المبدع في شرح المقنعصفحات 295-334

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 295-334

فصل.
إذا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَمْسِ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى الْفِعْلِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ لَمْ تُكْمَلِ الْبَيِّنَةُ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَلَيْهِ السَّمَاعُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَأَصْحَابَهُ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ هَلْ أُشْهِدُكُمْ أَوْ لَا؛ وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ لَمْ يَسْأَلِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرُهُمْ، (وَلَا يَجُوزُ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) ، وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ تَلْزَمُ الشَّهَادَةُ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً فِي الْأَفْعَالِ: لَا يَشْهَدُ، حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: اشْهَدْ، وَهَذَا إِنْ أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: اشْهَدْ عَلَيَّ أَنِّي غَصَبْتُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي تَكُونُ بِالتَّرَاضِي كَقَرْضٍ وَبَيْعٍ جَازَ.

[إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا]

فصل.
(إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ) لِأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي صِفَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَمْسِ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْوَقْتِ (وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى الْفِعْلِ، إِذ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ) لِأَنَّ أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ غَيْرُ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ فِي يَوْمٍ غَيْرُ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي يَوْمٍ آخَرَ، فَلَوْ شَهِدَا بِفِعْلٍ مُتَّحِدٍ فِي نَفْسِهِ كَإِتْلَافِ ثَوْبٍ وَقَتْلِ زَيْدٍ، أَوْ بِاتِّفَاقِهِمَا كَغَصْبٍ وَسَرِقَةٍ، وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِهِ أَوْ مَكَانِهِ أَوْ صِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، كَلَوْثٍ وَآلَةِ قَتْلٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا لِلتَّنَافِي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُوجَبَ الْقَطْعُ وَالْقَوَدُ، وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ، وَيَأْخُذُ مَا شَهِدَ بِهِ مِنْ مَالٍ، وَقِيلَ: لَا حَدَّ بِحَالٍ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَعَدُّدُهُ وَلَمْ يَشْهَدْ بِأَنَّهُ

أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ الْيَوْمَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ دَارَهُ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهَا الْيَوْمَ، كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ وَثَبَتَ الْبَيْعُ وَالْإِقْرَارُ وَكَذَلِكَ كُلُّ

[المبدع في شرح المقنع]

مُتَّحِدٌ، فَبِكُلِّ شَيْءٍ شَاهِدٌ فَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ بَدَّلَ شَاهِدٌ بَيِّنَةً ثَبَتَا هُنَا إِنِ ادَّعَاهُمَا، وَإِلَّا مَا ادَّعَاهُ وَتَعَارَضَتَا فِي الْأُولَى.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِيهِ؛ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ وَاحِدٌ بِالْفِعْلِ، وَآخَرُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، جُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِقِصَّةِ الْوَلِيدِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَوْ شَهِدَا فِي وَقْتَيْنِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى الْفِعْلِ وَآخَرَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَقَرَّ بِهِ غَيْرَ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدَانِ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارَيْنِ، مَسْأَلَةٌ: إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ عَمْدًا أَوْ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ أَوْ قَتَلَهُ وَسَكَتَ، ثَبَتَ الْقَتْلُ وَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي صِفَتِهِ، (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ الْيَوْمَ) لِأَنَّهُمَا ـ وَإِنْ كَانَا إِقْرَارَيْنِ ـ فُهُمَا إِقْرَارٌ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا فِي الرِّعَايَةِ مَعَ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ دَارَهُ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهَا الْيَوْمَ، كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ وَثَبَتَ الْبَيْعُ) ، لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ، (وَالْإِقْرَارُ) فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، (وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ) . وَكَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا وَقْتًا أَوْ مَكَانًا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِشَيْءٍ وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِهِ أَوْ مَوْضِعِهِ أَوِ اللُّغَةِ الْمُقِرِّ بِهَا.
وَفِي الرِّعَايَةِ قَوْلٌ: أَنَّهُمَا إِذَا اخْتَلَفَا وَقْتًا أَوْ مَكَانًا لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكَافِي فِي الْإِقْرَارِ خِلَافًا أَنَّ الشَّهَادَةَ تَكْمُلُ فِيهِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ احْتِمَالَيْنِ (إِلَّا النِّكَاحَ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ) لِأَنَّ اخْتِلَافَ الشُّهُودِ فِي الْوَقْتِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ الْبَيِّنَةِ وَمِنْ ثُبُوتِهِ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْكَامِلَةَ يَثْبُتُ مُوجِبُهَا ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ وَالْبَيِّنَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا يَثْبُتُ مُوجِبُهَا.

شَهَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ إِلَّا النِّكَاحَ، إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ، وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ.
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفَيْنِ، ثَبَتَ أَلْفٌ وَيَحْلِفُ عَلَى الْآخَرِ مَعَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَمَا ثَانِيًا: لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ حُصُولَ الشَّاهِدَيْنِ لَهُ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ لَمْ يَتَحَقَّقْ حُصُولُ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَثْبُتِ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا.
وَفِي الشَّرْحِ: لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ عَقْدٍ إِلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَثْبُتْ، (وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ) أَلْحَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْقَذْفَ بِالْأَفْعَالِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى قَذْفِهِ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الشُّهُودِ شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ) لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَاحِدٌ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ وَسَائِرَ الْأَمْوَالِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي يَوْمَ الْخَمِيسِ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَتَلَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ غَصَبَهُ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي بِهَذَا يَوْمَ السَّبْتِ، كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَكْمُلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ إِقْرَارٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إِلَّا وَاحِدٌ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ وَاحِدٌ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ فَكَمُلَتْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهِ وَاحِدًا، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَنَظِيرُهُ فِي الْإِقْرَارِ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي قَتْلَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْآخَرُ: أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دَنَانِيرَ، وَالْآخَرُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهَا تَكْمُلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُقْتَضَى، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قُلْتُ: وَعَلَى عَدَمِ الْجَمْعِ، لِمُدَّعِي الْقَتْلِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ.
وَمَتَى جَمَعْنَا مَعَ اخْتِلَافِ الْوَقْتِ فِي قَتْلٍ أَوْ طَلَاقٍ فَالْعِدَّةُ وَالْإِرْثُ يَلِي آخِرَ الْمُدَّتَيْنِ (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفَيْنِ، ثَبَتَ أَلْفٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا كَمُلَتْ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَزِدْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَسَوَاءٌ عَزَوَا ـ أَوْ أَحَدُهُمَا ـ الشَّهَادَةَ إِلَى الْإِقْرَارِ، أَوْ جِهَةِ وَاحِدة غَيْرِهِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفَا، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ إِقْرَارٍ إِلَّا وَاحِدٌ.

شَاهِدِهِ إِنْ أَحَبَّ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَيْنِ، فَهَلْ تَكْمُلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَلْفٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ ثَمَنٍ مَبِيعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ بَعْضُهُ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَبْطُلُ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ غُدْوَةً، وَآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهَا عَشِيَّةً، مَعَ أَنَّ كُلَّ إِقْرَارٍ إِنَّمَا شَهِدَ بِهِ وَاحِدٌ، وَكَذَا إِذَا شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ شَاهِدٌ بِثَلَاثِينَ وَآخَرُ بِعِشْرِينَ، وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ، وَيَأْخُذُ مَا شَهِدَا بِهِ، ذَكَرَهُ السَّامَرِّيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ (وَيَحْلِفُ عَلَى الْآخَرِ مَعَ شَاهِدِهِ إِنْ أَحَبَّ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهَذَا إِذَا أَطْلَقْنَا الشَّهَادَةَ، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفِ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَآخَرَانِ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الأسباب وَالصِّفَاتُ دَخَلَتِ الْخَمْسُمِائَةٍ فِي الْأَلْفِ، وَوَجَبَ لَهُ أَلْفٌ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ وَجَبَا؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَيْنِ، فَهَلْ تَكْمُلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَلْفٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، أَحَدُهُمَا: تَكْمُلُ كَالَّتِي قَبْلَهَا، جَزَمَ بِهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَانَتْ مُطَابِقَةً غَيْرَ مُسْنَدَةٍ لِلْمَشْهُودِ بِهِ عَلَى سَبَبٍ، فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَسَوَاءٌ عَزَوَا أَوْ أَحَدُهُمَا الشَّهَادَةَ إِلَى إِقْرَارٍ أَوْ جِهَةِ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَعْزُوَا، فَعَلَى هَذَا: يَحْلِفُ الْمُدَّعِي إِنْ شَاءَ لِتَمَامِ الْأَكْثَرِ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَأْخُذُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: لَا تَكْمُلُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ مِنْ غَيْرِ الْأَلْفَيْنِ، فَعَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا وَغَيْرُهُ (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ ثَمَنٍ مَبِيعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ) جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرَ، فَعَلَى هَذَا: يَحْلِفُ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ، وَيَأْخُذُ مَا شَهِدَ بِهِ، وَقِيلَ: إِنْ شَهِدَا عَلَى الْإِقْرَارِ كَمَلَتْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ كَمَلَتِ الْبَيِّنَةُ، (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ بَعْضُهُ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ مَا قَضَاهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا فَتَفْسُدُ شَهَادَتُهُ، وَفَارَقَ هَذَا مَا لَوْ شَهِدَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ عَنِ الشَّهَادَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ

وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قرضه أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ نِصْفَهُ، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ يَجُزْ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَجُوزُ.

بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ

وَهِيَ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: الْبُلُوغُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

وَإِقْرَارٌ بِغَلَطِ نَفْسِهِ (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا قَضَاهُ نِصْفَهُ، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ لَا يُنَافِي الْقَرْضَ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ كَالَّتِي قَبْلَهَا، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِمَا أَنْ لَا يَثْبُتَ بِشَهَادَتِهِمَا سِوَى الْخَمْسِمِائَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْتَاجُ قَضَاءُ الْخَمْسِمِائَةِ إِلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ (وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ يَجُزْ) إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ لَمْ يُوَلِّ الْحُكْمَ فَوْقَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: 108] ، وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ، لَسَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْأَلْفِ، وَالْقَاضِي يَحْكُمُ بِالْقَدْرِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ الْحُكْمُ فِيهِ، وَذَكَرَهُ نَصًّا (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَجُوزُ) لِأَنَّ مَالِكَ الشَّيء مَالِكٌ لِبَعْضِهِ، فَمَنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ فَقَدْ شَهِدَ بِخَمْسِمِائَةٍ.
فَائِدَةٌ: إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ فِي مَحْفِلٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، قُبِلَ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا عَلَى خَطِيبٍ أَنَّهُ قَالَ أَوْ فَعَلَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْخُطْبَةِ شَيْئًا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ غَيْرُهُمَا، مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي سَمْعٍ وَبَصَرٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ: إِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ فِيمَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ مَعَ مُشَارَكَةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ، رُدَّ.

[بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ]

[الْبُلُوغُ]

بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (وَهِيَ سِتَّةٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ (أَحَدُهَا: الْبُلُوغُ) لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ كَالصَّبِيِّ (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ) ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي وَالسَّامَرِّيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ رِجَالِنَا،

الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: تُقْبَلُ مِمَّنْ هُوَ فِي حَالِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ إِلَّا فِي الْجِرَاحِ، إِذَا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنِ الْحَالِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا.

