وَجْهَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ حَلَفَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَيْنِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
الشَّيْخَانِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهَا إِنْ شَهِدَتْ بِالتَّلَفِ فَطُلِبَ مِنْهُ الْيَمِينُ عَلَى عُسْرَتِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى أَمْرٍ مُحْتَمِلٍ خِلَافَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْإِعْسَارِ، فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ الْبَيِّنَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مَتَى تَوَجَّهَ حَبْسُهُ حُبِسَ، وَلَوْ كَانَ أَجِيرًا فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، أَوِ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ، وَالزَّوْجِيَّةَ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْحَبْسِ إِنْ قِيلَ بِهِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، فَإِذَا حُبِسَ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَبْلَ الْحَبْسِ بَلْ يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا كَحَبْسِهِ فِي دَيْنِ غَيْرِهِ فَلَهُ إِلْزَامُهَا بِمُلَازَمَةِ بَيْتِهِ، فَإِنْ خَافَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ بِلَا إِذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ، كَمَا لَوْ سَافَرَ عَنْهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ) أَيْ: لَمْ يَكُنْ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ كَأَرْشِ جِنَايَةٍ، أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ، أَوْ مَهْرٍ، أَوْ عِوَضِ خُلْعٍ، أَوْ ضَمَانٍ، وَلَمْ يُقِرَّ بِالْمَلَاءَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ (حَلَفَ) أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ (وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْحَبْسُ عُقُوبَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ ذَنْبًا يُعَاقَبُ بِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَالِهِ بِخِلَافِ مَنْ عُلِمَ لَهُ مَالٌ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُعْلَمَ ذَهَابُهُ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " يُحْبَسُ إِلَى ظُهُورِ إِعْسَارِهِ.
وَفِي " الْبُلْغَةِ " إِلَى أَنْ يَثْبُتَ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ يُحْبَسُ فِي الْحَالَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ: يَحْرُمُ أَنْ يُحَلَّفَ مُعْسِرٌ لَا حَقَّ عَلَيْهِ، وَيَتَأَوَّلَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ سُئِلَ عَنْ غَرِيبٍ وَظَنَّ إِعْسَارَهُ شَهِدَ.
فَائِدَةٌ: قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا عَفَّانُ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ - مِثْلُهُ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ، فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ» . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَيْنِهِ) أَيِ: الْحَالِّ، وَلَا كَسْبَ لَهُ، وَلَا مَا يُنْفِقُ مِنْهُ غَيْرَهُ، أَوْ خِيفَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ
فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ، وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ إِلَّا الْعِتْقُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
(فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ لَمَّا سَأَلَهُ غُرَمَاؤُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ طَلَبَ الْبَعْضِ كَالْكُلِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْغُرَمَاءِ، لَكِنْ لَوْ طَلَبَهُ الْمُفْلِسُ وَحْدَهُ فَوَجْهَانِ، الْمَذْهَبُ لَا يَلْزَمُهُ إِجَابَتُهُ (وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ) أَيْ: إِظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ (وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِعْلَامًا لِلنَّاسِ بِحَالِهِ، فَلَا يُعَامِلُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ وَلِيَثْبُتَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ابْتِدَاءِ حَجْرٍ ثَانٍ، وَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَشْفَعَ فِي إِسْقَاطِ بَعْضِ الدَّيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[أَحْكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحَجْرِ]
[الْأَوَّلُ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ]
فَصْلٌ (وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ) ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّهُ يُبَاعُ فِي دُيُونِهِمْ فَكَانَتْ حُقُوقُهُمْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ كَالرَّهْنِ (فَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَعْيَانِ مَالِهِ، فَلَمْ يُقْبَلِ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) ، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، أَشْبَهَ السَّفِيهَ.
وَمُرَادُهُمْ بِالتَّصَرُّفِ إِذَا كَانَ مُسْتَأْنَفًا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَأْنَفٍ كَرَدٍّ بِعَيْبٍ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ وَفَسَخَهُ بِالْخِيَارِ الْمُشْتَرَطِ قَبْلَ الْحَجْرِ نُفِّذَ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَحَظِّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " (إِلَّا الْعِتْقُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) كَالتَّدْبِيرِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ فَنُفِّذَ كَالرَّاهِنِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إِلَيْهِ وَلِذَلِكَ صَحَّ مُعَلَّقُهُ وَكُمِّلَ مُبَعَّضُهُ، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَصَدَّقَهُ بِيَسِيرٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُنَفَّذُ، اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُؤُوسِ الْمَسَائِلِ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَهِيَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ
ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ إِقْرَارٍ، صَحَّ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ، وَإِنْ جَنَى شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءَ، وَإِنْ جَنَى عَبْدُهُ قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
مَمْنُوعٌ مِنَ التَّبَرُّعِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَلَمْ يُنَفَّذْ عِتْقُهُ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ بِدَيْنِهِ مَالَهُ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يُنْشِئِ الْحَجْرَ إِلَّا لِلْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَفِي صِحَّةِ الْعِتْقِ إِبْطَالٌ لِذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ رَشِيدٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ الْحَجْرُ، فَلَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ، وَقِيلَ: لَا يُنَفَّذُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ: لَهُ مَنْعُ ابْنِهِ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ إِنْ أَضَرَّهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْرُمُ إِنْ أَضَرَّ بِغَرِيمِهِ، ذَكَرَهُ الْآدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ.
فَرْعٌ: لَوْ أَكْرَى جَمَلًا بِعَيْنِهِ، أَوْ دَارًا لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْفَلَسِ، وَالْمُكْتَرِي أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّتُهُ.
آخَرُ: يُكَفِّرُ هُوَ وَسَفِيهٌ بِصَوْمٍ، فَإِنْ فُكَّ حَجْرُهُ قَبْلَ تَكْفِيرِهِ، وَقَدَرَ كَفَّرَ بِغَيْرِهِ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ إِقْرَارٍ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ فَالْحَجْرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِهِ لَا بِذِمَّتِهِ مِنْهُ، فَوَجَبَ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فِي ذِمَّتِهِ عَمَلًا بِأَهْلِيَّتِهِ السَّالِمَةِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْحَجْرِ (وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ) ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِهِ قَبْلَ فَكِّ الْحَجْرِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يُتْبَعَ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ لِزَوَالِ الْعَارِضِ، وَلَيْسَ لِأَرْبَابِ هَذِهِ الْحُقُوقِ مُشَارَكَةُ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ بِفَلَسِهِ وَعَامَلَهُ، فَقَدْ رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَقَدْ فَرَّطَ أَمَّا إِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ شَارَكَ صَاحِبُهُ الْغُرَمَاءَ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ بِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ (وَإِنْ جَنَى) الْمُفْلِسُ (شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءَ) ، لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ عَلَى الْجَانِي بِغَيْرِ اخْتِيَارِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَلَمْ يَرْضَ بِتَأْخِيرِهِ كَمَا قَبْلَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْجِنَايَةِ إِذَا كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ وَصُولِحَ عَلَى مَالٍ - حُكْمُ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ابْتِدَاءً، لَا يُقَالُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ هُنَا يُقَدَّمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، كَمَا تُقَدَّمُ جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، لِأَنَّ دَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْغُرَمَاءِ يَتَعَلَّقُ فِيهِمَا بِالذِّمَّةِ بِخِلَافِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَيْنِ تَفُوتُ بِفَوَاتِهَا (وَإِنْ جَنَى عَبْدُهُ قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ) ، لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالذِّمَّةِ
فَصْلٌ الثَّانِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَيْنًا بَاعَهَا إِيَّاهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ
[المبدع في شرح المقنع]
كَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِثَمَنِ الرَّهْنِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَجَبَ لَهُ قَوَدٌ فَلَهُ أَخْذُهُ وَتَرْكُهُ مَجَّانًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذَهُ، أَوْ عَفَا عَنْهُ فَلِلْغُرَمَاءِ أَخْذُهُ، وَكَذَا لَوْ عَفَا مُطْلَقًا وَقُلْنَا الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ.
[الثَّانِي إِذَا وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ]
فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَيْنًا بَاعَهَا إِيَّاهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى رَجُلٍ يَرَى الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ جَازَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ، وَحِينَئِذٍ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَتِ السِّلْعَةُ مُسَاوِيَةً لِثَمَنِهَا، أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ لَا يَفْتَقِرُ الْفَسْخُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ كَفَسْخِ الْمُعَتَّقَةِ.
وَقِيلَ: بَلْ بِنَاءً عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.
وَقِيلَ: عَلَى الْفَوْرِ، نَصَرَهُ الْقَاضِي كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، فَلَوْ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ دَفَعُوا الثَّمَنَ إِلَى الْمُفْلِسِ فَبَذَلَهُ لِلْبَائِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ، لِأَنَّهُ زَالَ الْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فَزَالَ مِلْكُ الْفَسْخِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْغُرَمَاءُ حَقَّهُمْ.
وَفِيمَا إِذَا بَاعَهُ بَعْدَ حَجْرِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ أَقْوَالٌ
الْمُفْلِسُ حَيًّا وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرْ
[المبدع في شرح المقنع]
ثَالِثُهَا: لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، لِأَنَّ الْعَالِمَ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ صَيْدًا، وَالْبَائِعُ مُحْرِمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ، وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ هَذَا الْحُكْمِ بِالْبَيْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَوِ اقْتَرَضَ مَالًا، ثُمَّ أَفْلَسَ، وَعَيْنُ الْمَالِ قَائِمَةٌ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، أَوْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَيْنًا، ثُمَّ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا يَسْقُطُ صَدَاقُهَا إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِهِ، وَقَدْ أَفْلَسَتْ وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِوَرَثَةِ الْبَائِعِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُمْ (بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا) إِلَى أَخْذِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَصَحُّ، فَعَلَى هَذَا: الْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِفَلَسِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَحَجَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ مَاتَ، فَتَبَيَّنَ فَلَسُهُ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنِ الْمُفْلِسِ إِلَى الْوَرَثَةِ، أَشَبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ، وَعَنْهُ: لَهُ الرُّجُوعُ لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ خَلْدَةَ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لأقضين فيكم بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَفْلَسَ، أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْإِسْنَادِ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْبُلْغَةِ " (وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا) ، وَلَا أُبْرِئَ مِنْ بَعْضِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَدَ مِنْ ثَمَنِهَا، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ فِي قِسْطِ مَا بَقِيَ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِضْرَارًا لَهُ.
لَا يُقَالُ: لَا ضَرَرَ فِيهِ لِكَوْنِ مَالِ الْمُفْلِسِ يُبَاعُ، وَلَا يَبْقَى، لِأَنَّ الضَّرَرَ مُتَحَقِّقٌ مَعَ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْغَبُ فِيهِ كَالرَّغْبَةِ
صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا كَنَسْجِ الْغَزْلِ وَخَبْزِ الدَّقِيقِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ مِنْ شُفْعَةٍ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
مُنْفَرِدًا فَيَنْقُصُ ثَمَنُهُ فَيَتَضَرَّرُ الْمُفْلِسُ، وَالْغُرَمَاءُ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ تَشْقِيصِهِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ (وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا) لِلْخَبَرِ، فَلَوْ ذَهَبَ بَعْضُ أَطْرَافِ الْعَبْدِ، أَوْ عَيْنُهُ، أَوْ بَعْضُ الثَّوْبِ، أَوِ انْهَدَمَ بَعْضُ الدَّارِ، أَوْ تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ فِيمَا إِذَا اشْتَرَى شَجَرًا مُثْمِرًا لَمْ تَظْهَرْ ثَمَرَتُهُ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْهَا بِعَيْنِهَا، إِذِ الشَّارِعُ جَعَلَهُ شَرْطًا فِي الرُّجُوعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِالْمَوْجُودِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ يَأْخُذَهُ بِقِسْطِهِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الرُّجُوعِ، فَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ وَقَفَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ بِمِثْلِهِ فَهُوَ كَتَلَفِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: وَنَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ: لَا رُجُوعَ، بَلْ هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدِ الْمَبِيعَ بِعَيْنِهِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، نَقَلَهَا الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّ السَّالِمَ مِنَ الْمَبِيعِ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَعَلَيْهَا يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا إِذَا قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ، لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مِنَ الثَّمَنِ مُقَسَّطٌ عَلَى الْمَبِيعِ فَيَقَعُ الْقَبْضُ مِنْ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعَيْنَيْنِ وَقَبْضُ شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ مَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ فِيهِ مُبْطِلٌ لَهُ بِخِلَافِ التَّلَفِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَلَفِ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ تَلَفُ شَيْءٍ مِنَ الْعَيْنِ الْأُخْرَى (وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا كَنَسْجِ الْغَزْلِ وَخَبْزِ الدَّقِيقِ) وَجَعْلِ الزَّيْتِ صَابُونًا، وَالْخَشَبَةِ بَابًا، وَالشَّرِيطِ إِبَرًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ كَالتَّلَفِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ نَوًى فَنَبَتَ شَجَرًا.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَبِّ إِذَا صَارَ زَرْعًا وَبِالْعَكْسِ، وَالنَّوَى إِذَا نَبَتَ شَجَرًا، وَالْبَيْضِ إِذَا صَارَ فِرَاخًا فَذَهَبَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ الْخَارِجَ هُوَ نَفْسُهُ، وَالْأَشْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً بِكْرًا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: بَلَى كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْأَصَحِّ.
