى ضَيَاعِ حَقِّهِ.
فَالرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ بِثَمَنِهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ (وَعَنْهُ: لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَضَعَّفَ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: هُوَ عَنْ مُجَاهِدٍ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ مَا قُسِّمَ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ» . وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى السَّائِبِ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَصَابَ رَقِيقَهُ أَوْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَمَا قُسِّمَ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.
وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ نَحْوُهُ.
رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَكَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي أَيْدِي الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَنَا بِأَمَانٍ أَوْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّهُ لِصَاحِبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فِي حُكْمٍ لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ ثَالِثٍ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ صَاحِبَهُ إِذَا وَجَدَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا (وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ) كَمَا لَوْ أَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْمَغْنَمِ بِحَقِّهِ.
وَالثَّمَنُ هَاهُنَا كَالْقِيمَةِ هُنَاكَ (وَإِنْ أُخِذَ بِغَيْرِ عِوَضٍ) كَهِبَةٍ أَوْ سَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ) لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّ قَوْمًا أَغَارُوا عَلَى سَرْحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذُوا نَاقَتَهُ وَجَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُمْ أَيَّامًا، ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَكِبَتِ النَّاقَةَ، وَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَتَهُ فَأَخْبَرَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَذْرِهَا فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ بِعِوَضٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَهُ مِنَ

بِالْقَهْرِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا.

[المبدع في شرح المقنع]

الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَا حَصَلَ فِي يَدِهِ بِهِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ عَلَى الْخِلَافِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، فَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ.
(وَيَمْلِكُ الْكُفَّارُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَالَ الْكَافِرِ، فَكَذَا عَكْسُهُ، كَالْبَيْعِ.
وَلَا يَمْلِكُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَسَوَاءٌ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَهُ أَوْ لَا.
ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ حَبْسٍ وَوَقْفٍ.
قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ": لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْمِلْكِ فِيهِمَا، فَلَمْ يُمْلَكَا بِالِاسْتِيلَاءِ كَالْحُرِّ، وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ رِوَايَتَانِ: الْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهَا كَوَقْفٍ.
وَعَنْهُ: يَمْلِكُونَهُ إِنْ حَازُوهُ بِدَارِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَا بَلَغَ بِهِ قُبْرُسَ رُدَّ إِلَى أَصْحَابِهِ لَيْسَ غَنِيمَةً، وَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحُوزُوهُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَلَا إِلَى أَرْضٍ هُمْ أَغْلَبُ عَلَيْهَا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ، أَثْبَتَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا) حَيْثُ قَالَ: إِذَا أَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَنَصَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] وَلِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رَقِيقًا بِرِضَانَا بِالْبَيْعِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَكَأَخْذِ مُسْتَأْمَنٍ لَهُ بِدَارِنَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أَوْ غَصْبٍ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ الْقَصْوَاءِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخَذَ نَاقَتَهُ، وَالْمُسْلِمُ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَبْلَ تَمَلُّكِ الْكُفَّارِ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَا.
وَلِأَنَّهُ وَجَدَهَا غَيْرَ مَقْسُومَةٍ، وَلَا مُشْتَرَاةٍ، فَعَلَى هَذَا لِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ مَقْسُومًا، وَفِي الْعَدُوِّ إِذَا أَسْلَمَ.
وَلَوْ أَحْرَزَهُ بِدَارِهِمْ، وَإِنْ جُهِلَ رَبُّهُ وُقِفَ كَاللُّقَطَةِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " أَنَّهُ أَحَقُّ بِمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِثَمَنِهِ لِئَلَّا يَنْتَقِضَ حُكْمُ الْقَاسِمِ.
تَذْنِيبٌ: لَا يَمْلِكُ الْكُفَّارُ ذِمِّيًّا كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَيَلْزَمُ فِدَاؤُهُ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي فِي

وَمَا أُخِذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ رِكَازٍ أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ فَهُوَ غَنِيمَةٌ.
وَتُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَنْصُوصِ بِثَمَنِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ.
وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": مَا لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ ثَمَنِهِ، فَوَجْهَانِ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: لَا يَرْجِعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَادَةُ الْأَسْرَى وَأَهْلُ الثَّغْرِ ذَلِكَ.
فَيَشْتَرِيهِمْ لِيُخَلِّصَهُمْ، وَيَأْخُذُ مَا وُزِنَ لَا زِيَادَةَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ.
فَوَائِدُ: مِنْهَا: إِذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ حَوْلٍ أَوْ أَحْوَالٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا زَكَاةَ لِمَا مَضَى قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَلَى الثَّانِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ أُخْتَانِ أَمَتَانِ، وَأَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا فَلَهُ وَطْءُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عن أختها.
وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ حَتَّى تَحْرُمَ الْآبِقَةُ بِعِتْقٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكُفَّارُ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأُولَى بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
وَمِنْهَا: إِذَا سَبَى الْكُفَّارُ أَمَةً مُزَوَّجَةً لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُونَهَا، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ رَقَبَتَهَا وَمَنَافِعَهَا؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْفَعَةُ بُضْعِهَا؛ فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْكَافِرَةِ الْمَسْبِيَّةِ.
وَمَنَعَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنِ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالسَّبْيِ مُطْلَقًا.
فَأَمَّا الْحُرَّةُ فَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِالسَّبْيِ، لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ لَهَا بِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ بُضْعَهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مَا أَبَقَ أَوْ شَرَدَ إِلَيْهِمْ.
وَعَلَى الثَّانِي: لِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ مَجَّانًا.

[مَا أُخِذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ رِكَازٍ أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ فَهُوَ غَنِيمَةٌ]

(وَمَا أُخِذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ رِكَازٍ أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ فَهُوَ غَنِيمَةٌ) لِأَنَّهُ مَالٌ حَصَلَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ قَهْرًا، فَكَانَ غَنِيمَةً كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ.
وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا قَدَرَ عَلَى الرِّكَازِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِقُوَّتِهِمْ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". وَقَوْلُهُ: مُبَاحٌ لَهُ قِيمَةٌ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، كَالصُّيُودِ وَالْخَشَبِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أَكْلِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ كَطَعَامِهِمْ، وَلَا يَرُدُّهُ.
فَإِنْ كَانَ

بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَيَجُوزُ قَسْمُهَا فِيهَا، وَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُبَاحُ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي أَرْضِهِمْ كَالْمِسَنِّ وَالْأَقْلَامِ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ صَارَ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا وَجَدَ لُقَطَةً فِي دَارِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ فَهِيَ غَنِيمَةٌ، وَإِنِ احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ، عَرَّفَهَا حَوْلًا فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَعَلَهَا فِي الْغَنِيمَةِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَتُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ) لِأَنَّهَا مَالٌ مُبَاحٌ فَمُلِكَتْ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ.
يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُمْ فِي رَقِيقِهِمُ الَّذِينَ حَصَلُوا فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ وَلَحِقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ صَارَ حُرًّا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " بِاسْتِيلَاءٍ تَامٍّ لَا فِي فَوْرِ الْهَزِيمَةِ لِلَبْسِ الْأَمْرِ، هَلْ هُوَ حِيلَةٌ أَوْ ضَعْفٌ، وَفِي " الْبُلْغَةِ " كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِيلَاءِ وَإِزَالَةِ أَيْدِي الْكُفَّارِ عَنْهَا كَافٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " خِلَافِهِ ": لَا يُمْلَكُ بِدُونِ اخْتِيَارِ التَّمْلِيكَ.
وَتَرَدَّدَ فِي الْمِلْكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ هَلْ هُوَ بَاقٍ لِلْكُفَّارِ، أَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ؛ وَلَهُ فَوَائِدُ.
مِنْهَا: جَرَيَانُهُ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْغَنِيمَةُ أَجْنَاسًا، لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهَا حَوْلٌ بِدُونِ الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا، فَوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ رَقِيقًا مِنَ الْمَغْنَمِ بَعْدَ ثُبُوتِ رِقِّهِ، أَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ، عَتَقَ إِنْ كَانَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، فَكَمَنَ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي عَبْدٍ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَسْقَطَ الْغَانِمُ حَقَّهُ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَبَعْضُهُمْ بَنَاهُ عَلَى الْخِلَافِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَمَلَّكُوهَا.
لَمْ يَسْقُطْ، وَإِلَّا سَقَطَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " التَّرْغِيبِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ يَسْقُطُ مُطْلَقًا لِضَعْفِ الْمِلْكِ، زَادَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ مُفْلِسًا، وَفِي سَفِيهٍ وَجْهَانِ، وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ، وَإِنْ أَسْقَطَ الْكُلُّ حَقَّهُمْ صَارَتْ فَيْئًا.
وَمِنْهَا: لَوْ شَهِدَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: مَلَكُوهُ، لَمْ تُقْبَلْ، وَإِلَّا قُبِلَتْ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي قَبُولِهَا نَظَرٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَمْ

أَهْلِ الْقِتَالِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ مَنْ تُجَّارِ الْعَسْكَرِ وَأُجَرَائِهِمُ الَّذِينَ يَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ.

