فَإِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشْتَرَطَ قَوْلُهُ أَوْ نِيَّتُهُ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا، يَعْلَمُ قَدْر مَا يُؤَدّي فِي كُلِّ نَجْمٍ، وَقِيلَ: تَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: وَإِذَا كَاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا، صَحَّ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَوْ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَإِنْ أَسْلَمَ مُكَاتَبُ الذِّمِّيِّ، لَمْ تَنْفَسِخِ الْكِتَابَةُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ، فَإِنْ عَجَزَ، أُجْبِرَ، فَإِنِ اشْتَرَى مُسْلِمًا وَكَاتَبَهُ، لَمْ تَصِحَّ الْكِتَابَةُ ; لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ، وَإِنْ دَبَّرَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْدَهُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي يَدِهِ، صَحَّ، وَإِنْ كَاتَبَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: لَا ; لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ [الأحزاب: 27] وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ تَقْتَضِي صِحَّةَ أَمْلَاكِهِمْ، فَتَقْتَضِي صِحَّةَ تَصَرُّفَاتِهِمْ (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ) لِأَنَّهَا إِمَّا بَيْعٌ، وَإِمَّا تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى الْأَدَاءِ، وَكَلَاهُمَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَوْلُ (وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا) لِأَنَّهُ لَفْظُهَا الْمَوْضُوعُ لَهَا، فَانْعَقَدَتْ بِهِ كَلَفْظِ النِّكَاحِ، وَيُشْتَرَطُ مَعَهُ قَبُولُهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ وَالتَّرْغِيبِ، وَغَيْرِهَا (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ) ذَلِكَ، بَلْ قَالَ (فَإِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْكِتَابَةِ، فَانْعَقَدَ بِهِ كَصَرِيحِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشْتَرَطَ قَوْلُهُ) هَذَا وَجْهٌ فِي التَّرْغِيبِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْمُوجَزِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَقِيلَ: (أَوْ نِيَّتُهُ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي الْمَعْنَى تَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى الْأَدَاءِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِهِ أَوْ نِيَّتِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَاتَبَهُ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ، اعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءوسِ الْمَسَائِلِ: مِنَ الْكُلِّ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى عِوَضٍ) مُبَاحٍ (مَعْلُومٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا ; لِأَنَّ جَعْلَهُ حَالًّا يُفْضِي إِلَى الْعَجْزِ عَنْ أَدَائِهِ، وَفُسِخَ الْعَقْدُ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ عَقَدُوهَا كَذَلِكَ، وَلَوْ جَازَتْ حَالَّةً لَفُعِلَ (فَصَاعِدًا) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: نَجْمٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَجْمَانِ، وَنَجْمَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ نَجْمَيْنِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ
عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ وَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ، وَلَهُ الْوَسَطُ، وَتَصِحُّ عَلَى مَالٍ وَخِدْمَةٍ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتِ الْخِدْمَةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ، وَإِذَا أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ أَوْ أُبْرِئَ
[المبدع في شرح المقنع]
مُشْتَقَّةٌ مِنَ الضَّمِّ، فَوَجَبَ افْتِقَارُهَا إِلَى نَجْمَيْنِ، لِيَحْصُلَ الضَّمُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ وفي الشرح: إنه قياس المذهب (يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي فِي كُلِّ نَجْمٍ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَسَوَاءٌ سَاوَتِ الْمُدَّةُ أَوِ اخْتَلَفَتْ، وَعَلَيْهِ فِي تَوْقِيتِهَا بِسَاعَتَيْنِ، أَمْ يُعْتَبَرُ مَا لَهُ وَقَعَ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ، فِيهِ خِلَافٌ فِي الِانْتِصَارِ (وَقِيلَ: تَصِحُّ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ) قَالَه ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْجِيلُ، فَجَازَ إِلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ كَالسَّلَمِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّأْجِيلِ إِمْكَانُ التَّسْلِيمِ عِنْدَهُ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالنَّجْمِ الْوَاحِدِ، وَفِي التَّرْغِيبِ فِي كِتَابَةِ مَنْ نِصْفُهُ حُرُّ كِتَابَةٍ حَالَّةً وَجْهَانِ، وَفِي الْكَافِي: وَالْأَحْوَطُ نَجْمَانِ فَصَاعِدًا، انْتَهَى، فَإِنْ قَالَ: يُؤَدِّي إِلَيَّ فِي كُلِّ عَامٍ مِائَةً، جَازَ، وَيَكُونُ أَجَلُ كُلِّ مِائَةٍ عِنْدِ انْقِضَاءِ السَّنَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَرُدَّ بِقَوْلِ بَرِيرَةَ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَإِنَّ الْأَجَلَ إِذَا تَعَلَّقَ بِمُدَّةٍ تَعَلَّقَ بِأَحَدِ طَرَفَيْهَا، فَإِنْ كَانَ بِحَرْفِ " إِلَى " تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهَا، كَقَوْلِهِ: إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ بِحَرْفِ " فِي " كَانَ إِلَى آخِرِهَا ; لِأَنَّهُ جَعَلَ جَمِيعَهَا وَقْتًا لِأَدَائِهَا (وَقَالَ الْقَاضِي) وَأَصْحَابُهُ (تَصِحُّ عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ) صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ كَمَهْرٍ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ الْمُطْلَقُ فِيهِ عِوَضًا كَالْعَقْلِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْكِتَابَةِ كَالثَّوَابِ الْمُطْلَقِ، وَيُفَارِقُ الْعَقْلَ ; لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ مُقَدَّرٍ فِي الشَّرْعِ، وَهُنَا عِوَضٌ مُقَدَّرٌ فِي عَقْدٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ الْمُطْلَقَ لَا تَجُوزُ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعَبْدِ الْمُطْلَقِ (وَلَهُ الْوَسَطُ) وَهُوَ السِّنْدِيُّ ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ عَقْدُهُ فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، فَكَذَا هُنَا (وَتَصِحُّ عَلَى مَالٍ وَخِدْمَةٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي غَيْرِ الْكِتَابَةِ، فَلْيَكُنْ فِيهَا كَذَلِكَ (سَوَاءٌ تَقَدَّمَتِ الْخِدْمَةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ) لِأَنَّ تَقَدُّمَهَا وَتَأَخُّرَهَا لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا صَالِحَةً لِلْعِوَضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَصِحُّ عَلَى الْخِدْمَةِ الْحَالَّةِ لَا الْمَالِ، فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ فِي الْمَالِ، إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا يَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ أَدَاءِ
مِنْهُ، عَتَقَ، وَمَا فَضُلَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي صَارَ حُرًّا، وَيُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، كَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعِوَضِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْخِدْمَةِ، فَإِنْ كَاتَبَهُ فِي الشَّهْرِ الْقَابِلِ، صَحَّ، كَالْمُحَرَّمِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَلَوْ قَدَّمَهَا فَأَوَّلَهَا عَقِيبَ الْعَقْدِ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِينَارٍ، وَمَحَلُّهُ سَلْخُ الشَّهْرِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ عَيَّنَاهُ وَجْهَانِ، لِاتِّحَادِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ شَرَطَهُ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ أَكَثُرَ، صَحَّ، وَإِنْ شَرَطَهُ حَالًّا فَلَا (وَإِذَا أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ) فَقَبَضَهُ هُوَ أَوْ وَلِيٌّ مَجْنُونٌ، وَلَوْ مِنْ مَجْنُونٍ قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ (أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ) وَالْأَصَحُّ: أَوْ بَعْضِ وَرَثَتِهِ الْمُوسِرِ مِنْ حَقِّهِ (عَتَقَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يُعْتَقُ قَبْلَ أَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ: أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ كِتَابَتِهِ، وَبِمَفْهُومِهِ: أَنَّهُ إِذَا أَدَّاهَا لَا يَبْقَى عَبْدًا (وَمَا فَضُلَ فِي يَدِهِ فَهُوَ لَهُ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ قَبْلَ الْعِتْقِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي صَارَ حُرًّا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ لَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَأَمَرَهُنَّ بِالْحِجَابِ بِمُجَرَّدِ مِلْكِهِ لِمَا يُؤَدِّيهِ، وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَالِ الْكِتَابَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ (وَيُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ) أَيْ: إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْأَدَاءِ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ الْقَادِرِ عَلَيْهَا، فَإِنْ هَلَكَ مَا فِي يَدِهِ قَبْلَ أَدَائِهِ، صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ مَعَ حُرِّيَّتِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يُعْتَقْ قَبْلَ الْأَدَاءِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ أَلْفًا، فَعَلَيْهَا: إِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَقِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ عَلَى قَاتِلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ، لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْأَدَاءِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُؤَدِّيهُ الْإِمَامُ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَجْزًا، وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ الْفَسْخَ فِي الْأَصَحِّ، وَيَمْلِكُ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى
فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ، وَإِذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحَلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ، وَعَتَقَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ إِذَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْكَسْبِ، وَلَا يَمْلِكُهُ إِنْ مَلَكَ وَفَاءً عَلَى الْأَصَحِّ (فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ) مَاتَ رَقِيقًا وَانْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ (كَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ) أَيْ: إِذَا مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَقُلْنَا: لَا يُعْتَقُ بِمِلْكِهِ، انْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ وَارِثٌ مُوسِرٌ حَقَّهُ، سَرَى فِي الْأَصَحِّ، وَضَمِنَ حَقَّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ أُبْرِئَ مِنْ بَعْضِ النُّجُومِ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْأَصَحِّ (وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ) أَيْ يُعْتَقُ وَيَمُوتُ حُرًّا، فَيَكُونَ لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاوِيَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ حُرًّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ ; لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَتُفَارِقُ الْكِتَابَةُ الْبَيْعَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِتَلَفِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ وَيَمُوتُ رَقِيقًا، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْفَتْوَى، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ أَدَاءِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي (وَإِذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحَلِّهَا لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ وَعَتَقَ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ) هَذَا رِوَايَةُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَالِ إِلَّا عِنْدَ نُجُومِهِ ; لِأَنَّ بَقَاءَ الْمُكَاتَبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي مِلْكِهِ حَقٌّ لَهُ، وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَالِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُعْتَقْ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ وَالْخِرَقِيُّ قَوْلَهُمَا فِيهِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ كَالَّذِي لَا يَخْتَلِفُ قَدِيمُهُ وَلَا حَدِيثُهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَؤُنَةٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ عِنْدِي أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا ذَكَرْنَاهُ فِي السَّلَمِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ فِي غَيْرِ تَفْصِيلٍ اعْتِمَادًا عَلَى إِطْلَاقِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَإِذَا قَدَّمَهُ، فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، فَسَقَطَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، لَا يُقَالُ: إِذَا عَلَّقَ عِتْقَ رَقِيقِهِ
كَانَ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ وَإِذَا أَدَّى وَعَتَقَ، فَوَجَدَ السَّيِّدُ بِالْعِوَضِ عَيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى فِعْلٍ فِي وَقْتٍ، فَفَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ لَا يَعْتِقُ ; لِأَنَّهُ مَلَكَ صِفَةً مُجَرَّدَةً لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِوُجُودِهَا، وَالْكِتَابَةُ مُعَاوَضَةٌ يُبْرَأُ فِيهَا بِأَدَاءِ الْعِوَضِ، فَافْتَرَقَا.
