وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ، وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ، إِذَا طَلَبَهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَلَمْ يشْتَرِطْ دَارَهَا، وَإِنْ سَأَلَتِ الْإِنْظَارَ، وَأُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إِلَّا
[المبدع في شرح المقنع]
قِيلَ: هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُبَّمَا رُزِقَ مِنْهَا وَلَدٌ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ ماتَتْ وَزَوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا آكَدُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ.
(وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ) ؛ لِأَنَّ بِالْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ تَسْلِيمَ الْمُعَوَّضِ، كَمَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ الْعِوَضِ، وَكَالْإِجَارَةِ (فِي بَيْتِ الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَمَلَكَ تَعْيِينَ مَوْضِعِهِ، وَلَهُ شُرُوطٌ (إِذَا طَلَبَهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَا يَجِبُ بِدُونِ الطَّلَبِ (وَكَانَتْ حُرَّةً) ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهَا مُطْلَقًا، بَلْ لَيْلًا؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَكُونُ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِهَا (يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ إِنَّمَا وَجَّبَ ضَرُورَةَ اسْتِيفَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ نِضْوَةَ الْخِلْقَةِ وَهُوَ جَسِيمٌ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً مَرَضًا مُزْمِنًا، وَيَقْبَلُ قَوْلَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ فِي ضِيقِ فَرْجِهَا، وَعِبَالَةِ ذَكَرِهِ وَنَحْوِهِ، وَتَنْظُرُهُمَا وَقْتَ اجْتِمَاعِهِمَا لِلْحَاجَةِ، وَلَوْ أَنْكَرَ أَنَّ وَطْأَهُ يُؤْذِيهَا لَزِمَهَا الْبَيِّنَةُ، وَنُصَّ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بِنْتَ تِسْعٍ، قَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ هَذَا عِنْدِي عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَلَا يَلْزَمُ ابْتِدَاءُ تَسْلِيمِ مُحَرَّمَةٍ، وَمَرِيضَةٍ، وَصَغِيرَةٍ، وَحَائِضٍ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَطَأُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ (وَلَمْ يشْتَرِطْ دَارَهَا) فَإِنْ شَرَطَتْهُ لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي دَارِهَا (وَإِنْ سَأَلَتِ الْإِنْظَارَ أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا) ؛ لِأَنَّ
بِاللَّيْلِ.
وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا، وَلَهُ السَّفَرُ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ يَسِيرٌ جَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ» فَمَنَعَ مِنَ الطُّرُوقِ، وَأَمَرَ بِإِمْهَالِهَا لِتُصْلِحَ أَمْرَهَا مَعَ تَقَدُّمِ صُحْبَتِهَا لَهُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الْكَافِي " و" الشَّرْحِ " بِالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ لَا لِعَمَلِ جِهَازِهَا، وَكَذَا لَوْ سَأَلَ هُوَ الْإِنْظَارَ، وَفِي " الْغُنْيَةِ ": إِنِ اسْتَمْهَلَتْ هِيَ أَوْ أَهْلُهَا اسْتُحِبَّ لَهُ إِجَابَتُهُمْ مَا يُعْلَمُ بِهِ التَّهَيُّؤُ مِنْ شِرَاءِ جِهَازٍ، وَتَزَيُّنٍ، وَوَلِيُّ مَنْ بِهِ صِغَرٌ أَوْ جُنُونٌ مِثْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ) مَعَ الْإِطْلَاقِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةُ عَقْدٍ عَلَى إِحْدَى مَنْفَعَتِهَا، فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَمَا لَوْ آجَرَهَا لِخِدْمَةِ النَّهَارِ، فَلَوْ شَرَطَهُ نَهَارًا أَوْ بَذَلَهُ سَيِّدٌ وَجَبَ حَتَّى وَلَوْ شَرَطَهَا كَوْنَهَا عِنْدَ السَّيِّدِ، فَإِنْ بَذَلَهُ وَقَدْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ فَوَجْهَانِ.
[لِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ]
(وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] ؛ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَاتَتْ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعْنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ الِاسْتِمْتَاعُ، فَإِذَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ، وَلَمْ يَضُرَّ بِهَا، وَجَبَ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ: لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِي قُبُلٍ وَلَوْ مِنْ جِهَةِ الْعَجُزِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَرِهَ الْعُلَمَاءُ الْوَطْءَ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى تَنُّورٍ أَوْ ظَهْرِ قَتَبٍ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَلَا تتَطَوَّعَ بِصَلَاةٍ وَصَوْمٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَأَنَّهَا تُطِيعُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ الطَّاعَةِ (وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا) حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُسَافِرُ بِنِسَائِهِ؛ وَلِأَنَّهُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ وَهُوَ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ بِلَا إِذْنٍ، بِشَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ (إِلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» أَوْ تَكُونَ أَمَةً، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ السَّفَرَ بِهَا فَقَدْ
بِهَا إِلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا.
وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ، وَلَا الدُّبُرِ.
وَلَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَلَا عَنِ الْأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ الْحَيْضِ،
[المبدع في شرح المقنع]
تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي مِلْكِ السَّيِّدِ لَهُ بِلَا إِذْنِ زَوْجٍ صَحِبَهُ أَمْ لَا، وَجْهَانِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا لَوْ بَوَّأَهَا مَسْكَنًا لِيَأْتِيَهَا الزَّوْجُ فِيهِ هَلْ يَلْزَمُهُ؟ قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ".
فَرْعٌ: لَهُ السَّفَرُ بِعَبْدِهِ الْمُزَوَّجِ بِدُونِ إِذْنِ زَوْجَتِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَاسْتِخْدَامُهُ نَهَارًا، وَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ وَالْمَهْرُ مِنْ كَسْبِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ سَيِّدٌ: بِعْتُكَهَا، قَالَ: زَوَّجْتَنِيهَا - وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لِلزَّوْجِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لَهَا، وَيَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ مَهْرِهَا، وَيَحْلِفُ لِثَمَنٍ زَائِدٍ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا مَهْرَ وَلَا ثَمَنَ وَلَا يَمِينَ عِنْدَهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهَا فِي نِكَاحٍ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ كَذَلِكَ إِلَّا فِي الْيَمِينِ، قَالَ: وَلَا تُرَدُّ الْأَمَةُ إِلَيْهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: إِنْ قُلْنَا لَا يَحِلُّ لَهُ، فَهَلْ هِيَ عَلَى مَالِكِهَا السَّابِقِ أَمْ فِي كَسْبِهَا؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
[وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي الْحَيْضِ وَالدُّبُرِ]
(وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ الْآيَةُ (وَلَا الدُّبُرِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] أَيْ: كَيْفَ شِئْتُمْ إِلَّا الدُّبُرَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، أَيْ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا إِلَّا فِي الْمَأْتَى، فَإِنْ تَطَاوَعَا عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَيُعَزَّرُ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهِ بِخِلَافِ وَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا اسْتِدْخَالُ ذَكَرِهِ وَهُوَ نَائِمٌ بِلَا إِذْنِهِ، بَلِ الْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ".
[لَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا]
(وَلَا يَعْزِلُ) أَيْ: يَنْزِعُ قُرْبَ الْإِنْزَالِ فَيَنْزِلُ خَارِجَ الْفَرْجِ (عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ:
وَالْجَنَابَةِ، وَالنَّجَاسَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَخْذِ الشَّعْرِ الَّذِي تَعَافُهُ النَّفْسُ إِلَّا الذِّمِّيَّةَ، فَلَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
«نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْطَعُ اللَّذَّةَ عَنِ الْمَوْطُوءَةِ، وَلَهَا حَقٌّ فِي الْوَلَدِ عَلَيْهَا ضَرَرٌ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا، إِلَّا بِدَارِ حَرْبٍ، فَيُسَنُّ عَزْلُهُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ (وَلَا عَنِ الْأَمَةِ) الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا (إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَاشْتُرِطَ إِذْنُهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ حُرِّيَّتُهُ، وَقِيلَ: وَإِذْنُهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ فِي الْفَيْئةِ وَالْفَسْخِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْعُنَّةِ، وَتَرْكُ الْعَزْلِ مِنْ تَمَامِهِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا كَالْحُرَّةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ الْعَزْلُ مُطْلَقًا، روي عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، اسْتِدْلَالًا بِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْحُرَّةِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ دُونَ الْإِنْزَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْفَيْئَةِ وَالْعُنَّةِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَمَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ وَلَا فِي الْوَلَدِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَسْمِ وَالْفَيْئَةِ، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَنْعَ مِنَ الْعَزْلِ أَوْلَى، وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ وَجْهَانِ (وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَمْ ذِمِّيَّةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهُ، فَمَلَكَ إِجْبَارَهَا عَلَى إِزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ، فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى شِرَاءِ مَاءٍ، فَثَمَنُهُ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ (وَالْجَنَابَةُ) أَيْ: لَهُ إِجْبَارُ الْمُسْلِمَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَفِي " الْوَاضِحِ ": ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: لَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَتَانِ (وَالنَّجَاسَةُ) فَإِنْ كَانَتْ فِي فِيهَا فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِفِيهَا، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمَةً تَعْتَقِدُ إِبَاحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ (وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ) كَالسُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا لَا مَا دُوَنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ كَنِيسَةٍ وَبَيْعَةٍ، وَشَدِّ الزُّنَّارِ، وَلَا يَشْتَرِيهِ لَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَأَخْذُ الشَّعْرِ الَّذِي تَعَافُهُ النَّفْسُ) كَشَعْرِ الْعَانَةِ إِذَا طَالَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا الْأَظْفَارُ، فَإِنْ طَالَا قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا تَعَافُهُ النَّفْسُ فَوَجْهَانِ، وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلِ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ كَبَصَلٍ وَكُرَّاثٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ،
إِجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ، وَفِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ رِوَايَتَانِ.
فَصْلٌ وَلَهَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَالصَّحِيحُ تُمْنَعُ (إِلَّا الذِّمِّيَّةُ، فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْوَطْءِ تَقِفُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَعَلَى ذَلِكَ يَطَأُ بِدُونِهِ (وَفِي سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (الْأَشْيَاءِ رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا تُجْبَرُ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ يَقِفُ عَلَيْهِ، إِذِ النَّفْسُ تَعَافُ وَطْءَ مَنْ عَلَيْهَا غُسْلٌ أَوْ شَرِبَتْ مُسْكِرًا أَوْ لَهَا شِعْرَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُجْبَرُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَاجْتِنَابَ الْمُحَرَّمِ عِنْدَنَا غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَإِزَالَةُ الشَّعَرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِنْدَنَا إِلَّا شَعَرَ الْعَانَةِ إِذَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ، فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَيْهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، وَفِي التَّنْظِيفِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَجْهَانِ، قَالَ الْقَاضِي: لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الِاسْتِحْدَادِ إِذَا طَالَ الشَّعَرُ.
[لِلزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ]
فَصْلٌ (وَلَهَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ) إِذَا كَانَتْ حُرَّةً بِطَلَبِهَا؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ سُورٍ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا، فَاسْتَغْفَرَ لَهَا، وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ، وَقَامَتْ رَاجِعَةً، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَّا أَعَدَّيْتَ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ، إِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ فِي الْعِبَادَةِ، فَمَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا؟! فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى زَوْجِهَا وَقَالَ لِكَعْبٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ هِيَ رَابِعَتُهُنَّ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا رَأْيُكَ الْأَوَّلُ بِأَعْجَبَ إِلَيَّ مِنَ الْآخَرِ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَفِي لَفْظٍ، قَالَ عُمَرُ: الْقَاضِي أَنْتَ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَصِينٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: مِنْ كُلِّ سَبْعٍ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَقِيَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَإِنْ سَافَرَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَطَلَبَتْ
[المبدع في شرح المقنع]
يَجِبْ لَهَا حَقٌّ لَمَلَكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصَ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ بِهِ، كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "؛ لِأَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهَا عَلَى ذَلِكَ تَحِلُّ بِالتَّنْصِيفِ، وَزِيَادَةَ الْحُرَّةِ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعٍ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَاجِبِ، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (مِنْ كُلِّ سَبْعٍ) ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ لَهُنَّ سِتٌّ، وَلَهَا السَّابِعَةُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، أَيْ: لَهَا لَيْلَةٌ مِنْ ثَمَانٍ لِتَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرَّةِ، فَإِنَّ حَقَّهَا مِنْ كُلِّ ثَمَانٍ لَيْلَتَانِ، فَلَوْ كَانَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ سَبْعٍ لَزَادَ عَلَى النِّصْفِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ، وَلَهَا لَيْلَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَلَاثُ حَرَائِرَ وَأَمَةٌ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَزِيدَ لَهُنَّ عَلَى الْوَاجِبِ فَقَسَّمَ بَيْنَهُنَّ سَبْعًا، فَمَا يَصْنَعُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّامِنَةِ إِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَبِيتَهَا عِنْدَ الْحُرَّةِ، فَقَدْ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ، وَإِنْ بَاتَهَا عِنْدَ الْأَمَةِ جَعَلَهَا كَالْحُرَّةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ تَكُونُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ الثَّامِنَةُ لَهُ، إِنْ أَحَبَّ انْفَرَدَ بِهَا فِيهَا، وَإِنْ أَحَبَّ بَاتَ عِنْدَ الْأُولَى سِتًّا إِبْقَاءً لِلْقَسْمِ (وَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَقِيَ) فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، قَسَّمَ لَهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ فَلَهُنَّ خَمْسٌ وَلَهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ، فَلَهُنَّ سِتٌّ وَلَهُ لَيْلَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سَبْعٌ، وَعَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: لَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سِتٌّ، وَلَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَبِيتَ وَحْدَهُ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ، وَقَالَهُ فِي سَفَرِهِ وَحْدَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي، «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ لُعِنَ رَاكِبُ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ وَالْبَائِتُ وَحْدَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ طَيِّبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قِيلَ: لَا يَكَادُ يُعْرَفُ، وَلَهُ مَنَاكِيرُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانٍ فِي الثِّقَاتِ.
(و) يَجِبُ (عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛
قُدُومَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ أَبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةَ لِذَلِكَ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَكُنْ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَصِرْ بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِهِ وَاجِبًا كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ وَرَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُفْضٍ إِلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ، كَإِفْضَائِهِ إِلَى رَفْعِهِ عَنِ الرَّجُلِ، وَيَكُونُ الْوَطْءُ حَقًّا لَهُمَا جَمِيعًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقٌّ لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْلِ كَالْأَمَةِ، وَشَرْطُ الْمُدَّةِ ثُلُثُ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ فِي حَقِّ الْمُؤْلِي ذَلِكَ، فَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عُذْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (وَإِنْ سَافَرَ عَنْهَا) لِعُذْرٍ وَحَاجَةٍ سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ، وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إِذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنَ الرُّجُوعِ فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إِلَى تَوْقِيتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قُدُومَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ: تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَي أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَالْحَيَا ... لَحَرَّكَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ لَهُ: فُلَانَةٌ زَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إِلَى زَوْجِهَا، فَأَقْفَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةَ، كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مِثْلُكَ يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا؛ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُكِ، فَقَالَتْ: خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَيَرْجِعُونَ فِي شَهْرٍ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ: كَمْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغِيبَ عَنْ أَهْلِهِ؟ قَالَ: يُرْوَى سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقَدْ يَغِيبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْحَجُّ وَطَلَبُ رِزْقٍ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) يَعْنِي: إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ لَا يَلْزَمُهُ الْقُدُومُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ يُعْذَرُ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (فَإِنْ أَبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنًى مُؤَّلٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا - هَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَذْهَبُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِنْ دَخَلَ بِهَا، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَنْهُ: لَا يُفَرَّقُ، وَفِي " الْمُغْنِي ": هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ؛ (لِأَنَّهُ لَوْ ضُرِبَتْ
لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ غَيْرَ وَاجِبٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْجِمَاعِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتْنَا، وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ حَالَ الْوَطْءِ، وَلَا يَنْزِعُ إِذَا فَرَغَ حَتَّى تَفْرُغَ،
[المبدع في شرح المقنع]
لَهُ الْمُدَّةَ لِذَلِكَ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ) وَقِيلَ: إِنْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ رَاسَلَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْدَمَ فَسَخَ نِكَاحَهُ، وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ غَيْرَ وَاجِبٍ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَالْأَوْلَى خِلَافُهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " ذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ بِمَا يَزُولُ مَعَهُ ضَرَرُ الْوَحْشَةِ، وَيَحْصُلُ مَعَهُ الْأُنْسُ الْمَقْصُودُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَلَا تَوْقِيتَ، فَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ، وَفِي " الْمُغْنِي " فِي امْرَأَةِ مَنْ عُلِمَ خَبَرُهُ كَأَسِيرٍ وَمَحْبُوسٍ - لَهَا الْفَسْخُ بِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِهِ إِجْمَاعًا، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْوَطْءُ لِعَجْزٍ كَالنَّفَقَةِ، وَأَوْلَى لِلْفَسْخِ يَتَعَذَّرُ فِي الْإِيلَاءِ، وَقَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ.
[مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ]
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْجِمَاعِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتْنَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 223] قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ؛ وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتْنَا، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ تَخَلِّيهِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَأَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهَا، قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ عَطَاءً كَرِهَ ذَلِكَ (وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ حَالَ الْوَطْءِ) ؛ لِمَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَاءُ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَبِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْكَلَامُ حَالَةَ الْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ فِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى مِنْهُ (وَلَا يَنْزِعُ إِذَا فَرَغَ قبلها حَتَّى تَفْرُغَ) ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا، ثُمَّ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلَا يُعْجِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» . رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبُرِيُّ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ
وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ وَطْءِ نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عِنْدَ مُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَلَا يُجَامِعُ
[المبدع في شرح المقنع]
ضَرَرًا عَلَيْهَا وَمَنْعًا لَهَا مِنْ قَضَاءِ شَهْوَتِهَا، وَكَمَا يُكْرَهُ مُتَجَرِّدَيْنِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": لَا سُتْرَةَ بَيْنَهُمَا.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُلَاعِبَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ؛ لِتَنْهَضَ شَهْوَتُهَا، فَتَنَالُ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ مِثْلَ مَا نَالَهُ، وَأَنْ تُنَاوِلَهُ خِرْقَةً بَعْدَ فَرَاغِهِ؛ لِيَتَمَسَّحَ بِهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ.
1 -
(وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ وَطْءِ نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ؛ وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ بِدَلِيلِ إِتْمَامِ الْجِمَاعِ (وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عِنْدَ مُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَا: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» فَإِنِ اغْتَسَلَ بَيْنَ الْوَطْأَيْنِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هُوَ أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ.
(وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ) صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا يُثِيرُ الْعَدَاوَةَ وَالْغَيْرَةَ، وَيَنْشُرُ الْخُصُومَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ (إِلَّا بِرِضَاهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَلَهُمَا حَقُّ الْمُسَامَحَةِ بِتَرْكِهِ كَبَيْتُوتَتِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَجَوَّزَ فِي " الْمُغْنِي " و" التَّرْغِيبِ " جَعْلَ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتِ مَسْكَنِ مِثْلِهَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَقِيلَ: يَحْرُمُ مَعَ
إِحْدَاهُمَا بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى أَوْ غَيْرُهَا، وَلَا يُحَدِّثُهُمَا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا.
وَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلِهِ فَإِنْ مَرِضَ بَعْضُ مَحَارِمِهَا أَوْ مَاتَ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا
[المبدع في شرح المقنع]
اتِّحَادِ الْمَرَافِقِ، وَأَمَّا جَمْعُ زَوْجَتِهِ وَسَرِيَّتِهِ فِيهِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَا الزَّوْجَةِ فَقَطْ؛ لِثُبُوتِ حَقِّهَا كَالْجِمَاعِ، وَالسَّرِيَّةُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ.
خر
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ نَوْمُ الرَّجُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ بِلَا جِمَاعٍ بِحَضْرَةِ مَحْرَمِهَا؛ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا يُجَامِعُ إِحْدَاهُمَا بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى أَوْ غَيْرِهَا) غَيْرَ طِفْلٍ لَا يَعْقِلُ أَوْ يَسْمَعُ حِسَّهُمَا، وَلَوْ رَضِيَتَا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً وَسُقُوطَ مُرُوءَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ وَسِيلَةً إِلَى وُقُوعِ الرَّائِيَةِ فِي الْفَاحِشَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَثُورُ شَهْوَتُهَا بِذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الَّذِي يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ وَالْأُخْرَى تَسْمَعُ، قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الرِّجْسَ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ (وَلَا يُحَدِّثُهُمَا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِثَارَةِ الْغَيْرَةِ وَبُغْضِ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَحَرَّمَهُ فِي " الْغُنْيَةِ " وَالْآدَمِيُّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ وَحُرِّمَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ " إِفْشَاءُ السِّرِّ، وَقَيَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " بِالْمُضِرِّ، وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ أَحَدُهُمَا سِرَّ صَاحِبِهِ» .
[لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلِهِ]
(وَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلِهِ) إِلَى مَا لهَا مِنْهُ بُدٌّ، سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا، أَوْ حُضُورَ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ رَجُلًا مَنَعَ زَوْجَتَهُ الْخُرُوجَ، فَمَرِضَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَكِ، فَمَاتَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُضُورِ جِنَازَتِهِ، فَقَالَ لَهَا كَالْأَوَّلِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا» رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ وَاجِبٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَلَوْ خَرَجَتْ بِلَا إِذْنِهِ حَرُمَ، وَلَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إِذَا قَامَ بِحَوَائِجِهَا وَإِلَّا لَابُدَّ لَهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ
فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
حَبَسَتْهُ بِحَقِّهَا: إِنْ خَافَ خُرُوجَهَا بِلَا إِذْنِهِ أَسْكَنَهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْفَظُهَا غَيْرُ نَفْسِهِ، حُبِسَتْ مَعَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا أَوْ خِيفَ حُدُوثُ شَرٍّ أُسْكِنَتْ فِي رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ، وَمَتَى كَانَ خُرُوجُهَا مَظِنَّةً لِلْفَاحِشَةِ صَارَ حَقًّا لِلَّهِ، يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ رِعَايَتُهُ.
(فَإِنْ مَرِضَ بَعْضُ مَحَارِمِهَا أَوْ مَاتَ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ) ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَفِي مَنْعِهَا قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَحَمْلٌ لَهَا عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَأَوْجَبَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِلْعِيَادَةِ، وَقِيلَ: أَوْ نَسِيبٍ، وَقِيلَ: لَهَا زِيَارَةُ أَبَوَيْهَا كَكَلَامِهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ مَنْعَهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهَا طَاعَةُ أَبَوَيْهَا فِي فِرَاقٍ وَزِيَارَةٍ وَنَحْوِهِ، بَلْ طَاعَةُ زَوْجِهَا أَحَقُّ.
