فَصْلٌ الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ، فَإِنْ تَرَكَهَا لَمْ يُبَحْ، سَوَاءٌ
[المبدع في شرح المقنع]
فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِشَبَكَةٍ، وَفَخٍّ، وَدِبْقٍ، قَالَ أَحْمَدُ: وَكُلِّ حِيلَةٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُكْرَهُ بِمُثَقَّلٍ، كَبُنْدُقٍ، وَكَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرَّمْيَ بِهِ مُطْلَقًا، لِنَهْيِ عُثْمَانَ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُنْدُقِ، يُرْمَى بِهِ الصَّيْدُ، لَا لِلْعَبَثِ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هُوَ مَعْصِيَةٌ، فَلَوْ مَنَعَهُ الْمَاءُ حَتَّى صَادَهُ حَلَّ أَكْلُهُ، وَحَرَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُصَادُ الْحَمَامُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَحْشِيًّا (وَإِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، وَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَانْفِلَاتِهِ، أَوْ نَدَّ أَيَّامًا، ثُمَّ صَادَهُ آخَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ وَالْاعْتِقَاقَ لَا يُوجِبُ زَوَالَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ أَعْتَقْتُكَ فِي حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ، لِأَنَّهُ فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَزُولَ، وَيَمْلِكَهُ مَنْ أَخَذَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَالْإِرْسَالُ يَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِهِ بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ هُنَا بَعِيدٌ، وَهُوَ: رَدُّ الصَّيْدِ إِلَى الْخَلَاصِ مِنْ أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ، فَأَطْلَقَهُ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا أَحْرَمَ، بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْعِتْقُ إِحْدَاثُ قُوَّةٍ تُصَادِفُ الرِّقَّ، وَهُوَ ضَعْفٌ شَرْعِيٌّ يَقُومُ بِالْمَحَلِّ، فَيَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ يَدِ الِاسْتِيلَاءِ عَنْهُ، وَالرِّقُّ غَيْرُ الْمَالِيَّةِ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ التَّسْمِيَةُ]
فصل (الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ) فِي الْجُمْلَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وَلِلْأَخْبَارِ، (عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفِعْلُ الْمَوْجُودُ مِنَ الْمُرْسِلِ، فَاعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ كَمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَوْ قَبْلَهُ قَرِيبًا، فَصَلَ بِكَلَامٍ أَوْ لَا (فَإِنْ تَرْكَهَا لَمْ يُبَحْ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ
تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: إِنْ نَسِيَهَا عَلَى السَّهْمِ أُبِيحَ، وَإِنْ نَسِيَهَا عَلَى الْجَارِحَةِ لَمْ تُبَحْ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ أَنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ، فَجَازَ أَنْ يُسَامِحَ فِيهِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ، وَلِأَنَّ فِي الصَّيْدِ نُصُوصًا خَاصَّةً، وَلِأَنَّ الذَّبِيحَةَ تَكْثُرُ وَيَكْثُرُ النِّسْيَانُ فِيهَا، (وَعَنْهُ: إِنْ نَسِيَهَا عَلَى السَّهْمِ أُبِيحَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ.» (وَإِنْ نَسِيَهَا عَلَى الْجَارِحَةِ لَمْ تُبَحْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّهْمَ آلَةٌ حَقِيقَةً وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ، وَعَنْهُ: تَسْقُطُ مَعَ السَّهْوِ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، قَالَ الْخَلَّالُ: سَهَا حَنْبَلٌ فِي نَقْلِهِ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: الْآيَةُ فِي الْمَيْتَةِ، قَدْ رَخَّصَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ الْمُسْلِمُ بِاشْتِرَاطِهَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَكْسَهَا، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، وَلَيْسَ بِجَاهِلٍ كناس الصوم، ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ وَأَخَذَ غَيْرَهُ لَمْ يُبَحْ مَا صَادَ بِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنِ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ، اعْتُبِرَتْ عَلَى الْآلَةِ الَّتِي يَصِيدُ بِهَا، بِخِلَافِ الذَّبِيحَةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ كَمَا لَوْ سَمَّى عَلَى سِكِّينٍ، وَأَخَذَ غَيْرَهَا.
كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْأَيْمَانِ]
[الْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ]
وَهِيَ جَمْعُ يَمِينٍ، وَالْيَمِينُ: الْقَسَمُ، وَالْجَمْعُ: أَيْمُنٌ وَأَيْمَانٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَدُهُمْ يَضْرِبُ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ، فَالْيَمِينُ: تَوْكِيدُ الْحُكْمِ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَهِيَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ تُؤَكَّدُ بِهَا أُخْرَى، وَهُمَا كَشَرْطٍ وَجَزَاءٍ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] ، وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، مِنْهَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ يَمِينَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَأْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53] وَ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ قَاصِدٍ لِلْيَمِينِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالْإِقْرَارِ، وَفِي الْمُمَيِّزِ وَجْهٌ، قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى التَّكْلِيفِ وَعَدَمِهِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَالشَّرْحِ، وَبَنَاهُ فِي الْكَافِي عَلَى طَلَاقِهِ، وَتَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَالَهُ جَمْعٌ وَقَالَ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 12] وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، وَجَوَابُهُ: «أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ» ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَسَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] ، قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَكُلُّ مَنْ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كَالْمُسْلِمِ، وَعَنِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَا يَفُونَ بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: 13] وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (وَالْيَمِينُ) تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ:
وَاجِبٌ: كَالَّتِي يُنَجِّي بِهَا إِنْسَانًا مَعْصُومًا مِنْ هَلَكَةٍ، وَكَذَا إِنْجَاءُ نَفْسِهِ، مِثْلَ أَنْ تَتَوَجَّهَ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ.
وَمَنْدُوبٌ: كَحَلِفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ، مِنْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ، أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، فَقِيلَ: هُوَ مَنْدُوبٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُ إِلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْأَغْلَبِ، وَلَوْ كَانَ طَاعَةً لَمْ يُخِلُّوا بِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ.
وَمُبَاحٌ: كَالْحَلِفِ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ، أَوْ تَرْكِهِ، وَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ.
وَمَكْرُوهٌ: كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ مَكْرُوهٍ، وَلَا يَلْزَمُ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِهَا لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَحَرَامٌ: وَهُوَ الْحَلِفُ الْكَاذِبُ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ وَمَتَى
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، نَحْوَ: وَاللَّهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ: الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالِمِينَ، فَهَذَا الْقَسَمُ بِهِ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالثَّانِي: مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْعَظِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالرَّبِّ، وَالْمَوْلَى، وَالرَّازِقِ، وَنَحْوِهِ، فَهَذَا إِنْ نَوَى بِالْقَسَمِ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
كَانْتِ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، فَحِلُّهَا حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَنْدُوبٍ، أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ، فَحَلُّهَا مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُبَاحٍ، فَحَلُّهَا مُبَاحٌ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ وَتَرْكِ مَنْدُوبٍ، فَحَلُّهَا مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَحَلُّهَا وَاجِبٌ.
(الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ) بِشَرْطِ الْحِنْثِ، (هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ، فَكَانَ الْحَلِفُ بِهَا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَكَوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعِلْمِهِ.
[الْحَلِفُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى]
(وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، نَحْوَ: وَاللَّهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ: الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالَمِينَ) وَكَذَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، (فَهَذَا الْقَسَمُ بِهِ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ) نَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ صَرِيحٌ فِي مَقْصُودِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى نِيَّةٍ كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ.
(وَالثَّانِي: مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْعَظِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالرَّبِّ، وَالْمَوْلَى، وَالرَّازِقِ، وَنَحْوِهِ، فَهَذَا إِنْ نَوَى بِالْقَسَمِ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ) لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، (وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ) لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: 50] وَ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 42] ، ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128] ، وَمِثْلَ رَحْمَانِ الْيَمَامَةِ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ، وَالْقَادِرُ بِاكْتِسَابِهِ، وَالْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ، وَرَازِقُ الْجُنْدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ بِهِ غَيْرَهُ لَمْ يَبْقَ يَمِينًا،
كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ يَمِينًا.
وَإِنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ، وَعَهْدِ اللَّهِ، وَايْمِ اللَّهِ، وَأَمَانَةِ اللَّهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَمِينٌ.
وَإِنْ قَالَ:
[المبدع في شرح المقنع]
لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ لِمَا يُوجِبُ الْقَسَمَ، وَفِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: إِنَّ الرَّحْمَنَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ مُضَافًا، لِقَوْلِهِمْ فِي مُسَيْلِمَةَ: رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا أَوْرَدَهُ السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ مَذْهَبًا، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَالتَّعْلِيقِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: وَالرَّبِّ، وَالْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، لَا فَعَلْتُ كَذَا، وَأَطْلَقَ، وَلَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ، أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْ: أُقْسِمُ، وَقِيلَ: يَمِينٌ مُطْلَقًا، وَقَالَهُ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ (وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ) وَلَا يَنْصَرِفُ إِطْلَاقُهُ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُهُ (كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودِ) وَالْحَيِّ، وَالْعَالِمِ، وَالْمُؤْمِنِ، وَالْكَرِيمِ، (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّ الْحَلِفَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ لَمْ يُقْصَدْ، وَلَا اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي إِرَادَتِهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، (وَإِنْ نَوَاهُ كَانَ يَمِينًا) عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقْسِمَ بِشَيْءٍ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى قَاصِدًا بِهِ الْحَلِفَ، فَكَانَ يَمِينًا مُكَفَّرَةً، كَالْمَلِكِ، وَالْقَادِرِ، (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ يَمِينًا) أَيْضًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ إنما تنعقد بِحُرْمَةِ الِاسْمِ - فَمَعَ الِاشْتِرَاكِ لَا تَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ - وَالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ لا تنعقد بِهَا الْيَمِينُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ أَقْسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَاصِدًا الْحَلِفَ بِهِ، فَكَانَ يَمِينًا، وَمَا انْعَقَدَتْ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ بِالِاسْمِ الْمُحْتَمَلِ الْمُرَادِ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ إِلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ كَالْكِنَايَاتِ.