فَرْعٌ: لَوْ أَحْضَرَ مَالَ الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْضَهُ لِيُسَلِّمَهُ، فَقَالَ السَّيِّدُ: هُوَ حَرَامٌ، وَأَنْكَرَهُ الْمُكَاتَبُ، قُبِلَ قَوْلُهُ وَوَجَبَ قَبْضُهُ وَيُعْتَقُ، وَإِنْ أَقَامَ السَّيِّدُ بَيِّنَةً بِتَحْرِيمِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيفُ عَبْدِهِ أَنَّهُ حَلَالٌ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ سَيِّدُهُ، وَلَهُ قَبْضُهُ مِنْ دَيْنٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَتَعْجِيزُهُ، وَفِي تَعْجِيزِهِ قَبْلَ أَخْذِ ذَلِكَ عَنْ جِهَةِ الدَّيْنِ وَجْهَانِ، وَإِنْ حَلَفَ الْعَبْدُ، قِيلَ لِسَيِّدِهِ: إِمَّا أَنْ تَأْخُذَهُ، أَوْ تَبْرَأَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى أَخَذَهُ الْحَاكِمُ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ) مِثْلَ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ إِلَى سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: عَجِّلْ لِي خَمْسَمِائَةٍ حَتَّى أَضَعَ عَنْكَ الْبَاقِيَ، أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ، جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ ; لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا هُوَ مِنَ الدُّيُونِ الصَّحِيحَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ هَذَا الْعَقْدَ وَسِيلَةً إِلَى الْعِتْقِ، وَأَوْجَبَ فِيهِ التَّأْجِيلَ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الْعِتْقِ وَتَخْفِيفًا عَنِ الْمُكَاتَبِ، وَإِذَا أَمْكَنَهُ التَّعْجِيلُ عَلَى وَجْهٍ، يَسْقُطُ عَنْهُ بَعْضُ مَا عَلَيْهِ، كَانَ أَبْلَغَ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ وَالْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّعْجِيلِ، صَحَّ رُجُوعُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا صَالَحَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، صَحَّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ بِيعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ، أَوْ عَنِ الْحِنْطَةِ بِشَعِيرٍ، لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ بِيعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، فَعَلَى قَوْلِهِ تَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ كَيْفَ مَا كَانَتْ كَعَبْدِهِ الْقِنِّ وَسَيِّدِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَإِذَا أَدَّى وَعَتَقَ، فَوَجَدَ السَّيِّدُ بِالْعِوَضِ عَيْبًا، فَلَهُ
فَصْلٌ وَيَمَلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ، وَمَنَافِعَهُ، وَالْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ، وَالْإِجَارَةَ، وَالِاسْتِئْجَارَ، وَالسَّفَرَ، وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمَالِ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ) إِذَا بَانَ بِالْعِوَضِ عَيْبٌ فَأَمْسَكَهُ، اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ ; لِأَنَّ إِمْسَاكَهُ الْمَعِيبَ رَاضِيًا بِهِ رِضًا مِنْهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، فَجَرَى مَجْرَى إِبْرَائِهِ، إِنِ اخْتَارَ إِمْسَاكَهُ، وَأَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ رَدَّهُ، أَخَذَ عِوَضَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ قِيمَتُهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ: إِنْهُ لَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ ; لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ، فَإِذَا حَكَمَ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَبْطُلْ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ، وَيَحْكُمُ بِارْتِفَاعِ الْعِتْقِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالتَّرَاضِي كَالْمَبِيعِ، أَمَّا إِذَا دَفَعَ مَالَ الْكِتَابَةِ، فَبَانَ مُسْتَحِقًّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ وُجُودَ هَذَا الدَّفْعِ كَعَدَمِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ.
[يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ وَمَنَافِعَهُ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ]
فَصْلٌ (وَيَمَلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ وَمَنَافِعَهُ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ) بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ إِلَّا بِالِاكْتِسَابِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ، فَإِنْهُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ» (وَالْإِجَارَةَ، وَالِاسْتِئْجَارَ) كَالْبَيْعِ (وَالسَّفَرَ) قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا ; لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْكَسْبِ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِيهِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرٍ تَحِلُّ نُجُومُ كِتَابَتِهِ قَبْلَ قُدُومِهِ، كَالْغَرِيمِ الَّذِي يَحِلُّ الدَّيْنُ عَلَيْهِ قَبْلَ مُدَّةِ سَفَرِهِ (وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ) وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ مُسْتَحَبَّةً ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لِلْمُكَاتَبِينَ الْأَخْذَ مِنَ الْوَاجِبَةِ، فَالْمُسْتَحَبَّةُ أَوْلَى (وَالْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنًى عَنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَلَدِ، أَيْ: التَّابِعُ لَهُ كَوَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ، وَلَمْ يَفْسَخْ سَيِّدُهُ كِتَابَتَهُ، فَتَلْزَمُ النَّفَقَةُ لِسَيِّدِهِ، وَلِلْمُكَاتَبِ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أُمِّهِ لِسَيِّدِهِ، وَفِيهِ مِنْ مُكَاتَبِهِ لِسَيِّدِهِ احْتِمَالَانِ (وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمَالِ) أَيْ: يَمْلِكُ كُلَّ تَصَرُّفٍ فِيهِ صَلَاحُ الْمَالِ كَأَدَاءِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَجَرَيَانِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ صَارَ لِمَا بَذَلَهُ
شَرَطَ أَنْ لَا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَا يَتَسَرَّى، وَلَا يَتَبَرَّعَ، وَلَا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يَقْتَصَّ مِنْ عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضِ رَقِيقِهِ، وَلَا يَعْتِقَ، وَلَا يُكَاتِبَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَوَلَاءُ مَنْ يُعْتِقُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنَ الْعِوَضِ كَالْحُرِّ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ، وَالْأَخْذُ بِهَا مِنْ سَيِّدِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَعَكْسُهُ لَوِ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ شِقْصًا لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنَ الْمُكَاتَبِ.
(وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ، فَهُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ، قَالَهُ الْقَاضِي وَجَمْعٌ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ كَشَرْطِ تَرْكِ الِاكْتِسَابِ.
وَالثَّانِي، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ شَرْطُهُ ; لِأَنَّ لَهُ فِيهِ فَائِدَةً، فَلَزِمَ كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْدًا مَعْلُومًا، فَعَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، فَإِنْ سَافَرَ، فَلَهُ رَدُّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلَّا مَلَكَ تَعْجِيزَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى الرِّقِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِشَرْطِهِ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ كَإِمْكَانِهِ رَدَّهُ، وَأَمَّا إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَأَنَّهُ إِنْ خَالَفَ مَرَّةً لَمْ يُعَجِّزْهُ بِخِلَافِ الْمَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا رَآهُ يَسْأَلُ النَّاسَ مَرَّةً فِي مَرَّةٍ، عَجَّزَهُ، كَمَا إِذَا حَلَّ نَجْمٌ فِي نَجْمٍ، وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَلَا يُطْعِمُهُ مِنْ صَدَقَتِهِمْ وَأَوْسَاخِهِمْ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لَهُمْ سَهْمًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَلَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ حِينَئِذٍ، كَمَا لَا يَصِحُّ شَرْطُ نَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ.
فَرْعٌ: إِقْرَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْعَيْبِ وَالدَّيْنِ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ، وَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِذِمَّتِهِ ; لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ مِنَ السَّيِّدِ غُرُورٌ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ لَهُ.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَا يَتَسَرَّى، وَلَا يَتَبَرَّعَ، وَلَا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يَقْتَصَّ مِنْ عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضِ رَقِيقِهِ، وَلَا يُعْتِقُ، وَلَا يُكَاتِبَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» وَلِأَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ مِنْ كَسْبِهِ، وَرُبَّمَا عَجَزَ فَيَرِقُّ وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ نَاقِصَ الْقِيمَةِ، أَمَّا إِذَا أَذِنَ سَيِّدُهُ، جَازَ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَذِنَ، فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَلَقِنِّ، لَصَحَّ، فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ وَلَا أَمَتَهُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنِ الْقَاضِي: لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضًا فِي تَزْوِيجِهَا، وَلَنَا أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا، وَيَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَمَهْرُهَا، وَهِيَ تُمَلِّكُ الزَّوْجَ بِعضَهَا وَيَنْقُصُ قِيمَتَهَا، وَتُسَلِّمُ نَفْسَهَا لَيْلًا وَكَسْبُهَا لِسَيِّدِهَا.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي، جَازَ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنَ التَّسَرِّي، وَعَنْ أَحْمَدَ: الْمَنْعُ، وَعَنْهُ: عَكْسُهُ، وَرُدَّ بِأَنَّ عَلَى السَّيِّدِ ضَرَرًا، فَمُنِعَ مِنْهُ كَالتَّزْوِيجِ، لَكِنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ ; لِأَنَّهُ وَلَدُهُ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَعَتَقَ الْوَلَدُ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ، أَشْبَهَ الْجُزْءَ، وَإِنْ عَجَزَ، عَادَ إِلَى الرِّقِّ.
الثَّالِثَةُ: لَيْسَ لَهُ اسْتِهْلَاكُ مَالِهِ، وَلَا هِبَتُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ فَيَعُودُ إِلَيْهِ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا يُقْرِضُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ بِفَرْضِيَّةِ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ بِفَلْسٍ أَوْ مَوْتِ الْمُقْتَرِضِ، وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا قَرْضَهُ بِرَهْنٍ.
الْخَامِسَةُ: أَنْ لَا يُحَابِيَ الْمَالَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْهِبَةِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ.
السَّادِسَةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضِ رَقِيقِهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ لِمَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ
وَيُكَاتِبُهُ لِسَيِّدِهِ، وَلَا يُكَفِّرَ بِالْمَالِ، وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ السيِّدِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ أَوْ يُضَارِبَ بِمَالِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ ذَوِي رَحِمِهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
مَصَالِحِ مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ، صَارَ وَسِيلَةً إِلَى إِقْدَامِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
السَّابِعَةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَ رَقِيقِهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ كَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
(وَوَلَاءُ مَنْ يُعْتِقُهُ وَيُكَاتِبُهُ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَلِأَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: لَهُ إِنْ عَتَقَ (وَلَا يُكَفِّرَ بِالْمَالِ) لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاةٌ وَلَا نَفَقَةُ قَرِيبِهِ (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ) صَحَّحَهَا فِي الْمُغْنِي، وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لِلسَّيِّدِ، وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ لَا الْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، لَكَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِفْضَائِهِ إِلَى تَفْوِيتِ الْحُرِّيَّةِ، فَلَمْ يَجِبِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ كَالتَّبَرُّعِ (وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ أَوْ يُضَارِبَ بِمَالِهِ) أَوْ يَبِيعَ نِسَاءً، وَلَوْ بَرهن وَهِبَته بِعِوَضٍ وَقَوَده مِنْ بَعْضِ رَقِيقِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضِهِ إِذَا كَفَلَ بَعْضٌ بَعْضًا وَحْدَهُ، وَعِتْقُهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ وَقَوَدُهُ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ جَنَى عَلَى طَرَفِهِ بِلَا إِذْنٍ (يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى السَّيِّدِ، وَرُبَّمَا فِيهِ غَرَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنْهُ أَسْلَمَ مَالَهُ لِغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلرِّبْحِ، أَشْبَهَ الِاسْتِدَانَةَ مِنْ غَيْرِ رَهْنٍ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ إِنِ احْتَاجَ إِلَى إِنْفَاقِ مَالِهِ فِيهِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَهُ أَنْ يَحُجَّ مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحُجُّ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ مِنْ غَيْرِ إِنْفَاقِ مَالِهِ، فَيَجُوزُ إِذَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ.
الثَّانِيَةُ: لَا تَجُوزُ هَدِيَّةٌ لِلْمَأْكُولِ وَإِعَارَةُ دَوَابِّهِ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَةِ، وَيَحْتَمِلُ
الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ إِذَا وُهِبُوا لَهُ، أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بِمَالِهِ، وَمَتَى مَلَكَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُمْ، وَلَهُ كَسْبُهُمْ وَحُكْمُهُمْ حُكْمُهُ، فَإِنْ عَتَقَ، عَتَقُوا، وَإِنْ رَقَّ، صَارُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ، وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ يَتْبَعُهَا، وَإِنِ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَوَازَ، وَلَا يَضْمَنُ، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: لَهُ إِطْعَامُ الطَّعَامِ لِضِيفَانِهِ، وَإِعَارَةُ أَوَانِي مَنْزِلِهِ مُطْلَقًا.