[المبدع في شرح المقنع]

يَمْلِكُوا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَجُرُّ نَفْعًا (وَيَجُوزُ قَسْمُهَا فِيهَا) فِي الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: «هَلْ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنَ الْغَنَائِمِ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ، وَقَسَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَنَائِمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ عَلَى مِيَاهِهِمْ، وَغَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِأَوْطَاسَ» ، وَلِأَنَّهُمْ تَمَلَّكُوهَا بِالِاسْتِيلَاءِ، فَجَازَ قَسْمُهَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ التَّامَّ هُوَ إِحْرَازُهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
فَرْعٌ: إِذَا وَكَّلَ الْأَمِيرُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ جَهِلَ وَكِيلُهُ، صَحَّ، وَإِلَّا حَرُمَ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ أَنَّ عُمَرَ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ ابْنُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ جَلُولَاءَ لِلْمُحَابَاةِ (وَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ: حَدَّثَنَا الثِّقَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.
قَالَ: الْخَطِيبُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعُكَلِيُّ: الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ الشَّافِعِيُّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا (مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ) حَتَّى مَنْ مُنِعَ مِنْهُ لِرِيبَةٍ، أَوْ مَنَعَهُ الْأَبُ، وَمَنْ بَعَثَهُ الْأَمِيرُ لِمَصْلَحَةٍ كَرَسُولٍ، وَجَاسُوسٍ، وَمَنْ خَلَّفَهُ الْأَمِيرُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ، وَلَوْ لِمَرَضٍ، وَغَزَا، وَلَمْ يَمُرَّ بِهِمْ فَرَجَعُوا، نَصَّ عَلَيْهِ.
(قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ مَنْ تُجَّارِ الْعَسْكَرِ) وَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَيَّاطُ، وَالْخَبَّازُ، وَالْبَيْطَارُ، وَنَحْوُهُمْ (وَأُجَرَاؤُهُمُ الَّذِينَ يَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ) وَمَعَهُمُ السِّلَاحُ، وَلِأَنَّهُ رِدْءٌ لِلْمُقَاتِلِ بِاسْتِعْدَادِهِ، أَشْبَهَ الْمُقَاتِلَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُمْ، إِذْ لَا نَفْعَ فِي حُضُورِهِمْ كَالْمُخَذِّلِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْهِمُ لِأَمِيرِ الْخِدْمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إِذَا قَصَدَ الْجِهَادَ.
وَحَمَلَ الْمَجْدُ «إِسْهَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ، وَكَانَ أَجِيرًا لِطَلْحَةَ» . - رَوَاهُ مُسْلِمٌ - عَلَى أَجِيرٍ قَصَدَ مَعَ الْخِدْمَةِ الْجِهَادَ.
وَفِي " الْمُوجَزِ " هَلْ يُسْهِمُ لِتُجَّارِ عَسْكَرٍ وَأَهْلِ سُوقِهِ وَمُسْتَأْجَرٍ مَعَ جُنْدِيٍّ كَرِكَابِيٍّ، وَسَائِسٍ أَمْ يَرْضَخُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.

فَأَمَّا الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ الْقِتَالِ، وَالْمُخَذِّلُ وَالْمُرْجِفُ، وَالْفَرَسُ الضَّعِيفُ الْعَجِيفُ فَلَا حَقَّ لَهُ وَإِذَا لَحِقَ مَدَدٌ، أَوْ هَرَبَ أَسِيرٌ، فَأَدْرَكُوا الْحَرْبَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا، أَسْهَمَ لَهُمْ، وَإِنْ جَاءُوا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.

وَإِذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ، بَدَأَ

[المبدع في شرح المقنع]

(فَأَمَّا الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ الْقِتَالِ) أَيْ: لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ كَالْعَبْدِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرَضَ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْقِتَالِ، كَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ سَهْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَيُعِينُ بِرَأْيِهِ وَتَكْثِيرِهِ وَدُعَائِهِ.
(وَالْمُخَذِّلُ وَالْمُرْجِفُ) وَلَوْ قَاتَلَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.
(وَالْفَرَسُ الضَّعِيفُ الْعَجِيفُ فَلَا حَقَّ لَهُ) لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الْوَقْعَةَ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَمْلِكُ مَنْعَهُ، فَلَمْ يُسْهِمْ لَهُ كَالْمُخَذِّلِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُسْهِمُ لَهُ كَالْمَرِيضِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَحُكْمُ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ إِذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا.
وَمَنْهِيٌّ عَنْ حُضُورِهِ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ: أَوْ بِلَا إِذْنِهِ، وَلَا يَرْضَخُ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ عُصَاةٌ، وَكَذَا مَنْ هَرَبَ مِنِ اثْنَيْنِ.
ذَكَرَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " بِخِلَافِ غَرِيمٍ.
(وَإِذَا لَحِقَ مَدَدٌ) هُوَ مَا أَمْدَدْتَ بِهِ قَوْمًا فِي الْحَرْبِ (أَوْ هَرَبَ أَسِيرٌ) أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ (فَأَدْرَكُوا الْحَرْبَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا أَسْهَمَ لَهُمْ) لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُمْ شَارَكُوا الْغَانِمِينَ فِي السَّبَبِ، فَشَارَكُوهُمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَرْبِ، وَكَذَا إِذَا صَارَ رَجُلٌ فَارِسًا، وَعَكْسُهُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْهِمُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا (وَإِنْ جَاءُوا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ) قَالَ الْخِرَقِيُّ: لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ تَمَامُ الِاسْتِيلَاءِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَمْلِكُ الْغَنِيمَةَ بِانْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَإِنْ لَمْ يُحْرِزْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَصْحَابَهُ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا فَقَالَ أَبَانُ: اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: اجْلِسْ يَا أَبَانُ، وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ، كَمَا لَوْ أَدْرَكُوا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَلَوْ لَحِقَهُمْ عَدُوٌّ، وَقَاتَلَ الْمَدَدُ مَعَهُمْ حَتَّى سَلَّمُوا الْغَنِيمَةَ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا قَاتَلُوا

بِالْأَسْلَابِ، فَدَفَعَهَا إِلَى أَهْلِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ أُجْرَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنِيمَةَ، وَحَمَلُوهَا وَحَفِظُوهَا، ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِيَ، فَيَقْسِمُ خُمُسَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ.
وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْ أَصْحَابِهَا؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَحَوْزَهَا.
نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ.

[كَيْفَ يُقَسِّمُ الْإِمَامُ الْأَسْلَابَ]

(وَإِذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ، بَدَأَ بِالْأَسْلَابِ، فَدَفَعَهَا إِلَى أَهْلِهَا) لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّهَا غَيْرَ مَخْمُوسَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَالٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، دُفِعَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَيِّنٌ.
(ثُمَّ أَخْرَجَ) مِنَ الْبَاقِي (أُجْرَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنِيمَةَ وَحَمَلُوهَا وَحَفِظُوهَا) . قَالَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْغَنِيمَةِ، وَإِعْطَاءُ جُعْلِ مَنْ دَلَّهُ عَلَى مَصْلَحَةٍ كَطَرِيقٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِيَ) . هَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ، أَشْبَهَ سِهَامَ الْغَانِمِينَ.
وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الرَّضْخَ عَلَيْهِ (فَيُقَسِّمُ خُمُسُهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ وَمُقْتَضَاهَا أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ سَهْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَسُولَهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] وَأَنَّ الْجِهَةَ جِهَةُ مَصْلَحَةٍ (سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى) وَذَكَرَ اسْمَهُ لِلتَّبَرُّكِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ لَهُ (وَلِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ إِلَّا الْخُمُسُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلَا يَكُونُ مَرْدُودًا عَلَيْنَا إِلَّا إِذَا صُرِفَ فِي مَصَالِحِنَا.
وَفِي " الِانْتِصَارِ ": هُوَ لِمَنْ يَلِي الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً فَهِيَ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: فِي أَهْلِ الدِّيوَانِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَحَقَّهُ لِحُصُولِ النُّصْرَةِ، فَيَكُونُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهَا، وَعَنْهُ: فِي الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعَنْهُ: سَقَطَ بِمَوْتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَيُرَدُّ عَلَى الْأَنْصِبَاءِ الْبَاقِيَةِ مِنَ الْخُمُسِ، لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ، وَقِيلَ: يُرَدُّ عَلَى الْغَانِمِينَ كَالتَّرِكَةِ إِذَا أُخْرِجَ مِنْهَا وَصِيَّةٌ ثُمَّ بَطَلَتْ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى

الْمُطَّلِبِ حَيْثُ كَانُوا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، وَسَهْمٌ

[المبدع في شرح المقنع]

التَّرِكَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَاقٍ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَصْنَعُ بِهَذَا السَّهْمِ مَا شَاءَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي ". فَائِدَةٌ: كَانَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الْمَغْنَمِ الصَّفِيُّ، وَهُوَ شَيْءٌ يَخْتَارُهُ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَجَارِيَةٍ وَعَبْدٍ وَثَوْبٍ، وَسَيْفٍ، وَنَحْوِهِ، وَانْقَطَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ بَاقٍ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، وَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ سَهْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. (وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى) لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ سَهْمَهُمْ فِي بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَهُوَ ثَابِتٌ بَعْدَ مَوْتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَنْقَطِعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَاسِخٌ وَلَا مُغَيِّرٌ (وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ) ابْنَا عَبْدِ مَنَافٍ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: «قَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يُفَارِقُوا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ.
فَرَعَى لَهُمْ نُصْرَتَهُمْ وَمُوَافَقَتَهُمْ لِبَنِي هَاشِمٍ.
وَلَا يَسْتَحِقُّ مَنْ كَانَتْ أُمُّهُ معهُمْ، وَأَبُوهُ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَدْفَعْ إِلَى أَقَارِبِ أُمِّهِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَلَا إِلَى بَنِي عَمَّاتِهِ كَالزُّبَيْرِ.
وَيُفَرَّقُ عَلَيْهِمْ (حَيْثُ كَانُوا) لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ لَهُمْ حَيْثُ كَانُوا حَسَبَ الْإِمْكَانِ كَالتَّرِكَةِ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] هَذه رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ مَالٌ اسْتُحِقَّ بِقَرَابَةِ الْأَبِ، فَفُضِّلَ فِيهِ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى كَالْمِيرَاثِ.
وَعَنْهُ: يُسَاوِي بَيْنَهُمَا.
قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ فَاسْتَوَوْا فِيهِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَةِ فُلَانٍ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، وَيُسَوِّي بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ بِلَا خِلَافٍ.
(غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)

لِلْيَتَامَى الْفُقَرَاءِ، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يُعْطِي النَّفْلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَرْضَخُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ وَهُمُ الْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ،