الثَّانِي: الْعَقْلُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَعْتُوهٍ وَلَا مَجْنُونٍ، إِلَّا مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ إِذَا شَهِدَ فِي إِفَاقَتِهِ.

الثَّالِثُ:

[المبدع في شرح المقنع]

وَلَيْسَ مِمَّنْ يُرْضَى، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الشَّاهِدَ الْكَاتِمَ شَهَادَتَهُ آثِمٌ، وَالصَّبِيَّ لَيْسَ بِآثِمٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدٍ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ خَوْفِهِ مِنْ مَأْثَمِ الْكَذِبِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْإِقْرَارِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، كَالْمَجْنُونِ (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ مِمَّنْ هُوَ فِي حَالِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ ضَبْطُ مَا يَشْهَدُ بِهِ، فَقُبِلَتْ كَالْبَالِغِ.
وَاسْتَثْنَى ابْنُ حَامِدٍ مِنْهَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا احْتِيَاطًا، وَهَلْ يكتفي بِالْعَقْلِ فَقَطْ ـ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ـ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِ عَشْرِ سِنِينَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي رِوَايَةِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُغْنِي عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَعَنْهُ: مِنَ الْمُمَيَّزِ، وَقِيلَ: عَلَى مِثْلِهِ (وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ إِلَّا فِي الْجِرَاحِ، إِذَا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنِ الْحَالِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا) رَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانُوا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُمْ وَضَبْطُهُمْ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُلَقَّنُوا، وَحَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ: إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَعَنْهُ: تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ، خَاصَّةً إِذَا أَدَّاهَا أَوْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ عَنْ تِلْكَ الْحَالِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى رُجُوعِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَزَادَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ.

[الْعَقْلُ]

(الثَّانِي: الْعَقْلُ) وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَهُوَ فِطْنَةٌ، وَالْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ الْوَاجِبَ عَقْلًا؛ الضَّرُورِيَّ وَغَيْرَهُ، وَالْمُمْكِنَ وَالْمُمْتَنِعَ، وَمَا يَضُرُّهُ وَيَنْفَعُهُ غَالِبًا؛ لِأَنَّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَلَا أَدَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ ذَلِكَ إِلَّا بِضَبْطِ الشَّهَادَةِ، (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَعْتُوهٍ وَلَا مَجْنُونٍ) وَلَا سَكْرَانَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ

الْكَلَامُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ.

الرَّابِعُ: الْإِسْلَامُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ إِلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ مَنْ لَيْسَ بِعَاقِلٍ لَا تُقْبَلُ، إِذْ لَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ عِلْمٌ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ (إِلَّا مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ إِذَا شَهِدَ فِي إِفَاقَتِهِ) وَذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ عَاقِلٍ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُخْنَقْ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَدْ تَحَمَّلَهَا فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَهُ فِي جُنُونِهِ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الضَّبْطِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: مَنْ يُصْرَعُ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَقِيلَ: تُقْبَلُ فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ هَذَا فِي الرِّعَايَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا فِي الْمُقْنِعِ قَوْلًا.

[الْكَلَامُ]

(الثَّالِثُ: الْكَلَامُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّيَقُّنُ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ مَعَ فَقْدِ الْكَلَامِ، (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَالشَّهَادَةُ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَقِينُ، فَلَمْ تُقْبَلْ كَإِشَارَةِ النَّاطِقِ، وَإِنَّمَا قُبِلَتِ الْإِشَارَةُ فِي أَحْكَامِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ هُنَا، لَا يُقَالُ: إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ أَشَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْلِسُوا فَامْتَثَلُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تُفَارِقُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اكْتُفِيَ بِهَا مِنْهُ مَعَ كَوْنِهِ نَاطِقًا، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ) هَذَا وَجْهٌ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ حَاصِلٌ فِي التَّحَمُّلِ، وَإِشَارَةُ الْمُؤَدِّي الْعَاجِزِ عَنِ النُّطْقِ كَنُطْقِهِ، وَفَارَقَ مَا طَرِيقُهُ السَّمَاعُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَخْرَسَ غَالِبًا يَكُونُ أَصَمَّ، فَيَقَعُ الْخَلَلُ فِي التَّحَمُّلِ.
فَلَوْ تَحَمَّلَهَا وَأَدَّاهَا بِخَطِّهِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهَا، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ، وَاخْتَارَ فِي الْمُحَرَّرِ عَكْسَهَا.

[الْإِسْلَامُ]

(الرَّابِعُ: الْإِسْلَامُ) وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَ عِشْرِينَ نَفْسًا (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ) عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رِجَالِنَا وَلَا هُوَ مَرْضِيٌّ، (إِلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ) وَهُمُ الْيَهُودُ والنصارى وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي التَّدَيُّنِ (فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، إِذَا لَمْ يُوجَدُ غَيْرُهُمْ) فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، فَشَهَادَتُهُمْ فِي السَّفَرِ بِمَوْتِ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ جَائِزَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] الآيات، نَزَلَتْ فِي تَمِيمٍ

إِذَا لَمْ يُوجَدُ غَيْرُهُمْ، وَحَضَرَ الْمُوصِيَ الْمَوْتُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَلِّفُهُمُ الْحَاكِمُ بَعْدَ الْعَصْرِ: لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ

[المبدع في شرح المقنع]

الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، شَهِدَا بِوَصِيَّةِ سَهْمِي، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَضَى بِهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَضَى ابْنُ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهَذَا قَالَ أَكَابِرُ الْمَاضِينَ.
وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً؛ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالُوا: مِنْ غَيْرِ مِلَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ، وَلِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِمَا.
وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى التَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ فِيهِ، وَحَمْلُهَا عَلَى الْيَمِينِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 106] ، وَلِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَى ذَوِي الْعَدْلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمَا شَاهِدَانِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: رِوَايَتَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
وَ (أَوْ) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ [المائدة: 106] لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، وَالْمَعْنَى: إِنْ لَمْ تَجِدُوا هَذَا، وَقِيلَ: وَالْمَعْنَى: بَلَى، (وَحَضَرَ الْمُوصِيَ الْمَوْتُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ) لِمَا سَبَقَ (وَيُحَلِّفُهُمُ الْحَاكِمُ) وُجُوبًا، وَقِيلَ: نَدْبًا (بَعْدَ الْعَصْرِ) لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأَنَّهُ وَقْتٌ تُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْأَدْيَانِ (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ، وَأنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ)

الرَّجُلِ، فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا قَامَ آخَرَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمُوصِي فَحَلَفَا بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَلَقَدْ خَانَا وَكَتَمَا وَيَقْضِي لَهُمْ، وَعَنْهُ: تقبل شَهَادَة بَعْضِهم عَلَى بَعْضِ، والمذهب الْأَوَّلِ.

الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْفَظُ

[المبدع في شرح المقنع]

لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقْوَقَا هَذِهِ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ فَأَتَيَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَأَخْبَرَاهُ وَقَدِمَا بِتَرِكَةٍ وَوَصِيَّةٍ، فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا وَلَا كَتَمَا وَلَا كَذِبَا وَلَا بَدَّلَا وَلَا غَيَّرَا، وَأَنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ، فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (فَإِنْ عُثِرَ) ، أَيْ: فَإِنِ اطَّلَعَ (عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) فَعَلَا مَا أَوْجَبَ إِثْمًا، وَاسْتَوْجَبَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا لِمَنِ الْآثِمِينَ (قَامَ آخَرَانِ) أَيْ: شَاهِدَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ، أَيِ: الْإِثْمُ، (مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمُوصِي) وَمَعْنَاهُ مِنَ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ.
وَفِي قِصَّةِ بُدَيْلٍ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الرَّجُلَيْنِ حَلَفَ رَجُلَانِ مِنْ وَرَثَتِهِ أَنَّهُ إِنَاءُ صَاحِبِهِمَا، وَأَنَّ شَهَادَتَهُمَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا (فَحَلَفَا بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَلَقَدْ خَانَا وَكَتَمَا) ، أَيْ: لَيَمِينُنَا أَحَقُّ بِالصَّوَابِ مِنْ يَمِينِ هَذَيْنِ الْخَائِنَيْنِ (وَيَقْضِي لَهُمْ) لِمَا سَلَفَ (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ.
لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَكَالْمُسْلِمِينَ (وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِ لَا تُقْبَلُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ كَالْحَرْبِيِّ، وَالْخَبَرُ مَرْدُودٌ بِضَعْفِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، وَلَوْ سَلِمَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْيَمِينَ لِأَنَّهَا تُسَمَّى شَهَادَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] . وَعَلَى الثَّانِيَةِ: أَجَازَهَا الْبَرْمَكِيُّ فِي صُورَةٍ خَاصَّةٍ لِلْحَاجَةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ الْبَنِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ الْآخَرَ أَخُوهُ.
وَعَلَيْهَا تُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُ فِي دِينِهِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ فِيهَا.
وَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْأَشْهَرُ لَا.

[أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْفَظُ]

(الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ

، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ وَلَا مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ.

فصل.
السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ: وَهُوَ اسْتِوَاءُ أَحْوَالِهِ فِي دِينِهِ، وَاعْتِدَالُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

يَحْفَظُ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَحْفَظُ لَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ، اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَغْفَلَ، (وَلَا مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الثِّقَةَ لَا تَحْصُلُ بِقَوْلِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ مِمَّا غَلِطَ فِيهَا وَنَسِيَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا شَهِدَ عَلَى غَيْرِ مَنِ اسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ، أَوْ بِغَيْرِ مَا شَهِدَ بِهِ، أَوْ لِغَيْرِ مَنْ أَشْهَدَهُ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَسَهْوٍ لِمَا سَبَقَ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: الصَّحِيحُ، إِلَّا فِي أَمْرٍ جَلِيٍّ يَكْشِفُهُ الْحَاكِمُ وَيُرَاجِعُهُ حَتَّى يَعْلَمَ ببينة، وَأَنَّهُ لَا سَهْوَ وَلَا غَلَطَ فِيهِ.
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا تُقْبَلُ مِمَّنْ يَقِلُّ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ.

[الْعَدَالَةُ]

[حُكْمُ اشتراط العدالة في الشاهد]

فصل.
(السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الْعَقْلُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعَدَالَةُ، وَانْتِفَاءُ التُّهْمَةِ، وَالْعِلْمُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] ، وَقُرِئَ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى غَيْرِهِ فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
«وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَرْفُوعًا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالْقَانِعُ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَشْدَقُ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَانٍ وَزَانِيَةٍ، رَوَى نَحْوَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْهُمُ: التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ.
(وَهُوَ اسْتِوَاءُ أَحْوَالِهِ فِي دِينِهِ، وَاعْتِدَالُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ) الْعَدَالَةُ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ وَالِاسْتِقَامَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ ضِدُّ الْجَوْرِ، وَالْجَوْرُ: الْمَيْلُ، فَالْعَدْلُ:

وَقِيلَ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.

وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَقِيلَ:

[المبدع في شرح المقنع]

الِاسْتِوَاءُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا (وَقِيلَ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ،

[مَا يُعْتَبَرُ للعدالة]

[الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ]

(وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ) بِشُرُوطِهَا، زَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: بِسُنَنِهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَالسَّامَرِّيُّ وَالْمَجْدُ: وَالسُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ فِيمَنْ يُوَاظِبُ عَلَى تَرْكِ سُنَنِ الصَّلَاةِ: رَجُلُ سُوءٍ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ، وَأَثَّمَهُ الْقَاضِي.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ تَرْكِ فَرْضٍ، وَإِلَّا فَلَا يَأْثَمُ بِسُّنَّةٍ (وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ) لِأَنَّ مَنْ أَدَّى الْفَرَائِضَ، وَاجْتَنَبَ الْمَحَارِمَ، عُدَّ صَالِحًا عُرْفًا، فَكَذَا شَرْعًا (وَهُوَ) أَيِ: اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ (أَنْ لَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ اجْتِنَابِ كُلِّ الْمَحَارِمِ يُؤَدِّي إِلَى أَلَّا تُقْبَلَ شَهَادَةُ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ذَنْبٍ مَا.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32] ، مَدَحَهُمْ لِاجْتِنَابِهِمْ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَ وُجِدَ مِنْهُمْ صَغِيرَةٌ.
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا، وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا» ، أَيْ: لَمْ يُلِمَّ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ، وهو كَبِيرَةٌ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبِ الْكَبِيرَةَ وَأَدْمَنَ عَلَى الصَّغِيرَةِ لَا يُعَدُّ مُجْتَنِبًا لِلْمَحَارِمِ، وَفِي الْكَافِي: إِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الصَّغَائِرِ بِالْأَغْلَبِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 8] . وَقِيلَ: وَلَا تُكَرَّرُ مِنْهُ صَغِيرَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، وَفِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ.
وَالْكَبِيرَةُ: نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، كَالشِّرْكِ بِاللَّهِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الْحَرَامِ، أَوْ وَعِيدٍ فِي الْآخِرَةِ، كَأَكْلِ الرِّبَا.
وَعَنْهُ: فِيمَنْ أَكَلَ الرِّبَا: إِنْ أَكْثَرَ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: فَاعْتُبِرَ الْكَثْرَةُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ.
وَالصَّغِيرَةُ كَنَظَرٍ مُحَرَّمٍ، وَاسْتِمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّاتِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَالنَّبَزِ بِاللَّقَبِ، وَالتَّجَسُّسِ.
وَفِي الْفُصُولِ: وَالْغِيبَةُ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَعَكْسُهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْكَذِبُ مِنَ الصَّغَائِرِ.
وَعَنْهُ: تُرَدُّ بِكِذْبَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَكَذِبٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرَمْيِ فِتَنٍ وَنَحْوِهِ.
وَيَجِبُ أَنْ تُخَلِّصَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنَ الْقَتْلِ، وَيُبَاحُ لِإِصْلَاحٍ وَحَرْبٍ وَزَوْجَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ التَّوْرِيَةُ فِي ظَاهِرٍ، نَقَلَ حَنْبَلٌ، وَفِي مُعْتَمَدِ الْقَاضِي: مَعْنَى الْكَبِيرَةِ أَنَّ عِقَابَهَا أَعْظَمُ، وَالصَّغِيرَةِ أَقَلُّ، وَلَا يُعْلَمَانِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ تَكَرَّرَتِ الصَّغَائِرُ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: تَجْتَمِعُ وَتَكُونُ كَبِيرَةً، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا يُخَالِفُهُ.

أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ أَوِ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ قَاطِعِ الرَّحِمِ، وَمَنْ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، وَإِذَا أَخْرَجَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْأُسْطُوَانَةَ، وَلَا يَكُونُ ابْنُهُ عَدْلًا إِذَا وَرِثَ أَبَاهُ حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، (وَقِيلَ: أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ) لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ شَرْعًا.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَهِيَ فِعْلُ مَا يَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ، وَتَرْكُ مَا يَحْرُمُ وَيُكْرَهُ، وَمُجَانَبَةُ الرَّيْبِ وَالتُّهَمِ، وَمُلَازَمَةُ الْمُرُوءَةِ.
1 - (وَلَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ فَاسِقٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ أَوِ الِاعْتِقَادِ) . أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ كَالزِّنَى وَالْقَتْلِ وَنَحْوِهَا، فَلَا خِلَافَ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ ـ وَهُوَ اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ ـ فَوَجَبَ رَدُّ الشَّهَادَةِ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا تُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ المعلنة.
وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ فَسَقَ بِبِدْعَةٍ أَوْ كَفَرَ بِهَا، كَالْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَبِنَفْيِ الْقَدَرِ، وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ، وَالْجَهْمِيَّةِ، وَاللَّفْظِيَّةِ وَالْوَاقِفِيَّةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ وَالسَّلَفَ مِنَ الرَّافِضَةِ، وَمَنْ سَبَّ عَلِيًّا مِنَ الْخَوَارِجِ: خِلَافًا، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَدَمُ التَّكْفِيرِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: فِي تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الْمَعَاصِيَ، وَتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَالْوَاقِفِيَّةِ، وَتَكْفِيرِ مَنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ رِوَايَتَانِ.
وَمَنْ قَلَّدَ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوِهَا فِسْقٌ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَكْفُرُ كَمُجْتَهِدِهِمُ الدَّاعِيَةِ.
وَعَنْهُ: فِيهِ لَا، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى صَاحِبِ التَّلْخِيصِ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ لِلْمُعْتَصِمِ:

الِاعْتِقَادِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ الْمُتَدَيِّنِ بِهِ، إِذَا لَمْ يَتَدَيَّنْ بِالشَّهَادَةِ لِمُوَافِقِهِ عَلَى مُخَالِفِهِ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، أَوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ مَعَ إِمْكَانِهِ وَنَحْوَهُ، مُتَأَوِّلًا فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ رُدَّتْ

[المبدع في شرح المقنع]

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، (وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ الْمُتَدَيِّنِ بِهِ، إِذَا لَمْ يَتَدَيَّنْ بِالشَّهَادَةِ لِمُوَافِقِةِ عَلَى مُخَالِفِهِ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
كَالْخَطَّابِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْكَافِرِ، فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَانَ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ الْمُتَدَيِّنِ بِهِ أَوْلَى.
وَعَنْهُ: جَوَازُ الرِّوَايَةِ عَنِ الْقَدَرِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً، فَكَذَا الشَّهَادَةُ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْفِسْقِ، أَشْبَهَ الْآخَرَ (وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا) بَيَّنَ الْأَئِمَّةُ خِلَافًا شَائِعًا، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ (فَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، أَوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ مَعَ إِمْكَانِهِ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ أَخَّرَ الزَّكَاةَ مَعَ إِمْكَانِهِ (مُتَأَوِّلًا) أَوْ مُقَلِّدًا كَتَأَوُّلٍ، (فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ) قَدَّمَهُ السَّامَرِّيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ لِلْعِبَادِ، وَالتَّأْوِيلَ فِيهَا سَائِغٌ جَائِزٌ، بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يُفَسِّقْهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، أَشْبَهَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُفَسَّقُ مُتَأَوِّلٌ لَمْ يَسْكَرْ مِنْ نَبِيذٍ، اخْتَارَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ كَحَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَلِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ.
وَعَنْهُ: أُجِيزَ شَهَادَتُهُ، وَلَا أُصَلِّي خَلْفَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: الْمُسْكِرُ خَمْرٌ، وَلَيْسَ يَقُومُ مَقَامَ الْخَمْرَةِ بِعَيْنِهَا، فَإِنْ شَرِبَهَا مُسْتَحِلًّا قُتِلَ، وَإِنْ لَمْ يُجَاهِرْ وَلَمْ يُعْلِنْ وَلَمْ يَسْتَحِلَّهَا حُدَّ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِيهِ.
وَعَنْهُ: إِنْ أَخَّرَ الْحَجَّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فُسِّقَ، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى اعْتِقَادِ تَحْرِيمِ التَّأْخِيرِ.
فَأَمَّا إِنِ اعْتَقَدَ الْجَوَازَ فَلَا، صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَكَذَا حَمَلَهَا فِي الشَّرْحِ.
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: تُرَدُّ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ عُمَرَ: مَا هُمْ مُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ فِي الشَّرْحِ: إِذَا تَكَرَّرَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، أَشْبَهَ فِعْلَ

شَهَادَتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُرَدَّ.

الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَافِعِ وَالْمُتَمَسْخِرِ وَالْمُغَنِّي وَالرَّقَّاصِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُحَرَّمِ إِجْمَاعًا (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تُرَدَّ) كَالْمُتَّفَقِ عَلَى حِلِّهِ، وَلِأَنَّ لِفِعْلِهِ مَسَاغًا فِي الْجُمْلَةِ.
وَفِي الْإِرْشَادِ: إِلَّا أَنْ يُجِيزَ رِبَا الْفَضْلِ، أَوْ يَرَى الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ لِتَحْرِيمِهِمَا الْآنَ، وَذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا خَالَفَ النَّصَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَنْقُضُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ: فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ أَكَلَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ، أَوْ تَزَوَّجَ بِنْتَهُ مِنَ الزِّنَى، أَوْ أُمَّ مَنْ زَنَى بِهَا، احْتَمَلَ أَنْ تُرَدَّ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ أَخَذَ بِالرُّخَصِ فُسِّقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَرِهَهُ الْعُلَمَاءُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: غَيْرُ مُتَأَوِّلٍ وَلَا مُقَلِّدٍ، وَيُتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ مِمَّنْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُخْتَلِفًا فِيهِ: لَا يُعِيدُ فِي رِوَايَةٍ، وَيُتَوَجَّهُ تَقَيُّدُهُ بِمَا لَمْ يَنْقُضْ فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَقِيلَ: لَا يُفَسَّقُ إِلَّا الْعَالِمُ، مَعَ ضَعْفِ الدَّلِيلِ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، وَامْتِنَاعِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ، فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ.
وَمَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إِمَامٍ بِعَيْنِهِ اسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي دُخُولِ الْفُقَهَاءِ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَأَدْخَلَهُمُ الْقَاضِي، وَأَخْرَجَهُمُ ابْنُ عَقِيلٍ.

[اسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ]

(الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ) ، وَهِيَ بِالْهَمْزِ بِوَزْنِ سُهُولَةٍ: الْإِنْسَانِيَّةُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَلَكَ أَنْ تُشَدِّدَ، (وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ) عَادَةً؛ لِأَنَّ مَنْ فَقَدَهَا فَقَدِ اتَّصَفَ بِالدَّنَاءَةِ وَالسِّقَاطَةِ، وَكَلَامُهُ لَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِهِ (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَافِعِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الصَّفْعُ: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، فَالْمُصَافِعُ إِذَنْ مَنْ يَصْفَعُ غَيْرَهُ، وَيُمَكِّنُ غَيْرَهُ مِنْ قَفَاهُ فَيَصْفَعُهُ (وَالْمُتَمَسْخِرُ وَالْمُغَنِّي وَالرَّقَّاصِ) أَيْ: كَثِيرِ الرَّقْصِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سُخْفٌ وَدَنَاءَةٌ، فَمَنْ رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ فَلَيْسَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ، وَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَحَاصِلُهُ: إنَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ شَهَادَةَ مَنْ ذُكِرَ لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ الْمُرُوءَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِخَصْلَةٍ مِمَّا ذُكِرَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا اتَّصَفَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ كَوْنَهُ فَاعِلًا لِلْمُحَرَّمِ، لَا يُقَالُ: فِعْلُ الْمُحَرَّمِ مَرَّةً لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فَيَمَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ مَشْهُورٌ بِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَالْكَبِيرَةِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مَا اتَّصَفَ بِهِ غَيْرَ مُحَرَّمٍ، كَانَ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ كَوْنَهُ فِعْلَ دَنَاءَةٍ وَسَفَهًا، وَذَلِكَ مِنْ فَقْدِ الْمُرُوءَةِ.
فَقَوْلُهُ: (لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَافِعِ) إِلَى آخِرِهِ، فَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَنَاءَةٌ وَسَفَهٌ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الشَّرْعِ وَلَمْ يُرَدَّ، وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ حِكَايَةُ مَا يُضْحِكُ بِهِ النَّاسَ، وَنَارْنَجِيَّاتُ وَتَعْرِيَتُهُ وَبَوْلُهُ فِي شَارِعٍ، وَكَشْفُ رَأْسِهِ أَوْ بَطْنِهِ أَوْ صَدْرِهِ أَوْ ظَهْرِهِ فِي مَوْضِعٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ فِيهِ، وَتَحْرِيشُ الْبَهَائِمِ وَالْجَوَارِحِ لِلصَّيْدِ، وَدَوَامُ اللَّعِبِ وَالْمُعَالَجَةُ بِشَيْلِ الْأَحْجَارِ وَالْخَشَبِ الثِّقَالِ، وَمَا عَدَّهُ النَّاسُ سَفَهًا كَمُتَزَيٍّ بِزِيٍّ يُسْخَرُ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ غِنَاءٌ، قَالَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ.
الْخَبَرَ.
وَقَالَ عُمَرُ: الْغِنَاءُ زَادُ الرَّاكِبِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي: هُوَ حَرَامٌ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] . قَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ الْغِنَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] : هُوَ الْغِنَاءُ.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ وَبَيْعِهِنَّ وَالتِّجَارَةِ فِيهِنَّ وَأَكْلِ أَثْمَانِهِنَّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
فَعَلَى هَذَا: تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِفِعْلِهِ الْمُحَرَّمَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِعْلُهُ دَنَاءَةٌ وَسَفَهٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: يَبِيعُ الْوَصِيُّ جَارِيَةَ الطِّفْلِ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُغَنِّيَةٍ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ أَحْمَدُ ـ أَيْضًا ـ: الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، لَا يُعْجِبُنِي.
وَذَكَرَ فِي الشِّفَا الْإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ مَنِ اسْتَحَلَّهُ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِمَا: يَحْرُمُ مَعَ آلَةٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا.
وَكَذَا قَالُوا هُمْ وَابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّ اسْتِمَاعَهُ مِنَ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ يَحْرُمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ دَاوَمَهُ أَوِ اتَّخَذَهُ صِنَاعَةً بِقَصْدٍ، أَوِ اتَّخَذَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً يَجْمَعُ عَلَيْهِمَا، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَحْرُمُ مِزْمَارٌ وَطُنْبُورٌ وَنَحْوُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَدَامَ اسْتِعْمَالَهَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَكَذَا عُودٌ وَجُنْكٌ؛ لِأَنَّهَا تُطْرِبُ وَتَفْعَلُ فِي طِبَاعِ غَالِبِ النَّاسِ مَا تَفْعَلُهُ الْمُسْكِرَاتُ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أُنَاسٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» ، مُخْتَصَرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ.
وَالْمَعَازِفُ: الْمَلَاهِي، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمِزْمَارُ مُبَاحٌ لِحَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَجَوَابُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ السَّمَاعِ وَالِاسْتِمَاعِ، بِدَلِيلِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَالْمُحَرَّمُ إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِمَاعُ، مَعَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ: الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِمَاعُ كُلِّ مَلْهَاةٍ مَعَ غِنَاءٍ وَغَيْرِهِ فِي سُرُورٍ وَغَيْرِهِ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الطَّبْلَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِغَيْرِ حَرْبٍ.
الثَّانِيَةُ: الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ مَكْرُوهٌ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ تَصْفِيقٌ وَرَقْصٌ، وَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآلَةِ لَهْوٍ وَلَا يُطْرِبُ وَلَا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ، وَالتَّغْيِيرُ يَتْبَعُ الْغِنَاءَ الَّذِي مَعَهُ إِنْ حُرِّمَ حَرُمَ، وَإِنْ كُرِّهَ كَرُهَ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ مُطْلَقًا.
قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّغْيِيرَ؛ لِأَنَّهُ يُلِذُّ وَيُطْرِبُ، وَقَالَ: لَا يُسْمَعُ التَّغْيِيرُ، فَقِيلَ: هُوَ بِدْعَةٌ.
فَقَالَ: حَسْبُكَ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَفِي الْكَافِي: مَنْ أَدْمَنَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا مَعْصِيَةٌ وَإِمَّا دَنَاءَةٌ.
الثَّالِثَةُ: يُبَاحُ الدُّفُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَمَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعُرْسِ، ذَكَرَهُ السَّامَرِّيُّ وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، قِيلَ: وَالْخِتَانُ.
وَقِيلَ: وَسُرُورٌ حَادِثٌ غَيْرُهُمَا، لَكِنْ إِنْ ضَرَبَ بِهِ الرِّجَالُ تَشْبِيهًا بِالنِّسَاءِ كُرِهَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ، الرَّابِعَةُ: الْحُدَاءُ، بِضَمِّ الْحَاءِ، وَقِيلَ: بِكَسْرِهَا، لَا بَأْسَ بِهِ، وَلِذَلِكَ يُنْشِدُ الْأَعْرَابُ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْإِنْشَادِ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى حَدِّ الْغِنَاءِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالْغِنَاءِ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الشِّعْرُ كَالْكَلَامِ، حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ ـ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ـ: مَا يُكْرَهُ مِنْهُ؛ قَالَ: الْهِجَاءُ وَالرَّقِيقُ الَّذِي يُشَبِّبُ بِالنِّسَاءِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ الْجَاهِلِيُّ فَمَا أَنْفَعَهُ.
وَسَأَلَهُ عَنِ الْخَبَرِ: «لِأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» فَتَلَكَّأَ، فَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ النَّضْرِ: لَمْ تَمْتَلِئْ أَجْوَافُنَا؛ لِأَنَّ فِيهَا الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ، وَهَكَذَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدٍ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَإِنْ أَفْرَطَ شَاعِرٌ بِالْمِدْحَةِ بِإِعْطَائِهِ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، أَوْ شَبَّبَ بِمَدْحِ خَمْرٍ أَوْ بِأَمْرَدَ، فُسِّقَ، لَا إِنْ شَبَّبَ بِامْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
السَّادِسَةُ: تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْأَلْحَانِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: بِدْعَةٌ لَا تُسْمَعُ، كُلُّ شَيْءٍ مُحْدَثٍ لَا

وَاللَّاعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَالَّذِي يَتَغَذَّى فِي السُّوقِ، وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مَجْمَعِ

[المبدع في شرح المقنع]

يُعْجِبُنِي، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَبْعُ الرَّجُلِ كَأَبِي مُوسَى، وَنَقَلَ جَمْعٌ: أَوْ يُحْسِنُهُ بِلَا تَكَلُّفٍ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنْ غَيَّرْتَ النَّظْمَ حُرِّمَتْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ فِي الْكَرَاهَةِ، وَفِي الْوَسِيلَةِ: يَحْرُمُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ (وَاللَّاعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ فِي قَوْلِ عَلِيٍّ، قَالَ: وَهُوَ مَيْسِرُ الْعَجَمِ، وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: هُوَ شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ، قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ وَهُوَ فِيهَا فَأَحْرَقَهَا، وَمَرَّ عَلِيٌّ عَلَى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِهِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؛! رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: 32] ، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ فَيَكُونُ مِنَ الضَّلَالِ، وَلَا نُسَلِّمُ عَلَى لَاعِبٍ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ بِعِوَضٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ إِجْمَاعًا (وَالنَّرْدِ) هُوَ مُحَرَّمٌ، وَإِنْ خَلَا عَنْ قِمَارٍ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالنَّرْدُ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَشِيرُ: بِمَعْنَى حُلْوٍ.
وَرَوَى أَبُو مُوسَى مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ أَحْمَدُ: النَّرْدُ أَشَدُّ مِنَ الشَّطْرَنْجِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنَّمَا شَدَّدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.

النَّاسِ، وَيُحَدِّثُ بِمُبَاضَعَةِ أَهْلِهِ وَأَمَتِهِ، وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَأَمَّا الشَّيْنُ فِي الصِّنَاعَةِ كَالْحَجَّامِ وَالْحَائِكِ وَالنَّخَّالِ، الذي يغربل في الطريق على فلوس وغيرها، وَالنَّفَّاطِ وَالْقَمَّامِ وَالزَّبَّالِ وَالْمُشَعْوِذِ وَالدَّبَّاغِ وَالْحَارِسِ وَالْقَرَّادِ وَالْكَبَّاشِ، فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِذَا حَسُنَتْ طريقتهم؛ عَلَى وجهين.

