الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ، وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّحَابَةَ تَابَعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَامِسَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ، وَتَابَعُوهُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِيهَا انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ، وَاعْتُدَّ بِهَا، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، بِنَاءً عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا، لِأَنَّهَا سَهْوٌ وَغَلَطٌ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ، وَالْأَوَّلُ نَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهَا زَائِدَةٌ، فَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ مُفْتَرِضٌ، وَكَذَا لَا يَدْخُلُ مَعَهُ فِي سُجُودِ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ.
[الْعَمَلُ الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ]
(وَالْعَمَلُ الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي فِي زِيَادَةِ الْأَفْعَالِ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ) لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالْمَشْيِ، وَالتَّرَوُّحِ، وَنَحْوِهِمَا (يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ مَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً (وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ) لِحَمْلٍ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِمَا إِلَى الْعُرْفِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الشَّرْحِ " (وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) لِعَدَمِ سُجُودِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُ (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ كَالْجِمَاعِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَهُوَ إِجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ فِي الْفَرْضِ، لِأَنَّهُمَا يُنَافِيَانِ الصَّلَاةَ إِلَّا مَا حَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا: إنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرِ شُرْبٍ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَكَذَا النَّفْلُ، قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ، لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الْفَرْضَ أَبْطَلَ النَّفْلَ كَسَائِرِ الْمُبْطِلَاتِ، وَعَنْهُ: لَا، إِذَا كَانَ يَسِيرًا كَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ بِالشُّرْبِ فَقَطْ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ شَرِبَا فِي التَّطَوُّعِ.
قَالَ الْخَلَّالُ: سَهْلٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي
كَانَ سَهْوًا.
لَمْ تَبْطُلْ إِذَا كَانَ يَسِيرًا
وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، لِأَنَّ مَدَّ النَّفْلِ، وَإِطَالَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ مَطْلُوبَةٌ، فَيَحْتَاجُ مَعَهُ كَثِيرًا إِلَى جُرْعَةِ مَاءٍ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، كَمَا سُومِحَ بِهِ جَالِسًا، وَعَلَى الرَّاحِلَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَكْلُ أَوِ الشُّرْبُ (سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ (لَمْ تَبْطُلْ إِذَا كَانَ يَسِيرًا) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ تَرْكَهُمَا عِمَادُ الصَّوْمِ، وَرُكْنُهُ الْأَصْلِيُّ، وَفَوَاتَهُ اقْتِضَاءً لِإِبْطَالِهِ مِنْ إِبْطَالِهِ الصَّلَاةَ، فَإِذَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ حَالَةُ السَّهْوِ فَالصَّلَاةُ أَوْلَى، وَكَالسَّلَامِ، قَالَ فِي " الْكَافِي ": فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِعَمْدِهِ، وَعُفِيَ عَنْ سَهْوِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كجِنْسِ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " لِأَنَّهُ من غير جِنْس الصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى سَهْوُهُ وَعَمْدُهُ، كَالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالْأَكْلِ فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ غَيْرَهُمَا يُبْطِلُهَا إِذَا كَثُرَ فَهُمَا أَوْلَى، وَقِيلَ: الْفَرْضُ وَحْدَهُ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَالْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرِ شُرْبٍ عُرْفًا فِي نَفْلٍ، وَلَوْ عَمْدًا، وَظَاهِرُ مَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " أَنَّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ لَا يَبْطُلُ بِكَثِيرِ ذَلِكَ سَهْوًا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا تَرَكَ بِفِيهِ سُكَّرًا وَنَحْوَهُ، وَبَلَعَ مَا ذَابَ فَهُوَ كَالْأَكْلِ، وَكَمَا لَوْ فَتَحَ فَاهُ فَنَزَلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ فَابْتَلَعَهُ، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا، وَإِنْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ بَقِيَّةُ طَعَامٍ يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ فَبَلَعَهُ، أَوِ ازْدَرَدَهُ بِلَا مَضْغٍ، أَوْ تَرَكَ بِفَمِهِ لُقْمَةً لَمْ يَمْضُغْهَا، وَلَمْ يَبْتَلِعْهَا، لَمْ تَبْطُلْ لِلْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، ذكرهُ جَمْعٌ، لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَاكَهَا فَهُوَ كَالْعَمَلِ إِنْ كَثُرَ تَبْطُلُ، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " و" الرِّعَايَةِ " وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: مَا أَمْكَنَ إِزَالَتُهُ بَطَلَتْ بِابْتِلَاعِهِ.
[إِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ]
(وَإِنْ أَتَى) شَرع فِي بَيَانِ زِيَادَةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ كَالسَّلَامِ، وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَسَيَأْتِي، وَالثَّانِي: مَا لَا يُبْطِلُهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ)
كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، وَهَلْ يَشْرَعُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا أَتَمَّهَا وَسَجَدَ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ،
[المبدع في شرح المقنع]
عَمْدًا سِوَى السَّلَامِ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " وَهُوَ المُرَادُ من أَطْلَقَ (كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ، وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، لَمْ تَبْطُلْ بِهِ) نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " مَسْبُوكِهِ "، وَقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْفَرَجِ فِي قِرَاءَتِهِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ (و) عَلَى الْأَوَّلِ: (لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) كَسَائِرِ مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ (وَهَلْ يُشْرَعُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُشْرَعُ، صَحَّحَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، و" الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " وَنَصَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ قَدَّمَهَا فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِعَمْدِهِ، فَلَمْ يُشْرَعِ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، كَتَرْكِ سُنَنِ الْأَفْعَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ فِيهَا، كَقَوْلِ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَفِي التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ» وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَفِيهِ بُعْدٌ (وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا) لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا، وَالْبَاقِي مِنْهَا إِمَّا رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَكِلَاهُمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا (وَإِنْ كَانَ) السَّلَامُ (سَهْوًا) لَمْ تَبْطُلْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، لِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا (ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا أَتَمَّهَا) زَادَ غَيْرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَاحِدٍ، وَإِنِ انْحَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ، أَوْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، نُصَّ عَلَيْهِ (وَسَجَدَ) لِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتِ السُّرْعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؛ فَقَالَ: لَمْ أَنَسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ، فَقَالَ: كمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؛ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: بِمَ سَلَّمَ؛ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
لَكِنْ إِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إِلَى الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ جُلُوسٍ، لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ، وَشَرْطُ الْإِتْمَامِ اسْتِمْرَارُ الطَّهَارَةِ، فَلَوْ أَحْدَثَ اسْتَأْنَفَهَا (فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ) بَطَلَتْ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، وَلِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ مَعَهُ، وَيَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَالْمُقَارَبَةُ لِمِثْلِ حَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ إِذْ لَمْ يَرِدْ بِتَحْدِيدِهِ نَصٌّ، وَقِيلَ: قَدْرُ رَكْعَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَقِيلَ: قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقِيلَ: مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلصَّلَاةِ.