فَرْعٌ: لَيْسَ عَلَيْهَا طَحْنٌ وَعَجْنٌ وَخَبْزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِلْجُوزَجَانِيِّ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَضَى عَلَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجَ الْبَيْتِ» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهَا الِاسْتِمْتَاعُ، فَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُهُ كَسَقْيِ دَوَابِّهِ، وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ مِثْلَهَا لِمِثْلِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي " الْوَاضِحَةِ ": «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ عَلَى فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ» ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
(وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَكَوْنُهَا تَمْلِكُ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ حَقِّهِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَمَا لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُ مِنَ الْوَطْءِ، فَلَوْ فَعَلَهُ بِإِذْنِهِ جَازَ، فَإِنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا مَنْعَهَا مِنَ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَقِيلَ: لَهُ الْفَسْخُ إِنْ جَهِلَهُ، وَلَهُ الْوَطْءُ، وَقِيلَ: لَا، إِنْ ضَرَّ بِلَبَنٍ (وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّ إِرْضَاعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَحَقُّ الزَّوْجِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي مِلْكَهُ لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي كُلِّ زَمَانٍ سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُهُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا كَانَ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي النَّفَقَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ، وَحُكْمُ وَلَدِ
أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا، إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ.
فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ، وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ، إِلَّا لِمَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرِهَا كَذَلِكَ (إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ) بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُهُ، أَوْ لَا يَقْبَلُهُ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ، وَحِفْظٌ لِنَفْسِ الْوَلَدِ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ.
[فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ]
[حُكْمُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ]
فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ الْقَسْمُ - بِفَتْحِ الْقَافِ - مَصْدَرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ النَّصِيبُ (و) وَاجِبٌ (عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وَلَيْسَ مَعَ الْمَيْلِ مَعْرُوفٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ، فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» يَعْنِي: الْقَلْبَ رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ، وَلَفَظُهُمَا لِأَبِي دَاوُدَ، وَخَرَجَ مِنْهُ الطِّفْلُ.
(وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: 96] ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: 73] ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ
مَعِيشَتُهُ بِاللَّيْلِ كَالْحَارِسِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَاءَةُ بِإِحْدَاهُنَّ، وَلَا السَّفَرُ بِهَا إِلَّا بِقُرْعَةٍ، فَإِذَا بَاتَ عِنْدَهَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْوَطْءِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ.
وَيَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً.
[المبدع في شرح المقنع]
لِلسَّكَنِ وَالنَّهَارِ لِلْمَعَاشِ (إِلَّا لِمَنْ مَعِيشَتُهُ بِاللَّيْلِ كَالْحَارِسِ) فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ النَّهَارَ، وَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي حَقِّهِ كَالنَّهَارِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ يَدْخُلُ فِي الْقَسْمِ تَبَعًا بِدَلِيلِ أَنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ وَأَنْ يَدْعُوهُنَّ إِلَى مَنْزِلِهِ وَيَسْقُطُ حَقُّ مُمْتَنِعَةٍ، وَلَهُ دُعَاءُ الْبَعْضِ، وَقِيلَ: يَدْعُو الْكُلَّ أَوْ يَأْتِي الْكُلَّ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَتِ الْمُمْتَنِعَةُ نَاشِزَةٌ، وَالْحَبْسُ كَغَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ دَعَاهُنَّ لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يَكُنْ سَكَنُ مِثْلِهِنَّ.
(وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَاءَةُ بِإِحْدَاهُنَّ وَلَا السَّفَرُ بِهَا إِلَّا بِقُرْعَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْبَدَاءَةَ بِهَا تَفْضِيلٌ لَهَا، وَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُنَّ مُتَسَاوِيَاتٍ فِي الْحَقِّ وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقُرْعَةِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُبَاحًا، بَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُرَخَّصًا، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِرِضَاهِنَّ أَوْ قُرْعَةٍ (فَإِذَا بَاتَ عِنْدَهَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) أَتَمَّ وَقَضَى، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ لَا زَمَنَ سَيْرِهِ (لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ الثَّانِيَةِ) ؛ لِتَعَيُّنِ حَقِّهَا، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ كَفَاهُ قُرْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الثَّانِيَةِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهَا (وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْوَطْءِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يَجُبِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ، وَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إِلَى إِحْدَاهُنَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129] وَكَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ دَوَابِّهِ وَكَالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَالسُّكْنَى، إِذَا قَامَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ نَصًّا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَقْسِمُ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ، وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ، وَقَالَ فِي الْجِمَاعِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَعَهُ عَمْدًا يَبْقَى لِنَفْسِهِ لِتِلْكَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
وَيَقْسَمُ لِلْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمَرِيضَةِ، وَالْمَعِيبَةِ، وَالرَّتْقَاءِ، فَإِنْ دَخَلَ فِي لَيْلَتِهَا
[المبدع في شرح المقنع]
(وَيَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ) ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ، قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ حَظُّهَا فِي الْإِيوَاءِ أَكْثَرُ، وَتُخَالِفُ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ، فَإِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْحَاجَةِ، وَقَسْمُ الِابْتِدَاءِ شُرِعَ لِيَزُولَ الِاحْتِشَامُ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا (وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً) يَعْنِي: أَنَّ الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ كَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ كَالنَّفَقَةِ وَتُفَارِقُ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ تَسْلِيمُهَا وَلَا يَحْصُلُ لَهَا الْإِيوَاءُ التَّامُّ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهَا بِالْحِسَابِ.
فَرْعٌ: عَتَقَتْ أَمَةٌ فِي نَوْبَتِهَا أَوْ نَوْبَةِ حُرَّةٍ مَسْبُوقَةٍ، فَلَهَا قَسْمُ حُرَّةٍ، وَفِي نَوْبَةِ حُرَّةٍ سَابِقَةٍ، قِيلَ: يَتِمُّ لِلْحُرَّةِ عَلَى حُكْمِ الرِّقِّ، وَقِيلَ: يَسْتَوِيَانِ بِقَطْعٍ أَوِ اسْتِدْرَاكٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" التَّرْغِيبِ ": وَإِنْ عَتَقَتْ بَعْدَ نَوْبَتِهَا اقْتَصَرَتْ عَلَى يَوْمِهَا، زَادَ فِي " التَّرْغِيبِ ": بَدَأَ بِهَا أَوْ بِالْحُرَّةِ، وَيَطُوفُ بِمَجْنُونٍ مَأْمُونٍ وَلِيُّهُ وُجُوبًا، لَا بِطِفْلٍ، وَيَحْرُمُ تَخْصِيصٌ بِإِفَاقَتِهِ وَإِنْ أَفَاقَ فِي نَوْبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَفِي قَضَاءِ يَوْمِ جُنُونِهِ لِلْأُخْرَى وَجْهَانِ.
[الْقَسْمُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَرِيضَةِ وَالْمَعِيبَةِ]
(وَيَقْسِمُ لِلْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمَرِيضَةِ، وَالْمَعِيبَةِ، وَالرَّتْقَاءِ) وَمُظَاهِرٍ مِنْهَا، وَصَغِيرَةٍ مُمْكِنٍ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ: السَّكَنُ، وَالْإِيوَاءُ، وَالْأُنْسُ، وَحَاجَتُهُنَّ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَإِنْ خِيفَ مِنْهَا، فَلَا قَسْمَ لَهَا، وَإِلَّا فَهِيَ كَالْعَاقِلَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمَرِيضَ، وَالْمَجْبُوبَ، وَالْعِنِّينَ، وَالْخَصِيَّ، يَقْسِمُ؛ لِأَنَّهُ لِلْأُنْسِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لَا يَطَأُ، فَإِنْ شِقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَقَامَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ أَوِ اعْتَزَلَهُنَّ جَمِيعًا (فَإِنْ دَخَلَ فِي لَيْلَتِهَا إِلَى غَيْرِهَا
إِلَى غَيْرِهَا، لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَلْبَثْ عِنْدَهَا، لَمْ يَقْضِ، وَإِنْ لَبِثَ أَوْ جَامَعَ، لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى.
وَإِنْ أَرَادَ النُّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَأَخَذَ إِحْدَاهُنَّ مَعَهُ، وَالْأُخْرَى مَعَ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِقُرْعَةٍ، وَمَتَى
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ (إِلَّا لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ) كَكَوْنِ ضُرَّتِهَا مَنْزُولًا بِهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَهَا، أَوْ تُوصِيَ إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ عُرْفًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَالَةٌ ضَرُورِيَّةٌ وَحَاجَةٌ، فَأُبِيحَ بِهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ إِلَى قَضَائِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَيْهَا نَهَارًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ دَاعِيَةٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": أَنَّهُ يَجُوزُ لِحَاجَةٍ، كَدَفْعِ نَفَقَةٍ، وَعِيَادَةٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": فِيهِمَا لِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ أَوْ لِمَرَضٍ فَيُدَاوِيهَا، وَفِي قُبْلَةٍ وَنَحْوِهَا نَهَارًا وَجْهَانِ (فَإِنْ لَمْ يَلْبَثْ عِنْدَهَا لَمْ يَقْضِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِقِلَّتِهِ (وَإِنْ لَبِثَ أَوْ جَامَعَ، لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَلَوْ جَامَعَهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَيَدْخُلُ عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْمُجَامَعَةِ، فَيُجَامِعُهَا لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا، وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَحَقُّ فِي الْقَسْمِ، وَلَا يَقْضِي لَيْلَةَ صَيْفٍ عَنْ شِتَاءٍ، وَلَهُ قَضَاءُ أَوَّلِ اللَّيْلِ عَنْ آخِرِهِ وَعَكْسِهِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ زَمَنُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا خَرَجَ فِي لَيْلَةِ إِحْدَاهُنَّ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَآخِرَهُ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِانْتِشَارِ فِيهِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ - جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْبَثْ، لَمْ يَقْضِ، وَإِنْ لَبِثَ قَضَى مُطْلَقًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ قَضَاهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ اللَّيْلِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى بِقَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالثَّانِي: لَا، لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ.
[إِنْ أَرَادَ النُّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ]
(وَإِنْ أَرَادَ النُّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَأَخَذَ إِحْدَاهُنَّ مَعَهُ وَالْأُخْرَى مَعَ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِقُرْعَةٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَرَادَ النُّقْلَةَ بِنِسَائِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ وَأَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ الْكُلِّ فِي سَفَرِهِ، فَعَلَى ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إِفْرَادُ إِحْدَاهُنَّ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدَةٍ، فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُنَّ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ كَالْحَاضِرِ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ صُحْبَةُ الْجَمِيعِ، وَبَعَثَ بِهِنَّ جَمِيعًا مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مُحَرَّمٌ لَهُنَّ - جَازَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، فَإِنْ أَفْرَدَ بِعْضَهُنَّ بِالسَّفَرِ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِقُرْعَةٍ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ، وَمَتَى سَافَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ سَوَّى بَيْنَهُنَّ كَالْحَضَرِ، فَإِذَا وَصَلَ الْبَلَدَ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ، فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِيهِ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ مُدَّةَ كَوْنِهَا مَعَهُ فِي الْبَلَدِ
سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ لَمْ يَقْضِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلْأُخْرَى، وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، أَوْ مِنَ الْمَبِيتِ عِنْدَهُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ - سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ، وَإِنْ أَشْخَصَهَا هُوَ، فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا
[المبدع في شرح المقنع]
خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا (وَمَتَى سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ لَمْ يَقْضِ) أَيْ: لِلْحَاضِرَاتِ بَعْدَ قُدُومِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً؛ وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَةَ اخْتُصَّتْ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ، فَاخْتُصَّتْ بِالْقَسْمِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ بَعْضَهُنَّ بِمُدَّةٍ عَلَى وَجْهٍ يَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَعَلَى هَذَا يَقْضِي مُدَّةَ غَيْبَتِهِ مَا لَمْ تَكُنِ الضَّرَّةُ رَضِيَتْ بِسَفَرِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ مِنْهَا مَا أَقَامَ مِنْهَا لِمَبِيتٍ وَنَحْوِهِ، وَيَقْضِي مَعَ قُرْعَةِ مَا تَعَقَّبَهُ السَّفَرُ أَوْ تَخَلَّلَهُ مِنْ إِقَامَةٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُنَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا، وَلَهُ تَرْكُهَا وَالسَّفَرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ إِنَّمَا تُعِينُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ؛ وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنَ السَّفَرِ بِغَيْرِهَا، وَإِنْ أَبَتِ السَّفَرَ مَعَهُ سَقَطَ حَقُّهَا إِذَا رَضِيَ الزَّوْجُ، وَإِنْ أَبَى فَلَهُ إِكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ، فَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجَاتُ بِسَفَرِ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ جَازَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا، أَنَّهُ يَقْضِي لِلْبَوَاقِي فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ، فَلَمْ يَقْضِ كَالطَّوِيلِ (وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، أَوْ مِنَ الْمَبِيتِ عِنْدَهُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ بِمَنْعِ نَفْسِهَا مِنْهُ، فَيَسْقُطُ حَقُّهَا كَالنَّاشِزَةِ، وَكَذَا لَا نَفَقَةَ لَهَا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ "، وَقِيلَ: يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ بِالْوَطْءِ (وَإِنْ أَشْخَصَهَا هُوَ) بِأَنْ بَعَثَهَا فِي حَاجَةٍ أَوْ أَمَرَهَا بِالنُّقْلَةِ مِنْ بَلَدِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " (فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا فَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَإِنَّمَا فَاتَ بِتَفْوِيتِهِ، فَلَمْ يُسْقِطْ حَقَّهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لَمْ يُسْقِطْ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ تَسْلِيمِ ثَمَنِهِ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَقْضِي لَهَا بِحَسَبِ مَا أَقَامَ عِنْدَ ضَرَّتِهَا، وَإِنْ سَافَرَتْ مَعَهُ فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْهُمَا جَمِيعًا (وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا) كَسَفَرِهَا لِزِيَارَةٍ أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةٍ (بِإِذْنِهِ
بِإِذْنِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فَيَجْعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، فَمَتَى رَجَعَتْ فِي الْهِبَةِ، عَادَ حَقُّهَا، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَسْقُطَانِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ، وَالنَّفَقَةَ لِلتَّمْكِينِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطَانِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَتْ مَعَهُ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ الْقَسْمُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَافَرَ عَنْهَا لَسَقَطَ قَسْمُهَا، وَالتَّعَذُّرُ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهَا كَانَ أَوْلَى.
[لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا]
(وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ) بِلَا مَالٍ (لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا) ؛ لِفِعْلِ سَوْدَةَ بِأَنَّهَا وَهَبَتْ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا، «فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى الْوَاهِبَةِ ثَابِتٌ، فَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا بِرِضَاهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَبَتِ الْمَوْهُوبُ لَهَا أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ رِضَاهَا، وَلَيْسَ لَنَا هِبَةٌ يَقْبَلُ فِيهَا غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ تَأَهُّلِهِ لِلْقَبُولِ إِلَّا هَذِهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَيْلَةُ الْوَاهِبَةِ لَا تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ لَمْ تَجُزِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَإِذْنُ سَيِّدِ أَمَةٍ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا لَهُ (وَلَهُ) أَيْ: لِلزَّوْجِ (الرُّجُوعُ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَلِمَنْ نَقَلَتْهُ إِلَيْهِ انْتَقَلَ (فَيَجْعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مُقَامَ الْوَاهِبَةِ، فَالْخِيرَةُ لَهُ كَهِيَ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " لَوْ قَالَتْ: خُصَّ بِهَا مَنْ شِئْتَ، الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْغَيْظَ بِخِلَافِ تَخْصِيصِهَا وَاحِدَةً (فَمَتَى رَجَعَتْ فِي الْهِبَةِ عَادَ حَقُّهَا) ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَوْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا فِيمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ قَدِ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا رَجَعَتْ فِي أَثْنَاءِ لَيْلَتِهَا لَزِمَ الزَّوْجُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَتَمَّ اللَّيْلَةَ لَمْ يَقْضِ لَهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهَا.
فَرْعٌ: إِذَا بَذَلَتْ لَيْلَتَهَا بِمَالٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا وَلَا مَنْفَعَةً يُسْتَحَقُّ بِهَا الْمَالُ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ غَيْرَ الْمَالِ كَإِرْضَاءِ زَوْجِهَا عَنْهَا أَوْ غَيْرِهِ - جَازَ وَلَهَا بَذْلُ قَسْمٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِهِمَا، لِيُمْسِكَهَا، وَالرُّجُوعُ لِيُجَدِّدَ الْحَقَّ، وَفِي " الْهَدْيِ " يَلْزَمُ وَلَا مُطَالَبَةَ، لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ كَمَا يَلْزَمُ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ.
(وَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ) بَلْ يَطَأُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مَتَى شَاءَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
قَسْمَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ، وَتُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ، وَأَنْ لَا يَعْضُلَهُنَّ إِنْ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِنَّ.
فَصْلٌ وَإِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَعَلَ، وَقَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِي، وَإِنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ
[المبدع في شرح المقنع]
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَارِيَةُ وَرَيْحَانَةُ، فَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْأَمَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ بِكَوْنِ السَّيِّدِ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ أَخَذَ مِنْ زَمَنِ زَوْجَاتِهِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": لَكِنْ يُسَوِّي فِي حِرْمَانِهِنَّ (وَتُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِقُلُوبِهِنَّ وَأَبْعَدُ مِنَ النُّفْرَةِ وَالْبُغْضَةِ (و) عَلَيْهِ (أَنْ لَا يَعْضُلَهُنَّ إِنْ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِنَّ) أَيْ: إِذَا احْتَاجَتِ الْأَمَةُ إِلَى النِّكَاحِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعْفَافُهَا، إِمَّا بِوَطْئِهَا، أَوْ تَزْوِيجِهَا، أَوْ بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ إِعْفَافَهُنَّ وَصَوْنَهُنَّ عَنِ احْتِمَالِ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ وَاجِبٌ.
[إِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا]
فَصْلٌ (وَإِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ، «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ» قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَخُصَّتِ الْبِكْرُ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ حَيَاءَهَا أَكْثَرُ، وَالثَّلَاثُ مُدَّةٌ مُغْتَفَرَةٌ فِي الشَّرْعِ وَالسَّبْعُ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامُ الدُّنْيَا، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَتَكَرَّرُ، وَحِينَئِذٍ يَقْطَعُ الدَّوْرَ (فَإِنْ أَحَبَّتْ) وَقِيلَ: أَوْ هُوَ (أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا فَعَلَ وَقَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِي) ؛ لِمَا «رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ، وَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ
امْرَأَتَانِ، قَدَّمَ السَّابِقَةَ مِنْهُمَا، ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى، ثُمَّ دَارَ، فَإِنْ زُفَّتَا مَعًا، قَدَّمَ إِحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى، وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُمَا، سَافَرَ بِهَا، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ، فَإِذَا قَدَّمَ، بَدَأَ بِالْأُخْرَى فَوَفَّاهَا حَقَّ الْعَقْدِ، وَإِذَا طَلَّقَ إِحْدَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَتِهَا أَثمَّ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ، قَضَى لَهَا
[المبدع في شرح المقنع]
سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ خَالَفَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": الْفَاضِلُ لِلْبَقِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَقْضِيَ السَّبْعَ؛ لِأَنَّهَا اخْتَارَتْهَا، فَسَقَطَ حَقُّهَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْأُنْسِ وَإِزَالَةِ الِاحْتِشَامِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ كَالنَّفَقَةِ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى نِصْفِ الْحُرَّةِ كَسَائِرِ الْقَسْمِ.
(وَإِنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ) فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ فِي حَقِّ عَقْدٍ وَاحِدَةٍ كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي إِيفَاءِ حَقِّهِمَا، وَتَسْتَضِرُّ الَّتِي يُؤَخِّرُ حَقَّهَا وَتَسْتَوْحِشُ (قَدَّمَ السَّابِقَةَ مِنْهُمَا) دُخُولًا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا سَابِقٌ (ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ، تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فِي الْمُدَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ، وَرَجَحَ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضَى (ثُمَّ دَارَ) لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الدَّوْرِ (فَإِنْ زُفَّتَا مَعًا قَدَّمَ إِحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ) ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْقُرْعَةُ مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": يَبْدَأُ بِالسَّابِقَةِ بِالْعَقْدِ وَإِلَّا أَقْرَعَ (ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُمَا، سَافَرَ بِهَا، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ يَخْتَصُّ بِهَا (فَإِذَا قَدَّمَ بَدَأَ بِالْأُخْرَى فَوَفَّاهَا حَقَّ الْعَقْدِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا قَبْلَ سَفَرِهِ لَمْ يُؤَدِّهِ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالْأُخْرَى مَعَهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَقْضِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الَّتِي سَافَرَ بِهَا، وَلِأَنَّ الْإِيوَاءَ فِي الْحَضَرِ أَكْثَرُ، فَيَتَعَذَّرُ قَضَاؤُهُ، وَقِيلَ:
لَيْلَتَهَا، وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي نَهَارِ لَيْلِ الْقَسْمِ لِمَعَاشِهِ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ.
[المبدع في شرح المقنع]
يَسْتَأْنِفُ قَضَاءَ الْعَقْدِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَى الْمُسَافِرَةِ بِمُدَّةِ سَفَرِهَا كَمَا لَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهَا فِيمَا عَدَا حَقَّ الْعَقْدِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّ الْعَقْدِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ بِغَيْرِ مُسْقِطٍ، فَإِنْ قَدَمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْلَ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ عَقْدِ الْأُولَى أَتَمَّهُ فِي الْحَضَرِ، وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ مِثْلَهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَإِذَا طَلَّقَ إِحْدَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَتِهَا أَثم) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ لَهَا (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ) أَيْ: عَادَتْ إِلَيْهِ بِرَجْعَةٍ أَوْ نِكَاحٍ (قَضَى لَهَا لَيْلَتَهَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إِيفَاءِ حَقِّهَا فَلَزِمَهُ كَالْمُعْسِرِ إِذَا أَيْسَرَ بِالدَّيْنِ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ بِنَاءُ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ فِي السَّفَرِ وَرُكُوبِهَا مَعَهُ عَلَى دَابَّةٍ بَيْنَ الْجَيْشِ؛ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
(وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي نَهَارِ لَيْلِ الْقَسْمِ لِمَعَاشِهِ وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11] وَحُكْمُ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ الَّتِي يُقِيمُهَا عِنْدَ الْمَزْفُوفَةِ حُكْمُ سَائِرِ الْقَسْمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمَقَامُ عِنْدَهَا لَيْلًا، لِشُغْلٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، قَضَاهُ لَهَا وَلَهُ الْخُرُوجُ إِلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَإِلَى مَا لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْهُ، فَإِنْ أَطَالَ قَضَاهُ، وَلَا يَقْضِي الْيَسِيرَ.
فَرْعٌ: قَسَمَ لِاثْنَتَيْنِ مِنْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ يُجَدِّدُ حَقَّ رَابِعَةٍ، فَإِنْ رَجَعَتْ فِي هِبَةٍ أَوْ عَنْ نُشُوزٍ أَوْ نِكَاحٍ وَفَّاهَا حَقَّ عَقْدِهِ، ثُمَّ رُبْعُ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ لِلرَّابِعَةِ، وَبَقِيَّتُهُ لِلثَّالِثَةِ، فَإِذَا كَمَّلَ الْحَقَّ اسْتَأْنَفَ التَّسْوِيَةَ، وَلَوْ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثُمَّ نَكَحَ وَفَّاهَا حَقَّ عَقْدِهِ، ثُمَّ لَيْلَةً لِلْمَظْلُومَةِ، ثُمَّ نِصْفَ لَيْلَةٍ لِلثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَبِيتُ نِصْفَهَا بَلْ لَيْلَةً؛ لِأَنَّهُ حَرَجٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَوْ أَبَانَ الْمَظْلُومَةَ، ثُمَّ نَكَحَهَا وَقَدْ نَكَحَ جَدِيدَاتٍ - تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ.