[الْحَلِفُ بِـ وَحَقِّ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ]
(وَإِنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ، وَعَهْدِ اللَّهِ، وَايْمِ اللَّهِ، وَأَمَانَةِ اللَّهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَمِينٌ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ: وَحَقِّ اللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ لِلَّهِ حُقُوقًا يَسْتَحِقُّهَا لِنَفْسِهِ، مِنَ الْبَقَاءِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْجَلَالِ، وَالْعِزَّةِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ عرف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
الاستعمال بِالْحَلِفِ بِهَا، فَيَنْصَرِفُ إِلَى صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: وَقُدْرَةِ اللَّهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا قَالَ: وَعَهْدِ اللَّهِ، وَكَفَالَتِهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، لِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ وَنَهَانَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: 60] وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ صِفَةٌ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ لِمَا تَعَبَّدْنَا بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا بِإِطْلَاقِهِ، كَقَوْلِهِ: وَكَلَامِ اللَّهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَهُوَ يَمِينٌ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ الْعَهْدَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ الْحَلِفُ بِهِ يَمِينًا، كَمَا لَوْ قَالَ: وَخَلْقِ اللَّهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُقْسِمُ بِهِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فَوَجَبَ أَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهِ كَالْحَلِفِ بِعَمْرِو اللَّهِ، وَعَنْهُ: إِنْ نَوَى الْيَمِينَ، وَإِلَّا فَلَا، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
فَائِدَةٌ: ايْمُ كَايْمُنٍ، وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ، تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ، وَمِيمُهُ مَضْمُومَةٌ، وَقَالُوا: ايْمُنُ اللَّهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ، مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَلِفُهَا أَلِفُ قَطْعٍ، وَهِيَ جَمْعُ يَمِينٍ، فَكَانُوا يَحْلِفُونَ بِالْيَمِينِ، فَيَقُولُونَ: وَيَمِينِ اللَّهِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، إِذَا نَوَى صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى، لِمَا ذُكِرَ فِي عَهْدِ اللَّهِ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ: وَمِيثَاقِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، كَعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الْقَسَمَ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَقْدُورِ، فَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينًا، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَمِينٌ.
مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
السَّادِسَةُ: إِذَا قَالَ فِي قَسَمِهِ: وَعَظَمَةِ اللَّهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، فَهُوَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فِي
وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَسَائِرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ: يَكُونُ يَمِينًا.
وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ كَانَ يَمِينًا، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، كَعِزَّةِ اللَّهِ، وَعِلْمِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِالْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
[الْحَلِفُ بِـ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ]
(وَإِنْ قَالَ: وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَسَائِرَ ذَلِكَ) أَيْ: بَاقِيهِ، (وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ اللَّهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودِ، (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) بِإِطْلَاقِهِ، (صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى) فَيَكُونَ يَمِينًا عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ تُجْعَلُ لِلْعَهْدِ وَنَحْوِهِ كَأَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ حَلِفٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَعَنْهُ) بِإِطْلَاقِهِ، (يَكُونُ يَمِينًا) لِأَنَّ اللَّامَ إِذَا كَانَتْ لِلتَّعْرِيفِ صَرَفَتْهُ إِلَى عَهْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ غَلَّظَ أَمْرَ الْعَهْدِ، وَقَالَ: هُوَ شَدِيدٌ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَحَلَفَتْ عَائِشَةُ لَا تُكَلِّمُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا، وَتَقُولَ: وَاعَهْدَاهُ، قَالَ: وَيُكَفِّرُ إِذَا حَلَفَ بِالْعَهْدِ وَحَنِثَ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ.
[الْحَلِفُ بِـ لَعَمْرُو اللَّهِ]
(وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ كَانَ يَمِينًا) نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ كَالْحَلِفِ بِبَقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] وَقَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا رَضِيَتْ كِرَامُ بَنِي بَشِيرٍ ... لَعَمْرُو اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا إِذِ الْعَمْرُ ـ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا: الْحَيَاةُ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْقَسَمِ الْمَفْتُوحِ خَاصَّةً، وَاللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا، تَقْدِيرُهُ: قَسَمِي (وَقَالَ أَبُو
أَبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ.
وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْقُرْآنِ فَهِيَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدَ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ، كَانَ يَمِينًا.
[المبدع في شرح المقنع]
بَكْرٍ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) هَذَا رِوَايَةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ يَمِينًا بِتَقْدِيرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ مَا أُقْسِمُ بِهِ، فَيَكُونُ مَجَازًا، وَالْمَجَازُ لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الْإِطْلَاقُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ احْتِيَاجَ الْكَلَامِ إِلَى تَقْدِيرٍ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا اشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ صَارَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دُونَ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لَعَمْرُكَ اللَّهُ، فَقِيلَ: هُوَ مِثْلَ نَشَدْتُكَ اللَّهَ، وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُكَ، أَوْ لَعَمْرِي، أَوْ عَمْرُكَ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ مَخْلُوقٍ، وَنَقَلَ الْجَوْزَجَانِيُّ: إِذَا قَالَ: لَعَمْرِي، كَانَ يَمِينًا، وَقَالَهُ الْحَسَنُ: فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ.
[حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْقُرْآنِ]
(وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْقُرْآنِ) أَوْ آيَةٍ مِنْهُ، (فَهِيَ يَمِينٌ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ، وَلَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ الْحَلِفَ بِالْمُصْحَفِ، لِأَنَّ الْحَالِفَ إِنَّمَا قَصَدَ الْمَكْتُوبَ فِيهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ بِالْإِجْمَاعِ، (فِيهَا كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ) قَدَّمَهُ الْأَئِمَّةُ، مِنْهُمُ الْجَدُّ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْرَارَ الْيَمِينِ بِهَا لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ، فَهَذَا أَوْلَى، وَكَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، (وَعَنْهُ: بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ) إِنْ قَدَرَ، قَالَ فِي الْكَافِي: هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْهُ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَهِيَ قَوْلُ الْحَسَنِ، لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ وَيَمِينُ صَبْرٍ» . وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، ورواه بمعناه أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ، وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ.
وَعَنْهُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَفِي الْفُصُولِ: وُجِّهَ بِكُلِّ حَرْفٍ، وَفِي الرَّوْضَةِ: مَنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ فَحَنِثَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، (وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ) أَوْ حَلَفْتُ، (بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ كَانَ يَمِينًا) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ سَوَاءٌ نَوَى الْيَمِينَ، أَوْ
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ، وَعَنْهُ: يَكُونُ يَمِينًا.
[المبدع في شرح المقنع]
أَطْلَقَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] ، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: 109] ، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ لَتَنْزِلِنَّهْ ... طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ
وَأَنْشَدَ أَعْرَابِيٌّ:
أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتفْعَلَنَّهُ
وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِاللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفِعْلَ كَانَ يَمِينًا، فَإِذَا ضَمَّ إِلَيْهِ مَا يُؤَكِّدُهُ، كَانَ أَوْلَى، وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الْأَكْثَرِ فِي: أُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ، (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِاللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا كَغَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُمَا، (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ إِلَى الْقَسَمِ بِاللَّهِ، فَيَجِبُ جَعْلُهُ يَمِينًا، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ، (وَعَنْهُ: يَكُونُ يَمِينًا) «لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْتُ مِمَّا أَخْطَأْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
«وَلِقَوْلِ الْعَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقَسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُبَايِعَنَّهُ، فَبَايَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ: أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي» .
لَكِنْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: عَزَمْتُ وَأَعْزِمُ، لَيْسَ يَمِينًا، وَلَوْ نَوَى، لِأَنَّهُ لَا شَرْعَ وَلَا لُغَةَ، وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ نَوَى.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: آلَيْتُ، وَآلِي بِاللَّهِ، يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَإِنْ نَوَى الْخَبَرَ عَمَّا يَفْعَلُهُ ثَانِيًا، أَوْ عَمَّا فَعَلَهُ مَاضِيًا، فَلَيْسَ يَمِينًا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، وَأَرَادَ عَقْدَ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا صِفَتِهِ، وَإِنْ قَالَ: قَسَمًا بِاللَّهِ، فَهُوَ يَمِينٌ، تَقْدِيرُهُ: أَقْسَمْتُ قَسَمًا.
فَصْلٌ
وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ بِاسْمِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ، بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ.
وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الْيَمِينَ.
وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ
[المبدع في شرح المقنع]
[حُرُوفُ الْقَسَمِ]
فَصْلٌ
(وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ) وَهِيَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهَا الْحَرْفُ الَّتِي تَصِلُ بِهَا الْأَفْعَالُ الْقَاصِرَةُ عَنِ التَّعَدِّي إِلَى مَفْعُولَاتِهَا، وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ، (وَالْوَاوُ) وَهِيَ بَدَلٌ مِنْهَا، وَيَلِيهَا الْمُظْهَرُ، وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، (وَالتَّاءُ) وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَتَخْتَصُّ، (بَاسِمِ اللَّهِ خَاصَّةً) فَإِذَا أَقْسَمَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ كَانَ قَسَمًا صَحِيحًا، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْقَسَمَ بِهَا لَمْ يُقْبَلْ، وَقِيلَ: بَلَى، فِي: تَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ، إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ قِيَامِي بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحَرْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ: جَوَابُهُ فِي الْإِيجَابِ: بـ إِنَّ خَفِيفَةً وَثَقِيلَةً، وَبِاللَّامِ فِي الْمُبْتَدَأِ، وَالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مَقْرُونًا بِنُونَيِ التَّوْكِيدِ، وَقَدْ يَتَعَاقَبَانِ، وَفِي الْمَاضِي مَعَ قَدْ، وَقَدْ تُحْذَفُ مَعَهَا اللَّامُ لِطُولِ الْكَلَامِ، وَفِي النَّفْيِ بِمَا، وَإِنَّ بِمَعْنَاهَا، وَبِلَا، وَتُحْذَفُ لَامُهُ لَفْظًا نَحْوَ: وَاللَّهِ أَفْعَلُ.
(وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ، بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ) وَالْمُرَادُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ عرف الاستعمال فِي الشَّرْعِ، «فَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّكَ قَتَلْتَهُ، قَالَ: آللَّهِ إِنِّي قَتَلْتُهُ» ، «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُسَامَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ: آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً» .