1 -
تَنْبِيهٌ: إِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْمَتْرُوكَ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةِ غَيْرِهَا، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ عَادَ إِلَى الْأُولَى وَأَتَمَّهَا، وَعَنْهُ: يَسْتَأْنِفُهَا، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْكَافِي " لِتَضَمُّنِ عَمَلِهِ قَطْعَ نِيَّتِهَا، وَعَنْهُ: يَسْتَأْنِفُهَا إِنْ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا، وَذَكَرَ فِي " الْمُبْهِجِ " يُكْمِلُ الْأُولَى مِنَ الثَّانِيَةِ نَفْلًا كَانَتْ أَوْ فَرْضًا، لِأَنَّهُ سَهْوٌ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " فِيمَا
أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مصْلحَةِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهُنَّ تَبْطُلُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ، وَالثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ،
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ أَتَمَّهَا، ثُمَّ سَجَدَ عَقِيبَهَا لِلسَّهْوِ عَنِ الْأُولَى، لِأَنَّهُمَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ سَهْوًا فَلَمْ تَبْطُلْ، كَمَا لَوْ زَادَ رَكْعَةً، وَأَمَّا إِتْمَامُ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْأُولَى بِالسَّلَامِ، وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَلَمْ يَنْوِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَنِيَّةُ غَيْرِهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ نِيَّتِهَا كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (أَوْ تَكَلَّمَ) فِي هَذِهِ الْحَالِ أَيْ: إِذَا سَلَّمَ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ (لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ) كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً، وَنَحْوِهِ (بَطَلَتْ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: " لَا يَحِلُّ مَكَانٌ لَا يَصْلُحُ "، وَعَنْهُ: لَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ النِّسْيَانِ، أَشْبَهَ الْمُتَكَلِّمَ جَاهِلًا، وَأَطْلَقَ جَمْعٌ الْخِلَافَ.
(وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ تَبْطُلُ) مُطْلَقًا اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ، وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِيهِ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ» . وَزَيْدٌ مَدَنِيٌّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ (وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ) مُطْلَقًا، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَقَدَّمَهُ
اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ.
وإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنُ تَمِيمٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَا الْيَدَيْنِ تَكَلَّمُوا، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْلَاحُ الصَّلَاةِ بِإِشَارَةٍ، وَنَحْوِهَا، فَتَكَلَّمَ، فَذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَعَنْهُ: إِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي، لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي حَالِ السَّهْوِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَيَبْقَى فِي غَيْرِهِ عَلَى الْأَصْلِ (وَالثَّالِثَةُ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّأَسِّي بِالْخَلِيفَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا مُجِيبَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجَابَتُهُ وَاجِبَةٌ بِالنَّصِّ، وَلَا بِذِي الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ سَائِلًا عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ، فَعُذِرَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ (دُونَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) لِأَنَّ لَهُ أُسْوَةً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ إِمَامًا، وَتَكَلَّمَ، وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، فَعَلَى هَذِهِ: الْمُنْفَرِدُ كَالْمَأْمُومِ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ بِمَنْ ظَنَّ تَمَامَ صَلَاتِهِ، فسلم ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ: هُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ، كَإِمَامٍ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ، وَنَحْوَهَا، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِعْلَامِ الْمَأْمُومِ، وَالْكَلَامُ غَيْرُ الْمُبْطِلِ مَا كَانَ يَسِيرًا، فَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ أَبْطَلَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ، وَالْقَاضِي زَاعِمًا أَنَّهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَانِعَةَ مِنَ الْكَلَامِ عَامَّةٌ تُرِكَتْ فِي الْيَسِيرِ، لِلْأَخْبَارِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ "، لِأَنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ اسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ.
1 -
مَسْأَلَةٌ: لَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي، نُصَّ عَلَيْهِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] أَيْ: عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فَرْدٌ بِالْكَلَامِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي فَرْضٍ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ إِنْ عُرِفَ كَيْفِيَّةُ الرَّدِّ، وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ عُرْفًا بِلَا ضَرُورَةٍ، وَإِنْ رَدَّهُ لَفْظًا بَطَلَتْ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ آدَمِيٌّ أَشْبَهَ تَشْمِيتَ
سَاهِيًا، أَوْ جَاهِلًا، وَيَسْجُدُ لَهُ
وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ، أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ، فَهُوَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَاطِسِ، وَيَرُدُّهُ إِشَارَةٌ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلَا يَجِبُ فِي الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: فِي فَرْضٍ، وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا لِرَدِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَوْ صَافَحَ إِنْسَانًا يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ.
[الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ]
(وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ:.
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَكَلَّمَ عَمْدًا عَالِمًا أَنَّهُ فِيهَا، مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَا لِأَمْرٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، بَطَلَتْ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ قَالَ: «فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِيهَا» وَأَبْعَدَ فِي " الرِّعَايَةِ " فَحَكَى قَوْلًا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَكَلَّمَ سَاهِيًا، وَهُوَ مُبْطِلٌ لَهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِلْعُمُومِ (وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ سَاهِيًا) قَدَّمَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَنَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ "، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَكَلَّمَ سَاهِيًا أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ يَظُنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ، فَيُسَلِّمُ، وَيَتَكَلَّمُ (أَوْ جَاهِلًا) ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ حِينَ شَمَّتَ الْعَاطِسَ جَهْلًا بِتَحْرِيمِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَالسَّاهِي مِثْلُهُ، لِأَنَّ مَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ أَوِ الْإِبْطَالِ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
" الْجَامِعِ ": لَا أَعْرِفُ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي الْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْحَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ بِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا تَبْطُلُ بِحَالٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا» فَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِعَادَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ هَذَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِمِثْلِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ جَاهِلًا، وَقَدْ ذُكِرَ.
(وَيَسْجُدُ لَهُ) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ عَمْدَهُ يُبْطِلُهَا، فَوَجَبَ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ.
لَا يُقَالُ: لَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بِالسُّجُودِ فَكَيْفَ يَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا، وَالْإِمَامُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ سَهْوَهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَخْرُجَ الْحُرُوفُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَمَا لَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ أَوْ عُطَاسٌ أَوْ تَثَاؤُبٌ، فَبَانَ حَرْفَانِ، أَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ حَالَ قِرَاءَتِهِ إِلَى كَلِمَةٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ لَمْ تَبْطُلْ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ كَالنَّاسِي.
الثَّانِي: أَنْ يَنَامَ فَيَتَكَلَّمَ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنِ الْجَوَابِ عَنْهُ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِهِ، لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَلِعَدَمِ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ، وَعِتْقِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْكَلَامِ فَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " الْإِبْطَالَ بِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى زِيَادَةِ رُكْنٍ أَوْ رَكْعَةٍ، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ كَالنَّاسِي لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ الْقَاضِي: هُوَ
كَالْكَلَامِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ،
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَفْوِ، وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ، نَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ "، لِأَنَّ الفعل غير مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إِتْلَافِ مَال لَمْ يَضْمَنْهُ، وَالنَّاسِي يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ النِّسْيَانَ يَكْثُرُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَاجِبٍ، مِثْلَ أَنْ يَخْشَى عَلَى ضَرِيرٍ أَوْ صَبِيٍّ الْوُقُوعَ فِي هَلَكَةٍ، أَوْ يَرَى حَيَّةً تَقْصِدُ غَافِلًا، أَوْ نَارًا يَخَافُ أَنْ تَشْتَعِلَ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّنْبِيهُ بِالتَّسْبِيحِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَبْطُلُ بِهِ لِمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالنَّاسِي، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ اسْتِغْنَاؤُهُ بِإِشَارَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَتَكَلَّمَ بِزِيَادَةٍ عَلَى حَاجَتِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُبْطِلَ مِنْهُ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ كَقَوْلِهِ أَبٌ، وَدَمٌ أَيْ: ظَاهِرًا، لِأَنَّهُ لَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةٌ مِنْ أَقَلَّ مِنْهُمَا، فَلَوْ قَالَ: لَا، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهَا لَامٌ وَأَلِفٌ.