فَصْلٌ فِي النُّشُوزِ وَهُوَ مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، بِأَلَّا تُجِيبَهُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ، أَوْ تُجِيبَهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً - وَعَظَهَا، فَإِنْ أَصَرَّتْ، هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ، وَفِي الْكَلَامِ مَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّتْ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ فِي النُّشُوزِ]
فَصْلٌ فِي النُّشُوزِ وَهُوَ كَرَاهَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ، وَسُوءُ عِشْرَتِهِ، يُقَالُ: نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ، وَنَاشِزٌ، وَنَشَزَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا: إِذَا جَفَاهَا وَأَضَرَّ بِهَا (وَهُوَ مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا) مِنْ طَاعَتِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْزِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، فَكَأَنَّهَا ارْتَفَعَتْ وَتَعَالَتْ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ طَاعَتِهِ (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، بِأَلَّا تُجِيبَهُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ، أَوْ تُجِيبَهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً - وَعَظَهَا) بِأَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا مِنَ الْحَقِّ، وَمَا يَلْحَقُهَا مِنَ الْإِثْمِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَمَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ، وَمَا يُبَاحُ لَهُ مِنْ هَجْرِهَا وَضَرْبِهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] (فَإِنْ أَصَرَّتْ) نَاشِزَةً، بِأَنْ تَعْصِيَهُ وَتَمْتَنِعَ مِنْ فِرَاشِهِ، أَوْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَالْمُرَادُ: أَنْ يَهْجُرَ فِرَاشَهَا فَلَا يُضَاجِعُهَا فِيهِ (مَا شَاءَ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِكَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مُطْلَقٌ، فَلَا يُقَيَّدُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " و" الْغنيمة " و" الْمُحَرَّرِ ": ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَانَ فَوْقَ ذَلِكَ حَرَامٌ (وَفِي الْكَلَامِ مَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا -
غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ ظُلْمَ صَاحِبِهِ لَهُ، أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا، وَيُلْزِمْهُمَا الْإِنْصَافَ، فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِمَا بِرِضَاهُمَا، فَيَكْشِفَانِ
[المبدع في شرح المقنع]
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": يَهْجُرُهَا فِي الْفِرَاشِ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْهَجْرَ فِي الْكَلَامِ وَدُخُولَهُ وَخُرُوجَهُ عَلَيْهَا - جَازَ، مَعَ الْكَرَاهَةِ (فَإِنْ أَصَرَّتْ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) أَيْ: غَيْرَ شَدِيدٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] وَلَا يُبَرِّحُ بِالضَّرْبِ؛ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ، قَالَ الْخَلَّالُ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبًا عَنْ قَوْلِهِ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، أَيْ: غَيْرَ شَدِيدٍ، وَهُوَ عَشْرَةُ أَسْوَاطٍ فَأَقَلَّ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ حَسْبُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْهَا مَنْ عُلِمَ بِمَنْعِهِ حَقَّهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، وَعَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْمَوَاضِعِ الْمُخَوِّفَةِ وَالْمُسْتَحْسَنَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّأْدِيبُ، وَعَنْهُ: لَهُ ضَرْبُهَا بِأَوَّلِ النُّشُوزِ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: لَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْعُقُوبَاتِ زَجْرُهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَبْدَأُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، كَإِخْرَاجِ مَنْ هَجَمَ بِمَنْزِلِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنْ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَضْرِبُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مَنْعِهِ حَقَّهُ غَيْرَ هَذَا، وَالْعَبْدُ يَمْتَنِعُ مِنْ حَقِّ سَيِّدِهِ، وَلَا يَمْلِكُ تَعْزِيرَهَا فِي حَقِّ اللَّهِ، نَقَلَ مُهَنَّا: هَلْ يَضْرِبُهَا عَلَى تَرْكِ زَكَاةٍ؛ قَالَ: لَا أَدْرِي، وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ يَضْرِبُهَا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: يَمْلِكُهُ، وَلَا يَنْبَغِي سُؤَالُهُ لِمَ ضَرَبَهَا، قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ إِبْقَاءً لِلْمَوَدَّةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتْرُكَهُ عَنِ الصَّبِيِّ لِإِصْلَاحِهِ.
(فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ ظُلْمَ صَاحِبِهِ لَهُ، أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا، وَيُلْزِمُهُمَا الْإِنْصَافَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى الْإِنْصَافِ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ كَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ كَمَا يَكْشِفُ عَنْ عَدَالَةٍ وَإِفْلَاسٍ مِنْ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (فَإِنَّ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ) مُكَلَّفَيْنِ؛ لِأَنَّ
عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ وَتَفْرِيقٍ بَيْنَهُمَا بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ، فَإِنِ امْتَنَعَا مِنَ التَّوْكِيلِ، لَمْ يُجْبَرَا، وَعَنْهُ: أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ وَكَّلَ فِي الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَوَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي بَدَلِ الْعِوَضِ بِرِضَاهُمَا، وَإِلَّا جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَابَ
[المبدع في شرح المقنع]
هَذِهِ شُرُوطُ الْعَدَالَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا هُمَا حَكَمَانِ أَوْ وَكِيلَانِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، كَمَا لَوْ نَصَّبَ وَكِيلًا لِصَبِيٍّ أَوْ مُفْلِسٍ، وَيُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّتُهُمَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ، وَصَرِيحُهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْحُرِّيَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ نَقْصٌ، وَفِي " الْمُغْنِي ": الْأَوْلَى إِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْعَبْدِ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْحُكْمِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفِقْهُ، وَهُوَ وَجْهٌ، وَفِي " الْكَافِي ": مَتَى كَانَا حَكَمَيْنِ اشْتَرَطَ كَوْنَهُمَا فَقِيهَيْنِ، وَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ جَازَا أَنْ يَكُونَا عَامِّيَّيْنِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّ مِثْلَهُ مَا يُفَوِّضُهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُعَيَّنٍ جَرَى كَقِسْمَةٍ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِمَا بِرِضَاهُمَا) وَتَوْكِيلِهِمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 3] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُمَا أَشْفَقُ، وَأَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ وَلَا الْوِكَالَةِ، وَظَاهِرُهُ: بِأَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَهُمَا بِغَيْرِ رِضَاهُمَا - عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ إِلَّا بِالْوَكَالَةِ (فَيَكْشِفَانِ عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ وَتَفْرِيقٍ بَيْنَهُمَا بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ) فَمَا فَعَلَا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُمَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا إِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا وَكِيلَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِصْلَاحِ لَا فِي إِسْقَاطِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ وَكِيلُهُمَا بَرِئ فِي الْخُلْعِ فَقَطْ، وَإِنْ شَرَطَا مَا لَا يُنَافِي نِكَاحًا لَزِمَ، وَإِلَّا فَلَا، كَتَرْكِ قَسْمٍ، أَوْ نَفَقَةٍ وَلِمَنْ رَضِيَ الْعَوْدَ (فَإِنِ امْتَنَعَا مِنَ التَّوْكِيلِ لَمْ يُجْبَرَا) عَلَى الْمَشْهُورِ، حَتَّى إِنَّ الْقَاضِيَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " و" الشَّرِيفَ " وَغَيْرَهُمَا لَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُمَا رَشِيدَانِ، وَالْبُضْعُ حَقُّ الزَّوْجِ، وَالْمَالُ حَقُّ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ يُجْبَرَا عَلَى التَّوْكِيلِ مِنْهُمَا كَغَيْرِهِمَا مِنَ الْحُقُوقِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ وُكِّلَ فِي الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَوُكِّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي بَدَلِ الْعِوَضِ بِرِضَاهُمَا وَإِلَّا) إِنْ أَبَيَا ذَلِكَ (جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ) اخْتَارَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَحِينَئِذٍ لَهُمَا فِعْلُ مَا رَأَيَاهُ بِغَيْرِ رِضَا
الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأُولَى، وَتَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَإِنْ جُنَّا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى الْأُولَى، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ.
[المبدع في شرح المقنع]
الزَّوْجَيْنِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، وَعَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَتَهُ أَتَيَا عَلِيًّا، مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، فَبَعَثُوا حَكَمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا مِنَ الْحَقِّ؛ إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ لِيَ وَعَلَيَّ، وَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَذَبَتْ حَتَّى تَرْضَى بِمَا رَضِيَتْ بِهِ.
رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَجْبَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَثْبُتَ الْوِلَايَةُ عَلَى الرَّشِيدِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ، كَالْمَدِينِ الْمُمْتَنِعِ، وَطَلَاقِ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُؤْلِي (فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْغِيبَةِ (وَتَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ لِلْغَائِبِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَنْقَطِعُ عَلَيْهَا، حَكَاهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الْمُحَرَّرِ " (وَإِنْ جُنَّا) أَوْ أَحَدُهُمَا (انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى الْأُولَى) ؛ لِأَنَّ الْوِكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ (وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ عَلَيْهَا أَيْضًا، حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ بَقَاءُ الشِّقَاقِ وَحُضُورِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَهُوَ شَرْطٌ.
كِتَابُ الْخُلْعِ وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَلَّا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ وَإِنْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كُرِهَ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ وَعَنْهُ: لَا
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْخُلْعِ]
[تَعْرِيفُ الخلع وحُكْمُهُ]
ِ يُقَالُ: خَلَعَ امْرَأَتَهُ خَلْعًا، وَخَالَعَهَا مُخَالَعَةً، وَاخْتَلَعَتْ هِيَ مِنْهُ، فَهِيَ خَالِعٌ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَلْعِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْخَلِعُ مِنْ لِبَاسِ زَوْجِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ فِرَاقِ امْرَأَتِهِ بِعِوَضٍ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، وَفَائِدَتُهُ: تَخْلِيصُهَا مِنَ الزَّوْجِ عَلَى وَجْهٍ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِرِضَاهَا.
(وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ) لِخُلُقِهِ، أَوْ خَلْقِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ كِبَرِهِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (وَتَخْشَى أَلَّا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] ؛ وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي دِينٍ وَلَا خَلْقٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؛ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَمَرَهَا بِرَدِّهَا، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَمْصَارِ، إِلَّا بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزْنِيَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُجِزْهُ، وَزَعَمَ أَنَّ آيَةَ الْخُلْعِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: 20] .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو قِلَابَةَ: لَا يَحِلُّ الْخُلْعُ حَتَّى يَجِدَ عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَدَعْوَى النَّسْخِ لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَثْبُتَ تَعَذُّرُ الْجَمْعِ، وَإنَّ الْآيَةَ النَّاسِخَةَ مُتَأَخِّرَةٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ "، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسَنُّ إِجَابَتُهَا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهَا دَاعِيَةٌ إِلَى فُرْقَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ إِلَيْهَا مَيْلٌ وَمَحَبَّةٌ، فَيُسَنُّ صَبْرُهَا وَعَدَمُ افْتِدَائِهَا - نَصَّ عَلَيْهِ - وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي وُجُوبِهِ، وَأَلْزَمَ بَعْضُ حُكَّامِ الْمَقَادِسَةِ الْفُضَلَاءِ بِهِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إِذَا كَرِهَتْهُ حَلَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا.
(وَإِنْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: لِغَيْرِ سَبَبٍ مَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَالِ (كُرِهَ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ) عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ) وَلَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَخَلْقٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: 229] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ حَرَّمَهُ، وَخُصُوصُ الْآيَةِ فِي التَّحْرِيمِ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى عُمُومِ آيَةِ الْجَوَازِ مَعَ مَا عَضَّدَهَا مِنَ الْأَخْبَارِ.
فَرْعٌ: لَا يَفْتَقِرُ الْخُلْعُ إِلَى حَاكِمٍ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ
يَجُوزُ، فَإِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَقَعُ رَجْعِيًّا.