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَخُصَّ فُقَرَاءَ قَرَابَتِهِ، بَلْ أَعْطَى الْغَنِيَّ، كَالْعَبَّاسِ وَغَيْرَهُ، مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْفَقْرِ يُنَافِي ظَاهِرَ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْقَرَابَةِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ كَالْمِيرَاثِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: يَخْتَصُّ بِفُقَرَائِهِمْ كَبَقِيَّةِ السِّهَامِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَعَ عُثْمَانَ وَجُبَيْرًا لَمَّا سَأَلَاهُ سَهْمَهُمَا بِيَسَارِهِمَا وَانْتِفَاءِ فَقْرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ صُرِفَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وَظَاهِرُهُ لَا شَيْءَ لِمَوَالِيهِمْ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْهُمْ.
(وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى) وَهُمْ مَنْ لَا أَبَ لَهُ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، لِقَوْلِهِ: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» . (الْفُقَرَاءِ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيُتْمِ فِي الْعُرْفِ الرَّحْمَة، وَمَنْ أُعْطِيَ لِذَلِكَ، اعْتُبِرَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ، بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ، مَعَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَالَ: لَا أَعْلَمُ هَذَا نَصًّا عَنْ أَحَدٍ.
وَقِيلَ: وَالْغَنِيُّ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ.
(وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ) وَهُمْ أَهْلُ الْحَاجَةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِمُ الْفُقَرَاءُ لِأَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ.
(وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قُيِّدَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ فَلَمْ يَكُنْ لِكَافِرٍ فِيهَا حَقٌّ كَالزَّكَاةِ، وَيُعْطَى هَؤُلَاءِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ.
وَفِي " الْوَاضِحِ " يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَعُمُّ بِسِهَامِ مَنْ ذُكِرَ جَمِيعَ الْبِلَادِ، فَيَبْعَثُ الْإِمَامُ عُمَّالَهُ فِي الْأَقَالِيمِ.
وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعْمِيمُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ.
فَعَلَى هَذَا يُفَرِّقُهُ كُلُّ سُلْطَانٍ فِيمَا أَمْكَنَ مِنْ بِلَادِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": يَكْفِي وَاحِدٌ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ، وَذَوِي الْقُرْبَى إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِعْطَاءَ الْإِمَامِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ لِلْمَصْلَحَةِ كَزَكَاةٍ.
وَأَنَّ الْخُمُسَ وَالْفَيْءَ وَاحِدٌ يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ (ثُمَّ يُعْطَى النَّفْلُ) وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى السَّهْمِ لِلْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ الْغَانِمِينَ، فَقُدِّمَ عَلَى الْقِسْمَةِ كَالْأَسْلَابِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ الْخُمُسِ، لِمَا رَوَى مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ مَرْفُوعًا «لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ اسْتُحِقَّ بِالتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ، فَكَانَ

وَفِي الْكَافِرِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَرْضَخُ لَهُ، وَالْأُخْرَى: يُسْهِمُ لَهُ وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ

[المبدع في شرح المقنع]

مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ.
(وَيَرْضَخُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ، فَكَانَ بَعْدَ الْخُمُسِ كَسِهَامِ الْغَانِمِينَ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ لِلْمُعَاوَنَةِ فِي تَحْصِيلِ الْغَنِيمَةِ، أَشْبَهَ أُجْرَةَ الْحَمْلِ، وَقِيلَ: مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ (وَهُمُ الْعَبِيدُ) لِمَا رَوَى عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللَّحْمَ قَالَ: «شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيَّ، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنَ الْمَتَاعِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْقِتَالِ كَالصَّبِيِّ.
فَرْعٌ: الْمُدَبَّرُ وَالْمَكَاتَبُ كَالْقِنِّ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَبِحِسَابِهِ (وَالنِّسَاءُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ بِسَهْمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِلْمَرْأَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهَا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ لَا مُطْلَقًا، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْسَمَ لَهُ نِصْفُ سَهْمٍ، وَنِصْفُ رَضْخٍ، كَالْمِيرَاثِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (وَالصِّبْيَانُ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ الصِّبْيَانُ يُحْذَوْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ إِذَا حَضَرُوا الْغَزْوَ، وَالْمُرَادُ: إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ كَالْعَبْدِ، وَقِيلَ: مُرَاهِقًا.
(وَفِي الْكَافِرِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَرْضَخُ لَهُ) قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، فَرَضَخَ لَهُ كَالْعَبْدِ.
(وَالْأُخْرَى: يُسْهَمُ لَهُ) كَمُسْلِمٍ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَالْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَنَصَرَهَا فِي " الْمُغْنِي "

لِلرَّاجِلِ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلَا لِلْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ، فَإِنَّ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ أَسْهَمَ لَهُمْ، وَإِذَا غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قَسَمَ لِلْفَرَسِ، وَرَضَخَ لِلْعَبْدِ.

ثُمَّ يُقَسِّمُ بَاقِيَ الْغَنِيمَةِ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ هَجِينًا، أَوْ بِرْذَوْنًا، فَيَكُونُ لَهُ سَهْمٌ، وَعَنْهُ: لَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَ " الشَّرْحِ " (وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلرَّاجِلِ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلَا لِلْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ) لِأَنَّ السَّهْمَ أَكْمَلُ مِنَ الرَّضْخِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ إِلَيْهِ كَمَا لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ، وَلَا بِالْحُكُومَةِ دِيَةَ الْعُضْوِ، وَيُقَسِّمُ الْإِمَامُ الرَّضْخَ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ مِنْ تَفْضِيلٍ، وَتَسْوِيَةٍ، وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ فِيهِ كَأَهْلِ السُّهْمَانِ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، غَيْرَ مَوْكُولٍ إِلَى الجِهَادِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ كَالْحُدُودِ بِخِلَافِ الرَّضْخِ.
(فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ) بِأَنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ.
(أَسْهَمَ لَهُمْ) لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَأَسْهَمَ لَهُمْ كَغَيْرِهِمْ (وَإِنْ غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قَسَمَ لِلْفَرَسِ) سَهْمَانِ كَفَرَسِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ فَرَسٌ حَضَرَ الْوَقْعَةَ، وَقُوتِلَ عَلَيْهِ، فَأَسْهَمَ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ السَّيِّدُ رَاكِبَهُ.
وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ سَيِّدِهِ فَرَسَانِ.
(وَرَضَخَ لِلْعَبْدِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُمَا لِمَالِكِهِمَا، وَيُعَايَا بِهَا، فَيُقَالُ: يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ وَالرَّضْخَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْقِتَالَ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا غَزَا عَلَى فَرَسٍ، أَوِ الْمَرْأَةَ، أَوِ الْكَافِرَ.
وَقُلْنَا: لَا سَهْمَ لَهُ، لَمْ يُسْهِمْ لِلْفَرَسِ، بَلْ يَرْضَخُ لَهُ وَلِفَرَسِهِ مَا لَا يَبْلُغُ سَهْمَ الْفَارِسِ، بِخِلَافِ الْمُخَذِّلِ وَالْمُرْجِفِ إِذَا غَزَا عَلَى فَرَسٍ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا لِفَرَسِهِ.
.

[نَصِيبُ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ]

(ثُمَّ يُقَسِّمُ بَاقِيَ الْغَنِيمَةِ) لِأَنَّهُ يُقَالُ: لَمَّا جَعَلَ لِنَفْسِهِ الْخُمُسَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ أَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ عَلَى قَسْمِ الْخُمُسِ، لِأَنَّهُمْ حَاضِرُوهُ، وَلِأَنَّ رُجُوعَ الْغَانِمِينَ إِلَى أَوْطَانِهِمْ يَقِفُ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَأَهْلُ الْخُمُسِ فِي أَوْطَانِهِمْ.
(لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْفَارِسُ مِنَ الْكُلْفَةِ (وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ) فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» (إِلَّا أَنْ تَكُونَ فَرَسُهُ هَجِينًا) وَهُوَ مَا

سَهْمَانِ كَالْعَرَبِيِّ وَلَا يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ، وَلَا يُسْهِمُ لِغَيْرِ الْخَيْلِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ قُسِمَ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ وَمَنْ دَخَلَ

[المبدع في شرح المقنع]

أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، وَعَكَسَهُ الْمُقْرِفُ (أَوْ بِرْذَوْنًا) وَيُسَمَّى الْعَتِيقَ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ عَكْسَ الْعَرَبِيِّ (فَيَكُونُ لَهُ سَهْمٌ) قَالَ الْخَلَّالُ: تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْفَرَسَ العربي سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى لِلْهَجِينِ سَهْمًا» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي " الْمَرَاسِيلِ " وَرُوِيَ مَوْصُولًا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ، وَلِأَنَّ نَفْعَ الْعُرَابِ وَأَثَرَهُ فِي الْحَرْبِ أَفْضَلُ، فَيَكُونُ سَهْمُهُ أَرْجَحَ كَتَفَاضُلِ مَنْ يَرْضَخُ لَهُ.
(وَعَنْهُ: لَهُ سَهْمَانِ كَالْعَرَبِيِّ) اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ فَرَسٍ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو سَهْمٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَرَبِيُّ وَغَيْرُهُ كَالْآدَمِيِّ، وَعَنْهُ: إِنْ أَدْرَكَتْ إِدْرَاكَ الْعُرَابِ أَسْهَمَ لَهَا كَالْعَرَبِيِّ، وَإِلَّا فَلَا، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَعَنْهُ: لَا يُسْهِمُ لَهَا، حَكَاهَا الْقَاضِي، وَقَالَهُ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ لَهَا عَلَى الْعُرَابِ، أَشْبَهَتِ الْبِغَالَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا - وَإِنْ دَخَلَتْ فِي مُسَمَّى الْخَيْلِ - فَهِيَ تَتَفَاضَلُ فِي أَنْفُسِهَا، فَكَذَا فِي سُهْمَانِهَا، وَقَوْلُهُ: أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ.
قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا، مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لَيْسَ فِيهَا بِرْذَوْنٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقِلَّتِهَا عِنْدَ الْعَرَبِ.
(وَلَا يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْلِ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِلرَّجُلِ فَوْقَ فَرَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ» . وَلِأَنَّ بِهِ حَاجَةً إِلَى الثَّانِي، بِخِلَافِ الثَّالِثِ، فَإِنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ.
وَفِي " التَّبْصِرَةِ " يُسْهِمُ لِثَلَاثَةٍ (وَلَا يُسْهِمُ لِغَيْرِ الْخَيْلِ) مِنَ الْبِغَالِ وَالْفِيلِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ غَيْرَ الْخَيْلِ لَا يَلْحَقُ بِهَا فِي التَّأْثِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَلَا تَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهَا فِي السَّهْمِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ، قُسِمَ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ) نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلْبَعِيرِ مَعَ إِمْكَانِ الْغَزْوِ عَلَى فَرَسٍ.
وَلَكِنْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ مهَنا أَنَّهُ

دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ مَلَكَ فَرَسًا أَوِ اسْتَعَارَهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ.
وَإِنْ دَخَلَ فَارِسًا، فَنَفَقَ فَرَسُهُ، أَوْ شَرَدَ حَتَّى تَقَضَّى الْحَرْبُ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَمَنْ غَصَبَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ وَإِذَا

[المبدع في شرح المقنع]

يُسْهَمُ لِلْبَعِيرِ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ سَابَقَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ، فَجَازَ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ، كَالْخَيْلِ.
فَعَلَى هَذَا: يُسْهَمُ لَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي الْخَيْلَ قَطْعًا فَاقْتَضَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ كَفَرَسٍ.
وَبِهِ قَطَعَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ". وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْحَمْلِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لِلْفِيلِ سَهْمُ الْهَجِينِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي قَدْرِهِ.
وَغَلَّطَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ» ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَلَمْ تَخْلُ غَزْوَةٌ مِنْهَا، وَلَوْ أَسْهَمَ لَهَا لَنُقِلَ.
فَرْعٌ: إِذَا غَزَا عَلَى فَرَسٍ لَهُمَا هَذَا عَقَبَةٌ، وَهَذَا عَقَبَةٌ، وَالسَّهْمُ لَهُمَا، فَلَا بَأْسَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ غَزَا عَلَى فَرَسٍ حَبِيسٍ، اسْتَحَقَّ سَهْمَهُ (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ مَلَكَ فَرَسًا، أَوِ اسْتَعَارَهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِاسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ أَنْ يَشْهَدَ به الْوَقْعَةَ، لَا حَالَةَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الْفَرَسَ حَيَوَانٌ يُسْهَمُ لَهُ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْقِتَالِ كَالْآدَمِيِّ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مِلْكُ الْفَرَسِ؛ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ مِلْكُ مَنْفَعَتِهَا؛ لِأَنَّ السَّهْمَ لِنَفْعِ الْفَرَسِ لَا لِذَاتِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلضَّعِيفِ وَالزَّمِنِ وَنَحْوِهِ.
وَسَهْمُ الْفَرَسِ فِي الْإِجَارَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِنَفْعِهِ اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا أَشْبَهَ الْمَالِكَ، وَكَذَا هُوَ لِلْمُسْتَعِيرِ، وَعَنْهُ: هُوَ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهِ أَشْبَهَ وَلَدَهُ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِمَّنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ لَا شَيْءَ لَهُ كَالْمُخَذِّلِ أَوْ مِمَّنْ يُرْضَخُ لَهُ كَالصَّبِيِّ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ فَرَسِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ دَخَلَ فَارِسًا فَنَفَقَ فَرَسُهُ) أَيْ: مَاتَ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا.
(أَوْ شَرَدَ حَتَّى تَقَضَّى الْحَرْبُ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ) كَمَا ذَكَرْنَا (وَمَنْ غَصَبَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ)

قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، أَوْ فَضَّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ، لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيَجُوزُ فِي الْأُخْرَى.

وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْجِهَادِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْأُجْرَةُ.

وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ

[المبدع في شرح المقنع]

نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ سَهْمِ الْفَرَسِ مُرَتَّبٌ عَلَى نَفْعِهِ، وَهُوَ لِمَالِكِهِ، فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ، إِمَّا مُطْلَقًا كَالْمُرْجِفِ أَوْ يُرْضَخُ لَهُ كَالْعَبْدِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْفَرَسِ حُكْمَهُ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ يَتْبَعُ الْفَارِسَ فِي حُكْمِهِ فَيَتْبَعُهُ إِذَا كَانَ مَغْصُوبًا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ رَاكِبِهِ فَيَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِهِ.
ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، أَوْ فَضَّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يُقَسِّمُونَ الْغَنَائِمَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى اشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ عَنِ الْقِتَالِ، وَظَفَرِ الْعَدُوِّ بِهِمْ، وَلِأَنَّ الْغُزَاةَ اشْتَرَكُوا فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْوِيَةِ، فَيَجِبُ كَسَائِرِ الشُّرَكَاءِ؛ وَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَخَذَهُ.
(وَيَجُوزُ فِي الْأُخْرَى) أَمَّا أَوَّلًا، فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يوم بَدْرٍ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» وَرُدَّ بِأَنَّ قَضِيَّةَ بَدْرٍ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] الْآيَةَ، وَأَمَا ثَانِيًا - وَهِيَ الْأَصَحُّ -: إِذَا كَانَ التَّفْضِيلُ لِمَعْنًى فِيهِ، فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ وَيُعْطِيَ السَّلَبَ، فَجَازَ لَهُ التَّفْضِيلُ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا.

[مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْجِهَادِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْأُجْرَةُ]

(وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْجِهَادِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْأُجْرَةُ) . وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ غَزْوَهُ بِعِوَضٍ فَكَأَنَّهُ وَاقِعٌ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ مَا ذُكِرَ.
وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ إِجَارَتِهِمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ بِحُضُورِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، فَصَحَّتْ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْأَشْهُرِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ كَالصَّلَاةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ يَلْزَمُهُ كَالرَّجُلِ الْحُرِّ لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ عَلَيْهِ كَالْحَجِّ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ عَلَى صِحَّتِهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ

الْحَرْبِ فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ، وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا

[المبدع في شرح المقنع]

قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعْلَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، مَثَلُ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهُ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ، بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنَ الْكَافِرِ، فَصَحَّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، كَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَمُقْتَضَى اخْتِيَارِ الشَّيْخَيْنِ صِحَّةُ الِاسْتِئْجَارِ، وَإِنْ لَزِمَهُ إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَلَا يَصِحُّ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْمُؤَلِّفُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ فَيَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ السَّهْمَ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهَا، فَهَلْ يُسْهَمُ لَهُ؛ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ -: لَا سَهْمَ لَهُ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَجِيرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي سَمَّى.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ - أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَ الْوَقْعَةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَيُسْهَمُ لَهُ، كَغَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اسْتُؤْجِرَ بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا عَلَى حِفْظِهَا فَلَهُ الْأُجْرَةُ مَعَ سَهْمِهِ، وَلَا يَرْكَبُ مِنْهَا دَابَّةً إِلَّا بِشَرْطٍ، وَمِثْلُهُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْءِ أَيْ: لَهُمُ السَّهْمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ، لَا أَنَّهُ عِوَضٌ عَنِ الْغَزْوِ، فَكَذَا مَنْ يُعْطَى لَهُ مِنْ صَدَقَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَاهُ مَعُونَةً، لَا عِوَضًا أَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مَا يُعِينُهُ بِهِ، فَلَزِمَهُ الثَّوَابُ.

[مَنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ]

(وَمَنْ مَاتَ) أَوْ ذَهَبَ (بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ مُلِكَتْ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَكَانَ سَهْمُهُ لِوَارِثِهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» وَتَقَدَّمَ قَوْلُ: إِنَّهَا لَا تُمْلَكُ إِلَّا بِالْحِيَازَةِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ.
وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ التَّغْيِيرُ قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
(وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ) أَيُّهُمَا غَنِمَ شَارَكَ الْآخَرَ،

غَنِمَ، وَإِذَا قُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَتَبَايَعُوهَا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ، فَهِيَ مِنْ مَالَ الْمُشْتَرِي فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحَبُهُ، وَالْأُخْرَى مَنْ مَالِ الْبَائِعِ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ.

وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَوْ لِوَلَدِهِ؛ أُدِّبَ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَدَّ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا إِلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا غَزَا هَوَازِنَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ الْجَيْشِ قِبَلَ أَوْطَاسَ، فَغَنِمَتْ، فَشَارَكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَيْشِ» ، وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ جَيْشٌ وَاحِدٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا رِدْءٌ لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بَعْضُهُمْ بِالْغَنِيمَةِ كَأَحَدِ جَانِبَيِ الْجَيْشِ، وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ بَعْدَ النَّفْلِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ مُقِيمًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا، انْفَرَدَتْ بِغَنِيمَتِهَا لِانْفِرَادِهَا بِالْغَزْوِ، وَالْمُقِيمُ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِمُجَاهِدٍ.
(وَإِذَا قُسِّمَتْ الغنيمة فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَتَبَايَعُوهَا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ، فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ) وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَهِيَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَقْبُوضٌ أُبِيحَ لِمُشْتَرِيهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ، وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ (وَالْأُخْرَى مِنْ مَالِ الْبَائِعِ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ قَبْضَهُ، لِكَوْنِهِ فِي خَطَرِ قَهْرِ الْعَدُوِّ، كَالثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ إِذَا بَلَغَتْ قَبْلَ الْجِذَاذِ؛ فَعَلَيْهَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَيُرَدُّ الثَّمَنُ إِلَى الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَنِيمَةِ إِنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ، أَوْ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ؛ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنَ الْمُشْتَرِي، سَقَطَ عَنْهُ.
وَمَحِلُّهُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ لِتَفْرِيطٍ حَصَلَ مِنْهُ، كَخُرُوجِهِ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَنَحْوِهِ فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْغَانِمِينَ بَيْعُ مَا حَصَلَ لَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِيهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
وَفِي " الْبُلْغَةِ " رِوَايَةٌ لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهَا فيها، وَأَمَّا الْأَمِيرُ فَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِلْغَانِمِينَ، وَلِغَيْرِهِمْ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ لَهُ عَلَيْهَا.

[إِذَا وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ أُدِّبَ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ]

(وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَوْ لِوَلَدِهِ، أُدِّبَ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ، لِكَوْنِهِ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ.
(وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَدَّ) لِأَنَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ مِلْكًا أَوْ شُبْهَةَ مِلْكٍ فَيُدْرَأُ

فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ.
وَمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ عَبْدًا، عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ حَقِّهِ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ.

وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُحْرَقُ رَحْلُهُ كُلُّهُ إِلَّا السِّلَاحَ وَالْمُصْحَفَ وَالْحَيَوَانَ؛

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ (وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، أَشْبَهَ وَطْءَ أَمَةِ الْغَيْرِ؛ وَحِينَئِذٍ فَيُطْرَحُ فِي الْمَغْنَمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الْمَهْرِ قَدْرَ حِصَّتِهِ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِقْدَارُ حَقِّهِ يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ بِوَضْعِ الْمَهْرِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَيَعُودُ إِلَيْهِ حَقُّهُ.
لَمْ يُعْتَبَرِ الْإِسْقَاطُ (إِلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا) لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى الْغَانِمِينَ؛ فَلَزِمَهُ قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا، وَحِينَئِذٍ تُطْرَحُ فِي الْغَنِيمَةِ.
فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَسَبُ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ لِلْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسِّرَايَةِ إِلَى مُلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَسْرِ فِي حَقِّ الْمُعْسِرِ كَالْإِعْتَاقِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اسْتِيلَادٌ صَيَّرَ بَعْضَهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَيَجْعَلُ جَمِيعَهَا كَذَلِكَ، كَاسْتِيلَادِ جَارِيَةِ ابْنِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْعِتْقِ، لِكَوْنِهِ فِعْلًا، وَيَنْفُذُ مِنَ الْمَجْنُونِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا حِينَ عَلِقَتْ فَلَمْ يَثْبُتْ لِلْغَانِمِينَ فِيهِ مُلْكٌ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ حِينَ وَضْعِهِ تُطْرَحُ فِي الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ، أَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا صَارَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ يَكُونُ الْوَلَدُ كُلُّهُ حُرًّا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِهِ.
(وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، كَجَارِيَةِ ابْنِهِ (وَالْوَلَدُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فِي مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ (ثَابِتُ النَّسَبِ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَيَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ هَلْ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ، أَوْ بِالنَّزْعِ، وَهُوَ تَمَامُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَّ وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ عَبْدًا، عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ حَقِّهِ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغَانِمَ إِذَا أَعْتَقَ رَقِيقًا مِنَ الْمَغْنَمِ، أَوْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، عَتَقَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَبَتَ عَلَيْهِ فِي شِرْكَةِ الْغَانِمِينَ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهِ.
أَشْبَهَ الْمَمْلُوكَ بِالْإِرْثِ، فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ إِنْ كَانَ حَقُّهُ مِنْهَا لَا يَنْقُصُ، أَوْ بِقَدْرِ حَقِّهِ إِنْ نَقَصَ، ثُمَّ الزَّائِدُ عَلَى حَقِّهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ وَضَمِنَهُ؛ وَإِلَّا بَقِيَ رَقِيقًا بِحَالِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ غَيْرُهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَعِنْدِي إِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا، فَكَالْمَنْصُوصِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَاسًا فَكَقَوْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ يَصِيرُ كَالْحُرِّ الْمُشَاعِ، وَفِي الْأَجْنَاسِ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَقُّهُ فِي شَيْءٍ بَعِيدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْغَانِمِينَ مُشَاعٌ فِي كُلِّ جِنْسٍ، فَالْعِتْقُ يُصَادِفُهُ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ.
وَفِي " الْبُلْغَةِ " فِيمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ رِوَايَاتٌ، الثَّالِثَةُ: مَوْقُوفٌ، إِنْ تَعَيَّنَ سَهْمُهُ فِي الرَّقِيقِ عَتَقَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي الْمُعْتَقِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا.
وَصَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّ الْغَانِمَ إِذَا أَعْتَقَ رَجُلًا مِنْهَا لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ كَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ.

[الْغُلُولُ مِنَ الْغَنِيمَةِ]

(وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ) وَهُوَ مَنْ كَتَمَ مَا غَنِمَهُ، أَوْ بَعْضَهُ، فَيَجِبُ أَنْ (يُحْرَقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ) قَالَهُ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِذَلِكَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ لَا الْحَدَّ الْوَاجِبَ، فَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ.
فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَخْتَصُّ التَّحْرِيقُ بِالْمَتَاعِ الَّذِي غُلَّ، وَهُوَ مَعَهُ، فَلَوِ اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا، أَوْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَلَهُ فِيهِ مَتَاعٌ، لَمْ يُحْرَقْ، وَكَمَا لَوِ انْتَقَلَ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ فِي الْأَشْهَرِ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ حَيًّا حُرًّا مُكَلَّفًا مُلْتَزِمًا.
جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْآدَمِيُّ " الْبَغْدَادِيَّانِ، وَلَوْ أُنْثَى أَوْ ذِمِّيًّا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا ينْفي، نَصَّ عَلَيْهِ، بَلْ يُضْرَبُ لِلْخَبَرِ، وَفِي السَّارِقِ: لَا يُحْرَقُ مَتَاعُهُ، وَقِيلَ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ ". (إِلَّا السِّلَاحَ) لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْقِتَالِ (وَالْمُصْحَفَ) لِحُرْمَتِهِ.
وَشَمِلَ الْجِلْدَ، وَالْكِيسَ، وَمَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ، وَقِيلَ: يُبَاعُ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ؛ لِقَوْلِ سَالِمٍ: بِعْهُ

وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ أَوْ أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ.
وَالْأَصَحُّ: وَكُتُبُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ الْإِضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ، بَلْ فِي بَعْضِ دُنْيَاهُ.
(وَالْحَيَوَانَ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا، وَعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْمَتَاعِ الْمَأْمُورِ بِإِحْرَاقِهِ، وَكَذَا آلَتُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَكَذَا نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْرَقُ عَادَةً، وَكَسَهْمِهِ وَثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُتْرَكَ عُرْيَانًا، وَقِيلَ: سَاتِرُ عَوْرَتِهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ إِلَّا الْمُصْحَفَ وَالدَّابَّةَ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ.
فَرْعٌ: مَا أَبْقَتِ النَّارُ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ لَهُ، فَإِذَا تَابَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، رَدَّ مَا أَخَذَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَبَعْدَهَا يُعْطِي الْإِمَامَ خُمُسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْرِفُ لِلصَّدَقَةِ وَجْهًا.
قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَأْتِي بِهِ الْإِمَامُ فَيُقَسِّمُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى الْغَالِّ وَأَخَذَ مَا أُهْدِيَ لَهُ مِنْهَا، أَوْ بَاعَهُ إِمَامٌ، أَوْ حَابَاهُ، فَهُوَ غَالٌّ.
(وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ) أَيْ: مِنْ فِدْيَةِ الْأُسَارَى، فَهُوَ غَنِيمَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَسَّمَ فِدَاءَ أُسَارَى بَدْرٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ حَصَلَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ أَشْبَهَ السِّلَاحَ (أَوْ أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ) أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ) جَمْعُ قَائِدٍ؛ وَهُوَ نَائِبُهُ (فَهُوَ غَنِيمَةٌ) أَيْ: لِلْجَيْشِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْجَيْشِ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً كَمَا لَوْ أَخَذَهُ بِغَيْرِهَا.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَعَنْهُ: هُوَ لِلْمُهْدَى لَهُ، وَقِيلَ: فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَلَوْ كَانَتْ بِدَارِنَا، فَهِيَ لِمَنْ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ، وَاخْتُصَّ بِهَا، وَقِيلَ: فَيْءٌ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِأَحَدِ الرَّعِيَّةِ فِي دَارِهِمْ يُخْتَصُّ بِهَا، كَمَا لَوْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ غَنِيمَةٌ، وَفِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهِيَ لَهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ كَهَدِيَّةِ الْقَاضِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَهِيَ مَا أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ، فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ يَكُونُ أَجْرُهُ لَهَا، وَعَنْهُ: تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[بَابُ حُكْمِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ]

ِ. (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ، أَحَدُهَا: مَا فُتِحَ عَنْوَةً) أَيْ: قَهْرًا، وَغَلَبَةً، وَهُوَ مِنْ عَنَا يَعْنُو: إِذَا ذَلَّ وَخَضَعَ، وَشَرْعًا (هِيَ مَا أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ) وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: مَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ فَتْحَهُ عَنْوَةً (فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا) عَلَى الْغَانِمِينَ كَالْمَنْقُولِ (وَوَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا وَرَدَ فِيهِ خَبَرٌ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ نِصْفَ خَيْبَرَ، وَوَقَفَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ.
وَوَقَفَ عُمَرُ الشَّامَ، وَمِصْرَ، وَالْعِرَاقَ، وَسَائِرَ مَا فَتَحَهُ، وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بِبَّانًا لَا شَيْءَ لَهُمْ مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَّمْتُهَا كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ فِعْلُ الْأَصْلَحِ كَالتَّخْيِيرِ فِي الْأُسَارَى فَإِنْ قَسَمَهَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى لَفْظٍ، وَلَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهَا خَرَاجًا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ أَرْبَابِهَا، وَتَصِيرُ أَرْضَ عُشْرٍ.
وَإِنْ وَقَفَهَا اعْتُبِرَ بِلَفْظِهِ بِهِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": لَا يَحْتَاجُ إِلَى النُّطْقِ بِهِ بَلْ لَوْ تَرَكَهَا لِلْمُسْلِمِينَ صَارَ كَالْقِسْمَةِ (وَ) حِينَئِذٍ (يَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ) فِي كُلِّ عَامٍ لِقَوْلِ عُمَرَ (مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ يَكُونُ أَجْرُهُ لَهَا) أَيْ: مِمَّنْ تُقَرُّ مَعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ كَالْأُجْرَةِ.
وَلَا يَسْقُطُ خَرَاجُهَا بِإِسْلَامِ أَرْبَابِهَا، وَلَا بِانْتِقَالِهَا إِلَى مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُجْرَتِهَا، وَفِي " الْمُجَرَّدِ ": أَوْ يُمَلِّكُهَا لِأَهْلِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ بِخَرَاجٍ فَدَلَّ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهَا بِغَيْرِ خَرَاجٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا مَسْجِدٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْبُلْدَانِ.
(وَعَنْهُ: تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ) لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ " الْأَمْوَالِ " عَنِ الْمَاجِشُونَ قَالَ بِلَالٌ لِعُمَرَ

وَعَنْهُ: تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
الثَّانِي: مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا، فَتَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْعُنْوَةِ.
الثَّالِثُ: مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا

[المبدع في شرح المقنع]

بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُرَى الَّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً: اقْسِمْهَا بَيْنَنَا، وَخُذْ خُمُسَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَا، وَلَكِنِّي أَحْبِسُهَا فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ: اقْسِمْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ.
فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ قَسَّمَ أَرْضًا أُخِذَتْ عَنْوَةً إِلَّا خَيْبَرَ.
وَلِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَكُونُ أَرْضَ عُشْرٍ.
(وَعَنْهُ: تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ.
وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ.
يُؤَيِّدُهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ.
فَأَضَافَ الْغَنِيمَةَ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ جِنْسِ الْمَالِ؛ فَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بِالْمَنْقُولِ.
تَنْبِيهٌ: مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ مِنْ وَقْفٍ وَقِسْمَةٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَيَأْتِي حُكْمُ الْبَيْعِ.
(الثَّانِي: مَا جَلَا عَنْهَا خَوْفًا) وَفَزَعًا مِنَّا (فَتَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ غَنِيمَةً فَتُقَسَّمُ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْفَيْءِ، أَيْ: لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ (وَعَنْهُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ) لِأَنَّهُ مَالٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِقُوَّتِهِمْ، فَلَا يَكُونُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ، كَالْمَنْقُولِ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَجْرِي فِيهَا الرِّوَايَاتُ السَّابِقَةُ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لَكِنْ لَا تَصِيرُ وَقْفًا إِلَّا بِوَقْفِ الْإِمَامِ لَهَا، صَرَّحَ بِهِ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ.
فَعَلَى هَذَا حُكْمُهَا قَبْلَ وَقْفِ الْإِمَامِ كَالْمَنْقُولِ، يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْمُعَاوَضَةُ بِهَا، وَعَلَى الْأُولَى يَمْتَنِعُ.
(الثَّالِثُ: مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا، وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا أَيْضًا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَتَحَ خَيْبَرَ، وَصَالَحَ أَهْلَهَا أَنْ يُعَمِّرُوا أَرْضَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ ثَمَرَتِهَا، فَكَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ شَبِيهٌ بِفِعْلِ عُمَرَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ فَيَكُونُ حُكْمُ هَذِهِ كَالَّتِي قَبْلَهَا، وَهَلْ

أَيْضًا.
الثَّانِي: أَنْ نُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَلَيْهَا، فَهَذِهِ مِلْكٌ لَهُمْ خَرَاجُهَا كَالْجِزْيَةِ، إِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ، وَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ وَيُقَرُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.

وَالْمَرْجِعُ فِي الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، وَعَنْهُ:

[المبدع في شرح المقنع]

تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الصُّلْحِ، أَمْ بِوَقْفِ الْإِمَامِ مَعَ الْفَوَائِدِ؟ وَهُمَا دَارَا إِسْلَامٍ يَجِبُ [عَلَى سَاكِنِهِمَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ] الْجِزْيَةُ وَنَحْوُهَا.
(الثَّانِي: أَنْ نُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَلَيْهَا) فَهُوَ صُلْحٌ صَحِيحٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ (فَهَذِهِ مِلْكٌ لَهُمْ) أَيْ: لِأَرْبَابِهَا، وَتَصِيرُ دَارَ عَهْدٍ (خَرَاجُهَا كَالْجِزْيَةِ) الَّتِي تُؤْخَذُ عَلَى رُءُوسِهِمْ مَا دَامَتْ بِأَيْدِيهِمْ (إِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ) لِأَنَّ الْخَرَاجَ الَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ، فَيَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ كَالْجِزْيَةِ، وَتَبْقَى الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ بِغَيْرِ خَرَاجٍ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا (وَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قُصِدَ بِوَضْعِهِ الصَّغَارُ، فَوَجَبَ سُقُوطُهُ بِالْإِسْلَامِ، كَالْجِزْيَةِ، فَإِنْ صَارَتْ لِذِمِّيٍّ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ -: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ رَضِيَ بِدُخُولِهِ فِيمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ بِالْحَقِّ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَهُ.
وَالثَّانِي: يَسْقُطُ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ بِهِ.
وَعَنْهُ: لَا يَسْقُطُ خَرَاجُهَا بِإِسْلَامٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ، فَهُوَ كَالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ، وَكَذَا فِي " التَّرْغِيبِ " وَذَكَرَ فِيمَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَنَا، وَنُقِرُّهُ مَعَهُمْ بِخَرَاجٍ: لَا يَسْقُطُ خَرَاجُهُ بِإِسْلَامٍ، وَعَنْهُ: بَلَى كَجِزْيَةٍ (وَيُقَرُّونَ فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَرْضِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ (بِغَيْرِ جِزْيَةٍ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا) أَيْ: لَا يُقَرُّونَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَنَا إِلَّا بِجِزْيَةٍ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ إِسْلَامٍ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنِ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ.

[الْمَرْجِعُ فِي الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ]

(وَالْمَرْجِعُ فِي الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ) . قَالَ الْخَلَّالُ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ؛ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا، لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ فِي الْمَصَالِحِ، فَكَانَ مُفَوَّضًا إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
(عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ) فَيَضْرِبُ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ وَإِنْسَانٍ مَا يُطِيقُهُ وَيَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ.

يَرْجِعُ إِلَى مَا ضَرَبَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ، وَعَنْهُ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ دُونَ النَّقْصِ.
قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: أَصَحُّ وَأَعْلَى حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ يَعْنِي أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا وَقَدْرُ الْقَفِيزِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْمَكِّيِّ، فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ، وَالْجَرِيبُ: عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي عَشْرِ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَعَنْهُ: يَرْجِعُ إِلَى مَا ضَرَبَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ) لِأَنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ، كَيْفَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ شُهْرَتِهِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَعَنْهُ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ) فِي الْخَرَاجِ (دُونَ النَّقْصِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ لَوْ زِدْتُ عَلَيْهِمْ لَأَجْهَدْتُهُمْ، فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ الزِّيَادَةِ مَا لَمْ يُجْهِدْهُمْ، وَلِأَنَّهُ نَاظِرٌ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً، فَجَازَ فِيهِ دُونَ النُّقْصَانِ، وَعَنْهُ: جَوَازُهَا فِي الْخَرَاجِ دُونَ الْجِزْيَةِ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي، وَقَالَ: نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْإِذْلَالُ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْعُقُوبَةُ، فَلَمْ تَتَغَيَّرْ كَالْحُدُودِ، وَعَنْهُ: جَوَازُهَا فِيهِمَا إِلَّا جِزْيَةَ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَا يَخْرُجُ عَنِ الدِّينَارِ فِيهَا.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَرَّرَهَا عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ.
(قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ) الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ (أَصَحُّ وَأَعْلَى حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ يَعْنِي أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا) أَيْ: عَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الرُّطْبَةِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، هَذَا هُوَ الَّذِي وَظَّفَهُ عُمَرُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ لِمِسَاحَةِ أَرْضِ السَّوَادِ، فَضَرَبَ عَلَى جَرِيبِ الزَّيْتُونِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الرُّطْبَةِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْحِنْطَةِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ، وَالرِّوَايَاتُ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ، فَالْأَخْذُ بِالْأَعْلَى وَالْأَصَحِّ أَوْلَى.
(وَقَدْرُ الْقَفِيزِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْمَكِّيِّ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الرِّطْلَ الْعِرَاقِيَّ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ رِطْلَانِ (فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ)

قَصَبَاتٍ، وَالْقَصَبَةُ: سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ وَقَبْضَةٌ وَإِبْهَامٌ قَائِمِه.
وَمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ زَرَعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُ خَرَاجِهِ فِي كُلِّ عَامٍ.

وَالْخَرَاجُ عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ كَالدَّيْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ قِيلَ: قَدْرُهُ ثَلَاثُونَ رِطْلًا، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّ الْقَفِيزَ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالِ صَاعِ عُمَرَ؛ فَغَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْعِرَاقِيِّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَفِيزُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعِرَاقِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَفِيزِ الْحَجَّاجِيِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " (وَالْجَرِيبِ عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ) أَيْ: مِائَةُ قَصَبَةٍ مُكَسَّرَةٍ، وَمَعْنَى الْكَسْرِ: ضَرْبُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ فِي الْآخَرِ، فَيَصِيرُ أَحَدُهُمَا كَسْرًا لِلْآخَرِ.
وَالْقَصَبَةُ: هِيَ الْمِقْدَارُ الْمَعْلُومُ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ الْمَزَارِعُ، كَالذِّرَاعِ لِلْبَزِّ، وَاخْتِيرَ الْقَصَبُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطُولُ وَلَا يَقْصُرُ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنَ الْخَشَبِ.
(وَالْقَصَبَةُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ) بِالذِّرَاعِ الْعُمَرِيَّةِ أَيْ: بِذِرَاعِ عُمَرَ، وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ، وَالْمَعْرُوفُ بِالذِّرَاعِ الْهَاشِمِيَّةِ، سَمَّاهُ الْمَنْصُورُ بِهِ (وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ) أَيْ: بِيَدِ الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الطُّولِ.
(وَقَبْضَةٌ وَإِبْهَامٌ قَائِمه) وَهُوَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ.
(وَمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ) أَيْ: مَاءُ السَّقْيِ (مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا أَجْرَ لَهُ، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مَا أَمْكَنَ زَرْعُهُ بِمَاءِ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَطَرَ يُرَبِّي زَرْعَهَا فِي الْعَادَةِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَذَا إِذَا أَمْكَنَ سَقْيُهَا بِالدَّوَالِيبِ، وَإِنْ أَمْكَنَ إِحْيَاؤُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ - وَقِيلَ: أَوْ زَرَعَ مَا لَا مَاءَ لَهُ؛ فَرِوَايَتَانِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " رِوَايَتَانِ فِيمَا لَا يُنْتَفُعُ بِهِ مُطْلَقًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَا يُسْقَى وَإِنْ لَمْ يُزْرَعْ.
(فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ وَجَبَ نِصْفُ خَرَاجِهِ فِي كُلِّ عَامٍ) لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ عَلَى النِّصْفِ فَكَذَا الْخَرَاجُ فِي مُقَابَلَةِ النَّفْعِ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ ": مَا زُرِعَ عَامًا، وَأُرِيحَ آخَرَ عَادَةً، وَفِي " التَّرْغِيبِ " " كَالْمُحَرَّرِ " وَفِيهِ: يُؤْخَذُ خَرَاجُ مَا لَمْ يُزْرَعْ عَنْ

يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ، وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ.
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِهِ، أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أَوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْشُوَ الْعَامِلَ وَيُهْدِيَ لَهُ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فِي خَرَاجِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَدَعَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا.

وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي

إِسْقَاطِ الْخَرَاجِ

عَنْ إِنْسَانٍ، جَازَ.

[المبدع في شرح المقنع]

أَقَلِّ مَا يُزْرَعُ، وَإِنَّ الْبَيَاضَ بَيْنَ النَّخْلِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا خَرَاجُهَا، فَإِنْ ظُلِمَ فِي خَرَاجِهِ، لَمْ يَحْتَسِبْهُ مِنَ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ ظُلِمَ، وَعَنْهُ: بَلَى؛ لِأَنَّ الْآخِذَ لَهُمَا وَاحِدٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
فَرْعٌ: إِذَا يَبِسَ الْكَرْمُ بِجَرَادٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَقَطَ مِنَ الْخَرَاجِ حَسْبَمَا تَعَطَّلَ مِنَ النَّفْعِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنِ النَّفْعُ بِهِ بِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ تَجُزِ الْمُطَالَبَةُ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

[الْخَرَاجُ عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ]

(وَالْخَرَاجُ) يَجِبُ (عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّهُ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَهِيَ لِلْمَالِكِ، كَفِطْرَةِ الْعَبْدِ، وَعَنْهُ: عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَالْعُشْرِ (وَهُوَ كَالدَّيْنِ) قَالَ أَحْمَدُ: يُؤَدِّيهِ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ (يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ أَشْبَهَ أُجْرَةَ السَّاكِنِ (وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ) لِلنَّصِّ.
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِهِ أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا أَوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا) فَيَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يُعَمِّرُهَا وَيَقُومُ بِخَرَاجِهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَصِّلٌ لِلْغَرَضِ، فَلَا مَعْنًى لِلتَّعْيِينِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالْخَرَاجِ، كَالْمُسْتَأْجِرِ، وَتُنْقَلُ إِلَى وَارِثِهِ كَذَلِكَ، فَلَوِ آثَرَ بِهَا أَحَدًا، صَارَ الْبَانِي أَحَقَّ بِهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَى الْمَسَاكِنِ.
وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمَزَارِعِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَحْمَدُ يَمْسَحُ دَارَهُ وَيُخْرِجُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ أَرْضَ بَغْدَادَ حِينَ فُتِحَتْ كَانَتْ مَزَارِعَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ بِأَرْضِ الْخَرَاجِ يَوْمَ وَقْفِهَا شَجَرٌ فَثَمَرُهُ الْمُسْتَقْبَلُ لِمَنْ يَقِرُّ فِي يَدِهِ، وَفِيهِ عُشْرُ الزَّكَاةِ كَالْمُتَجَدِّدِ فِيهَا، وَقِيلَ: هُوَ لِلْمَسَاكِينِ بِلَا عُشْرٍ.
جَزَمَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ " وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ لَا يَتْبَعُ الْأَرْضَ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَا هُنَا، فَيَبْقَى مِلْكَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا عُشْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
(يَجُوزُ لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْأَرْضِ (أَنْ يَرْشُوَ الْعَامِلَ وَيُهْدِيَ لَهُ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فِي خَرَاجِهِ) لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إِلَى كَفِّ الْيَدِ الْعَادِيَةِ عَنْهُ: فَالرِّشْوَةُ مَا أَعْطَاهُ بَعْدَ طَلَبِهِ، وَالْهَدِيَّةُ ابْتِدَاءٌ.
قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِيَدَعَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا) لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ

بَابُ الْفَيْءِ وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ، وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا، وَخُمُسِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ لَا وَارِثَ لَهُ، فَيُصْرَفُ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَقِّ فَحَرُمَ عَلَى الْآخِذِ وَالْمُعْطِي، كَرِشْوَةِ الْحَاكِمِ.

[إِسْقَاطُ الْخَرَاجِ]

(وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي إِسْقَاطِ الْخَرَاجِ عَنْ إِنْسَانٍ، جَازَ) لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْمَصْلَحَةِ أَشْبَهَ الْمَنَّ عَلَى الْعَدُوِّ.
وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِلْإِمَامِ وَضْعُهُ عَمَّنْ لَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَدَعُ خَرَاجًا، وَلَوْ تَرَكَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ هَذَا، فَأَمَّا مَنْ دُونَهُ، فَلَا.
فَرْعٌ: مَصْرِفُ الْخَرَاجِ كَفَيْءٍ، وَمَا تَرَكَهُ مِنَ الْعُشْرِ، أَوْ تَرَكَهُ الْخَارِصُ تُصُدِّقَ بِقَدْرِهِ.

[بَابُ الْفَيْءِ]

ِ. أَصْلُهُ مِنَ الرُّجُوعِ يُقَالُ: فَاءَ الظِّلُّ: إِذَا رَجَعَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَسُمِّيَ الْمَالُ الْحَاصِلُ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] الْآيَتَيْنِ.
(وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ) يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْغَنِيمَةِ (كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ، وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا) مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
(وَخُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ لَا وَارِثَ لَهُ) مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْمُرْتَدُّ إِذَا هَلَكَ (فَيُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ) أَيْ: مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ لِلْآيَتَيْنِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَرَأَ عُمَرُ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: 8] الْآيَةَ قَالَ: هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ أَيْضًا: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ إِلَّا الْعَبِيدَ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ الْفَيْءَ فَقَالَ: فِيهِ حَقٌّ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَلِأَنَّ الْمَصَالِحَ نَفْعُهَا عَامٌّ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى فِعْلِهَا تَحْصِيلًا لَهَا، وَاخْتَارَ أَبُو حَكِيمٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا حَقَّ فِيهِ لِرَافِضَةٍ.
وَذَكَرَهُ فِي " الْهَدْيِ " عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ لِحُصُولِ النُّصْرَةِ؛ فَلَمَّا مَاتَ صَارَتْ

الْمَصَالِحِ، وَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ مِنْ سَدِّ الْبُثُوقِ، وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ، وَعَمَلِ الْقَنَاطِرِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُخَمَّسُ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُخَمَّسُ فَيُصْرَفُ خُمُسُهُ إِلَى أَهْلِ الْخُمُسِ، وَبَاقِيهِ لِلْمَصَالِحِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَبْدَأُ

[المبدع في شرح المقنع]

بِالْجُنْدِ، وَمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
(وَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ) مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الدَّارِ الَّتِي بِهَا حِفْظُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمْنُهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ.
(مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ) بِأَهْلِ الْقُوَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ (وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا) أَيِ: الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمْ (وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ) مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الثُّغُورِ.
(مَنْ يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَدَفْعُ الْكُفَّارِ هُوَ الْمَقْصُودُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ (ثُمَّ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ مِنْ سَدِّ الْبُثُوقِ) جَمْعُ بَثْقٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُنْفَتِحُ فِي جَانِبَيِ النَّهْرِ.
(وَكَرْيُ الْأَنْهَارِ) أَيْ: تَعْزِيلُهَا.
(وَعَمَلُ الْقَنَاطِرَ) . وَهِيَ الْجُسُورُ (وَأَرْزَاقُ الْقُضَاةِ) الْعُلَمَاءِ (وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَالْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَنَحْوِهِمْ، مِمَّا لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَفْعٌ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَشْبَهَ الْأَوَّلَ (وَلَا يُخَمَّسُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَضَافَهُ إِلَى أَهْلِ الْخُمُسِ، كَمَا أَضَافَ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ، فَإِيجَابُ الْخُمُسِ فِيهِ لِأَهْلِهِ دُونَ بَاقِيهِ مَنْعٌ لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَوْ أُرِيدَ الْخُمُسُ مِنْهُ لَذَكَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - كَمَا ذَكَرَهُ فِي خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ظَهَرَ إِرَادَةُ الِاسْتِيعَابِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ يُخَمَّسُ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ الْجَوْزِيُّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: 7] الْآيَةَ لِأَنَّهَا اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ، وَالْآيَةُ السَّابِقَةُ، وَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّنَاقُضِ، وَالتَّعَارُضِ، وَفِي إِيجَابِ الْخُمُسِ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، فَإِنَّ خُمُسَهُ لِمَنْ ذُكِرَ، وَسَائِرَهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ تَخْمِيسُهُ كَالْغَنِيمَةِ (فَيُصْرَفُ خُمُسُهُ إِلَى أَهْلِ الْخُمُسِ وَبَاقِيهِ لِلْمَصَالِحِ) لِمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي: لَمْ أَجِدْ لِمَا قَالَ الْخِرَقِيُّ نَصًّا فَأَحْكِيَهِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَخْمُوسٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ؛ لِأَنَّ

بِالْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ سَهْمًا، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، ثُمَّ خُمُسُ الْخُمُسِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا فِي الْمَصَالِحِ، وَبَقِيَّةُ خُمُسِ الْخُمُسِ لِأَهْلِ الْخُمُسِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " مُسْنَدِ عُمَرَ " كَانَ مَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
(وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِمْ، فَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ لِذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغَنِيِّ كَالْفَقِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ اسْتَحَقُّوهُ بِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ فَاسْتَوَوْا فِيهِ كَالْمِيرَاثِ.
وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْمُحْتَاجُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَصَحُّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - لِلْفُقَرَاءِ، وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي حَقِّهِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حِفْظِ نَفْسِهِ مِنَ الْعَدُوِّ بِالْعُدَّةِ، وَلَا بِالْهَرَبِ لِفَقْرِهِ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَبِيدُ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فَلَا حَظَّ لَهُمْ فِيهِ كَالْبَهَائِمِ، وَأَعْطَى الصِّدِّيقُ الْعَبِيدَ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ.
فَرْعٌ: لَيْسَ لِوُلَاةِ الْفَيْءِ أَنْ يَسْتَأْثِرُوا مِنْهُ فَوْقَ الْحَاجَةِ كَالْإِقْطَاعِ يَصْرِفُونَهُ فِيمَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى مَنْ يَهْوَوْنَهُ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَبْدَأَ بِالْمُهَاجِرِينَ) جَمْعُ مُهَاجِرٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ هَاجَرَ بِمَعْنَى: هَجَرَ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أُخْرَى، وَتُطْلَقُ الْهِجْرَةُ، بِأَنْ يَتْرُكَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَيَنْقَطِعَ بِنَفْسِهِ إِلَى مُهَاجِرِهِ، وَلَا يَرْجِعَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
وَهِجْرَةُ الْأَعْرَابِ: وَهُوَ أَنْ يَدَعَ الْبَادِيَةَ، وَيَغْزُوَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْأَجْرِ، وَالْمُرَادُ هُنَا: أَوْلَادُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا أَوْطَانَهُمْ، وَخَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ جَمَاعَةٌ مَخْصُوصُونَ (ثُمَّ الْأَنْصَارُ) وَهُمُ الْحَيَّانِ: الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ.
وَقُدِّمُوا عَلَى غَيْرِهِمْ، لِسَابِقَتِهِمْ وَآثَارِهِمُ الْجَمِيلَةِ.
(ثُمَّ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ) لِيَحْصُلَ التَّعْمِيمُ بِالدَّفْعِ، وَصَرَّحَ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ الْعَرَبَ تُقَدَّمَ عَلَى الْعَجَمِ وَالْمَوَالِي.
(وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ) بِالسَّابِقَةِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يُسَوِّي بَيْنَهُمْ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ (وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ

وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دَفَعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقَّهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، دَفَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ كِفَايَتَهُمْ، فَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُهُمْ، فَاخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا فِي الْمُقَاتِلَةِ، فَرَضَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا، تُرِكُوا.

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْهُمَا - لِأَنَّ الْغَنَائِمَ تُقَسَّمُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ بِالسَّوِيَّةِ، فَكَذَا الْفَيْءُ.
لَكِنْ أَبُو بَكْرٍ أَعْطَى الْعَبِيدَ، وَمَنَعَهُمْ عَلِيٌّ.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ، وَهِيَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ عُمَرُ: لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَنْ قُوتِلَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَسَّمَ النَّفْلَ بَيْنَ أَهْلِهِ مُتَفَاضِلًا عَلَى قَدْرِ غَنَائِهِمْ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ فَرَضَ عُمَرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَمِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَالْعَطَاءُ الْوَاجِبُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِبَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ بَصِيرٍ صَحِيحٍ، يُطِيقُ الْقِتَالَ، فَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ غَيْرُ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا " فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دَفَعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقَّهُ) لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَانْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ الْمَوْرُوثَاتِ.
(وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، دَفَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ كِفَايَتَهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْيِيبِ قُلُوبِ الْمُجَاهِدِينَ، لِأَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ عِيَالَهُمْ يُكْفَوْنَ الْمَئُونَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، تَوَفَّرُوا عَلَى الْجِهَادِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
فَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْبَنَاتِ، سَقَطَ فَرْضُهَا؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ عِيَالِ الْمَيِّتِ (فَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُهُمْ) وَكَانُوا أَهْلًا لِلْقِتَالِ (فَاخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا فِي الْمُقَاتِلَةِ فَرَضَ لَهُمْ) لِأَنَّهُمْ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَفَرَضَ لَهُمْ كَآبَائِهِمْ.
وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ (وَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا تُرِكُوا) لِأَنَّ الْبَالِغَ لَا يُجْبَرُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ إِلَّا لِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دُخُولَهُمْ فِي دِيوَانِ الْمُقَاتِلَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
تَنْبِيهٌ: بَيْتُ الْمَالِ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَضْمَنُهُ مُتْلِفُهُ، وَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِ

بَابُ الْأَمَانِ يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْإِمَامِ، ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَ " الِانْتِصَارِ "، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُهُ أَنَّ الْمَالِكَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " كَالْأَوَّلِ، وَلِلْإِمَامِ تَعْيِينُ مَصَارِفِهِ، وَتَرْتِيبُهَا فَافْتَقَرَ إِلَى إِذْنِهِ.

[بَابُ الْأَمَانِ]

الْأَمَانُ ضِدُّ الْخَوْفِ، وَهُوَ مَصْدَرُ: أَمِنَ أَمْنًا، وَأَمَانًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَإِذَا أُعْطُوا الْأَمَانَ حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ مَالِهِمْ وَالتَّعَرُّضُ إِلَيْهِمْ.
(يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ) أَيِ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْحَرْبِيِّ، وَلَا مِنْ طِفْلٍ، وَمَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ إِغْمَاءٍ هُوَ كَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَجَارَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَأَجَارَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (حُرًّا) اتِّفَاقًا (أَوْ عَبْدًا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ عُمَرَ: الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ أَمَانُهُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ أَمَانُهُ بِالْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَدْنَى مِنْهُ، فَيَصِحُّ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْحُرِّ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ لَا (أَوْ أَسِيرًا) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَلِلْعُمُومِ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ

أَسِيرًا.
وَفِي أَمَانِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ، وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ، وَأَمَانُ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ لِلْوَاحِدِ وَالْعَشْرَةِ، وَالْقَافِلَةِ.
وَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَوْ: أَجَرْتُكَ، أَوْ: قِفْ، أَوْ: أَلْقِ سِلَاحَكَ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْحُرَّ الْمُطْلَقَ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَمَانِ، لَمْ يَصِحَّ، فَلَا حَاجَةَ لِاخْتِصَاصِ الْأَسِيرِ بِهِ.
(وَفِي أَمَانِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ) ؛ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، كَالْمَجْنُونِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْبَالِغِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مُنَجَّزًا، وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا.
وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَفِي جَوَازِ إِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا هَذِهِ الْمُدَّةَ بِلَا جِزْيَةٍ، وَجْهَانِ.
وَشَرَطَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لِصِحَّتِهِ مَعْرِفَةَ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ الْإِجْمَاعَ فِي الْمَرْأَةِ بِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ (وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ) لِأَنَّ وَلَايَتَهُ عَامَّةٌ (وَأَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ) أَيْ: بِحِذَائِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ الْوَلَايَةَ عَلَيْهِمْ فَقَطْ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ (وَأَمَانُ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ) قَالَ: الْجَوْهَرِيُّ الرَّعِيَّةُ: الْعَامَّةُ.
(لِلْوَاحِدِ وَالْعَشْرَةِ وَالْقَافِلَةِ) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُهُمْ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ فَقِيلَ: لِقَافِلَةٍ صَغِيرَةٍ، وَحِصْنٍ صَغِيرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ كَبِيرَةٍ، وَلَا رُسْتَاقَ وَجَمْعٍ كَبِيرٍ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِئَاتِ عَلَى الْإِمَامِ، وَأُطْلِقَ فِي " الرَّوْضَةِ " كَحِصْنٍ أَوْ بَلَدٍ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُجَارَ عَلَى الْأَمِيرِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَقِيلَ: لِمِائَةٍ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ أَمَانُ غَيْرِ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، فَيَعْصِمُهُ مِنَ الْقَتْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقِصَّةِ زَيْنَبَ فِي أَمَانِهَا لِزَوْجِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجرد ": لَا يَصِحُّ إِلَّا مِنَ الْإِمَامَ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْأَسِيرِ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ الِافْتِئَاتُ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ) فَقَدْ أَمَّنَهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «مَنْ

مَتَرْسٌ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِمُشْرِكٍ فَادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَنْهُ:

[المبدع في شرح المقنع]

دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» كَقَوْلِهِ: لَا خَوْفَ عَلَيْكَ وَلَا تَذْهَلْ.
وَكَمَا لَوْ أَمَّنَ يَدَهُ أَوْ بَعْضَهُ.
(أَوْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ) لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، قَالَتْ لَهُ الصَّحَابَةُ: قَدْ أَمَّنْتَهُ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
(أَوْ: أَجَرْتُكَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (أَوْ: قِفْ) كَقُمْ (أَوْ أَلْقِ سِلَاحَكَ) لِأَنَّ الْكَافِرَ يَعْتَقِدُهُ أَمَانًا أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ.
(أَوْ مَتَرْسٌ) وَمَعْنَاهُ: لَا تَخَفْ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالتَّاءِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، وَيَجُوزُ سُكُونُ التَّاءِ، وَفَتْحُ الرَّاءِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ.
(فَقَدْ أَمَّنَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ لِسَانٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَعْجَمِيًّا فَقَالَ: (مَتَرْسٌ) فَقَدْ أَمَّنَهُ.
وَالْإِشَارَةُ كَالْقَوْلِ قَالَ عُمَرُ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى مُشْرِكٍ فَنَزَلَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، لَقَتَلْتُهُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْأَمَانِ، فَظَنَّهُ أَمَانًا، فَهُوَ أَمَانٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَرَى الْعِلْجُ أَنَّهُ أَمَانٌ، فَهُوَ أَمَانٌ، وَقَالَ: إِذَا اشْتَرَاهُ لِيَقْتُلَهُ فَلَا يَقْتُلْهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَاهُ فَقَدْ أَمَّنَهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْأَمَانُ بِالْإِشَارَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ؟ . قُلْتُ: تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِمْ عَدَمُ فَهْمِ كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ كَالْعَكْسِ.
وَشَرْطُ انْعِقَادِ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَرُدَّهُ الْكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ إِيجَابُ حَقٍّ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الرَّدِّ كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ قَتَلَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ، انْتَقَضَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَسَقَطَ بِإِسْقَاطِهِ كَالرِّقِّ.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلٍ: إِنِّي أَمَّنْتُهُ فِي الْأَصَحِّ كَإِخْبَارِهِمَا أَنَّهُمَا أَمَّنَاهُ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِهَا، وَإِذَا أَمَّنَهُ سَرَى إِلَى مَا مَعَهُ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَمَّنْتُكَ نَفْسَكَ فَقَطْ.
(وَمَنْ جَاءَ بِمُشْرِكٍ: فَادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ الْمُنْكِرِ الْمُسْلِمِ.
هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِبَاحَةُ دَمِ الْحَرْبِيِّ، وَعَدَمُ الْأَمَانِ (وَعَنْهُ: قَوْلُ الْأَسِيرِ) ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُ مُحْتَمَلٌ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ شُبْهَةً فِي حَقْنِ دَمِهِ

جارٍ التحميل