[الْقَهْقَهَةُ وَالنَّفْخُ وَالِانْتِحَابُ فِي الصَّلَاةِ]
(وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ، فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: إِذَا قَهْقَهَ، وَهِيَ ضِحْكَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَإِنْ قَالَ: قَهْ قَهْ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبِنْ حَرْفَانِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَقَدَّمَهُ الْأَكْثَرُ، كَالْمَتْنِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ، وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِيهَا بِمَا يُنَافِيهَا أَشْبَهَ خطاب الْآدَمِيَّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِالتَّبَسُّمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا نَفَخَ فِيهَا فَهُوَ كَالْكَلَامِ إِذَا بَانَ حَرْفَانِ ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، والمحرر و " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَفَخَ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَعَنْهُ: عَكْسُهَا، رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ لِقُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: نَتَأَذَّى بِرِيشِ الْحَمَامِ إِذَا سَجَدْنَا، فَقَالَ: انْفُخُوا.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقُدَامَةُ صَحَابِيٌّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَخَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَكَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ حَرْفَانِ فَإِنِ انْتَظَمَ بَطَلَتْ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا انْتَحَبَ بِأَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةٍ، كَالْكَلَامِ إِذَا بَانَ حَرْفَانِ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا غَلَبَ صَاحِبَهُ، وَمَا لَمْ يَغْلِبْهُ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" النِّهَايَةِ ": إِنَّهُ إِذَا غَلَبَ صَاحِبَهُ لَمْ يَضُرَّهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ، وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا.
قَوْلُهُ: فَهُوَ كَالْكَلَامِ أَيْ: يَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا انْتَحَبَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، لِمَا رَوَى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عُمَرُ يَبْكِي حَتَّى يُسْمَعَ لَهُ نَشِيجٌ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ، وَهُوَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَكُنْ عَنْ غَلَبَةٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْبَاكِينَ فَقَالَ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: 109] ، وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا تَضَمَّنَ حَرْفًا أَوْ حُرُوفًا، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ، وَلِهَذَا مَدَحَ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114] ، وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ أَحْمَدَ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَالْمَدْحُ عَلَى الْبُكَاءِ لَا يُخَصِّصُهُ، كَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَشْيَةٍ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْهِجَاءِ، وَيَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَعْنَى كَالْكَلَامِ، وَإِنِ اسْتَدْعَى الْبُكَاءَ كُرِهَ، كَالضَّحِكِ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا تَأَوَّهَ أَوْ أَنَّ، فَبَانَ حَرْفَانِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ، فَدَلَّ أَنَّهُمَا إِذَا ظَهَرَا مِنْ بُكَاءٍ أَوْ بُصَاقٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ أَوْ سُعَالٍ لَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا تَبْطُلُ قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْكَلَامَ نَاسِيًا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَالِبًا لَا تَبْطُلُ بِهِ، وَإِنْ بَانَ حَرْفَانِ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: هِيَ كَالنَّفْخِ، وَالْقَهْقَهَةِ، إِنْ بَانَ حَرْفَانِ فَسَدَتْ، لِأَنَّهُ إِذَا أَبَانَهُمَا كَانَ مُتَكَلِّمًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنَّ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ) نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ، وَمُهَنًّا.
(وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ) اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ
فَصْلٌ وَأَمَّا النَّقْصُ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى،
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ: «كَانَ لِي مَدْخَلَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ فَإِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي يَتَنَحْنَحُ لِي» ، وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّها صَوْتٌ لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ، وَلَا مَعَ لَفْظِ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنًى، لِكَوْنِهَا حُرُوفًا غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ، كَصَوْتٍ أُعْقِلَ، وَلَا يُسَمَّى فَاعِلُهَا مُتَكَلِّمًا، بِخِلَافِ النَّفْخِ، وَالتَّأَوُّهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ تَنَحْنَحَ لِضَرُورَةٍ أَوْ حاجة فبان حَرْفَانِ فَوَجْهَانِ، وَحَمَلَ الْأَصْحَابُ مَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحَرْفَيْنِ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهَا.
[النَّقْصُ فِي الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ (وَأَمَّا النَّقْصُ، فَمَتَّى تَرَكَ رُكْنًا) نَاسِيًا أَوْ سَاهِيًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، أَوِ النِّيَّةِ إِذَا قُلْنَا بِرُكْنِيَّتِهَا (فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بَطَلَتِ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) فَقَطْ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا، وَلَمْ يُمْكِنِ اسْتِدْرَاكُهُ لِتَلَبُّسِهِ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَلَغَتْ رَكْعَتَهُ، وَصَارَتِ الَّتِي تَشْرَعُ فِيهَا عِوَضًا عَنْهَا، وَلَا يُعِيدُ الِاسْتِفْتَاحَ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ ذَكَرَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَعَتْ عَنِ الْأُولَى، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ قَدْ صَحَّتْ، وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ سَهْوًا لَا يَبْطُلُ كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ فَقَرَّبه، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ وَجْهًا، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، لِأَنَّ الْمَزْحُومَ فِي الْجُمْعَةِ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ، وَيَسْجُدُ مَعَهُ، وَيَكُونُ السُّجُودُ مِنَ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى.
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ التَّرْكُ مِنَ
بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهُ وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، عَادَ فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأُولَى صَارَتِ الثَّانِيَةُ أَوَّلِيَّتَهُ، وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَتَهُ، وَالرَّابِعَةُ ثَالِثَتَهُ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةِ، فَإِنْ رَجَعَ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنَ الرَّكَعَاتِ قَبْلَ الْمَتْرُوكِ رُكْنُهَا، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: بَلَى، وَبَعْدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ (وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الْقِرَاءَةِ (عَادَ) لُزُومًا (فَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِالْمَتْرُوكِ، نُصَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْقِيَامِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ؛ وَلِأَنَّهُ أَيْضًا ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، فَذَكَرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي الْحَالِ، وَقَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": مَنْ تَرَكَ رُكْنًا نَاسِيًا فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى شَرَعَ فِي رُكْنٍ آخَرَ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ لَمْ يُعِدْ مَعَ عِلْمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّهُ فعل غير مُتَعَمِّدٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ، وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا لَمْ يُعِدْهُ لَا يُعْتَدُّ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْدُ الْمَتْرُوكِ، فَإِنْ ذَكَرَ الرُّكُوعَ، وَقَدْ جَلَسَ أَتَى بِهِ، وَبِمَا بَعْدَهُ، فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ قَامَ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَانَ جَلَسَ لِلْفَصْلِ، أَتَى بِالسَّجْدَةِ فَقَطْ، وَلَمْ يَجْلِسْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ، وَقِيلَ: بَلَى، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَإِلَّا جَلَسَ لِلْفَصْلِ، ثُمَّ يَسْجُدُ (و) يَأْتِي مَعَهُ (بِمَا بَعْدَهُ) لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَغَتْ بِتَرْكِ رُكْنِهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَإِذَا سَلَّمَ قَبْلَ ذِكْرِهَا فَقَدْ سَلَّمَ مِنْ نَقْصٍ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يُطِلْ، بَلْ كَانَ عَنْ قُرْبٍ عُرْفًا لَمْ تَبْطُلْ، وَأَتَى بِرَكْعَةٍ، وَظَاهِرُهُ لَوِ انْحَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ أَوْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَيَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ نَقَلَهُ حَرْبٌ بِخِلَافِ تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِتَمَامِهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، و" التَّلْخِيصِ " تَبْطُلُ، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِدْرَاكُهُ، لِكَوْنِهِ خَرَجَ مِنْهَا
رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً، فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثٍ،
[المبدع في شرح المقنع]
بِالسَّلَامِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ رَكْعَةً، فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ لَخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ سَلَامًا أَتَى بِهِ فَحَسْبُ، وَإِنْ كَانَ تَشَهُّدًا أَتَى بِهِ وَبِالسَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا أَتَى بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقِيلَ: يَأْتِي بِالرُّكْنِ، وَبِمَا بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ فَقَدْ سَبَقَ.