وَفِي اللُّغَةِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي
(وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، مَرْفُوعًا كَانَ يَمِينًا) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ يَمِينٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ يَمِينًا، كَالْقَسَمِ الْمَحْضِ، وَفِي الْمُغْنِي: لَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَائِلُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الْيَمِينَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا نَوَاهَا، مُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا نَوَاهَا كَانَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ قَصَدَ الْقَسَمَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَّ، وَفِي الشَّرْحِ: فَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، بِالرَّفْعِ، وَنَوَى الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ لَحَنَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ يَمِينًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ يَضُرَّ، لِأَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَحْكَامُ تَتَعَلَّقُ بِمَا أَرَادَهُ النَّاسُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ، كَقَوْلِهِ: حَلَفْتُ بِاللَّهِ، رَفْعًا وَنَصْبًا، وَاللَّهِ أَصُومُ، أَوْ أُصَلِّي، وَنَحْوَهُ، وَكَقَوْلِ الْكَافِرِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي.
فَرْعٌ: هَاءُ اللَّهِ يَمِينٌ بِالنِّيَّةِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَدَّهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ حَرْفَ قَسَمٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَالظَّاهِرُ لَا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا عُرْفٌ وَلَا نِيَّةٌ، وَلَا في جَوَابه حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَسَمِ.
[الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى]
(وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) وَصِفَاتِهِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ شَيْءٍ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لِمَ لَا يُكْرَهُ؛ لَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، لِمَا رَوَى عُمَرُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: لَأَنْ أَحَلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ حَسَنَةَ التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِنْ حَسَنَةِ الصِّدْقِ، وَسَيِّئَةَ الْكَذِبِ أَسْهَلُ مِنْ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
فَعَلَى هَذَا اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ مع
تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيْتِهِ، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَالنَّبِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً.
[المبدع في شرح المقنع]
تحريمه، وَاخْتَارَ فِيمَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ وَحَنِثَ، يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُوقِعَهُ أَوْ يُكَفِّرَ، كَحَلِفِهِ بِاللَّهِ: لَيُوقِعَنَّهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ يَلْزَمُنِي، وَنَحْوَهُ يَمِينٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَخَرَّجَهُ عَلَى نُصُوصِ أَحْمَدَ، وَهُوَ خِلَافُ صَرِيحِهَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَجَوَابُهُ مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ هَذِهِ اللفظة غير مَحْفُوظَة، وَإِنَّمَا أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَلِلَّهِ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ، وَقِيلَ: فِي أَقْسَامِهِ إِضْمَارُ الْقَسَمِ، أَيْ: بِرَبِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِحَقِّ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، وَبِحَقِّ أَبِيهِ، أَنَّهُ آثِمٌ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، (وَلَا تُجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ) لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ، صِيَانَةً لِلِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ، (سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيْتِهِ، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ وَالنَّبِيِّ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً) وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ فِيمَنْ حَلَفَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيِ الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الْحَلِفَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْتَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَهُوَ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَكَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ على الاستحباب.
فَرْعٌ: لَا يَلْزَمُهُ إِبْرَارُ قَسَمٍ فِي الْأَصَحِّ، كَإِجَابَةِ سُؤَالٍ بِاللَّهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَلَا تَجِبُ إِجَابَةُ سَائِلٍ يُقْسِمُ عَلَى النَّاسِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؛ قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ، وَلَا يُعْطِي بِهِ» . فَدَلَّ عَلَى إِجَابَةِ مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ.
فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ.
وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي فَلَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ: يَمِينُ الْغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا
[المبدع في شرح المقنع]
[شُرُوطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً]
فَصْلٌ (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ) وَهِيَ عَلَى الْحَالِفِ، فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ، وَحُكِيَ عَنْهُ عَلَى الْمُحْنِثِ، (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً) لأن غير الْمُنْعَقِدَة: إِمَّا غَمُوسٌ، أَوْ نَحْوُهَا، وَإِمَّا لَغْوٌ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، (وَهِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحِنْثِ وَالْمَنْعِ، (وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهَا أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَظَاهِرُهُ إِرَادَةُ الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْيَمِينُ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِالْإِجْمَاعِ هِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْأَفْعَالِ.
(وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي فَلَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً) لِأَنَّ شَرْطَ الِانْعِقَادِ إِمْكَانُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَذَلِكَ فِي الْمَاضِي مُتَعَذِّرٌ، وَحَاصِلُهُ ـ كَمَا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ـ أَنَّ الْحَلِفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ إِرَادَةَ تَحْقِيقِ خَبَرٍ فِيهِ مُمْكِنٌ بِقَوْلٍ يُقْصَدُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِ الْمُمْكِنِ أَوْ تَرْكِهِ، وَالْحَلِفُ عَلَى الْمَاضِي إِمَّا بِرٌّ، وَهُوَ الصَّادِقُ، وَإِمَّا غَمُوسٌ، وَهُوَ الْكَاذِبُ، أَوْ لَغْوٌ وَهُوَ مَا لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا إِثْمَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا عِبَارَةُ الْأَمْرِ أَوْ تَوْكِيدُهُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، (وَهِيَ نَوْعَانِ: يَمِينُ الْغَمُوسِ) وَهِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ الْفَاجِرَةُ، يَقْتَطِعُ بِهَا حَقَّ غَيْرِهِ، وَسُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، وَغَمُوسٌ لِلْمُبَالَغَةِ، (وَهِيَ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا) عَلَى الْمَاضِي، (كَاذِبًا عَالِمًا بِكَذِبِهِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ يَمِينَ الْغَمُوسِ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا يمين غير مُنْعَقِدَة، وَلَا تُوجِبُ بَرًّا، وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا، أَشْبَهَتِ اللَّغْوَ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ إِثْمَهَا، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الْيَمِينِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ فِيهَا الْيَمِينَ الْغَمُوسَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ ـ لِلْخَبَرِ
عَالِمًا بِكَذِبِهِ، وَعَنْهُ: فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ، الثَّانِي: لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ، ف َيَبِينُ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّحِيحِ ـ الَّتِي لَا تَمْحُوهَا الْكَفَّارَةُ، (وَعَنْهُ: فِيهَا الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْحَلِفَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُخَالَفَةَ مَعَ الْقَصْدِ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْكَفَّارَةُ كَالْمُسْتَقْبَلِ، وَحِينَئِذٍ يَأْثَمُ، كَمَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ، وَطَلَاقٌ، وَظِهَارٌ، وَحَرَامٌ، وَنَذْرٌ، فَيُكَفِّرُ كَاذِبٌ فِي لِعَانِهِ، (وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ) أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا كَصَوْمِ أَمْسِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فِيهَا كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَقَالَ القاضي: تنعقد يَمِينُهُ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ اسْتِحَالَتَهُ أَوْ لَا، وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ عَادَةً كَإِحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَطَعَ بِهِ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ وُجُودَهُ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْهُ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ كَالَّتِي قَبْلَهَا، قَالَهُ فِي الْكَافِي، وَجَزَمَ بِهِمَا فِي الْوَجِيزِ، وَفِي الرِّعَايَةِ أَوْجُهٌ: ثَالِثُهَا: تَنْعَقِدُ فِي الْمَحَالِّ عَادَةً فَقَطْ.
(الثَّانِي: لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ) مَاضٍ، (يَظُنُّهُ فَيُبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا) وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَفِي الْكَافِي: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] وَهَذَا مِنَّةٌ، وَلِأَنَّهُ يَكْثُرُ، فَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ لَشَقَّ وَتَضَرَّرُوا بِهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، وَكَيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَعَنْهُ: فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَيْسَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِمَعْنَاهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ، وَالْمُزَاحَةِ، وَالْهَزْلِ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَأَيْمَانُ الْكَفَّارَةِ كُلُّ يَمِينٍ حُلِفَ عَلَيْهَا عَلَى جِدٍّ مِنَ الْأَمْرِ، فِي غَضَبٍ أَوْ غَيْرِهِ.
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الْأَكْثَرِ: أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، سَوَاءٌ قَصَدَهُ أَمْ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَخَصَّهُ أَحْمَدُ بِالْمَاضِي فَقَطْ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ
فَصْلٌ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، فِي عَرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
بِحِنْثِهِ فِي عِتْقٍ وَطَلَاقٍ، لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: إِنْ عَقَدَهَا يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ فَبَانَ خِلَافُهُ، فَكَمَنَ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، وَفَعَلَهُ نَاسِيًا.
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا]
فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وعنه: تنعقد، حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، لِخَبَرِ حُذَيْفَةَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَكَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ.» وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ كَمَسْأَلَتِنَا، (وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ) عُرْضُ الشَّيْءِ، بِالضَّمِّ: جَانِبُهُ، وَبِالْفَتْحِ: خِلَافُ طُولِهِ، (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهَا مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ لِمَا رَوَى عَطَاءٌ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ: وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ اللَّغْوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الكلام غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ إِذَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ يَمِينٌ عَلَى قَوْلٍ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّ يَمِينَهُ تَنْعَقِدُ فِي رِوَايَةٍ، فَإِنْ حَنِثَ فِيهَا، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ: فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَاضِي، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَرِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا،
يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: عَلَى النَّاسِي كَفَّارَةٌ، وَإِنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ أَوْ تَرَكَ،
[المبدع في شرح المقنع]
سَوَاءٌ قُلْنَا هِيَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، أَمْ لَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ، إِنْ قُلْنَا: لَيْسَ هُوَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ]
(الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحْنَثْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ الْقَسَمِ، (بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ) لِأَنَّ الْحِنْثَ الْإِثْمُ، وَلَا وُجُودَ لَهُ إِلَّا بِمَا ذُكِرَ (مُخْتَارًا ذَاكِرًا) لِأَنَّ غَيْرَهُمَا الْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي، وَنَبَّهَ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَنَصَرَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، وَيَحْنَثُ فِي عِتْقٍ وَطَلَاقٍ، قَالَ السَّامِرِيُّ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا، وَلِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْإِكْرَاهُ كَالنِّسْيَانِ، لِشُمُولِ الْحَدِيثِ لَهُمَا، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ، فَلَا يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
الثَّانِي: أَنْ يُكْرَهَ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَنَصَرَ فِي الشَّرْحِ عَدَمَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْكَفَّارَةَ فِي الصَّيْدِ، بَلْ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ، (وَعَنْهُ: عَلَى النَّاسِي كَفَّارَةٌ) لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، أَشْبَهَ الذَّاكِرَ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، (وَإِنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ) وَيُسَمَّى هَذَا اسْتِثْنَاءٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ، فَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ: قَدِ اسْتَثْنَى، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ: رواه غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ
إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ.
وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، (فَعَلَ أَوْ تَرَكَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا سُكُوتٍ يُمْكِنُ الْكَلَامُ فِيهِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ: وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِـ إِلَّا، فَعَلَى هَذَا: لَوْ سَكَتَ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ، أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَعَنْهُ: مَعَ فَصْلٍ يَسِيرٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، جَزَمَ بِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ، إِنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَخْلِطْ كَلَامَهُ بِغَيْرِهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَهُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالِاسْتِثْنَاءِ كَلَامٌ، وَعَنْهُ، وَفِي الْمَجْلِسِ، وَحَكَاهُ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْجَزَاءِ أَوْ أَخَّرَهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا اسْتَثْنَى بَعْدَ سَنَةٍ فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَقُلْ فَاسْتَثْنِ، وَلَوْ جَازَ لَأَمَرَ بِهِ وَحَمَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: 23] الْآيَةَ، فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْكَذِبِ، لِأَنَّ الْكَذِبَ لَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ تُكَفَّرُ، وَالْكَذِبُ لَا يُكَفَّرُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَائِدَتُهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْكَذِبِ، وَفِي الْمُبْهِجِ: يَصِحُّ، وَلَوْ تَكَلَّمَ، وَيُشْتَرَطُ نُطْقُهُ، إِلَّا مِنْ مَظْلُومٍ خَائِفٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: خَائِفٍ، لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ، وَفِي اعْتِبَارِ قَصْدِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَجْهَانِ: فَائِدَتُهُمَا فِيمَنْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ عَادَةً، أَوْ أَتَى بِهِ تَبَرُّكًا، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنْ شَكَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِلَّا مِمَّنْ عَادَتُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَاحْتَجَّ بِالْمُسْتَحَاضَةِ تَعْمَلُ بِالْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ، وَلَمْ تَجْلِسْ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْعِبَادَةِ.
(وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ إِلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، فَلَأَنْ تَصْرِفَهُ إِلَى وَقْتٍ
يَنْوِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ،
[المبدع في شرح المقنع]
آخَرَ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) «لِقَوْلِ عُمَرَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَا سَنَأْتِي الْبَيْتَ، وَنَطُوفُ بِهِ؛ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؛ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَفِعْلُهُ مُمْكِنٌ، فَلَمْ تَحْصُلْ مُخَالَفَةُ مَا حُلِفَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَدَمَ الْحِنْثِ، لِأَنَّ شَرْطَهُ الْمُخَالَفَةُ، (وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ لِأَخْبَارٍ، مِنْهَا خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي مُوسَى، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، فَقَالَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَدَّمَ فِي التَّرْغِيبِ: أَنَّ بِرَّهُ وَإِقَامَتَهُ عَلَى يَمِينِهِ أَوْلَى، وَسَبَقَ تَقْسِيمُهُ إِلَى الْخَمْسَةِ، (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ) كَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ، وَصَرَّحَ بِهَا فِي الرِّعَايَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: 10] هَذَا ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ فِعْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ الْإِكْثَارِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُكْثِرُ الْحَلِفَ، لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] ، وَبَعْضُهُمْ كَرِهَهُ مُطْلَقًا، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَلَفَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَمَعْنَاهَا: لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاللَّهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَلَّا يَصِلَ قَرَابَتَهُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا فِي التَّكْفِيرِ، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَيُبِرَّ، وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَادَ إِلَى الْيَمِينِ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ: الْحَلِفُ عَلَى قَوْلِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، لَا
وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلَا بَأْسَ.
فَصْلٌ وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى كُلِّ يَمِينٍ (وَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُوَ مُحِقٌّ اسْتُحِبَّ) وَفِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: فَالْأَوْلَى (افْتِدَاءُ يَمِينِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إِلَى عُمَرَ فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ، فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ، فَرَدَّهَا عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَكَ، فَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ، وَلَمْ يَحْلِفْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرٌ بَلَاءً، فَيُقَالُ: يَمِينُ عُثْمَانَ (فَإِنْ حَلَفَ فَلَا بَأْسَ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَرْكُهُ أَوْلَى، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَاحٌ كَتَرْكِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرَهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الْقُرْآنِ، فِي سَبَأٍ، وَيس، وَالتَّغَابُنِ، وَقَالَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي يَدِهِ عَصًا: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَمْنَعَنَّكُمُ الْيَمِينُ مِنْ حُقُوقِكُمْ، وَلِأَنَّهُ حَلِفُ صِدْقٍ عَلَى حَقٍّ، أَشْبَهَ الْحَلِفَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ: يُسْتَحَبُّ لِمَصْلَحَةٍ، كَزِيَادَةِ طُمَأْنِينَةٍ، وَتَوْكِيدِ الْأَمْرِ، وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعُمَرَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» تَطْمِينًا مِنْهُ لِقَلْبِهِ.
فَرْعٌ: ذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْيَمِينَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَالْمَشْرُوعُ أَنْ يَقُولَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[إِذَا حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُحَرَّمْ]
فَصْلٌ (وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ) كَطَعَامٍ وَلِبَاسٍ وَنَحْوِهِمَا، سِوَى الزَّوْجَةِ (لَمْ يَحْرُمْ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ يَمِينًا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] ،
فَعَلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْقُرْآنِ، أَوِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إِنْ فَعَلَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَسْتَحِلُّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْيَمِينُ عَلَى الشَّيْءِ لَا تُحَرِّمُهُ، فَكَذَا إِذَا حَرَّمَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَتَقَدَّمَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَالظِّهَارِ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ، وَسَمَّاهُ خَيْرًا، (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] ، يَعْنِي: التَّكْفِيرَ، وَسَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ قَالَ: «لَنْ أَعُودَ إِلَى شُرْبِ الْعَسَلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا: وَقَدْ حَلَفْتُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينًا» ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ) هَذَا وَجْهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] وَكَتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ فَلَهُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَحِلُّ فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا تَنَاقُضٌ، وَكَذَا تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، نَحْوَ: إِنْ أَكَلْتُهُ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: وَطَعَامِي عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَالْيَمِينُ تَنْقَسِمُ إِلَى أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ الْخَمْسَةِ، وَهَلْ تُسْتَحَبُّ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ، أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، (وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْقُرْآنِ، أَوِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا) لِمَا رَوَى ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ بملة غير الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ قَالَ إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْجَزًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ) يَمِينٍ، (إِنْ فَعَلَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ،
الزِّنَى وَنَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللَّهَ، أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ، إِنْ فَعَلْتُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا قَالَ: عَبْدُ فُلَانٍ
[المبدع في شرح المقنع]
لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا، فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَلِأَنَّ قَوْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ، فَكَانَ يَمِينًا، كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ هُوَ فَاسِقٌ إِنْ فَعَلَهُ، لِإِبَاحَتِهِ فِي حَالٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، نَقَلَهَا حَرْبٌ، (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى، وَنَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) إِذَا قَالَ هُوَ يَسْتَحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ عَكَسَ وَأَطْلَقَ، أَوْ عَلَّقَهُ وَحَنِثَ، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ ذَلِكَ أو تحريمه يُوجِبُ الْكُفْرَ، فَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ قَبْلَهَا، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
(وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللَّهَ، أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا نَقْصَ فِيهَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ، فَيُبْقَى الْحَالِفُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَاخْتَارَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ عَصَيْتُ اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَنَّهُ يَمِينٌ لِدُخُولِ التَّوْحِيدِ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ: هُوَ يَمِينٌ، لِأَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ: مَحَوْتُهُ، إِلَّا إِسْقَاطَ حُرْمَتِهِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ، وَلِأَنَّهُ إذا أَسْقَطَ حُرْمَتَهُ كَانَ يَمِينًا، كَذَا إِذَا أَتَى بِمَا فِي مَعْنَاهُ، (وَإِذَا قَالَ:
حُرٌّ لَأَفْعَلَنَّ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إِنْ حَنِثَ، وَإِنْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي، فَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ، فَتَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ الْمَالِ.
فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا
[المبدع في شرح المقنع]
عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لَأَفْعَلَنَّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ: فَلَغْوٌ، وَكَذَا إِنْ عَلَّقَهُ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الشَّيْءِ بِالشَّرْطِ أثره أَنْ يَصِيرَ عِنْدَ الشَّرْطِ كَالْمُطْلَقِ، وَإِذَا كَانَ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا، فَكَذَا الْمُعَلَّقُ، وَلَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ إِذَا حَنِثَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِتَنْجِيزِهِ، فَالْمُعَلَّقُ أَوْلَى، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، لِأَنَّهُ حَلَفَ بِإِخْرَاجِ مَالِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إِنْ حَنِثَ) لِأَنَّهُ حَلَفَ بِالْعِتْقِ فِيمَا لَا يَقَعُ إِلَّا بِالْحِنْثِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ فُلَانًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ إِلَى آخِرِهِ، أَنَّهُ نَذْرٌ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، لِكَوْنِ النَّذْرِ كَالْيَمِينِ، وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِخِلَافِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَمَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ، أَوْ فَعَلَى فُلَانٍ الْحَجُّ، أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ فِيهِ الْخِلَافَ.
(وَإِنْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي) الْبَيْعَةُ: الْمُبَايَعَةُ، أَنْ يَحْلِفَ بِهَا عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ وَالْأَمْرِ الْمُهِمِّ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ، (فَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ) بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ، وَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قِتَالَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَحَاصَرَهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَأَخْرَجَهُ فَصَلَبَهُ، فَوَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحِجَازَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْعِرَاقَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، فَوَلِيَهَا عِشْرِينَ سَنَةً فَزَلْزَلَ أَهْلَهَا، وَرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، تَجَهَّزُوا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ بَاضَ فِيهِمْ وَفَرَّخَ، اللَّهُمَّ عَجِّلْ لَهُمُ الْغُلَامَ الثَّقَفِيَّ، الَّذِي يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ، (فَتَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ الْمَالِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَالْحَجِّ (فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا) مِنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ بِهِمَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، فَكَذَا مَا عَدَاهُمَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاسْتَثْنَى فِي الْوَجِيزِ الْيَمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ
فِيهَا، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَنْعَقِدَ بِحَالٍ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ يَمِينٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، وَفَعَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
.