[المبدع في شرح المقنع]

فَائِدَةٌ: ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ حُكْمَ اللَّعِبِ بِالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَالصَّدْرِ ـ وَهُوَ حُفَرٌ تُجْعَلُ فِي الْأَرْضِ وَالْكِعَابِ ـ حُكْمُ النَّرْدِ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «مَنْ لَعِبَ بِالْكِعَابِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ مِنَ الْمَيْسِرِ، وَالْحَمَامِ: ـ أَيِ: اللَّاعِبُ بِهَا ـ فَإِنْ قَصَدَ الْمُرَاهَنَةَ وَأَخَذَ حَمَامَ غَيْرِهِ حَرُمَ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا وَلَهْوًا فَهُوَ دَنَاءَةٌ وَسَفَهٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ لَعِبَ بِالْحَمَامِ الطَّيَّارَةِ يُرَاهِنُ عَلَيْهَا أَوْ يُسَرِّحُهَا مِنَ الْمَوَاضِعِ لَعِبًا، لَمْ يَكُنْ عَدْلًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا سَرَّحَ حَمَامًا، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بَصَرَهُ، فَقَالَ: «شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانًا» . فَأَمَّا إِنْ قَصَدَ بِتَعْلِيمِهَا حَمْلَ الْكُتُبِ بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، أو اسْتِفْرَاخَهَا، أَوْ لِلْأُنْسِ بِأَصْوَاتِهَا، جَازَ.
(وَالَّذِي يَتَغَذَّى فِي السُّوقِ) وَالنَّاسُ يَرَوْنَهُ، وَأَلْحَقَ بِهِ فِي الْغَنِيَّةِ أَكْلَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَمَّا إِنْ أَكَلَ كَسْرَةً وَنَحْوَهَا لَمْ يَضُرَّ.
(وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ) وَكَذَا نَوْمُهُ بَيْنَ جَالِسِينَ، وَخُرُوجُهُ عَنْ مُسْتَوَى الْجُلُوسِ بِلَا عُذْرٍ، وَكَذَا طُفَيْلِيٌّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَيُحَدِّثُ بِمُبَاضَعَةِ أَهْلِهِ وَأَمَتِهِ) وَمُخَاطَبَتِهِمَا بِخِطَابٍ فَاحِشٍ بَيْنَ النَّاسِ، (وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ) أَيْ: يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ فِي حَمَّامٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ حَرَامٌ، لِأَنَّ فِيهِ كَشْفًا لِعَوْرَتِهِ، الْمَأْمُورُ بِسَتْرِهَا، (وَنَحْوَ ذَلِكَ) كَمَنْ بَنَى حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ.
(فَأَمَّا الشَّيْنُ فِي الصِّنَاعَةِ كَالْحَجَّامِ وَالْحَائِكِ وَالنَّخَّالِ) الَّذِي يُغَرْبِلُ فِي الطَّرِيقِ عَلَى فُلُوسٍ وَغَيْرِهَا (وَالنَّفَّاطِ) الَّذِي يَلْعَبُ بِالنِّفْطِ، مِثْلَ لَبَّانٍ وَتَمَّارٍ (وَالْقَمَّامِ) الْكَنَّاسِ، يُقَالُ: قَمَّ الْبَيْتَ: إِذَا كَنَسَهُ (وَالزَّبَّالِ) وَهُوَ الَّذِي صِنَاعَتُهُ الزِّبْلُ، كَنْسًا وَجَمْعًا وَنَقْلًا (وَالْمُشَعْوِذِ) قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: لَيْسَتْ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَهُوَ خِفَّةٌ فِي الْيَدَيْنِ كَالسِّحْرِ (وَالدَّبَّاغِ وَالْحَارِسِ) وَالْحَدَّادِ وَالصَّبَّاغِ (وَالْقَرَّادِ) الَّذِي يَلْعَبُ بِالْقِرْدِ، وَيَطُوفُ بِهِ الْأَسْوَاقَ وَغَيْرَهَا مُكْتَسِبًا بِهِ (وَالْكَبَّاشِ) الَّذِي يَلْعَبُ بِالْكِبَاشِ وَيُنَاطِحُ بِهَا، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ السُّفَهَاءِ وَالسَّفَلَةِ (فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِذَا حَسُنَتْ طَرِيقَتُهُمْ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا:

فصل.
وَمَتَّى زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ،

[المبدع في شرح المقنع]

تُقْبَلُ، زَادَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: لَا مَسْتُورَ الْحَالِ مِنْهُمْ، وَإِنْ قَبِلْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهِمْ، فَبِرَدِّ شَهَادَةِ فَاعِلِهِ يَمْنَعُ مِنْ تَعَاطِيهِ فَيُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ بِالْخَلْقِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ تَعَاطِيَ ذَلِكَ يَتَجَنَّبُهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ.
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّ الْأَوْلَى قَبُولُ شَهَادَةِ الْحَائِكِ وَالْحَارِسِ وَالدَّبَّاغِ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْمُرُوءَاتِ، وَاخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ قَالَ: تَرِدُ بِبَلَدٍ يُسْتَزْرَى بِهِمْ فِيهِ.
وَفِي الْفُنُونِ: وَكَذَا خَيَّاطٌ، وَهُوَ غَرِيبٌ.
فَرْعٌ: الصَّيْرَفِيُّ وَنَحْوُهُ: إِنْ لَمْ يَتَّقِ الرِّبَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ الصَّرْفَ، وَيُكْرَهُ كَسْبُ مَنْ صَنْعَتُهُ دَنِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ مَعَ إِمْكَانِ أَصْلَحِ مِنْهَا، وَمَنْ يُبَاشِرِ النَّجَاسَةَ كَجَزَّارٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَسَاوَةَ قَلْبِهِ، وَفَاصِدٍ وَمُزَيِّنٍ وَجَرَائِحِيٍّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَبَيْطَارٍ، وَظَاهِرُ الْمُغْنِي: لَا يُكْرَهُ كَسْبُ فَاصِدٍ، أَفْضَلُ الْمَعَايِشِ: التِّجَارَةُ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: الزِّرَاعَةُ، وَاخْتَارَ فِي الْفُرُوعِ: الصَّنْعَةُ بِالْيَدِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: أَفْضَلُ الصَّنَائِعِ الْخِيَاطَةُ.
وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا وَعَنْ عَمَلِ الْخُوصِ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؛ قَالَ: كُلَّمَا نَصَحَ فِيهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَكَانَ إِدْرِيسُ خَيَّاطًا، وَكَذَا لُقْمَانُ، وَيُسْتَحَبُّ الْغَرْسُ وَالْحَرْثُ، وَاتِّخَاذُ الْغَنَمِ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: حَثَّنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى لُزُومِ الصَّنْعَةِ، وَكَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[زَوَالُ مَوَانِعِ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ]

فصل.
(وَمَتَّى زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ، إِنَّمَا رُدَّتْ لِمَانِعٍ وَقَدْ زَالَ، وَلَا

وَتَابَ الْفَاسِقُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَلَا يُعْتَبَرُ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ فِي التَّائِبِ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ سَنَةً، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ قَاذِفٍ؛ وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، وَقِيلَ:

[المبدع في شرح المقنع]

يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ أَوْلَى إِذَا كَانَ مَعْصِيَةً مَشْهُورَةً، وَشَرْطُهَا نَدَمٌ وَإِقْلَاعٌ وَعَزْمٌ عَلَى أَلَّا يَعُودَ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَابَ مِنْ حَقِّ آدَمِيٍّ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُبَرِّئَهُ مِنْهُ، أَوْ يُؤَخِّرَهُ بِرِضَاهُ، أَوْ يَنْوِيَ رَدَّهُ إِذَا قَدَرَ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُعَوِّضُ اللَّهُ الْمَظْلُومَ بِمَا شَاءَ، فَتُقْبَلُ إِذَنْ، وَإِنْ كَانَ مَنْ حَقٍّ لِلَّهِ كَزَكَاةٍ وَصَلَاةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ سَرِيعًا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ، وَيُعْتَبَرُ رَدَّ مَظْلَمَةٍ أَوْ يَسْتَحِلُّهُ أَوْ يَسْتَمْهِلُهُ مُعْسِرٌ (وَلَا يُعْتَبَرُ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ تُقْبَلُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، فَلَأَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَبِي ذَرٍّ: تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ وَلِحُصُولِ الْمَغْفِرَةِ بِهَا (وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ فِي التَّائِبِ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ سَنَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: 5] ، فَنَهَى عَنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبَ الْمُصْلِحَ، وَلِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَمَرَ بِضَرْبِ ضُبَيْعٍ وَأَمَرَ بِهِجْرَانِهِ حَتَّى بَلَغَهُ تَوْبَتُهُ، فَأَمَرَ أَنْ لَا يُكَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ، وَقِيلَ: إِنْ فُسِّقَ بِفِعْلٍ، وَإِلَّا لَمْ يُعْتَبَرْ، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ رِوَايَةً.
وَعَنْهُ: فِي مُبْتَدَعٍ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَالْحُلْوَانِيُّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يَعْلَمُ حَالَهُ فِيهَا، وَعَنْهُ: وَمُجَانَبَةُ قَرِينَةٍ فِيهِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا وُجُودُ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: 60] . فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَ تَوْبَتَهُ بِشَرْطٍ، فَإِنَّهُ غَيْرُ تَائِبٍ حَالًا، وَلَا عِنْدَ وُجُودِهِ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ قَاذِفٍ) أَيْ: تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِالْقَذْفِ إِذَا لَمْ يُحَقِّقْهُ لِلْآيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَاذِفِ الْمَرْدُودِ الشَّهَادَةِ: وَهُوَ

إِنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ.

فصل.
وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ، بَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي

[المبدع في شرح المقنع]

الَّذِي لَمْ يَأْتِ بِمَا يُحَقِّقُ قَذْفَهُ، كَالزَّوْجِ يَقْذِفُ زَوْجَتَهُ وَيَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ اللِّعَانِ، وَكَالْأَجْنَبِيِّ يَقْذِفُ أَجْنَبِيَّةً وَيَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَهَذَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ حُدَّ أَوْ لَا، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَسَائِرِ الذُّنُوبِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى.
وَلِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي ذَرٍّ: إِنْ تُبْتَ قَبِلْتُ شَهَادَتَكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَاحْتَجُّوا بِهِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ لِعَدَمِ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إِنْ تَنَاوَلَتْهُ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ لِفِسْقِهِ، وَإِلَّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَرِوَايَتِهِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ (وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] «تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ» وَلِكَذِبِهِ حُكْمًا (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ النَّدَمَ تَوْبَةٌ لِلْخَبَرِ، وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الْقَوْلُ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُ النَّدَمِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ سَبًّا، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ إِكْذَابُ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً، فَبِأَنْ يَقُولَ: الْقَذْفُ حَرَامٌ بَاطِلٌ، وَلَنْ أَعُودَ إِلَى مَا قُلْتُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فَلَا يؤمن بِالْكَذِبِ، وَهُوَ قَوْلُ السَّامَرِّيِّ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ: نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي، وَلَا أَعُودُ إِلَى مَا أُتَّهَمُ فِيهِ، وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِ مَا كَانَ مِنِّي؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ أَلَّا يَشْهَدَ.

[الْحُرِّيَّةُ لَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ]

فصل.
(وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ) نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ.

الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ أَنَسٌ يُجِيزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ، لَيْسَ شَيْءٌ يَدْفَعُهُ، وَلِأَنَّهُ ـ تَعَالَى ـ أَمَرَ بِإِشْهَادِ ذَوِي عَدْلٍ مِنَّا، وَمَنْ فَقَدَ الْحُرِّيَّةَ فَهُوَ عَدْلٌ، بِدَلِيلِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ وَفُتْيَاهُ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَالْحُرِّ (بَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو ثَوْرٍ، وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ ـ أَيْضًا ـ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَلِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي الرَّضَاعِ، وَلِقَوْلِهِ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» . وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا وَصُلَحَائِهَا مَوَالِيَ، وَلَمْ يَحْدُثْ فِيهِمْ بِالْإِعْتَاقِ إِلَّا الْحُرِّيَّةُ، وَهِيَ لَا تَحْدُثُ عِلْمًا وَلَا دِينًا (إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِيهِمَا؛ لِمَا فِي شَهَادَتِهِ مِنَ الْخِلَافِ، إِذْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ـ وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ـ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا الْحُرِّيَّةُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: تُقْبَلُ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي يَعْقُوبُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ مَنْعٌ فِي الْحُدُودِ، وَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعُمُومِ.
وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: أَنَّهَا تُعْتَبَرُ فِي حَدٍّ لَا قِصَاصٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْفَرَجِ وَصَاحِبِ الرَّوْضَةِ.
وَفِي الْكَافِي: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِي الْحَدِّ، وَفِي الْقَوَدِ احْتِمَالَانِ.
فَرْعٌ: مَتَى تَعَيَّنَتْ حُرِمَ مَنْعُهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: مَنْ أَجَازَ بِشَهَادَتِهِ لَمْ يُجِزْ لِسَيِّدِهِ مَنْعَهُ مِنْ قِيَامِهَا، فَلَوْ عَتَقَ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ فَشَهِدَ حَرُمَ رَدُّهُ.
قَالَ فِي الْمُفْرَدَاتِ: فَلَوْ رَدَّهُ مَعَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ فُسِّقَ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدِيرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ كَالْقِنِّ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ) الْأَحْرَارِ؛ لِدُخُولِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] ، مَعَ حَدِيثِ عُقْبَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ

النِّسَاءِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَعَلَى الْمَسْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ صَمَمِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي الْمَسْمُوعَاتِ إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ وَبِالِاسْتِفَاضَةِ، وَتَجُوزُ فِي الْمَرْئِيَّاتِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى، إِذَا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَيَصِفُهُ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ عَلَى مَا يَرَاهُ) لِأَنَّهُ فِيمَا رَآهُ كَغَيْرِهِ (وَعَلَى الْمَسْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ صَمَمِهِ) لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَمَنْ لَيْسَ بِهِ صَمَمٌ (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي الْمَسْمُوعَاتِ إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ) أَيِ: صوت الْمَشْهُود عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ: الْقَبُولُ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ لِلْأَعْمَى وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ كَالْبَصِيرِ، وَلِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا أَجَازَا شَهَادَةَ الْأَعْمَى، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ بِذَلِكَ، كَاسْتِمْتَاعِهِ بِزَوْجَتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا رُؤْيَةَ لَهُ، (وَبِالِاسْتِفَاضَةِ) لِأَنَّهُ يُعْتَمَدُ الْقَوْلُ، وَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَزَادَ: وَالتَّرْجَمَةُ، وَإِذَا أَقَرَّ عِنْدَ أُذُنِهِ وَيَدُ الْأَعْمَى عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَبَطَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجِزْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ لَا تَجُوزُ عَلَى الْأَقْوَالِ كَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تُشْتَبَهُ (وَتَجُوزُ فِي الْمَرْئِيَّاتِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى، إِذَا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ) لِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا يَخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَالصَّمَمِ، وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ، سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فِيمَا قَدْ عَرَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَى، فَقَالَ: جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا ظَنَّهُ نَحْوَ النَّسَبِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَصْحَابَهُ جَوَّزُوا ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ (تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَيَصِفُهُ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا إِنْ تَعَذَّرَ رُؤْيَةُ الْعَيْنِ الْمَشْهُودِ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا أَوْ بِهَا، لِمَوْتٍ أَوْ غَيْبَةٍ (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا وَجْهٌ (أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا) وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا، وَفِي الْمُحَرَّرِ

ثُمَّ عَمِيَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَالْحَاكِمِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْفُرُوعِ الْوَجْهَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
وَهُمَا أَيْضًا فِيمَا إِذَا عَرَفَهُ بِصَوْتِهِ (وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ عَمِيَ) أَوْ خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ (قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْحُكْمَ بِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ ثُمَّ مَاتَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ كَمَا لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ.
وَفَرَّقَ فِي الشَّرْحِ: بِأَنَّ الْفِسْقَ يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، لَكِنْ لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ مَا لَا يَجُوزُ مَعَهُ شَهَادَةٌ، لَمْ يَحْكُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَبْطِنُ الْفِسْقَ وَيُظْهِرُ الْعَدَاوَةَ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ الشَّكِّ، إِلَّا عَدَاوَةً ابْتَدَاهَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، بِأَنْ قَذَفَ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ، لِأَنَّهَا لَوْ أَبْطَلْنَاهَا بِهَذَا لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِقَذْفِهِ، وَكَذَا الْمُنَازَعَةُ وَالْمُقَاوَلَةُ وَقْتَ غَضَبِهِ وَمُحَاكَمَتِهِ بِدُونِ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ سَابِقَةٍ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ أَوِ الْفِسْقِ.
فَإِنْ حَدَّثَ بَعْضَ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لِلَّهِ لَمْ يَسْتَوْفِ؛ لِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ وَهُوَ يَدْرَأُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مَالًا اسْتُوفِيَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ، وَإِنْ كَانَ قَوْدًا أَوْ حَدَّ قَذْفٍ فَوَجْهَانِ (وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الزِّنَى، فَتُقْبَلُ فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَلَدُ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ، لِأَنَّ الزَّانِيَ لَوْ تَابَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ مَا ذُكِرَ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: وَدَّتِ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ يَزْنِينَ، لَا أَعْلَمُهُ ثَابِتًا عَنْهُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ عُثْمَانُ كَلَامًا بِالظَّنِّ عَنْ ضَمِيرِ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَذْكُرُهُ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ،

عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ، وَعَنْهُ فِي شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ.

وَيَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ فِي الرَّضَاعِ وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُغْنِي (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ (وَعَنْهُ: فِي شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) . أَحَدُهُمَا: لَا تُقْبَلُ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ.
لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ.» وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْجَفَاءِ فِي الدِّينِ.
وَالثَّانِي: تُقْبَلُ، صَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ الْمُنَجَّا؛ لِأَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ قُبِلَتْ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، دَلِيلُهُ شَهَادَةُ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ لَا تُقْبَلُ لِلْجَهْلِ بِعَدَالَتِهِ الْبَاطِنَةِ، وَخَصَّهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ.

[بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ]

[قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ]

بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ.
الْمَوَانِعُ: جَمْعُ مَانِعٍ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ مَنَعَ الشَّيْءَ: إِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصُودِهِ، فَهَذِهِ الْمَوَانِعُ تَحُولُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَمَقْصُودِهَا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا قَبُولُهَا وَالْحُكْمُ بِهَا (وَيَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) يَأْتِي عَدُّهَا (أَحَدُهَا: قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ) وَهِيَ بِمَعْنَى لَا تُقْبَلُ

لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ.
وَعَنْهُ: تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا غَالِبًا، نَحْوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ قَذْفٍ، وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، ولا تقبل شهادة الوالد لولده، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

لِعَمُودَيْ نَسَبِهِ (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ) مِنْ قَبِيلِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ (وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، وَآبَاؤُهُمَا وَأُمَّهَاتُهُمَا، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» ، وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إِلَيْهِ بِطَبْعِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا» . وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ دِينُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَ.
لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ: لَا مِنْ زِنًى وَرَضَاعٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الاتفاق وَالصِّلَةِ، وَعِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَالتَّبَسُّطِ فِي الْمَالِ (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا غَالِبًا، نَحْوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ قَذْفٍ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَحْصُلُ لِلْآخَرِ، فَتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُ فِي شَهَادَتِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَشَهَادَتِهِ لَهُ بِمَالٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَنِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ) لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ) لِأَنَّ مَالَ ابْنِهِ كَمَالِهِ لِلْخَبَرِ، فَكَانَتْ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهَا فِي الْمُبْهِجِ وَالْوَاضِحِ؛ لِأَنَّهُمَا عَدْلَانِ فَيَدْخُلَانِ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ، وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُمْ.

بَعْضٍ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا تُقَبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا بِقَذْفِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا وَهِيَ تَحْتَهُ أَوْ طَلَاقِهَا، فَاحْتِمَالَانِ فِي الْمُنْتَخَبِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لَا تُهْمَةَ فِيهَا، فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ كَشَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ عَلَيْهِ كَغَيْرِ الْعَدْلِ.
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَا أَرَى شَهَادَةَ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فِي حَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ؛ لِاتِّهَامِهِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمُكَاتَبِ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ لَهُمَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ لِوَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوْ أَجْنَبِيٌّ بِأَلْفٍ، أَوْ بِحَقٍّ آخَرَ مُشْتَرَكٍ، بَطَلَتْ فِي الْكُلِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ فَقَطْ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ لِيَنْبَسِطَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَاتِّسَاعِهِ بِسَعَتِهِ، وَإِضَافَةِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى الْآخَرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] ، وَ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 53] ، وَلِأَنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ فِي نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، وَيَسَارَهَا يَزِيدُ فِي قِيمَةِ بُضْعِهَا الْمَمْلُوكِ لِزَوْجِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ، فَأَوْجَبَ التُّهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ.
وَظَاهِرٌ: وَلَوْ بَعْدَ الْفِرَاقِ، وَالْأُخْرَى: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَلَا يَتَضَمَّنُ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالْإِجَارَةِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَقْبُولَةٌ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ، وَقِيلَ: فِي قَبُولِهَا رِوَايَتَانِ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ بِنِكَاحٍ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ (وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ يَنْبَسِطُ فِي مَالِهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ، فَهُوَ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، زَادَ

لِأَخِيهِ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ وَالصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، الْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ.

فصل.
الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ، وَالْوَارِثِ

[المبدع في شرح المقنع]

فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: بِمَالٍ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا.
قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ أَجَازَ ابْنُ الزُّبَيْرِ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومَاتِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى عَمُودَيِ النَّسَبِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ (وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ) أَيْ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَالْأَخِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْهُ، (وَالصَّدِيقِ) الْمُلَاطِفِ (لِصَدِيقِهِ) وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِصَدَاقَةٍ وَكِيدَةٍ، وَعَاشِقٍ لِمَعْشُوقِة؛ لِأَنَّ الْعِشْقَ يَطِيشُ (الْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ) كَالْأَخِ لِأَخِيهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، وعليه: وَلِغَيْرِ سَيِّدِهِ، لَكِنْ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْمُعْتِقَ غَصَبَهُمَا مِنْهُ، فَشَهِدَ الْعَتِيقَانِ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِعَوْدِهِمَا إِلَى الرِّقِّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا أَنَّ مُعْتِقَهُمَا غَيْرُ بَالِغٍ حَالَ الْعِتْقِ، أَوْ جَرَحَا الشَّاهِدَيْنِ بِحُرِّيَّتِهِمَا، وَلَوْ عِتْقًا بِتَدْبِيرٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَشَهِدَا بَدَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ فِي الرِّقِّ، لَمْ يُقْبَلْ لِإِقْرَارِهِمَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ بِرِقِّهِمَا لِغَيْرِ سَيِّدٍ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ الشَّاهِدُ مَعَ شَهَادَتِهِ لَمْ تُرَدَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَمَعَ النَّهْيِ عَنْهُ يُتَوَجَّهُ عَلَى كَلَامِهِ، فِي التَّرْغِيبِ: تُرَدُّ.

[أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ]

فصل.
(الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ) لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُتَّهَمٌ فِي الشَّهَادَةِ، وَالتُّهْمَةُ يُمْنَعُ مِنْ قَبُولِهَا (كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ) بِمَالٍ (وَالْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِي، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لَهُ ابْتِدَاءً، وَيُقْبَلُ لَهُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ فِي الْأَشْهَرِ، فَلَوْ حَكَمَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ شَهِدَ غَيْرُ وَارِثٍ فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، سَمِعْتُ دُونَ عَكْسِهِ، وَالْمَانِعُ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ نَفْعٌ حَالَ الشَّهَادَةِ.

لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَالْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ، وَالْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَالْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِالْمَالِ، وَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَلِهَذَا جَازَ شَهَادَةُ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَهُ، وَشَهَادَتُهُ لِامْرَأَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَشَهَادَتُهُ لِغَرِيمٍ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ، أَوْ يُفْلِسَ فَيَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ، وَمُنِعَتِ الشَّهَادَةُ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الْمَوْتِ بِهِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلْوَارِثِ الشَّاهِدِ ابْتِدَاءً فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ، مُوجِبًا لَهُ بِهِ حَقًّا ابْتِدَاءً، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّاهِدِ لِمَوْرُوثِهِ الْمَرِيضِ بِحَقٍّ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ، فَلَمْ يُمْنَعِ الشَّهَادَةُ لَهُ كَالشَّهَادَةِ لِلْغَرِيمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، كَمَا أَجَزْتُمْ شَهَادَتَهُ لَهُ بِمَالٍ.
قُلْنَا: إِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّاهِدِ ابْتِدَاءً، إِنَّمَا تَجِبُ لِلْقَتِيلِ وَالْوَرَثَةِ ثُمَّ يَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ مِنْهَا، فَأَشْبَهَتِ الشَّهَادَةَ لَهُ بِمَالٍ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَالْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ حَقُّ التَّصَرُّفِ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيهَا، وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ شَهَادَتَهُ لِلْمُوصَى عَلَيْهِمْ إِذَا كَانَ الْخَصْمُ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمْ، فَقُبِلَتْ كَمَا بَعْدَ زَوَالِ الْوَصِيَّةِ، (وَالْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ) وَعَبَّرَ السَّامَرِّيُّ عَنْهُ بِالْقَانِعِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْوَكِيلِ، وَتُرَدُّ مِنْ وَصِيٍّ وَوَكِيلٍ وَلَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ.
وَقِيلَ: وَكَانَ خَاصَمَ فِيهِ، وَجَزَمَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا تقبل بَعْدَ عَزْلِهِ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ خَاصَمَ فِي خُصُومَةٍ مَرَّةً، ثُمَّ نَزَعَ، ثُمَّ شَهِدَ لَمْ تُقْبَلْ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، وَيَتِيمٌ فِي حِجْرِهِ، (وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ) بِمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِاتِّهَامِهِ، وَكَذَا الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ (وَالْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ) الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (بِمَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُفْلِسُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْحَجْرِ فَتُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْحَجْرِ مَعَ إِعْسَارِهِ، (وَأَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، فَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ إِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ قُبِلَتْ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
مَسَائِلُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَجِيرٍ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فِيهِ، وَذَكَرَ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ: أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ـ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ ـ:

فصل.
الثَّالِثٌ: أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا، كَشَهَادَةِ الْعَاقِلَةِ بِجُرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالْغُرَمَاءِ بِجُرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَالسَّيِّدِ بِجُرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ، وَالْوَصِيِّ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الْأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

كَيْفَ لَا يَجُوزُ؛ وَلَكِنَّ النَّاسَ تَكَلَّمُوا فِيهِ فَرَأَيْتُهُ يَغْلِبُ عَلَى قَلْبِهِ جَوَازُهُ، وَلَا حَاكِمٍ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ، قَالَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَالرَّوْضَةِ، وَتُقْبَلُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ: وَلَا لِمَنْ لَهُ كَلَامٌ أَوِ اسْتِحْقَاقٌ فِي شَيْءٍ، وَإِنْ قَلَّ كَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي قَوْمٍ فِي دِيوَانٍ آجَرُوا شَيْئًا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ؛ لِأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ أَوْ وُلَاةٌ.
قَالَ: وَلَا شَهَادَةُ دِيوَانِ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ عَلَى الْخُصُومِ.

[أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا]

فصل.
(الثَّالِثُ: أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا، كَشَهَادَةِ الْعَاقِلَةِ بِجُرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ فَقِيرًا أَوْ بَعِيدًا فَاحْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: لَا لِجَوَازِ أَنْ يُوسِرَ أَوْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَيَحْمِلَهَا، (وَالْغُرَمَاءِ بِجُرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَالِ عَلَيْهِمْ (وَالسَّيِّدِ بِجُرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهَا لِمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ، وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ.
» يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» . وَهُوَ مُرْسَلٌ.
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الضَّامِنِ بِإِبْرَاءِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ أَوْ قَضَائِهِ، غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا (وَالْوَصِيِّ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الْأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ

شَرِيكِهِ وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإِنْسَانٍ إِذَا شَهِدَ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ.

فصل.
الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ عَلَى قَاذِفِهِ، وَالْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ عَلَى قَاطَعِهِ، وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

مُتَّهَمٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإِنْسَانٍ إِذَا شَهِدَ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ) كَالْوَصِيِّ، وَالْوَكِيلِ، وَالشَّرِيكِ، وَغَرِيمِ الْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ إِزَالَةَ حُقُوقِهِمْ مِنَ الْمَشْهُودِ بِهِ.

[الْعَدَاوَةُ]

فصل.
(الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْغِمْرُ: الْحِقْدُ، وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورِثُ تُهْمَةً شَدِيدَةً فَمَنَعَتِ الشَّهَادَةَ، كَالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَوْرُوثَةً أَوْ مُكْتَسَبَةً.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ: ظَاهِرَةٌ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسُرُّ بِمَسَاءَةِ الْآخَرِ وَيَغْتَمُّ بِفَرَحِهِ، وَيَطْلُبُ لَهُ الشَّرَّ، زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ حَاسِدٍ.
لَكِنْ فِي الْخَبَرِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الْحَسَدُ وَالظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَتْبَعْ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَتَحَقَّقْ، وَإِذَا تَطَيَّرَتْ فَامْضِ» . وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ خَاصَمَ فِي حَقٍّ، كَالْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ أَوْ شَرِيكٌ فِيهِ (كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ عَلَى قَاذِفِهِ، وَالْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ عَلَى قَاطِعِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا.
فَعَلَى هَذَا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِنْ شَهِدُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَيْنَا أَوْ عَلَى الْقَافِلَةِ، بَلْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ: هَلْ قَطَعُوهَا عَلَيْكُمْ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْحَثُ

فصل.
الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ فَتُرَدُّ، ثُمَّ يَتُوبُ ويُعِيدُهَا، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِلتُّهْمَةِ، وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى صَارَ عَدْلًا، قُبِلَتْ بغير خلاف نعلمه، وَلَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

عَمَّا يشَهد بِهِ المشهودُ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ عَرَضُوا لَنَا وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِنَا، فَفِي الْفُصُولِ: تُقْبَلُ، قَالَ: وَعِنْدِي لَا.
(وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ تُهْمَةً بِخِلَافِ الصَّدَاقَةِ، فَإِنَّ فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ بِالزُّورِ نَفْعَ غَيْرِهِ بِمَضَرَّةِ نَفْسِهِ، وَبَيْعِ آخِرَتِهِ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ يَقْصِدُ بِهَا نَفْعَ نَفْسِهِ مِنَ التَّشَفِّي بِعَدُوِّهِ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْمُحَاكَمَةُ فِي الْأَمْوَالِ فَلَيْسَتْ عَدَاوَةً تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ فِي غَيْرِ مَا حَاكَمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَقْبَلْ لَاتَّخَذَ النَّاسُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى إِبْطَالِ الشَّهَادَاتِ وَالْحُقُوقِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهَا تُقْبَلُ لِعَدُوِّهِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ.

[أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ فَتُرَدُّ، ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا]

فصل.
(الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ فَتُرَدُّ، ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ) جَزَمَ بِهِ الْمُحَرَّرُ وَالْوَجِيزُ وَالسَّامَرِّيُّ، وَزَادَ وَجْهًا وَاحِدًا (لِلتُّهْمَةِ) فِي أَدَائِهَا لِكَوْنِهِ يُعَيَّرُ بِرَدِّهَا، فَرُبَّمَا قَصَدَ بِأَدَائِهَا أَنْ تُقْبَلَ لِإِزَالَةِ الْعَارِ الَّذِي لَحِقَهُ بِرَدِّهَا، وَلِأَنَّهَا رُدَّتْ بِاجْتِهَادٍ فَقَبُولُهَا نَقْضٌ لِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ، وَعَنْهُ: تُقْبَلُ، حَكَاهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، كَغَيْرِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ (وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى صَارَ عَدْلًا قُبِلَتْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ أَجْلِ الْعَارِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي الرَّدِّ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا، وَهَكَذَا الصَّبِيُّ وَالْكَافِرُ إِذَا شَهِدَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَرْوُونَ بَعْدَمَا كَبِرُوا، كَابْنِ جَعْفَرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالشَّهَادَةُ فِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ هُنَا مُنْتَفِيَةٌ، وَكَذَا الْعَبْدُ

شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالصِّبَا قُبِلَتْ، وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِمَوْرُوثِهِ بالِجرْح قَبْلَ بُرْئِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وَبُرْءِ الْجريح، فَفِي رَدِّهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ شَهِدَ الشفيع بِعَفْوِ شَرِيكِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

إِذَا شَهِدَ بَعْدَ الْعِتْقِ (وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالصِّبَا) ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَهِيَ أَوْلَى، (قُبِلَتْ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ فِي الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ لَا غَضَاضَةَ فِيهَا، فَلَا تَقَعُ تُهْمَةٌ فِي الْإِعَادَةِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالْحُرِّيَّةَ لَيْسَا مِنْ فِعْلِهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تُقْبَلُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى كَالْفَاسِقِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ مُجْتَهِدٌ فِيهَا، فَإِذَا رُدَّتْ لَمْ تُقْبَلْ كَالْفَاسِقِ.
وَكَذَا إِذَا رُدَّتْ لِجُنُونٍ أَوْ خَرَسٍ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ بُرْئِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وَبُرْءِ الْجَرِيحِ، فَفِي رَدِّهَا وَجْهَانِ) . أَحَدُهُمَا: تُقْبَلُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمَانِعِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، أَشْبَهَ زَوَالَ الصِّبَا، وَلِأَنَّ رَدَّهَا بِسَبَبٍ لَا عَارَ فِيهِ، فَلَا يُتَّهَمُ فِي قَصْدِ نَفْيِ الْعَارِ بِإِعَادَتِهَا، بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
وَالثَّانِي: لَا تُقْبَلُ، صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَذَكَرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ الْأَوْلَى، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ رَدَّهَا بِاجْتِهَادِهِ فَلَا يَنْقُضُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ، وَلِأَنَّهَا رُدَّتْ بِالتُّهْمَةِ كَالْمَرْدُودَةِ لِلْفِسْقِ، وَنَصَرَ الْمُؤَلِّفُ الْأَوَّلَ، فَإِنَّ الْأَصْلَ قَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ، وَأَمَّا نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ فَهُوَ جَائِزٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، غَيْرُ جَائِزٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاضِي.