1 -
تَنْبِيهٌ: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، أَوْ جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ، بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنَ الصَّلَاةِ وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا، فَيَكُونُ مَغْرُرًا بِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ، وَلَا تَسْلِيمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِهِ، أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَرَكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ مِنَ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ، جَعَلَهَا مِنَ الْأُولَى، وَأَتَى بِرَكْعَةٍ، وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ، سَجَدَ سَجْدَةً، وَحَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ لَغَتِ الْأُولَيَانِ، فَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ رُكُوعٌ أَوْ سُجُودٌ جَعَلَهُ رُكُوعًا، وَإِنْ شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ جَعَلَهُ قِرَاءَةً، وَإِنْ تَرَكَ اثْنَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ مِنَ الْفَاتِحَةِ جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيَهُمَا جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
1 -
(وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً، فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ بِشُرُوعِهِ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَبَقِيَتِ الرَّابِعَةُ
وَعَنْهُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَنَهَضَ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا، وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ، وَإِنْ شَرَعَ
[المبدع في شرح المقنع]
نَاقِصَةً فَيُتِمُّهَا بِسَجْدَةٍ فَتَصِحُّ، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيَأْتِي بِالثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَيُسَلِّمُ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ، وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ، لِأَنَّ أَحْمَدَ حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ لَهُ سِوَى تكبيرة الْإِحْرَامِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا (وَعَنْهُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ) وَقَالَهُ إِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّلَاعُبِ فِي الصَّلَاةِ، وَيُفْضِي إِلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الشَّرْحِ " عَلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى سَلَّمَ بَطَلَتْ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، و" التَّلْخِيصِ " رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ بَطَلَتْ بِسَلَامِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: كَمَا لَوْ لَمْ يُسَلِّمْ، وَإِنْ ذَكَرَ، وَقَدْ قَرَأَ فِي الْخَامِسَةِ فَهِيَ أُولَاهُ، وَلَغَا مَا قَبْلَهَا، ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَلَا يُعِيدُ الِافْتِتَاحَ، وَتَشَهُّدُهُ قَبْلَ سَجْدَتَيِ الْأَخِيرَةِ زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ (وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ "، و" الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسُ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ» رَوَاهُ أحمد وأبو دَاوُدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ، وَذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، سَوَاءٌ فَارَقَتْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ، أَوْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقَرَبُ، وَيَجِبُ عَلَى مَأْمُومٍ اعْتَدَلَ مُتَابَعَتُهُ (وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا) وَلَمْ يَقْرَأْ (لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْمَذْهَبِ " و" التَّلْخِيصِ " و" الْكَافِي "
فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ قَبْلَ الِاعْتِدَالِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ، لِأَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، وَلِهَذَا جَازَ تَرْكُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ، وَالْأَشْهَرُ يُكْرَهُ رُجُوعُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَعَنْهُ: يَمْضِي وُجُوبًا، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ، فَلَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ كَالْقِرَاءَةِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَقَالَهُ النُّخَعِيُّ، وَيَتْبَعُهُ الْمَأْمُومُ (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، وَكَذَا حَالُ الْمَأْمُومِينَ إِنْ تَبِعُوهُ، وَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ فَلَمْ يَرْجِعْ تَشَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَتَبِعُوهُ، وَقِيلَ: بَلْ يُفَارِقُونَهُ، وَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ) جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَعَنْهُ: إِنْ كَثُرَ نُهُوضُهُ، وَإِنْ قَلَّ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرُّكُوعِ سَجَدَ، لِأَنَّهُ زَادَ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: إِذَا لَمْ يَعْتَدِلْ قَائِمًا فَلَا سُجُودَ، وَحَكَاهُ فِي " شَرْحِ الْمَذْهَبِ " عَنْ شَيْخِهِ لِخَبَرٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
مَسْأَلَةٌ: حُكْمُ تَرْكِ الذِّكْرِ فِيهِ كَتَرْكِهِمَا، فَلَوْ نَسِيَ تَسْبِيحَ رُكُوعٍ، فَذَكَرَهُ بَعْدَ زَوَالِهِ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ حَتَّى انْتَصَبَ قَائِمًا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ يَزِيدُ رُكُوعًا، وَيَأْتِي بِالتَّسْبِيحِ فِي رُكُوعٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ رَجَعَ بَطَلَتْ لَا سَهْوًا، بَلْ يَسْجُدُ لَهُ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِي هَذَا الرُّكُوعِ لَمْ يُدْرِكْهَا، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي قِيَاسًا عَلَى
فَصْلٌ وَأَمَّا الشَّكُّ، فَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَعَنْهُ:
[المبدع في شرح المقنع]
الْقِيَامِ مِنْ تَرْكِ التَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ مِثْلَهُ، لِأَنَّ التَّشَهُّدَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ، لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي غَيْرِهَا، كَالتَّسْبِيحِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي التَّشَهُّدِ لَا يَرْجِعُ إِمَّا جَزْمًا كَمَا فِي " الْمُغْنِي " أَوِ اسْتِحْبَابًا كَالْمَشْهُورِ، وَقِيَاسُ بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ مِثْلُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ.
[الشَّكُّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ]
فَصْلٌ (وَأَمَّا الشَّكُّ:) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِمَّا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ (فَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَطَهَارَةٍ، وَطَوَافٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شُكَّ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (وَعَنْهُ: يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَذَكَرَ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ» ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُهَا مَنْ يَعْرِضُ لَهُ أَوَّلًا، وَقَالَ: عَلَى هَذَا عَامَّةُ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ يُقَالُ فِي طَوَافٍ، وَسَعْيٍ، وَرَمْيِ جِمَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإِمَامَ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " و" الْوَجِيزِ "
يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ، وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ مَنْ يُنَبِّهُهُ، وَيُذَكِّرُهُ إِذَا أَخْطَأَ الصَّوَابَ، بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ، وَمُرَادُهُمْ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ، فَبِالْيَقِينِ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ إِلَى فِعْلِ إِمَامِهِ، وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَيُعَايَا بِهَا، وَذَكَرَ فِي " الْمَذْهَبِ " أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا الْإِمَامُ فِي الْأَصَحِّ (فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْإِمَامِ، وَالْمُنْفَرِدِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتْبَعُ إِمَامَهُ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِخَطَئِهِ، وَإِنْ جَزَمَ بِخَطَئِهِ لَمْ يَتْبَعْهُ، وَلَمْ يُسَلِّمْ قَبْلَهُ، وَإِنْ تَيَقَّنَ الْإِمَامُ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ فِي الْأَشْهَرِ، وَسَوَاءٌ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ (وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) وَيَعْمَلُ بِالْيَقِينِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَقِيلَ: هُوَ كَرَكْعَةٍ قِيَاسًا، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: التَّحَرِّي سَائِغٌ فِي الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالنِّيَّةُ عَلَى مَا مَرَّ (وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ السُّجُودُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَالثَّانِي: لَا قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ (وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، كَشَكِّهِ فِيهَا وَقْتَ فِعْلِهَا.