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْكَافِي، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ فِيهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنِ اسْمِ اللَّهِ الْمُعَظَّمِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: إِذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا وَلَمْ يَنْوِهَا فَلَغْوٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ النِّيَّةِ فِيمَا لَا يَعْرِفُهُ، وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ عَنْهَا، فَقَالَ: لَسْتُ أُفْتِي فِيهَا بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْحَالِفُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنَ الْأَيْمَانِ، فَقَالَ: يَعْرِفُهَا، أَوْ لَا يَعْرِفُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أنها تنعقد إِذَا نَوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَنْعَقِدَ بِحَالٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، (إِلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ) لِانْعِقَادِهِمَا بِالْكِنَايَةِ، وَقِيلَ: وَالصَّدَقَةُ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ عَلِمَهَا لَزِمَهُ عِتْقٌ وَطَلَاقٌ.
فَرْعٌ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَلْزَمُهُ فِيهَا: عِتْقٌ، وَطَلَاقٌ، وَظِهَارٌ، وَنَذْرٌ، وَيَمِينٌ بِاللَّهِ، بِنِيَّةِ ذَلِكَ، وَفِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ الْوَجْهَانِ، وَأَلْزَمَ الْقَاضِي الْحَالِفَ بِالْكُلِّ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ، وَمَنْ حَلَفَ بِأَحَدِهَا، فَقَالَ آخَرُ: يَمِينِي مِنْ يَمِينِكَ، أَوْ عَلَيْهَا، أَوْ مِثْلُهَا، يَنْوِي الْتِزَامَ مِثْلِهَا، لَزِمَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي طَلَاقٍ، وَفِي الْمُكَفَّرَةِ وَجْهَانِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ يَمِينُ الْأَوَّلِ مِمَّا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، كَطَلَاقٍ، وَعِتْقٍ انْعَقَدَتْ يَمِينُ الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّ الْيَمِينَ بِاللَّهِ لَا تَنْعَقِدُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ.
(وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ يَمِينٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، وَفَعَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، وَإِنْ قَالَ: مَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَأَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ.
فَصْلٌ
كَفَّارَةُ الْيَمِينِ
وَهِيَ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا، فَيُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، وَالْكِسْوَةُ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، إِنْ شَاءَ قَبْلَ الْحِنْثِ،
[المبدع في شرح المقنع]
[كَفَّارَةُ الْيَمِينِ]
[التَّخْيِيرُ وَالتَّرْتِيبُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ]
فَصْلٌ
كَفَّارَةُ الْيَمِينِ
(وَهِيَ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا) فَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ: الْإِطْعَامِ، وَالْكِسْوَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالتَّرْتِيبُ فِيهَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ الصِّيَامِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] ، وَفِي السُّنَّةِ أَحَادِيثُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَيُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ فِي الظِّهَارِ، وَيُجْزِئُ أَنْ يُطْعِمَ بَعْضًا، وَيَكْسُوَ بَعْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ، كَبَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَكَعِتْقٍ مَعَ غَيْرِهِ (وَالْكِسْوَةِ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ) الْفَرْضَ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَقَالَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، كَوَبَرٍ، وَصُوفٍ، وَمَا يُسَمَّى كِسْوَةً، وَلَوْ عَتِيقًا لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ، فَإِذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ بِاللَّبْسِ، فَلَا يَجُوزُ كَالْحَبِّ الْمَعِيبِ (وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ) لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ لُبْسُهُ فِي الصَّلَاةِ وَيُسَمَّى عُرْيَانًا شَرْعًا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: يَتَقَدَّرُ ذَلِكَ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَالْإِطْعَامِ وَالْإِعْتَاقِ، وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ عِبَادَةٌ تعتبر فِيهَا الْكِسْوَةُ أَشْبَهَتِ الصَّلَاةَ، وَنَصَّ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، كَالْخِرَقِي وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ السَّتْرَ غَالِبًا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَوْ أَعْطَاهَا ثَوْبًا وَاسِعًا يَسْتُرُ بَدَنَهَا وَرَأْسَهَا أَجْزَأَ ذَلِكَ إِنَاطَةً بِسَتْرِ عَوْرَتِهَا فِي الصَّلَاةِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: 196] أَيْ: إِذَا عَجَزَ عَنِ الْعِتْقِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالْكِسْوَةِ
وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ.
وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ، وَمَنْ كَرَّرَ أَيْمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ
[المبدع في شرح المقنع]
﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196] لِلْآيَةِ، (مُتَتَابِعَاتٍ) أَيْ: بِلَا عُذْرٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، حَكَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ خَبَرًا، وَكَصَوْمِ الظِّهَارِ، وَعَنْهُ: تَفْرِيقُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَلِ الدَّيْنُ كَزَكَاةٍ فَيَصُومَ، أَمْ لَا كَفِطْرِهِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الصَّوْمِ، إِلَّا إِذَا عَجَزَ كَعَجْزِهِ عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا اسْتَدَانَ إِنْ قَدَرَ، وَإِلَّا صَامَ.
فَرْعٌ: تَجِبُ كَفَّارَةٌ وَنَذْرٌ عَلَى الْفَوْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ (إِنْ شَاءَ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ) سَوَاءٌ كَانَ صَوْمًا أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ: عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَلْمَانُ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ، رَوَاهُ، أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ سَبَبِهِ، فَجَازَ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَكَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ، وَالْحِنْثُ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِسَبَبٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَعْدَهُ أَفْضَلُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَهَذَا مَحَلُّهُ، مَا لَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ حَرَامًا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَفَّرَ بَعْدَهُ مُطْلَقًا، وَفِي الْوَاضِحِ عَلَى رِوَايَةٍ: حِنْثُهُ بِعَزْمِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ يَمِينِهِ بِنِيَّتِهِ لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا يَصِحُّ، وَفِيه رِوَايَة: لَا يَجُوزُ بِصَوْمٍ، لِأَنَّهُ تَقْدِيمُ عِبَادَةٍ كَصَلَاةٍ، وَاخْتَارَ فِي التَّحْقِيقِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَكَحِنْثٍ مُحَرَّمٍ فِي وَجْهٍ.
[تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْيَمِينِ]
(وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ) عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ ذَكَرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِهَا (وَمَنْ كَرَّرَ أَيْمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَدٌّ، بِدَلِيلِ
كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ
[المبدع في شرح المقنع]
قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا» . فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحُدُودِ (وَعَنْهُ: لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ) وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِيمَنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، وَمِيثَاقُهُ وَكَفَالَتُهُ ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِثْلَ الْأُولَى، وَكَمَا لَوِ اخْتَلَفَ مُوجِبُهَا، كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ، وَعَنْهُ: إِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ، أَوِ التَّفْهِيمَ، (وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ) كَوَاللَّهِ لَا قُمْتُ، وَاللَّهِ لَا قُمْتُ، (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ) نَحْوَ: وَاللَّهِ لَا قُمْتُ، وَاللَّهِ لَا قَعَدْتُ، (فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَنَصَرَهَا فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ كَانَ سَبَبُهَا وَاحِدًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّأْكِيدَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ، فَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إِحْدَاهُنَّ بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى، فَوَجَبَ فِي كُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا، كَالْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهَا كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ، فَقَدْ أَحَلَّتْ كَالْحُدُودِ، وَأَجَابَ فِي الشَّرْحِ بِأَنَّ الْحُدُودَ وَجَبَتْ لِلزَّجْرِ، وَتَنْدَرِئُ فِي الشُّبْهَةِ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهَا رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ، لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ وَحَنِثَ فِي الْجَمِيعِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ، وَالْحِنْثَ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا ثُمَّ حَنِثَ فِي أُخْرَى، فَكَفَّارَةٌ أُخْرَى لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ فَكَفَّرَ، ثُمَّ وَطِئَ ثَانِيَةً.
تَنْبِيهٌ: مِثْلُهُ الْحَلِفُ بِنُذُورٍ مُكَرَّرَةٍ، أَوْ بِطَلَاقٍ مُكَفَّرٍ، قَالَهُ شَيْخُنَا، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيمَنْ حَلَفَ نُذُورًا كَثِيرَةً مُسَمَّاةً إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَنْ لَا يُكَلِّمُ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِيمَنْ قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَكَرَّرَهُ، لَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِذَا لَمْ يَنْوِ، فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا ثَلَاث إِجْمَاعًا، وَكَانَ الْفَرْقُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنَ الشَّرْطِ الْجَزَاءُ، فَتَقَعُ الثَّلَاثُ مَعًا لِلتَّلَازُمِ، وَلَا رَبْطَ فِي الْيَمِينِ، وَلِأَنَّهَا لِلزَّجْرِ وَالتَّطْهِيرِ، فَهِيَ كَالْحُدُودِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَالْأَصْلُ حَمْلُ اللَّفْظِ
فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الْأَيْمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ، كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا، وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصَّوْمُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ فَحُكْمُهُ فِي الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْأَحْرَارِ.
بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ، وَيُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إِلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى فَائِدَةٍ أُخْرَى، مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَإِنْ كَانَتِ الْأَيْمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ، كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالْحُدُودِ مِنْ أَجْنَاسٍ، (وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصَّوْمَ) لِأَنَّهُ كَفَّارَةُ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْعَبْدِ، وَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيَصِحُّ بِإِعْتَاقٍ، وَإِطْعَامٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، إِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَلْ لَهُ إِعْتَاقُ نَفْسِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، (وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ) وَلَا مِنْ نَذْرِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَقَضَائِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنْ حَلَفَ، أَوْ حَنِثَ بِإِذْنِهِ رُوعِيَ الْحَلِفُ فَقَطْ، (وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ) وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ: وَمَنْ بَعْضُهُ، وَهُوَ أَوْلَى، (فَحُكْمُهُ فِي الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْأَحْرَارِ) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا، أَشْبَهَ الْحُرَّ الْكَامِلَ، وَقِيلَ: لَا يُكَفِّرُ بِعِتْقٍ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ، وَجَوَابُهُ: بِالْمَنْعِ.