فِي الشُّفْعَةِ عَنْهَا فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ لَمْ يُقْبَلْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ.

بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ

وَالْمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: الزِّنَى وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ، فَلَا يُقْبَلُ

[المبدع في شرح المقنع]

بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي قَضِيَّةٍ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ، وَقَبُولُ الشَّهَادَةِ هُنَا مِنَ النَّقْضِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
فَرْعٌ: الْخِلَافُ جَارٍ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ رُدَّتِ التُّهْمَةُ رَحِمٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ، ثُمَّ أَعَادَهَا، وَقِيلَ: إِنْ زَالَ الْمَانِعُ بِاخْتِيَارِ الشَّاهِدِ، كَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ وَتَطْلِيقِ الزَّوْجَةِ رُدَّتْ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ شَهِدَ الشَّفِيعُ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ فِي الشُّفْعَةِ عَنْهَا، فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، لَمْ يُقْبَلْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ أَشْبَهَ الْفَاسِقَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ) هَذَا وَجْهٌ؛ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا رُدَّتْ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ بِهَا إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِعَفْوِهِ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: مِنْ مَوَانِعِهَا الْحِرْصُ عَلَى أَدَائِهَا قَبْلَ اسْتِشْهَادِ مَنْ يَعْلَمُ بِهَا، قَبْلَ الدَّعْوَى أَوْ بَعْدَهَا، فَتُرَدُّ، وَهَلْ يَصِيرُ مَجْرُوحًا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
قَالَ: وَمِنْ مَوَانِعِهَا الْعَصَبِيَّةُ، فَلَا شَهَادَةَ لِمَنْ عُرِفَ بِهَا، وَبِالْإِفْرَاطِ فِي الْحَمِيَّةِ، كَتَعْصِيبِ قَبِيلَةٍ عَلَى قَبِيلَةٍ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْعَدَاوَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَقَالَ آخَرُ: أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ، أَوْ بِذَلِكَ، أَوْ كَذَلِكَ، أَوْ بِمَا وَضَعْتُ بِهِ خَطِّي، فَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا.
ثَالِثُهَا يَصِحُّ فِي: وَبِذَلِكَ وَكَذَلِكَ فَقَطْ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَفِي نُكَتِ الْمُحَرَّرِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ فِي الْجَمِيعِ أَوْلَى.

[بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ]

[الزِّنَى وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ]

بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ.
وَعَدَدُ شُهُودِهِ (وَالْمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ) يَأْتِي بَيَانُهَا (أَحَدُهَا: الزِّنَى وَمَا

فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ، وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

الثَّانِي: الْقِصَاصُ سَائِرُ الْحُدُودِ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ

[المبدع في شرح المقنع]

يُوجِبُ حَدَّهُ) كَاللِّوَاطِ (فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ) عُدُولٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَى (وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنَى، فَأَشْبَهَ الْفِعْلَ، وَالْمُرَادُ الْإِقْرَارُ الْمُعْتَبَرُ وَهُوَ أَرْبَعُ.
الثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ عَدْلَانِ كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ أَعْجَمِيًّا، فَفِي التَّرْجَمَةِ وَجْهَانِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ تُرْجُمَانَانِ.
وَمَنْ عَزَّرَ بِوَطْءِ فَرْجٍ، ثَبَتَ بِرَجُلَيْنِ، قَدَّمَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: مَعَ الْبَيِّنَةِ وَاثْنَيْنِ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَتَثْبُتُ الْمُبَاشَرَةُ دُونَ الْفَرْجِ وَمَا أَوْجَبَ تَعْزِيرًا بِعَدْلَيْنِ، أَشْبَهَ ظُلْمَ النَّاسِ.

[الْقِصَاصُ وَسَائِرُ الْحُدُودِ]

(الثَّانِي: الْقِصَاصُ سَائِرُ الْحُدُودِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ إِلَّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَحَمَّادٍ: يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ فَيُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ بِخِلَافِ الزِّنَى، وَهَذَا مِمَّا يَحْتَاطُ لِدَرْئِهِ وَيَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى إِثْبَاتِهِ.
لَا يُقَالُ: الْقَتْلُ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَى، وَاشْتُرِطَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ كَانَ الْقَتْلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِيهِ حَقُّ آدَمِيٍّ.
وَفِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ إِسْقَاطٌ لَهُ، بِخِلَافِ الزِّنَى، وَفِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةٌ، «رَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ.
» وَعَنْهُ: جَوَازُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ بَيْنَهِنَّ فِي الْحَمَّامَاتِ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ خِلَافٌ سَبَقَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ عَمْدٍ ثَبَتَ إِقْرَارُهُ بِمَرَّةٍ، وَعَنْهُ: أَرْبَعَ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: يَرُدُّهُ وَيَسْأَلُ عَنْهُ

حُرَّانِ.

الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، غَيْرَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَكَالَةِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ، وَعَنْهُ: فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْعِتْقِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَعَنْهُ يقبل فِي الْعِتْقِ: شَاهِدٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي، وَقَالَ الْقَاضِي: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَالْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْكِتَابَةُ وَنَحْوُهَا تَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

لَعَلَّ بِهِ جُنُونًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

[مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ]

(الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، غَيْرَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَكَالَةِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) ؛ كَالظِّهَارِ وَالِاسْتِيلَاء وَالنِّكَاحِ (وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ، قَالَهُ فِي الرَّجْعَةِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، أَشْبَهَ الْعُقُوبَاتِ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إِلَى عَدَمِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ (وَعَنْهُ: فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْعِتْقِ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، أَشْبَهَ الْمَالَ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ إِلْحَاقَ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْمَالِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: لَا يَثْبُتَانِ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَعَنْهُ: يُقْبَلُ فِي الْعِتْقِ شَاهِدٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ مُسْتَنَدَهَا عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إِلَى الْعِتْقِ، وَفِي قَبُولِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُعْتِقِ تَوْسِعَةٌ فِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ (وَقَالَ الْقَاضِي: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا (وَالْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْكِتَابَةُ وَنَحْوُهَا يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) مَا خَلَا الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ أَنَّهُ وَصِيٌّ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ، فَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ.

قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ آخر وَيُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدَيْنٍ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا.

الرَّابِعُ: الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ وَجِنَايَةِ الْخَطَأِ، يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَنَصَّ فِي الْإِعْسَارِ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِثَلَاثَةٍ؛ لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ فِي حِلِّ الْمَسْأَلَةِ لَا فِي الْإِعْسَارِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو الْحَارِثِ وَيَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ فِي الْأَسِيرِ يَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْأَسْرِ لِيَدْرَأَ عَنْهُ الرِّقَّ: إِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْأَسْرَى، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَكَذَا إِنْ شَهِدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ.
فَنَصَّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهَا فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْقَاضِي: فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ الشَّهَادَةُ، يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ يَمِينٍ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ: هَلْ يُقْبَلُ الرَّجُلَانِ وَالْمَرْأَتَانِ أَوِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي دَعْوَى قَتْلِ الْكَافِرِ لِاسْتِحْقَاقِ سَلَبِهِ؟ وَدَعْوَى الْأَسِيرِ إِسْلَامًا سَابِقًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ طَبِيبٌ وَبَيْطَارٌ وَاحِدٌ فِي مَعْرِفَةِ دَاءٍ وَمُوضِحَةٍ، إِنْ تَعَذَّرَ آخَرُ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَعْسُرُ عَلَيْهِ إِشْهَادُ اثْنَيْنِ فَكَفَى الْوَاحِدُ كَالرَّضَاعِ.
وَإِنْ أَمْكَنَ إِشْهَادُ اثْنَيْنِ لَمْ يَكْتَفِ بِدُونِهِمَا ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ قَبُولَ الْوَاحِدِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ.
(قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ آخَرَ وَيُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدَيْنٍ) صَحَّ ; لِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَالُ كَالْحَوَالَةِ.
(فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا) لِمَا سَبَقَ.

[الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ]

(الرَّابِعُ: الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ) وَالْأَجَلُ وَالْخِيَارُ فِيهِ.
(وَالْقَرْضُ وَالْوَصِيَّةُ لَهُ) أَيْ: لِمُعَيَّنٍ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَهُ.
وَتَسْمِيَةُ مَهْرٍ، وَرِقٌّ مَجْهُولُ النَّسَبِ.
(وَجِنَايَةُ الْخَطَأِ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] ، نَصَّ عَلَى الْمُدَايَنَةِ، وَقِسْنَا عَلَيْهِ سَائِرَ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالُ، أَشْبَهَتِ الشَّهَادَةَ بِنَفْسِ الْمَالِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

مَعَ الرِّجَالِ لِلنَّصِّ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ الْمَالِ لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» ، زَادَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فِي الْأَمْوَالِ.
وَلِأَحْمَدَ ـ فِي رِوَايَةٍ ـ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ، وَفِي حَقِّ الْمُنْكِرِ.
وَالْمُدَّعِي هُنَا ظَهَرَ صِدْقُهُ بِشَاهِدِهِ فَوَجَبَ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ.
وَقِيلَ: تُقْبَلُ امْرَأَتَانِ وَيَمِينٌ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ قُبِلَ امْرَأَةٌ وَيَمِينٌ تَوَجَّهَ ; لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا أُقِيمَا مَقَامَ رَجُلٍ فِي التَّحَمُّلِ، وَلِخَبَرِ الدِّيَانَةِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً.
نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي: شَاهِدِي صَادِقٌ فِي شَهَادَتِهِ.
وَقِيلَ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ.
وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْحَقُّ.
وَإِنْ نَكَلَ حُكِمَ عَلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهَلْ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَشْهَرُهُمَا: لَا تُرَدُّ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي جَنْبَتِهِ وَقَدْ أَسْقَطَهَا بِنُكُولِهِ عَنْهَا، وَصَارَتْ فِي جَنْبَةِ غَيْرِهِ فَلَمْ تَعُدْ إِلَيْهِ.
كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا نَكَلَ عَنْهَا فَرُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي فَنَكَلَ عَنْهَا.
وَالثَّانِيَ: تُرَدُّ ; لِأَنَّ سَبَبَهَا نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَإِذَا حَلَفَ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَخَذَ نَصِيبَهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ نَاكِلٌ.
وَلَا يَحْلِفُ وَرَثَةُ نَاكِلٍ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ نُكُولِهِ.
وَعَنْهُ: فِي الْوَصِيَّةِ يَكْفِي وَاحِدٌ.
وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا نِسَاءٌ فَامْرَأَةٌ.
وَسَأَلَهُ ابْنُ صَدَقَةَ: الرَّجُلُ يُوصِي وَيُعْتِقُ وَلَا يَحْضُرُهُ إِلَّا النِّسَاءُ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ؛ قَالَ: نَعَمْ، فِي الْحُقُوقِ.

جارٍ التحميل