وَوَطْءُ غَيْرِهِ
جِنَايَةٍ، أَوْ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ تَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ
[المبدع في شرح المقنع]
كَهُوَ (وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ) لِلْغَيْرِ (مِنْ شُفْعَةٍ) ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَالْبَائِعُ حَقُّهُ ثَبَتَ بِالْحَجْرِ، وَمَا كَانَ أَسْبَقَ فَهُوَ أَوْلَى.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
وَفِي ثَالِثٍ إِنْ طَالَبَ بِهَا فَهُوَ أَحَقُّ لِتَأَكُّدِ حَقِّهِ بِالْمُطَالَبَةِ، وَإِلَّا فَلَا (أَوْ جِنَايَةٍ) ، فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا فَجَنَى، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْبَائِعَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَحَقُّ الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ، وَالثَّانِي: لَا يَمْنَعُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ يَمْنَعُ تَصَرُّفَ السَّيِّدِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ، فَعَلَى هَذَا يُخَيَّرُ إِنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهِ نَاقِصًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَ بِثَمَنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، وَقِيلَ: مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ ثَمَنِهِ (أَوْ رَهْنٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْمُفْلِسَ عَقَدَ قَبْلَ الْفَلَسِ عَقْدًا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ، وَلِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ إِضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ دُونَ قِيمَةِ الرَّهْنِ بِيعَ كُلُّهُ فَقَضَى مِنْهُ دَيْنَهُ وَبَاقِيهِ يُرَدُّ عَلَى مَالِ الْمُفْلِسِ، فَإِنْ بِيعَ بَعْضُهُ فَبَاقِيهِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْغُرَمَاءُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ فِيهِ الْبَائِعُ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ فَرَهَنَ إِحْدَاهُمَا، فَهَلْ يَمْلِكُ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الْأُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذَا تَلِفَتْ إِحْدَاهُمَا (وَنَحْوِهِ) كَالْعِتْقِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَفْلَسَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ بِوَقْفٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ، فَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى مِلْكِهِ فَأَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: إِنْ عَادَ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ كَإِقَالَةٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ لَا إِذَا عَادَ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَوِ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ بَاعَهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَقِيلَ: الْبَائِعُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِسَبْقِهِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ (وَلَمْ تَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ) هَذَا اخْتِيَارُ
الزِّيَادَةَ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ، وَالنَّقْصُ بِهُزَالٍ، أَوْ نِسْيَانُ صَنْعَةٍ، فَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْخِرَقِيِّ، وَقَالَهُ فِي " الْإِرْشَادِ "، " وَ " " الْمُوجَزِ "، لِأَنَّ الرُّجُوعَ فَسْخٌ بِسَبَبٍ حَادِثٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ بِهِ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ الْمَالِ الزَّائِدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِالْإِعْسَارِ، أَوِ الرَّضَاعِ.
(وَعَنْهُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ، فَكَذَا الْمُتَّصِلَةُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفَارَقَ الرَّدُّ هُنَا الرَّدَّ بِالْفَسْخِ بِالْإِعْسَارِ، أَوِ الرَّضَاعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الزَّوْجَ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي قِيمَةِ الْعَيْنِ فَيَحْصُلُ لَهُ حَقُّهُ تَامًّا وَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُ الْبَائِعَ الرُّجُوعُ فِي جَمِيعِ الثَّمَنِ لِمُزَاحَمَةِ الْغُرَمَاءِ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَقُّهُ تَامًّا وَنَصَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلَ.
(فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ) كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ (وَالنَّقْصُ بِهُزَالٍ، أَوْ نِسْيَانُ صَنْعَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ) بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنِ أَصْحَابِنَا.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِيهِ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْبَائِعَ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ بِخِلَافِ الْمُتَّصِلَةِ، وَقِيلَ: يَمْنَعُ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُوجَزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " رِوَايَةً كَالْمُتَّصِلَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْقُصَ بِالزِّيَادَةِ، أَوْ لَا إِذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ (وَالزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ) فِي ظَاهِرِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ حَامِدٍ وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ حَصَلَتْ فِي مِلْكِهِ فَكَانَتْ لَهُ، يُؤَيِّدُهُ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (وَعَنْهُ: لِلْبَائِعِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فَكَانَتْ لِلْبَائِعِ كَالْمُتَّصِلَةِ وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " قَوْلًا لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ، وَنِتَاجِ الدَّابَّةِ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُتَّصِلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلَةِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِي هَذَا خِلَافٌ لِظُهُورِهِ، وَأَمَّا نَقْصُ الْمَالِ
يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ، وَعَنْهُ: لِلْبَائِعِ، وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ قَصَّرَهُ لَمْ يَمْنَعِ الرُّجُوعَ، وَالزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى فِيهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ وَدَفْعُ قِيمَةِ الْغِرَاسِ
[المبدع في شرح المقنع]
بِذَهَابِ صِفَةٍ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، فَلَا يَمْنَعُ، لِأَنَّ فَقْدَ الصِّفَةِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَيْنَ مَالِهِ، لَكِنْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِكَمَالِ ثَمَنِهِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَتَقَسَّطُ عَلَى صِفَةِ السِّلْعَةِ مِنْ سِمَنٍ وَهُزَالٍ، وَعِلْمٍ وَنَحْوِهِ، فَيَصِيرُ كَنَقْصِهِ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ.
(وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ قَصَّرَهُ) أَوْ لَتَّ السَّوِيقَ بِزَيْتٍ (لَمْ يَمْنَعِ الرُّجُوعَ) ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّ الْعَيْنَ قَائِمَةٌ مُشَاهَدَةٌ لَمْ يَتَغَيَّرِ اسْمُهَا، وَلَا صِفَتُهَا (وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ) ، لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ فِي مِلْكِهِ فَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْبَائِعِ بِمَا زَادَ عَنْ قِيمَةِ الثَّوْبِ، وَالسَّوِيقِ، وَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ، فَعَلَى الْمُفْلِسِ، لَكِنْ إِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهما فَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ بَيْنَ أَخْذِهِمَا نَاقِصَيْنِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَبَيْنَ تَرْكِهِمَا، وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّ هَذَا نَقْصُ صِفَتِهِ فَهُوَ كَالْهُزَالِ، وَقِيلَ: لَا رُجُوعَ إِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ، لِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِالْمَبِيعِ زِيَادَةٌ لِلْمُفْلِسِ فَمَنَعَتِ الرُّجُوعَ كَالسِّمَنِ.
وَحَاصِلُهُ إِذَا قَصَّرَ الثَّوْبَ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ، وَالثَّانِي: أَنْ تَزِيدَ قِيمَتُهُ بِهِ فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، لِأَنَّهُ زَادَ زِيَادَةً لَا تَتَمَيَّزُ فَهِيَ كَالسِّمَنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: لَهُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الْقِصَارَةُ بِفِعْلِ الْمُفْلِسِ، أَوْ بِأُجْرَةٍ وَفَّاهَا فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الثَّوْبِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْبَائِعُ دَفْعَ قِيمَةِ الزِّيَادَةِ إِلَى الْمُفْلِسِ لَزِمَهُ قَبُولُهَا، لِأَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ الشَّفِيعُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ بَيْعَ الثَّوْبِ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ حَقِّهِ، فَلَوْ كَانَ قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةً فَصَارَ يُسَاوِي سِتَّةً فَلِلْمُفْلِسِ سُدُسُهُ وَلِلْبَائِعِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ صَانِعٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أَجْرَهُ فَلَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ عَلَى اسْتِيفَاءِ أُجْرَتِهِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ ".
(وَإِنْ غَرَسَ) الْمُفْلِسُ الْأَرْضَ (أَوْ بَنَى فِيهَا فَلَهُ) أَيْ: لِلْبَائِعِ (الرُّجُوعُ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ قَبْلَ قَلْعِ غَرْسٍ، أَوْ بِنَاءٍ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ وَمَالُ الْمُشْتَرِي دَخَلَ عَلَى وَجْهِ
وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكُهُمَا إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ، فَإِنَّ أَبَوُا الْقَلْعَ، وَأَبَى الْبَائِعُ دَفْعَ الْقِيمَةِ سَقَطَ الرُّجُوعُ.
[المبدع في شرح المقنع]
التَّبَعِ كَالصَّبْغِ (وَدَفْعُ قِيمَةِ الْغِرَاسِ، وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكُهُمَا) ، لِأَنَّهُمَا حَصَلَا فِي مِلْكِهِ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ كَالشَّفِيعِ وَيَمْلِكُ الْبَائِعُ قَلْعَهُ وَضَمَانَ نَقْصِهِ كَالْمُعِيرِ إِذَا رَجَعَ فِي أَرْضِهِ بَعْدَ غَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ، وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ إِلَّا بَعْدَ الْقَلْعِ، لِأَنَّهُ غَرْسُ الْمُفْلِسِ وَبِنَاؤُهُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ لِهَذَا الْبَائِعِ، وَلَا عَلَى قَلْعِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَلَعَهُ الْمُفْلِسُ، وَالْغُرَمَاءُ لَزِمَهُمْ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا الْحَاصِلُ بِهِ وَيَضْرِبُ بِالنَّقْصِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا (إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمُفْلِسُ، وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ) ، لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْغِرَاسِ، وَالْبِنَاءِ، فَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَ مَالِكِهِمَا عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ فِي أَرْضِهِ وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِأَرْشِ نَقْصِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ فَصِيلٌ دَارًا فَكَبِرَ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُهُ إِلَّا بِالِانْهِدَامِ (فَإِنْ أَبَوُا الْقَلْعَ، وَأَبَى الْبَائِعُ دَفْعَ الْقِيمَةِ سَقَطَ الرُّجُوعُ) فِي الْأَصَحِّ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَالْغُرَمَاءِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ، وَلِأَنَّ عَيْنَ مَالِ الْبَائِعِ صَارَتْ مَشْغُولَةً بِمِلْكِ غَيْرِهِ فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الرُّجُوعِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَسَامِيرَ فَسَمَّرَ بِهَا بَابًا، أَوْ خَشَبَةً فَبَنَى عَلَيْهَا دَارًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ إِذَا امْتَنَعُوا مِنَ الْقَلْعِ لَمْ يُجْبَرُوا لِوَضْعِهِ بِحَقٍّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ وَكَالثَّوْبِ إِذَا صَبَغَهُ، وَجَوَابُهُ الْمَنْعُ، وَلَوْ سَلِمَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الصَّبْغَ يُفَرَّقُ فِي الثَّوْبِ فَصَارَ كَالصِّفَةِ بِخِلَافِ الْغِرَاسِ، وَالْبِنَاءِ، فَإِنَّهَا أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ وَبِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْأَرْضِ، فَعَلَى قَوْلِهِ: إِذَا رَجَعَ فِي الْأَرْضِ بَقِيَ الْغِرَاسُ، وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى الْبَيْعِ بِيعَتِ الْأَرْضُ بِمَا فِيهَا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِهِ، وَقِيلَ: يُبَاعُ الْغَرْسُ مُفْرَدًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ فَتُقَوَّمُ الْأَرْضُ خَالِيَةً، ثُمَّ تُقَوَّمُ وَهُمَا بِهَا فَقِيمَةُ الْأَرْضِ خَالِيَةً لِلْبَائِعِ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهٌ: شَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، فَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " فِيهِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُوقَفُ إِلَى الْأَجَلِ، ثُمَّ يُعْطَاهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَهُ أَخْذُهُ فِي الْحَالِ وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ إِذَا اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ عَنْ أَخْذِ الثَّمَنِ، فَإِنْ تَجَدَّدَ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ بَعْدَ الْحَجْرِ وَقَبْلَ الرُّجُوعِ، فَلَا رُجُوعَ إِذَنْ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَوِ اشْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ يُقِرُّ الزَّرْعَ لِرَبِّهِ مَجَّانًا إِلَى الْحَصَادِ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْمُفْلِسُ، وَالْغُرَمَاءُ عَلَى التَّرْكِ، أَوِ الْقَطْعِ جَازَ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا وَلَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْقَطْعِ قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَطْلُبُهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا اشْتَرَى نَخْلًا فَأَطْلَعَ، ثُمَّ أَفْلَسَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ فَالطَّلْعُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَمُنْفَصِلَةٌ وَحُكْمُ الشَّجَرِ كَذَلِكَ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا اشْتَرَى غِرَاسًا فَغَرَسَهُ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ أَفْلَسَ، وَلَمْ تَزِدِ الْغِرَاسُ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، فَإِنْ أَخَذَهُ لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا، فَإِنْ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ لَهُ الْقِيمَةَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْقَلْعِ فَبَذَلُوا الْقِيمَةَ لَهُ لِيَمْلِكَهُ الْمُفْلِسُ، أَوْ أَرَادُوا قَلْعَهُ وَضَمَانَ النَّقْصِ فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ أَرَادُوا قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ فِي الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ شَخْصٍ وَغِرَاسًا مِنْ آخَرَ وَغَرَسَهُ فِيهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ، وَلَمْ يَزِدْ فَلِكُلٍّ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ قَلْعُ الْغِرَاسِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ، فَإِنْ قَلَعَهُ بَائِعُهُ لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا الْحَاصِلِ بِهِ فَإِنْ بَذَلَ صَاحِبُ الْغِرَاسِ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي الْعَكْسِ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْقَلْعِ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ.