فَلَوْ بَانَ صَوَابُهُ أَوْ سَجَدَ، ثُمَّ بَانَ لَمْ يَسْهُ أَوْ سَهَا بَعْدَهُ قَبْلَ سَلَامِهِ فِي سُجُودِهِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فِي النَّقْصِ لَا الزِّيَادَةِ، وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، فَإِنْ
وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ.
وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ إِلَّا أَنْ يَسْهُوَ
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَقِيلَ: بَلَى مَعَ قِصَرِ الزَّمَنِ فَإِنْ طَالَ فَلَا، وَجْهًا وَاحِدًا.
فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ هَلْ سَهْوُهُ مِمَّا يُسْجَدُ لَهُ أَوْ لَا؛ أَوْ ظَنَّ أَنَّ لَهُ سَهْوًا فَسَجَدَ لَهُ، فَبَانَ سُجُودُهُ لَهُ سَهْوًا، فَهَلْ يَسْجُدُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ كَثُرَ السَّهْوُ حَتَّى صَارَ وَسْوَاسًا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ.
[لَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ]
(وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ بَعْدَ السَّلَامِ، لَكِنْ إِنْ سَهَا فَسَلَّمَ مَعَهُ، أَوْ سَهَا مَعَهُ أَوْ فِيمَا انْفَرَدَ سَجَدَ، وَكَذَا إِنْ سَهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ إِمَامِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً (إِلَّا أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ فَيَسْجُدَ مَعَهُ) وَحَكَاهُ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَسَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَسْبُوقٌ مَعَ إِمَامِهِ إِنْ سَهَا إِمَامُهُ فِيمَا أَدْرَكَهُ، وَكَذَا فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْحَقُهُ حُكْمُهُ فَلَا يَسْجُدُ مَعَهُ، بَلْ يَقْضِي، ثُمَّ يَسْجُدُ إِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَهُ تَبِعَهُ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ مُتَابَعَةِ إِمَامِهِ، وَتَأْخِيرِ السُّجُودِ إِلَى آخِرِ صَلَاتِهِ، وَإِذَا تَبِعَ الْمَسْبُوقُ إِمَامَهُ، ثُمَّ قَضَى هَلْ يُعِيدُ السُّجُودَ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يُعِيدُ، لِأَنَّ مَحَلَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَإِنَّمَا سَجَدَ مَعَ إِمَامِهِ تَبَعًا، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّهُ قَدْ سَجَدَ، وَانْجَبَرَتْ صَلَاتُهُ فَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ سَجَدَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَ إِمَامِهِ، وَلَوْ لَمْ يُكْمِلِ التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يُتِمُّهُ، وَقِيلَ: ثُمَّ يُعِيدُ السُّجُودَ إِذَا سَلَّمَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَامَ مَأْمُومٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، فَسَجَدَ إِمَامُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقُلْنَا: يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ إِمَامِهِ فَهُوَ كَالْقَائِمِ عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَعُودُ أَوْ لَا أَوْ يُخَيَّرُ؛ فِيهِ رِوَايَاتٌ، فَإِنْ كَانَ قَرَأَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي إِحْدَى سَجْدَتَيِ السَّهْوِ سَجَدَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِالثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَضَى صَلَاتَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَأْتِي بِهَا، بَلْ يَقْضِي صَلَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ، وَقَبْلَ السَّلَامِ
إِمَامُهُ، فَيَسْجُدَ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ، فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَصْلٌ وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ، وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ إِلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إِذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْجَمِيعَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَعَنْهُ: مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ، كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَسْجُدْ، قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَسْجُدُ، اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِسَهْوِ إِمَامِهِ فَلَزِمَهُ جَبْرُهَا، وَكَمَا لَوِ انْفَرَدَ لِعُذْرٍ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ، «فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْجُدُ تَبَعًا، وَلَمْ يُوجَدْ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَأَصْلُهُمَا هَلْ سُجُودُ الْمَأْمُومِ تَبَعًا أَوْ لِسَهْوِ إِمَامِهِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا تَرَكَهُمَا الْإِمَامُ سَهْوًا، فَإِنْ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ الْوَاجِبِ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَفِي صَلَاتِهِمْ رِوَايَتَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَأْمُومِ غَيْرُ الْمَسْبُوقِ بِبَعْضِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
[مَحَلُّ سُجُودِ السَّهْوِ]
فَصْلٌ (وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ، وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، سِوَى نَفْسِ سُجُودِ سَهْوٍ قَبْلَ سَلَامٍ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ سَهْوِهِ، وَيَبْطُلُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهُ (وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، إِلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إِذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذِي الْيَدَيْنِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهَا، فَكَانَ قَبْلَ السَّلَامِ كَسُجُودِ صُلْبِهَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ أَقَلَّ، وَقَالَ فِي الْخِلَافِ، و" الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِمَا: عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ، وَإِلَّا قَبْلَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْجَمِيعَ قَبْلَ السَّلَامِ) اخْتَارَهُ أَبُو
قَبْلَهُ، وَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، قَضَاهُ مَا لَمْ يُطِلِ الْفَصْلَ، أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ.
[المبدع في شرح المقنع]
مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَابْنُهُ أَبُو الْفَرَجِ قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": وَهُوَ الْقِيَاسُ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَغَيْرِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّامِيِّينَ (وَعَنْهُ: مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَانَ قَبْلَهُ) وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَجَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَانَ مِنْ نَقْصٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ سُجُودٍ سَجَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَسَائِرُ السُّجُودِ قَبْلَهُ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي مَحَلِّ وُجُوبِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفَضْلِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلِ، فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ النَّسْخِ (وَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَ السَّلَامِ قَضَاهُ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ) عُرْفًا (أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ) ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " و" الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِمْ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ والكلام» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ فَلَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ كَرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الصَّلَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُدَّةُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا طَالَ أَوْ خَرَجَ أَوْ أَحْدَثَ لَمْ يَسْجُدْ، وَصَحَّتْ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِلْخَبَرِ، وَعَنْهُ: مَتَّى تَكَلَّمَ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: إِنْ تَكَلَّمَ لَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدْ، وَقِيلَ: إِنْ طَالَ الْفَصْلُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يُمْنَعْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْجِدِ حُكْمُ الْبُقْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فَكَأَنَّهُ بَاقٍ فِي مُصَلَّاهُ بِدَلِيلِ الِاقْتِدَاءِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَطُلِ
وَيَكْفِيهِ لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّهُمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَمَتَى سَجَدَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْفَصْلُ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَجَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ لِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ، فَالسُّجُودُ أَوْلَى، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ، وَإِنْ خَرَجَ، وَطَالَ الْفَصْلُ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَعَنْهُ: لَا يَسْجُدُ مُطْلَقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: إِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَتَوَضَّأَ أَنَّهُ يَسْجُدُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، سَجَدَ إِذَا سَلَّمَ، وَقِيلَ: إِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، وَلَا يُجِبُ بِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ سَاهِيًا سُجُودٌ آخَرُ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ، لِأَنَّهُ جَابِرٌ لِلْعِبَادَةِ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ السُّجُودُ الْوَاجِبُ بَطَلَتْ.
[يَكْفِي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ]
(وَيَكْفِيهِ لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ) إِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ مَحَلُّهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ (إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّهمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا يَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَهَا فَسَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَسَجَدَ لَهُمَا سُجُودًا وَاحِدًا، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْجَبْرِ فَكَفَى فِيهِ سُجُودٌ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا أُخِّرَ لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّهُ، وَالثَّانِي: يَتَعَدَّدُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِعُمُومِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَهْوٍ يَقْتَضِي سُجُودًا، وَإِنَّمَا يَتَدَاخَلَانِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ السَّهْوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ السَّلَامِ سُجُودَانِ الْجِنْسَانِ مَا كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَبَعْدَهُ، وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَإِذَا قِيلَ بِالتَّدَاخُلِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ، وَقِيلَ: الْحُكْمُ لِلْأَسْبَقِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَوْ لَا؛ سَجَدَ مَرَّةً فِي الْأَشْهَرِ، فَلَوْ فَارَقَ إِمَامَهُ لِعُذْرٍ، وَقَدْ سَهَا الْإِمَامُ، ثُمَّ سَهَا الْمَأْمُومُ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَيَكْفِيهِ فِي الْأَصَحِّ سُجُودٌ لِسَهْوَيْنِ، أَحَدُهُمَا جَمَاعَةً، وَالْآخَرُ مُنْفَرِدًا.
بَعْدَ السَّلَامِ، جَلَسَ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قَبْل السَّلَامِ عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ) زَادَ الْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ قَبْلَهُ فَنَسِيَهُ إِلَى مَا بَعْدَهُ (جَلَسَ فَتَشَهَّدَ) أَيِ: التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ وُجُوبًا (ثُمَّ سَلَّمَ) وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُسَلِّمُ لَهُ، فَكَانَ مَعَهُ تَشَهُّدٌ يَعْقُبُهُ سَلَامٌ، كَسُجُودِ الصُّلْبِ، وَفِي تَوَرُّكِهِ فِي شَأْنِهِ وَجْهَانِ، وَيُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقِيلَ: إِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ كَبَّرَ وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصِفَتُهُ، وَمَا يَقُولُ فِيهِ، وَبَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ الصُّلْبِ، وَقِيلَ: لَا يَتَشَهَّدُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَسُجُودِهِ قَبْلَ السَّلَامِ، ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرَدٌ أَشْبَهَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ.
(وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا؛ بَطَلَتِ الصَّلَاةُ) بِمَا قَبْلَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَعَنْهُ: لَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا مَعَ قَطْعِهِ بِوُجُوبِهِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ (وَإِنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ جَبَرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارِجٌ مِنْهَا، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهَا، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَعَنْهُ: تَبْطُلُ قِيَاسًا عَلَى الْمَشْرُوعِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْوَاجِبِ لَهَا، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْجَمَاعَةَ وَاجِبٌ لَهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ عَلَيْهِمَا الرِّوَايَتَانِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ
وهي أفضل تطوع البدن.
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ]
[آكَدُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ]
التَّطَوُّعُ فِي الْأَصْلِ: فِعْلُ الطَّاعَةِ، وَشَرْعًا وَعُرْفًا: طَاعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
وَالنَّفْلُ وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ، وَالتَّنَفُّلُ: التَّطَوُّعُ (وَهِيَ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ) لِمَا رَوَى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إِلَى سَالِمٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: سَالِمٌ لَمْ يَلْقَ ثَوْبَانَ، بَيْنَهُمَا مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صِحَاحًا، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ "، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ "، وَمَالِكٌ فِي " مَوَطَّئِهِ " بَلَاغًا، وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا ضَعْفٌ؛ وَلِأَنَّ فَرْضَهَا آكَدُ الْفُرُوضِ، فَتَطَوُّعُهَا آكَدُ التَّطَوُّعَاتِ، وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنَ الْعِبَادَةِ: الْإِخْلَاصَ، وَالْقِرَاءَةَ، وَالرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ، وَمُنَاجَاةَ الرَّبِّ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَالتَّسْبِيحَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ.
وَذَكَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: ثُمَّ الْعِلْمُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ.
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ تَطَوُّعٍ بَدَنِيٍّ مَحْضٍ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ، بِأَنَّ الرِّبَاطَ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ
ثُمَّ الْوَتْرُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ
[المبدع في شرح المقنع]
اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يَنْوِي: يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ.
وَقِيلَ: بَلِ الصَّوْمُ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي أُمَامَةَ: " عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِيهِ لِينٌ.
وَقِيلَ: مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ؛ كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَاتِّبَاعِ جِنَازَةٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: الْحَجُّ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ جِهَادٌ؛ فَإِنَّ فِيهِ مَشْهَدًا لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ؛ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَإِنْ مَاتَ بِهِ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا: أَفْضَلِيَّةَ الذِّكْرِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَفْضَلَهَا جِهَادٌ ثُمَّ تَوَابِعُهُ، ثُمَّ عِلْمٌ: تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ، ثُمَّ صَلَاةٌ.
وَنَصَّ: أَنَّ طَوَافَ الْغَرِيبِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِيهِ، وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحِ، ثُمَّ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ، فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقٍ، وَعِتْقٌ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، إِلَّا زَمَنَ حَاجَةٍ، ثُمَّ حَجٌّ، ثُمَّ عِتْقٌ، ثُمَّ صَوْمٌ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الذِّكْرَ بِقَلْبٍ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِلَا قَلْبٍ؛ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: (وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، أَشْبَهَا الْفَرَائِضَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ صلاة الْكُسُوفَ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَتْرُكْهَا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا، بِخِلَافِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَسْقِي تَارَةً، وَيَتْرُكُ أُخْرَى، وَيُلْحَقُ بِهِمَا فِي الْآكَدِيَّةِ مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ كَالتَّرَاوِيحِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "؛ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْفُرُوعِ ".
[الْوَتْرُ]
[حُكْمُ الْوَتْرِ]
(ثُمَّ الْوَتْرُ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا أَنَّهُ آكَدُ مِمَّا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: رَكْعَتَا الْفَجْرِ آكَدُ مِنْهُ؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ.
وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ آكَدُ مِنَ التَّرَاوِيحِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ سَأَلَهُ عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَذَّبَ عُبَادَةُ رَجُلًا يَقُولُ: الْوَتْرُ وَاجِبٌ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» الْخَبَرَ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْوَتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَشْبَهَ السُّنَنَ، وَعَنْهُ: هُوَ وَاجِبٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوَتْرُ حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ،
صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ
وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: الْمَوْقُوفُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ.
وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُوَاظِبُ عَلَيْهِ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ تَرَكَ الْوَتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ.
[وَقْتُ الْوَتْرِ]
(وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّانِي، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ: «لَقَدْ أَمَدَّكُمُ اللَّهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ؛ وَهِيَ الْوَتْرُ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَعَنْ مُعَاذٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْهُ: إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ.
وَيُحْمَلُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ؛ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، ويدخل فِي كَلَامِهِ مَا لَوْ جَمَعَ الْعِشَاءَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ يَكُونُ قَضَاءً، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا: أَنَّهُ يَكُونُ أَدَاءً، لِحَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ.
وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ آخِرَ اللَّيْلِ لِمَنْ وَثِقَ، لَا مُطْلَقًا.
رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ
وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ سَرَدَ ثَمَانِيًا وَجَلَسَ، فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الْقَاضِي: وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ كَوَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ.
وَقِيلَ: كُلُّ اللَّيْلِ سَوَاءٌ، وَمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَهُ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[أَقَلُّ الْوَتْرِ]
(وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ؛ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، (وَأَكْثَرُهُ) وَفِي " الْوَجِيزِ "، وَأَفْضَلُهُ: (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى؛ فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ الْعِشَاءُ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا صَلَاةٌ، حَتَّى فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَعَنْهُ: يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنَّهُ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ كَانَ قَبْلَهَا صَلَاةٌ مُتَقَدِّمَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بَأْسَ بِالْوَتَرِ بِرَكْعَةٍ، لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
صَلَّى التَّاسِعَةَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ السَّبْعُ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ، لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: لَهُ سَرْدُ عَشَرَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يُوتِرُ بِالْأَخِيرَةِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَهُ سَرْدُ إِحْدَى عَشْرَةَ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ وَسَلَامٍ.
وَقِيلَ: أَكْثَرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ» . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا جَالِسًا بَعْدَ الْوَتْرِ، أَوْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ عَقِيبَ الشَّفْعِ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا عَنْهُ، وَلَيْسَ كَالْمَغْرِبِ حَتْمًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا أَنَّهُ رَكْعَةٌ قَبْلَهُ شَفْعٌ لَا حَدَّ لَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَتَمَسُّكًا بِأَخْبَارٍ فِيهَا ضَعْفٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا.
[الْوَتْرُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ]
(وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ؛ سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ فَتَشَهَّدَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُمَّ صَلَّى التَّاسِعَةَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيلَ: كَإِحْدَى عَشْرَةَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ.
قَالَ فِي " الْخِلَافِ " عَنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: قَصَدَ بَيَانَ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ غَيْرَهُ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ هَذَا.
(وَكَذَلِكَ السَّبْعُ) أَيْ: يَسْرُدُ سِتًّا، وَيَجْلِسُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي السَّابِعَةَ، وَيَتَشَهَّدُ،
آخِرِهِنَّ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ.
يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ:
[المبدع في شرح المقنع]
وَيُسَلِّمُ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالْأَشْهُرُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ: أَنَّ السَّبْعَ كَالْخَمْسِ؛ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
(وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ؛ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ) هَذَا الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ.
وَالثَّانِي: يُصَلِّي الْجَمِيعَ بِسَلَامٍ، فَيَجْلِسُ عَقِبَ الشَّفْعِ، وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ.
(وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ) ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ؛ مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افْصِلْ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِسَنَدِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ وَهُوَ قَوْلُ
" سَبِّحْ "، وَفِي الثَّانِيَةِ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ "، وَفِي الثَّالِثَةِ: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "
وَيَقْنُتُ فِيهَا
[المبدع في شرح المقنع]
جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ الْمُفْرَدَةَ اخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهَا، وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، فَلِذَلِكَ كَانَتِ الثَّلَاثُ أَدْنَى لِلْكَمَالِ، لَكِنْ إِنْ سَرَدَهُنَّ بِسَلَامٍ جَازَ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا صَلَّى الثَّلَاثَ بِسَلَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ عَقِيبَ الثَّانِيَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ جَلَسَ؛ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يَكُونُ وَتْرًا.
[الْقِرَاءَةُ فِي الْوَتْرِ]
(يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: " سَبِّحْ "، وَفِي الثَّانِيَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
زَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: «فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ " ثَلَاثًا» ، وَلَهُمَا فِي رِوَايَةٍ: «وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالْآخِرَةِ» ، وَعَنْهُ: يُضِيفُ مَعَ الْإِخْلَاصِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقْرَأُ بِذَلِكَ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، لَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ.
وَذَكَرَ فِي " التَّحْقِيقِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ زِيَادَتَهُمَا.
[الْقُنُوتُ فِي الْوَتْرِ]
(وَيَقْنُتُ فِيهَا) أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ فِي وَتْرِهِ أَشْيَاءَ تَأْتِي، وَ (كَانَ) لِلدَّوَامِ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ فِي رَمَضَانَ شُرِعَ فِي غَيْرِهِ كَعَدَدِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، اخْتَارَهُ الْأَثْرَمُ؛
بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنَتُوبُ إِلَيْكَ وَنُؤْمِنُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، ثُمَّ هُوَ رَأْيُ أُبَيٍّ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا، وَخَيَّرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ إِنْ صَلَّى بِهِمْ قِيَامَ رَمَضَانَ، فَإِنْ قَنَتَ جَمِيعَ الشَّهْرِ، أَوْ نِصْفَهُ الْأَخِيرَ، أَوْ لَمْ يَقْنُتْ بِحَالٍ، فَحَسَنٌ.
(بَعْدَ الرُّكُوعِ) نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ قَبْلَهُ، لَكِنْ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْنُتُ، نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَيَبْسُطُ بُطُونَهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
(فَيَقُولُ) الْإِمَامُ جَهْرًا، وَكَذَا مُنْفَرِدًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: وَمَأْمُومًا.
وَكَانَ أَحْمَدُ: يُسِرُّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ الْجَهْرَ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ فَقَطْ.
قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ.
(اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ: يَا اللَّهُ؛ فَحُذِفَتْ يَاءٌ مِنْ أَوَّلِهِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ؛ لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَلَخَّصُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا.
(إِنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ) أَيْ: نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ، وَالْهِدَايَةَ، وَالْمَغْفِرَةَ.
(وَنَتُوبُ إِلَيْكَ) التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، وَفِي الشَّرْعِ: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الذَّنْبِ، وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ تَعْظِيمًا لِلَّهِ
بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ
[المبدع في شرح المقنع]
تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَلِّلَهُ، (وَنُؤْمِنُ بِكَ) أَيْ: نُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيَّتِكَ (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّوَكُّلُ إِظْهَارُ الْعَجْزِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ، وَالِاسْمُ التُّكْلَانُ.
وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ، وَالِانْخِلَاعُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيدُ (وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ) أَيْ: نَمْدَحُكَ، وَنَصِفُكَ بِالْخَيْرِ، وَالثَّنَاءُ فِي الْخَيْرِ خَاصَّةً، وَبِتَقْدِيمِ النُّونِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمُعَافِرِيُّ: أَثْنَيْتُ عَلَى الرَّجُلِ: وَصَفْتُهُ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ (نَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ) أَصْلُ الْكُفْرِ: الْجُحُودُ وَالشَّرُّ.
قَالَ فِي " الْمَطَالِعِ ": وَالْمُرَادُ هُنَا كُفْرُ النِّعْمَةِ، لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ.
(اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَعْنَى الْعِبَادَةِ الطَّاعَةُ، وَالْخُضُوعُ، وَالتَّذَلُّلُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْفَخْرُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ، وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ.
(وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِكَ، (وَإِلَيْكَ نَسْعَى) . يُقَالُ: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إِذَا عَدَا، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْيِ عُدِّيَ بِإِلَى، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ فَبِاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: 19] . (وَنَحْفِدُ) بِفَتْحِ النُّونِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، يُقَالُ: حَفَدَ بِمَعْنَى أَسْرَعَ، وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ بِمَعْنَى يَحْفِدُ يُسْرِعُ، أَيْ: يُبَادِرُ الْعَمَلَ، وَالْخِدْمَةَ (نَرْجُو رَحْمَتَكَ) يُقَالُ: رَجَوْتُهُ، أَيْ أَمَّلْتُهُ، وَالرَّحْمَةُ: سَعَةُ الْعَطَاءِ، وَ (نَخْشَى عَذَابَكَ) : أَيْ نَخَافُ عُقُوبَتَكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: 50] (إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ: الْحَقَّ، لَا اللَّعِبَ.
(بِالْكَفَّارِ مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ، وَمَنْ فَتَحَهَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يُلْحِقُهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى.
قَالَ الْخَلَّالُ: سَأَلْتُ ثَعْلَبًا عَنْ مُلْحِقٍ، وَمُلْحَقٍ؛ فَقَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُهُمَا جَمِيعًا.
هَذَا الدُّعَاءُ قَنَتَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِي أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي
بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ.
اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يُذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ
[المبدع في شرح المقنع]
آخِرِهِ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ إِلَى قَوْلِهِ: مُلْحِقٌ، زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ.
(اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ) أَصْلُ الْهُدَى: الرَّشَادُ وَالْبَيَانُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] فَهِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَالْإِرْشَادُ، وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُهْتَدِينَ بِمَعْنَى طَلَبِ التَّثَبُّتِ عَلَيْهَا، أَوْ بِمَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْهَا.
(وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ) الْمُرَادُ بِهَا: الْعَافِيَةُ مِنَ الْأَسْقَامِ، وَالْبَلَايَا، وَالْمُعَافَاةُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ، وَ (بَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ) الْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: هِيَ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ، وَالْعَطِيَّةُ: الْهِبَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا أَنْعَمَ بِهِ، (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ؛ وَهُوَ فَعِيلٌ مِنْ تَلَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا عَنَيْتَ بِهِ، وَنَظَرْتَ فِيهِ؛ كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ؛ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ؛ وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ، (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ) سُبْحَانَهُ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ «إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي) إِلَى (وَتَعَالَيْتَ) وَلَيْسَ فِيهِ: (وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ) » ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَثْبَتَهَا فِيهِ، وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ.
وَالرِّوَايَةُ إِفْرَادُ الضَّمِيرِ، وَجَمَعَهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومَ فِي الدُّعَاءِ.
مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، لَا لَجَأَ، وَلَا مَلْجَأَ، وَلَا مُلْتَجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ".
(اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ) .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ، وَهُمَا ضِدَّانِ، وَمُتَقَابِلَانِ، وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ، وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ، لَجَأَ إِلَى مَا لَا ضِدَّ لَهُ؛ وَهُوَ اللَّهُ، أَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالِانْقِطَاعَ، وَفَزِعَ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ؛ إِذْ حَاصِلُهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) أَيْ: لَا نُطِيقُهُ، وَلَا نَبْلُغُهُ، وَلَا تَنْتَهِي غَايَتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] أَيْ: تُطِيقُوهُ.
(أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ، وَرَدٌّ إِلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا نِهَايَةَ لِثَنَاءٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وَتْرِهِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ؛ وَهُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ: يَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى دُعَاءِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ.
وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مِنْ أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": وَعَلَى آلِهِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: 111] الْآيَةَ.
أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.
وَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ إِلَّا أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ قَوْلُهَا قُبَيْلَ الْأَذَانِ، وَفِي " نِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي ": يُكْرَهُ.
فَرْعٌ: الْمُنْفَرِدُ يُفْرِدُ الضَّمِيرَ، وَيَجْهَرُ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ: وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ يَجْمَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ عَلَى الْأَصَحِّ إِنْ سَمِعَ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْنُتُ مَعَهُ، وَيَجْهَرُ بِهِ، وَعَنْهُ: يُتَابِعُهُ فِي الثَّنَاءِ، وَيُؤَمِّنُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ دُعَاءً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَةً فِيمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ أَنَّهُ يَسْكُتُ، وَلَا يُتَابِعُهُ.
[مَسْحُ الْوَجْهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دُعَاءِ الْقُنُوتِ]
وَ (هَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ) إِذَا فَرَغَ؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَسْحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَكَخَارِجِ الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ لِضَعْفِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، صَحَّحَهَا فِي الْوَسِيلَةِ، وَعَنْهُ: يُمِرُّهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، وَإِذَا سَجَدَ رَفَعَ يَدَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ، فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ أَظْهَرُ.
[الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ]
(وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوَتْرِ) رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَصَرَّحَ ابْنُ تَمِيمٍ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ: الرُّخْصَةُ فِيهِ فِي الْفَجْرِ، وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ،.
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ
تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلْإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ.
ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَهِيَ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَسٍ قَالَ: «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» . رَوَاهُ الْخَطِيبُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، وَاسْمُهُ عِيسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ، وَلِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْنُتُ فِيهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِيهَا، وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ هَاهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ: أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ " فِي الْفَجْرِ "، وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ؛ فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ، إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ» وَعَنْ فِعْلِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ يُسَنَّ فِيهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (إِلَّا أَنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ) : هِيَ الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ، (فَلِلْإِمَامِ) أَيْ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الَّذِي قَنَتَ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَعَنْهُ: وَنَائِبُهُ، وَعَنْهُ: بِإِذْنِهِ، وَعَنْهُ: وَإِمَامُ جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ: كُلُّ مُصَلٍّ (خَاصَّةً الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ
عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْهُ: وَالْمَغْرِبُ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيلَ: وَالْعِشَاءُ.
وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، " وَ " الْفُرُوعِ " "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، إِلَّا فِي الْوَتْرِ وَالْفَجْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْجُمُعَةُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِيهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَا يَقْنُتُ لِرَفْعِ الْوَبَاءِ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْأَخْبَارِ فَلَا يُسْأَلُ رَفْعُهُ.
[السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ]
(ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ) الَّتِي تُفْعَلُ مَعَ الْفَرَائِضِ؛ (وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ
بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ.
[المبدع في شرح المقنع]
بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ، كَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا» حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
(وَهُمَا آكَدُهَا) أَيْ: أَفْضَلُهَا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقِيلَ: سُنَّةُ الْمَغْرِبِ، وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُ سُنَّةِ الْفَجْرِ، وَقِرَاءَةُ مَا وَرَدَ لَا الْفَاتِحَةَ فَقَطْ.
وَتَجُوزُ رَاكِبًا.
وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا مَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِجَاعُ بَعْدَهُمَا عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ قَبْلَ فَرْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ» ، وَفِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
رِوَايَةٍ: فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى وُجُوبِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْكَرَهُ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَهُمَا إِنَّمَا هِيَ سَاعَةُ تَسْبِيحٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الْعِلْمِ، وَلِقَوْلِ الْمَيْمُونِيِّ: كُنَّا نَتَنَاظَرُ أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَغَيْرِ الْكَلَامِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُ: لَا يُكْرَهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ أَحْمَدُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُؤْمِنِينَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى التَّرْغِيبِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الرَّوَاتِبِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَحْفَظْهَا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى الْمَكْتُوبَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ (أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ) وَأَخْبَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ عَنْ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
تَذْنِيبٌ: فِعْلُ جَمِيعِ الرَّوَاتِبِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَعَنْهُ: سُنَّةُ الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَالْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَالْبَاقِي فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ ابْنَ