الثَّالِثَةُ: إِذَا شَرَطَ الْخِدْمَةَ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَفِي الِانْتِصَارِ: يَسْتَمْتِعُ بِجَارِيَتِهِ وَيَسْتَخْدِمُهَا وَيَتَصَرَّفُ بِمَشِيئَتِهِ إِلَّا بِتَبَرُّعٍ (وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ ذَوِي رَحِمِهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُؤَدِّي إِلَى إِتْلَافِ مَالِهِ، فَإِنْهُ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْهِبَةِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ) رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ كَتَمَلُّكِهِمْ بِالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ، إِذْ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِنْ عَجَزَ، فَهُمْ عَبِيدٌ، وَإِنْ عَتَقَ، لَمْ يَضُرَّ السَّيِّدَ عِتْقُهُمْ، وَمِثْلُهُ الْفِدَاءُ، قَالَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَفِيهِ فِي التَّرْغِيبِ: يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ، وَيَصِحُّ شِرَاءُ مَنْ يُعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَالتَّرْغِيبِ، فَإِنْ عَجَزَ عُتِقُوا (وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ إِذَا وُهِبُوا لَهُ، أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بِمَالِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَبُولِ إِتْلَافُ مَالٍ وَلَا ضَرَرٌ، مَعَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ الْحُرِّيَّةِ بِتَقْدِيرِ الْأَدَاءِ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا (وَمَتَى مَلَكَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُمْ) وَلَا إِخْرَاجُهُمْ عَنْ مِلْكِهِ ; لِأَنَّ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ جُزْئِهِ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَبَعْضِهِ (وَلَهُ كَسْبُهُمْ) لِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُهُ (وَحُكْمُهُمْ حُكْمُهُ) لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُ (فَإِنْ عَتَقَ عَتَقُوا) أَيْ: لِأَنَّهُ إِذَا أَدَّى عَتَقَ وَكَمُلَ مِلْكُهُ فِيهِمْ، فَعَتَقُوا حِينَئِذٍ، وَوَلَاؤُهُمْ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ، وَاخْتَارَ فِي الْمُغْنِي: أَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهِ لَهُمْ، وَإِنْ أَعْتَقَهُمُ الْمُكَاتَبُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَتَقُوا (وَإِنْ رَقَّ صَارُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ) وَنَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُكَاتَبِ ; لِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُمُ السَّيِّدُ لَمْ يُعْتَقُوا ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَبِيدًا لَهُ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ (وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ يَتْبَعُهَا) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ، فَسَرَى إِلَى الْوَلَدِ
نِكَاحُهَا، وَإِنِ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
كَالِاسْتِيلَادِ، فَإِنْ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ أَوِ الْإِبْرَاءِ، عَتَقَ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَمْلًا حَالَ الْكِتَابَةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهَا، فَأَمَّا قَبْلَ الْكِتَابَةِ، فَلَا يَتْبَعُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَهَا بِالْعِتْقِ، لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا، فَلِأَنْ لَا يَتْبَعَهَا فِي الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
فَرْعٌ: قِيمَةُ الْوَلَدِ إِنْ تَلَفَ وَكَسْبُهُ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِأُمِّهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُ، عَادَ رَقِيقًا، فَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً، انْبَنَى عَلَى فَسْخِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ عُتِقَتْ بِغَيْرِ الْأَدَاءِ أَوِ الْإِبْرَاءِ، لَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ وَلَدَهَا دُونَهَا، صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا، وَوَلَدُ بِنْتِهَا كَبِنْتِهَا، وَوَلَدُ ابْنِهَا حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ.
(وَإِنِ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ زَوْجَتَهُ) أَوِ الْمُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا، صَحَّ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَإِذَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَلِكُ الْيَمِينِ وَمِلْكُ النِّكَاحِ، وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ، فَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
(وَإِنِ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا ; لِأَنَّهَا مُسْتَوْلَدَتُهُ، أَشْبَهَتْ مُسْتَوْلَدَةَ الْحُرِّ.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِمَمْلُوكٍ في غير مِلْكٍ تَامٍّ.
فَصْلٌ وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ، وَلَا يَبِيعُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَإِنْ جَنَى فَعَلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَعَلَيْهِ أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِهِ مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ، وَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أُمَّهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَيُؤَدَّبُ، وَلَا يُبْلَغُ بِهِ الْحَدُّ، وَإِنْ شَرَطَ وَطْأَهَا، فَلَا مَهْرَ
[المبدع في شرح المقنع]
[لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِ الْمُكَاتَبِ]
فَصْلٌ (وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ، وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ لِبَائِعِهِ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَارَدُ عَلَيْهِ مَلِكَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (وَلَا يَبِيعُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَعَ سَيِّدِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَيَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا فِي الْأَصَحِّ، إِلَّا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ (وَإِنْ جَنَى فَعَلَيْهِ) فَلَا قِصَاصَ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ (أَرْشُ جِنَايَتِهِ) لِأَنَّهُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِانْدِمَالِ الْجُرْحِ، فَإِنْ قُتِلَ فَهَدْرٌ (وَإِنْ حَبْسَهُ مُدَّةً) وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ: أَوْ مَنَعَهُ مُدَّةً (فَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى السَّيِّدِ (أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِهِ مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا فَاتَهُ مِثْلٌ (أَوْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنَافِعَهُ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهَا كَالْعَبْدِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ أَرْفَقُهُمَا بِمُكَاتَبِهِ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَهَا، فَكَانَ لَهُ أَنْفَعُهُمَا، فَإِنْ قَهْرَهُ أَجْنَبِيٌّ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنْ قَهْرَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، لَمْ يَلْزِمِ السَّيِّدَ إِنْظَارُهُ ; لِأَنَّ الْحَبْسَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ) لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنِ اسْتِخْدَامِهَا، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، فَمُنِعَ مِنْ وَطْئِهَا كَالْمُعْتَقَةِ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ) فَلَهُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِبَقَاءِ أَصْلِ الْمِلْكِ كَرَاهِنٍ يَطَأُ بِشَرْطٍ، ذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالْمُنْتَخَبِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَفِي الشَّرْحِ، وَقِيلَ: لَهُ وَطْؤُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهَا عَنِ الْكَسْبِ (وَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أُمَّهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ) وَلِأَنَّهُ عِوَضُ شَيْءٍ مُسْتَحَقٍّ لِلْكِتَابَةِ، فَكَانَ لَهَا كَبَقِيَّةِ مَنَافِعِهَا، وَسَوَاءٌ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ أَوْ طَاوَعَتْهُ ; لِأَنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا فَوَجَبَ لَهَا كَأُجْرَةِ خِدْمَتِهَا، وَقِيلَ: إِنْ طَاوَعَتْهُ، فَلَا (وَيُؤَدَّبُ) لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا (وَلَا يُبْلَغُ بِهِ الْحَدُّ) لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالْمُكَاتَبَةُ
لَهَا عَلَيْهِ، وَمَتَى وَلَدَتْ مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ وَسَقَطَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا، وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ عَجْزِهَا، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ، وَإِنْ كَاتَبَ اثْنَانِ جَارِيَتَهُمَا، ثُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
مَمْلُوكَةٌ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا تَحْرِيمَ ذَلِكَ، وَالْآخَرُ جَاهِلًا عُزِّرَ الْعَالِمُ، وَعُذِرَ الْجَاهِلُ (وَإِنْ شَرَطَ وَطْأَهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ صِحَّةِ اشْتِرَاطٍ، وَكَذَا لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَطِئَ مِلْكَهُ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا بِشَرْطٍ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَهُوَ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ ; لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَا تَبْطُلُ كِتَابَتُهَا بِذَلِكَ.
أَصْلٌ: لَيْسَ لَهُ وَطْءُ بِنْتِ مُكَاتَبَتِهِ، فَإِنْ وَطِئَهَا عُزِّرَ، وَمَهْرُهَا حُكْمُهُ حُكْمُ كَسْبِهَا يَكُونُ لِأُمِّهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، فَإِنْ أَحْبَلَهَا (وَمَتَى وَلَدَتْ مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وُلَدٍ لَهُ) وَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةِ مُكَاتَبَتِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ اتِّفَاقًا، فَإِنْ فَعَلَ، عُزِّرَ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَمَهْرُهَا لِسَيِّدِهَا، وَلَا تَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا عَلَى الْأَصَحِّ (وَمَتَى وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، فَإِنْ أَدَّتْ عُتِقَتْ) بِالْكِتَابَةِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهَا، وَمَا فَضُلَ مِنْ كَسْبِهَا، فَهُوَ لَهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ، وَرُدَّتْ إِلَى الرِّقِّ، بَطُلَ حُكْمُ كِتَابَتِهَا، وَبَقِيَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ مُنْفَرِدًا، وَمَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا (فَإِنْ مَاتَ) السَّيِّدُ قَبْلَ عَجْزِهَا (قَبْلَ أَدَائِهَا، عُتِقَتْ) لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ لَهَا شَيْئَانِ يَقْتَضِيَانِ الْعِتْقَ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ، عُتِقَتْ بِهِ (وَسَقَطَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا) لِأَنَّهَا عُتِقَتْ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ (وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ الْعِتْقَ إِذَا وَقَعَ فِي الْكِتَابَةِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا لَهَا، وَالْعِتْقُ لَا يَقْتَضِي زَوَالَهُ عَنْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ عُتِقَتْ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ عَجْزِهَا) فَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ ; لِأَنَّهَا قَدْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ بِالْعَجْزِ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (هُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا) لِأَنَّهَا عُتِقَتْ بِحُكْمِ الِاسْتِيلَادِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْكِتَابَةِ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ) لِأَنَّ عِتْقَهُ بِالْمُبَاشَرَةِ كَعِتْقِهَا بِالِاسْتِيلَادِ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُكْمِ، لَكِنْ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِعْتَاقَ
وَطِئَاهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَهَلْ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأُلْحِقَ بِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا يُعْتَقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يَسْرِي اسْتِيلَادُ أَحَدِهِمَا إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ إِلَّا أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَنْهُ يَكُونُ بِرِضًا فِي الْعِتْقِ، فَيَكُونُ رِضًا مِنْهُ بِإِعْطَائِهَا مَالَهَا، وَالْعِتْقُ بِالِاسْتِيلَادِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ رِضَا الْوَرَثَةِ وَاخْتِيَارِهِمْ، فَلَا يَتْبَعُ الْمُكَاتَبَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ (وَإِنْ كَاتَبَ اثْنَانِ جَارِيَتَهُمَا، ثُمَّ وَطِئَاهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ الْوَطْءَ يُوجِبُ الْمَهْرَ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا حِينَ وَطْئِهَا الْأَوَّلُ فَعَلَيْهِ مَهْرُ بِكْرٍ، وَعَلَى الْآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ، فَإِنْ أَفْضَاهَا أَحَدُهُمَا بِوَطْئِهِ، فَعَلَيْهِ لَهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ قَدْرُ نَقْصِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَاجِبِ فِي إِفْضَاءِ الْحُرِّ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا) أُدِّبَ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ (صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِحُرٍّ فِي شَيْءٍ يَمْلِكُ بَعْضَهُ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلسِّرَايَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنَ الْعِتْقِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَيَنْفُذُ مِنْ جَارِيَةِ ابْنِهِ وَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَرَضِ (وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا) قِنًّا ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهَا بِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَدَّاهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَفِي ذِمَّتِهِ، هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّ الْإِحْبَالَ أَقْوَى مِنَ الْعِتْقِ، وَفِي ضَمَانِ نِصْفِ مَهْرِهَا وَجْهَانِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ نَصِفُهَا، مُكَاتَبًا، وَلَهَا كُلُّ الْمَهْرِ (وَهَلْ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَالثَّانِيَةُ، يلزمه وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ سَبِيلِ هَذَا النِّصْفِ: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِشَرِيكِهِ، فَقَدْ أَتْلَفَ رِقَّهُ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهَا إِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ التَّقْوِيمِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَاطِئِ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ التَّقْوِيمِ غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِهِ (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأُلْحِقَ بِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِمَا (يُعْتَقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ) لِأَنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُهُ
يَعْجِزَ، فَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، قُوِّمَ عَلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ، وَمُشْتَرِيهِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِ، عَتَقَ،
[المبدع في شرح المقنع]
كُلٌّ مِنْهُمَا (وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يَسْرِي اسْتِيلَادُ أَحَدِهِمَا إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ، وَلِمُكَاتَبِهَا عَلَيْهَا الْوَلَاءُ، وَفِي السِّرَايَةِ إِبْطَالٌ لِذَلِكَ (فَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ) لِأَنَّ لَهُ حَالَةً يَسْرِي فِيهَا، وَحَالَةً لَا يَسْرِي فِيهَا (فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ) لِأَنَّ اسْتِيلَادَ الْمُوسِرِ مُوجِبٌ لِلسِّرَايَةِ فِي الرَّقِيقِ، وَحِينَئِذٍ فَنَصِفُهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَنِصْفُهَا مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَدَّتْ عُتِقَتْ، وَإِنْ عَجَزَتْ فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ، وَقُوِّمَتْ عَلَى الْوَاطِئِ، وَصَارَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ الْوَاطِئُ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ إِحْبَالُهُ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ، فَلَمْ يَسْرِ مَعَ الْإِعْسَارِ كَالْقَوْلِ، وَيَصِيرُ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنْ عَجَزَتِ اسْتَقَرَّ الرِّقُّ فِي نِصْفِهَا، وَثَبَتَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ لِنِصْفِهَا.
[جَوَازُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ]
فَصْلٌ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «جَاءَتْ بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عُدَّةً، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: بِيعَتْ بَرِيرَةُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ أَنْكَرَهُ، وَلَا أَعْلَمُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ، وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ دَلِيلًا عَلَى عَجْزِهَا، وَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ قَوْلُهَا: أَعِينِينِي، دَلِيلٌ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى الْكِتَابَةِ (وَمُشْتَرِيهِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُكَاتَبِ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِهِ كَالنِّكَاحِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا إِذَا كَانَ مَاضِيًا فِيهَا، مُؤَدِّيًا
وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ عَجَزَ، عَادَ قِنًّا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، فَلَهُ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنِ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَاتَبَيْنِ الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَا لِوَاحِدٍ أَوْ لِاثْنَيْنِ، وَإِنْ جَهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَسَدَ
[المبدع في شرح المقنع]
مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِهِ فِي أَوْقَاتِهَا (فَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِ، عَتَقَ) دُونَ وَلَدِهِ (وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَإِنْ عَجَزَ عَادَ قِنًّا لَهُ) لِأَنَّ حُكْمَهُ مَعَ بَائِعِهِ كَذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ فَلَهُ الرَّدُّ) وَأَخْذُ الثَّمَنِ (أَوِ) الْإِمْسَاكُ مَعَ (الْأَرْشِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَقْصٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْكَسْبِ، فَمَنَعَ الْبَيْعَ كَالَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ بِأَكْثَرَ مِنْ كِتَابَتِهِ لَا بِقَدْرِهَا، حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَفِي الْوَاضِحِ فِي مُدَبَّرٍ كَذَلِكَ، أَيْ: عَلَى الْخِلَافِ كَعَبْدٍ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ، وَحُكْمُ الْوَصِيَّةِ بِهِ وَهِبَتُهُ كَبَيْعِهِ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ مِنْ هِبَتِهِ قَصْرًا عَلَى الْمَوْرِدِ، فَأَمَّا وَقْفُهُ، فَلَا يَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الِاسْتِقْرَارِ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِهِ لِدَيْنِ السَّلَمِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُكَاتَبُ إِلَى الْمُشْتَرِي نُجُومَهُ، فَقِيلَ: يُعْتَقُ وَيَبْرَأُ الْمُكَاتَبُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَبَضَهُ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ، رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ، وَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُشْتَرِي إِلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ تَسْلِيمُهُ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُكَاتَبِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (وَإِنِ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَاتَبَيْنِ الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَبَطَلَ شِرَاءُ الثَّانِي) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ سَيِّدَهُ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا مَوْلَاكَ، وَلِي وَلَاؤُكَ، وَإِنْ عَجَزْتَ صِرْتَ لِي رَقِيقًا (سَوَاءٌ كَانَا لِوَاحِدٍ أَوْ لِاثْنَيْنِ) لِأَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُ الْعَبْدِ لَا يَمْلِكُ سَيِّدَهُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا (وَإِنْ جَهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَسَدَ الْبَيْعَانِ) اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَنِكَاحِ الْوَلِيَّيْنِ إِذَا أَشْكَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، وَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى فَسْخٍ، وَلَا إِلَى
الْبَيْعَانِ، وَإِنْ أَسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأَحَبَّ سَيِّدُهُ، أَخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، وَإِلَّا فَهُوَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مبقي عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ.
فَصْلٌ وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَعَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْكِتَابَةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَحَاصَّانِ، وَإِنْ عَتَقَ، فَعَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ، وَإِنْ عَجَزَ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ إِنْ كَانَتِ
[المبدع في شرح المقنع]
قُرْعَةٍ، وَأَجْرَاهُ الْقَاضِي مَجْرَى الْوَلِيَّيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَفْسَخُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، وَيُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فِي أُخْرَى (وَإِنْ أَسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَأَحَبَّ سَيِّدُهُ، أَخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ) أَيْ: يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ بِمَا اشْتَرَاهُ الْغَيْرُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا إِذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ، وَهَلْ يُحْتَسَبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا عِنْدَ الْكَافِرِ؛ فِيهَا وَجْهَانِ، رَجَّحَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ يُحْتَسَبُ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُحِبَّ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ (فَهُوَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مبقي عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا تَبْطُلُ بِالْبَيْعِ، فَلِأَنْ لَا تَبْطُلَ بِالْكَسْرِ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى، يُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ ; لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى كِتَابَتَهُ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ ; لِأَنَّهُ مُعْتِقُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِسَيِّدِهِ: أَعْتِقْ مُكَاتَبَكَ عَلَى كَذَا، فَفَعَلَ، عَتَقَ وَلَزِمَهُ مَا الْتَزَمَ بِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: إِذَا أَدَّى حَرْبِيٌّ عَنْ مُكَاتَبٍ دَيْنَ الْكِتَابَةِ بِلَا إِذْنِهِ، لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ قَضَى دَيْنًا آخَرَ، رَجَعَ بِهِ إِنْ نَوَاهُ.
[إِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ]
فَصْلٌ (وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ) أَيْ: إِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ، تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: جِنَايَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَرْجِعُ بِهَا سَيِّدُهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ، يَبْدَأُ بِأَدَاءِ الْجِنَايَةِ (مُقَدَّمًا عَلَى الْكِتَابَةِ) سَوَاءٌ حَلَّ نَجْمٌ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ جِنَايَتَهُ تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمِلْكِ إِذَا كَانَ قِنًّا، فَعَلَى حَقِّهِ فِي الْمُكَاتَبِ أَوْلَى (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَحَاصَّانِ) لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَتَسَاوَيَا، وَكَذَا إِنْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ (وَإِنْ عَتَقَ، فَعَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ) أَيْ: إِذَا أَدَّى مُبَادِرًا، وَلَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، عَتَقَ، وَاسْتَقَرَّ الْفِدَاءُ،
الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ، وَإِلَّا فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ وَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ، وَالْوَاجِبُ فِي الْفِدَاءِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كَامِلَةً، وَإِنْ لَزِمَتْهُ دُيُونُ مُعَامَلَةٍ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَكُونُ الْأَرْشُ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَضْمَنُ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَيَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ عَتَقَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ الِاسْتِحْقَاقِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ (وَإِنْ عَجَزَ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْأَرْشَ حَقٌّ لَهُ، فَكَانَ لَهُ تَعْجِيزُهُ إِذَا عَجَزَ عَنْهُ كَمَالُ الْكِتَابَةِ (وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمِلْكٍ، فَدَاهُ، فَكَذَا هُنَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ (فَسُخِتِ الْكِتَابَةُ وَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ) قِنًّا، نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ السَّيِّدِ ; لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِعِتْقِ الْمُكَاتَبِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ، فَإِنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ يَفْدِيهِ إِنْ شَاءَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِهِ أَقُولُ (وَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ) أَيْ: عَلَى السَّيِّدِ فِدَاءُ الْجَانِي ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ تَسْلِيمَ الرَّقَبَةِ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ (وَالْوَاجِبُ فِي الْفِدَاءِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهِ) لِأَنَّ الْأَقَلَّ إِنْ كَانَ الْقِيمَةَ، فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا الرَّقَبَةَ وَالْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنْهَا ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْمَالِيَّةِ لَا الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِمَّا جُنِيَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: جِنَايَتُهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، وَعَنْهُ: وَسَيِّدُهُ بِالْأَرْشِ كُلِّهِ (وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كَامِلَةً) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى عَبْدُهُ غَيْرَ الْجَانِي، وَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا، فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ، فَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لَهُ، وَجَبَ ; لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَعَ سَيِّدِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَيَفْدِي نَفْسَهُ بِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنِ اخْتَارَ السَّيِّدُ تَأْخِيرَ الْأَرْشِ، وَتَقْدِيمَ مَالِ الْكِتَابَةِ جَازَ، وَيُعْتَقُ إِذَا أَدَّى، خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ، وَحُكْمُ وَرَثَةِ السَّيِّدِ مَعَ الْمُكَاتَبِ حُكْمُ سَيِّدِهِ مَعَهُ، فَإِنْ جَنَى
فَصْلٌ وَالْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لَا يَدْخُلُهَا الْخِيَارُ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَلَا جُنُونِهِ وَلَا الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَيُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ إِلَى سَيِّدِهِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
جِنَايَاتٍ اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، فَلِوَلِيِّهِ الِاسْتِيفَاءُ، وَيُبْطَلُ حُقُوقُ الْآخَرِينَ، فَإِنْ عُفِيَ إِلَى مَالٍ، فَكَجِنَايَةِ الْمَالِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ، أَوْ فَدَاهُ، لَزِمَهُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشُهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْأَشْهَرِ (وَإِنْ لَزِمَتْهُ دُيُونُ مُعَامَلَةٍ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ) لَا رَقَبَتِهِ، وَمُقَدَّمُهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ، فَلِهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ مَالٌ، فَلَيْسَ لِغَرِيمِهِ تَعْجِيزُهُ بِخِلَافِ الْأَرْشِ، وَدَيْنِ الْكِتَابَةِ (يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ) أَيْ: إِذَا عَجَزَ عَنْهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَالَ يَسَارِهِ، وَعَنْهُ: وَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي، فَيَتَسَاوَى الْإِقْدَامُ، وَيَمْلِكُ تَعْجِيزَهُ، وَيَشْتَرِكُ رَبُّ الدَّيْنِ وَالْأَرْشِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِفَوْتِ الرَّقَبَةِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَلِغَيْرِ الْمَحْجُورِ تَقْدِيمُ أَيِّ دَيْنٍ شَاءَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ هَلْ يُقَدَّمُ دَيْنُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى السَّيِّدِ كَحَالَةِ الْحَيَاةِ، أَمْ يَتَحَاصَّانِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَهَلْ يَتَصَرَّفُ سَيِّدُهُ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ مَعَ غَرِيمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
[الْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لَا يَدْخُلُهَا الْخِيَارُ]
فَصْلٌ (وَالْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لَا يَدْخُلُهَا الْخِيَارُ) وَلِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ (وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا) كَسَائِرِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ) كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ الْعَقْدُ دُونَ الشَّرْطِ، وَكَذَا كُلُّ شَرْطٍ فَاسِدٍ فِيهَا (وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (ولَا جُنُونِهِ وَلَا الْحَجْرِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَالْبَيْعِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: إِنْ أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ، يُحْتَسَبُ مِنْ ثُلُثِهِ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ وَيُعْتَقُ (وَيُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ إِلَى سَيِّدِهِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ وَغَيْرِهِمْ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضُوعُهَا الْعِتْقُ بِتَقْدِيرِ الْأَدَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ، وَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَلِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى الْوَرَثَةِ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ، فَهُوَ كَالْأَدَاءِ إِلَى مُورِّثِهِمْ، وَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ كَسَائِرِ دُيُونِهِ، وَإِذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ إِلَى
حَلَّ نَجْمٌ وَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ، وَعَنْهُ: لَا يُعَجَّزُ حَتَّى يَحِلَّ عَلَيْهِ نَجْمَانِ.