وَيَجُوزُ الْخُلْعُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعُثْمَانَ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى سُلْطَانٍ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ مَعَ أَنَّهُ قَطْعُ عَقْدٍ بِالتَّرَاضِي أَشْبَهَ الْإِقَالَةَ (فَإِنْ عَضَلَهَا) بِأَنْ ضَارَرَهَا بِالضَّرْبِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا ظُلْمًا، أَوْ مَنَعَهَا حَقَّهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْقَسْمِ وَنَحْوِهِ (لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19] ؛ وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَانَ بَاطِلًا كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ (وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْفُرْقَةِ الْخُلْعُ الصَّحِيحُ وَلَمْ يُوجَدْ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا فَيَقَعَ رَجْعِيًّا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَمْلِكِ الْعِوَضَ، وَقُلْنَا: الْخُلْعُ طَلَاقٌ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَلَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا سَقَطَتْ بِالْعِوَضِ، فَإِذَا سَقَطَ الْعِوَضُ ثَبَتَتِ الرَّجْعَةُ - إِنْ كَانَ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّتِهِ - وَإِلَّا فَهُوَ لَغْوٌ، وَقِيلَ: يَقَعُ بَائِنًا إِنْ صَحَّ بِلَا عِوَضٍ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَقَعُ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ رَدَّهُ وَوَقَعَ الْخُلْعُ عَلَيْهِ، إِذَا قُلْنَا: يَقَعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَعَلَى كَلَامِهِ يُسْتَثْنَى صُوَرٌ مِنْهَا: إِذَا ضَرَبَهَا لِتَرْكِهَا فَرْضًا، أَوْ عَلَى نُشُوزِهَا، أَوْ مَنَعَهَا حَقَّهَا مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَحْرُمْ خَلْعُهَا، وَمِنْهَا: إِذَا ضَرَبَهَا لِسُوءِ خُلُقِهِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْفِدَاءَ، لَمْ يَحْرُمْ خَلْعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْضُلْهَا لِيَذْهَبَ بِبَعْضِ مَا آتَاهَا، وَهُوَ آثِمٌ بِالظُّلْمِ، وَمِنْهَا: إِذَا زَنَتْ فَعَضَلَهَا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ - جَازَ وَصَحَّ الْخُلْعُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْيِ إِبَاحَةٌ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَتْ: بِعْنِي عَبْدَكَ هَذَا وَطَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، فَفَعَلَ - صَحَّ، وَبُسِطَتِ الْأَلْفُ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى وَقِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْأَشْهَرِ.
طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، دُفِعَ الْمَالُ إِلَى وَلِيِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، دُفِعَ إِلَى سَيِّدِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ خَلْعُهُ، وَهَلْ لِلْأَبِ خَلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ طَلَاقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ خَلْعُ ابْنَتِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
[يَجُوزُ الْخُلْعُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ]
(وَيَجُوزُ الْخُلْعُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَبِالْعِوَضِ أَوْلَى، وَفِي الْمُمَيَّزِ وَجْهٌ، وَجَزَمَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَمِنَ السَّفِيهِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَصَحَّ خَلْعُهُ قِيَاسًا، وَيَصِحُّ مِنْ أَب صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، إِنْ صَحَّ طَلَاقُهُ عَلَيْهِمَا (فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ دُفِعَ الْمَالُ إِلَى وَلِيِّهِ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا دُفِعَ إِلَى سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لِلسَّيِّدِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَكْسَابِ عَبْدِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا دُفِعَ الْعِوَضُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ خَلْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ أَحَدُ رُكْنَيِ الْمُعَاوَضَةِ وَهُوَ الْعَقْدُ فَيَصِحُّ مِنْهُ قَبْضُ الْعِوَضِ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الْآخَرُ قِيَاسًا عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ قَبْضُ الْعَبْدِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ خُلْعُهُ صَحَّ قَبْضُهُ الْعِوَضَ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْعَبْدِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ سَلَّمَتِ الْعِوَضَ إِلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ، فَإِنْ أَخَذَهُ الْوَلِيُّ مِنْهُ بَرِئَتْ، وَإِنْ سَلَّمَتِ الْعَبْدَ بَرِئَتْ مُطْلَقًا، قَالَ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ " فِيهَا: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ دُونَ قَبْضِهِ (وَهَلْ لِلْأَبِ خَلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ طَلَاقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِعِوَضٍ، فَلِأَنْ يَصِحَّ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لَا يُقَالُ: التَّزْوِيجُ إِدْخَالُ مِلْكٍ وَالْخُلْعُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَامِلُ الشَّفَقَةِ، فَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةِ وَلَدِهِ فِيهِ، وَكَالْحَاكِمِ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ بِالْإِعْسَارِ، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ الْأَشْهَرُ -: لَا يَمْلِكُهُ وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ؛ وَلِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ لِحَقِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَالْإِبْرَاءِ وَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ طَرِيقَ الشَّهْوَةِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْوِلَايَةِ، وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ كَذَلِكَ، وَكَذَا سَيِّدُ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ، وَالْأَظْهَرُ: جَوَازُهُ إِنْ رَآهُ مَصْلَحَةً (وَلَيْسَ لَهُ خَلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِسْقَاطَ
الصَّغِيرَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا، وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الزَّوْجَةِ، وَمَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَيَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فَإِنْ خَالَعَتِ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَيْءٍ
[المبدع في شرح المقنع]
نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَبَدَلَ مَالِهَا، وَلَا حَظَّ لَهَا فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، إِذَا رَأَى الْحَظَّ فِيهِ، كَتَخْلِيصِهَا مِمَّنْ يُتْلِفُ مَالَهَا، وَيَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَعَقْلِهَا، وَالْأَبُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِذَا خَالَعُوا فِي حَقِّ الْمَجْنُونَةِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا خَالَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، فَمِنَ الْوَلِيِّ أَوْلَى (وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الزَّوْجَةِ) إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً (وَمَعَ الْأَجْنَبِيِّ) بِغَيْرِ رِضَا الْمَرْأَةِ - فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ يَبْذُلُ عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي إِسْقَاطِ حَقٍّ عَنْ غَيْرِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، صَحَّ، وَلَزِمَهُ ثَمَنُهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ حَقًّا عَنْ أَحَدٍ، فَهُنَا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمَرْأَةِ يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهَا بِعِوَضٍ، فَجَازَ لِغَيْرِهَا كَالدَّيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ، فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَتِ امْرَأَتُهُ: طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهُمَا - وَقَعَ بِهِمَا بَائِنًا، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ، وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: تُطَلَّقُ بَائِنًا وَيُلْزِمُ الْبَاذِلَةَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الْأَلْفِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِيمَا إِذَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً - أَنْ لَا يَلْزَمَ الْبَاذِلَةَ هُنَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إِلَى مَا سَأَلَتْ، وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي، أَوْ عَلَى أَنْ لَا تُطَلِّقَ ضَرَّتِي - فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ وَالْبَدَلُ لَازِمٌ.
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ فِي الْحَيْضِ وَطُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ فِيهِ ثَبَتَ دَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَالْخُلْعُ يَنْدَفِعُ بِهِ ضَرَرُ سُوءِ الْعِشْرَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ وَأَدْوَمُ، فَكَانَ رَفْعُهُ أَوْلَى، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ وَفِي " الْوَاضِحِ " فِيهِ رِوَايَتَانِ.
(وَيَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) ؛ لِأَنَّهُ بَذْلُ عِوَضٍ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
مَعْلُومٍ كَانَ فِي ذِمَّتِهَا يُتْبِعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: طَلِّقْ بِنْتِي وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِهَا، فَطَلَّقَ - بَانَتْ، وَلَمْ يَبْرَأْ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ، نَصَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ إِبْرَاءَ الْأَبِ صَحِيحٌ.
فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ إِبْرَاءَ الْأَبِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لَمْ يَرْجِعْ، وَطَلَاقُهُ رَجْعِيٌّ، وَقَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ".
وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَبْرَأْتَنِي أَنْتَ مِنْهُ، فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَالَ: قَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْهُ - طُلِّقَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ إِبْرَاءَ الْأَبِ صَحِيحٌ.
فَأَمَّا إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَقَوْلَانِ: فَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا بِأَلْفٍ مِنْ مَالِهَا، وَعَلَيَّ دَرْكُهُ فَطَلَّقَهَا - بَانَتْ، وَغَرَّمَهُ الْأَبُ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهَا (فَإِنْ خَالَعَتِ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا) فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ، قَطَعَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي كُتُبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، فَمَعَ الزَّوْجَةِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَالْمَجْدُ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهَا كَالْبَيْعِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَالْخُلْعُ يُفَارِقُ الْبَيْعَ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ عَلَى الْمَجْهُولِ، وَعَلَى غَيْرِ عِوَضٍ عَلَى قَوْلٍ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهَا، لَا عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِهَا كَالْبَيْعِ (عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ كَانَ فِي ذِمَّتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ (يُتْبِعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ "؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَمْلِكُ فِيهِ، وَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنْ كَانَ عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِهَا فَكَذَلِكَ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْعَيْنَ، كَمَا لَوْ قَالَ: خَالَعْناكِ عَلَى هَذَا الْحُرِّ، فَيَكُونُ رَاضِيًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَمُقْتَضَاهُ بُطْلَانُ الْخُلْعِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَهُوَ صَحِيحٌ، كَاسْتِدَانَتِهَا، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَالِ فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ - فَالزِّيَادَةُ فِي ذِمَّتِهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ اقْتَضَى الْخُلْعَ بِالْمُسَمَّى.
الْخُلْعُ، وَوَقَعَ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا.
وَالْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ، إِلَّا أَنْ يَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، أَوِ الْفَسْخِ، أَوِ الْمُفَادَاةِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ، فَيَكُونُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ فِي إِحْدَى
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: الْمُكَاتَبَةُ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ، سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ خَالَعَتْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا) لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ (لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا إِذَنْ لَهُ فِي التَّبَرُّعَاتِ، وَالْأَظْهَرُ: الصِّحَّةُ مَعَ الْإِذْنِ لِمَصْلَحَةٍ - وعَلَى مَا ذَكَرَهُ (وَوَقَعَ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا) ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا عِوَضَ لَهُ، فَوَجَبَ وُقُوعُهُ رَجْعِيًّا؛ لِسَلَامَتِهِ عَمَّا يُنَافِيهِ، وَهَذَا إِذَا وَقَعَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ أَوْ نَوَاهُ بِهِ.
فَأَمَّا إِنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْفَسْخِ أَوِ الْمُفَادَاةِ - وَلَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا - فَهُوَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعَ الْخُلْعُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِهِ بِعِوَضٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَلَا أَمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَذْلِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ، فَإِنْ كَانَ بِهَا لَمْ يَقَعْ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ لَا رَجْعَةَ مَعَهَا، فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لِفَلَسٍ فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِ غُرَمَائِهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنَ التَّبَرُّعِ، وَيَصِحُّ بِإِذْنِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا فِي ذِمَّتِهَا، بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِحَظِّ نَفْسِهَا.
