المبدع في شرح المقنعصفحات 325-364

بَابُ الْوَكَالَةِ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ وَكُلِّ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ،

[المبدع في شرح المقنع]

وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ، وَيَلْحَقُ بِهَا مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ كَجَارِيَتِهِ وَعَبْدِهِ الْمُتَصَرِّفِ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ.

[بَابُ الْوَكَالَةِ]

[تَعْرِيفُ الوكالة وَحُكْمُهَا]

بَابُ الْوَكَالَةِ الْوَكَالَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا: التَّفْوِيضُ يُقَالُ وَكَّلَهُ أَيْ: فَوَّضَ إِلَيْهِ، وَوَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ أَيْ: فَوَّضْتُ إِلَيْهِ وَاكْتَفَيْتُ بِهِ، وَقَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْحِفْظُ وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى التَّوْكِيلِ.
وَاصْطِلَاحًا: التَّفْوِيضُ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ فِي الْحَيَاةِ، وَالْأَحْسَنُ فِيهَا: أَنَّهَا اسْتِنَابَةُ الْجَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: 19] ، وَقَدْ وَكَّلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ، وَأَبَا رَافِعٍ فِي تَزَوُّجِ مَيْمُونَةَ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزَوُّجِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ.
(تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، نَحْوِ افْعَلْ كَذَا، أَوْ أَذِنْتُ لَكَ فِي فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى الْإِذْنِ، فَصَحَّ كَلَفْظِهَا الصَّرِيحِ.
وَنَقَلَ جَعْفَرٌ إِذَا قَالَ: بِعْ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ، فَاعْتَبَرَ انْعِقَادَهَا بِلَفْظِهَا الصَّرِيحِ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى التَّأْكِيدِ لِنَصِّهِ عَلَى انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِاللَّفْظِ وَالْمُعَاطَاةِ، كَذَا الْوَكَالَةُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا دَأْبُ شَيْخِنَا أَنْ يَحْمِلَ نَادِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَظْهَرِهِ وَيَصْرِفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ لَفْظٍ رِوَايَةٌ، وَيُصَحَّحُ الصَّحِيحُ.
قَالَ الْأَزَجِّيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يَصِيرَ الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِهَا بِفِعْلٍ دَالٍّ كَبَيْعٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ، أَوْ خَيَّاطٍ.

وَيَصِحُّ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي بِأَنْ يُوَكِّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَيَبِيعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ يَبْلُغَهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ مُنْذُ شَهْرٍ فَيَقُولَ: قَبِلْتُ.

وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ، وَالتَّوَكُّلُ فِي شَيْءٍ إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَكَالْقَبُولِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً وَمُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ كَوَصِيَّةٍ، وَإِبَاحَةِ أَكْلٍ، وَقَضَاءٍ، وَإِمَارَةٍ وَكَتَعْلِيقِ تَصَرُّفٍ، وَاخْتَارَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ كَتَعْلِيقِ فَسْخِهَا (وَكُلِّ قَوْلٍ) ، وَالْأَصَحُّ (أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ) ، لِأَنَّ وُكَلَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَلِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الطَّعَامِ، وَكَذَا سَائِرُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَشَرِكَةٍ وَمُضَارِبَةٍ وَمُسَاقَاةٍ وَنَحْوِهَا (وَيَصِحُّ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ) بِلَا شُبْهَةٍ كَسَائِرِ الْعُقُودِ (وَالتَّرَاخِي بِأَنْ يُوَكِّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَيَبِيعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ يَبْلُغَهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ مُنْذُ شَهْرٍ فَيَقُولَ: قَبِلْتُ) ، لِأَنَّ قَبُولَ وُكَلَائِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ بِفِعْلِهِمْ وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوَكُّلِهِ إِيَّاهُمْ، وَلِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْإِذْنُ قَائِمٌ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، أَشْبَهَ الْإِبَاحَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْوَكِيلِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ "، وَلَوْ وَكَّلَ زَيْدًا، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، أَوْ لَمْ يَعْرِفُ مُوَكِّلَهُ لَمْ يَصِحَّ.

[الْوَكَالَةُ لَا تَجُوزُ إِلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ]

(وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ وَالتَّوَكُّلُ فِي شَيْءٍ إِلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِنَفْسِهِ فَنَائِبُهُ أَوْلَى، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَا سَيَمْلِكُهُ، أَوْ طَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا لَمْ يَصِحَّ، إِذِ الطَّلَاقُ لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ، ذَكَرَهُ الْأَزَجِّيُّ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: إِنْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ هَذِهِ، فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي طَلَاقِهَا، أَوْ إِنِ اشْتَرَيْتُ هَذَا الْعَبْدَ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي عِتْقِهِ، صَحَّ إِنْ قُلْنَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُمَا عَلَى مِلْكِهِمَا، وَإِلَّا فَلَا، وَكُلُّ مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ بِنَفْسِهِ، صَحَّ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ، وَأَنْ يَنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ لِانْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ فِي إِيجَابِ نِكَاحٍ إِلَّا عَلَى رِوَايَةٍ، وَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا، وَغَيْرِهَا، وَتَوْكِيلُ الْعَبْدِ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا

مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حَقٍّ آدَمِيٍّ مِنَ الْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ، وَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ وَتَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الصَّيْدِ، وَالْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ إِلَّا الظِّهَارَ، وَاللِّعَانَ،

[المبدع في شرح المقنع]

يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ بِجُعْلٍ، لِأَنَّهُ مِنِ اكْتِسَابِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ بِغَيْرِ جُعْلٍ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَصِحَّةُ وَكَالَةِ الْمُمَيِّزِ فِي طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَتَانِ لِنَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَ وَاجِدٌ لِلطَّوْلِ فِي قَبُولِ نِكَاحِ أَمَةٍ لِمُبَاحٍ لَهُ، وَغَنِيٌّ لِفَقِيرٍ فِي قَبُولِ زَكَاةٍ، لِأَنَّ سَلْبَهُمَا الْقُدْرَةَ تَنْزِيهًا، وَقَبُولِ نِكَاحِ أُخْتِهِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَبِيهِ الْأَجْنَبِيِّ.
قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
(وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حَقٍّ آدَمِيٍّ مِنَ الْعُقُودِ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ فِي الشِّرَاءِ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ كَالْإِجَارَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْإِبْرَاءِ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُحْسِنُ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى السُّوقِ، أَوْ يَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ فَأَبَاحَهَا الشَّارِعُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَتَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الْإِقْرَارِ.
وَقِيلَ: التَّوْكِيلُ فِيهِ إِقْرَارٌ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَفِي إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ، وَفِي الْمُطَالَبَةِ بِالْحُقُوقِ وَإِثْبَاتِهَا، وَالْمُحَاكَمَةِ فِيهَا حَاضِرًا كَانَ الْمُوَكِّلُ، أَوْ غَائِبًا صَحِيحًا، أَوْ مَرِيضًا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ (وَالْفُسُوخِ، وَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ) ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْإِنْشَاءِ، فَجَازَ فِي الْإِزَالَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَالرَّجْعَةِ) ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ (وَتَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ، وَنَحْوِهِ) كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَاسْتِيفَاءِ الْمَوَارِيثِ، لِأَنَّهَا تَمَلُّكُ مَالٍ بِسَبَبٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، فَجَازَ كَالِابْتِيَاعِ، وَالِاتِّهَابِ، وَقِيلَ: مَنْ وَكَّلَ فِي احْتِشَاشٍ وَاحْتِطَابٍ فَهَلْ يَمْلِكُ الْوَكِيلُ مَا أَخَذَهُ، أَوْ مُوَكِّلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (إِلَّا الظِّهَارَ) ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، فَلَمْ تَجُزِ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ كَالْإِيلَاءِ (وَاللِّعَانَ، وَالْأَيْمَانَ) ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ، فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ كَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالنَّذْرُ وَالْقَسَامَةُ كَذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجِ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَالشَّهَادَةُ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالشَّاهِدِ، وَالرَّضَاعُ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُرْضِعَةِ، وَالِالْتِقَاطُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَالْتَقَطَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الْآمِرِ، وَالِاغْتِنَامُ، لِأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِالْحُضُورِ، وَالْغَصْبُ، وَالْجِنَايَةُ، لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ

وَالْأَيْمَانَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحَ، وَمَنْ يُزَوِّجُ موَلِيَّتَهُ إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَمُوَلِّيَتِهِ.

وَيَصِحُّ فِي كُلِّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ فِي إِثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، وَيَجُوزُ الِاسْتِيفَاءُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

النِّكَاحَ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ لَا يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إِلَيْهِ، كَمَا تَزَوَّجَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ (وَمَنْ يُزَوِّجُ مولِيَّتَهُ) ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ (إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَمُوَلِّيَتِهِ) يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ تَوْكِيلَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَعَنِ الْفَاسِقِ، فَإِنَّ تَوْكِيلَهُ فِي الْإِيجَابِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ بِنَفْسِهِ، إِذْ لَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي الْقَبُولِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

[تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ]

(وَيَصِحُّ فِي كُلِّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ) كَتَفْرِقَةِ صَدَقَةٍ، وَزَكَاةٍ، وَنَذْرٍ، وَكَفَّارَةٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَفْعَلُهُ بِشَرْطِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ: أَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِي مِنْ مَالِكَ، فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، فَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهَا، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الصِّيَامُ الْمَنْذُورُ، فَإِنَّهُ يُفْعَلُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ بِتَوْكِيلٍ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ الصَّلَاةِ رَكَعَتَا الطَّوَافِ، فَإِنَّهَا تَبَعٌ لِلْحَجِّ وَمِنَ الطَّهَارَةِ صَبُّ الْمَاءِ وَإِيصَالُهُ إِلَى الْأَعْضَاءِ وَتَطْهِيرُ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ مِنَ النَّجَاسَةِ (وَالْحُدُودِ فِي إِثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي الْإِثْبَاتِ، وَالِاسْتِيفَاءِ جَمِيعًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ فِي إِثْبَاتِهَا، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبَهَاتِ، وَقَدْ أُمِرْنَا

إِلَّا الْقِصَاصَ وَحَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْبَتِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ،

[المبدع في شرح المقنع]

بِدَرْئِهَا، وَالتَّوْكِيلُ يُوصِلُ إِلَى الْإِيجَابِ، وَجَوَابُهُ الْخَبَرُ، وَبِأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا اسْتَنَابَ دَخَلَ فِيهَا الْحُدُودُ، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي التَّوْكِيلِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ فَالتَّخْصِيصُ بِدُخُولِهَا أَوْلَى، وَالْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي دَرْئِهَا بِالشُّبَهَاتِ.
(وَيَجُوزُ الِاسْتِيفَاءُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغِيبَتِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ جَازَ فِي غَيْبَتِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (إِلَّا الْقِصَاصَ وَحَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْبَتِهِ) ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ حَالَ غَيْبَتِهِ فَيَسْقُطَ، وَهَذِهِ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ، لِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، فَإِذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ احْتُمِلَ أَنْ يَرْحَمَهُ فَيَعْفُوَ، وَالْمَذْهَبُ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ فِي الْغَيْبَةِ مُطْلَقًا، أَمَّا الزِّنَا وَشِبْهُهُ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ حَتَّى يُدْرَأَ بِالشُّبْهَةِ، وَاحْتِمَالُ الْعَفْوِ فِي غَيْرِهِ بِعِيدٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ عَفَا لَأَعْلَمَ وَكِيلَهُ بِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَلَا يُؤَثِّرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قُضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَحْكُمُونَ فِي الْبِلَادِ وَيُقِيمُونَ الْحُدُودَ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ مَعَ احْتِمَالِ الْفَسْخِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، وَلَا تَضَمَّنَهُ إِذْنُهُ لِكَوْنِهِ يَتَوَلَّى مِثْلَهُ، وَلِأَنَّهُ اسْتِئْمَانٌ فِيمَا يُمْكِنُهُ النُّهُوضُ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَنْ لَا يَأْمَنُهُ عَلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فَمَلَكَهُ نَائِبُهُ كَالْمَالِكِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَالِكَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ كَيْفَ شَاءَ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَهَذَا مَعَ الْإِطْلَاقِ، فَلَوْ نَهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّ مَا نَهَاهُ عَنْهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي إِذْنِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُ، وَعَكْسُهُ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، أَوْ قَالَ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَكَانَ لَهُ فِعْلُهُ كَالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ (وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ، وَالْحَاكِمُ) أَيْ: حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْوَكِيلِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ.