الْخَامِسَةُ: رُجُوعُ الْبَائِعِ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ، وَلَا إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَوْ رَجَعَ بِثَمَنِ آبِقٍ، صَحَّ وَصَارَ لَهُ، فَإِنْ قَدَرَ أَخَذَهُ، وَإِنْ تَلِفَ فَمِنْ مَالِهِ،
فَصْلٌ الثَّالِثُ: بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَهُ وَيَحْضُرَ الْغُرَمَاءُ وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ وَيَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنْ بَانَ تَلَفُهُ حِينَ اسْتَرْجَعَهُ بَطَلَ اسْتِرْجَاعُهُ، وَإِنْ رَجَعَ فِي مَبِيعٍ اشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ قُدِّمَ تَعْيِينُ الْمُفْلِسِ لِإِنْكَارِهِ دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الْبَائِعِ، وَإِنْ مَاتَ بَائِعٌ مَدِينًا فَمُشْتَرٍ أَحَقُّ بِطَعَامٍ وَغَيْرِهِ وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[الثَّالِثُ يَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَ الْمَحْجُورِ وَيَقْسِمُ ثَمَنَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ]
فَصْلٌ (الثَّالِثُ: بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ) عَلَى الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ بَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ وَقَسَمَ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَلِفِعْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ يُحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالسَّفِيهِ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ، أَوْ أَكْثَرَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ قَسَمَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " (وَيَنْبَغِي) أَيْ: يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَحْضُرَهُ) أَيِ: الْمُفْلِسُ وَقْتَ الْبَيْعِ لِفَوَائِدَ مِنْهَا: أَنْ يَحْضُرَ ثَمَنَ مَتَاعِهِ وَيَضْبُطَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْجَيِّدِ مِنْ مَتَاعِهِ، فَإِذَا حَضَرَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَكْثُرُ فِيهِ الرَّغْبَةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ وَأَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَوَكِيلُهُ كَهُوَ.
قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ".
(وَيَحْضُرَ الْغُرَمَاءُ) ، لِأَنَّهُ لَهُمْ وَرُبَّمَا رَغِبُوا فِي شَيْءٍ فَزَادُوا فِي ثَمَنِهِ وَأَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ، وَأَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: وَرُبَّمَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ عَيْنَ مَالِهِ فَيَأْخُذُهَا.
(وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ) ، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ، فَلَوْ بَاعَهُ فِي غَيْرِ سُوقِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ صَحَّ، لِأَنَّ الْغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ كَالْوَكَالَةِ وَيَبِيعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، لِأَنَّهُ أَصْلَحُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ بَاعَ بِأَغْلَبِهَا، فَإِنْ تَسَاوَتْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ (وَ) يَجِبُ أَنْ (يَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَبِعْ فِي
وَخَادِمٍ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفرغ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَيَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، ثُمَّ بِالْحَيَوَانِ، ثُمَّ بِالْأَثَاثِ، ثُمَّ بِالْعَقَارِ وَيُعْطى الْمُنَادِي أُجْرَتَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
دَيْنِهِ كَكِتَابة وَقُوتِهِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْتَغْنِي بِإِحْدَاهُمَا، أَوْ كَانَتْ وَاسِعَةً تَفَضُلُ عَنْ مَسْكَنِ مِثْلِهِ بِيعَ، وَكَذَا الْخَادِمُ إِذَا كَانَ نَفِيسًا (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفرغ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ، لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكُسْوَتِهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَتَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَكُسْوَتِهَا، وَكَذَا أَوْلَادُهُ وَأَقَارِبُهُ، وَالْوَاجِبُ فِيهِمَا أَدْنَى مَا يُنْفَقُ عَلَى مِثْلِهِ وَيُكْسَى وَتُتْرَكُ لَهُ آلَةُ حِرْفَةٍ، أَوْ مَا يَتَّجِرُ بِهِ إِنْ عَدِمَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُوجَزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " وَفَرَسٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا.
وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يُبَاعُ الْكُلُّ إِلَّا الْمَسْكَنَ، وَمَا يُوَارِيهِ مِنْ ثِيَابٍ وَخَادِمًا يَحْتَاجُهُ (وَيَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ) كَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ بَقَاءَهُ يُتْلِفُهُ بِيَقِينٍ (ثُمَّ بِالْحَيَوَانِ) ، لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْإِتْلَافِ وَيَحْتَاجُ إِلَى مُؤْنَةٍ فِي بَقَائِهِ (ثُمَّ بِالْأَثَاثِ) ، لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ وَتَنَالُهُ الْأَيْدِي (ثُمَّ بِالْعَقَارِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَلَفُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَبَقَاؤُهُ أَشْهَرُ لَهُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ، وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُفْلِسِ فَقَطْ إِذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقًّا.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَيُعْطى الْمُنَادِيَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمَالِ) ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حَقٌّ عَلَى الْمُفْلِسِ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعٌ، وَقِيلَ: أُجْرَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ إِمْكَانِهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَمِنَ الْمَالِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَحْفَظُ الْمَتَاعَ وَيَحْمِلُهُ وَنَحْوِهِمَا، وَقِيلَ: لَا يُنَادَى عَلَى عَقَارٍ بَلْ يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، فَإِنِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى ثِقَةٍ أَمْضَاهُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ رَدَّهُ بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ إِذَا اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهَنُ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْحَاكِمِ هُنَا نَظَرًا، فَإِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ غَرِيمٌ آخَرُ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُفْلِسُ فِي ثِقَةٍ،
مِنَ الْمَالِ وَيَبْدَأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأَرْشِ، أَوْ ثَمَنَ الْجَانِي، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ فَيَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ، فَإِنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ رُدَّ عَلَى الْمَالِ، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ يَأْخُذُهَا، ثُمَّ يُقَسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ بَاقِي
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْغُرَمَاءُ فِي آخَرَ قَدَّمَ الْمُتَطَوِّعَ مِنْهُمَا، وَإِلَّا قَدَّمَ أَوْثَقَهُمَا وَأَعْرَفَهُمَا.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا.
وَفِي " الْفُرُوعِ " قَدَّمَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَالْمُرَادُ مَعَ التَّسَاوِي في الصفات (وَيَبْدَأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَبْدُهُ الْجَانِيَ، لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ يَفُوتُ بِفَوَاتِهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الْجَانِيَ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ (فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأَرْشِ، أَوْ ثَمَنَ الْجَانِي) ، لِأَنَّ الْأَقَلَّ إِنْ كَانَ الْأَرْشَ فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنَ الْجَانِي فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الْجَانِي عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ قُسِّمَ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ (ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ) كَذَا أَطْلَقَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ " وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِاللُّزُومِ (فَيَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ) أَيْ: يُبَاعُ سَوَاءٌ كَانَ بِقَدْرِ دَيْنِهِ أَوْ لَا، وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ بِشَرْطِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُفْلِسُ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ، وَعَنْهُ: إِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ، أَوْ أَفْلَسَ فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُ قَبْضِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَخْتَصُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(فَإِنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ) ، لِأَنَّهُ سَاوَاهُمْ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الرَّهْنِ (فَضْلٌ رُدَّ عَلَى الْمَالِ) ، لِأَنَّهُ انْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ بِالْوَفَاءِ فَصَارَ كَسَائِرِ مَالِ الْمُفْلِسِ.
أَصْلٌ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ مُسْتَأْجِرِ الْعَيْنِ حَيْثُ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ، وَالْمَنْفَعَةِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ (ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ يَأْخُذُهَا) بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ (ثُمَّ يُقْسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ) لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ فِي تَعَلُّقِهَا
الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ، وَعَنْهُ: يَحِلُّ وَيُشَارِكُهُمْ، وَمَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ، وَعَنْهُ: يَحِلُّ
[المبدع في شرح المقنع]
بِذِمَّةِ الْمُفْلِسِ (عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ) ، لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمْ وَمُرَاعَاةً لِكَمِّيَّةِ حُقُوقِهِمْ، فَلَوْ قَضَى الْحَاكِمُ، أَوِ الْمُفْلِسُ بَعْضَهُمْ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ، فَلَمْ يَجُزِ اخْتِصَاصُهُ دُونَهُمْ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ بَيَانُ أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَ " الْفُصُولِ "، وَغَيْرِهِمَا لِئَلَّا يَأْخُذَ أَحَدُهُمْ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا لَهُ، فَلَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا عَلَيْهِ كَالْإِغْمَاءِ (وَعَنْهُ: يَحِلُّ) حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ رَبِّهِ، وَلِأَنَّ الْإِفْلَاسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الدَّيْنُ بِالْمَالِ فَأَسْقَطَ الْأَجَلَ كَالْمَوْتِ (وَيُشَارِكُهُمْ) كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، وَعَنْهُ: إِنْ وُثِّقَ لَمْ يَحِلَّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ وَالْأَجَلِ.
نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَوْتِ مَرْدُودٌ بِالْمَنْعِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يُفَرَّقُ، فَإِنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ خَرِبَتْ، بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُوقَفُ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ إِذَا حَلَّ.
نَعَمْ إِذَا حَلَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ شَارَكَهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ قِسْمَةِ الْبَعْضِ شَارَكَهُمْ فِي الْبَاقِي بِجَمِيعِ دَيْنِهِ وَيَضْرِبُ بَاقِي الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ.
(وَمَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ) هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ (إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ) بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ، أَوِ الدَّيْنِ بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ، أَوْ رَهْنٍ، لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَوُرِّثَ عَنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ إِذَا لَمْ يُوَثِّقُوا عَلَى الْأَشْهَرِ، جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ لَغَلَبَةِ الضَّرَرِ (وَعَنْهُ: يَحِلُّ) ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوِ الْوَرَثَةِ، أَوْ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ، فَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِخَرَابِهَا وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا الدَّيْنَ، وَلَا رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَالثَّالِثُ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ، لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى الْمَيِّتِ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مُرْتَهَنَةٌ بِدَيْنِهِ، وَعَلَى صَاحِبِ الْمَالِ لِتَأَخُّرِ حَقِّهِ، وَقَدْ يَسْقُطُ لِتَلَفِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْأَعْيَانِ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبِلَهُ رَبُّهُ، وَعَنْهُ:
وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا يَحِلُّ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ كَدَيْنِهِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا وَرِثَهُ بَيْتُ الْمَالِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحِلُّ لِعَدَمِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ، وَلِهَذَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ الْأَرَاضِيَ، وَإِنْ كَانَتْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِي: يَنْتَقِلُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَيَضْمَنُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ.
الثَّانِيَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إِذَا جُنَّ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " كَمَا سَبَقَ، وَكَذَا فِي حِلِّهِ بِجُنُونٍ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَدَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، وَقُلْنَا: لَا يَحِلُّ، وَمَالُهُ بِقَدَرِ الْحَالِّ فَهَلْ يَتْرُكُ لَهُ مَا يَخُصُّهُ لِيَأْخُذَهُ، أَوْ يُوَفي الْحَالُّ، وَيَرْجِعُ عَلَى وَرَثَتِهِ صَاحِبُ الْمُؤَجَّلِ بِحِصَّتِهِ إِذَا حَلَّ، أَوْ لَا يَرْجِعُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُمْنَعْ نَقْلُ التَّرِكَةِ إِلَى الْوَرَثَةِ، فَإِنْ تَصَرَّفُوا فِيهَا، صَحَّ كَتَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِي الْجَانِي، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ فُسِخَ تَصَرُّفُهُمْ، وَعَنْهُ: يُمْنَعُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " الصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ مَيِّتٍ، وَالتَّرِكَةُ رَهْنٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " الدَّيْنُ، وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُهُ مَنِ التَّصَرُّفِ نَظَرًا لَهُ، فَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ كُلٍّ مِنَ الْغُرَمَاءِ، وَالْوَرَثَةِ إِلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ، وَإِنْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا: لَمْ يَحِلَّ عَلَى غَيْرِهِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ) لَمْ يُنْقَضْ خِلَافًا لِـ " الْكَافِي " (رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ) ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا شَارَكَهُمْ، فَكَذَا إِذَا ظَهَرَ، وَفِي " الْمُغْنِي " هِيَ قِسْمَةٌ بَانَ الْخَطَأُ فِيهَا كَقَسْمِهِ أَرْضًا، أَوْ مِيرَاثًا، ثُمَّ بَانَ شَرِيكٌ، أَوْ وَارِثٌ.
قَالَ الْأَزَجِّيُّ: فَلَوْ كَانَ لَهُ أَلْفٌ اقْتَسَمَهَا غَرِيمَاهُ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ ظَهَرَ ثَالِثٌ دَيْنُهُ كَدَيْنِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِثُلُثِ مَا قَبَضَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَتْلَفَ مَا قَبَضَهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الثَّالِثَ يَأْخُذُ مِنَ الْآخَرِ ثُلُثَ مَا قَبَضَهُ من غير زِيَادَةً.
فَرْعٌ: ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَتَاوِيهِ: لَوْ وَصَلَ مَالٌ لِغَائِبٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً، إِنْ طَالَبَا جَمِيعًا اشْتَرَكَا، وَإِنْ طَالَبَ أَحَدُهُمَا اخْتُصَّ بِهِ
بَقِيَّةٌ وَلَهُ صَنْعَةٌ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَإِذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ وَحُجِرَ عَلَيْهِ، شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ وَعَدَمَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَمُرَادُهُ، وَلَمْ يُطَالِبْ أَصْلًا، وَإِلَّا شَارَكَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ.
(وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ) مِنَ الدُّيُونِ (وَلَهُ صَنْعَةٌ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُجْبَرُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بَاعَ سَرَقًا فِي دَيْنِهِ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزِّنْجِيِّ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَالْحُرُّ لَا يُبَاعُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ، إِذِ الْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ، فَكَذَا هُنَا، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ إِجْبَارُهُ عَلَيْهَا كَبَيْعِ مَالِهِ وَكَوَقْفٍ وَأُمِّ وَلَدٍ اسْتُغْنِيَ عَنْهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ تَكَسُّبٌ لِلْمَالِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَقَبُولِ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَتَزْوِيجِ أُمِّ وَلَدٍ وَرَدِّ مَبِيعٍ وَإِمْضَائِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ مَعَ الْأَحَظِّ وَأَخْذِ دِيَةٍ عَنْ قَوَدٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَادِّعَاءُ الْفَسْخِ فِي الْحَدِيثِ بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ بِالِاحْتِمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ كَانَ جَائِزًا فِي وَقْتٍ فِي شَرِيعَتِنَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِبَيْعِهِ بَيْعُ مَنَافِعِهِ مَعَ أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ حَمْلِهِ النَّسْخَ، وَحِينَئِذٍ يَبْقَى الْحَجْرُ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ إِلَى الْوَفَاءِ، وَلَوْ طَلَبُوا إِعَادَتَهُ لِمَا بَقِيَ بَعْدَ فَكِّ الْحَاكِمِ، لَمْ يُجِبْهُمْ (وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ، فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِهِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، وَقِيلَ: يَزُولُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ، لِأَنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ، فَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ زَالَ الْحَجْرُ كَزَوَالِ حَجْرِ الْمَجْنُونِ بِزَوَالِ جُنُونِهِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ فَزَالَ بِزَوَالِهِ بِخِلَافِ هَذَا، وَلِأَنَّ فَرَاغَ مَالِهِ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ وَبَحْثٍ فَوَقَفَ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ (فَإِذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ) وَظَهَرَ لَهُ مَالٌ (وَحُجِرَ عَلَيْهِ شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي) لِأَنَّهُمْ
فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا.
فَصْلٌ الْحُكْمُ الرَّابِعُ: انْقِطَاعُ الْمُطَالَبَةِ عَنِ الْمُفْلِسِ فَمَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا، أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمُطَالَبَةَ حَتَّى يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ.
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ، وَهُوَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ، فَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي ذِمَّتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْمُشَارَكَةِ كَغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَضْرِبُونَ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ، وَالْآخَرِينَ يَضْرِبُونَ بِجَمِيعِهَا (فَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ) لَمْ يُجْبَرْ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ (لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا) ، لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ مِلْكًا لِغَرِيمِهِمْ لِتَتَعَلَّقَ حُقُوقُهُمْ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْمَرْأَةِ تَحْلِفُ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ زَوْجِهَا لِتَتَعَلَّقَ نَفَقَتُهَا بِهِ، وَكَالْوَرَثَةِ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِمْ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ إِذَا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ثَبَتَ الْمَالُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ.
[الرَّابِعُ انْقِطَاعُ الْمُطَالَبَةِ عَنِ الْمُفْلِسِ]
فَصْلٌ (الْحُكْمُ الرَّابِعُ: انْقِطَاعُ الْمُطَالَبَةِ عَنِ الْمُفْلِسِ) لِلنَّصِّ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: " فَنَظِرَةٌ " خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ: أَنِظْرُوهُ إِلَى يَسَارِهِ مَعَ قَوْلِهِ: " لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ " (فَمَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا، أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِ مَالِهِ (حَتَّى يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ) ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَ مَا لَهُ بِمُعَامَلَةِ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، لَكِنْ إِذَا وَجَدَ الْبَائِعُ وَالْمُقْرِضُ أَعْيَانَ مَالِهِمَا فَهَلْ لَهُمَا الرُّجُوعُ فِيهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: لَهُمَا ذَلِكَ لِلْخَبَرِ، وَالثَّانِي: لَا فَسْخَ لَهُمَا، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى بَصِيرَةٍ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ بِهِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ) ، إِذِ الْمَصْلَحَةُ تَعُودُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ (وَهُوَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ) ، إِذِ الْحَجْرُ عَلَى هَؤُلَاءِ حَجْرٌ عَامٌّ، لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ التَّصَرُّفَ
يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ قَبْلَ الْإِذْنِ، وَمَنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ مَالَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ رَجَعَ فِيهِ مَا كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ عَلِمَ بِالْحَجْرِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ جَنَوْا فَعَلَيْهِمْ أَرْشُ جِنَايَتِهِمْ وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَرَشَدَا انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ وَدُفِعَ إِلَيْهِمَا مَالُهُمَا، وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي أَمْوَالِهِمْ وَذِمَمِهِمْ (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ قَبْلَ الْإِذْنِ) ، لِأَنَّ تَصْحِيحَ تَصَرُّفِهِمْ يُفْضِي إِلَى ضَيَاعِ مَالِهِمْ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ (وَمَنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ) ، أَوْ إِلَى أَحَدِهِمْ (مَالَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ رَجَعَ فِيهِ مَا كَانَ بَاقِيًا) ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ (وَإِنْ تَلِفَ) ، أَوْ أَتْلَفَهُ (فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ) ، لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ بِرِضَاهُ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ مَجْنُونٌ (عَلِمَ بِالْحَجْرِ) ، لِأَنَّهُ فَرَّطَ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) لِتَفْرِيطِهِ لِكَوْنِهِ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ سَفِيهٌ جَهِلَ حَجْرَهُ هَذَا إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بِاخْتِيَارِ مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ كَالْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَةِ فَوَجْهَانِ فِيهِ.
وَمَنْ أَعْطَوْهُ مَالًا ضَمِنَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ وَلِيُّهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ لِيَحْفَظَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا إِنْ أَخَذَ مَغْصُوبًا لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ (وَإِنْ جَنَوْا فَعَلَيْهِمْ أَرْشُ جِنَايَتِهِمْ) ، لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنَ الْمَالِكِ، وَالْإِتْلَافُ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَهْلُ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا حُكْمُ الْمَغْصُوبِ لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ (وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَرَشَدَا انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا) فَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَبِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِجُنُونِهِ، فَإِذَا زَالَ وَجَبَ زَوَالُ الْحَجْرِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] (بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ) ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَجْنُونِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَالسَّفِيهِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فَاحْتِيجَ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ كَالْحَجْرِ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَسَوَاءٌ رَشَّدَهُ الْوَلِيُّ أَوْ لَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَلَوْ نُوزِعَ فِي الرُّشْدِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ قُبِلَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَمَعَ عَدَمِهَا لَهُ الْيَمِينُ عَلَى وَلِيِّهِ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ رُشْدَهُ، وَلَوْ تَبَرَّعَ وَهُوَ تَحْتَ الْحَجْرِ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُشْدِهِ، نَفَذَ (وَدُفِعَ إِلَيْهِمَا مَالُهُمَا) ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الدَّفْعِ هُوَ الْحَجْرُ، وَقَدْ زَالَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ إِنَّمَا كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ،
وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِالِاحْتِلَامِ، أَوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَبَاتِ الشَّعْرِ الْخَشِنِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَحِفْظًا لِمَالِهِ، فَإِذَا صَارَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ زَالَ الْحَجْرُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ (وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ) ، وَلَوْ صَارَ شَيْخًا، وَرَوَى الْجَوْزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ.
قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَلِي أَمْرَ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ ذِي أَهْلٍ وَمَالٍ لِضَعْف عقله، وَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِجُنُونِهِ، فَوَجَبَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَالصَّبِيَّ عَلَّقَ اللَّهُ تَعَالَى الدَّفْعَ إِلَيْهِ بِشَرْطَيْنِ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِهِمَا مُنْتَفٍ بِانْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَكْثَرَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ – ومصر يرون الْحَجْرَ عَلَى كُلِّ مُضَيِّعٍ لِمَالِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مَالٌ، وَهُوَ يُقَتِّرُ عَلَى نَفْسِهِ وَيُضَيِّقُ عَلَى عِيَالِهِ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا أَدْنَى النَّاسِ فَيَحْجُرُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُنَصِّبُ لَهُ وَلِيًّا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَعَلَى عِيَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِالِاحْتِلَامِ) ، وَهُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنَ الْقُبُلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ، وَالْأَحْكَامَ تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَلِمِ الْعَاقِلِ (أَوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) أَيِ: اسْتِكْمَالِهَا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ: «فَاسْتَصْغَرَنِي وَرَدَّنِي مَعَ الْغِلْمَانِ» ، فَإِنْ قُلْتَ: بَيْنَ أُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ سَنَتَانِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ عَرْضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ عِنْدَ اسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
لَا يُقَالُ: إِجَازَتُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لِقُوَّتِهِ لَا لِبُلُوغِهِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، " وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ " رَافِعَةٌ لِلسُّؤَالِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ
حَوْلَ الْقُبُلِ وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ بِالْحَيْضِ وَالْحَمْلِ، وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ وَلَا يُدْفَعُ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا يَفْرِضُوا إِلَّا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَوْ نَبَاتِ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمَّا حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ وَأَمَرَ أَنْ يُكْشَفَ عَنْ مُؤْتَزِرِيهِمْ، فَمَنْ أَنْبَتَ فَهُوَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَهُوَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: لَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَضِيَّةُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَالْحَاكِمُ.
وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَلِأَنَّ الْإِنْبَاتَ يُلَازِمُهُ الْبُلُوغُ غَالِبًا وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى كَالِاحْتِلَامِ، وَالْخُنْثَى يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِنْبَاتُ حَوْلَ الْفَرْجَيْنِ وَتَقْيِيدُهُ الشَّعْرَ بِالْخَشِنِ لِيَخْرُجَ الزَّغَبُ الضَّعِيفُ، فَإِنَّهُ يَنْبُتُ لِلصَّغِيرِ (وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ) عَلَى الذَّكَرِ (بِالْحَيْضِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا بِغَيْرِهِ، نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هِيَ قَوْلٌ أَوَّلٌ (وَالْحَمْلِ) ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ إِنْزَالِهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِخَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5] ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] فَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَمَلَتْ فِيهِ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِبُلُوغِهَا إِذَا وَلَدَتْ مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَفِي " التَّلْخِيصِ "، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُوطَأُ كَأَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ حِينِ طَلَاقِهَا فَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا حَاضَ خُنْثَى مُشْكِلٌ مِنْ فَرْجِهِ، وَأَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ، وَقِيلَ: أَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا أَوْ وُجِدَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ بَلَغَ، فَإِنْ أَمْنَى وَحَاضَ مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ،
إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ فَبِأَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فَلَا يُغْبَنَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الرُّؤَسَاءِ وَالْكُتَّابِ فَبِأَنْ يَسْتَوْفِيَ عَلَى وَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَالْجَارِيَةُ بِشِرَائِهَا الْقُطْنَ وَاسْتَجَادَتِهُ وَدَفْعِهَا الْأُجْرَةَ إِلَى الْغَزَّالَاتِ، وَالِاسْتِيفَاءِ
[المبدع في شرح المقنع]
فَلَا ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى، وَفِي الْبُلُوغِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: لَا يُحْكَمُ بِأَنَّ الْخُنْثَى ذَكَرٌ بِإِنْزَالِهِ مِنْ فَرْجِهِ، وَلَا بِأَنَّهُ أُنْثَى بِحَيْضِهِ، وَلَا بِبُلُوغِهِ بِهِمَا مَعًا، وَلَا بِأَحَدِهِمَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِنْزَالَ عَلَامَةُ الْبُلُوغِ مُطْلَقًا.
(وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاحًا فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا كَانَ عَاقِلًا، وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الرُّشْدِ فِي الدَّوَامِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ كَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مُصْلِحٌ لِمَالِهِ، أَشْبَهَ الْعَدْلَ، فَعَلَى هَذَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا لِدِينِهِ كَمَنْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَيَمْنَعُ الزَّكَاةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وقيل: الدين، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَالَ: هُوَ الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِنَا.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ رَشِيدٍ وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَقِيلٍ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ، فَتَعُمُّ (وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] أَيِ: اخْتَبِرُوهُمْ فَعَلَّقَ الدَّفْعَ عَلَى الِاخْتِبَارِ وَالْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ، فَوَجَبَ اخْتِبَارُهُ بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ (فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ فَبِأَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، فَلَا يُغْبَنَ) غَالِبًا غُبْنًا فَاحِشًا (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الرُّؤَسَاءِ وَالْكُتَّابِ) ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الدَّهَاقِينِ وَالْكُبَرَاءِ الَّذِينَ يُصَانُ أَمْثَالُهُمْ عَنِ الْأَسْوَاقِ (فَبِأَنْ يَسْتَوْفِيَ عَلَى وَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ) ، وَزَادَ أَبَانُ: يُدْفَعُ إِلَيْهِ نَفَقَةُ مُدَّةٍ لِيُنْفِقَهَا فِي مَصَالِحِهِ، فَإِنْ صَرَفَهَا فِي مَوَاقِعِهَا وَمَصَارِفِهَا فَهُوَ رَشِيدٌ (وَالْجَارِيَةُ بِشِرَائِهَا الْقُطْنَ وَاسْتَجَادَتِهِ) ، وَكَذَا الْكَتَّانُ، وَالْإِبْرَيْسَمُ (وَدَفْعِهَا الْأُجْرَةَ إِلَى الْغَزَّالَاتِ، وَالِاسْتِيفَاءِ عَلَيْهِنَّ) ، فَإِذَا وُجِدَتْ ضَابِطَةً لِمَا فِي يَدِهَا
عَلَيْهِنَّ، وَأَنْ يَحْفَظَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَالْغِنَاءِ، وَالْقِمَارِ وَشِرَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ وَنَحْوِهِ وَعَنْهُ: لَا يُدْفَعُ إِلَى الْجَارِيَةِ مَالُهَا بَعْدَ رُشْدِهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ وَتَلِدَ،
[المبدع في شرح المقنع]
مُسْتَوْفِيَةً مِنْ وَكِيلِهَا دَلَّ عَلَى رُشْدِهَا (وَ) يُشْتَرَطُ مَعَ مَا ذَكَرْنَا (أَنْ يَحْفَظَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَالْغِنَاءِ، وَالْقِمَارِ وَشِرَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ وَنَحْوِهِ) كَالْخَمْرِ، وَآلَاتِ اللَّهْوِ، لِأَنَّ مَنْ صَرَفَ مَالَهُ فِي ذَلِكَ عُدَّ سَفِيهًا مُبَذِّرًا عُرْفًا، فَكَذَا شَرْعًا، وَلِأَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يُحْكَمُ بِسَفَهِهِ بِصَرْفِ مَالِهِ فِي الْمُبَاحِ فَلَأَنْ يُحْكَمَ بِسَفَهِهِ فِي صَرْفِ مَالِهِ فِي الْمُحَرَّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةً ذَكَرُوا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ التَّبْذِيرَ وَالْإِسْرَافَ مَا أَخْرَجَهُ فِي الْحَرَامِ لِقَوْلِهِ: لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا لُقْمَةٌ فَوَضَعَهَا الرَّجُلُ فِي فِي أَخِيهِ لَمْ يَكُنْ إِسْرَافًا.
لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا أَصْرَفَهُ فِي مُبَاحٍ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْمَصْلَحَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي التَّبْذِيرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّ.
الثَّانِي: الْإِسْرَافُ الْمُتْلِفُ لِلْمَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 27] ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَصْرَفَهُ فِيمَا يعد فَائِدَةٌ، أَوْ لَيْسَ بِحَرَامٍ لَا يَكُونُ قَادِحًا فِيهِ.
وَفِي " النِّهَايَةِ: " يَقْدَحُ إِذَا تَصَدَّقَ بِحَيْثُ يَضُرُّ بِعِيَالِهِ، أَوْ كَانَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَثِقْ بِإِمَانَةٍ (وَعَنْهُ) : نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ (لَا يُدْفَعُ إِلَى الْجَارِيَةِ مَالُهَا بَعْدَ رُشْدِهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ وَتَلِدَ، أَوْ تُقِيمَ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ سَنَةً) ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ لِمَا رَوَى شُرَيْحٌ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا أُجِيزَ لِجَارِيَةٍ عَطِيَّةً حَتَّى تَحُولَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا، أَوْ تَلِدَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ، وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ وَرَشَدَتْ دُفِعَ إِلَيْهَا مَالُهَا وَكَالرَّجُلِ وَكَالَّتِي دُخِلَ بِهَا، وَحَدِيثُ عُمَرَ لَمْ يُعْلَمِ انْتِشَارُهُ فِي الصَّحَابَةِ، فَلَا يُتْرَكُ بِهِ عُمُومُ الْكِتَابِ مَعَ أَنَّهُ خَاصٌّ فِي مَنْعِ الْعَطِيَّةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَسْلِيمِ مَالِهَا، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ دُفِعَ إِلَيْهَا إِذَا عَنَسَتْ أَيْ: كَبِرَتْ وَبَرَزَتْ لِلرِّجَالِ، وَقِيلَ: يَدُومُ عَلَيْهَا (وَوَقْتُ الِاخْتِبَارِ قَبْلَ
أَوْ تُقِيمَ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ سَنَةً وَوَقْتُ الِاخْتِبَارِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَعَنْهُ: بَعْدَهُ.
فَصْلٌ وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ إِلَّا لِلْأَبِ، ثُمَّ لِوَصِيِّهِ، ثُمَّ لِلْحَاكِمِ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْبُلُوغِ) عَلَى الْأَصَحِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] فَظَاهِرُهَا أَنَّ ابْتِلَاءَهُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ، لِأَنَّهُ سَمَّاهُمْ يَتَامَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَمَدَّ اخْتِبَارَهُمْ إِلَى الْبُلُوغِ بِلَفْظِ حَتَّى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ إِلَى الْبُلُوغِ يَقْتَضِي الْحَجْرَ عَلَى الْبَالِغِ الرَّشِيدِ لِكَوْنِهِ مُمْتَدًّا حَتَّى يُخْتَبَرَ وَيُعْلَمَ رُشْدُهُ، وَاخْتِبَارُهُ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَمْنَعُهُ فِي الْجَارِيَةِ لِنَقْصِ خِبْرَتِهَا بِالْخَفَرِ، وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمُرَاهِقِ الَّذِي يَعْرِفُ الْمُعَامَلَةَ، وَالْمُصْلَحَةَ (وَعَنْهُ: بَعْدَهُ) فِيهِمَا أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَظِنَّةُ الْعَقْلِ وَبَيْعُ الِاخْتِبَارِ وَشِرَاؤُهُ صَحِيحٌ.
[لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إِلَّا لِلْأَبِ]
فَصْلٌ (وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ إِلَّا لِلْأَبِ) الرَّشِيدِ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ فَقُدِّمَ فِيهَا الْأَبُ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَلِكَمَالِ شَفَقَتِهِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَافِرًا عَلَى وَلَدِهِ الْكَافِرِ.
وَتَكْفِي الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا، لِأَنَّ تَفْوِيضَهَا إِلَى الْفَاسِقِ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالسَّفِيهِ، وَقِيلَ: وَمَسْتُورٌ (ثُمَّ لِوَصِيِّهِ) مَا لَمْ يَعْلَمْ فِسْقَهُ، لِأَنَّهُ نَائِبُهُ، أَشْبَهَ وَكِيلَهُ فِي الْحَيَاةِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ بِجُعْلٍ، وَثَمَّ مُتَبَرِّعٌ، ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا يَقْبِضُ لِلصَّبِيِّ إِلَّا الْأَبُ، أَوْ وَصِيٌّ وَقَاضٍ فَظَاهِرُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَخِيرَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ يُقَدَّمُ الْوَصِيُّ، وَعَنْهُ: يَلِي الْجَدُّ فَفِي تَقْدِيمِهِ عَلَى وَصِيِّهِ وَجْهَانِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْجَدَّ لَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُدْلِي بِالْأَبِ، فَلَمْ يَلِ مَالَ الصَّغِيرِ كَالْأَخِ (ثُمَّ لِلْحَاكِمِ) ، لِأَنَّ الْوِلَايَةَ انْقَطَعَتْ مِنْ جِهَتِهِ فَثَبَتَتْ لِلْحَاكِمِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ أَيْ: بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَأَمِينٌ يَقُومُ بِهِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ فِي حَاكِمٍ عَاجِزٍ كَالْعَدَمِ.
نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ فِيمَنْ عِنْدَهُ مَالٌ تُطَالِبُهُ الْوَرَثَةُ فَيُخَافُ مِنْ أَمْرِهِ نَرَى أَنْ يُخْبِرَ الْحَاكِمَ وَيَرْفَعَهُ إِلَيْهِ قَالَ: أَمَّا حُكَّامُنَا هَؤُلَاءِ الْيَوْمَ، فَلَا أَرَى أَنْ
وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِمَا إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ لَهُمَا، فَإِنْ تَبَرَّعَ أَوْ حَابَى، أَوْ زَادَ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُمَا مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ ضَمِنَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ، وَلَا يَبِيعُهُمَا إِلَّا الْأَبُ وَلِوَلِيِّهِمَا مُكَاتَبَةُ
[المبدع في شرح المقنع]
يَتَقَدَّمَ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ الْمَالَ مَحَلُّ الْخِيَانَةِ وَمَنْ سِوَاهُمْ قَاصِرٌ عنهم غير مَأْمُونٌ عَلَى الْمَالِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَالْأَجْنَبِيِّ لَكِنْ سَأَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ صِغَارٌ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَصِيٌّ، وَلَهُمْ أُمٌّ مُشْفِقَةٌ يُدْفَعُ إِلَيْهَا.
[حُكْمُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ]
(وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِمَا إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ لَهُمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] ، وَالْمَجْنُونُ فِي مَعْنَاهُ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ (فَإِنْ تَبَرَّعَ) بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ (أَوْ حَابَى) بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ (أَوْ زَادَ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُمَا مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ ضَمِنَ) ، لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فَضَمِنَ كَتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِمَا وَمُرَادُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَضْمَنَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاجِبِ لَا مُطْلَقًا (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى الْوَصِيَّ عَنْ ذَلِكَ، وَالْحَاكِمُ فِي مَعْنَاهُ (وَلَا يَبِيعُهُمَا) ، لِأَنَّهُ كَالشِّرَاءِ مَعْنًى فَيُسَاوِيهِ حُكْمًا (إِلَّا الْأَبُ) فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا، لِأَنَّهُ يَلِي بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ كَالنِّكَاحِ، وَالتُّهْمَةُ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ مُنْتَفِيَةٌ، إِذْ مِنْ طَبْعِهِ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَالْمَيْلُ إِلَيْهِ وَتَرْكُ حَظِّ نَفْسِهِ لِحَظِّهِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْوَصِيَّ وَالْحَاكِمَ (وَلِوَلِيِّهِمَا مُكَاتَبَةُ رَقِيقِهِمَا) ،
لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ.
وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِائَةً فَيُكَاتِبَهُ عَلَى مِائَتَيْنِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " أَنَّهَا تَجُوزُ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ (وَعِتْقُهُ عَلَى مَالٍ) ، لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ لِلْيَتِيمِ فِيهَا حَظٌّ فَمَلَكَهَا وَلِيُّهُ كَالْبَيْعِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، لَكِنْ فِي " الشَّرْحِ " إِذَا أَعْتَقَهُ بِمَالٍ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ مَجَّانًا، وَعَنْهُ:
بَلَى لِمَصْلَحَةٍ
، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَنْ تَكُونَ لَهُ أَمَةٌ لَهَا وَلَدٌ يُسَاوِيَانِ مُجْتَمِعَيْنِ مِائَةً، وَلَوْ أُفْرِدَتْ سَاوَتْ مِائَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ إِفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ فَتُعْتَقُ الْأُخْرَى لِتَكْثُرَ قِيمَةُ الْبَاقِيَةِ.
رَقِيقِهِمَا وَعِتْقُهُ عَلَى مَالٍ وَتَزْوِيجِ إِمَائِهِمَا، وَالسَّفَرُ بِمَالِهِمَا، وَالْمُضَارَبَةُ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ وَلَهُ دَفْعُهُ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ وَبَيْعُهُ نَسَاءً وَقَرْضُهُ بِرَهْنٍ وَشِرَاءُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: لَهُ هِبَةُ مَالِهِ بِعِوَضٍ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ (وَتَزْوِيجُ إِمَائِهِمَا) إِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، لِأَنَّ فِيهِ إِعْفَافَهُنَّ وَتَحْصِينَهُنَّ عَنِ الزِّنَا وَوُجُوبَ نَفَقَتِهِنَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ، وَالْمُرَادُ إِذَا طَلَبْنَ مِنْهُ ذَلِكَ، أَوْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ مَالِكِهِنَّ، وَعَبَّرَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " بِالرَّقِيقِ، وَهُوَ أَعَمُّ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِخَوْفِ فَسَادِهِ، وَعَنْهُ: لَا يُزَوِّجُ أَمَةً لِتَأَكُّدِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا فَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الْيَتِيمُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ خِدْمَتِهَا أَنَّهُ
يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ
، وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَهُ تَزْوِيجُ عَبْدِهِ بِأَمَتِهِ وَتَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ عَبْدِهِ، وَلَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ بِغَيْرِ أَمَتِهِ (وَالسَّفَرُ بِمَالِهِمَا) لِلتِّجَارَةِ، وَغَيْرِهَا فِي مَوَاضِعَ آمِنَةٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ بِهِ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» . وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَلِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِكَوْنِ نَفَقَتِهِ فِي رِبْحِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْبَالِغُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَتَّجِرُ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الْآمِنَةِ، وَمُنِعَ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَ " الْمُغْنِي "، وَ " الْكَافِي " مِنَ السَّفَرِ بِهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ (وَالْمُضَارَبَةُ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ) أَيْ: إِذَا اتَّجَرَ الْوَلِيُّ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَاءِ الْيَتِيمِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ إِلَّا بِعَقْدٍ، وَلَا يَعْقِدُهَا الْوَلِيُّ لِنَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مُضَارَبَةً لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِذَلِكَ فَجَازَ لَهُ أَخْذُهُ.
(وَلَهُ دَفْعُهُ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ) ، لِأَنَّ عَائِشَةَ أَبَضَعَتْ مَالَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، إِذِ الْوَلِيُّ نَائِبٌ عَنْهُ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، وَهَذَا مَصْلَحَةٌ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِبْقَاءِ مَالِهِ وَحِينَئِذٍ فَلِلْمُضَارِبِ مَا وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْوَلِيُّ مِنَ الرِّبْحِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَقِيلَ: أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ بِأَقَلِّهِمَا (وَبَيْعُهُ نَسَاءً) أَيْ: إِلَى أَجَلٍ إِذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ.
قَالَهُ
الْعَقَارِ لَهُمَا وَبِنَاؤُهُ بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الثَّمَنُ فِيهِ أَكْثَرَ، لِأَنَّ الْأَجَلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ (وَقَرْضُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا (بِرَهْنٍ) ، لِأَنَّهُ أَجْوَدُ مِنْ إِيدَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، وَقَوْلُهُ: بِرَهْنٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِمَا فَيَأْخُذُ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْأُولَى رَهْنًا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": أَوْ كَفِيلًا مُوَثَّقًا بِهِ فَيَحْفَظُ الثَّمَنَ بِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَاضِحٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رَهْنٍ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْمَنُ عَوْدَهُ لِفَلَسٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَهُ أَيْضًا فِي " التَّرْغِيبِ "، وَالْمَذْهَب، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَإِشْهَادٍ، فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ الرَّهْنِ وَتَرْكُهُ فَاحْتِمَالَانِ.
وَالْمَذْهَبُ
جَوَازُهُمَا لِمَصْلَحَةٍ
، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " يُقْرِضُهُ لِحَاجَةِ سَفَرٍ، أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يُقْرِضُهُ إِلَّا لِمَلِيءٍ أَمِينٍ لِيَأْمَنَ جُحُودَهُ وَيَقْدِرَ عَلَى الْإِيفَاءِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَا يُقْرِضُهُ لِمَوَدَّةٍ وَمُكَافَأَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: لَهُ إِيدَاعُهُ مَعَ إِمْكَانِ قَرْضِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَظَاهِرُهُ مَتَى جَازَ إِيدَاعُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ يَجُوزُ إِيدَاعُهُ لِقَوْلِهِمْ: يَتَصَرَّفُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ يَرَاهُ مَصْلَحَةً، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ تَلِفَ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَفِي " الْكَافِي " لَا يُودِعُهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَأَنَّهُ يُقْرِضُهُ لِحَظِّهِ بِلَا رَهْنٍ (وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا) ، لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لِكَوْنِهِ يُحَصِّلُ مِنْهُ الْمُغَلَّ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ وَإِذَا جَازَتِ الْمُضَارَبَةُ فِيهِ فَهَذَا أَوْلَى (وَبِنَاؤُهُ) ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ أَحَظَّ، وَهُوَ مُمْكِنٌ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ (بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ) ، وَكَذَا فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.
وَقَالَ الْأَصْحَابُ يَبْنِيهِ بِالْآجُرِّ دُونَ اللَّبِنِ، لِأَنَّهُ إِذَا هُدِمَ فَسَدَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَلَا بِالْجِصِّ، لِأَنَّهُ يَلْتَزِقُ بِالْآجُرِّ وَلَوْ قُدِّرَ فَيُفْضِي إِلَى كَسْرِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " والذي أراه
شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِلْيَتِيمِ الْمُوسِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَرْكُهُ فِي الْمَكْتَبِ وَأَدَاءُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّ لَهُ بِنَاءَهُ بِمَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ الْأَمَاكِنِ يُبْنَى فِيهَا بِالْآجُرِّ، وَلَا يُقَدَرُ فِيهَا عَلَى الْجَيِّدِ، وَإِنْ وُجِدَ فَبِقِيمَةٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، فَلَوْ قُيِّدَ الْبِنَاءُ بِذَلِكَ أَفْضَى إِلَى فَوَاتِ الْحَظِّ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَتُهُمُ الْبِنَاءُ بِهِ كَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ (إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) هَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِوَلِيِّهِمَا إِلَى آخِرِهِ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا انْتَفَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قُرْبَانًا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ.
وَظَاهِرُ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الشِّرَاءِ، وَالْبِنَاءِ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
(وَلَهُ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِلْيَتِيمِ الْمُوسِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَفَرَحٍ، وَجَبْرُ قَلْبِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِمَنْ لَهُ أَبٌ كَالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّوْسِعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مُوسِرًا لَا يَتَضَرَّرُ بِشِرَائِهَا، فَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ صَدَقَتُهُ مِنْهَا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " عَنْ أَحْمَدَ: يَجِبُ لِقَوْلِهِ: لِلْوَصِيِّ التَّضْحِيَةُ عَنِ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ، فَدَلَّ أَنَّهَا كَزَكَاةٍ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا إِخْرَاجٌ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْهَدِيَّةِ وَحَمَلَ فِي " الْمُغْنِي " كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى حَالَيْنِ فَيُمْنَعُ مِنْهَا إِذَا كَانَ الطِّفْلُ لَا يَعْقِلُهَا، وَلَا يَفْرَحُ بِهَا، وَلَا يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ بِتَرْكِهَا وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ.
فَائِدَةٌ: وَيَفْعَلُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَا هُوَ أَرْفُقُ لَهُ مَنْ خَلْطٍ وَإِفْرَادٍ، فَلَوْ مَاتَ مَنْ يَتَّجِرُ لِيَتِيمِهِ وَلِنَفْسِهِ بِمَالِهِ، وَقَدِ اشْتَرَى شَيْئًا، وَلَمْ يُعْرَفْ لِمَنْ هُوَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْرَعُ فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَ وَلَهُ الْإِذْنُ لِصَغِيرَةٍ فِي لُعَبٍ بِلُعَبٍ مُصَوَّرَةٍ وَشِرَاؤُهَا بِمَالِهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَتَرْكُهُ فِي الْمَكْتَبِ) لِيَتَعَلَّمَ الْخَطَّ، وَمَا يَنْفَعُهُ (وَأَدَاءُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ) لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِ، أَشْبَهَ نَفَقَةَ مَأْكُولِهِ وَمَلْبُوسِهِ، وَكَذَا مُدَاوَاتُهُ بِأُجْرَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ
وَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي صِنَاعَةٍ لِمَصْلَحَتِهِ
. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَلَهُ حَمْلُهُ بِأُجْرَةٍ لِيَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ.
قَالَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَالْفُصُولِ وَإِذْنُهُ فِي تَصَدُّقِهِ بِيَسِيرٍ.
قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُمَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ، أَوْ غِبْطَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُزَادَ فِي ثَمَنِهِ الثُّلُثُ فصاعدا، وَإِنْ وَصَّى لِأَحَدِهِمَا بِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِإِعْسَارِ الْمُوصَى لَهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا.
فَصْلٌ وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَعَاوَدَ السَّفَهَ أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلَّا
[المبدع في شرح المقنع]
(وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُمَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ) كَحَاجَتِهِمَا إِلَى نَفَقَةٍ، أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا بُدَّ مِنْ دَفْعِهَا (أَوْ غِبْطَةٍ) بِأَنْ يُزَادَ فِي ثَمَنِهِ زِيَادَةً عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ.
قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَذَكَرَ هَذَا فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، ثُمَّ فَسَّرَهَا الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ (وَهُوَ أَنْ يُزَادَ فِي ثَمَنِهِ الثُّلُثُ فصاعدا) لِتَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ظَاهِرَةً بَيِّنَةً، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ
لِلْوَلِيِّ الْبَيْعَ لِلْمَصْلَحَةِ
بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِيعُهُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ فِي مَكَانٍ لَا غَلَّةَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ غَلَّةٌ يَسِيرَةٌ، أَوْ لِسُوءِ الْجَارِ، أَوْ لِيُعَمِّرَ بِهِ عَقَارَهُ الْآخَرَ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": مَتَى كَانَ الْحَظُّ فِي بَيْعِهِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ إِلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَلَوْ نَقَصَ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " (وَإِنْ وَصَّى لِأَحَدِهِمَا بِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِإِعْسَارِ الْمُوصَى لَهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ) ،
لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا ضَرَرَ فِيهَا
(وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا) أَيْ: إِذَا لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ حَرُمَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُهَا، لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِتَفْوِيتِ مَالِهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
[مَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَعَاوَدَ السَّفَهَ]
فَصْلٌ (وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ) لِرُشْدِهِ، أَوْ بُلُوغِهِ وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ (فَعَاوَدَ السَّفَهَ أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ لِمَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ بَيْعًا،
الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ إِلَّا بِحُكْمِهِ، وَقِيلَ: يَنْفَكُّ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُشْدِهِ وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَيَصِحُّ تَزَوُّجُهُ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ من
[المبدع في شرح المقنع]
فَقَالَ عَلِيٌّ: لِآتِيَنَّ عُثْمَانَ لِيَحْجُرَ عَلَيْكَ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُكَ فِي الْبَيْعِ فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ فَذَكَرَ لَهُ الْقَضِيَّةَ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ، وَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ سَفِيهٌ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا نَظَرًا إِلَى دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْعِلْمِ، وَالْحَاجِرُ هُنَا الْحَاكِمُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ وَلِيُّهُ.
وَقِيلَ: أَوْ أَبُوهُ، وَقِيلَ: إِنْ زَالَ الْحَجْرُ بِرُشْدِهِ بِلَا حُكْمٍ عَادَ بِمُجَرَّدِهِ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَإِذَا افْتَقَرَ السَّبَبُ إِلَى الِاجْتِهَادِ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الِاجْتِهَادِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
فَرْعٌ: لَوْ فَسَقَ، وَلَمْ يُبَذِّرْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ، وَإِنِ اعْتُبِرَ فِي رُشْدِهِ إِصْلَاحُ دِينِهِ فَوَجْهَانِ (وَلَا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلَّا الْحَاكِمُ) ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَكَذَا النَّظَرُ فِي مَالِهِ (وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ السَّفِيهِ (إِلَّا بِحُكْمِهِ) عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ، فَلَمْ يَزُلْ إِلَّا بِهِ كَالْمُفْلِسِ، (وَقِيلَ: يَنْفَكُّ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُشْدِهِ) . قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْحَجْرِ زَالَ فَيَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الرُّشْدَ يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ فِي مَعْرِفَتِهِ وَزَوَالِ تَبْذِيرِهِ فَكَانَ كَابْتِدَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ، فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ.
فَرْعٌ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ يُنْكَرُ عَقْلُهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ.
قَالَهُ أَحْمَدُ يَعْنِي إِذَا كَبِرَ، وَاخْتَلَّ كَالْمَجْنُونِ لِعَجْزِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوزِيُّ: أَرَى أَنْ يَحْجُرَ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ إِذَا أَسْرَفَ بِأَنْ يَضَعَهُ فِي الْفَسَادِ وَشِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ وَنَحْوِهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ) لِيَظْهَرَ أَمْرُهُ (وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْعِلَّةِ فَقَالَ
غير إِذْنُهُ وَهَلْ يَصِحُّ عِتْقُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ، أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ نَسَبٍ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
(لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ) ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، لِأَنَّهُ يَنْتَشِرُ أَمْرُهُ لِشُهْرَتِهِ، وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ فَعَلَ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَيَصِحُّ تَزَوُّجُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) . قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، لِأَنَّهُ لَا يَأْذَنُ إِلَّا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، وَحَاجَتُهُ تَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَيْسَ مَآلُهُ إِلَى التَّبْذِيرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَجِبُ بِهِ مَالٌ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ كَالشِّرَاءِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَالِيٍّ، فَصَحَّ مِنْهُ كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ، وَلُزُومُ الْمَالِ فِيهِ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ، وَفِي إِجْبَارِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَذِنَ فَفِي لُزُومِهِ تَعْيِينَ الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ وَيَتَقَيَّدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَيُحْتَمَلُ لُزُومُهُ زِيَادَةَ إِذْنٍ فِيهَا، كَتَزْوِيجِهِ بِهَا فِي وَجْهٍ، فَإِنْ عَضَلَهُ اسْتَقَلَّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُطَلِّقُ اشْتَرَى لَهُ جَارِيَةً، وَإِنْ خَالَعَ عَلَى مَالٍ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: بَلَى، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا تَبْرَأُ الْمَرْأَةُ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا إِنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، لِأَنَّهَا سَلَّطَتْهُ عَلَيْهِ (وَهَلْ يَصِحُّ عِتْقُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَرْجَحُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ أَشْبَهَ هِبَتَهُ وَوَقْفَهُ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَعِتْقِ الصَّبِيِّ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ تَامِّ الْمِلْكِ، فَصَحَّ كَالْمُفْلِسِ، وَالرَّاهِنِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ غَيْرِهِمَا، وَفِي عِتْقِهِمَا خِلَافٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ،
لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ
، لِأَنَّهُ تَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَالِهِ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْهُ، وَكَذَا يَصِحُّ اسْتِيلَادُهُ وَتُعْتَقُ الْأَمَةُ بِمَوْتِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ مِنَ الْمَجْنُونِ فَمِنَ السَّفِيهِ أَوْلَى.
فَرْعٌ: يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ كَمُفْلِسٍ، وَإِنْ فُكَّ حَجْرُهُ قَبْلَ تَكْفِيرِهِ، وَقَدَرَ عَتَقَ وَيَسْتَقِلُّ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ.
طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أُخِذَ بِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مُطْلَقًا وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
فَصْلٌ وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ وَهَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ أَقَرَّ) أَيِ: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ (بِحَدٍّ) أَيْ: بِمَا يُوجِبُهُ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ (أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ نَسَبٍ، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أُخِذَ بِهِ) .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ إِجْمَاعُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَجْرُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ فَنُقِلَ عَلَى نَفْسِهِ، إِذِ الْحَجْرُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وَالطَّلَاقُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، فَلَا يُمْنَعُ كَالْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ مَعَ مَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا فَعَفَى الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى مَالٍ فَوَجْهَانِ (وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ) كَالدَّيْنِ، أَوْ مَا يُوجِبُهُ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ وَغَصْبِهِ (لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ) ، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظّة، أَشْبَهَ الصَّبِيَّ، وَلَوْ قَتَلْنَاهُ فِي الْحَالِ لَزَالَ مَعْنَى الْحَجْرِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ زَوَالِهِ كَالرَّاهِنِ، وَالْمُفْلِسِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مُطْلَقًا) ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نُفُوذِ إِقْرَارِهِ فِي حَالِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ، وَنُفُوذُهُ بَعْدَ فَكِّهِ عَنْهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا تَأْخِيرَ الضَّرَرِ عَلَيْهِ إِلَى أَكْمَلِ حَالَتَيْهِ، لَكِنْ إِنْ عَلِمَ صِحَّةَ مَا أَقَرَّ بِهِ كَدَيْنِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ " (وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ) عَلَى مَا سَلَفَ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى السَّفِيهِ لِحَظِّهِ، أَشْبَهَ وَلِيَّ الصَّبِيِّ.
[لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ إِذَا احْتَاجَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ]
فَصْلٌ (وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ
يَلْزَمُهُ عِوَضٌ إِذَا أَيْسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي النَّاظِرِ فِي الْوَقْفِ وَمَتَى
[المبدع في شرح المقنع]
تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] ، وَلِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ، وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ مَرْفُوعًا: مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِعَمَلِهِ فَتَقَيَّدَ بِقَدْرِهِ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجَمَاعَةُ أَنَّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْل، أَوْ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَمَلِ، وَالْحَاجَةِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا مَا وَجَدَ فِيهِ، وَفِي الْإِيضَاحِ إِذَا قَدَّرَهُ حَاكِمٌ، وَقَيَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْوَجِيزِ ": إِنْ شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ كسب مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ.
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: يَأْكُلُ فَقِيرٌ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ مَعَاشِهِ بِمَعْرُوفٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مَعَ غِنَاهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6] ، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَالْعَمَلِ فِي الزَّكَاةِ وَحَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مُطْلَقًا (وَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُهُ إِذَا أَيْسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عِوَضًا لَهُ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ كَالْأَجِيرِ، وَالْمُضَارِبِ، وَلِأَنَّهُ يُقَالُ أَمَرَ بِالْأَكْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةٌ بِالْحَاجَةِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهُ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْعِوَضَ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْأَبِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَإِذَا قُلْنَا بِرَدِّ الْبَدَلِ فَيَتَوَجَّهُ بِرَدِّهِ إِلَى الْحَاكِمِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ (وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ فِي النَّاظِرِ فِي الْوَقْفِ) إِذَا لَمْ يَشْرِطْ لَهُ شَيْئًا، وَهَذَا التَّخْرِيجُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْوَصِيَّ مَعْنًى وَحُكْمًا.
وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي النَّاظِرِ أَنَّهُ يَأْكُلُ بِمَعْرُوفٍ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا.
قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ، وَعَنْهُ: أَيْضًا إِذَا اشْتَرَطَ، قِيلَ لَهُ: فَيَقْضِي دَيْنَهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ.
زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ فَادَّعَى عَلَى الْوَلِيِّ تَعَدِّيًا، أَوْ مَا يُوجِبُ ضَمَانًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ وَهَلْ لِلزَّوْجِ أَنْ يَحْجُرَ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُقَدِّمُ بِمَعْلُومِهِ بِلَا شَرْطٍ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ.
وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الْوَصِيِّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُوَافَقَتُهُ عَلَى الْأُجْرَةِ، وَالْوَكِيلُ يُمْكِنُهُ (وَمَتَى زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ فَادَّعَى عَلَى الْوَلِيِّ تَعَدِّيًا، أَوْ مَا يُوجِبُ ضَمَانًا) كَدَعْوَى النَّفَقَةِ، وَقَدْرِهَا وَوُجُودِ الْغِبْطَةِ، وَالضَّرُورَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ، وَالتَّلَفِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ) مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ التَّفْرِيطِ، فَكَذَا هُنَا كَالْمُودَعِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُخَالِفْ عَادَةً وَعُرْفًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْلِفُ الْوَلِيُّ، وَلَوْ كَانَ حَاكِمًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْحَاكِمُ فَلَوْ قَالَ: أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَقَالَ: مُنْذُ سَنَةٍ قُدِّمَ قَوْلُ الصَّبِيِّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ يُوَافِقُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَظَّ، وَالْغِبْطَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ (وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، أَشْبَهَ الْمُودَعِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] فَمَتَى تَرَكَ الْإِشْهَادَ، فَقَدْ فَرَّطَ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ فَعَلَيْهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ (وَهَلْ لِلزَّوْجِ) الرَّشِيدِ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (أَنْ يَحْجُرَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أَيِ: الرَّشِيدَةِ (فِي التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الرِّعَايَةِ " أَرْجَحُهُمَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُنَّ وَإِطْلَاقِهِنَّ فِي التَّصَرُّفِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» . وَكُنَّ يَتَصَدَّقْنَ وَيَقْبَلُ مِنْهُنَّ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إِلَيْهِ
عَلَى امْرَأَتِهِ فِي التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَصْلٌ فِي الْإِذْنِ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيَجُوزُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِرُشْدِهِ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إِذْنٍ كَالْغُلَامِ، وَالثَّانِيَةُ: يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْ ذَلِكَ أَيْ: بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ عَطِيَّةٌ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، إِذْ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهَا وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَإِذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ أَنْظَرَتْهُ فَجَرَى مَجْرَى حُقُوقِ الْوَرَثَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَلَيْسَ لَهُمْ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى تَحْدِيد المنع بالثلث، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْمَرَضَ سَبَبٌ يفضي إِلَى وُصُولِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ، وَالزَّوْجِيَّةُ إِنَّمَا تَجْعَلُهُ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ فَهِيَ أَحَدُ وَصْفَيِ الْعِلَّةِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهَا الْحَجْرُ عَلَى زَوْجِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنَ التَّبَرُّعِ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَعَنْهُ: بَلَى صَحَّحَهَا فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ". قَالَ: لَا تَهَبُ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يُنَفَّذُ عِتْقُهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
[إِذْنُ الْوَلِيِّ لِلصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ]
فَصْلٌ فِي الْإِذْنِ (يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] الْآيَةَ أَيِ: اخْتَبِرُوهُمْ لِتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ، وَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْعَبْدِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ مِنْهُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ التَّصَرُّفُ لِخَفَائِهِ فَجَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ ضَابِطًا، وَهُوَ الْبُلُوغُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ تَصَرَّفَ
ذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا الْحَجْرُ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ، وَفِي النَّوْعِ الَّذِي أُمِرَا بِهِ وَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، وَلَا يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُوَكَّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلُهُ بِنَفْسِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
بِلَا إِذْنٍ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيلَ: بَلَى وَيَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَبَنَاهُمَا فِي " الشَّرْحِ " عَلَى تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ (وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّ السَّيِّدِ فَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِإِذْنِهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.
(وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا الْحَجْرُ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ، وَفِي النَّوْعِ الَّذِي أُمِرَا بِهِ) ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ آدَمِيٍّ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَأَمَرَهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ، وَالْمُضَارِبِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةٌ: إِنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي نَوْعٍ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ غَيْرِهِ مَلَكَهُ أَيْ: جَازَ أَنْ يَتَّجِرَ فِي غَيْرِهِ وَيَنْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ مُطْلَقًا، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِذْنِ لَا يَتَبَعَّضُ كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي شِرَاءِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ وَنَحْوِهِ، وَالرِّقُّ سَبَبُ الْحَجْرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَمُضَارِبٍ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، وَغَيْرِهِ، وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ فَأَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ، لِأَنَّهُ يَقَعُ بِمَجْمُوعِهِ.
(وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، وَلَا يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ) ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَمْلِكُهُ إِلَّا بِإِذْنٍ كَبَيْعِ نَفْسِهِ وَتَزْوِيجِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ التِّجَارَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْإِذْنِ، وَفِي إِيجَارِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ خِلَافٌ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَفِي صِحَّةِ شِرَاءِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَامْرَأَتِهِ وَزَوْجِ رَبَّةِ الْمَالِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: صِحَّتُهُ، وَعَلَيْهِ إِنْ صَحَّ وَعَلَيْهِ دِينٌ فَقِيلَ: يُعْتَقُ.
وَقِيلَ: يُبَاعُ فِيهِ.
وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ، وَالْأَشْهَرُ يَصِحُّ كَمَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ وَشِرَاءَهُ مِنْ حَلِفٍ لَا يَمْلِكُهُ (وَهَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلُهُ بِنَفْسِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ فَاخْتُصَّ بِمَا أُذِنَ فِيهِ، وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّهُ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ فَمَلَكَهُ بِنَائِبِهِ كَالْمَالِكِ الرَّشِيدِ، وَلِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ (وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ، أَوْ وَلِيُّهُ يَتَّجِرُ، فَلَمْ يَنْهَهُ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ) كَتَزْوِيجِهِ وَبَيْعِهِ مَالَهُ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الْإِذْنِ، فَلَمْ يَقُمِ السُّكُوتُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا فِي الرَّهْنِ، وَالْآخَرُ
وَلِيُّهُ يَتَّجِرُ فَلَمْ يَنْهَهُ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ، وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ، أَوْ يُسَلِّمُهُ، وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ إِلَّا الْمَأْذُونَ لَهُ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ شَيْئًا، لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ
[المبدع في شرح المقنع]
سَاكِتٌ، وَكَتَصَرُّفِ الْأَجَانِبِ (وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ) يُقَالُ: اسْتَدَانَ، وَادَّانَ، وَتَدَيَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ، أَوْ يُسَلِّمُهُ) كَالْجِنَايَةِ (وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ) ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ رَضِيَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ لِكَوْنِهِ عَامَلَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ أَعْتَقَهُ، فَعَلَى مَوْلَاهُ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ (إِلَّا الْمَأْذُونَ لَهُ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْعَبْدِ حَالَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ، وَلِتَصَرُّفِهِ حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَصَرَّفَ بِبَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْغَاصِبِ، وَقِيلَ: بَلَى وَيَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْفُضُولِيِّ، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ وَحَكَاهُمَا الْمَجْدُ رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْمُفْلِسِ إِذِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ السَّيِّدِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ كَالسَّفِيهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَا اشْتَرَاهُ، أَوِ اقْتَرَضَهُ إِنْ وُجِدَ فِي يَدِهِ انْتُزِعَ مِنْهُ لِتُحَقُّقِ إِعْسَارِهِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَإِنْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّهُ وَجَدَ مَمْلُوكَهُ بِحَقٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَ فِي يَدِهِ صَيْدًا وَنَحْوَهُ، وَاخْتَارَ فِي " التَّلْخِيصِ " جَوَازَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمِلْكَ وَقَعَ للسيد ابْتِدَاءً، وَإِنْ تَلِفَ بِيَدِ السَّيِّدِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَاسْتَقَرَّ ثَمَنُهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ أَوْ ذِمَّتِهِ عَلَى الْخِلَافِ، وَكَذَا إِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ، وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ فَسَادُ التَّصَرُّفِ يَرْجِعُ مَالِكُ الْعَيْنِ حَيْثُ وَجَدَهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فَلَهُ قِيمَتُهُ، أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، ثُمَّ إِنْ كَانَ التَّلَفُ فِي يَدِ الْعَبْدِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ كَالْجِنَايَةِ، وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ لِعُمُومِ مَا رُوِيَ عَنِ الْفُقَهَاءِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ دَيْنُ الْمَمْلُوكِ فِي ذِمَّتِهِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِيَدِ السَّيِّدِ فَكَذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَجْدِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "،
الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فَأَقَرَّ بِهِ صَحَّ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يَرْجِعُ إِنْ شَاءَ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْعَبْدِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فَمَا اسْتَدَانَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ غَرَّ النَّاسَ بِمُعَامَلَتِهِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ " بِمَا إِذَا كَانَ قَدْرَ قِيمَتِهِ، وَالْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَلَا فَرْقَ فِي الَّذِي اسْتَدَانَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الَّذِي أَذِنَ فِيهِ، أَوْ لَا بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبُرِّ فَيَتَّجِرَ فِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَجِنَايَتِهِ، وَلِأَنَّهُ قَابِضٌ لِلْمَالِ، الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ، أشبه غير الْمَأْذُونُ لَهُ، وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ لِإِذْنِهِ وَرَقَبَةِ الْعَبْدِ لِقَبْضِهِ، وَعَنْهُ: بِذِمَّتِهِ.
وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُؤْخَذُ السَّيِّدُ بِمَا أدانَ لِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَقَطْ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ إِذَا أدانَ، فَعَلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ جَنَى، فَعَلَى سَيِّدِهِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِذَا أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا لَزِمَهُ كُلَّمَا أدانَ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِنَوْعٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِدَانَةً فَبِرَقَبَتِهِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ، وَبَنَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْخِلَافَ فِي أَنَّ تَصَرُّفَهُ مَعَ الْإِذْنِ هَلْ هُوَ لِسَيِّدِهِ فَيَتَعَلَّقُ مَا أدانَهُ بِذِمَّتِهِ كَوَكِيلِهِ، أَوْ لِنَفْسِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إِذَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارِ السَّيِّدِ، أَمَّا إِذَا أَنْكَرَهُ السَّيِّدُ، وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ إِنْ أَقَرَّ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ هَدَرٌ.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِ جَرَيَانُ الْخِلَافِ.
(وَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ (وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ) ، لِأَنَّهُ إِذَا قُلْنَا: إِنِ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِأَصْحَابِ الدُّيُونِ فَيَصِيرُ كَعَبْدِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مُطْلَقًا (وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ) ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِقْرَارِ الصِّحَّةُ تُرِكَ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ لِمَا ذَكَرْنَا
يَبْطُلُ الْإِذْنُ بِالْإِبَاقِ، وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِهِبَةِ الدَّرَاهِمِ وَكُسْوَةِ الثِّيَابِ.
وَيَجُوزُ هَدِيَّتُهُ لِلْمَأْكُولِ وَإِعَارَةُ دَابَّتِهِ.
وَهَلْ لِغَيْرِ الْمَأْذُونِ الصَّدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ بِالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فَأَقَرَّ بِهِ، صَحَّ) ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَالَ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِ صَحِيحٌ، فَصَحَّ إِقْرَارُهُ بِهِ كَالْحُرِّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ (وَلَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ بِالْإِبَاقِ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَلَمْ يَمْنَعِ اسْتَدَامَتَهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ، أَوْ حُبِسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وَكَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ بِهِ، لِأَنَّهُ يُزِيلُ وِلَايَةَ السَّيِّدِ عَنْهُ فِي التِّجَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَا هِبَتُهُ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ بَاقٍ، وَهُوَ الرِّقُّ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَبْطُلُ بِالْمَغْصُوبِ، وَفِيهِ بِكِتَابَةٍ وَحُرِّيَّةٍ وَأَسْرٍ خِلَافٌ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَفِي " الْمُوجَزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " يَزُولُ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّةٍ وَغَيْرِهَا كَحَجْرٍ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَيْسَ إِبَاقة فُرْقَةً، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: لَهُ مُعَامَلَةُ عَبْدٍ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ خِلَافًا لِلنِّهَايَةِ.
نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنِ اشْتَرَى مِنْ عَبْدٍ ثَوْبًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَقَالَ الْعَبْدُ: أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَنْكَرَ سَيِّدُهُ إِذْنَهُ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ عَلِمَ بِتَصَرُّفِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قُدِّرَ صِدْقُهُ فَتَسْلِيطُهُ عُدْوَانًا مِنْهُ فَيَضْمَنُ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: التُّجَّارُ أَتْلَفُوا أَمْوَالَهُمْ لَمَّا لَمْ يَسْأَلُوا الْوَلِيَّ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِهِبَةِ الدَّرَاهِمِ وَكُسْوَةِ الثِّيَابِ) وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ (وَيَجُوزُ هَدِيَّتُهُ لِلْمَأْكُولِ وَإِعَارَةُ دَابَّتِهِ) وَعَمَلُ دَعْوَةٍ وَنَحْوُهُ بِلَا إِسْرَافٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَحَضَرَ دَعْوَتَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ، وَأَبُو ذَرٍّ فَأَمَّهُمْ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَبْدٌ.
رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ التُّجَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ.
وَقَالَ فِي " النِّهَايَةِ " الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَالِ مَوْلَاهُ، فَلَمْ يَجُزْ كَنِكَاحِهِ وَكَمُكَاتَبٍ فِي الْأَصَحِّ (وَهَلْ لِغَيْرِ الْمَأْذُونِ الصَّدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ بِالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ؟
إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: لَهُ ذَلِكَ بِمَا لَا يَضُرُّهُ، لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ فَجَازَ كَصَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمَالَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الصَّدَقَةَ بِهِ كَالضَّيْفِ لَا يَتَصَدَّقُ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ.
مَسْأَلَةٌ: مَا كَسَبَهُ الْعَبْدُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ مِنْ مُبَاحٍ، أَوْ قَبِلَهُ مِنْ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ فَلِسَيِّدِهِ، وَكَذَا اللُّقَطَةُ، وَقِيلَ: لَا يَقْبَلُ الْكُلَّ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ قَبِلَ، أَوِ الْتَقَطَ وَعَرَفَ بِلَا إِذْنِهِ فَهُوَ لِلْعَبْدِ إِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَلَا يَصِحُّ قَبُولُ سَيِّدِهِ عَنْهُ مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ - وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ - فَهُوَ لِسَيِّدِهِ يُعْتِقُهُ وَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ؟) أَيْ: بِالْيَسِيرِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ لَهَا ذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِذْنًا، إِذِ الْعَادَةُ السَّمَاحُ، وَطِيبُ النَّفْسِ بِهِ إِلَّا أَنْ تَضْطَرِبَ الْعَادَةُ وَيَشُكَّ فِي رِضَاهُ، أَوْ يَكُونَ بَخِيلًا، وَيَشُكَّ فِي رِضَاهُ، فَلَا يَجُوزُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا تَبَرَّعَتْ بِمَالِ غَيْرِهَا، فَلَمْ يَجُزْ كَالصَّدَقَةِ بِثِيَابِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ أَحَادِيثَهَا خَاصَّةٌ صَحِيحَةٌ فَتُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْإِذْنُ الْعُرْفِيُّ كَالْحَقِيقِيِّ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ مُطْلَقًا وَكَمَنَ يُطْعِمُهَا، وَلَمْ يُعْلَمْ رِضَاهُ.