وَعَنْهُ: لَا يُعَجَّزُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ عَجَزْتُ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فَسْخُهَا بِحَالٍ، وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَرَثَةِ، فَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ يَخْتَصُّ بِهِ عَصَبَتُهُ، وَعَنْهُ: لِلْوَرَثَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ بَاعَهُ الْوَرَثَةُ، أَوْ وَهَبُوهُ، فَاحْتِمَالَانِ، وَكَذَا يُعْتَقُ بِالْإِبْرَاءِ، وَفِي الِاعْتِيَاضِ وَجْهَانِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَإِنْ حَلَّ نَجْمٌ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ) أَيْ: فَسْخُ الْكِتَابَةِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْمُشْتَرِي بِبَعْضِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَعَنْهُ: لَا يُعَجَّزُ حَتَّى يَحِلَّ عَلَيْهِ نَجْمَانِ) هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَكَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَا يُرَدُّ الْمُكَاتَبُ إِلَى الرِّقِّ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ اعْتُبِرَ فِيهِ التَّنْجِيمُ لِإِرْقَاقِ الْعَبْدِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا هُوَ أَرْفَقُ لَهُ، وَإِذَا قُلْنَا: لِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الْكِتَابَةُ بِالْعَجْزِ، بَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اخْتَارَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَمْلِكِ الْعَبْدُ الْفَسْخَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنِ اخْتَارَ الْفَسْخَ، فَلَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُضُورِ حَاكِمٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِنَابَةُ، لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَعَنْهُ: لَا يُعَجَّزُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ عَجَزْتُ) حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّ فَوَاتَ الْعِوَضِ لَا يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ، وَعَنْهُ: إِنْ أَدَّى أَكْثَرَ مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يُرَدَّ إِلَى الرِّقِّ، وَيُتْبَعْ بِمَا بَقِيَ، وَيَلْزَمْهُ إِنْظَارُهُ ثَلَاثًا كَبَيْعِ عِوَضٍ، وَمِثْلُهُ مَالُ غَائِبٍ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ يَرْجُو قُدُومَهُ، وَدَيْنٌ حَالٌّ عَلَى مَلِيءٍ وَمُودِعٍ، وَأَطْلَقَ جَمْعٌ: لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ اسْتِيفَاؤُهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهِ (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فَسْخُهَا بِحَالٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي ; لِأَنَّهَا سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ، وَفِيهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي فَسْخِهَا إِبْطَالُ لِذَلِكَ الْحَقِّ (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْعَقْدَ لَحِظَهُ، فَمَلَكَ فَسَخَهُ كَمُرْتَهِنٍ وَكَاتِّفَاقِهِمَا، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا بِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ لَهُ، فَإِذَا رَضِيَ
زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ ثُمَّ مَاتَ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْفَسِخَ حَتَّى يَعْجِزَ، وَيَجِبَ عَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ بِرُبُعِ مَالِ الْكِتَابَةِ إِنْ شَاءَ وَضَعَهُ مِنْهُ، وَإِنْ شَاءَ قَبَضَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ سَقَطَ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ (وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ) بِرِضَاهَا (ثُمَّ مَاتَ) السَّيِّدُ أَوْ وَرِثَ زَوْجَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ (انْفَسَخَ النِّكَاحُ) عَلَى الْمَذْهَبِ فَيُعَايَا بِهَا ; لِأَنَّ زَوْجَتَهُ تَمْلِكُهُ أَوْ تَمْلِكُ سَهْمًا مِنْهُ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَمَا لَوِ اشْتَرَتْهُ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أُمُورٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَثَانِيهَا: أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهَا، وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ وَارِثَهُ، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ دِينٍ أَوْ كَاتَبَ قَاتِلَهُ، فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ ; لِأَنَّهَا مَا مَلَكَتْهُ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْفَسِخَ حَتَّى يَعْجِزَ) لِأَنَّهَا لَا تَرِثُهُ، وَإِنَّمَا تَمْلِكُ نَصِيبَهَا مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ، وَفِي الِانْتِصَارِ نَصَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ انْتِقَالَ مَا يُقَابِلُهُ إِلَى الْوَرَثَةِ، فَعَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِمُعَيَّنٍ، وَالْكِتَابَةُ تَمْنَعُ الِانْتِقَالَ، فَلَا فَسْخَ، وَعَلَى رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ، وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ النِّسَاءِ كَالْحُكْمِ فِي الْبِنْتِ (وَيَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ) شَيْئًا مِمَّا كُوتِبَ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَاخْتَلَفَ مُوجِبُهُ، فَقَدَّرَهَا إِمَامُنَا (بِرُبُعِ مَالِ الْكِتَابَةِ) رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا، وَأَوْجَبَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَا اخْتَارَهُ السَّيِّدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَدِّرُهُ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ كَالْمُتْعَةِ (إِنْ شَاءَ وَضَعَهُ عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ قَبَضَهُ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّخْفِيفُ عَنِ الْمُكَاتَبِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي النُّصْحِ وَأَعُونُ عَلَى حُصُولِ الْعِتْقِ، فَيَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْإِيتَاءِ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، وَفِي الرَّوْضَةِ رِوَايَةٌ وَقَدَّمَهَا: لَا يَجِبُ إِيتَاءُ الرُّبُعِ، وَالْأَمْرُ فِي الْآيَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إِنْ أَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِهِ، جَازَ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهَا، وَقِيلَ: لَا، وَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، جَازَ لَهُ أَخْذُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْأَشْهَرِ، وَوَقْتُ الْوُجُوبِ حِينَ الْعِتْقِ، وَإِنْ
فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ وَعَجَزَ عَنِ الرُّبُعِ، عَتَقَ، وَلَمْ تَنْفَسِخِ الْكِتَابَةُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ.
[المبدع في شرح المقنع]
مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ إِيتَائِهِ، فَهُوَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ (فَإِنْ أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ) وَعَنْهُ: أَوْ أَكْثَرَ (وَعَجَزَ عَنِ الرُّبُعِ عَتَقَ) وَلِسَيِّدِهِ الْفَسْخُ فِي أَنَصِّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِمَا، وَفِي التَّرْغِيبِ فِي عِتْقِهِ بِالتَّقَاصِّ رِوَايَتَانِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَجْزَ، وَقَالَ: لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِ النُّجُومِ أَوْ أَدَّاهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ بِمِثْلِ النُّجُومِ، عَتَقَ عَلَى الْأَصَحِّ (وَلَمْ تَنْفَسِخِ الْكِتَابَةُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ) وَنَسَبَهُ فِي الْكَافِي إِلَى الْأَصْحَابِ ; لِعَجْزِهِ عَنْ مَا وَجَبَ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْتِقَ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَصْلًا، وَلِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حَقٍّ لَهُ، فَلَمْ تَتَوَقَّفْ حُرِّيَّتُهُ عَلَى أَدَائِهِ كَأَرْشِ جِنَايَةِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يُتْبَعُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ) اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَزَيْدٍ وَعَائِشَةَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفُ الْعِتْقُ عَلَى أَدَاءِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ وَجَبَ رَدُّ الْبَعْضِ إِلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِلَّهِ عَلَيَّ رَدُّ رُبُعِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ بَعْضِهَا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: يَعْتِقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، أَوْ رَدَّ فِي الْكِتَابَةِ، وَكَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ مَفْرُوضَةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: هُوَ لِسَيِّدِهِ، وَالْأُخْرَى: يُجْعَلُ فِي الْمُكَاتَبِينَ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: يُرَدُّ إِلَى أَرْبَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَلَوْ قَالَ لِمُكَاتَبِهِ: مَتَى عَجَزْتَ بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ تَحْدُثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَعَلَى الصِّحَّةِ إِنِ ادَّعَى الْعَجْزَ قَبْلَ حُلُولِ النُّجُومِ، لَمْ يَعْتِقْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَعْجِزُ عَنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَاتَبَهُ، ثُمَّ أَسْقَطَ عَنْهُ مَالَ الْكِتَابَةِ بَرِئَ وَعَتَقَ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْقَدْرِ
فَصْلٌ وَإِذَا كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ، صَحَّ، وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَاتَبًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا، وَيَعْجِزُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا وَحْدَهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعِوَضُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَلَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ
[المبدع في شرح المقنع]
الَّذِي كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِيتَاؤُهُ، وَكَذَا لَوْ أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي يَلْزَمُهُ إِيتَاؤُهُ وَاسْتوفى الْبَاقِي، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَخَرَّجَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّدَاقِ، وَلَا يَصِحُّ بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَاتَبَ لثَلَاثَة عَبْدًا فَادَّعَى الْأَدَاءَ إِلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُ اثْنَانِ وَأَنْكَرَهُ الثَّالِثُ، شَارَكَهُمَا فِيمَا أَقَرَّا بِقَبْضِهِ، وَنَصُّهُ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَفِي الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ.
[كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ]
فَصْلٌ (وَإِذَا كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ صَحَّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بَيْعٌ، فَصَحَّ عَقْدُهَا عَلَى جَمَاعَةٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ كَالْبَيْعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ ثَلَاثَةٍ لِبَائِعٍ: اشْتَرَيْتُ أَنَا زَيْدًا، وَهَذَا عَمْرًا، وَهَذَا بَكْرًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ (وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ) يَوْمَ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ حِينَ الْمُعَاوَضَةِ، وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ، فَيُقَسَّطَ عَلَى الْمُعَوِّضِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا، وَكَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبِيدًا، فَرُدَّ وَاحِدٌ بِعَيْبٍ (وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَاتَبًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا وَيُعَجَّزُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا وَحْدَهُ) لِأَنَّ الْحِصَّةَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ الْمَنْقُودِ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ عَنِ الْبَاقِينَ، فَسَدَ الشَّرْطُ، وَصَحَّ الْعَقْدُ، وَعَنْهُ: صِحَّةُ الشَّرْطِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: غَلَبَتْ فِيهَا الصِّفَةُ، فَتَكُونُ جَائِزَةً، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ أَوْ عَتَقَ، سَقَطَ قَدْرُ حِصَّتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ الْأَعْلَوْنَ قِيمَةً: أَدَّيْنَا عَلَى قَدْرِ قِيمَتِنَا، وَقَالَ الْأَدْنَوْنَ قِيمَةً: بَلْ عَلَى عَدَدِنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي التَّسْوِيَةَ إِنْ جَعَلَ الْعِوَضَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعِوَضُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ) وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْعِوَضَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ
مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ، لم يعتقه واحد منهم حتى تؤدى الكتابة كلها، فَلَوِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ الْأَدَاءِ فِي قَدْرِ مَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي أَدَاءً قَدْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَ عَبْدِهِ، فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ كُلُّهُ وَتَجُوزُ كِتَابَةُ حِصَّتِهِ مِنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرِكِ بِغَيْرِ إِذَنْ شَرِيكِهِ، فَإِذَا أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ وَمِثْلَهُ لِسَيِّدِهِ الْآخَرِ، عَتَقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُوسِرًا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ قَبْلَ أَدَائِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ الْمُكَاتَبِ، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
رُؤُوسِهِمْ ; لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَيْهِمْ إِضَافَةً وَاحِدَةً، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِشَيْءٍ (وَلَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ) وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُقَدَّرٌ فِيهَا قَوْلُ السَّيِّدِ وفي المغني: مَتَى أَدَّيْتُمْ فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ، (لم يعتق واحد منهم حتى تؤدى الكتابة كلها) الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْإِقْرَارُ لَيْسَ بِعِوَضٍ (فَلَوِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ الْأَدَاءِ فِي قَدْرِ مَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي أَدَاءً قَدْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَدَاءُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ لِاعْتِضَادِهِ بِالظَّاهِرِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا كَاتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عِدَّتَهُمْ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ، فَقَدْ دَخَلُوا فِي الْكِتَابَةِ أَيْضًا (وَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَ عَبْدِهِ) لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَصَحَّتْ فِي بَعْضِهِ كَالْبَيْعِ، وَيَمْلِكُ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: يُقَسَّمُ كَسْبُهُ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَ مَالِكِ بَاقِيهِ نِصْفَيْنِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: يَوْمًا لَهُ وَيَوْمًا لِمَالِكِ بَاقِيهِ، يَعْنِي إِذَا كَاتَبَ نِصْفَهُ (فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ كُلُّهُ) لِأَنَّهُ إِذَا سَرَى فِيهِ الْعِتْقُ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، فَإِلَى مِلْكِهِ أَوْلَى (وَتَجُوزُ كِتَابَةُ حِصَّتِهِ مِنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ كَالْبَيْعِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِذْنِ شَرِيكِهِ (فَإِذَا أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، وَمِثْلَهُ لِسَيِّدِهِ الْآخَرِ، عَتَقَ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُوسِرًا) لِأَنَّ بَعْضَهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ، فَيَسْرِي إِلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ نَصِيبَهُ بِالْعِتْقِ (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْحِصَّةَ عَلَى مَالِكِهَا لِإِتْلَافِهَا بِالْعِتْقِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ (فَإِنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ قَبْلَ أَدَائِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ الْمُكَاتَبِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي
الْقَاضِي: لَا يَسْرِي إِلَى نَصِيبِ الْمُكَاتَبِ إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ، فَيَقُومَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَاتَبَا عَبْدَهُمَا، جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى التَّسَاوِي أَوِ التَّفَاضُلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِمَا إِلَّا عَلَى التَّسَاوِي، فَإِذَا كَمُلَ أَدَاؤُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ، لَمْ يَعْتِقْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْآخَرِ فَيَعْتِقَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعْتِقَ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَبْدٍ» وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ لِجُزْءٍ مِنَ الْعَبْدِ مِنْ مُوسِرٍ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، فَسَرَى إِلَى بَاقِيهِ كَالْقِنِّ، وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مُكَاتَبًا ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَبَاقِيهِ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ عَجَزَ، عَادَ الْجُزْءُ الْمُكَاتَبُ رَقِيقًا، إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ الِاسْتِسْعَاءِ (وَقَالَ الْقَاضِي) وَأَبُو بَكْرٍ: (لَا يَسْرِي إِلَى نَصِيبِ الْمُكَاتَبِ) لِأَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ لِلْمُكَاتَبِ سَبَبُ الْوَلَاءِ، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ (إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ فَيَقُومَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ) لِأَنَّهُ عَادَ قِنًّا، فَلَا يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ (وَإِنْ كَاتَبَا عَبَدَهُمَا، جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى التَّسَاوِي أَوِ التَّفَاضُلِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مُتَسَاوِيًا، وَمُتَفَاضِلًا كَالْبَيْعِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِمَا إِلَّا عَلَى التَّسَاوِي) يَعْنِي عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، فَيَتَسَاوَيَانِ فِي الْأَدَاءِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ شَيْئًا، لَمْ يَصِحَّ، وَلِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ، فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ.
وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَمْ يَقَعْ إِذْنُهُ فِيهِ (فَإِذَا كَمُلَ أَدَاؤُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ نَصِيبَهُ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ، فَيَسْرِي إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ (وَإِنْ أَدَّى إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ، لَمْ يَعْتِقْ) لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْصُلُ بِأَدَاءِ مَالِ الْغَيْرِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْآخَرِ فَيَعْتِقَ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ، صَحَّ الْأَدَاءُ، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ الْعِتْقُ لِحُصُولِ الْأَدَاءِ الصَّحِيحِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعْتِقَ) لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ، وَمَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ مِلْكٌ لَهُ، فَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ فِيهِ لَمْ يُنَفِّذْ.
فَصْلٌ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْكِتَابَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ عِوَضِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي وَفَاءِ مَالِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ، أَوْ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، ثَبَتَ الْأَدَاءُ وَعَتَقَ.
[المبدع في شرح المقنع]
[إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْكِتَابَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهَا]
فَصْلٌ
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْكِتَابَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ عِوَضِهَا) أَوْ جِنْسِهِ أَوْ أَجَلِهِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) أَيْ: مَعَ يَمِينِهِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْكِتَابَةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي الْعَقْدِ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْكَاتِبِ، نَصَرَهَا الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، فَيَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ بِمَالٍ، وَأَجَابَ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّهُ إِنْمَا قُدِّمَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا مَعَ السَّيِّدِ، إِذِ الْأَصْلُ فِي الْمُكَاتَبِ وَكَسْبِهِ أَنَّهُ لِسَيِّدِهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْمُكَاتَبِ وَكَسْبِهِ، وَإِنْمَا وَقَعَ فِيمَا حَصَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثَةُ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي عِوَضِ الْقَائِمِ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ التَّحَالُفُ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ كَالْبَيْعِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمُغْنِي بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَا صَارَ إِلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُكَاتَبِ وَكَسْبِهِ أَنَّهُ لِسَيِّدِهِ، فَلِذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ; لِأَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ مُفيدٌ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ، إِذِ الْحَاصِلُ بِالتَّحَالُفِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ، وَرَدُ الرَّقِيقِ إِلَى رِقِّهِ، وَهَذَا حَاصِلٌ مِنْ جَعْلِ الْقَوْلِ قَوْلَ السَّيِّدِ، فَإِنْ تَحَالَفَا قَبْلَ الْعِتْقِ، فُسِخَ الْعَقْدُ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، رَجَعَ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ، وَرَجَعَ الْعَبْدُ بِمَا أَدَّاهُ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي وَفَاءِ مَالِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ) أَيْ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَيُمْهَلُ الْمُكَاتَبُ ثَلَاثًا (فَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا) ذَكَرًا (وَحَلَفَ مَعَهُ، أَوْ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، ثَبَتَ الْأَدَاءُ
فَصْلٌ وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ فِي أَنَّهُ إِذَا أَدَّى عَتَقَ، وَلَا يَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَجُنُونِهِ وَالْحَجْرِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَتَقَ) لِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا فِي أَدَاءِ الْمَالِ، وَالْمَالُ يُقْبَلُ فِيهِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ النَّجْمِ الْأَخِيرِ، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مُكَاتَبَيْهِ الْوَفَاءَ، عَتَقَ مَنْ عَيَّنَهُ، وَحَلَفَ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ عَيْنَهُ، حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَعُيِّنَ بِقُرْعَةِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمَا مُكَاتَبًا، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يُعَيِّنْ، فَوَارِثُهُ كَهُوَ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ السَّيِّدُ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ، عَتَقَ الْعَبْدُ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ، وَلَوْ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَوْ قَالَ: اسْتَوْفَيْتُ كِتَابَتِي كُلَّهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ زِيدَ عَتَقَ، وَلَمْ يُؤَيِّدْ الِاسْتِثْنَاءَ وَلَوْ فِي مَرَضِهِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ.
[الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ]
فَصْلٌ (وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) أَوْ مَجْهُولٍ (يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ فِي أَنَّهُ إذا أَدَّى عَتَقَ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، كَسَائِرِ الْكِتَابَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَاخْتَارَ فِي الِانْتِصَارِ، إِنْ أَتَى بِالتَّعْلِيقِ كَقَوْلِهِ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنْهُ يَعْتِقُ بِالصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَا بِالْكِتَابَةِ، فَأَمَّا الْكِتَابَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ عِوَضُهَا مُحَرَّمًا، فَإِنْهَا تُسَاوِي الصَّحِيحَةَ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالصِّفَةِ بِأَنْ يَقُولَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَمْ يَقُلْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهُ بِالْأَدَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَعْطَاهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي كَتْبِهِ.
الرَّابِعُ: إِذَا كَاتَبَ جَمَاعَةً كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ، عَتَقَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِهَا فِي الصَّحِيحَةِ، وَعَنْهُ: بُطْلَانُهَا بِعِوَضٍ مُحَرَّمٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ (وَلَا يَعْتِقُ
لِلسَّفَهِ، وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ أَخْذَ مَا فِي يَدِهِ، وَإِنْ فَضَلَ عَنِ الْأَدَاءِ فَضْلٌ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَهَلْ يَتْبَعُ الْمُكَاتَبَةَ وَلَدُهَا فِيهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ، وَلَا الْجُنُونِ، وَلَا الْحَجْرِ، وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إِلَى الْوَارِثِ.
بَابٌ أَحْكَامُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَإِذَا عَلِقَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَوَضَعَتْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ إِنْسَانٍ، صَارَتْ بِذَلِكَ أُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْإِبْرَاءِ) لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْعَقْدِ بِخِلَافِ الصَّحِيحَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ صِفَةٌ أَوْ لَا، وَأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْكِتَابَةِ (وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ) لِأَنَّ الْفَاسِدَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، لَا يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ، فَانْفَسَخَتْ بِذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ (وَجُنُونِهِ وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الْمُعَاوَضَةُ، وَالصِّفَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ هُنَا ; لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَلِيَغْلِبَ فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ حُكْمُ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ (وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ أَخْذَ مَا فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَمَالُهُ (وَإِنْ فَضَلَ عَنْ الْأَدَاءِ فَضْلٌ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ عَتَقَ بِالصِّفَةِ لَا بِالْمُعَاوَضَةِ، وَقَالَ القاضي وتبعه فِي الْمُغْنِي: مَا فَضَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ، فَهُوَ لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (وَهَلْ يَتْبَعُ الْمُكَاتَبَةَ وَلَدُهَا فِيهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا، وَهُوَ أَقَيْسُ وَأَصَحُّ: لَا يَتْبَعُهَا ; لِأَنَّهُ إِنْمَا تَبِعَ فِي الصَّحِيحَةِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَالثَّانِي: يَتْبَعُ كَالصَّحِيحَةِ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الْإِيتَاءِ فِيهِ، وَكَذَا جَعَلَ مَنْ أَوْلَدَهَا أُمَّ وَلَدِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ فِي الصِّحَّةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ، وَلَا الْجُنُونِ، وَلَا الْحَجْرِ) لِأَنَّ الْفَاسِدَةَ كَالصَّحِيحَةِ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ، وَفِي تَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ وَذَوِي رَحِمِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْفَسْخِ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إِلَى الْعِتْقِ، وَمَا ذُكِرَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ تَحْصِيلًا لِلْمَطْلُوبِ الشَّرْعِيِّ (وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إِلَى الْوَارِثِ) عَلَى قَوْلِهِ لِكَوْنِهَا لَا تَنْفَسِخُ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَى الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ مُورِثِهِ.
[بَابُ أَحْكَامِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ]
بَابٌ أَحْكَامُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ الْأَحْكَامُ جَمْعُ حُكْمٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَضَاءُ وَالْحِكْمَةُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: خِطَابُ
وَلَدٍ لَهُ، فَإِذَا مَاتَ، عَتَقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا، وَإِنْ وَضَعَتْ جِسْمًا لَا تَخْطِيطَ فِيهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
اللَّهِ الْمُفِيدُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً، وَأَحْكَامُهُنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ بَيْعِهِنَّ، وَجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِنَّ وَنَحْوِهِ.
وَأُمَّهَاتٌ جَمْعُ أُمٍّ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَأُمَّاتٌ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: الْأُمَّهَاتُ لِلنَّاسِ، وَالْأُمَّاتُ لِلْبَهَائِمِ، وَقَدْ أَشْعَرَ كَلَامُهُ بِجَوَازِ التَّسَرِّي، وَهُوَ إِجْمَاعٌ بِلَا شَكٍّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] وَاشْتُهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَوْلَدَ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ، وَعَمِلَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أُمَّهَاتُهُمْ أُمَّ أَوْلَادٍ (وإِذَا عَلِقَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَوَضَعَتْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ إِنْسَانٍ، صَارَتْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) نَقُولُ: يُشْتَرَطُ لِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَحْمِلَ بِهِ فِي مِلْكِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ وَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ، فَأَمَّا إِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنْ تَضَعَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، أَسْقَطَتْهُ، أَوْ كَانَ تَامًّا، رَوَى الْأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا وَإِنْ كَانَ سِقْطًا، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ وَأَبُو الْحَارِثِ: يُغَسَّلُ السِّقْطُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةٍ يَوْمَ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَتَعْتِقُ الْأَمَةُ إِذَا دَخَلَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ.