[أَلْفَاظُ الْخُلْعِ]
(وَالْخُلْعُ) لَهُ صَرِيحٌ، وَهُوَ لَفْظُ الْخُلْعِ، وَالْمُفَادَاةِ وَكَذَا الْفَسْخُ فِي الْأَشْهَرِ، وَكِنَايَةٌ: وَهُوَ الْإِبَانَةُ وَالتَّبْرِئَةُ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": صَرِيحَهُ الْخُلْعُ، أَوِ الْفَسْخُ، أَوِ الْفِدَاءُ، أَوْ بَارَئْتُكِ (طَلَاقٌ) أَيْ: إِذَا وَقَعَ بِغَيْرِ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِوُجُودِ صَرِيحِهِ أَوْ كِنَايَتِهِ مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ (بَائِنٌ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَائِنًا لَكَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَكَانَتْ تَحْتَ حُكْمِهِ وَقَبْضَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهَا، فَلَوْ جَازَتِ الرَّجْعَةُ لَعَادَ الضَّرَرُ (إِلَّا أَنْ يَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوِ الْفَسْخِ أَوِ الْمُفَادَاةِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَيَكُونُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَهِيَ أَظْهَرُهُمَا، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] ثُمَّ
الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْخُلْعِ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: 230] فَذَكَرَ طَلْقَتَيْنِ، وَالْخُلْعَ، وَتَطْلِيقَهُ بَعْدَهُمَا، فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ أَرْبَعًا؛ وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ خَلَتْ عَنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنِيَّتِهِ، فَكَانَتْ فَسْخًا كَسَائِرِ الْفُسُوخِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ دَلَّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، وَمُرَادُهُ: مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي كَانَ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ صَحَّ عَنْهُ: مَا أَجَازَهُ الْمَالُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ تَفْرِيقٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ.
(وَفِي الْأُخْرَى هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ بِكُلِّ حَالٍ) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عُثْمَانَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْأَكْثَرُ، لَكِنْ ضَعَّفَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ عَنْهُمْ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْبَابِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسْخٌ؛ وَلِأَنَّهَا بَذَلَتِ الْعِوَضَ لِلْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ الَّتِي يَمْلِكُ الزَّوْجُ إِيقَاعَهَا هِيَ الطَّلَاقُ دُونَ الْفَسْخِ؛ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِكِنَايَةِ الطَّلَاقِ قَاصِدًا فِرَاقَهَا، فَكَانَ طَلَاقًا كَغَيْرِ الْخُلْعِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: أَنَّهُ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ طَلَاقٌ، حُسِبَ وَنَقُصَ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ، وَإِنْ قِيلَ: هُوَ فَسْخٌ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَعَهَا بِمِائَةِ مَرَّةٍ، وَتُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ مِنْهُمَا، فَيَقُولُ: خَلَعْتُكِ عَلَى كَذَا، وَتَقُولُ: هِيَ قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ، وَتَصِحُّ تَرْجَمَةُ خُلْعٍ بِكُلِّ لَفْظِ طَلَاقٍ مِنْ أَهْلِهَا.
فَرْعٌ: لَا يَحْصُلُ الْخُلْعُ بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْمَالِ وَقَبُولِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الزَّوْجِ، قَالَ الْقَاضِي: ذَهَبَ إِلَيْهِ شُيُوخُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبُرِيُّ وَابْنُ شِهَابٍ إِلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِقَبُولِ الزَّوْجِ الْعِوَضَ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ شِهَابٍ بِعُكْبُرَا، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ هُرْمُزٍ، نَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: كَيْفَ الْخُلْعُ؛ قَالَ: إِذَا أَخَذَ الْمَالَ فَهِيَ فُرْقَةٌ، وَعَنْ عَلِيٍّ: مَنْ قَبِلَ مَالًا عَلَى فِرَاقٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الْبُضْعِ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ قَبْضٌ لِعِوَضٍ، فَلَمْ يَقُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَقَامَ الْإِيجَابِ، كَقَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ، وَلَعَلَّ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ.
طَلَاقٌ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ، وَإِنْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِي الْخُلْعِ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَيَبْطُلُ الْعِوَضُ.
فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إِلَّا بِعِوَضٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْخُلْعِ طَلَاقٌ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ) بِأَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أخبرنا مُسْلِمٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ الطَّلَاقُ فِي الْعِدَّةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِلَّا إِنْ قُلْنَا: هُوَ طَلْقَةٌ، وَيَكُونُ بِلَا عِوَضٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَإِنْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِي الْخُلْعِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " كَشَرْطِ الْخِيَارِ؛ وَلِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِالْعِوَضِ الْفَاسِدِ، فَلَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالنِّكَاحِ (وَفِي الْآخَرِ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَيَبْطُلُ الْعِوَضُ) أَيْ: فَيَقَعُ رَجْعِيًّا بِلَا عِوَضٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِوَضِ وَالرَّجْعَةِ يَتَنَافَيَانِ، فَيَسْقُطَانِ، وَيَبْقَى مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ، فَتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِالْأَصْلِ لَا بِالشَّرْطِ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ الْمُسَمَّى فِي الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عِوَضًا حَتَّى ضُمَّ إِلَيْهِ الشَّرْطُ، فَإِذَا سَقَطَ الشَّرْطُ، فَيَصِيرُ مَجْهُولًا، فَيَسْقُطُ، وَيَجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ الْمُسَمَّى فِي الْخُلْعِ؛ لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِهِ عِوَضًا، فَلَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ شَرْطِ الرَّجْعَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الْخُلْعِ، بَطَلَ الشَّرْطُ، وَصَحَّ الْخُلْعُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ فِي الْبَيْعِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ، وَمَتَى وَقَعَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى رَفْعِهِ.
[لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إِلَّا بِعِوَضٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إِلَّا بِعِوَضٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَقَدَّمَهُ فِي
يَقَعْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، فَإِنْ فَعَلَ، كُرِهَ، وَصَحَّ، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ رُكْنٌ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ تَرْكُهُ كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ (فَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ يَقَعْ) ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ دَلِيلُهُ لِلْبَيْعِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا) دُونَ الثَّلَاثِ (فَيَقَعُ رَجْعِيًّا) ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا عِوَضَ فِيهِ، فَكَانَ رَجْعِيًّا كَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ كِنَايَةً عَنِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ إِنْ كَانَ فَسْخًا فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فَسْخَ النِّكَاحِ إِلَّا لِعَيْبِهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: فَسَخْتُ النِّكَاحَ، وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ - لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا دَخَلَهُ الْعِوَضُ، فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ (وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِلنِّكَاحِ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ كَالطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْخُلْعِ أَنْ يُوجَدَ مِنَ الْمَرْأَةِ رَغْبَةٌ عَنْ زَوْجِهَا، فَإِذَا سَأَلَتْهُ الْفِرَاقَ، فَأَجَابَهَا إِلَيْهِ - حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْخُلْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بِعِوَضٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْخُلْعَ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ، فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ طَلَاقٌ، يَمْلِكُ بِهِ الرَّجْعَةَ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سُؤَالِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، وَالْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ خَالَعَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، وَهِيَ لِلْمُشَارَكَةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": أَنَّهَا تَبِينُ بِقَوْلِهِ: فَسَخَتْ، أَوْ خَلَعَتْ إِذَا قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ بِمُجَرَّدِهِ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى سُؤَالٍ، لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ.
فَرْعٌ: تَبِينُ بِالْخُلْعِ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَا يَمْلِكُ رَجَعَتْهَا إِلَّا بِشَرْطٍ كَالْبَيْعِ.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ حَدِيقَتَهُ، وَلَا يَزْدَادُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهُ بَذْلٌ فِي مُقَابَلَةِ فَسْخٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَدْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَالْإِقَالَةِ (فَإِنْ فَعَلَ، كُرِهَ، وَصَحَّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ،
أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ، وَيَرُدُّ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ خَالَعَهَا بِمُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ، وَالْحُرِّ - فَهُوَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَبَانَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا - فَلَهُ قِيمَتُهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَوِ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِمِيرَاثِهَا وَعِقَاصِ رَأْسِهَا كَانَ جَائِزًا.
وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُخْتَلِعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا» وَفِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْكَرَاهَةِ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي بِمَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِي، فَأَجَازَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، وَاشْتُهِرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ) هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ؛ وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَابِتًا أَنْ لَا يَزْدَادَ، وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ (وَيَرُدُّ الزِّيَادَةَ) ؛ لِعَدَمِ جَوَازِهَا (وَإِنْ خَالَعَهَا بِمُحَرَّمٍ) يَعْلَمَانِهِ (كَالْخَمْرِ، وَالْحُرِّ - فَهُوَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ يَدُلُّ عَلَى رِضَا فَاعِلِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لَا يُقَالُ: هَلَّا يَصِحُّ الْخُلْعَ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِزَوْجِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، فَإِذَا رَضِيَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ فَعَلَتْهُ، وَفَارَقَ النِّكَاحَ، فَإِنَّ وُصُولَ الْبُضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ إِذَا خَالَعَهَا بِمُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَجَّانًا، وَاقْتَضَى أَنَّهُمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمَا الْمُحَرَّمَ أَنَّ لَهُ قِيمَتَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا تَخَالَعَ كَافِرَانِ بِمُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَغَا، وَقِيلَ: لَهُ قِيمَتُهُ، وَقِيلَ مَهْرُ مِثْلِهَا.
(وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَبَانَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا - فَلَهُ قِيمَتُهُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْنٌ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا مَعَ سَلَامَتِهَا، فَوَجَبَ بَدَلُهَا مَعَ تَعَذُّرِهَا كَالْمَغْصُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ مُتَقَوِّمٍ، فَيَرْجِعُ بِحُكْمِ الْغُرُورِ، وَيَجِبُ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى دِنِّ خَلٍّ، فَبَانَ خَمْرًا - رَجَعَ عَلَيْهَا بِمِثْلِهِ خَلًّا؛ لِأَنَّ الْخَلَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَقِيلَ: تَرْجِعُ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ خَلًّا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ،
بَانَ مَعِيبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَيَرُدُّهُ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ عَامَيْنِ أَوْ سُكْنَى دَارٍ، صَحَّ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ، أَوْ خَرِبَتِ الدَّارُ - رَجَعَ بِأُجْرَةِ بَاقِي الْمُدَّةِ، وَإِنْ خَالَعَ الْحَامِلَ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا، صَحَّ وَسَقَطَتْ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْبُضْعِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ، أَشْبَهَ النِّكَاحَ بِخَمْرٍ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا مَعَ سَلَامَتِهَا، وَبَقَاءِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَوَجَبَ بَدَلُهَا مُقَدَّرًا بِقِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا كَالْمَغْصُوبِ.
(فَإِنْ بَانَ مَعِيبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَيَرُدُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ، كَالْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهَا: اخْلَعْنِي عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، فَيَقُولُ: خَلَعْتُكِ، ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ، فَهَذَا يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ، أَوْ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الثَّوْبَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ - طُلِّقَتْ وَمَلِكَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَيْهِ (وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ عَامَيْنِ) أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً - صَحَّ، قَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ، فَفِيهِ أَوْلَى، فَلَوْ خَالَعَهَا مِنْ إِرْضَاعِ وَلَدِهِ مُطْلَقًا - صَحَّ، وَانْصَرَفَ إِلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْحَوْلَيْنِ أَوْ هُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ (أَوْ سُكْنَى دَارٍ) مُعَيَّنَةٍ، وَيُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمُدَّةِ كَالْإِجَارَةِ (صَحَّ) وَكَذَا إِذَا خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الطِّفْلِ أَوْ كَفَالَتِهِ (فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ، أَوْ خَرِبَتِ الدَّارُ - رَجَعَ بِأُجْرَةِ بَاقِي الْمُدَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَاقِي أُجْرَةِ الْمُدَّةِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ دَابَّةً شَهْرًا بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ مَاتَ فِي نِصْفِهِ، وَفِي الْكَفَالَةِ بِقِيمَةِ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ دُفْعَةً أَوْ يَوْمًا بِيَوْمٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: يَسْتَحِقُّهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مَنَجَّمًا، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَجَّلًا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إِلَيْهِ فِي خُبْزٍ يَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً، فَمَاتَ.
وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِبَاقِي الْمُدَّةِ فِي الْكُلِّ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بَدَلَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ يَكْفُلُهُ، فَأَبَتْ، أَوْ أَرَادَتْهُ هِيَ، فَأَبَى - لَمْ يَلْزَمَا، وَكَذَا نَفَقَتُهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً إِذَا مَاتَ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ نَفَقَتَهَا وَصِفَتَهَا، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَكَذَا مَوْتُ مُرْضِعَةٍ أَوْ جَفَافُ لَبَنِهَا فِي أَثْنَائِهَا.