فَرْعٌ: يُكَفِّرُ كَافِرٌ، وَلَوْ مُرْتَدًّا بِغَيْرِ صَوْمٍ
[بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ]
[مَا يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْأَيْمَانِ]
[الْأَوَّلُ النِّيَّةُ وَالسَّبَبُ]
بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ (وَيُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إِلَى النِّيَّةِ) أَيْ: إِلَى نِيَّةِ حَالِفٍ لَيْسَ ظَالِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ يَحْتَمِلُهَا، فَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِمَا نَوَاهُ، دُونَ مَا لَفَظَ بِهِ، سَوَاءٌ نَوَى ظَاهِرَ اللَّفْظِ، أَوْ مَجَازَهُ، مِثْلَ أَنْ يَنْوِيَ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ، أَوِ الْخَاصَّ بِالْعَامِّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أو
هَيَّجَهَا، فَإِذَا حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا قَصَدَ أَلَّا يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إِلَّا بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
غير ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» فَتَدْخُلُ فِيهِ الْأَيْمَانُ، وَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ يصرف إِلَى مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى مَا أَرَادَهُ دُونَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، فَكَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَى تَعَيُّنِ إِرَادَتِهِ أَوْلَى، وَيُقْبَلُ حُكْمًا مَعَ قُرْبٍ الاحتمال مِنَ الظَّاهِرِ، وَمَعَ تَوَسُّطِهِ رِوَايَتَانِ: أَشْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ.
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ التَّعْرِيضُ فِي الْمُخَاطَبَةِ لِغَيْرِ ظَالِمٍ بِلَا حَاجَةٍ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاخْتَارَهُ، لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ كَتَدْلِيسِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ كَرِهَ أَحْمَدُ التَّدْلِيسَ، وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي، وَنَصُّهُ: لَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ مَعَ الْيَمِينِ، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا) قَدَّمَهُ فِي الْخِرَقِيِّ وَالْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَحَكَى رِوَايَةً، وَقَدَّمَهُ الْقَاضِي بِمُوَافَقَتِهِ أوضع، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَعَلَيْهَا عُمُومُ لَفْظِهِ احْتِيَاطًا، ثُمَّ إِلَى التَّعْيِينِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَضْعُ لَفْظِهِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا أَوْ لُغَةً، وَفِي الْمَذْهَبِ: فِي الِاسْمِ وَالْعُرْفِ وَجْهَانِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ النِّيَّةُ، ثُمَّ السَّبَبُ، ثُمَّ مُقْتَضَى لَفْظِهِ عُرْفًا أَوْ لُغَةً، (فَإِذَا حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ إِذَا قَصَدَ أَلَّا يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الْيَمِينِ تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، وَلَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ـ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا ـ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إِلَّا بِقَضَائِهِ فِي الْغَدِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْرَأُ فِي كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ عُرْفَ هَذِهِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ التَّعْجِيلُ، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ إِلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ غَدًا، وَقَصَدَ مَطْلَهُ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، حَنِثَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، فَإِنْ كَانَ كَأَكْلِ شَيْءٍ أَوْ بَيْعِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ وَقْتًا، وَلَمْ يَنْوِ مَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَهُ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهِ، لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ فِي وَقْتِهِ، نَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ يَبْرَأُ بِتَعْجِيلِهِ عَنْ وَقْتِهِ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إِلَّا بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ، بِأَكْثَرَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، (وَإِنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ حَنِثَ)
بَاعَهُ بِأَقَلَّ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى غَدَاءٍ، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ، حَنِثَ بِأَكْلِ خُبْزِهِ وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمِنَّةُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: مَا لَهُ عَلَيَّ، وَلَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ كَثِيرٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهَا) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْأَيْمَانِ بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَصِيرُ بِالْإِرَادَةِ خَاصًّا، وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ خَاصَّةً كَقَوْلِهِ: لَا دَخَلْتُ دَارًا الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهِ، فَكَذَا إِذَا نَوَاهُ، وَفِي الْفُرُوعِ: إِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ، قُبِلَ حُكْمًا، وَعَنْهُ: لَا، وَيَدِينُ.
(وَإِنْ دُعِيَ إِلَى غَدَاءٍ، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ، إِذَا قَصَدَهُ) أَيِ: اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِالْغَدَاءِ عِنْدَ الدَّاعِي إِذَا قَصَدَهُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا، لَكِنَّ الْقَصْدَ خَصَّصَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ دُعِيَ إِلَى غَدَاءٍ، فَحَلَفَ: لَا يَتَغَدَّى عِنْدَ الدَّاعِي، وَفِيهِ وَجْهٌ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ، حَنِثَ بِأَكْلِ خُبْزِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمِنَّةُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: 49] ، يُرِيدُ: لَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا.
وَلِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا أَقَلَّ مِنْهُ، كَقُعُودِهِ فِي ضَوْءِ نَارِهِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ: إِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَطْعَ الْمِنَّةِ لَمْ يَحْنَثْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ سَبَبٌ، وَإِنْ كَانَ لِهَذِهِ الْيَمِينِ عَادَةٌ وَعُرْفٌ، فَهُوَ كَمَنْ حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَنِثَ) وَكَذَا إِنِ انْتَفَعَ بِثَمَنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا» وَيَحْنَثُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ،
وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ - يُرِيدُ جَفَاءَهَا - وَلَمْ يَكُنِ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِهِ يُلْحِقُ الْمِنَّةَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَطْعَ الْمِنَّةِ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِمَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ، وَهُوَ لُبْسُهُ خَاصَّةً، فَإِنْ نَوَى اجْتِنَابَ اللُّبْسِ خَاصَّةً، قُدِّمَتِ النِّيَّةُ عَلَى السَّبَبِ وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّ النِّيَّةَ وَافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَا فِيهِ مِنَّةٌ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، لِأَنَّ لِكَوْنِهِ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا أَثَرًا فِي دَاعِيَةِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ، وَقِيلَ: إِنِ انْتَفَعَ بِمَا لَهَا فِيهِ مِنَّةٌ بِقَدْرِهِ، أَوِ ارْتَدَّ، حَنِثَ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ، وَذَكَرَ فِي التَّعْلِيقِ وَالْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهِمَا: يَحْنَثُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَا يَمْحُو مِنَّتَهَا إِلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِمَّا يَصْدُرُ عَنْهَا، مِمَّا يَتَضَمَّنُ مِنَّةً، لِيَخْرُجَ مَخْرَجَ الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ اللَّفْظُ أَعَمَّ مِنَ السَّبَبِ، كَرَجُلٍ امْتَنَّتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِبَيْتِهَا، فَحَلَفَ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا، فَقِيلَ: يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ، كَكَلَامِ الشَّارِعِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لِأَنَّ قرينة حَالَهُ دَالَّةٌ عَلَى إِرَادَةِ الْخَاصِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَاهُ، لِإِقَامَةِ السَّبَبِ مَقَامَ النِّيَّةِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ يُرِيدُ جَفَاءَهَا، وَلَمْ يَكُنِ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا، حَنِثَ) أَوْ لَا عُدْتُ رَأَيْتُكِ تَدْخُلِينَهَا، يَنْوِي مَنْعَهَا، حَنِثَ، وَلَوْ لَمْ يَرَهَا لِمُخَالَفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَمَعْنَى الْإِيوَاءِ: الدُّخُولُ، يُقَالُ: أَوَيْتُ أَنَا، وَآوَيْتُ غَيْرِي، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: 10] ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] فَإِنِ اجْتَمَعَ مَعَهَا فِيمَا لَيْسَ بِدَارٍ، وَلَا بَيْتٍ، لَمْ يَحْنَثْ، سَوَاءٌ كَانَتِ الدَّارُ سَبَبَ يَمِينِهِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ، لِأَنَّهُ قَصَدَ جَفَاءَهَا بِهَذَا النَّوْعِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: أَقَلُّ الْإِيوَاءِ سَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فِيمَا لَيْسَ بِبَيْتٍ، فَإِنْ قَصَدَ جَفَاءَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ هِيَ فِيهِمْ، يَقْصِدُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا، حَنِثَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ
لِعَامِلٍ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ، أَوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا، أَوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَنَحْوَهُ يُرِيدُ مَا دَامَ كَذَلِكَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ أَيْضًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْحَالَ تَصْرِفُ الْيَمِينَ إِلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ عَمَّمْنَاهُ بِهِ، وَإِنِ اقْتَضَى الْخُصُوصَ، مِثْلَ: مَنْ نَذَرَ لَا يَدْخُلُ بَلَدًا لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ، فَزَالَ الظُّلْمُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: النَّذْرُ يُوَفَّى بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ كَالْمَنْوِيِّ سَوَاءً، وَإِنْ حَلَفَ: لَا رَأَيْتُ مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى
[المبدع في شرح المقنع]
يَقْصِدْ شَيْئًا، وَإِنِ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا فِيهِ فَوَجَدَهَا فِيهِ، فَهُوَ كَالدُّخُولِ عَلَيْهَا نَاسِيًا، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ، فَأَقَامَ، فَهَلْ يَحْنَثُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ، أَوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا، أَوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَنَحْوَهُ يُرِيدُ مَا دَامَ كَذَلِكَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ) لِأَنَّ الْخُرُوجَ بَعْدَ مَا ذُكِرَ بِغَيْرِ الْإِذْنِ خُرُوجٌ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لِتَخْصِيصِ اللَّفْظِ بِإِرَادَةِ زَمَنِ الْعِمَالَةِ، وَالزَّوْجِيَّةِ، وَالْعُبُودِيَّةِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ أَيْضًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْحَالَ تَصْرِفُ الْيَمِينَ إِلَيْهِ) لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ فِي الْخُصُوصِ، لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ فِي الْعُمُومِ، وَلَوْ نَوَى الْخُصُوصَ لَاخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ، فَكَذَا إِذَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهَا لَا تَنْحَلُّ، لِأَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إِذَا كَانَ عَامًّا لِسَبَبٍ خَاصٍّ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَذَلِكَ يَمِينُ الْحَالِفِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ تَغَيَّرَتِ الصِّفَةُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ، أَنَّهَا لَا تَنْحَلُّ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ وَجْهٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ عَمَّمْنَاهُ بِهِ، وَإِنِ اقْتَضَى الْخُصُوصَ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ لَا يَدْخُلُ بَلَدًا لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ، فَزَالَ الظُّلْمُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: النَّذْرُ يُوَفَّى بِهِ) نَظَرًا إِلَى عُمُومِ اللَّفْظِ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ (وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ كَالْمَنَوِيِّ سَوَاءً) لِأَنَّ أُصُولَهُ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ النِّيَّةِ
فُلَانٍ الْقَاضِي، فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، إِنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَالسَّبَبِ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَقَصْرِهِ عَلَى الْحَاجَةِ، فَكَذَا تَجِبُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، لِكَوْنِهَا دَاخِلَةً فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اخْتَلَفَ السَّبَبُ وَالنِّيَّةُ، مِثْلَ أَنِ امْتَنَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِغَزْلِهَا، فَحَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يَنْوِي اجْتِنَابَ اللَّبْسِ خَاصَّةً، دُونَ الِانْتِفَاعِ بِثَمَنِهِ وَغَيْرِهِ، قُدِّمَتِ النِّيَّةُ عَلَى السَّبَبِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ النِّيَّةَ وَافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ ثَوْبًا وَاحِدًا، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَدَّمُ السَّبَبُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ وَالسَّبَبُ، وَهُوَ الِامْتِنَانُ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الظَّاهِرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ السَّبَبَ إِنَّمَا اعْتُبِرَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْقَصْدِ، فَإِذَا خَالَفَ حَقِيقَةَ الْقَصْدِ لَمْ يُعْتَبَرْ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّفْظُ بِعُمُومِهِ، وَالنِّيَّةُ تَخُصُّهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، (وَإِنْ حَلَفَ: لَا رَأَيْتُ مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى فُلَانٍ الْقَاضِي، فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ إِنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا) لِأَنَّ الرَّفْعَ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ، فِيمَا إِذَا حَلَفَ لِعَامِلٍ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَنَوَى مَا دَامَ عَامِلًا (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ) أَحَدَهُمَا: لَا تَنْحَلُّ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَالثَّانِيَ: بَلَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: رَفَعَهُ إِلَيْهِ إِلَّا فِي حَالِ وِلَايَتِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِذَا رَفَعَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ الْعَزْلِ بَرَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا رَأَى مُنْكَرًا فِي وِلَايَتِهِ وَأَمْكَنَ رَفْعُهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ حَتَّى عُزِلَ، لَمْ يَبِرَّ، وَهَلْ يَحْنَثُ بِعَزْلِهِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ كَمَا لَوْ مَاتَ.