وَقَدَّمَ فِي الْإِيضَاحِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ شَرْطًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ تَحَمِلَ بِحُرٍّ (فَإِذَا مَاتَ، عَتَقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا) فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى عِتْقَهُنَّ ; لِأَنَّهَا تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِتْلَافٌ حَصَلَ بِسَبَبِ حَاجَةٍ أَصْلِيَّةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ فِي أَكْلٍ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: إِنْ جَازَ بَيْعُهَا، لَمْ تَعْتِقْ بِمَوْتِهِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ إِنْ لَمْ تَضَعْ، وَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا فِي بَطْنِهَا، عَتَقَتْ، وَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ لِمَا فِي بَطْنِهَا حَتَّى يُعْلَمَ.
فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَصَابَهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا، عَتَقَ الْجَنِينُ وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، وَعَنْهُ: تَصِيرُ.
وَأَحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ أَحْكَامُ الْأَمَةِ فِي الْإِجَارَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، فَمَا فِي يَدِهَا فَهُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلْ لَهَا، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ رِوَايَتَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكَافِرَةِ وَالْعَفِيفَةِ وَالْفَاجِرَةِ، وَالْمُسْلِمِ وَالْفَاجِرِ وَضِدَّهِمَا فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَلَامًا، قَالَ الْمُؤَلِّفُ عَقِبَهُ: فَعَلَى هَذَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْمُسْلِمَةِ، وَالْعَفِيفَةِ دُونَ ضِدِّهِمَا.
(وَإِنْ وَضَعَتْ جِسْمًا لَا تَخْطِيطَ فِيهِ) مِثْلَ الْمُضْغَةِ وَنَحْوِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ (فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَلَدٍ، وَعِتْقُهَا مَشْرُوطٌ بِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَعَلَى هَذَا لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الضَّارِبِ الْمُتْلِفِ لَهُ غُرَّةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْأَرْبَعَةُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَيَّنَ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ، فَعَلَى ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ ثِقَاتٍ مِنَ الْقَوَابِلِ، أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ; لِأَنَّهَا إِذَا وَضَعَتْ نُطْفَةً، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَذَا إِذَا أَلْقَتْ عَلَقَةً، قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ وَالْمُؤَلِّفُ فِي الْكَافِي، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى أَنَّهَا تَعْتِقُ، وَإِنْ لَمْ تَتِمَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ أَنْ يُرَى خَلْقُهُ، وَيُعْلَمَ أَنَّهُ وَلَدٌ (وَإِنْ أَصَابَهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَشُبْهَةٍ (ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا عَتَقَ الْجَنِينُ) لِأَنَّهُ ابْنُهُ، وَقَدْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ (وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ مَلَكَهَا حَامِلًا، فَوَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلُقْ فِي مِلْكِهِ، أَشْبَهَ لَوِ اشْتَرَاهَا بَعْدَ الْوَضْعِ (وَعَنْهُ: تَصِيرُ) أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالَيْنِ ; لِأَنَّ لِحُرْمَةِ الْبَعْضِ أَثَرًا فِي تَحْرِيرِ الْجَمِيعِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَهَا، قَالَ أَحْمَدُ: مَا سَمِعْنَا فِيهِ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تَلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَعَنْهُ: إِنْ مَلَكَهَا حَامِلًا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَقَالَ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُ ابْنُ
وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْوَطْءِ وَسَائِرِ أُمُورِهَا، إِلَّا فِيمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِي رَقَبَتِهَا كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوُقُوفِ، أَوْ مَا يُرَادُ لَهُ كَالرَّهْنِ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا عَمَلَ
[المبدع في شرح المقنع]
حَمْدَانَ: أَوْ وَطِئَهَا فِي أَثْنَاءِ حَمْلِهَا أَوْ وَسَطِهِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تَحْبَلَ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ، وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْوَلَدِ وَيَعْتِقُهُ نَصًّا (وَأَحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ أَحْكَامُ الْأَمَةِ فِي الْإِجَارَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْوَطْءِ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ أَشْبَهَتِ الْقِنَّ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ، فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» أَوْ قَالَ: مِنْ بَعْدِهِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الرِّقِّ، فَعَلَى هَذَا لِسَيِّدِهَا كَسْبُهَا (وَسَائِرِ أُمُورِهَا) كَالتَّزْوِيجِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمَاءِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ كَوْنُهَا لَا تَرِثُ، بَلْ تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، وَيُحَدُّ قَاذِفُهَا، وَتُسْتَرُ سَتْرَ الْحُرَّةِ عَلَى رِوَايَةٍ، نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهَا لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ طَرَأَ الِاسْتِيلَادُ عَلَى التَّدْبِيرِ أَبْطَلَهُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: قُلْتُ: يَصِحُّ إِنْ جَازَ بَيْعُهَا، وَقُلْنَا: عِتْقٌ بِصِفَةٍ، وَقَدْ يُرَدُّ مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ لَا يَطَؤهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، فَجَعَلَ الْعِلَّةَ عَدَمَ الْبَيْعِ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ وَطْؤُهَا (إِلَّا فِيمَا يَنْقُلُ الْمِلْكُ فِي رَقَبَتِهَا كَالْبَيْعِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَقَالَ: لَا يُبَعْنَ، وَلَا يُوهَبْنَ، وَلَا يُورَثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا السَّيِّدُ مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «ذُكِرَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْمُغيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُبَيْدَةَ، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ، فَقَالَ شَاوَرَنِي عُمَرُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَرَأَيْتُ أَنَا وَعُمَرُ أَنْ أُعْتِقَهُنَّ، فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ، وَعُثْمَانُ حَيَاتَهُ، فَلَمَّا وَلِيتُ رَأَيْتُ فِيهِنَّ رَأْيًا، قَالَ عُبَيْدَةُ: فَرَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ (وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ أَوْ مَا يُرَادُ لَهُ) أَيْ: لِلْبَيْعِ (كَالرَّهْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي انْعِقَادَ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ وَيُبْطِلُهُ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا
عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ مَنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، فَلِوَلَدِهَا حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، سَوَاءٌ عَتَقَتْ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمُدَّةِ
[المبدع في شرح المقنع]
مَعَ الْكَرَاهَةِ) أَخْذًا مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَسَأَلَهُ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ؛ قَالَ: أَكْرَهُهُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يُعْجِبُنِي: فَجَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَلِكَ رِوَايَةً، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَهُ دَاوُدُ، وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بِعْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ أَحْمَدُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، فَقِيلَ: لَا تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَهَلْ هَذَا الْخِلَافُ شُبْهَةٌ؟ فِيهِ نِزَاعٌ، وَالْأَقْوَى شُبْهَةٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ لَوْ وَطِئَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، هَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ أَوْ يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ؟ أَمَّا التَّعْزِيرُ، فَوَاجِبٌ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يَجُوزُ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ لَا يَرْفَعُهُ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ (وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ) وَلَيْسَ هَذَا رِوَايَةً مُخَالِفَةً لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ السَّلَفَ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا، وَمَتَى كَانَ التَّحْرِيمُ مُصَرَّحًا بِهِ، وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ جَابِرٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي ذَلِكَ، وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ، وَلَمْ يَظْهَرِ النَّهْيُ لِمَنْ بَاعَ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ، وَكَانَ مُشْتَغِلًا بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، ثُمَّ ظَهَرَ ذَلِكَ زَمَنَ عُمَرَ، فَأَظْهَرَ الْمَنْعَ اعْتِمَادًا عَلَى النَّهْيِ لِتَعَذُّرِ النَّسْخِ حِينَئِذٍ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْإِسْفَرَايِينِيُّ وَالْبَاجِيُّ وَابْنُ بَطَّالٍ وَالْبَغَوِيُّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ (مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا) مِنْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَلِوَلَدِهَا حُكْمُهَا) أَيْ: فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِبَنَاتِهَا ; لِأَنَّهُ دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا: وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ، إِلَّا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: هُمْ عَبِيدٌ (فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَتَبِعَهَا فِي سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ (سَوَاءٌ عَتَقَتْ) الْأُمُّ (أَوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ) لِأَنَّ سَبَبَ الْحُرِّيَّةِ قَدِ انْعَقَدَ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِنَفْسِ الْعِتْقِ، فَكَمَا لَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ النَّسَبُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، فَإِنْ أَعَتَقَ أُمَّ الْوَلَدِ
حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِذَا جُنَّتْ أُمَّ الْوَلَدِ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونَهَا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ، فَإِنْ عَادَتْ، فَجنَتْ، فَدَاهَا أَيْضًا.
وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوِ الْمُدَبَّرَةَ، لَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا، وَإِنْ أَعَتَقَ وَلَدَهَا لَمْ يُعْتَقَا بِعِتْقِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ، عَتَقَ وَلَدُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَفَقَةِ الْحَامِلِ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْمِيرَاثِ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ شَغَلَهَا بِحَمْلِهِ، فَكَانَ عِوَضُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ دَارًا كَانَتْ أُجْرَتُهَا عَلَيْهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ، هَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهَا فِي الْكُلِّ أَوْ فِي حِصَّةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ) تَعَلَّقَ أَرْشُ جِنَايَتِهَا بِرَقَبَتِهَا كَالْقِنِّ (فَدَاهَا سَيِّدُهَا) لِأَنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا (بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا) أَيْ: بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ فِدَائِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَى سَيِّدِهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَهُ أَيْضًا، وَجَبَ فِدَاؤُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْفِدَاءِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا زَادَ فِدَاؤُهَا، وَإِنْ كَسَبَتْ بَعْدَ جِنَايَتِهَا شَيْئًا، فَهُوَ لِسَيِّدِهَا، وَكَذَلِكَ وَلَدُهَا، وَإِنْ فَدَاهَا حَالَ حَمْلِهَا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حَامِلًا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا سَيِّدُهَا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإِنْ نَقَصَهَا، فَعَلَيْهِ نَقْصُهَا (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ) كَالْقِنِّ فِي رِوَايَةٍ بَالِغَةٍ مَا بَلَغَتْ لِمَنْعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهَا لِلْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْقِنِّ (فَإِنْ عَادَتْ، فَجنتْ، فَدَاهَا أَيْضًا) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ ; لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ جَانِيَةٌ، فَلَزِمَهُ فِدَاؤُهَا كَالْأَوَّلِ (وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا) أَيْ: يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، قَدَّمَهُ فِي التَّرْغِيبِ حِذَارًا مِنْ إِصْرَارِ السَّيِّدِ بِتَكْرَارِ الْفِدَاءِ مَعَ مَنْعِهِ مِنْ بَيْعِهَا، وَلِأَنَّهَا جَانِيَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فَدَاهَا، وَعَلَى هَذِهِ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: قُلْتُ يرجع الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا يَخُصُّهُ مِمَّا أَخَذَهُ كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي الْأَكْثَرِ، وَقَيَّدَهَا الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي الْمُغْنِي، حَاكِيًا لَهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ بِمَا إِذَا فَدَاهَا أَوَّلًا بِقِيمَتِهَا،
ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا.
وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَعَلَيْهَا الْقِصَاصُ، فَإِنْ عَفَوا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً، فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ فَدَاهَا أَوَّلًا بِالْأَرْشِ، لَزِمَهُ فَدَاؤُهَا ثَانِيًا بِمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهَا بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَتْ جِنَايَاتٍ قَبْلَ الْفِدَاءِ، تَعَلَّقَ أَرْشُ الْجَمِيعِ بِرَقَبَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا كُلِّهَا إِلَّا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ أَرْشُ جَمِيعِهَا، وَيَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ فِي الْوَاجِبِ لَهُمْ، فَإِنْ أَبْرَأَ بَعْضَهُمْ مِنْ حَقِّهِ، تَوَفَّرَ الْوَاجِبُ عَلَى الْبَاقِينَ، إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا قَبْلَ الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ فِدَائِهِ تَوَفَّرَ أَرْشُهَا عَلَى سَيِّدِهَا.
(وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَعَلَيْهَا الْقِصَاصُ) إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، وَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ، فَلَا قِصَاصَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ الدَّمِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَعَنْهُ: يَقْتُلُهَا أَوْلَادُهُ مِنْ غَيْرِهَا (فَإِنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا) كَذَا أَطْلَقَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وُجِدَتْ مِنْهَا، وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ وَابْنُ حَمْدَانَ: عَلَيْهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهَا، وَلَعَلَّ إِطْلَاقَ الْأُولَى مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ قِيمَةَ الْأَمَةِ لَا تَزِيدُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، وَفِي الرَّوْضَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ; لِأَنَّ عِنْدَ آخِرِ جُزْئِيَّاتِ الْمَقْتُولِ عَتَقَتْ، وَوَجَبَ الضَّمَانُ (وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) لِأَنَّ الْمُقْتَضَى فِي عِتْقِهَا قَدْ زَالَ، إِذْ لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَعْتِقَ كَالْقَاتِلِ لَا يَرِثُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا وَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ كَمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَذَلِكَ النَّسَبُ سَبَبٌ لِلَازِمِهِ، فَكَمَا جَازَ تَخَلُّفُ الْإِرْثِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ بِالنَّصِّ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَلَّفَ الْعِتْقُ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهِ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، قَالَ السَّامِرِيُّ: إِذَا قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا،
فَصْلٌ
وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا، ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ، حَلَّتْ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْتَسْعِي فِي حَيَاتِهِ وَتَعْتِقُ وَإِذَا.
وَطِئَ
[المبدع في شرح المقنع]
عَتَقَتْ، قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْمُدَبَّرَةِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ يُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ، وَيُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، قَالَ: إِذَا كَانَ لَهَا ابْنٌ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ لَهَا يَعْنِي مَنْعَ بَيْعِهَا وَارِثَهَا، أَشْبَهَتِ الْحُرَّةَ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَالْمُؤَلِّفِ أَطْلَقُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَظَاهِرُهَا التَّقْيِيدُ، فَيَكُونُ الْمَذْهَبُ عَدَمَ حَدِّهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ بِمَا إِذَا كَانَ لَهَا ابْنٌ حُرٌّ ; لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إِلَّا بِذَلِكَ، وَيَنْبَغِي إِجْرَاءُ الْخِلَافِ بِمَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ حُرٌّ، وَنَظِيرُهُ لَوْ قَذَفَ أَمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً لَهَا ابْنٌ، أَوْ زَوْجٌ مُسْلِمَانِ فَهَلْ يُحَدُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.
[إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ]
فَصْلٌ (وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُمْ (أَوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا) حِذَارًا مِنْ أَنْ يَطَأَ مُشْرِكٌ مُسْلِمَةً ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] الْآيَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مِلْكَهُ يُقَرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ عِتْقَهَا مَجَّانًا فِيهِ إِضْرَارٌ بِالسَّيِّدِ، وَبِالسِّعَايَةِ فِيهِ إِضْرَارٌ بِهَا لِإِلْزَامِهَا الْكَسْبَ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) لِئَلَّا يَتَلَذَّذَ بِهَا، وَلَا يَخْلُو بِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ (وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا (فَإِنْ أَسْلَمَ، حَلَّتْ لَهُ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَتُسَلَّمُ إِلَى امْرَأَةٍ ثِقَةٍ تَكُونُ عِنْدَهَا، وَتَقُومُ بِأَمْرِهَا، وَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى أَجْرٍ أَوْ أُجْرَةِ مَسْكَنٍ، فَعَلَى سَيِّدِهَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ نَفَقَتَهَا فِي كَسْبِهَا، وَالْفَاضِلَ مِنْهُ لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ عَجَزَ كَسْبُهَا عَنْ نَفَقَتِهَا، فَهَلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَتُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ
أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَدَهَا، فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإِنْ جَهِلَ إِيلَادَ شَرِيكِهِ أَوْ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ
[المبدع في شرح المقنع]
نَفَقَتَهَا عَلَى سَيِّدِهَا وَكَسْبَهَا لَهُ، وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّهَا تَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى بَيْعِهَا، وَلَا إِقْرَارَ مِلْكِهِ عَلَيْهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُثْبِتِ الثَّانِي أَيْضًا، فَقَالَ: أَظُنُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَطْلَقَ ذَلِكَ لَمُهَنَّا عَلَى سَبِيلِ الْمُنَاظَرَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُسْتَسْعَى فِي حَيَاتِهِ وَتُعْتَقُ) نَقَلَهَا مُهَنَّا، قَالَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ بَيْعَهَا وَعِتْقَهَا مَجَّانًا مَنْفِيَّانِ، وَكَذَلِكَ إِقْرَارُ الْمِلْكِ عَلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إِقْرَارِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَسَلَكَ بِهَا طَرِيقَهُ، وَهُوَ الِاسْتِسْعَاءُ (وَإِذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ) حُرِّمَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَأُدِّبَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَقُدِحَ فِي عَدَالَتِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ مِنْهُ، فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِمَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا لِشَرِيكِهِ طَالَمَا طَاوَعَتْهُ أَوْ لَا، وَنَقَلَ حَرْبٌ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَقَدْ نَقَصَ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ وَالثَّيِّبُ لَمْ تَنْقُصْ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ (فَإِنْ أَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) أَيْ: إِذَا وضعت مَا يُتَبَيَّنُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ خَالِصَةً لَهُ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ، مُوسِرًا كَانَ الْوَاطِئُ أَوْ مُعْسِرًا ; لِأَنَّ الْإِيلَادَ أَقْوَى مِنَ الْإِعْتَاقِ بِدَلِيلِ نُفُوذِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمَرِيضِ وَالْمَجْنُونِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِوَالِدِهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي مَحَلٍّ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَهَا فِي الْإِحْرَامِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حُرًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ حُرًّا، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا كَأُمِّهِ، وَكَوَلَدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِلَّ انْعِقَادُ الْوَلَدِ مِنْ حُرٍّ وَقِنٍّ (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ) كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا، وَعَنْهُ: وَنِصْفُ مَهْرِهَا، وَعَنْهُ: وَنِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ (فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَوْلَدَهَا فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا) لِأَنَّهُ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ نِصْفَهُ انْتَقَلَ إِلَى الْوَاطِئِ الْأَوَّلِ بِالِاسْتِيلَادِ (فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) كَوَطْءِ الْأَمَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ، وَالْوَلَدُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ (وَإِنْ جَهِلَ إِيلَادَ شَرِيكِهِ أَوْ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ
لَهُ، فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَعِنْدَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
يَوْمَ الْوِلَادَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى مَالِكِ أُمِّهِ، وَقَبْلَ الْوِلَادَةِ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ، وَإِلَّا فَهُمْ رَقِيقٌ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا (وَعِنْدَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ) كَالْعِتْقِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِالْمَالِكِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ مِنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، لَمْ يَسْرِ مَعَ الْإِعْسَارِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِيلَادُ (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ نَصِيبُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، وَيَكْمُلُ عِتْقُهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لِظُهُورِهِ (وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَسْرِي عِتْقُهُ ; لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ صَاحِبِهِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ بِالِاسْتِيلَادِ.
وَالثَّانِي: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَوْلَى وَأَصَحُّ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنَ الْأَمَةِ الْقِنِّ، وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنَ الْإِعْتَاقِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَلَّ مِلْكُهُ مِنْهَا.
خَاتِمَةٌ: إِذَا وَطِئَ حُرٌّ وَوَالِدُهُ أَمَةً لِأَهْلِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مِنْهُمْ أَوْ لِمُكَاتَبِهِ، فَالْمَهْرُ، فَإِنْ أَحْبَلَهَا، فَأُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا، وَعَنْهُ: وَمَهْرُهَا، وَعَنْهُ: قِيمَةُ الْوَلَدِ، وَكَذَا الْأَبُ يُولِدُ جَارِيَةَ ابْنِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ هُنَا: لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ التَّعْزِيرِ وَالْحَدِّ، فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْمَنْصُوصِ، وَيُحَدُّ فِي الْأَصَحِّ بِوَطْءِ أَمَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ عَالِمًا تَحْرِيمَهُ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَيْمُونِيُّ خِلَافَهُ، فَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ خِلَافًا لِلْقَاضِي، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ حُرِّمَ بَيْعُ الْوَلَدِ وَيُعْتِقُهُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُسْتَحَبُّ، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا، فَدَخَلَ بِهَا، فَإِذَا هِيَ حُبْلَى، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْهَا، وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ، فَإِذَا وُلِدَ فَاجْلِدُوهَا، وَلَهَا الصَّدَاقُ، وَلَا حَدَّ، لَعَلَّهَا اسْتُكْرِهَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَفِي الْهَدْيِ، قِيلَ: لَمَّا كَانَ وَلَدَ زِنًا، وَقَدْ غَرَّتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَغَرِمَ صَدَاقَهَا، أَخْدَمَهُ وَلَدَهَا، وَجَعَلَهُ لَهُ كَالْعَبْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَقَّهُ عُقُوبَةً لِأُمِّهِ عَلَى زِنَاهَا وَغَرَرِهَا، وَيَكُونُ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَقِيلَ: كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يُسْتَرَقُّ الْحُرُّ فِي الدَّيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
[تَعْرِيفُ النِّكَاحِ]
1
كِتَابُ النِّكَاحِ النِّكَاحُ سُنَّةٌ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
كِتَابُ النِّكَاحِ النِّكَاحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَطْءُ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَسُمِّيَ التَّزْوِيجُ نِكَاحًا ; لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوَطْءِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو غُلَامُ ثَعْلَبٍ: الَّذِي حَصَّلْنَاهُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَعَنِ الْمُبَرِّدِ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ - أَنَّهُ الْجَمْعُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْوَطْءُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدَ، وَعَنِ الزَّجَّاجِيِّ أَنَّهُ بِمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ: فَرَّقَتِ الْعَرَبُ فَرْقًا لَطِيفًا، فَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ فُلَانَةً: أَرَادُوا تَزْوِيجَهَا، وَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ امْرَأَتَهُ أَرَادُوا مُجَامَعَتَهَا.
وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ عَقْدُ التَّزْوِيجِ، فَعِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ دَلِيلٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ الْأَشْهَرُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; وَلِهَذَا قِيلَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لَفْظُ النِّكَاحِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وَلِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنِ الْوَطْءِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْمَجَازِ ; وَلِقَوْلِ الْعَرَبِ: أَنْكَحْنَا الْفَرَا فَسَتَرَى، أَيْ: أَضْرَبْنَا فَحْلَ حُمُرِ الْوَحْشِ آتُنَهُ، فَسَتَرَى مَا يَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْأَمْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْعُدَّةِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ
نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِتَرْكِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَيُسْتَحَبُّ
[المبدع في شرح المقنع]
لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَتَحْرِيمُ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا الْأَبُ اسْتَنْفَدْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، قَالَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا ; لِأَنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ النِّكَاحِ بِإِزَاءِ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ أَهْلِ الْعَرَبِ، وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَوْ قُدِّمَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لَكَانَ اسْمًا عُرْفِيًّا، يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَنَصَّ الْقَاضِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا ; لِقَوْلِنَا بِتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ تَزْوِيجٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] وَذَلِكَ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ كَالْإِجَارَةِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور: 32] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
[حُكْمُ النِّكَاحِ]
(النِّكَاحُ سُنَّةٌ) وَهُوَ مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ وَلَا يَخَافُ الزِّنَا ; لِأَنَّ فِعْلَهُ رَاجِحٌ عَلَى تَرْكِهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّقَهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا (وَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ) كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ، وَنَحْوِهِمَا (إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ) أَيِ: الزِّنَا (بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَيُقْدِمُ عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، وَخَافَ الْعَنَتَ، فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ، وَيَكُونُ أَفْضَلَ لَهُ مِنَ الْحَجِّ، وَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا، وَزَادَ أَحْمَدُ، فَبَلَغَ بِهِ إِلَى الْوُجُوبِ مَعَ الشَّرْطَيْنِ، وَهُمَا: أَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ، وَيَخَافَ الْعَنَتَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَعَنْهُ: إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَفْصٍ لِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَمُرَادُهُمْ إِذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ.
الثَّالِثُ: مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ، وَلَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّزْوِيجُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