(وَإِنْ خَالَعَ الْحَامِلَ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا، صَحَّ وَسَقَطَتْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ
فَصْلٌ وَيَصِحُّ الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِي بَيْتِهَا مِنَ الْمَتَاعِ، فَلَهُ مَا فِيهِمَا،
[المبدع في شرح المقنع]
مُقَدَّرَةٌ وَاجِبَةٌ بِالشَّرْعِ، فَهُوَ كَالْخُلْعِ عَلَى الرَّضَاعِ؛ وَلِأَنَّهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَهَا وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَجِبْ، فَلَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهَا إِحْدَى النَّفَقَتَيْنِ، فَصَحَّتِ الْمُخَالَعَةُ كَنَفَقَةِ الصَّبِيِّ، وَقِيلَ: إِنْ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ بِالْعَقْدِ وَإِلَّا فَهُوَ خُلْعٌ بِمَعْدُومٍ.
فَرْعٌ: إِذَا خَالَعَ حَامِلًا مِنْهُ فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا لِلْوَلَدِ حَتَّى تَفْطِمَهُ، نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إِذَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ مَهْرِهَا وَنَفَقَتِهَا، وَلَهَا وَلَدٌ - فَلَهَا النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إِذَا فَطَمَتْهُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِمَّا يَجِبُ لَهَا مِنَ النَّفَقَةِ، فَإِذَا فَطَمَتْهُ فَلَهَا طَلَبُهُ بِنَفَقَتِهِ، وَكَذَا السُّكْنَى.
مَسْأَلَةٌ: الْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ كَالْعِوَضِ فِي الصَّدَاقِ وَالْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ، وَلَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ إِلَّا بِقَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ، وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
[الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ]
فَصْلٌ (وَيَصِحُّ الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنًى يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الْعِوَضَ الْمَجْهُولَ كَالْوَصِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْخُلْعَ إِسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنِ الْبُضْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ شَيْءٍ، وَالْإِسْقَاطُ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ بِغَيْرِ عِوَضٍ - عَلَى رِوَايَةٍ، (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ) وَإِنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، فَلَمْ يَصِحَّ بِالْمَجْهُولِ كَالْبَيْعِ (وَالتَّفْرِيعِ عَلَى الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِثَمَنٍ - قَوْلًا وَاحِدًا، بِخِلَافِ الْخُلْعِ عَلَى قَوْلٍ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ فِي ظَاهِرِ نَصِّهِ الْمُسَمَّى (فَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ مَا فِي بَيْتِهَا مِنَ الْمَتَاعِ، فَلَهُ مَا فِيهِمَا) إِذَا كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُخَالَعُ عَلَيْهِ، وَجَهَالَتُهُ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى صِحَّةِ الْخُلْعِ بِالْمَجْهُولِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا سُمِّيَ مَتَاعًا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِصَدَاقِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَتَاعِ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى حَمْلِ أَمَتِهَا أَوْ مَا تَحْمِلُ شَجَرَتُهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَحْمِلَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: تُرْضِيهِ بِشَيْءٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا
[المبدع في شرح المقنع]
يَدِهَا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي الْيَدِ، وَالثَّانِي: لَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِيهَا.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا سُمِّيَ مَتَاعًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّرَاهِمِ وَالْمَتَاعِ حَقِيقَةً (وَقَالَ الْقَاضِي) وَأَصْحَابُهُ (يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِصَدَاقِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَتَاعِ) ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ الْبُضْعَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِوَضُ؛ لِجَهَالَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا قِيمَةُ مَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّدَاقُ، وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُها وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ: صِحَّةُ الْخُلْعِ بِالْمُسَمَّى، لَكِنْ يَجِبُ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ لِمَا تَبَيَّنَ عَدَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَّتْهُ كَحَمْلِ الْأَمَةِ.
الثَّانِي: صِحَّتُهُ بِمَهْرِهَا فِيمَا يَجْهَلُ حَالًا وَمَآلًا، فَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ رَجَعَ إِلَى مَهْرِهَا، وَقِيلَ: إِذَا لَمْ تَغُرُّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
الثَّالِثُ: فَسَادُ الْمُسَمَّى وَصِحَّةُ الْخُلْعِ بِمَهْرِهَا.
الرَّابِعُ: بُطْلَانُ الْخُلْعِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ.
الْخَامِسُ: بُطْلَانُهُ بِالْمَعْدُومِ وَقْتَ الْعَقْدِ كَمَا تَحْمِلُ شَجَرَتُهُ وَصِحَّتُهُ مَعَ الْوُجُودِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا، ثُمَّ هَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرٌ أَوِ الْفَرْقُ؛ قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى حَمْلِ أَمَتِهَا أَوْ مَا تَحْمِلُ شَجَرَتَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا تَحْمِلَانِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُخَالَعُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا، إِذْ لَا أَثَرَ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِحَمْلِ الْأَمَةِ مَا تَحْمِلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ، فَإِنْ لَمْ تَحْمِلَا، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ حَمْلِ الْأَمَةِ وَحَمْلِ الشَّجَرَةِ (فَإِنْ لَمْ تَحْمِلَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: تُرْضِيهِ بِشَيْءٍ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الْخُلْعُ عَنْ عِوَضٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " قَوْلُ أَحْمَدَ: تُرْضِيهِ بِشَيْءٍ أَنَّ لَهُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَمْلِ وَالثَّمَرَةِ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْحَمْلِ، وَلَا حَمْلَ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَقَدَّرَهُ بِتَقْدِيرٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ.
شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَلَهُ أَقَلُّ مَا يُسَمَّى عَبْدًا، وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ طَلَاقًا بَائِنًا، وَمَلَكَ الْعَبْدَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا عَبْدٌ وَسَطٌ فِيهِمَا، وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الْعَبْدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ - طُلِّقَتْ، وَإِنْ خَرَجَ مَعِيبًا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا، لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَيْهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الدَّرَاهِمِ وَالْمَتَاعِ، أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي مَسْأَلَةِ الدَّرَاهِمِ وَالْمَتَاعِ أَوْهَمَتْهُ أَنَّ مَعَهَا دَرَاهِمَ، وَفِي بَيْتِهَا مَتَاعٌ؛ لِأَنَّهَا خَاطَبَتْهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْوُجُودَ مَعَ إِمْكَانِ عِلْمِهَا بِهِ، فَكَانَ لَهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا، كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبْدٍ فَوَجَدَ حُرًّا، وَفِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ دَخَلَ مَعَهَا فِي الْعَقْدِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعِلْمِ فِي الْحَالِ، وَرِضَاهُمَا بِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ غَيْرَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الْحُرِّ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ الْمُسَمَّى (وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَلَهُ أَقَلُّ مَا يُسَمَّى عَبْدًا) أَيْ: يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى مُسَمًّى مَجْهُولٍ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبِيدٍ فَلَهُ ثَلَاثَةٌ - فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ - كَمَسْأَلَةِ الدَّرَاهِمِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ طَلَاقًا بَائِنًا، وَمَلَكَ الْعَبْدَ، نَصَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَطِيَّةُ عَبْدٍ، وَقَدْ وُجِدَ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى عِوَضٍ، وَيَمْلِكُ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ خُرُوجِ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِهِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا عَبْدٌ وَسَطٌ فِيهِمَا) كَالصَّدَاقِ، وَتَأَوَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهَا تُعْطِيهِ عَبْدًا وَسَطًا، وَعَلَى قَوْلِهِ إِنْ أَعْطَتْهُ مَعِيبًا أَوْ دُونَ الْوَسَطِ - فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ أَعْطَتْهُ مُدَبَّرًا أَوْ مُعْتَقًا بَعْضُهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْقِنِّ فِي التَّمْلِيكِ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا، أَوْ مَرْهُونًا، لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إِنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": لَوْ بَانَ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ مُكَاتَبًا، بَانَتْ، وَلَهُ الْقِيمَةُ، وَقِيلَ: لَا تُطَلَّقُ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الْعَبْدَ) أَوِ الثَّوْبَ الْهَرَوِيَّ (فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ - طُلِّقَتْ) ؛ لِتَحَقُّقْ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَيَقَعُ بَائِنًا، (وَإِنْ خَرَجَ مَعِيبًا) أَوْ مَرْوِيًّا (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: إِنْ مَلَكْتُهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ مَلَكَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيمَتِهِ بِالصِّفَةِ سَلِيمًا، أَوْ أَخْذُ أَرْشِهِ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِي عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، فَخَلَعَهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " فِي رُجُوعِهِ بِأَرْشِهِ
يَقَعِ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ: يَقَعُ، وَلَهُ قِيمَتُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ مَرْوِيًّا - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَجْهَانِ، وَأَنَّهُ لَوْ بَانَ مُبَاحَ الدَّمِ بِقَصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقُتِلَ، فَذَكَرَ الْقَاضِي - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - أَنَّهُ يَرْجِعُ بِأَرْشِ عَيْبِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا: يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ (وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا) أَوْ حُرًّا (لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إِنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَطِيَّةً لَهُ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الطَّلَاقِ (وَعَنْهُ: يَقَعُ، وَلَهُ قِيمَتُهُ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ، فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ بِعَطِيَّةِ الْمَغْصُوبِ وَالْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ هُنَا التَّمْلِيكُ، بِدَلِيلِ حُصُولِهِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَمْلُوكًا لَهَا (وَكَذَلِكَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ مَعْنًى، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَا حُكْمًا.
فَرْعٌ: إِذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ مَعِيبًا - بَانَتْ، وَلَهُ طَلَبُ عَبْدٍ سَلِيمٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ قِيمَتَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهَا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ - لَمْ يَصِحَّ، وَقِيلَ: بَلَى، وَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ، فَإِنْ بَاعَتَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ، فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْبَيْعُ.
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ مَرْوِيًّا - لَمْ تُطَلَّقْ) ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي عُلِّقَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ لَمْ تُوجَدْ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَرْوِيٍّ فِي الذِّمَّةِ، فَأَتَتْهُ بِهَرَوِيٍّ - صَحَّ، وَخُيِّرَ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ عَلَى أَنَّهُ قُطْنٌ فَبَانَ كَتَّانًا - رَدَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى عَطِيَّتِهَا إِيَّاهُ فَمَتَى أَعْطَتْهُ عَلَى صِفَةٍ يُمْكِنُهُ الْقَبْضُ - وَقَعَ الطَّلَاقُ، سَوَاءٌ قَبَضَهُ مِنْهَا أَوْ لَا، فَإِنْ هَرَبَ الزَّوْجُ، أَوْ غَابَ قَبِلَ عَطِيَّتِهَا، أَوْ قَالَتْ: يَضْمَنُهُ لَكَ زَيْدٌ، أَوْ أَجْعَلُهُ قَصَاصًا بِمَا لِي عَلَيْكَ، أَوْ أَحَالَتْهُ بِهِ - لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ تَعَذَّرَ الْعَطِيَّةُ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّعَذُّرُ مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ مِنْ جِهَتِهِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمَا؛ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا - اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ، وَبَانَتْ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ تَعْلِيقًا عَلَى شَرْطٍ بِخِلَافٍ الْأَوَّلِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَخَالَعَا عَلَى حُكْمِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ بِمِثْلِ مَا خَالَعَ بِهِ زِيدٌ زَوْجَتَهُ - صَحَّ بِالْمُسَمَّى، وَقِيلَ: بَلْ بِمَهْرِهَا، وَقِيلَ: بَلْ بِمَهْرِ مِثْلِهَا (وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى هَرَوِيٍّ، فَبَانَ