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَوَاتُهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَلِيَ فَيَرْفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ رَفْعِهِ إِلَيْهِ حَنِثَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الْوَالِي، أَذَنْ؛ فَفِي تَعْيِينِهِ وَجْهَانِ، فِي التَّرْغِيبِ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ تَعْيِينِ الْعَهْدِ وَالْجِنْسِ، وَفِيهِ: لَوْ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، فَقِيلَ: فَاتَ الْبِرَّ كَمَا لَوْ رَآهُ مَعَهُ، وَقِيلَ: لَا، لِإِمْكَانِ صُورَةِ الرَّفْعِ، فَعَلَى الْأُولَى: هِيَ كَإِبْرَائِهِ مِنْ دَيْنٍ بَعْدَ حَلِفِهِ لِيَقْضِيَهُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا قَوْلُهُ جَوَابًا لِقَوْلِهَا: تَزَوَّجْتَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ، فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ مَعَهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَخْذًا بِالْأَعَمِّ مِنْ لَفْظٍ وَسَبَبٍ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا حَلَفَ: لَا رَأَيْتُكِ تَدْخُلِينَ دَارَ زَيْدٍ، يُرِيدُ مَنْعَهَا، فدخلت،
فَصْلٌ فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً أَوْ حَمَّامًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ، أَوْ لَا لَبِسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ،
[المبدع في شرح المقنع]
حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَرَهَا، وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَبِيتُ عِنْدَ فُلَانَةَ فَمَكَثَ عِنْدَهَا حَتَّى مَضَى أَكْثَرُ اللَّيْلِ، حَنِثَ، لِأَنَّ الْبَيْتُوتَةَ تَقَعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَكَثَ أَقَلَّ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي فِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا حَلَفَ لَا يَكْفُلُ بِمَالٍ، فَكَفَلَ بِبَدَنٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْنَثُ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْقِيَاسُ عَدَمُهُ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ: يَحْنَثُ، إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْمَالِ، وَصَحَّحْنَا هَذَا الشَّرْطَ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَ زَوْجَتِهِ هَذَا الْعِيدَ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: إِذَا عَيَّدَ النَّاسُ دَخَلَ إِلَيْهَا، قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَيَّامَ الْعِيدِ، فَقَالَ: عَلَى مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَيَعْهَدُونَ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالَ أَنْ يُكَبِّرُوا حَتَّى يَفْرَغُوا مِنْ عِيدِهِمْ، يَعْنِي: مِنْ صَلَاتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَأْوِيَ عِنْدَهَا فِي عِيدِ الْفِطْرِ حَتَّى تَغِيبَ شَمْسُ يَوْمِهِ، وَلَا يَأْوِيَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى حَتَّى تَغِيبَ شَمْسُ آخَرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
[الثَّانِي التَّعْيِينُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَالسَّبَبِ]
فَصْلٌ (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ) أَيِ: النِّيَّةُ وَالسَّبَبُ (رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ) كَذَا فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ أَبْلَغُ مِنْ دَلَالَةِ الِاسْمِ عَلَى الْمُسَمَّى، لِأَنَّهُ يَنْفِي الْإِبْهَامَ بِالْكُلِّيَّةِ، بِخِلَافِ الِاسْمِ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى عَيْنِ شَخْصٍ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى مُسَمًّى بِاسْمٍ، لَمْ يَجِبْ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ، وَكَذَا يُقَدَّمُ التَّعْيِينَ عَلَى الصِّفَةِ وَالْإِضَافَةِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الصِّفَةُ عَلَيْهِ (فَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ) لِأَنَّ التَّعْيِينَ يَقْتَضِي الْحِنْثَ، وَزَوَالُ
فَجَعَلَهُ سَرَاوِيلَ أَوْ رِدَاءً أَوْ عِمَامَةً وَلَبِسَهُ، أَوْ لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ فَصَارَ شَيْخًا، أَوِ امْرَأَةَ فُلَانٍ، أَوْ صَدِيقَهُ فُلَانًا، أَوْ غُلَامَهُ سَعْدًا، فَطُلِّقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالَتِ الصَّدَاقَةُ، وَعُتِقَ الْعَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ.
أَوْ لَا أَكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمْلِ فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا، أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ، فَتَغَيَّرَ أَوْ عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَكَلَهُ، حَنِثَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ.
[المبدع في شرح المقنع]
الِاسْمِ يَنْفِيهِ، وَالتَّعْيِينُ رَاجِحٌ عَلَى الِاسْمِ (أَوْ لَا لَبِسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ فَجَعَلَهُ سَرَاوِيلَ أَوْ رِدَاءً أَوْ عِمَامَةً وَلَبِسَهُ) لِمَا ذَكَرْنَا (أَوْ لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ فَصَارَ شَيْخًا، أَوِ امْرَأَةَ فُلَانٍ، أَوْ صَدِيقَهُ فُلَانًا، أَوْ غُلَامَهُ سَعْدًا، فَطُلِّقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالَتِ الصَّدَاقَةُ، وَعُتِقَ الْعَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ) لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهَا تَقْتَضِي وَصْفَ الْمَحْلُوفِ عَلَى عَدَمِ كَلَامِهِ بِالزَّوْجِيَّةِ وَالصَّدَاقَةِ، أَوْ كَوْنِهِ غُلَامًا، وَالصِّفَةُ كَالِاسْمِ، بَلْ أَضْعَفُ، فَإِذَا غَلَبَ التَّعْيِينُ عَلَى الِاسْمِ، فَلَأَنْ يَغْلِبَ عَلَى الصِّفَةِ أَوْلَى (أَوْ لَا أَكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ، فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا) لِأَنَّهُ كَسُكْنَى الدَّارِ وَالْقَمِيصِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ (أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ، فَتَغَيَّرَ، أَوْ عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَكَلَهُ) لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ وَخَلْطَ شَيْءٍ آخَرَ مَعَهُ بِمَنْزِلَة زَوَالِ الِاسْمِ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ (حَنِثَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ: فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا، كَقَوْلِهِ: دَارَ فُلَانٍ فَقَطْ، أَوِ التَّمْرَ الْحَدِيثَ فَعُتِّقَ، أَوِ الرَّجُلَ الصَّحِيحَ فَمَرِضَ، وَكَالسَّفِينَةِ تُنْقَضُ ثُمَّ تُعَادُ (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ) وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ نَاوِيًا لِلصِّفَةِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ إِذَا زَالَتْ، وَقَرِينَةُ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ ذَلِكَ، فَصَارَ كَالْمَنَوِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ، فِي نَحْوِ بَيْضَةٍ صَارَتْ فَرْخًا، وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ الْبَيْضَةَ أَوِ التُّفَّاحَةَ، فَعَمِلَ مِنْهَا شَرَابًا، أَوْ نَاطِفًا فَالْوَجْهَانِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ.
فَصْلٌ فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَرْعِيَّةٍ، وَحَقِيقِيَّةٍ، وَعُرْفِيَّةٍ.
فَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ، فَهِيَ: أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ.