وَالْحَاكِمُ وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ وَيَجُوزُ

[المبدع في شرح المقنع]

لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ ". وَنَقَلَ فِي " الْمُغْنِي " عَنِ الْقَاضِي فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَنِيبَ مُطْلَقًا، وَفِي الْوَكِيلِ رِوَايَتَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَكِيلَ يُمْكِنُهُ الِاسْتِئْذَانُ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي الْوَصِيِّ رِوَايَتَانِ كَالْوَكِيلِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِالْإِذْنِ، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ، وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَصِيَّةُ كَالْوَكِيلِ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَكَالَةُ، وَيَلْحَقُ بِهَذَا مُضَارِبٌ وَوَلِيٌّ فِي نِكَاحِ غَيْرِ مُجْبَرٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مِنَ الْوَلِيِّ أَبًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ، قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ ". مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَفِي " الْفُرُوعِ " إِذَا اسْتَنَابَ حَاكِمٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ أَرْجَحَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ الِاسْتِنَابَةُ إِذَا لَمْ يُمْنَعْ إِنْ كَانَ لَهُ الْحُكْمُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْلِيدِ غَيْرِ إِمَامِهِ، وَإِلَّا انْبَنَى هَلْ يَسْتَنِيبُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ كَتَوْكِيلِ مُسْلِمٍ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ، وَأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْتَنِيبِ، أَوِ الْأَوَّلُ.
(وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ: إِذَا كَانَ الْعَمَلُ مِمَّا يَرْتَفِعُ الْوَكِيلُ عَنْ مِثْلِهِ كَالْأَعْمَالِ الدَّنِيئَةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهِ عَادَةً، فَإِنَّ الْإِذْنَ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ (أَوْ) كَانَ يَعْمَلُهُ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ (يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ) ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيلِ فَجَازَ فِي جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ لَفْظًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّهُ يُوَكِّلُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ، لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ، فَاخْتُصَّ بِهَا بِخِلَافِ وُجُودِ إِذْنِهِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ، وَلَا يُوَكِّلُ إِلَّا أَمِينًا إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ سِوَاهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ قَطَعَ نَظَرَهُ بِتَعْيِينِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ وَكَّلَ أَمِينًا فَصَارَ خَائِنًا فَلَهُ عَزْلُهُ، لَأَنَّ تَمْكِينَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ مَعَ الْخِيَانَةِ تَفْرِيطٌ، وَوَكِّلْ عَنْكَ وَكِيلُ وَكِيلِهِ وَوَكِّلْ عَنِّي، أَوْ يُطْلِقُ وَكِيلُ مُوَكِّلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يُوصِي وَكِيلٌ مُطْلَقًا.

تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيْرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ وَكَّلَهُ بِإِذْنِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيْرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) ، لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَذِنَ صَارَ كَالْحُرِّ وَكَالتَّصَرُّفِ (وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) ، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ (فَإِنَّ وَكَّلَهُ بِإِذْنِهِ) ، وَقِيلَ: أَوْ لَا (فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَفِي " الْفُرُوعِ " رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، نَصَرَهَا فِي " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدِ غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ كَالْمَرْأَةِ لَمَّا جَازَ تَوْكِيلُهَا فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا جَازَ تَوْكِيلُهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ نَفْسِهِ وَلِهَذَا يُحْكَمُ لِلْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُقَدَّرُ جَعْلُ تَوْكِيلِ الْعَبْدِ كَتَوْكِيلِ سَيِّدِهِ، وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ فِي النِّكَاحِ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ، فَكَذَا هُنَا فَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ: اشْتَرَيْتُ نَفْسِي لِزَيْدٍ وَصَدَّقَاهُ، صَحَّ وَلَزِمَ زَيْدًا الثَّمَنُ، وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: مَا اشْتَرَيْتَ نَفْسَكَ إِلَّا لِنَفْسِكَ عَتَقَ لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَعْتَقُ بِهِ الْعَبْدُ وَيَلْزَمُ الْعَبْدَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعَقْدِ لَهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ وَكَذَّبَ زِيدٌ نَظَرْتَ فِي تَكْذِيبِهِ، فَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْوَكَالَةِ حَلَفَ وَبَرِئَ وَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعُ عَبْدِهِ لِتَعَذُّرِ ثَمَنِهِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ، وَقَالَ: مَا اشْتَرَيْتَ نَفْسَكَ لِي، قُبِلَ قَوْلُ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ وُكِّلَ الْعَبْدُ فِي إِعْتَاقِ عَبِيدِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي طَلَاقِ نِسَائِهِ لَمْ يَمْلِكْ إِعْتَاقَ نَفْسِهِ، وَلَا هِيَ طَلَاقَ نَفْسِهَا، لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَعُمُّهُ، فَلَوْ وَكَّلَ غَرِيمَهُ فِي إِبْرَاءِ نَفْسِهِ، صَحَّ كَتَوْكِيلِ الْعَبْدِ فِي إِعْتَاقِ نَفْسِهِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي إِبْرَاءِ غُرَمَائِهِ لَمْ يَمْلِكْ إِبْرَاءَ نَفْسِهِ فِي الْمَشْهُورِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي حَبْسِ غُرَمَائِهِ، أَوْ خُصُومَتِهِمْ.

سَيِّدِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَالْجُنُونِ، وَالْحَجْرِ لِلسَّفِيهِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ كَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[الْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ]

(وَالْوِكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ) ، لِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ إِذْنٌ وَمِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ بَدَلُ نَفْعٍ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا) أَيْ: مَتَى شَاءَ، لِأَنَّهَا إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَمَلَكَهُ كَالْإِذْنِ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ، وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا عَزَلْتُكُ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ، انْعَزَلَ بِكُلَّمَا وَكَّلْتُكَ فَقَدْ عَزَلْتُكَ وَهِيَ الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهِيَ عَلَى أَصْلِنَا صَحِيحَةٌ فِي صِحَّةِ " التَّعْلِيقِ " وَصُوَرَتُهَا أَنْ تَقُولَ كُلَّمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي، وَطَرِيقُهُ فِي الْعَزْلِ أَنْ يَقُولَ: كُلَّمَا عُدْتَ وَكِيلِي فَقَدْ عَزَلْتُكَ وَهِيَ فَسْخٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ لَازِمَةً وَذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْمُعَلِّقِ إِيقَاعَ الْفَسْخِ، وَإِنَّمَا الِامْتِنَاعُ مِنَ التَّوْكِيلِ وَحَلُّهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَالْعُقُودُ لَا تُفْسَخُ قَبْلَ انْعِقَادِهَا (وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَالْجُنُونِ) الْمُطْبِقِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " (وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ) ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَعْتَمِدُ الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ وَعَدَمَ الْحَجْرِ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ انْتَفَتْ صِحَّتُهَا لِانْتِفَاءِ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَجْرَ لِفَلَسٍ لَا يُبْطِلُهَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، لَكِنْ إِنْ حُجِرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ بَطَلَتْ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهَا، فَلَا وَتَبْطُلُ أَيْضًا فِي طَلَاقِ الزَّوْجَةِ بِوَطْئِهَا، وَفِي عِتْقِ الْعَبْدِ بِكِتَابَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَكَذَلِكَ كَلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ كَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ) ، لِأَنَّ الْكُلَّ مُشْتَرِكٌ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهُ حُكْمًا.
(وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَإِنْ فَسَقَ بِهِ بَطَلَتْ فِيمَا يُنَافِيهِ كَالْإِيجَابِ فِي النِّكَاحِ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي الْقَبُولِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، وَلَا بِفِسْقِهِ فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ لِنَفْسِهِ فَجَازَ لِغَيْرِهِ كَالْعَدْلِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ وَكِيلًا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ كَوَكِيلِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَوَلِيِّ الْوَقْفِ

وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ وَالْإِغْمَاءِ، وَالتَّعَدِّي، وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

انْعَزَلَ بِفِسْقِهِ وَفِسْقِ مُوَكِّلِهِ (وَالْإِغْمَاءِ) ، لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ، وَكَذَا النَّوْمُ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَ (التَّعَدِّي) أَيْ: تَعَدِّي الْوَكِيلِ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتِ الْأَمَانَةَ وَالْإِذْنَ، فَإِذَا زَالَتِ الْأُولَى بِالتَّعَدِّي بَقِيَ الْإِذْنُ بِحَالِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ، لِأَنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ فَبَطَلَتْ بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ مُجَرَّدُ أَمَانَةٍ فَنَافَاهَا التَّعَدِّي بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهَا إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ وَتَضَمَّنَتِ الْأَمَانَةَ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَصِيرُ ضَامِنًا، فَإِذَا تَصَرَّفَ كَمَا قَالَ مُوَكِّلُهُ، صَحَّ وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ، وَيَصِيرُ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، فَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا وَظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُزِيلَ لِلضَّمَانِ زَالَ فَعَادَ مَا زَالَ بِهِ (وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ، فَكَذَا لَا تَمْنَعُ اسْتَدَامَتَهَا كَسَائِرِ الْكُفْرِ وَسَوَاءٌ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَا، وَالثَّانِي: تَبْطُلُ بِهَا إِذَا قُلْنَا يَزُولُ مِلْكُهُ وَيَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ، وَالْوَكَالَةُ تَصَرُّفٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِنْ كَانَتْ مِنَ الْوَكِيلِ لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّ رِدَّتَهُ لَا تُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفِهِ، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ " إِنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي مَالِهِ فَيَنْبَنِي عَلَى صِحَّةٍ تَصَرُّفِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْقُوفٌ فَهِيَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ بَطَلَتْ، فَإِنْ كَانَتْ حَالَ رَدَّتِهِ فَالْأَوْجُهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا وَكَّلَ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ لَمْ تَبْطُلْ قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَصَحَّحَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ زَوَالَ مِلْكِهِ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ، فَلَا يَمْنَعُ اسْتَدَامَتَهَا وَكَإِبَاقِهِ، وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّ تَوْكِيلَ عَبْدِهِ لَيْسَ بِتَوْكِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْدَامٌ بِحَقِّ الْمِلْكِ فَيَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا بَاعَهُ، أَوْ وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَاعَهُ سَيِّدُهُ، فَلَوِ اشْتَرَاهُ الْمُوَكِّلُ مِنْهُ لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّ مِلْكَهُ إِيَّاهُ لَا يُنَافِي إِذْنَهُ لَهُ فِي الْبَيْعِ

وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

وَإِذَا وَكَّلَ اثْنَيْنِ، لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالشِّرَاءِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْعِتْقُ غَيْرُ مُنَافٍ، وَفِي جَحْدِهَا مِنْ أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: عَمْدًا - وَجْهَانِ، وَالْأَشْهَرُ فِيهِنَّ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.
تَنْبِيهٌ: تَبْطُلُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُوَكَّلِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، لِأَنَّ مَحَلَّهَا قَدْ ذَهَبَ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ مُطْلَقًا وَنَفَدَ مَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ بَطَلَتْ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهِ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَهُ الْوَكِيلُ فَهُوَ كَتَلَفِهِ، وَلَوْ عُزِلَ عَوَّضَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ.
(وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) لَا خِلَافَ أَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا عَلِمَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ عَزْلِهِ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ - وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ - أَنَّ تَصَرُّفَهُ غَيْرُ نَافِذٍ، لِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَصَحَّ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالطَّلَاقِ، وَالثَّانِيَةُ: وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ قَبْلَ الْعِلْمِ كَالْأَحْكَامِ الْمُبْتَدَأَةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: 275] وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا تَضْمِينُهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، وَذَكَرَ وَجْهًا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ لَا بِالْعَزْلِ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ، وَالْمُؤَلِّفَ وَجَمَاعَةً يَجْعَلُونَ الْخِلَافَ فِي نَفْسِ انْفِسَاخِ الْوَكَالَةِ قَبْلَ الْعِلْمِ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَ " الشَّرْحِ "، وَكَلَامِ الْمَجْدِ يَجْعَلُونَهُ فِي نُفُوذِ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ أَوْفَقُ لِمَنْصُوصِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي " الْمُغْنِي " وَلِهَذَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ لَفْظِيٌّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ، أَوْ تَصَرَّفَ فَادَّعَى أَنَّهُ عَزَلَهُ قَبْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ، فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِبَلَدٍ آخَرَ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ قَبْلَ الْعِلْمِ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ، وَلَوْ حَكَمَ قَبْلَ هَذَا الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ حَاكِمٌ لَا يَرَى

يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَا يَجُوزَ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ

[المبدع في شرح المقنع]

عَزْلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ نُفِّذَ، وَالْحُكْمُ النَّاقِضُ لَهُ مَرْدُودٌ، وَإِلَّا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَالْحَاكِمُ الثَّانِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْعَزْلَ قَبْلَ الْعِلْمِ، أَوْ عَلِمَ، وَلَمْ يَرَهُ، أَوْ رَآهُ، وَلَمْ يَرَ نَقْضَ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فَحُكْمُهُ كَعَدَمِهِ.
فَرْعٌ: لَا يَنْعَزِلُ مُودَعٌ قَبْلَ عِلْمِهِ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فَمَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ.
وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ.

[حُكْمُ تَوْكِيلِ اثْنَيْنِ]

(وَإِذَا وَكَّلَ اثْنَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ تَصَرُّفَ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا بِدَلِيلِ إِضَافَةِ الْغَيْرِ إِلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ) أَيِ: الِانْفِرَادَ بِالتَّصَرُّفِ (إِلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، فَلَوْ وَكَّلَهُمَا فِي حِفْظِ مَالِهِ حَفِظَاهُ مَعًا فِي حِرْزٍ لَهُمَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: افْعَلَا كَذَا يَقْتَضِي اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى فِعْلِهِ بِخِلَافِ بِعْتُكُمَا حَيْثُ كَانَ مُنْقَسِمًا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ لَهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ فَلَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ، وَلَا لِلْحَاكِمِ ضَمُّ أَمِينٍ لِيَتَصَرَّفَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ، فَإِنَّ لِلْحَاكِمِ ضَمَّ أَمِينٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ رَشِيدٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ لَا وِلَايَةَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ لَهُ نَظَرًا فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْيَتِيمِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوصِ إِلَى أَحَدٍ أَقَامَ الْحَاكِمُ أَمِينًا فِي النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا فَادَّعَى الْحَاضِرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِثُبُوتِهَا لَهُمَا، فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ تَصَرَّفَا مَعًا، لَا يُقَالُ: هُوَ حُكْمٌ لِلْغَائِبِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الْحَاضِرِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْوَقْفِ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَالِ، فَلَوْ جَحَدَهَا الْغَائِبُ، أَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِهِ فَحُمِلَتِ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ وَكَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ وَيَتَنَافَى الْغَرَضَانِ فِي بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ، وَكَذَا شِرَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ، لَكِنْ لَوْ أَذِنَ لَهُ جَازَ وَيَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا إِذَا انْتَفَتِ التُّهْمَةُ كَأَبِ الصَّغِيرِ، وَكَذَا تَوْكِيلُهُ فِي بَيْعِهِ وَآخَرَ فِي شِرَائِهِ.
وَمِثْلُهُ نِكَاحٌ وَدَعْوَى فَيَدَّعِي أَحَدُهُمَا وَيُجِيبُ عَنِ الْآخَرِ وَيُقِيمُ حُجَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَالَ الْأَزَجِّيُّ فِي الدَّعْوَى: الَّذِي يَقَعُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ لِلتَّضَادِّ.

أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ، أَوْ وَالِدِهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

(وَعَنْهُ: يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ) ، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَحْصُلُ غَرَضُ الْمُوَكِّلِ مِنَ الثَّمَنِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الْجَوَازَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، الثَّانِي: أَنْ يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غَيْرُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي وَاجِبًا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَعَنْهُ: يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ إِذَا زَادَ ثَمَنَهُ فِي النِّدَاءِ، وَقِيلَ: أَوْ وَكَّلَ بَائِعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَقِيلَ: هُمَا، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ احْتِمَالًا: لَا يُعْتَبَرَانِ، لِأَنَّ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ تَحْمِلُهُ عَلَى الْحَقِّ وَرُبَّمَا زَادَ، لَا يُقَالُ: كَيْفَ يُوَكِّلُ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، وَالنِّدَاءُ مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ أَكْثَرُ الْوُكَلَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَا وُكِّلَ فِيهِ لِمَنْ يُنَادِي عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ، فَالْعَقْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَاقِدٍ.
وَمِثْلُهُ يَتَوَلَّاهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ غَيْرَهُ وَيُمْكِنَ التَّخَلُّصُ مِنْ وُرُودِ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنْ يُجْعَلَ بَدَلَ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ التَّوْكِيلُ فِي الشِّرَاءِ.
(وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ) الْكَبِيرِ (أَوْ وَالِدِهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمْ وَيَمِيلُ إِلَى تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الثَّمَنِ كَتُهْمَتِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُهُ، وَقَدِ امْتَثَلَ أَمْرَ الْمُوَكِّلِ وَوَافَقَ الْعُرْفَ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأُخُوَّةِ وَالْأَقَارِبِ كَذَلِكَ.
فَرْعٌ: الْحَاكِمُ، وَأَمِينُهُ، وَنَاظِرُ الْوَقْفِ، وَالْمُضَارِبُ كَالْوَكِيلِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ بَاعَ

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بغَيِّرَ نَقْدَ الْبَلَدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ كَالْمُضَارِبِ، وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ وَيَضْمَنُ النَّقْصَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا

[المبدع في شرح المقنع]

بِنَفْسِهِ وَأَطْلَقَ انْصَرَفَ إِلَى الْحُلُولِ وَنَقْدِ الْبَلَدِ، فَكَذَا وَكَيْلُهُ، فَلَوْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِنَفْعٍ وَغَرَضٍ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ لَمْ يَقْتَضِهِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " الْمُوجَزِ " وَكَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ بَلَحٍ فِي الصَّيْفِ وَفَحْمٍ فِي الشِّتَاءِ فَخَالَفَ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَمَحَلُّهُ فِي الْفَحْمِ فِي غَيْرِ تِجَارَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ بَاعَ بِأَغْلَبِهِمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا خُيِّرَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ: بِعْ كَيْفَ شِئْتَ (كَالْمُضَارِبِ) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحُ، وَهُوَ فِي النَّسَاءِ أَكْثَرُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ الثمن لدفع حَاجَتِهِ فَتَفُوتُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ، فَيَعُودُ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وَاسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَيَعُودُ ضَرَرُ الطَّلَبِ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ مَعَ الْإِطْلَاقِ، فَلَوْ عَيَّنَ لَهُ شَيْئًا تَعَيَّنَ، وَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِإِذْنِهِ.
فَائِدَةٌ: إِذَا ادَّعَيَا الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهُمَا، وَقِيلَ: قَوْلُ الْمَالِكِ.
(وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، صَحَّ بِدُونِهِ كَالْمَرِيضِ (وَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ (النَّقْصَ) ، لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ حَظِّ الْمُشْتَرِي بِعَدَمِ الْفَسْخِ، وَحَظِّ الْبَائِعِ بِوُجُوبِ التَّضْمِينِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ، فَلَا يُعْتَبَرُ حَظُّهُ، لِأَنَّهُ مُفْرِّطٌ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: مَا بَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمَا بَاعَهُ، وَالثَّانِي: مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، وَمَا لَا يَتَغَابَنُونَ، لِأَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ عَادَةً كَدِرْهَمٍ فِي عَشَرَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَلَوْ حَضَرَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ بِهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ طَلَبَ الْحَظِّ لِمُوَكِّلِهِ، فَلَوْ بَاعَ بِهِ ثُمَّ حَضَرَ مَنْ يَزِيدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَلْزَمْهُ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ "

يَصِحَّ، وَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، صَحَّ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، صَحَّ فِي أَحَدِ

[المبدع في شرح المقنع]

أَنَّهَا أَقْيَسُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " هِيَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ بيع غير مَأْذُونٌ فِيهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَلِفَ فَضَمِنَ الْوَكِيلُ رَجَعَ عَلَى مُشْتَرٍ كَتَلَفِهِ عِنْدَهُ، وَعَلَى الصِّحَّةِ لَا يَضْمَنُ عَبْدٌ لِسَيِّدِهِ، وَلَا صَبِيٌّ لِنَفْسِهِ (وَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ بَاعَ الْمَأْذُونَ، وَزَادَهُ خَيْرًا زِيَادَةَ مَنْفَعَةٍ، وَلَا يَضُرُّهُ، وَالْعُرْفُ يَقْتَضِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَاهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ (سَوَاءٌ أَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ) كَمَنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِهَا وَبِعَشَرَةٍ أُخْرَى (أَوْ لَمْ تَكُنْ) كَدِينَارٍ وَثَوْبٍ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ جِنْسُ الْأَثْمَانِ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَتَزْكِيَةُ بَيِّنَةِ خَصْمِهِ وَمُخَاصَمَةٌ فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَانَ مُسْتَحَقًّا فِي وَجْهٍ، وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فَلِمُوَكِّلِهِ وَلِنَفْسِهِ لَهُمَا، وَلَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَيُخْتَصُّ بِخِيَارِ مَجْلِسٍ وَيُخْتَصُّ بِهِ مُوَكِّلُهُ إِنْ حَضَرَهُ.
فَائِدَةٌ: الْوَصِيُّ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ كَالْوَكِيلِ فِيمَا إِذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوِ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَتَضْمِينُهُ مَعَ اجْتِهَادِهِ وَعَدَمِ تَفْرِيطِهِ - مُشْكِلٌ، فَإِنَّ قَوَاعِدَ الْمَذْهَبِ تَشْهَدُ لَهُ بِرِوَايَتَيْ فِيمَا إِذَا رَمَى إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ يَظُنُّهُ كافرا فبان مُسْلِمًا، فَفِي ضَمَانِ دَيْنِهِ رِوَايَتَانِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِينَارٍ، وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ فِي الْجِنْسِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بِثَوْبٍ يُسَاوِي دِينَارًا، أَوْ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِمِائَةِ ثَوْبٍ قِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ "، وَلَوْ بَاعَهُ بِدِرْهَمٍ وَعَرَضٍ فَالْأَصَحُّ لَا تَبْطُلُ فِي زَائِدٍ بِحِصَّتِهِ، وَإِنِ اخْتَلَطَ الدِّرْهَمُ بِآخَرَ لَهُ، عَمِلَ بِظَنِّهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ حُكْمًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً، صَحَّ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ زَادَهُ

الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً، صَحَّ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ، لَمْ يَصِحَّ وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ مُؤَجَّلًا، أَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ تُسَاوِي إِحْدَاهُمَا

[المبدع في شرح المقنع]

خَيْرًا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا بَاعَ حَالًّا بِدُونِ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً، أَوْ بِدُونِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ لَمْ يُنَفَّذْ تَصَرُّفُهُ، لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ، وَشَرَطَ الْمُؤَلِّفُ (إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَضَرَّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ حُكْمَ الْإِذْنِ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِتَضَمُّنِهِ الْمَصْلَحَةَ ، فَإِذَا كَانَ يَتَضَرَّرُ بِهِ عُلِمَ انْتِفَاؤُهَا فَتَنْتَفِي الصِّحَّةُ وَحُكْمُ خَوْفِ التَّلَفِ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِ كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الْمَعْنَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ قَوْلٌ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَنْهَهُ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِلْمُخَالَفَةِ.
1 - (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ) لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ تصرف غير مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَهَذَا يُشْكِلُ بِمَا سَبَقَ، وَالْمَذْهَبُ فِيهِ، كَمَا قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ هُوَ وَمُضَارِبٌ (أَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ، لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَى بَعْضَهُ وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا بَاعَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَلَوْ بَاعَهُ بِثَمَنِ جَمِيعِهِ، صَحَّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَعَلَى الْأَوَّلِ: مَا لَمْ يَبِعِ الْبَاقِيَ، أَوْ يَكُنْ عَبِيدًا، أَوْ صُبْرَةً وَنَحْوَهَا، فَيَصِحُّ مُفَرَّقًا مَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِبَيْعِهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً.
(وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ مُؤَجَّلًا) ، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ لِلْمُخَالَفَةِ (أَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ تُسَاوِي إِحْدَاهُمَا دِينَارًا، أَوِ اشْتَرَى لَهُ شَاةً تُسَاوِي دِينَارًا بِأَقَلَّ مِنْهُ، صَحَّ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ

دِينَارًا، أَوِ اشْتَرَى لَهُ شَاةً تُسَاوِي دِينَارًا بِأَقَلَّ مِنْهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ مَعِيبٍ، فَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا فَلَهُ الرَّدُّ فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: مُوَكِّلُكَ قَدْ رَضِيَ

[المبدع في شرح المقنع]

سُفْيَانَ عَنْ شَبِيبٍ هُوَ ابْنُ غَرْقَدَةَ سَمِعَ الْحَيَّ يُخْبِرُونَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً، وَقَالَ مَرَّةً: أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ اثْنَتَيْنِ فَبَاعَ وَاحِدَةً بِدِينَارٍ وَأَتَاهُ بِالْأُخْرَى فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «هَذَا دِينَارُكُمْ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ قَالَ: كَيْفَ صَنَعْتَ؟ فَذَكَرَهُ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ مُتَّصِلٍ لِعُرْوَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا سُفْيَانُ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ الْمَأْذُونُ فِيهِ وَزِيَادَةٌ، وَفِي الْأَخِيرَةِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَزِيَادَةٌ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِدِينَارٍ يَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى شَاتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تُسَاوِي دِينَارًا، وَفِيهِ رِوَايَةٌ فِي " الْمُبْهِجِ " كَفُضُولِيٍّ، وَإِنْ أَبْقَى مَا يُسَاوِيهِ فَفِي بَيْعِ الْآخَرِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الشَّاتَيْنِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: الْجَوَازُ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَإِلَّا فَلَا) يَصِحُّ إِذَا كَانَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا تُسَاوِي أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمَقْصُودُ، فَلَمْ يَقَعِ الْبَيْعُ لَهُ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا، وَلَا عُرْفًا، وَكَذَا الشَّاةُ الْمُوَكَّلُ فِي شِرَائِهَا بِدِينَارٍ تُسَاوِي أَقَلَّ مِنْهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " إِنْ سَاوَى كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفَ دِينَارٍ، صَحَّ لِلْمُوَكِّلِ لَا لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدَةٍ لَا تُسَاوِي نِصْفَ دِينَارٍ فَرِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ لِخَبَرِ عُرْوَةَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ بِمِائَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِدُونِهَا جَازَ مَا لَمْ يَنْهَهُ عَنِ الشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِنْهَا لِمُخَالَفَةِ قَوْلِهِ وَنَصِّهِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِهِ بِهَا، وَلَا تَشْتَرِهِ بِخَمْسِينَ جَازَ لَهُ شِرَاؤُهُ بِمَا فَوْقَ الْخَمْسِينَ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا دُونَ الْخَمْسِينَ جَازَ فِي وَجْهٍ وَمَنْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَلَهُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَغَيْرِهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ مَعِيبٍ) أَيْ: لَا يَجُوزُ لَهُ، لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، وَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لَهُ مُوَكِّلُهُ، فَإِنْ فَعَلَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ لَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَرْضَهُ مُوَكِّلُهُ، وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَكَذَا لَا يَرُدُّهُ الْمُوَكِّلُ وَحَكَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ قَوْلًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ

بِالْعَيْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّهُ فَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْبَائِعَ فِي الرِّضَا بِالْعَيْبِ فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ

[المبدع في شرح المقنع]

بِعَيْنِ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ (فَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا) أَيْ: جَهِلَ عَيْبَهُ (فَلَهُ الرَّدُّ) ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ وَلَهُ أَيْضًا الرَّدُّ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، فَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ رَدِّ الْوَكِيلِ وَرَضِيَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ رَدُّهُ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ، لِأَنَّ لَهُ حَقًّا، فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَا غَيْرِهِ، فَإِنْ طَلَبَ الْبَائِعُ الْإِمْهَالَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ فَوَاتَ الرَّدِّ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلٍ، فَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ فَلَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لَهُ لَزِمَ الْوَكِيلَ، وَقِيلَ: الْمُوَكِّلَ وَلَهُ أَرْشُهُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ: إِنْ جَهِلَ عَيْبَهُ، وَقَدِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ فَهَلْ يَقَعُ عَنِ الْمُوَكِّلِ؟ فِيهِ خِلَافٌ (فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: مُوَكِّلُكَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ) ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرِّضَا، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا لَمْ يَسْتَحْلِفِ الْوَكِيلَ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَهُ فَيَحْلِفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ: لَا يَعْلَمُ رِضَا مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ رِضَاهُ، وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلرِّدَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عَلَى النَّفْيِ، لِأَنَّهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ حَقَّهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: يَقِفُ عَلَى حَلِفِ مُوَكِّلِهِ إِنْ طَلَبَهُ الْخَصْمُ، وَكَذَا قَوْلُ كُلِّ غَرِيمٍ لِوَكِيلٍ غَائِبٍ فِي قَبْضِ حَقِّهِ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ، أَوْ قَبَضَهُ وَيَحْكُمُ بِبَيِّنَةٍ إِنْ حَكَمَ عَلَى غَائِبٍ (فَإِنْ رَدَّهُ فَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْبَائِعَ فِي الرِّضَا بِالْعَيْبِ فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَشْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ الرَّدُّ، وَهُوَ بَاقٍ لِلْمُوَكِّلِ، لِأَنَّ رِضَا الْمُوَكِّلِ بِالْعَيْبِ عَزْلٌ لِلْوَكِيلِ عَنِ الرَّدِّ وَمَنْعٌ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ، فَعَلَى هَذَا لِلْمُوَكِّلِ اسْتِرْجَاعُهُ وَلِلْبَائِعِ رَدُّهُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِعَزْلِهِ فَيَكُونُ الرَّدُّ صَادَفَ وِلَايَةً، فَعَلَى هَذَا يُجَدِّدُ الْمُوَكِّلُ الْعَقْدَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَوْصُوفٍ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ: لَا، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَهُ بِالتَّعْيِينِ فَرُبَّمَا رَضِيَهُ

مُعَيَّنٍ فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِعَيْنِ هَذَا الثَّمَنِ فَاشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ.
فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِكَ، وَانْقد الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ، صَحَّ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فِي سُوقٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِهِ فِي آخَرَ صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ حُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ عَلِمَ عَيْبَهُ قَبْلَ شِرَائِهِ فَهَلْ لَهُ شِرَاؤُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى رَدِّهِ إِذَا عَلِمَ عَيْبَهُ بَعْدَ شِرَائِهِ، وَالْمُقَدَّمُ لَهُ شِرَاؤُهُ (فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِعَيْنِ هَذَا الثَّمَنِ فَاشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ) ، لِأَنَّ الثَّمَنَ إِذَا تَعَيَّنَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مَغْصُوبًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا غَرَضٌ صَحِيحٌ لِلْمُوَكِّلِ، فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ نَقَدَ الْمُعَيَّنَ وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ؟ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ (فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِكَ، وَانْقَدَ الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ، صَحَّ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ) ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي عَقْدٍ يَلْزَمُهُ بِهِ الثَّمَنُ مَعَ بَقَاءِ الدَّرَاهِمِ وَتَلَفِهَا، فَكَانَ إِذْنًا فِي عَقْدٍ لَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إِلَّا مَعَ بَقَائِهَا، وَقِيلَ: إِنْ رَضِيَ بِهِ، وَإِلَّا بَطَلَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ لِشُبْهَةٍ فِيهَا، أَوْ يَخْتَارُ وُقُوعَ عَقْدٍ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِتَحْرِيمِهَا، فَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَةُ غَرَضِهِ لِصِحَّتِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ جَازَ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَقْدُ مَعَ فَقِيرٍ، وَقَاطِعِ طَرِيقٍ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ.
نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ (وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فِي سُوقٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِهِ فِي آخَرَ، صَحَّ) ، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْبَيْعُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ، وَقَدْ حَصَلَ كَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ تَعَيَّنَ، كَمَا لَوْ كَانَ السُّوقُ مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ النَّقْدِ، أَوْ كَثْرَةِ الثَّمَنِ، أَوْ حِلِّهِ، أَوْ صَلَاحِ أَهْلِهِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ نَفْعَهُ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِقَرِينَةٍ، أَوْ صَرِيحٍ أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.
قَاعِدَةٌ: حُقُوقُ الْعَقْدِ وَهِيَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ، وَقَبْضُ الْمَبِيعِ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَضَمَانُ الدَّرَكِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ، لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقُ قَرِيبُ وَكِيلٍ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَبِلَ عَقْدًا لِغَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمِلْكُ إِلَيْهِ كَالْأَبِ، وَالْوَصِيِّ وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ لَهُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا لَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ

يَصِحَّ وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ قَبْضَ ثَمَنِهِ، إِلَّا بِقَرِينَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ.

وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ، أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ

[المبدع في شرح المقنع]

فَاشْتَرَاهُ لَهُ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَوَّلِ، لَا الثَّانِي، وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلِلْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَعِنْدَهُ لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنِ اشْتَرَى وَكِيلٌ فِي شِرَاءٍ فِي الذِّمَّةِ فَكَضَامِنٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِيمَنْ وَكَّلَ فِي بَيْعٍ، أَوِ اسْتِئْجَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُوَكِّلُهُ فِي الْعَقْدِ فَضَامِنٌ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ يَضْمَنُهُ، وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا يَسْتَسْلِفُ لَهُ أَلْفًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، فَفَعَلَ مَلَكَ الْمُوَكِّلُ ثَمَنَهَا، وَالْوَكِيلُ ضَامِنٌ.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ) ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ لِكَوْنِهِ مِنْ تَمَامِهِ (وَلَمْ يَمْلِكْ قَبْضَ ثَمَنِهِ) كَذَا أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُوَكِّلُ فِي الْبَيْعِ مَنْ لَا يَأْمَنُهُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ يُقَيَّدُ (إِلَّا بِقَرِينَةٍ) ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ قرينة الْحَالُ تَدُلُّ عَلَى الْقَبْضِ مِثْلَ تَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فِي سُوقٍ غَائِبٍ عَنِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ بِمَوْضِعٍ يَضِيعُ الثَّمَنُ بِتَرْكِ قَبْضِ الْوَكِيلِ لَهُ كَانَ إِذْنًا فِي قَبْضِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُفْرِطًا، وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُهُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِ الْبَيْعِ فَمَلَكَهُ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَلَا يُسَلِّمُهُ قَبْلَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ) كَظُهُورِ مَبِيعِهِ مُسْتَحَقًّا، أَوْ مَعِيبًا كَحَاكِمٍ وَأَمِينِهِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُهُ.
تَنْبِيهٌ: إن وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ، لِأَنَّهُ مَنْ تَتِمَّتِهِ وَحُقُوقِهِ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَإِنِ اشْتَرَى عَبْدًا، فَنَقَدَ ثَمَنَهُ، فَخَرَجَ مُسْتَحِقًّا، فَهَلْ يَمْلِكُ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ فِي الثَّمَنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَأَخَّرَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ فِي بَيْعٍ تَقْلِيبُهُ عَلَى مُشْتَرٍ إِلَّا بِحَضْرَتِهِ، وَإِلَّا

لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ كُلِّهِ صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ، أَوْ عَبْدًا بِمَا شِئْتَ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ، وَقَدْرَ الثَّمَنِ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ.

[المبدع في شرح المقنع]

ضَمِنَ، ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ " وَيَتَوَجَّهُ الْعُرْفُ، وَلَا بَيْعُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فِي الْأَصَحِّ فَيَضْمَنُ وَيَصِحُّ.
وَمَعَ مُؤْنَةِ نَقْلٍ لَا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".

[التَّوْكِيلُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ]

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ) أَيْ: لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُهُ فَوَكِيلُهُ كَذَلِكَ وَأَوْلَى، وَكَشَرْطِهِ عَلَى وَكِيلٍ فِي بَيْعٍ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ الْمَبِيعَ (أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لَمْ يَصِحَّ) ، ذَكَرَهُ الْأَزَجِّيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ هِبَةِ مَالِهِ وَطَلَاقِ نِسَائِهِ وَإِعْتَاقِ رَقِيقِهِ فَيَعْظُمُ الْغَرَرُ، وَالضَّرَرُ، وَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ.
وَمِثْلُهُ وَكَّلْتُكَ فِي شِرَاءِ مَا شِئْتَ مِنَ الْمَتَاعِ الْفُلَانِيِّ فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِمَا إِلَيَّ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فَاحْتِمَالَانِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ كَبَيْعِ مَالِهِ، أَوِ الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ، أَوِ الْإِبْرَاءِ، أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَرُّوذِيِّ بَعَثَ بِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي حَاجَةٍ، وَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ تَقُولُ عَلَى لِسَانِي، فَأَنَا قُلْتُهُ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ كُلِّهِ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَالَهُ فَيَقِلُّ الْغَرَرُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ فِي: بِعْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْتَ أَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَلَا يَبِيعُهُمْ إِلَّا وَاحِدًا، وَلَا الْكُلَّ لِاسْتِعْمَالِ هَذَا فِي الْأَقَلِّ غَالِبًا، وَقَالَ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ، أَوْ عَبْدًا بِمَا شِئْتَ لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّ مَا يُمْكِنُ شِرَاؤُهُ، وَالشِّرَاءُ بِهِ يَكْثُرُ فَيَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ (حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ) ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ نَوْعًا، فَقَدْ أَذِنَ فِي أَغْلَاهُ ثَمَنًا، فَيَقِلُّ الْغَرَرُ فِيهِ (وَقَدْرَ الثَّمَنِ) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ فَمَنِ اعْتَبَرَهُ جَوَّزَ أَنْ يَذْكُرَ أَكْثَرَ الثَّمَنِ وَأَقَلَّهُ، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " وَصَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلصِّحَّةِ مِنِ اعْتِبَارِ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ) ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ قَالَ: مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا - أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَأَعْجَبَهُ، وَهَذَا تَوْكِيلٌ فِي شِرَاءِ كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ كَالْإِذْنِ فِي

وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ مِنْ إِنْسَانٍ لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

التِّجَارَةِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ مِنْ مَالِي مَا شِئْتَ، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي شِرَاءَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ لِجَعْلِهِ الْكُفْرَ عَيْبًا.

[إِذَا وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ]

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ) ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ نُطْقًا، وَلَا عُرْفًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى لِلْخُصُومَةِ مَنْ لَا يَرْضَاهُ لِلْقَبْضِ، إِذْ مَعْنَى الْوَكَالَةِ فِي الْخُصُومَةِ الْوَكَالَةُ فِي إِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ وَكِيلٌ فِي الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَلَا تَنْقَطِعُ إِلَّا بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ جَوَازُ التَّوْكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ غَيْرِهِ فِي إِثْبَاتِ حَقٍّ، أَوْ نَفْيِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " فِي الصُّلْحِ نَحْوُهُ، وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ عَلِمَ ظُلْمَ مُوَكِّلِهِ فِي الْخُصُومَةِ.
قَالَهُ فِي " الْفُنُونِ " فَظَاهِرُهُ يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، فَلَوْ ظَنَّ ظُلْمَهُ جَازَ وَيَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ وَمَعَ الشَّكِّ احْتِمَالَانِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضٍ، وَلَا غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِعَيْبٍ فِيمَا بَاعَهُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ: لَا، وَلَهُ إِثْبَاتُ وَكَالَتِهِ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ قَالَ: أَجِبْ خَصْمِي عَنِّي احْتَمَلَ الْخُصُومَةَ وَاحْتَمَلَ بُطْلَانَهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى الْقَبْضِ إِلَّا بِالتَّثَبُّتِ فَكَانَ إِذْنًا فِيهِ عُرْفًا، لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ فَمَلَكَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُهَا، لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ فَالْوَكِيلُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْآخَرِ وَكَعَكْسِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ عَالِمًا بِجَحْدِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، أَوْ مَطْلِهِ كَانَ تَوْكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ لِوُقُوفِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْجَوَازِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَقِّ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ مِنْ إِنْسَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ

يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ، وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّيَ الَّذِي قَبِلَهُ فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَارِثِهِ، وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْهُ الْيَوْمَ لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ غَدًا، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْإِيدَاعِ فَأَوْدَعَ، وَلَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ فَقَضَاهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَأَنْكَرَهُ الْغَرِيمُ ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.

[المبدع في شرح المقنع]

بِذَلِكَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ لَهُ قَبْضَهُ مِنْ وَكِيلِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: فَالْوَارِثُ نَائِبٌ عَنِ الْمَوْرُوثِ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا دَفَعَ بِإِذْنِهِ جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِهِ، وَلَيْسَ الْوَارِثُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ وَاسْتُحِقَّتِ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِمْ لَا بِطْرِيقَ النِّيَابَةِ عَنِ الْمَوْرُوثِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا حَنِثَ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ دُونَ مُوَرِّثِهِ (وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّي الَّذِي قَبِلَهُ) ، أَوْ عَلَيْهِ (فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَارِثِهِ) ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ قَبْضَ حَقِّهِ مُطْلَقًا فَشَمَلَ الْقَبْضَ مِنَ الْوَارِثِ، لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ (وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْهُ الْيَوْمَ لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ غَدًا) لِتَقْيِيدِهَا بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ غَرَضُهُ فِي زَمَنِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْإِيدَاعِ فَأَوْدَعَ، وَلَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَضْمَنْ) إِذَا أَنْكَرَ الْمُودَعُ، نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْإِشْهَادِ، إِذِ الْمُودَعُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ، وَالتَّلَفِ، فَلَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا فِي عَدَمِ الْإِشْهَادِ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَذَكَرُهُ الْقَاضِي رِوَايَةً أَنَّهُ يَضْمَنُ، لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ، وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِي الْإِشْهَادِ هُوَ ثُبُوتُ الْوَدِيعَةِ، فَلَوْ مَاتَ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ: دَفَعْتُ الْمَالَ إِلَى الْمُودَعِ، فَأَنْكَرَ قُبِلَ قَوْلُ الْوَكِيلِ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ فَقَضَاهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَأَنْكَرَهُ الْغَرِيمُ ضَمِنَ) الْوَكِيلُ، لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يُشْهِدْ.
قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ صَدَّقَهُ، أَوْ كَذَّبَهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ فِي قَضَاءٍ مُبَرِّئٍ، وَلَمْ يُوجَدْ (إِلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ) ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ حُضُورَهُ قَرِينَةُ رِضَاهُ بِالدَّفْعِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّاكِتَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِتَفْرِيطِهِ

فَصْلٌ وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْهَلَاكِ وَنَفْيِ التَّفْرِيطِ وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ الثَّوْبَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَعَلَيْهَا إِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ فِي الدَّفْعِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَذَّبَهُ قُبِلَ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ ادَّعَى فِعْلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوَكِّلُهُ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَقَضَائِهِ بِحَضْرَتِهِ، وَعَلَى اعْتِبَارِهَا إِذَا أَشْهَدَ عُدُولًا فَمَاتُوا، أَوْ غَابُوا، فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَإِنْ أَشْهَدَ بَيِّنَةً فِيهَا خِلَافٌ فَوَجْهَانِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ كَانَ لِمُوَكِّلِهِ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْوَفَاءِ بِدُونِ الْإِشْهَادِ لَزِمَ الْوَكِيلَ الْإِشْهَادُ، فَإِنْ تَرَكَهُ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُوَكِّلِهِ الِامْتِنَاعُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَا ضَمَانَ بِتَرْكِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَشْهَدْتُ فَمَاتُوا، أَوْ أَذِنْتَ فِيهِ بِلَا بَيِّنَةٍ، أَوْ قَضَيْتُ بِحَضْرَتِكَ صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ لِلْأَصْلِ، وَيَتَوَجَّهُ فِي الْأَوْلَى: لَا، وَأَنَّ فِي الثَّانِيَةِ الْخِلَافَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".

[الْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ]

فَصْلٌ (وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ فَكَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ كَالْمُودَعِ، وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ كَالْوَصِيِّ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِجُعْلٍ أَوْ لَا، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَلَفِ الْعَيْنِ الْمُوَكَّلِ فِيهَا، أَوْ تَلَفِ ثَمَنِهَا، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ فَرَّطَ بِأَنْ لَا يَحْفَظَ ذَلِكَ فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، أَوْ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ، أَوْ يَلْبَسُ الثَّوْبَ، أَوْ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمَالَ فَيَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِأَنَّ التَّعَدِّيَ أَبَلَغُ مِنَ التَّفْرِيطِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْهَلَاكِ وَنَفْيِ التَّفْرِيطِ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى الْمُوَكِّلُ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ كُلِّفَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْأَمَانَاتِ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى التَّلَفَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَحَرِيقٍ عَامٍّ وَنَهْبِ جَيْشٍ كُلِّفَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ (وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ الثَّوْبَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) .

فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا، وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَجِيرِ وَالْمُرْتَهَنِ، وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتُ لَهُ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ، وَالْقَبْضَ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِمَا كَالْوَلِيِّ الْمُجْبَرِ، وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ وَيَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُكَلَّفُهَا كَالْمُودَعِ.
وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ لِغَيْرِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَاهُ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ ثَمَنِهِ قُبِلَ قَوْلُ الْوَكِيلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِمَا ادَّعَاهُ فَقَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفٍ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَالْمُوَكِّلُ، لِأَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ شَيْءٍ قُبِلَ فِي صِفَتِهِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْنَ، أَوْ ثَمَنَهَا (إِلَى الْمُوَكِّلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا) قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ فَقَطْ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ كَالْوَصِيِّ، وَالْمُودَعِ، وَقِيلَ: لَا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُقْبَلُ مَعَ يَمِينِهِ، وَفِي " التَّذْكِرَةِ " أَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ لَمْ يَحْلِفْ، وَالتَّلَفُ كَالرَّدِّ (وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَجِيرِ، وَالْمُرْتَهَنِ) لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي قَبْضِ الْعَيْنِ لِمَنْفَعَةِ الْقَابِضِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارِبِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَالْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الْمَالِ، ثُمَّ ثَبَتَ فَادَّعَى الرَّدَّ، أَوِ التَّلَفَ لَمْ يُقْبَلْ لِثُبُوتِ خِيَانَتِهِ بِجَحْدِهِ، وَلَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فِي وَجْهٍ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ خِيَانَتِهِ.

الْبَيْعِ نَسَاءً، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ، فَأَنْكَرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ قَالَ: وَكَّلْتَنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ

[المبدع في شرح المقنع]

مَسْأَلَةٌ: كُلُّ أَمِينٍ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَطُلِبَ مِنْهُ فَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ إِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ، وَإِلَّا لَمْ يُؤَخِّرْهُ لِذَلِكَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَمَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ لَمْ يُؤَخِّرْ رَدَّهُ لِلْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلَى، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ، وَفِي ذِمَّتِهِ مَالٌ لِزَيْدٍ، أَوْ فِي يَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إِلَى وَكِيلِهِ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِحُجَّةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إِلَى رَبِّهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَلِفَ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ، أَوِ الشِّرَاءِ بِهِ بِتَعَدٍّ، أَوْ تَفْرِيطٍ، أَوْ أَتْلَفَهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي بَدَلِهِ بِحَالٍ، وَإِنْ وَزَنَ مِنْ مَالِهِ بَدَلَ الثَّمَنِ وَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ لِمُوَكِّلِهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَاهُ فِي نَعْتِهِ، ثُمَّ نَقَدَهُ، وَعَنْهُ: هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ مُوَكِّلِهِ (وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي الْبَيْعِ نَسَاءً، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ) ، أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ قَالَ: بَلْ فِي بَيْعِ الْأَمَةِ (فَأَنْكَرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُضَارِبِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ كَالْخَيَّاطِ، وَالثَّانِي: وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ، فَكَذَا فِي صِفَتِهَا فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ لَكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَذِنْتُ فِي شِرَاءِ غَيْرِهَا، قُبِلَ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الشِّرَاءُ وَقَعَ بِعَيْنِ الْمَالِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ إِلَى بَائِعِهَا إِنْ صَدَّقَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ أَنَّ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ، أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ صُدِّقَ الْبَائِعُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ لَهُ، فَإِنِ ادَّعَى الْوَكِيلُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ غَرَامَةُ الثَّمَنِ لِلْمُوَكِّلِ، وَدَفْعُ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَتَبْقَى الْجَارِيَةُ فِي يَدِهِ لَا تَحِلُّ لَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَهِيَ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهِيَ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ أَرَادَ حِلَّهَا اشْتَرَاهَا مِمَّنْ هِيَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ، فَإِنِ امْتَنَعَ رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَرْفُقَ بِهِ لِبَيْعِهِ إِيَّاهَا لِيُثْبِتَ لَهُ الْمِلْكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَصِيرَ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ قِصَاصًا بِالَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْآخَرُ ظُلْمًا فَإِنِ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ، لِأَنَّهُ

لَكَ فُلَانَةَ، فَفَعَلْتُ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَهَلْ

[المبدع في شرح المقنع]

عَقْدُ مُرَاضَاةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَهَا إِنْ كَانَتْ لِي، أَوْ إِنْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكَ فِي شِرَائِهَا بِكَذَا فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ لِتَعْلِيقِهِ عَلَى شَرْطٍ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاقِعٌ يَعْلَمَانِ وَجُودَهُ، فَلَا يَضُرُّ جَعْلُهُ شَرْطًا كَبِعْتُكَ هَذِهِ الْأَمَةَ إِنْ كَانَتْ أَمَةً.
فَرْعٌ: إِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ طَلَبِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ فَأَخَّرَ الرَّدَّ مَعَ إِمْكَانِهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ، فَإِنْ وَعَدَهُ رَدَّهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ رَدَّهُ، أَوْ تَلِفَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فَوَجْهَانِ.
(وَإِنْ قَالَ: وَكَّلْتَنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ لَكَ فُلَانَةَ فَفَعَلْتُ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ) ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ فَقُبِلَ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَمِينُهُ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ إِذَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهَا تَدَّعِي الصَّدَاقَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (وَهَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْمُوَكِّلِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَضْمَنْهُ، فَإِنْ ضَمِنَهُ فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ لِضَمَانِهِ عَنْهُ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ، لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَتُهُ، فَكَذَا هُنَا، وَلِأَنَّهُ فَرَّطَ حَيْثُ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ، وَالصَّدَاقِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ، لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودٌ لِلْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "،

يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ فَلَوْ قَالَ: بِعْ ثَوْبِي بِعِشَرَةٍ فَمَا زَادَ فَلَكَ، صَحَّ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَ " الشَّرْحِ "، وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ طَلَاقُهَا فِي الْمَنْصُوصِ لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ نِكَاحٌ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ صَدَاقُهَا فَتَرِثَهُ، وَهُوَ مُنْكِرٌ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَلَا يَرِثُهَا.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ عَلَى الْوَكَالَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ، وَكَذَا فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ وَكَّلَ فِيهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ أَمِينٌ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْشَاءِ، وَهُوَ أَعْرَفُ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ مُوَكِّلِهِ فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ كَأَصْلِ الْوَكَالَةِ.
(وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ) أَيْ: مَعْلُومٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَيَجْعَلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا» ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لِغَيْرِهِ لَا يَلْزَمُهُ، فَهُوَ كَرَدِّ الْآبِقِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِالْبَيْعِ مَثَلًا قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " مَا لَمْ يَشْرِطْهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَحِقُّهُ بِبَيْعِهِ نَسَاءً إِنْ صَحَّ، وَفِي " الْفُرُوعِ " هَلْ يَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ تَسْلِيمِ ثَمَنِهِ؟ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ، فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مَجْهُولًا فَسَدَتْ، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِالْإِذْنِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ (وَبِغَيْرِهِ) أَيْ: بِغَيْرِ جُعْلٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَّلَ أُنَيْسًا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَعُرْوَةَ فِي الشِّرَاءِ بِغَيْرِ جُعْلٍ (فَلَوْ قَالَ: بِعْ ثَوْبِي بِعَشَرَةٍ فَمَا زَادَ فَلَكَ، صَحَّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي عَصْرِهِ مُخَالِفًا، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ أَجْرٌ مَجْهُولٌ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا عَيْنٌ تَنْمِي بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا فَهُوَ كَدَفْعِ مَالِهِ مُضَارَبَةً وَبِهِ عَلَّلَ أَحْمَدُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ بَاعَهُ بِزِيَادَةٍ فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ بِمَا عَيَّنَهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ إِذَا لَمْ يَرْبَحْ.

فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِإِنْسَانٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي قَبْضِهِ فَصَدَّقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يُسْتَحْلَفْ، وَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالَةَ، حَلَفَ وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً فَوَجَدَهَا أَخَذَهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمَّنَهُ عَلَى الْآخَرِ

[المبدع في شرح المقنع]

[إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِإِنْسَانٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي قَبْضِهِ]

فَصْلٌ (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِإِنْسَانٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي قَبْضِهِ فَصَدَّقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ) ، لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَنْعَهُ لِجَوَازِ أَنْ يُنْكِرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ فَيَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ (وَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) لِعَدَمِ فَائِدَةِ اسْتِحْلَافِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ (وَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالَةَ حَلَفَ) أَيْ: الْمُوَكِّلُ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ صِدْقُ الْوَكِيلِ فِيهَا (وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ) ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِتَسْلِيمِهِ إلى غير وَكِيلَهُ وَيَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى الْوَكِيلِ مَعَ بَقَائِهِ، أَوْ تَعَدِّيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ الْوَكِيلَ بَرِئَ الدَّافِعُ (وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً فَوَجَدَهَا) صَاحِبُهَا (أَخَذَهَا) ، لِأَنَّهَا عَيْنُ حَقِّهِ (وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنَ الدَّافِعِ، وَالْقَابِضِ، لِأَنَّ الدَّافِعَ ضَمِنَهَا بِالدَّفْعِ، وَالْقَابِضَ قَبَضَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ (وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمَّنَهُ عَلَى الْآخَرِ) ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ ظُلْمٌ وَيُقِرُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِهِ تَعَدٍّ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِظُلْمِ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ دَفَعَهَا إِلَى الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ فَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا لِكَوْنِهِ لَمْ يُقِرَّ بِوَكَالَتِهِ، وَلَمْ يُثْبِتْ بِبَيِّنَةٍ قَالَ: وَمُجَرَّدُ التَّسْلِيمِ لَيْسَ تَصْدِيقًا، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ صَدَّقَهُ ضَمِنَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ بَلْ نَصَّهُ، لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ، فَقَدْ غَرَّهُ.
نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ بُعِثَ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ دَنَانِيرُ، أَوْ ثِيَابٌ يَأْخُذُ دِينَارًا، أَوْ ثَوْبًا فَأَخَذَ أَكْثَرَ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَاعِثِ يَعْنِي الَّذِي أَعْطَاهُ وَيَرْجِعُ هُوَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الرَّسُولِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ.

وَإِنِ كان ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَالَهُ بِهِ، فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ كَانَ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَالَهُ بِهِ فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينِ مَعَ الْإِنْكَارِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَوْلَى، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الدَّفْعَ مُبَرِّئٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُنْكِرَ الْمُحِيلُ الْحَوَالَةَ فَهُوَ كَدَعْوَى الْوَكَالَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، أَشْبَهَ الْوَارِثَ، وَرُدَّ بِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ إِلَى الْوَارِثِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا، وَالدَّفْعُ إِلَيْهِ مُبَرِّئٌ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِلْحَاقُهُ بِالْوَكِيلِ أَوْلَى وَوُجُوبُ الْيَمِينِ مَعَ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِهِ مُخَرَّجٌ عَلَى وُجُوبِ الدَّفْعِ مَعَ التَّصْدِيقِ وَلِهَذَا عَطَفَهُ عَلَيْهِ وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ، فَلَا يُطَالِبُهُ وَتُعَادُ لِغَائِبٍ مُحْتَالٍ بَعْدَ دَعْوَاهُ فَيَقْضِي بِهَا لَهُ إِذَنْ.
(وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَا وَارِثُهُ لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ) ، لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِالْحَقِّ، وَأَنَّهُ يَبْرَأُ بِهَذَا الدَّفْعِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ جَاءَ صَاحِبُ الْحَقِّ (وَالْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ) أَيْ: عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ هُنَا، لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الدَّفْعُ مَعَ الْإِقْرَارِ لَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ فَوَهَبَ لَهُ الْمُشْتَرِي مِنْدِيلًا فَالْمِنْدِيلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ.
وَقَالَ فِي رَجُلٍ وَكَّلَ آخَرَ فِي اقْتِضَاءِ دَيْنٍ وَغَابَ فَأَخَذَ الْوَكِيلُ بِهِ رَهْنًا فَتَلِفَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ أَسَاءَ فِي أَخْذِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا شَيْئًا فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمِهِ فَضَاعَا: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ خَلَطَهَا بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ ضَمِنَهَا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَالْوَدِيعَةِ.
الثَّانِيَةُ: الْوَكَالَةُ، وَالْعَزْلُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: بَلَى، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ أُخْبِرَ

وَالْيَمِينِ مَعَ الْإِنْكَارِ وَجْهَانِ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَا وَارِثُهُ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ.

[المبدع في شرح المقنع]

بِتَوْكِيلٍ وَظَنَّ صِدْقَهُ تَصَرَّفَ بِشَرْطِ الضَّمَانِ إِنْ أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ.
وَقَالَ الْأَزَجِّيُّ: إِذَا تَصَرَّفَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْخَبَرِ فَهَلْ يَضْمَنُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا شَهِدَ بِهَا اثْنَانِ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَزَلَهُ لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ وَيَتَوَجَّهُ: بَلَى كَقَوْلِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا وَكَقَوْلِ وَاحِدٍ غَيْرِهِمَا، فَلَوْ قَالَا: عَزَلَهُ ثَبَتَ الْعَزْلُ، وَلَوْ أَقَامَا الشَّهَادَةَ حِسْبَةً بِلَا دَعْوَى الْوَكِيلِ فَشَهِدَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَ، أَوْ قَالَ: مَا عَلِمْتُ هَذَا، وَأَنَا أَتَصَرَّفُ عَنْهُ ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ وَعَكْسُهُ مَا لَمْ أَعْلَمْ صِدْقَهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ طُولِبَ بِالتَّفْسِيرِ.
.

كِتَابُ الشَّرِكَةِ وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ، أَحَدُهَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الشَّرِكَةِ]

[الشَّرِكَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ]

[الضَّرْبُ الْأَوَّلُ شَرِكَةُ الْعِنَانِ]

[صُورَةُ شَرِكَةِ الْعِنَانِ]

ِ شِرْكَةٌ بِوَزْنِ نِعْمَةٍ وَبِوَزْنِ سَرِقَةٍ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَبِوَزْنِ تَمْرَةِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: 24] وَالْخُلَطَاءُ هُمُ الشُّرَكَاءُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاجْتِمَاعِ فِي اسْتِحْقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ فَهِيَ نَوْعَانِ: شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ وَشَرِكَةُ عُقُودٍ، وَهِيَ الْمَقْصُودُ هُنَا.
(وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ) وَيُعْتَبَرُ لِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ كَالْبَيْعِ.
(أَحَدُهَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِيهَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْمَالِ وَالتَّصَرُّفِ، كَالْفَارِسَيْنِ إِذَا سَوَيَّا بَيْنَ فَرَسَيْهِمَا وَتَسَاوَيَا فِي السَّيْرِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَنَّ الشَّيْءُ إِذَا عَرَضَ.
يُقَالُ: عَنَّتْ لِي حَاجَةٌ إِذَا عَرَضَتْ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ عَنَّ لَهُ، أَيْ عَرَضَ لَهُ مُشَارَكَةُ صَاحِبِهِ.
وَقِيلَ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَانَّهُ إِذَا عَارَضَهُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا عَارَضَ صَاحِبَهُ بِمِثْلِ مَالِهِ

بِمَالَيْهِمَا لِيَعْمَلَا فِيهِ بِبَدَنَيْهِمَا وَرِبْحُهُ لَهُمَا، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ وَالْوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ

وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَعَنْهُ: تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ، وَيُجْعَلُ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَمَلِهِ، وَقَوْلُهُ فِي " الشَّرْحِ ": إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ (وَهِيَ) جَائِزَةٌ إِجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا (أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ) فَمَا فَوْقَهُمَا سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَلَا تُكْرَهُ مُشَارَكَةُ كِتَابِيٍّ إِنْ وَلِيَ الْمُسْلِمُ التَّصَرُّفَ، نَصَّ عَلَيْهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ بِيَدِ الْمُسْلِمِ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ، وَكَرِهَهُ الْأَزَجِيُّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَيْسَتْ بِطَيِّبَةٍ، فَإِنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْخَمْرَ، وَيَتَبَايَعُونَ بِالرِّبَا، وَكَالْمَجُوسِ، نَصَّ عَلَيْهِ (بِمَالَيْهِمَا) الْمَعْلُومَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ قَدْرًا، وَجِنْسًا، وَصِفَةً أَوْ لَا، وَيُعْتَبَرُ حُضُورُ مَالَيْهِمَا لِتَقْرِيرِ الْعَمَلِ، وَتَحْقِيقِ الشَّرِكَةِ إِذَنْ كَمُضَارَبَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي مُخْتَلِطٍ بَيْنَهُمَا شَائِعًا صَحَّ إِنْ عَلِمَا قَدْرَ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَهَذَا الْقَيْدُ أَخَرَجَ الْمُضَارَبَةَ ; لِأَنَّ الْمَالَ فِيهَا مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَمَلَ مِنْ آخَرَ بِخِلَافِهَا لِكَوْنِهَا تَجْمَعُ مَالًا وَعَمَلًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (لِيَعْمَلَا فِيهِ بِبَدَنَيْهِمَا) وَالْأَصَحُّ: أَوْ أَحَدُهُمَا، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ وَبِقَدْرِهِ إِبْضَاعٌ، وَبِدُونِهِ لَا يَصِحُّ، وَفِيهِ وَجْهٌ (وَرِبْحُهُ لَهُمَا) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمَا وَعَمَلِهِمَا مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِالْمَالِ تَارَةً وَبِالْعَمَلِ أُخْرَى كَالْمُضَارِبِ.
(فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالْوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِجِهَةِ الْإِذْنِ فَهُوَ كَالْوَكَالَةِ، وَدَلَّ أَنَّ لَفْظَ الشَّرِكَةِ يُغْنِي عَنْ إِذَنٍ صَرِيحٍ فِي التَّصَرُّفِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، قَالَهُ فِي الْفُصُولِ.

[شُرُوطُ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ]

(وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ) فَتَصِحُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَغْشُوشَةٍ ; لِأَنَّهَا قِيَمُ الْأَمْوَالِ، وَأَثْمَانُ الْبِيَاعَاتِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ

وَقْتَ الْعَقْدِ، وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا

[المبدع في شرح المقنع]

يَشْتَرِكُونَ فِيهَا فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَلَا تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بِهَا إِمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى أَعْيَانِهَا، أَوْ عَلَى قِيمَتِهَا، أَوْ عَلَى ثَمَنِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ الْمُفَاضَلَةِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَلَا مِثْلَ لَهُ، فَيَرْجِعُ بِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ تَزِيدُ بِحَيْثُ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرِّبْحِ، وَقَدْ تَنْقُصُ بِحَيْثُ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِي ثَمَنِ مِلْكِهِ الَّذِي لَيْسَ بِرِبْحٍ مَعَ أَنَّ الْقِيمَةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةِ الْمِقْدَارِ، فَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ، فَلِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْدُومٌ حَالَ الْعَقْدِ، وَلَا يَمْلِكَانِهَا لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ ثَمَنَهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَصَارَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ أَرَادَ ثَمَنَهَا الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقَةً عَلَى شَرْطٍ وَهِيَ بَيْعُ الْأَعْيَانِ (وَعَنْهُ تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ; لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ جَوَازُ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، وَكَوْنُ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا يَحْصُلُ فِي الْعُرُوضِ مِنْ غَيْرِ غَرَرٍ كَمَا يَحْصُلُ فِي الْأَثْمَانِ (وَيُجْعَلُ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ) لِيَتَمَكَّنَ الْعَامِلُ مِنْ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ التَّفَاضُلِ كَمَا أَنَّا جَعَلْنَا نِصَابَ زَكَاتِهَا قِيمَتَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْعُرُوضُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحُبُوبِ أَوْ لَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَعَنْهُ يَصِحُّ بِكُلِّ عَرَضٍ مُتَقَوِّمٍ، وَقِيلَ مِثْلِيٍّ (وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَبَنَاهُمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنَقْدٍ، وَقَيَّدَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " بِالنَّافِقَتَيْنِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " فِي فُلُوسٍ نَافِقَةٍ رِوَايَتَانِ، إحَداهُمَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمَغْشُوشَ لَا يَنْضَبِطُ غِشُّهُ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِهِ، وَالْفُلُوسُ تَزِيدُ قِيمَتُهَا وَتَنْقُصُ، أَشْبَهَتِ الْعُرُوضَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْغِشُّ الْيَسِيرُ لِمَصْلَحَتِهِ كَحَبَّةِ فِضَّةٍ فِي دِينَارٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالثَّانِي يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْغِشَّ يُسْتَهْلَكُ فِي الْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ بِشُبْهَةِ الثَّمَنِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرَى السَّلَمَ فِي الْفُلُوسِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الصَّرْفَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ

لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا، فَإِنْ قَالَا: الرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنُهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا جُزْءًا مَجْهُولًا أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً أَوْ رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ

[المبدع في شرح المقنع]

أَنْ تَكُونَ كَاسِدَةً أَوْ رَابِحَةً ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً كَانَ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا كَالْعُرُوضِ، وَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِثْلَهَا، وَكَذَا الْمَغْشُوشُ، وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ كَانَتِ الْفُلُوسُ نَافِقَةً جَازَ، وَإِلَّا فَلَا لِشَبَهِهَا بِالنَّقْدَيْنِ.
(الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا) كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ مُسْتَحَقٌّ لَهُمَا بِحَسَبِ الِاشْتِرَاطِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنِ اشْتِرَاطِهِ كَالْمُضَارَبَةِ، وَاشْتَرَطَ كَوْنَهُ مُشَاعًا لِأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ غَيْرَهَا، فَيَأْخُذَ جَمِيعَ الرِّبْحِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ، فَأَخَذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جُزْءًا، وَقَدْ يَرْبَحُ كَثِيرًا، فَيَسْتَضِرَّ مَنْ شُرِطَتْ لَهُ، وَاشْتَرَطَ كَوْنَهُ مَعْلُومًا ; لِأَنَّ الْجَهْلَ بِهِ يُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ كَالْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ لِقُوَّةِ حِذْقِهِ (فَإِنْ قَالَا: الرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِمَا إِضَافَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، فَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ.
كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ (فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ) لَمْ يَصِحَّ كَالْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنَ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ (أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا جُزْءًا مَجْهُولًا) فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَمْنَعُ تَسْلِيمَ الْوَاجِبِ، وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالثَّمَنِ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: لَكَ مِثْلُ مَا شُرِطَ لِفُلَانٍ، وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ صَحَّ (أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً) لَمْ يَصِحَّ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْعَامِلَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حِصَّتُهُ مَعْلُومَةً بِالْقَدْرِ، فَإِذَا جُهِلَتِ الْأَجْزَاءُ فَسَدَتْ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْقِرَاضِ إِجْمَاعُ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ فِيمَا إِذَا جَعَلَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، فَلَوْ قَالَ: لَكَ نِصْفُ الرِّبْحِ إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بَطَلَتْ لِزِيَادَتِهَا (أَوْ رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ) أَوْ رِبْحَ إِحْدَى السَّفْرَتَيْنِ، أَوْ رِبْحَ تِجَارَتِهِ فِي شَهْرٍ أَوْ عَامٍ بِعَيْنِهِ (لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ قَدْ يَرْبَحُ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَيَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالرِّبْحِ،

أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ وَلَا أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ) قِيَاسًا عَلَى الشَّرِكَةِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ بِهِ الرِّبْحُ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ ذَلِكَ كَالْمُضَارَبَةِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْخَلْطُ كَالْوِكَالَةِ (وَلَا أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُخْرِجَ دَنَانِيرَ وَالْآخِرِ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُمَا الْأَثْمَانُ، فَصَحَّتِ الشَّرِكَةُ فِيهِمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا اقْتَسَمَا رَجَعَ كَلٌّ بِمَالِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْفَضْلَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقَدْرِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَتَى تَفَاضَلَا قَوَّمَا الْمَتَاعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَقَوَّمَا مَالَ الْآخَرِ بِهِ، وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ حِينَ صَرَفَا الثَّمَنَ فِيهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ رَأْسُ الْمَالِ فِيهَا الْأَثْمَانُ، فَيَكُونُ الرُّجُوعُ بِجِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا لَوْ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا (وَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَمِينُهُ وَوَكِيلُهُ، وَفِي " الشَّرْحِ " مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَأْذَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُشْتَرَطُ فَإِنِ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ (وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا) بَعْدَ الْخَلْطِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا قَبْلَهُ عَلَى الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْمَالَانِ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ، فَكَذَا فِي الضَّمَانِ، وَكَنَمَائِهِ لِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ بِالْكَلَامِ كَخَرْصِ ثِمَارٍ، فَكَذَا الشَّرِكَةُ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ (وَالْوَضِيعَةُ) أَيِ الْخُسْرَانُ (عَلَى قَدْرِ الْمَالِ) بِالْحِسَابِ ; لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ نُقْصَانِ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقَدْرِ، فَيَكُونُ النَّقْصُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْوَضْعِيَّةُ لِتَلَفٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُضَارَبَةِ بَلْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِمِلْكِ رَبِّهِ كَالْمُزَارَعَةِ.

فَصْلٌ وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَيَقْبِضَ وَيُقْبِضَ، وَيُطَالِبَ بِالدَّيْنِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ، وَيُحِيلَ وَيَحْتَالَ، وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ وَيُقربه، وَيُقَايِلَ، وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ، وَلَا يُزَوِّجَهُ، وَلَا يُعْتِقَهُ بِمَالٍ،

[المبدع في شرح المقنع]

[فَصْلٌ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِهِ كُلٌّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ]

فَصْلٌ (وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ) أَيْ حَالًّا (وَيَشْتَرِيَ) مُسَاوَمَةً، وَمُرَابَحَةً، وَغَيْرَهُمَا ; لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَرِيكِهِ وَكِيلٌ، فَمَلَكَهُمَا كَالْوَكِيلِ (وَيَقْبِضَ وَيُقْبِضَ) لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي ذَلِكَ، فَمَلَكَهُمَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَأْتَمِنُهُ (وَيُطَالِبَ بِالدَّيْنِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ) لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ قَبْضَ شَيْءٍ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ وَالْمُخَاصَمَةَ فِيهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ (وَيُحِيلَ وَيَحْتَالَ) لِأَنَّهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَهُوَ يَمْلِكُهَا (وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ) سَوَاءٌ وَلِيَهُ هُوَ أَوْ صَاحِبُهُ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَرُدُّ بِهِ، فَالشَّرِيكُ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ شَرِيكُهُ (وَيُقِرَّ بِهِ) أَيْ بِالْعَيْبِ كَمَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ خُيِّرَ بَيْنَ قَبُولِهَا أَوْ إِعْطَاءِ أَرْشِ الْعَيْبِ، أَوْ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ يُؤَخِّرُ ثَمَنَهُ لِأَجْلِ الْعَيْبِ (وَيُقَايِلَ) لِأَنَّ الْحَظَّ قَدْ يَكُونُ فِيهَا، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بَيْعًا فَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ فَسْخًا، فَفَسْخُ الْبَيْعِ الْمُضِرِّ مِنْ مَصْلَحَةِ التِّجَارَةِ، فَمِلْكُهُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ أَنَّهَا فَسْخٌ فَلَا يَمْلِكُهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ (وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا) لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْأَمَانَةِ، فَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِالثَّمَنِ، أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ أُجْرَةِ الْمُنَادِي، أَوِ الْحَمَّالِ ; لِأَنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَيُؤَجِّرَ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ، فَصَارَ كَالشِّرَاءِ، وَالْبَيْعِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْأَجْرِ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لَا تَخْتَصُّ بِالْعَاقِدِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ شَرِيكُهُ، وَالشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ عَلَى التِّجَارَةِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا (وَلَا يُزَوِّجَهُ)

وَلَا يَهَبَ، وَلَا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يُضَارِبَ بِالْمَالِ، وَلَا يَأْخُذَ بِهِ سُفْتَجَةً، وَلَا يُعْطِيَهَا إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.

وَهَلْ لَهُ أَنْ يُودِعَ، أَوْ يَبِيعَ نِسَاءً، أَوْ يُبْضِعَ، أَوْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ، أَوْ يَرْهَنَ أَوْ يَرْتَهِنَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى مَالِ

[المبدع في شرح المقنع]

لِمَا ذَكَرْنَا سِيَّمَا وَتَزْوِيجُ الْعَبْدِ ضَرَرٌ مَحْضٌ (وَلَا يُعْتِقَهُ بِمَالٍ) وَلَا غَيْرِهِ (وَلَا يَهَبَ) . نَقَلَ حَنْبَلٌ: يَتَبَرَّعُ بِبَعْضِ الثَّمَنِ لِمَصْلَحَتِهِ (وَلَا يُقْرِضَ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِرَهْنٍ (وَلَا يُحَابِيَ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ عَلَى التِّجَارَةِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْهَا (وَلَا يُضَارِبَ بِالْمَالِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ فِي الْمَالِ حُقُوقًا، وَيُسْتَحَقُّ رِبْحُهُ لِغَيْرِهِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ مِنْ تَوْكِيلِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لِلثَّانِي عَلَى رَبِّهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَقِيلَ: عَلَى الْأَوَّلِ مَعَ جَهْلِهِ لِدَفْعِ غَاصِبٍ، وَمَعَ عِلْمِهِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَرِبْحُهُ لِرَبِّهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ خَلْطُ مَالِ الشَّرِكَةِ بِمَالِهِ وَلَا مَالِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِيجَابَ حُقُوقٍ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِمَالِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ، فَيَدْخُلُ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (وَلَا يَأْخُذَ بِهِ سُفْتَجَةً) لِأَنَّ فِيهَا خَطَرًا، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى إِنْسَانٍ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ كِتَابًا إِلَى وَكِيلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْمَالَ (وَلَا يُعْطِيَهَا) بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ إِنْسَانٍ بِضَاعَةً، وَيُعْطِيَهُ بِثَمَنِ ذَلِكَ كِتَابًا إِلَى وَكِيلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ ذَلِكَ (إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنَ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْكِتَابَةِ وَمَا بَعْدَهَا، وَالصَّوَابُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا فِيهِمَا لِمَصْلَحَةٍ لِخَوْفِ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ فِي الْأُولَى.
فَائِدَةٌ: مَا يُخْرِجُهُ الشَّرِيكُ عَلَى الْمَالِ مِنَ الشَّيْلِ، وَالْحَطِّ، وَالْعُشْرِ، وَالْخِفَارَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَذْرَقَةِ يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ، قَالَهُ فِي " الْفُصُولِ ".

[مَا لَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ]

(وَهَلْ لَهُ أَنْ يُودِعَ، أَوْ يَبِيعَ نِسَاءً، أَوْ يُبْضِعَ، أَوْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ، أَوْ يَرْهَنَ أَوْ يَرْتَهِنَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: فِي الْإِيدَاعِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا لَهُ ذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَزَادَ: عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَادَةَ التُّجَّارِ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْمَنْعُ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الشَّرِكَةِ وَفِيهِ غَرَرٌ.
الثَّانِيَةُ: فِي الْبَيْعِ إِلَى أَجَلٍ، وَهُوَ يَخْرُجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَكِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِنَقْدٍ عِنْدَهُ مِثْلُهُ، أَوْ نَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوِ اشْتَرَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَعِنْدَهُ مَثَلُهُ جَازَ، وَإِلَّا فَالشِّرَاءُ لَهُ خَاصَّةً، وَرِبْحُهُ لَهُ، وَضَمَانُهُ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: فِي الْإِبْضَاعِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَالِ تُبْعَثُ لِلتِّجَارَةِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَالثَّانِي بَلَى وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ عَادَةُ التُّجَّارِ.
الرَّابِعَةُ: التَّوْكِيلُ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ التَّوْكِيلُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مِثْلَ عَقْدِ مُوَكِّلِهِ بِخِلَافِ وَكِيلِ الشَّرِيكِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ مِثْلَ عَقْدِ مُوَكِّلِهِ، بَلْ يَسْتَفِيدُ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ، فَإِنْ وَكَّلَ مَلَكَ الْآخَرُ عَزْلَهُ، وَيَتَصَرَّفُ الْمَعْزُولُ فِي قَدْرِ نَصِيبِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ.
الْخَامِسَةُ: فِي الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُمَا زَادَ فِي " الشَّرْحِ " عِنْدَ الْحَاجَةِ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَادُ لِلْإِيفَاءِ، وَالِارْتِهَانَ يُرَادُ لِلِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ يَمْلِكُهُمَا، فَكَذَا مَا يُرَادُ لَهُمَا، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهِ خَطَرًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ وَلِيَ الْعَقْدَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، لَكَوْنِ الْقَبْضِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَلَوْ قَالَ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، وَرَأَى مَصْلَحَةً، جَازَ الْكُلُّ ; لِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ الرَّأْيَ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِكَةُ، فَجَازَ كُلُّ مَا هُوَ مِنَ التِّجَارَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ السَّفَرَ بِالْمَالِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ مَعَ الْأَمْنِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ صَحَّحَهَا الْأَزَجِيُّ، وَإِنْ سَافَرَ وَالْغَالِبُ الْعَطَبُ ضَمِنَ، ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ فِيمَا لَيْسَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَتَّجِرُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ بِمَالِهِ مَوْضِعَ أَمْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِخَوْفِهِ، أَوْ بِفَلَسِ مُشْتَرٍ فَلَا ضَمَانَ ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى هَلَاكَهُ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ صَدَقَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ لَمْ يَضْمَنْهُ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ، وَيَحْلِفُ مَعَهَا أَنَّهُ هَلَكَ بِهِ، وَيُصَدِّقُ مُنْكِرُ الْخِيَانَةِ، وَإِنْ قَالَ لِمَا بِيَدِهِ: هَذَا لِي أَوْ لَنَا، أَوِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهَا لِي، أَوْ لَنَا صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ سَوَاءٌ رَبِحَ أَوْ خَسِرَ، وَإِنْ قَالَ: صَارَ لِي بِالْقِسْمَةِ صُدِّقَ مُنْكِرُهَا.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ) لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا رَضِيَ الشَّرِيكُ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ ضَمَّ إِلَيْهَا أَلْفًا مِنْ مَالِهِ،

الشَّرِكَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَيْهِ وَرِبْحُهُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ شَرِيكُهُ، وَإِنْ أَخَّرَ حَقَّهُ مِنَ الدَّيْنِ جَازَ، وَإِنَّ تَقَاسَمَا الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَصِحَّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَبْرَأَ مِنَ الدَّيْنِ لَزِمَ فِي حَقِّهِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَمَعْنَاهَا أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ بِثَمَنٍ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ جِنْسِهِ (فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَيْهِ وَرِبْحُهُ لَهُ) . قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنِ اسْتَدَانَ مِنَ الْمَالِ بِوَجْهِهِ أَلْفًا: فَهُوَ لَهُ وَرِبْحُهُ لَهُ وَوَضِيعَتُهُ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ وَضُرِّهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ لِلشَّرِكَةِ (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ شَرِيكُهُ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا اسْتَقْرَضَ شَيْئًا لَزِمَهُمَا، وَرَبِحُهُ لَهُمَا ; لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالٍ أَشْبَهَ الصَّرْفَ، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّ الصَّرْفَ بَيْعٌ وَإِبْدَالُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ فَهُوَ كَبَيْعِ الثِّيَابِ (وَإِنْ أَخَّرَ حَقَّهُ مِنَ الدَّيْنِ) الْحَالِّ (جَازَ) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ، فَصَحَّ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ كَالْإِبْرَاءِ، فَلَوْ قَبَضَ شَرِيكُهُ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُؤَخَّرْ كَانَ لَهُ مُشَارَكَتُهُ فِيهِ، وَقِيلَ: وَلَهُ تَأْخِيرُ حَقِّ شَرِيكِهِ، وَيَضْمَنُهُ إِنْ تَلِفَ، أَوْ مَاتَ الْمَدِينُ (وَإِنَّ تَقَاسَمَا الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَصِحَّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ الذِّمَمَ لَا تَتَكَافَأُ، وَلَا تَتَعَادَلُ، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِيهَا ; لِأَنَّهَا بِغَيْرِ تَعْدِيلٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ، فَعَلَيْهَا لَوْ تَقَاسَمَا ثُمَّ تَوى بَعْضُ الْمَالِ رَجَعَ الَّذِي تَوى مالُهُ عَلَى الْآخَرِ، وَالثَّانِيَةُ - وَنَقَلَهَا حَرْبٌ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " - الْجَوَازُ ; لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يَمْنَعُ الْقِسْمَةَ كَاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ، فَعَلَيْهَا لَا رُجُوعَ إِذَا أَبْرَأَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " إِذَا كَانَ فِي ذِمَمٍ لَا ذِمَّةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا تُمْكِنُ الْقِسْمَةُ، وَهِيَ إِفْرَازٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ تَكَافَأَتْ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ مِنَ الْحَوَالَةِ عَلَى مَلِيءٍ وُجُوبُهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَإِنْ أَبْرَأْ مِنَ الدَّيْنِ) أَوْ أَجَّلَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ (لَزِمَ فِي حَقِّهِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ (دُونَ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ وَكَالصَّدَقَةِ (وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ) أَيْ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ دُونَ صَاحِبِهِ عَلَى

عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ.
وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ، وَطَيِّهِ، وَخَتْمِ الْكِيسِ، وَإِحْرَازِهِ فَإِنِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ، وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَفْعَلُهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ أُجْرَتَهُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ ; لِأَنَّ شَرِيكَهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ دَاخِلًا فِيهَا (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ نِسَاءً، وَهُوَ إِقْرَارٌ بِبَقَاءِ الثَّمَنِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَعَلَّلَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلِّمَ الثَّمَنَ فِي الْمَجْلِسِ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ إِقْرَارَهُ لَضَاعَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَامْتَنَعُوا مِنْ مُعَامَلَتِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَالْإِقْرَارِ بِالْعَيْبِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي الْإِقْرَارِ، وَ " الْفُرُوعِ " قَبْلَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا لَا بَعْدَهَا.
مَسْأَلَةٌ: أَقَرَّ غَرِيمٌ لَهُمَا بِدَيْنٍ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا حَبْسَهُ، وَمَنَعَ الْآخَرُ مِنْهُ، فَفِي وُجُوبِ حَبْسِهِ رِوَايَتَانِ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا دَيْنٌ مُشْتَرَكٌ بِإِرْثٍ أَوْ إِتْلَافٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ ضَرِيبَةٍ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا وَاحِدٌ، فَلِشَرِيكِهِ الْأَخْذُ مِنَ الْغَرِيمِ وَمِنَ الْقَابِضِ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمِلْكِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَخْرَجَهُ الْقَابِضُ بِرَهْنٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ كَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِهِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَابْنُ سِيرِينَ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِ قَابِضِهِ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَرِيمِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ، وَإِنْ كَانَ بِعَقْدٍ، أَوْ بَعْدَ تَأْجِيلِ شَرِيكِهِ حَقَّهُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ الْمُشَارَكَةُ كَالْمَوْرُوثِ، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْعَقْدِ عَلَى نَصِيبِهِ فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِينَ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ، وَطَيِّهِ، وَخَتْمِ الْكِيسِ، وَإِحْرَازِهِ) وَقَبْضِ النَّقْدِ ; لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِذْنِ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ (فَإِنِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) فِي مَالِهِ ; لِأَنَّهُ بَذَلَهَا عِوَضًا عَمَّا يَلْزَمُهُ (وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ) كَحَمْلِ الطَّعَامِ، وَالْمَتَاعِ، وَوَزْنِ مَا يُنْقَلُ، وَالنِّدَاءِ (فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ) مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ (مَنْ يَفْعَلُهُ) لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.

جارٍ التحميل