إِلَّا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ إِلَى شَيْءٍ
[المبدع في شرح المقنع]
[الثَّالِثُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ]
[أَقْسَامُ الِاسْمِ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ]
فَصْلٌ (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ) أَيِ: التَّعْيِينُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَالسَّبَبِ، (رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ) لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ الْمُسَمَّى، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ هُنَا، فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ عَمَلًا بِهِ، لِسَلَامَتِهِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ (وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَرْعِيَّةٍ، وَحَقِيقِيَّةٍ، وَعُرْفِيَّةٍ) مَا لَهُ مُسَمًّى وَاحِدٌ، كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إِلَى مُسَمَّاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَمَا لَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ، وَمَوْضُوعٌ لُغَوِيٌّ، كَالْوُضُوءِ، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إِلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَمَا لَهُ مَوْضُوعٌ حَقِيقِيٌّ، وَمَجَازٌ لَمْ يَشْتَهِرْ كَالْأَسَدِ، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، كَكَلَامِ الشَّارِعِ وَمَا اشْتُهِرَ مَجَازُهُ حَتَّى صَارَتِ الْحَقِيقَةُ مَغْمُورَةً فِيهِ، فَهُوَ أَقْسَامٌ: مِنْهَا مَا يَغْلِبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، كَالرَّاوِيَةِ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِلْمَزَادَةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِمَا يُسْتَقَى عَلَيْهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَالظَّعِينَةِ فِي الْعُرْفِ لِلْمَرْأَةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ النَّاقَةُ الَّتِي يُظْعَنُ عَلَيْهَا، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إِلَى الْمَجَازِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُهُ بِيَمِينِهِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَشْبَهَ الْحَقِيقَةَ فِي غَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَنْوَاعِهَا (فَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ، فَهِيَ: أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوِهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ إِذَا قَالَ: صَلِّ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِكَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ، فَكَذَا يَمِينُ الْحَالِفِ (وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْفَاسِدَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ فِعْلِهِ بِالْيَمِينِ، (فَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ الْجَمَاعَةُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ
لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ أَوِ الْحُرَّ، فَيَحْنَثُ بِصُورَةِ الْبَيْعِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا وَبِعْتِهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَعَلَتْ، لَمْ تُطَلَّقْ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ تَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ، لِوُجُودِهِ صُورَةً، وَعَنْهُ: فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَوَجْهَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْعًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَنَّهُ يَحْنَثُ وَنَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ شَرْعِيٌّ، فَيَحْنَثُ بِهِ كَاللَّازِمِ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا مَلَكْتُ هَذَا، فَاشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، (إِلَّا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينُ إِلَى شَيْءٍ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ، أَوِ الْحُرَّ، فَيَحْنَثَ بِصُورَةِ الْبَيْعِ) أَيْ: إِذَا قَيَّدَ يَمِينَهُ بِمُمْتَنِعِ الصِّحَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ، فَيَحْنَثُ فِي الْأَصَحِّ، بِصُورَةِ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ حَمْلُ يَمِينِهِ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَتَعَيَّنَ مَحَلًّا لَهَا، (وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا وَبِعْتِيهِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَعَلَتْ، لَمْ تُطَلَّقْ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هُوَ أَقْيَسُ، وَخَرَّجَهُ السَّامِرِيُّ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالشِّرَاءُ كَالْبَيْعِ، وَخَالَفَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا وَبِعْتِيهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، وَإِنْ حَلَفَ لَتَبِيعَنَّهُ، فَبَاعَهُ بِعَرْضٍ بَرَّ، وَكَذَا نَسِيئَةً، وَقِيلَ: يُنْقَضُ يَمِينُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، أَوْ لَا يُزَوِّجُ فَأَوْجَبَ وَلَمْ يَقْبَلِ الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجُ - لَمْ يَحْنَثْ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبُولِ، فَلَمْ يَقَعْ عَلَى الْإِيجَابِ بِدُونِهِ، وَإِنْ قَبِلَهُ حَنِثَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ بَرَّ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ نَظِيرَتَهَا أَوْ أَعْلَى مِنْهَا، إِلَّا أَنْ يَحْتَالَ عَلَى حَلِّ يَمِينِهِ بِتَزْوِيجٍ لَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ، وَالْمَذْهَبُ يَبِرُّ بِدُخُولِهِ بِنَظِيرَتِهَا، وَالْمُرَادُ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ بِمَنْ تَغُمُّهَا وَتَتَأَذَّى بِهَا لِظَاهِرِ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَفِي الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهَا: أَوْ مُقَارِبِهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمَنْصُوصُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيَدْخُلَ، وَلَا تُشْتَرَطُ مُمَاثَلَتُهَا، وَاعْتُبِرَ فِي الرَّوْضَةِ حَتَّى فِي الْجِهَازِ، وَلَمْ يَذْكُرْ دُخُولًا، وَإِنْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ ضَرَّتَهَا، فَفِي بِرِّهِ بِرَجْعِيٍّ خِلَافٌ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا تَسَرَّيْتُ، فَوَطِئَ جَارِيَةً حَنِثَ، قَدَّمَهُ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ حَلَفَ لَا صَلَّيْتُ صَلَاةً، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرَغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالتَّكْبِيرِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الرِّعَايَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ فَيُنْزِلَ، فَحْلًا كَانَ أَوْ خَصِيًّا، وَعَنْهُ: إِنْ عَزَلَ فَلَا حِنْثَ، وَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّرِّ، وَهُوَ الْوَطْءُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] ولِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ وَلَا التَّحْصِينُ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا) لِأَنَّ إِمْسَاكَ بَعْضِ يَوْمٍ لَيْسَ بِصَوْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ يَوْمٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمِ، فَلَزِمَهُ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرُوعٍ صَحِيحٍ، وَقِيلَ: إِنْ حَنِثَ بِفِعْلٍ بعض المحلوف، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، حَكَاهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ قَوْلًا، كَقَوْلِهِ: صَوْمًا، وَكَحَلِفِهِ لَيَفْعَلَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَدَامَ فَوَجْهَانِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً) بِسَجْدَتَيْهَا، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بَلَى، إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنَسَبَهُ فِي الْفُرُوعِ إِلَى الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالشُّرُوعِ الصَّحِيحِ (وَقَالَ الْقَاضِي إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيْتُ صَلَاةً، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرَغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُصَلٍّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ فِيهِ صَلَاةٌ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُشْبِهُ هَذَا مَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهَا لَا تُطَلَّقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِأَوَّلِ الْحَيْضِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَذَكَرَهُ أَبُو
يَهَبُ زَيْدًا شَيْئًا وَلَا يُوصِي لَهُ وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، فَوَهَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُهُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ أَعَارَهُ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَإِنْ وَقَفَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَطَّابِ، وَأَمَّا الطَّوَافُ فَقَالَ الْمَجْدُ: لَيْسَ صَلَاةً مُطْلَقَةً وَلَا مُضَافَةً، لَكِنْ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ إِنَّهُ صَلَاةٌ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مِثْلَ الصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا، إِلَّا فِيمَا اسْتَثْنَاهُ، وَهُوَ النُّطْقُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ الْحَجِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ لَا يَحُجُّ حَنِثَ بِإِحْرَامِهِ بِهِ، وَقِيلَ: بِفَرَاغِ أَرْكَانِهِ، وَيَحْنَثُ بِحَجٍّ فَاسِدٍ، وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا فَدَامَ فَوَجْهَانِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالتَّكْبِيرِ) هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِذَلِكَ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُصَلٍّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ فِيهِ صَلَاةً، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ ثَانِيًا مَوْجُودٌ فِيمَنْ شَرَعَ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ زَيْدًا شَيْئًا، وَلَا يُوصِي لَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ) وَلَا يُعِيرُهُ، وَلَا يُهْدِي لَهُ (فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ، حَنِثَ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَهُ ابْنُ شُرَيْحٍ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَا عِوَضَ لَهُ، فَيَحْنَثُ بِالْإِيجَابِ فَقَطْ، كَالْوَصِيَّةِ، وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ مِثْلُهُ فِي بَيْعٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي: إِنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهَا بِدُونِ الْقَبُولِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] ، أَرَادَ الْإِيجَابَ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَلَا قَبُولَ لَهَا حِينَئِذٍ.
فَرْعٌ: إِذَا نَذَرَ أَنْ يَهَبَهُ شَيْئًا بَرَّ بِالْإِيجَابِ كَيَمِينِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: يُحْمَلُ عَلَى الْكَمَالِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنَ الْهِبَةِ، وَلَا يَحْلِفُ الْحَالِفُ عَلَى نَوْعٍ بِفِعْلِ نَوْعٍ آخَرَ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ، وَلِهَذَا حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمْ تُحَرَّمِ الْهِبَةُ، وَلَا الْهَدِيَّةُ، لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَقِيلَ: يَحْنَثُ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ (وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَهَبُهُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، حَنِثَ) لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ، كَمَا لَوْ أَهْدَى إِلَيْهِ، أَوْ أَعْمَرَهُ، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ يجب إخراجه، فَلَيْسَ هُوَ هِبَةً مِنْهُ، فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا حَنِثَ، لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَهُ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ) هَذَا رِوَايَةٌ، لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ
عَلَيْهِ حَنِثَ، وَإِنْ أَوْصَى لَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ حَنِثَ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ.
[المبدع في شرح المقنع]
اسْمًا وَحُكْمًا، وَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ فَيَحْنَثُ بِهِ كَالْهَدِيَّةِ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسَمَّى هِبَةً، وَاخْتِلَافُ التَّسْمِيَةِ لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِنَ الْهِبَةِ، فَتَخْتَصُّ بِاسْمٍ دُونَهَا، كَاخْتِصَاصِ الْهَدِيَّةِ وَالْعُمْرَى بِاسْمَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا هِبَةً (وَإِنْ أَعَارَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْعَارِيَةَ إِبَاحَةٌ، وَالْهِبَةَ تَمْلِيكٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، قَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ فِيهَا، وَلَا يَمْلِكُ الْمُسْتَعِيرُ إِجَارَتَهَا (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْعَارِيَةَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ هِبَةِ الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ بِالْعِوَضِ كَالْعَيْنِ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَهُ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ، فَهُوَ فِي الْعُرْفِ هِبَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، كَوَصِيَّةٍ لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ عَلَى رِوَايَةٍ، وَبَنَاهُ فِي الْمُغْنِي عَلَى الْمِلْكِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ حَنِثَ بِمُسَاوَاتِهِ الْهِبَةَ، وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ مِلْكِهِ فَلَا، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَمْنُوعٌ مِنْ هِبَةِ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الْهِبَةِ الْمَنْعُ مِنَ الْوَقْفِ (وَإِنْ أَوْصَى لَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ (وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ حَنِثَ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ تَرَكَ لَهُ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ وَهَبَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ) هَذَا وَجْهٌ، وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أَخَذَ جَمِيعِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ كَانَ هِبَةً أَوْ بَعْضَهُ لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ كُلِّهِ، وَأَطْلَقَ فِي الْفُرُوعِ الْخِلَافَ، وَيَحْنَثُ بِالْهَدِيَّةِ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَإِنْ أَضَافَهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ الْأَكْلَ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَسْقَطَ عَنْهُ دَيْنًا لَمْ يَحْنَثْ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ، لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ.