غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ.
وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَظْمُهَا،
[المبدع في شرح المقنع]
- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «جِلْدُ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ يُطَهِّرُهُ الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ مَا يُدْبَغُ بِهِ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ الْجِلْدِ، فَإِذَا انْدَبَغَ بَقِيَتِ الْآلَةُ نَجِسَةً، فَلَا تَزُولُ إِلَّا بِالْغَسْلِ، وَفِي آخَرَ: يَطْهُرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَلِأَنَّهُ طَهُرَ بِانْقِلَابِهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى غَسْلٍ، كَالْخَمْرَةِ.
(وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ «وَأَنْ يُفْتَرَشَ» . وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَلَمْ يُفِدْ طَهَارَةَ الْجِلْدِ، كَذَبْحِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ، لِأَنَّ عِنْدَنَا كُلُّ ذَبْحٍ لَا يُفِيدُ إِبَاحَةَ اللَّحْمِ لَا يُفِيدُ طَهَارَةَ الْمَذْبُوحِ، قَالَ الْقَاضِي: جُلُودُ السِّبَاعِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهَلْ يُبَاحُ لُبْسُ جِلْدِ الثَّعْلَبِ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ، أَوْ لَا، أَوْ يُبَاحُ لُبْسُهُ فَقَطْ، أَوْ يُبَاحَانِ مَعَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ؛ فِيهِ رِوَايَاتٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ: إِنَّهُ يُلْبَسُ إِذَا دُبِغَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ.
[لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا وَعَظْمُهَا وَقَرْنُهَا]
(وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً - ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَيُقَالُ أَيْضًا: مِنْفَحَةٌ (نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْجُبْنِ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِحُ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا تَأْكُلُوا مِنَ الْجُبْنِ إِلَّا مَا صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حُلِبَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُمَا طَاهِرَانِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَتَحُوا بِلَادَ الْمَجُوسِ، وَأَكَلُوا مِنْ جُبْنِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِنَجَاسَةِ ذَبَائِحِهِمْ، لِأَنَّ الْجُبْنَ إِنَّمَا يُصْنَعُ بِهَا، وَاللَّبَنُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ إِذْ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ فِي صِحَّةِ مَا نُقِلَ
وَقَرْنُهَا، وَظُفْرُهَا نَجِسٌ، وَصُوفُهَا وَشَعَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَنِ الصَّحَابَةِ نَظَرًا، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ يَهُودُ وَنَصَارَى يَذْبَحُونَ لَهُمْ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَوْلُ بِالنَّجَاسَةِ، وَفِي " الْكَافِي "، و" الشَّرْحِ " أَنَّ الْجُبْنَ نَجِسٌ، وَالْخِلَافُ فِي الْإِنْفَحَةِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا، وَقِيلَ: هُمَا فِي مَحَلِّهِمَا نَجِسَانِ، وَبَعْدَ أَخْذِهِمَا طَاهِرَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا صُلِّبَ قِشْرُ بَيْضَةٍ فَطَاهِرَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَشْبَهَ مَا لَوْ غُمِسَتْ فِي مَاءٍ نَجِسٍ، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيْضَةُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: مَا كَانَ قِشْرُهَا أَبْيَضَ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّ الْحَاجِزَ غَيْرُ حَصِينٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْجُسُ، لِأَنَّ جُمُودَهَا، وَغِشَاوَتَهَا الَّذِي هُوَ كَالْجِلْدِ مَعَ لِينِهِ يَمْنَعُ نُفُوذَ النَّجَاسَةِ إِلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، فَعَلَى النَّجَاسَةِ إِنْ صَارَتْ فَرْخًا فَهُوَ طَاهِرٌ.
(وَعَظْمُهَا، وَقَرْنُهَا، وَظُفْرُهَا) وَسِنُّهَا، وَحَافِرُهَا، وَعَصَبُهَا (نَجِسٌ) نُصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَأْكُولٍ، أَوْ غَيْرِهِ، كَالْفِيلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] ، وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا، وَعَنْهُ: طَاهِرٌ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُحِلُّهَا، فَلَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَالشَّعَرِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا ثَوْبَانُ، اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ.
» وَالْعَاجُ هُوَ عَظْمُ الْفِيلِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ ذُكِّيَ الْفِيلُ فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّ الْفِيلَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبٍ الْمَالِكِيُّ فَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَقِيلَ: - وَهُوَ أَصَحُّ - لِأَنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ وَهِيَ الرُّطُوبَةُ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْحَيَاةَ تُحِلُّهُ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، كَالْجِلْدِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] الْآيَةَ، وَبِدَلِيلِ الْإِحْسَاسِ وَالْأَلَمِ، وَهُوَ فِي الْعِظَامِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي اللَّحْمِ، وَالضِّرْسُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
يَأْلَمُ، وَيَلْحَقُهُ الْقَرْسُ، وَيُحِسُّ بِبُرُودَةِ الْمَاءِ وَحَرَارَتِهِ، وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ فِيهِ حُمَيْدٌ الشَّامِيُّ، وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ، وَلَوْ سَلِمَ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْعَاجُ الذَّبْلُ، وَقِيلَ: هُوَ عَظْمُ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَقِيلَ: الْعَصَبُ كَالشَّعَرِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ مُنَجِّسَةٌ، وَحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا إِنْ أُخِذَ مِنْ مُذَكًّى فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَذَا مَا يَسْقُطُ مِنْ قُرُونِ الْوُعُولِ فِي حَيَاتِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ بِطَهَارَتِهِ كَالشَّعَرِ، وَأَمَّا مَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَالسَّمَكِ فَلَا بَأْسَ بِعِظَامِهِ.
(وَصُوفُهَا، وَشَعَرُهَا، وَرِيشُهَا طَاهِرٌ) يَعْنِي الْمَيْتَةَ الطَّاهِرَةَ فِي الْحَيَاةِ، وَإِلَّا فَالنَّجِسَةُ فِيهَا لَا يَزِيدُهَا الْمَوْتُ إِلَّا خُبْثًا، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: صُوفُ الْمَيْتَةِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: 80] الْآيَةَ، وَهِيَ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ، فَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا لِحَالَتَيِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي شَعَرِ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَمِنْ ثَمَّ حِكَايَةُ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " الْخِلَافَ فِي شَعَرِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَالْقَطْعُ بِالطَّهَارَةِ فِيهِ غَرِيبٌ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ» ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ، وَمِنْ خَاصِّيَّتِهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ، وَهُمَا مَنْفِيَّانِ فِي الشَّعَرِ، وَوَبَرٌ كَشَعَرٍ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِنَا: الْمَيْتَةُ الطَّاهِرَةُ فِي الْحَيَاةِ شَعَرُ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ بِنَجَاسَتِهِ بَعْدَ
بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَوْتِ لِزَوَالِ عِلَّةِ الطَّوَافِ بِهِ، وَجَعَلَ الْقَاضِي الْخِلَافَ فِي الْمُنْفَصِلِ فِي حَيَاتِهِ أَيْضًا، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْبَنَّا بِذَلِكَ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا، فَأَمَّا أُصُولُ الشَّعَرِ وَالرِّيشِ إِذَا نُتِفَ مِنَ الْمَيْتَةِ وَهُوَ رَطْبٌ، فَهُوَ نَجِسٌ بِرُطُوبَةِ الْمَيْتَةِ، وَهَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُنْتَفَعُ بِصُوفِهَا إِذَا غُسِلَ قِيلَ: فَرِيشُ الطَّيْرِ؛ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ، وَحَرَّمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " نَتْفَ ذَلِكَ مِنْ حَيٍّ لِإِيلَامِهِ، وَكَرِهَهُ فِي " النِّهَايَةِ ".
[بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ]
[مَا يُقَالُ عِنْدَ الدُّخُولِ إِلَى الْخَلَاءِ]
بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ.
الِاسْتِنْجَاءُ: اسْتِفْعَالٌ مِنْ: نَجَوْتُ الشَّجَرَةَ أَيْ: قَطَعْتُهَا، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ الْأَذَى، وَقِيلَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا، وَهُوَ إِزَالَةُ خَارِجٍ مِنْ سَبِيلٍ بِمَاءٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي إِزَالَتِهِ بِالْحَجَرِ، وَيُسَمَّى الِاسْتِجْمَارَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْجِمَارِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا فِي اسْتِجْمَارِهِ، وَعَبَّرَ بَعْضٌ بِالِاسْتِطَابَةِ، يُقَالُ: اسْتَطَابَ، وَأَطَابَ: إِذَا اسْتَنْجَى، قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ.
وَبَعْضٌ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ: الْمَكَانُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ فِيهِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُتَخَلَّى فِيهِ أَيْ: يُنْفَرَدُ (أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.
وَتُقَالُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ فِعْلٍ تَبَرُّكًا بِهَا، وَقُدِّمَتْ هُنَا عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ، لِأَنَّ التَّعَوُّذَ هُنَاكَ لِلْقِرَاءَةِ، وَالْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيُقَدَّمُ التَّعَوُّذُ عَلَيْهَا، وَشَرْطُهُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِبِاسْمِ اللَّهِ الْقُرْآنَ، فَإِنْ قَصَدَهُ حَرُمَ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» اقْتَصَرَ فِي " الْغُنْيَةِ "، و" الْمُحَرَّرِ "،
وَالْخَبَائِثِ، وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ، الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الْفُرُوعِ " عَلَى ذَلِكَ مَعَ التَّسْمِيَةِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْخُبْثُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَنَّهُ أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الشُّيُوخِ، وَفَسَّرَهُ بِالشَّرِّ، وَالْخَبَائِثَ بِالشَّيَاطِينِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنَ الشَّرِّ وَأَهْلِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَقِيلَ: الْخُبْثُ: الْكُفْرُ، وَالْخَبَائِثُ: الشَّيَاطِينُ (وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَفِي " الْبُلْغَةِ " كَـ " الْمُقْنِعِ " وَكَذَا فِي " الْوَجِيزِ " عَنْهُ: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ إِذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ [الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ] الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرِّجْسُ الْقَذِرُ، وَالنَّجِسُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ نَجِسَ يَنْجُسُ فَهُوَ نَجِسٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا قَالُوهُ مَعَ الرِّجْسِ أَتْبَعُوهُ إِيَّاهُ، أَيْ: قَالُوهُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَالشَّيْطَانُ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ، أَيْ: بَعُدَ يُقَالُ: دَارٌ شَطُونٌ، أَيْ: بَعِيدَةٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُعْدِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: مِنْ شَاطَ، أَيْ: هَلَكَ، سُمِّيَ بِهِ لِهَلَاكِهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرَّجِيمُ نَعْتٌ لَهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى رَاجِمٍ، أَيْ: يَرْجُمُ غَيْرَهُ بِالْإِغْوَاءِ، أَوْ بِمَعْنَى مَرْجُومٍ، لِأَنَّهُ يُرْجَمُ بِالْكَوَاكِبِ عِنْدَ اسْتِرَاقِهِ السَّمْعَ.
[دُخُولُ الْخَلَاءِ وَمَعَهُ شَيْءٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ]
(وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا
تَعَالَى.
وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ، وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ، وَيَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ
[المبدع في شرح المقنع]
دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَلِأَنَّ الْخَلَاءَ مَوْضِعُ الْقَاذُورَاتِ، فَشُرِعَ تَعْظِيمُ اسْمِ اللَّهِ، وَتَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُهُ بِمَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا حَاجَةٍ، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْفَظُهُ لَهُ أَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ فَلَا بَأْسَ حَيْثُ أَخْفَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: الْخَاتَمُ إِذَا كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى يَجْعَلُهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، وَمَعَهُ الدَّرَاهِمُ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": إِنَّ إِزَالَةَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِتَحْرِيمِهِ بِمُصْحَفٍ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ اسْمَ الرَّسُولِ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْبُنْيَانِ.
[تَقْدِيمُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ]
(وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ) عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ الْيُسْرَى لِلْأَذَى، وَالْيُمْنَى لِمَا سِوَاهُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ إِلَى الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ، وَأَحَقُّ بِالتَّحَرُّزِ عَنِ الْأَذَى وَمَحَلِّهِ، وَلِهَذَا قُدِّمَتْ فِي الِانْتِعَالِ دُونَ النَّزْعِ، صِيَانَةً لَهَا، لِمَا رَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ ابْتُلِيَ بِالْفَقْرِ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْبُنْيَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُقَدِّمُ يُسْرَاهُ إِلَى مَوْضِعِ جُلُوسِهِ فِي الصَّحْرَاءِ وَيُمْنَاهُ عِنْدَ مُنَصْرَفِهِ.
(وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ - وَقَدْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
سَمَّاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ: الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ، لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُ، وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَلَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ تَبِعَ النَّصَّ الْوَارِدَ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلِ الرَّفْعَ حَتَّى يَدْنُوَ، فَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: يَرْفَعُ ثَوْبَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ يَجِبُ إِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُهُ.
(وَيَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى) لِحَدِيثِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَّكِئَ عَلَى الْيُسْرَى، وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْيُمْنَى مَنْصُوبَةً إِكْرَامًا لَهَا (وَلَا يَتَكَلَّمُ) أَيْ: يُكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلَوْ بِرَدِّ سَلَامٍ، نَصَّ عَلَيْهِ كَابْتِدَائِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ» ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِلِسَانِهِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ الْوَاجِبَ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى، فَلَوْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ: وَبِلَفْظِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ، وَكَذَا إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ صَاحِبُ النَّظْمِ بِتَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَشِّ
حَاجَتِهِ.
فَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانُكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي، فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَسَطْحِهِ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى حَاجَتِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ، أَوْ حَيَّةً تَقْصِدُ إِنْسَانًا، فَإِنَّ إِنْذَارَهُ لَا يُكْرَهُ.
(وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ) لِأَنَّهُ مُضِرٌّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، قِيلَ: إِنَّهُ يُدْمِي الْكَبِدَ، وَقِيلَ: يُورِثُ الْبَاسُورَ قَالَ جَدِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهُوَ كَشْفٌ لِعَوْرَتِهِ خَلْوَةً بِلَا حَاجَةٍ، وَفِي أُخْرَى: يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهَا مَسْأَلَةُ سَتْرِهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، وَلَا يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى عَوْرَتِهِ.
[مَا يُقَالُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ]
(فَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ) وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ: أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ، وَسِرُّهُ أَنَّهُ لَمَّا خَلَصَ مِنَ النَّجْوِ الْمُثْقِلِ لِلْبَدَنِ، سَأَلَ الْخَلَاصَ مِمَّا يُثْقِلُ الْقَلْبَ، وَهُوَ الذَّنْبُ، لِتَكْمُلَ الرَّاحَةُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى، وَعَافَانِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي " مُصَنَّفِ " عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «أَنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ مَنْفَعَتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ.
» مَسَائِلُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ، وَلَا يَرْفَعُهُ، وَلَا بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا يَبْصُقُ عَلَى بَوْلِهِ، لِأَنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَاسَ، وَأَنْ يَنْتَعِلَ وَيَتَنَحْنَحَ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَيَمْشِيَ خُطُوَاتٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا بِدْعَةٌ (فَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ) هُوَ مَا اتَّسَعَ
كَانَ فِي الْفَضَاءِ أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ، وَارْتَادَ مَكَانًا رَخْوًا، وَلَا يَبُولُ فِي شَقٍّ، وَلَا سَرَبٍ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
مِنَ الْأَرْضِ (أَبْعَدَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَرَّحَ السَّامِرِيُّ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ (وَاسْتَتَرَ) بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ حَائِشِ نَخْلٍ، أَوْ كَثِيبِ رَمْلٍ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: «كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ، أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ جَمَاعَةُ النَّخْلِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ جُهْدُهُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَنْبَغِي ذَلِكَ (وَارْتَادَ) أَيْ: طَلَبَ (مَكَانًا رَخْوًا) يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الرَّاءِ وَكَسْرُهَا، وَمَعْنَاهُ: لَيِّنًا هَشًّا أَوْ عَالٍ، أَوْ يُلْصِقُ ذَكَرَهُ بِالْأَرْضِ الصُّلْبَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ، فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ يَأْمَنُ بِذَلِكَ مِنْ رَشَاشِ الْبَوْلِ.
(وَلَا يَبُولُ فِي شَقٍّ) بِفَتْحِ الشِّينِ، وَاحِدُ الشُّقُوقِ (وَلَا سَرَبٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ، عِبَارَةٌ عَنِ الثُّقْبِ، وَهُوَ مَا يَتَّخِذُهُ الدَّبِيبُ، وَالْهَوَامُّ بَيْتًا فِي الْأَرْضِ، لِمَا رَوَى قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ، قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؛ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ» .
طَرِيقٍ، وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ.
وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ بِجُحْرٍ بِالشَّامِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فَسُمِعَ مِنْ بِئْرِ الْمَدِينَةِ قَائِلٌ يَقُولُ:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ ... رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ ... نِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهْ
فَحَفِظُوا ذَلِكَ، فَوَجَدُوهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدٌ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يُخْرِجَ بِبَوْلِهِ دَابَّةً تُؤْذِيهِ، أَوْ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ فَتُنَجِّسُهُ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " كَمَوْرِدِ مَاءٍ، وَفَمِ بَالُوعَةٍ، وَكَذَا يُكْرَهُ عَلَى نَارٍ - لِأَنَّهُ يُورِثُ السَّقَمَ - وَرَمَادٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَمِثْلُهُ عَلَى قَرْعٍ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُتَجَرِّدُ مِنَ النَّبْتِ بَيْنَ بَقَايَا مِنْهُ (وَلَا طَرِيقٍ) ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ بِأَنْ يَكُونَ مَأْتِيًّا، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ، (وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ، قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طُرُقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَفِي إِضَافَةِ الظِّلِّ إِلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرْنَا (وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ) ، وَهِيَ الَّتِي أَثْمَرَتْ، أَوْ قَرُبَ ثَمَرُهَا، لِأَنَّهُ يُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ ثَمَرَهُمْ، أَوْ تَعَافُهَا النَّفْسُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُثْمِرَةً، أَوْ لَيْسَ وَقْتُ ثَمَرٍ جَازَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ظِلًّا نَافِعًا، لِأَنَّ أَثَرَهَا يَزُولُ بِالْأَمْطَارِ، وَغَيْرِهَا، إِلَى مَجِيءِ الثَّمَرِ، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ "، وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّ الْغَائِطَ أَشَدُّ مِنَ الْبَوْلِ لِغِلَاظَتِهِ، وَلَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي الْفَضَاءِ وَفِي اسْتِدْبَارِهَا فِيهِ، وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ رِوَايَتَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
تَذْنِيبٌ: لَا يَبُولُ فِي رَاكِدٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ، وَأَطْلَقَ الْبَغْدَادِيُّ تَحْرِيمَهُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَوَّطَ فِي جَارٍ لِبَقَاءِ أَثَرِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَأَمَّا الْبَوْلُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا.
وَلَا يَبُولُ فِي مَوْضِعِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِلنَّهْيِ عَنْهُ: فَإِنْ بَالَ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَكَانَ مِمَّا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ، فَلَا كَرَاهَةَ، وَفِي " الْمُغْنِي " رِوَايَتَانِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي إِنَاءٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا يَبُولُ عَلَى مَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَلَا عَلَى مَا نُهِيَ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ لِحُرْمَتِهِ، وَفِي " النِّهَايَةِ " يُكْرَهُ عَلَى الطَّعَامِ، كَعَلَفِ دَابَّةٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ سَهْوٌ.
فَرْعٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى مَوْضِعِ بَوْلِهِ، أَوْ يَسْتَنْجِيَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ، فَلَوْ كَانَ فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ لِذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ، أَوْ كَانَ بِالْحَجَرِ لَمْ يُكْرَهْ، لِأَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ لَنَضَحَ بِالنَّجَاسَةِ.
[مَنْعُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِ سُتْرَةٍ]
(وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ) لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مَعَهُمَا مَلَائِكَةً، وَأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَكْتُوبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَأَنَّهُمَا يَلْعَنَانِهِ، وَبِهِمَا يَسْتَضِيءُ أَهْلُ الْأَرْضِ، فَيَنْبَغِي احْتِرَامُهُمَا، وَكَالرِّيحِ، وَإِنِ اسْتَتَرَ عَنْهُمَا بِشَيْءٍ فَلَا بَأْسَ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) عِنْدَ التَّخَلِّي (فِي الْفَضَاءِ) لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَلَهُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
هُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، فَصِينَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَدَاوُدَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ.
لَا يُقَالُ: هَذَا نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْبُنْيَانِ، أَوْ مُسْتَتِرًا بِشَيْءٍ، أَوْ يَكُونُ خَاصًّا بِهِ، فَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِالِاحْتِمَالِ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَجَوَّزَهُ فِي " الْمُبْهِجِ " إِذَا كَانَتِ الرِّيحُ فِي غَيْرِ جِهَتِهَا، وَعَلَى الْمَنْعِ يَكْفِي انْحِرَافُهُ عَنِ الْجِهَةِ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَعْنَاهُ فِي الْخِلَافِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ وَحَفِيدِهِ: لَا يَكْفِي (وَفِي اسْتِدْبَارِهَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَضَاءِ (وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ: رِوَايَتَانِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ قَدِ اخْتَلَفَتْ، فَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِي الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «رَقَيْتُ عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، وَفِي ثَانِيَةٍ: بِالْمَنْعِ فِيهِمَا، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي ثَالِثَةٍ: جَوَازُهُمَا فِي الْبُنْيَانِ فَقَطْ، صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ الْأَشْهَرُ عَنْهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؛ قَالَ: إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ هَذَا فِي الْفَضَاءِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَالْحَسَنُ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَحَادِيثُهُ أَبَاطِيلُ، وَقَوَّاهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ، فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْعَامِّ، فَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى الْفَضَاءِ، وَأَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ عَلَى الْبُنْيَانِ، وَفِي رَابِعَةٍ: يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُهَا فِي الْبُنْيَانِ، قَدَّمَهَا جَمَاعَةٌ، لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَفِي خَامِسَةٍ: يَجُوزُ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الْخِلَافِ "، وَحُمِلَ النَّهْيُ حِينَ كَانَ قِبْلَةً، وَلَا يُسَمَّى بَعْدَ النَّسْخِ قِبْلَةً، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُكْرَهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ.
فَرْعٌ: يَكْفِي الِاسْتِتَارُ فِي الْأَشْهَرِ بِدَابَّةٍ أَوْ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي إِرْخَاءِ ذَيْلِهِ وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مِنْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ، وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهَا بِاسْتِنْجَاءٍ.
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا، وَلَا يَمَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَجْمِرْ بِهَا فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ
[المبدع في شرح المقنع]
[الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى]
(فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ، وَطَعَامِهِ، وَيَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذَى» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ) وَهُوَ الدَّرْزُ الَّذِي تَحْتَ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ حَلْقَةِ الدُّبُرِ، فَيَضَعُ إِصْبُعَهُ الْوُسْطَى تَحْتَ الذَّكَرِ، وَالْإِبْهَامَ فَوْقَهُ مِنْ مَجَامِعِ الْعُرُوقِ (إِلَى رَأْسِهِ) لِئَلَّا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الْبَلَلِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا) نَصَّ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، لِمَا رَوَى عِيسَى بْنُ يَزْدَادَ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
لِأَنَّهُ بِالنَّتْرِ يَسْتَخْرِجُ مَا عَسَاهُ يَبْقَى وَيَخْشَى عَوْدَهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ، هَذَا هُوَ الِاسْتِبْرَاءُ، فَإِنِ احْتَاجَ أَنْ يَمْشِيَ خُطُوَاتٍ مَشَى خُطُوَاتٍ قِيلَ: أَكْثَرُهَا سَبْعُونَ خُطْوَةً.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَيَتَوَجَّهُ: إِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَجَبَ (وَلَا يَمَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِوُضُوحِهِ (وَلَا يَسْتَجْمِرْ بِهَا) صَرَّحَ فِي " الْوَجِيزِ " بِالْكَرَاهَةِ فِيهِمَا، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَلَى الثَّانِي، لِمَا رَوَى سَلْمَانُ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –
عَنْ مَوْضِعِهِ.
ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، وَيُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا إِلَّا أَنْ يَعْدُوَ
[المبدع في شرح المقنع]
عَنْ كَذَا، وَأَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «وَلَا يَتَمَسَّحْ فِي الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» .
ثُمَّ إِنْ كَانَ يَسْتَجْمِرُ مِنَ الْغَائِطِ أَخَذَ الْحَجَرَ بِيَسَارِهِ فَمَسَحَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَوْلٍ، أَمْسَكَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ، وَمَسَحَهُ عَلَى الْحَجَرِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَضَعَهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ، وَإِلَّا أَمْسَكَ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ، وَمَسَحَ بِيَسَارِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمْسَحُهُ بِيَسَارِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَبِكُلِّ حَالٍ تَكُونُ الْيُسْرَى هِيَ الْمُتَحَرِّكَةُ، لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُتَحَرِّكَةِ، فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى أَوْ بِهَا مَرَضٌ، اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ لِلْحَاجَةِ، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": يَمِينُهُ أَوْلَى مِنْ يَسَارِ غَيْرِهِ (فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِالْحَجَرِ لَا بِالْيَدِ، فَلَمْ يَقَعِ النَّهْيُ عَلَى مَا يُسْتَنْجَى بِهِ، لِكَوْنِ أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا تَحْرِيمٍ.
وَقِيلَ: يَحْرُمُ وَيَصِحُّ.
فَرْعٌ: تُبَاحُ الْمَعُونَةُ بِيَمِينِهِ فِي الْمَاءِ لِلْحَاجَةِ (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ) مَعَ خَوْفِ التَّلَوُّثِ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ، وَهَذَا وَاجِبٌ، وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى دِرْهَمٍ.
[الِاسْتِجْمَارُ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي]
(ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِنْقَاءِ وَأَنْظَفُ، لِأَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ
الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْمَاءُ، وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي
[المبدع في شرح المقنع]
عَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَلَا تُبَاشِرُهَا يَدُهُ.
وَالْمَاءُ يُزِيلُ أَثَرَهَا، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَاءِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ (وَيُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا) أَمَّا الْمَاءُ، فَلِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ.
وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ، وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا، وَيُدَلِّكُ الْمَوْضِعَ حَتَّى يَخْشُنَ وَيُنَقَّى، وَأَمَّا الْأَحْجَارُ، فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَكِنَّ الْمَاءَ أَفْضَلُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ، وَيُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، وَالْحَجَرُ يُخَفِّفُ النَّجَاسَةَ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَدَمَ إِجْزَائِهِ، لَكِنَّ الْإِجْزَاءَ رُخْصَةٌ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ وَحْدَهُ، لِأَنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ، وَنَشْرَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَعَنْهُ: الْحَجَرُ أَفْضَلُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مُجْزِئٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ مِنْ إِنْكَارِ الْمَاءِ، فَهُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهِ، وَلَا يَرَى الْأَحْجَارَ مُجْزِئَةً، لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا مِنَ النَّاسِ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ، فَخَافُوا التَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ (إِلَّا أَنْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، و" التَّلْخِيصِ "، و" الْوَجِيزِ "، مِثْلُ أَنْ يَنْتَشِرَ إِلَى الصَّفْحَتَيْنِ، أَوْ يَمْتَدَّ إِلَى الْحَشَفَةِ كَثِيرًا،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " وَحْدَهُ، وَفِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ " إِلَى النِّصْفِ مِنَ الْأَلْيَةِ، وَالْحَشَفَةِ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عُفِيَ عَنْهُ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَظَاهِرِ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهَا إِذَا تَعَدَّتْ عَنْ مَخْرَجِهَا مُطْلَقًا (فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْمَاءُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي الِاسْتِجْمَارِ لِتَكَرُّرِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ، فَإِذَا جَاوَزَتْهُ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الرُّخْصَةِ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا كَسَائِرِ الْبَدَنِ، وَالْغَسْلُ لِلْمُتَعَدِّي نَصَّ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَفْسُ الْمَخْرَجِ يُجْزِئُ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّ الْمَاءَ مُتَعَيَّنٌ لِلْكُلِّ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي " الْوَجِيزِ "، رِوَايَتَيْنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَسْتَجْمِرُ فِي غَيْرِ الْمَخْرَجِ، وَقِيلَ: يَسْتَجْمِرُ فِي الصَّفْحَتَيْنِ، وَالْحَشَفَةِ، وَبِهِ قَطَعَ الشِّيرَازِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التُّرَابُ، وَلَا الْعَدَدُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إِذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ، وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي، وَالشِّيرَازِيُّ: يُجْزِئُهُ الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُعْتَادًا، وَنَفَاهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمُؤَلِّفُ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْفَرْجِ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ، سَوَاءٌ انْفَتَحَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ تَحْتَهَا، صَرَّحَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ بِمَا إِذَا انْفَتَحَ أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ مَعَ بَقَاءِ الْمَخْرَجِ، فَلَوْ يَبِسَ الْخَارِجُ فِي مَخْرَجِهِ، أَوْ تَنَجَّسَ بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ، كَالْحُقْنَةِ إِذَا خَرَجَتْ، أَوِ اسْتَجْمَرَ بِنَجِسٍ، وَجَبَ غَسْلُ الْمَحَلِّ فِي الْأَشْهَرِ، وَيَغْسِلُ الْأَقْلَفَ الْمَفْتُوقَ نَجَاسَةَ حَشَفَتِهِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُسَنُّ، وَقِيلَ: حُكْمُ طَرَفِ الْقُلْفَةِ، حُكْمُ رَأْسِ الذَّكَرِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَذَّرَ إِخْرَاجُهَا فَهُوَ كَمَخْتُونٍ.
كَالْحَجَرِ، وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ، إِلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: الْبِكْرُ كَالرَّجُلِ، لِأَنَّ عُذْرَتَهَا تَمْنَعُ مِنَ انْتِشَارِ الْبَوْلِ، فَأَمَّا الثَّيِّبُ، فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ وَلَمْ يَنْتَشِرْ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ تَعَدَّى إِلَى مَوْضِعِ الْحَيْضِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ غَسْلُهُ، لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَيْضِ غَيْرُ مَخْرَجِ الْبَوْلِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالٌ لَا يَجِبُ، لِأَنَّ هَذَا إِعَادَةٌ فِي حَقِّهَا، فَكَفَى فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ كَالْمُعْتَادِ.
الثَّانِي: يَبْدَأُ الرَّجُلُ وَالْبِكْرُ بِالْقُبُلِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ كَالثَّيِّبِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: أَنَّهَا تَبْدَأُ بِالدُّبُرِ، فَلَا تُدْخِلُ إِصْبُعَهَا بَلْ يَكْفِي مَا ظَهَرَ، لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِهِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ حَمْدَانَ: هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي، وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مَا احْتَشَتْهُ بِبَلَلٍ هَلْ يَنْقُضُ؛
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اسْتَجْمَرَ فِي فَرْجٍ، وَاسْتَنْجَى فِي آخَرَ فَلَا بَأْسَ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنِ اسْتَنْجَى نَضْحُ فَرْجِهِ، وَسَرَاوِيلِهِ بِالْمَاءِ، لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ، وَعَنْهُ: لَا لِمَنِ اسْتَجْمَرَ، وَمَنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ، وَلَمْ يَرَ حَشْوَ الذَّكَرِ، فَإِنْ فَعَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَوَجَدَ بَلَلًا فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا.
(وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي كَالْحَجَرِ) إِجْمَاعًا، (وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ
يَتَّصِلُ بِالْحَيَوَانِ، وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، إِمَّا بِحَجَرٍ ذِي شُعَبٍ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» .
وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَهِيَ قَوْلُ دَاوُدَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْأَحْجَارُ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهَا، وَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِهَا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْجَارِ كُلُّ مُسْتَجْمَرٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْجَامِدَاتِ، وَلِقَوْلِ سَلْمَانَ: «أَمَرَنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ لَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ، وَلَا عَظْمٌ» فَلَوْلَا أَنَّهُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِثْنَاءِ الرَّجِيعِ وَالْعَظْمِ مَعْنًى.
وَإِنَّمَا خَصَّ الْحَجَرَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ الْجَامِدَاتِ وُجُودًا، وَأَشْمَلُهَا تَنَاوُلًا، لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالرَّجِيعِ الْحَجَرُ الْمُسْتَجْمَرُ بِهِ مَرَّةً، لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ الرَّوْثِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ رَجَعَهُ بَعْدَ أَنْ أَكَلَهُ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: «مَنِ اسْتَجْمَرَ بِرَجِيعِ دَابَّةٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» .
(إِلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِالْحَيَوَانِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي طَعَامِ الْجِنِّ، فَفِي طَعَامِ الْآدَمِيِّ أَوْلَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَجْمَرِ بِهِ شُرُوطٌ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ جَامِدًا، لِأَنَّ الْمَائِعَ إِنْ كَانَ مَاءً، فَهُوَ اسْتِنْجَاءٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ امْتَزَجَ بِالْخَارِجِ، فَيَزِيدُ الْمَحَلَّ نَجَاسَةً، وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ تَمْثِيلِهِ بِالْحَجَرِ وَالْخِرَقِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَرِكْسٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالرِّكْسُ النَّجِسُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُنَقِّيًا، فَلَا يَجُوزُ بِالْفَحْمِ الرَّخْوِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَلَا بِالزُّجَاجِ، وَلَا الْحَجَرِ الْأَمْلَسِ وَالْبِلَّوْرِ، إِذِ الْمَقْصُودُ الْإِنْقَاءُ، وَلَمْ يَحْصُلْ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَرَمًا، فَلَا يَجُوزُ بِطَعَامِنَا، وَلَا بِطَعَامِ دَوَابِّنَا، وَكَذَا طَعَامُ الْجِنِّ، وَدَوَابِّهِمْ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَمَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ بِحُرْمَةِ الْأَكْلِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ، كَيَدِهِ، وَذَنَبِهِ، وَصُوفِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ، لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً فَهُوَ كَالطَّعَامِ، وَقَدْ يُنَجِّسُ الْغَيْرَ، فَقَوْلُهُ: وَمَا لُهُ حُرْمَةٌ يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ فَذِكْرُهُ كَافٍ عَنْهُمَا، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحَرَّمًا، فَلَا يَجُوزُ بِمَغْصُوبٍ، وَلَا ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ فِي " النِّهَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بِالْمَغْصُوبِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ رِوَايَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي بُقْعَةِ غَصْبٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَالرُّخَصُ لَا تُسْتَبَاحُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِجْزَاءَ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا نُهِيَ عَنْهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يُنَقِّي، بَلْ لِإِفْسَادِهِ، وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تُزَالُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، وَهِيَ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِزَوَالِهَا قَصْدٌ، وَجَوَابُهُ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ السَّابِقَةِ، وَحَيْثُ قِيلَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا فِي الثَّانِي عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالٌ بِإِجْزَاءِ الْحَجَرِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَفِي الثَّالِثِ يَعْدِلُ إِلَى طَاهِرٍ مُنَقٍّ، وَفِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ: هَلْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ جَعْلًا لِوُجُودِ آلَةِ النَّهْيِ، كَعَدَمِهَا أَوْ يَعْدِلُ إِلَى الْمَاءِ لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْحَجَرِ إِذَنْ لِنَقَاءِ الْمَحَلِّ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
(وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ) مُنَقِّيَةٍ (إِمَّا بِحَجَرٍ) كَبِيرٍ (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ أَوْ بِثَلَاثَةٍ) إِذَا حَصَلَ لَهُ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَهُ شُعَبٌ فَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجُلُّ الْمَشَايِخِ، وَعَنْهُ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، نَصَّ عَلَيْهَا، وَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ إِذَا اسْتَجْمَرَ بِهِ تَنَجَّسَ، فَلَمْ يَجُزْ كَالصَّغِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَمَسَّحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْرَارُ التَّمَسُّحِ، لَا تَكْرَارُ الْمَمْسُوحِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالشُّعَبِ الثَّلَاثَةِ مَا يَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ الثَّلَاثَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ، أَوْ غَسَلَهُ، أَوِ اسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ
بِثَلَاثَةٍ فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِهَا زَادَ حَتَّى يُنَقَّى، وَيَقْطَعُ عَلَى وِتْرٍ.
وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْجَارٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثُ شُعَبٍ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَعْنَى، وَالْإِنْقَاءِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ جُمُودًا عَلَى اللَّفْظِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَوْ مَسَحَ بِالْأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ، فَهُوَ كَالْحَجَرِ الْكَبِيرِ.
تَذْنِيبٌ: الْإِنْقَاءُ بِالْحَجَرِ بَقَاءُ أَثَرٍ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا الْمَاءُ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: خُرُوجُ الْحَجَرِ، أَيِ: الْأَخِيرِ لَا أَثَرَ بِهِ إِلَّا يَسِيرًا، فَلَوْ بَقِيَ مَا يَزُولُ بِالْخِرَقِ لَا بِالْحَجَرِ أُزِيلَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَيُنْدَبُ نَظَرُهُ إِلَى الْحَجَرِ قَبْلَ رَمْيِهِ لِيَعْلَمَ هَلْ قَلَعَ أَمْ لَا، وَالْإِنْقَاءُ بِالْمَاءِ خُشُونَةَ الْمَحَلِّ كَمَا كَانَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: أَنْ يَعُودَ الْمَحَلُّ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَنْتَقِضَ بِالْأَمْرَدِ وَنَحْوِهِ، وَيَكْفِي الظَّنُّ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَفِي " النِّهَايَةِ " بِالْعِلْمِ، وَمِثْلُهُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ.
مَسْأَلَةٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ بِكُلِّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ.
ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ صَفْحَةِ مُقَدَّمِ الْيُمْنَى إِلَى مُؤَخَّرِهَا، ثُمَّ يُدِيرُهُ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ بِهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرُّ الثَّانِيَ مِنْ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرُبَةِ، وَالصَّفْحَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ أَفْرَدَ كُلَّ جِهَةٍ بِحَجَرٍ فَهَلْ يُجْزِئُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِهَا) أَيْ: بِالْمَسَحَاتِ الثَّلَاثِ (زَادَ حَتَّى يُنَقَّى) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِزَالَةُ أَثَرِ النَّجَاسَةِ (وَيَقْطَعُ) فِي الزِّيَادَةِ (عَلَى وِتْرٍ) اسْتِحْبَابًا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، فَإِنْ قَطَعَ عَلَى شَفْعٍ جَازَ، لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» .
كُلِّ خَارِجٍ إِلَّا الرِّيحَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَهُ، فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
[الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ إِلَّا الرِّيحَ]
(وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ أَوِ الِاسْتِجْمَارُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ، إِذِ الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْإِجْزَاءِ فَإِنَّهُ غَالِبًا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْمُعْتَادِ، كَالْغَائِطِ، وَالْبَوْلِ، وَالنَّادِرِ كَالدُّودِ، وَالْحَصَى، وَالطَّاهِرِ، وَالنَّجِسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي طَاهِرٍ، كَمَنِيٍّ، وَدَوَاءٍ تَحَمَّلَتْ بِهِ، إِنْ قِيلَ بِطَهَارَةِ فَرْجِهَا، وَالْمَذْيِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلِلرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ مَيْلًا فِي ذَكَرِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ الِاسْتِنْجَاءُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ رَبْطًا لِلْحُكْمِ بِالْمَظِنَّةِ، وَهِيَ اسْتِصْحَابُ الرُّطُوبَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي يَابِسٍ لَا يُنَجِّسُ الْمَحَلَّ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ ذَلِكَ وَجْهًا (إِلَّا الرِّيحَ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
«مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " الصَّغِيرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهَا اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا يَجِبُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا نَجَاسَةَ فِيهَا، قَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لِلرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنَ الدُّبُرِ رَائِحَةً مُنْتِنَةً قَائِمَةً بِهَا، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الرَّائِحَةِ عَرَضًا، فَلَوْ كَانَتِ الرِّيحُ أَيْضًا عَرَضًا، لَزِمَ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَفِي " النِّهَايَةِ " نَجِسَةٌ فَتُنَجِّسُ مَاءً يَسِيرًا، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّهَا غَيْرُ نَاقِصَةٍ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِمَا يَتْبَعُهَا مِنَ النَّجَاسَةِ، وَيُعْفَى عَنْ خَلْعِ السَّرَاوِيلِ لِلْمَشَقَّةِ، وَقِيلَ: لَا اسْتِنْجَاءَ مِنْ نَوْمٍ وَرِيحٍ، وَإِنَّ أَصْحَابَنَا بِالشَّامِ قَالَتْ: الْفَرْجُ يَرْمَصُ كَمَا تَرْمَصُ الْعَيْنُ، وَأَوْجَبَتْ غَسْلَهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْوَقْتِ الدِّينَوَرِيُّ (فَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ (فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي، وَفِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ، كَالَّتِي عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ، فَعَلَيْهَا يُبَاحُ لَهُ بِهِ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَلُبْسُ الْخُفِّ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَ عَجْزِهِ عَمَّا يُسْتَنْجَى بِهِ، وَيَسْتَمِرُّ وُضُوءُهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ، ثُمَّ يُزِيلُهَا بِخِرْقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ أَنَّهَا اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» فَرَتَّبَ الْوُضُوءَ بَعْدَ الْغَسْلِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ، فَاشْتَرَطَ تَقْدِيمَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهَا كَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَى هَذِهِ لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا (وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) السَّابِقَتَيْنِ،
تَيَمَّمَ قَبْلَهُ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا.
بَابُ السِّوَاكِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ،
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَصِحُّ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي، وَابْنُ حَمْدَانَ الْبُطْلَانَ، وَبَنَاهُ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " عَلَى رِوَايَةِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ فَقَطْ (وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ، وَلَا يُبَاحُ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ، كَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَفِي وَجْهٍ: يُجْزِئُ، لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الثَّوْبِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ الْأَشْبَهُ، لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْفَرْجِ سَبَبُ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهَا مَانِعًا، بِخِلَافِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ.
مَسْأَلَةٌ: يَحْرُمُ مَنْعُ الْمُحْتَاجِ إِلَى الطَّهَارَةِ، وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَوْ فِي مِلْكِهِ، لَبَذَلَهَا لِلْمُحْتَاجِ شَرْعًا وَعُرْفًا، وَلَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِالْمَنْعِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِ طَهَارَةٍ إِنْ حَصَلَ بِهِمْ ضَرَرٌ، وَمَعَ عَدَمِهِ، لَا مُزَاحَمَةَ لَهُمْ.
[بَابُ السِّوَاكِ]
فضل السواك وأوقات استحبابه
بَابُ السِّوَاكِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ.
السِّوَاكُ وَالْمِسْوَاكُ: اسْمٌ لِلْعُودِ الَّذِي يُتَسَوَّكُ بِهِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسَاوُكِ، وَهُوَ التَّمَايُلُ وَالتَّرَدُّدُ، لِأَنَّ الْمُتَسَوِّكَ يُرَدِّدُهُ فِي فِيهِ وَيُحَرِّكُهُ، يُقَالُ: جَاءَتِ الْإِبِلُ تَسَاوَكُ، إِذَا كَانَتْ أَعْنَاقُهَا تَضْطَرِبُ مِنَ الْهُزَالِ، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ سَاكَ إِذَا دَلَكَ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقِيلَ: يُذَكَّرُ فَقَطْ، وَجَمْعُهُ سُوُكٌ، كَكُتُبٍ، وَيُقَالُ: سُؤُكٌ بِوَاوٍ مَهْمُوزَةٍ، وَفِي الشَّرْعِ: اسْتِعْمَالُ عُودٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي الْأَسْنَانِ، لِإِذْهَابِ التَّغْيِيرِ وَنَحْوِهِ.
(وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ) السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ، وَاصْطِلَاحًا: عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِعْلِهِ، وَتَقْرِيرِهِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْوَاجِبِ، فَالْمُرَادُ بِهَا الْمُسْتَحَبُّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
السَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَسَنَنْتُ قِيَامَهُ» .
وَالْوَضُوءُ بِالْفَتْحِ: اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: بِالضَّمِّ فِيهِمَا، وَهُوَ أَضْعَفُهَا، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ النَّظَافَةُ، وَفِي الشَّرْعِ: أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالنِّيَّةِ.
(السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِحَثِّ الشَّارِعِ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ، وَتَرْغِيبِهِ فِيهِ، وَنَدْبِهِ إِلَيْهِ، يُوَضِّحُهُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا شَامِلٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقِيلَ: كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْأُمَّةِ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ، شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا قَالَ: «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِسِوَاكٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ سَبْعُونَ ضِعْفًا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهَذَا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَبَبِ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ (إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا يُسْتَحَبُّ) فِي الْمَشْهُورِ حَتَّى ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ
وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ، وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ،
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ إِنَّمَا يَظْهَرُ غَالِبًا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مُسْتَطَابٌ شَرْعًا، فَتُسْتَحَبُّ إِدَامَتُهُ، كَدَمِ الشَّهِيدِ، فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ وَصَفَ دَمَ الشَّهِيدِ بِرِيحِ الْمِسْكِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَخُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ بِأَنَّهُ أَطْيَبُ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ؛ قُلْتُ: الدَّمُ نَجِسٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ طَاهِرًا، بِخِلَافِ الْخُلُوفِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُوَاصِلِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعُودِ الرَّطْبِ، وَغَيْرِهِ، فَلَوْ خَالَفَ، كُرِهَ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ " وَهِيَ الْمَذْهَبُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: يُبَاحُ، لِمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ، وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَبْلَهُ بِعُودٍ رَطْبٍ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهَا الْحُلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: فِيهِ لَا، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَالْمَضْمَضَةِ الْمَسْنُونَةِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ بَأْسًا بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
(وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: عِنْدَ الصَّلَاةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْفَرْضِ
وَيُسْتَاكُ بِعُودٍ لَيِّنٍ يُنَقِّي الْفَمَ، وَلَا يَجْرَحُهُ، وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ، فَإِنِ اسْتَاكَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالنَّفْلِ حَتَّى صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ، وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الطَّوَافُ، وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ، وَالتِّلَاوَةِ (وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، يُقَالُ: شَاصَهُ، وَمَاصَهُ: إِذَا غَسَلَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الدَّلْكُ وَالْحَكُّ، وَلِأَنَّ النَّائِمَ يَتَغَيَّرُ فَاهُ، لِانْطِبَاقِهِ (وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ) بِكَلَامٍ، أَوْ سُكُوتٍ، أَوْ أَكْلٍ، أَوْ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِتَنْظِيفِ الْفَمِ، وَيَتَأَكَّدُ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: عِنْدَ الْوُضُوءِ فِي الْمَضْمَضَةِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَالْغُسْلِ، وَمِنْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ، وَمِنْهَا دُخُولُ الْمُنْزِلِ لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَدُخُولُ الْمَسْجِدِ أَوْلَى، وَمِنْهَا اصْفِرَارُ الْأَسْنَانِ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
(وَيَسْتَاكُ بِعُودٍ لَيِّنٍ يُنَقِّي الْفَمَ) كَالْأَرَاكِ وَنَحْوِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنْتُ أَجْنِي لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ.
وَمَا فِي مَعْنَاهُ الْعُرْجُونُ كَالْأَرَاكِ لَكِنْ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّ الْأَرَاكَ أَوْلَى لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
بِإِصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ فَهَلْ يُصِيبُ السُّنَّةَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَسْتَاكُ عَرْضًا عَلَى لِسَانِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْهُ، وَعَنِ الزَّيْتُونِ وَالْعُرْجُونِ، وَهُوَ سَاعِدُ النَّخْلِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الثَّمَرَةُ إِلَّا لِتَعَذُّرِهِ.
قَالَ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ: مِنَ الْأَطِبَّاءِ مَنْ زَعَمُوا أَنَّ التَّسَوُّكَ مِنْ أُصُولِ الْجَوْزِ، فِي كُلِّ خَامِسٍ مِنَ الْأَيَّامِ، يُنَقِّي الرَّأْسَ، وَيُصَفِّي الْحَوَاسَّ، وَيُحِدُّ الذِّهْنَ، وَالسِّوَاكُ بِاعْتِدَالٍ يُطَيِّبُ الْفَمَ، وَالنَّكْهَةَ، وَيَجْلُو الْأَسْنَانَ، وَيُقَوِّيهَا، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ بِحَيْثُ (لَا يَجْرَحُهُ وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ) يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنِ الرَّيْحَانِ، وَالرُّمَّانِ، فَإِنَّهُ رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ مَرْفُوعًا: «لَا تُخَلِّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ، وَلَا الرُّمَّانِ، فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ» .
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ، وَقِيلَ: السِّوَاكُ بِالرَّيْحَانِ يَضُرُّ بِلَحْمِ الْفَمِ، وَكَذَا الطَّرْفَاءُ، وَالْآسُ، وَالْأَعْوَادُ الذَّكِيَّةُ، التَّخَلُّلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَكْرُوهٌ، كَالسِّوَاكِ (فَإِنِ اسْتَاكَ بِإِصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ فَهَلْ يُصِيبُ السُّنَّةَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: لَا يُصِيبُ قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، و" الرِّعَايَةِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ بِهِ حُصُولَهُ بِالْعُودِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " فِي الْإِصْبُعِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الْأَصَابِعُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي " الْمُخْتَارَةِ " وَقَالَ: لَا أَرَى بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَأْسًا، وَفِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُصِيبُ مِنَ السُّنَّةِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْإِنْقَاءِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَصْحَابُ إِلَى إِصْبُعِ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً، وَظَاهِرُهُ الْإِجْزَاءُ إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا، وَإِنْ كَانَ دَفْنُهَا عَلَى الْفَوْرِ وَاجِبًا، وَقَيَّدَ فِي " الرِّعَايَةِ " الْخِرْقَةَ بِكَوْنِهَا خَشِنَةً وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُصِيبُ إِنْ لَمْ يَجِدْ عُودًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُصِيبُ بِإِصْبُعٍ مَعَ وُجُودِ
وَأَسْنَانِهِ، وَيَدَّهِنُ غِبًّا، وَيَكْتَحِلُ وِتْرًا.
وَيَجِبُ الْخِتَانُ مَا لَمْ يَخَفْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
خِرْقَةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: الْعُودُ وَالْخِرْقَةُ سَوَاءٌ، ثُمَّ الْإِصْبُعُ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُصِيبُ بِالْإِصْبُعِ عِنْدَ الْوُضُوءِ خَاصَّةً.
(وَيَسْتَاكُ عَرْضًا عَلَى لِسَانِهِ وَأَسْنَانِهِ) زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَثَتِهِ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَسْتَاكُ عَرْضًا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ، وَضَعَّفَهُ، وَلِأَنَّ التَّسَوُّكَ طُولًا رُبَّمَا أَدْمَى اللِّثَةَ، وَأَفْسَدَ الْأَسْنَانَ، وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ يَسْتَاكُ طُولًا، وَقَالَ فِي " الْمُبْهِجِ "، و" الْإِيضَاحِ ": طُولًا، وَفِي " الشَّرْحِ ": إِنِ اسْتَاكَ عَلَى لِسَانِهِ، أَوْ حَلْقِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ طُولًا لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَغْسِلُ السِّوَاكَ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْوَاحِدِ اثْنَانِ، أَوْ أَكْثَرُ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَيَقُولُ إِذَا اسْتَاكَ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي، وَمَحِّصْ ذُنُوبِي، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَيَنْوِي بِهِ الْإِتْيَانَ بِالسُّنَّةِ.
(وَيَدَّهِنُ غِبًّا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَالتَّرَجُّلُ: تَسْرِيحُ الشَّعَرِ وَدَهْنُهُ، وَالْغِبُّ يَوْمًا وَيَوْمًا، نَقَلَهُ يَعْقُوبُ، عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " مَا لَمْ يَجِفَّ الْأَوَّلُ، لَا مُطْلَقًا لِلنِّسَاءِ، وَاللِّحْيَةُ كَالرَّأْسِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَيَفْعَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ لِلْحَاجَةِ لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَفْعَلُ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ بِالْبَلَدِ، كَالْغَسْلِ بِمَاءٍ حَارٍّ فِي بَلَدٍ رَطْبٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَرْجِيلُ الشَّعَرِ، وَهُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ نَوْعُ اللُّبْسِ وَالْمَأْكَلِ.
غَرِيبَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَنْفَعَ لِلْوَبَاءِ مِنَ الْبَنَفْسَجِ يُدَّهَنُ بِهِ وَيُشْرَبُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
(وَيَكْتَحِلُ) فِي كُلِّ عَيْنٍ (وِتْرًا) بِالْإِثْمِدِ الْمُطَيِّبِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا، فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَفِي الْيُسْرَى اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ: مِرْوَدَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْخَامِسُ: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَفْعَلُهُ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا.
(وَيَجِبُ الْخِتَانُ) عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْوُجُوبَ إِذَا وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ، وَالصَّلَاةُ (مَا لَمْ يَخَفْهُ عَلَى نَفْسِهِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ السِّنِينَ، وَقَدْ عُورِضَ بِمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً» .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ أُمِرَ بِالِاخْتِتَانِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَخَرَجَ مِنْهُ إِلْقَاءُ الشَّعَرِ بِدَلِيلٍ، فَبَقِيَ الْخِتَانُ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلذَّكَرِ، وَهُوَ قَطْعُ جِلْدَةٍ غَاشِيَةٍ عَلَى الْحَشَفَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَوْ أَكْثَرِهَا، وَلِلْأُنْثَى: وَهُوَ قَطْعُ جِلْدَةٍ فَوْقَ مَحَلِّ الْإِيلَاجِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُؤْخَذَ كُلُّهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ، وَصَحَّحَهَا بَعْضُهُمْ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَخْتَتِنُ الْخُنْثَى فِي ذَكَرِهِ، وَفَرْجِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا خِيفَ مِنْهُ، فَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
حَنْبَلٌ: يَخْتَتِنُ، فَظَاهِرُهُ يَجِبُ، لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَتْلَفُ مِنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَنَّهُ مَتَى خُشِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَتِنْ، وَيُعْتَبَرُ لِذَلِكَ زَمَنٌ مُعْتَدِلٌ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِهِ وَلَوْ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَتَلِفَ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ، وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يُتْلِفُ، أَوْ ظَنَّ تَلَفَهُ ضَمِنَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.
تَذْنِيبٌ: فِعْلُهُ زَمَنُ الصِّغَرِ أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ، زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ إِلَى التَّمْيِيزِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " قِيلَ: مُجَاوَزَةُ عَشْرٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ بَيْنَ سَبْعٍ وَعَشْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى يُدْرِكَ جَازَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ، وَيُكْرَهُ يَوْمُ السَّابِعِ لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ، وَعَنْهُ: لَا، قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ) وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ رَأْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، فَقِيلَ لِنَافِعٍ: مَا الْقَزَعُ؛ قَالَ: أَنْ يُحْلَقَ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكَ بَعْضُهُ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: بَلْ حَلْقُ وَسَطِهِ، وَقِيلَ: بَلْ حَلَقٌ يَقَعُ مِنْهُ، وَكَنَتْفِ الشَّيْبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ حَلْقَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نُسُكٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَقَصِّهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ نُسُكٍ، وَحَاجَةٍ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَكَحَلْقِ الْقَفَا، زَادَ فِيهِ جَمْعٌ: لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ كَحِجَامَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ حَلْقُهُ كَقَصِّهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمَانِ عَلَيْهَا، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَرْجُو أَلَّا بَأْسَ لِضَرُورَةٍ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَحْرُمُ حَلْقُهُ عَلَى مُرِيدٍ لِشَيْخِهِ، لِأَنَّهُ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
مَسَائِلُ: يَجُوزُ اتِّخَاذُ الشَّعَرِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا إِنْ شَقَّ
الْقَزَعُ، وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ وَطَهُورِهِ، وَانْتِعَالِهِ، وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ.
وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ:
[المبدع في شرح المقنع]
إِكْرَامُهُ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ سُنَّةٌ لَوْ نَقْوَى عَلَيْهِ اتَّخَذْنَاهُ، وَلَكِنَّ لَهُ كُلْفَةً، وَمَئُونَةً، وَيُسَرِّحُهُ، وَيَفْرُقُهُ، وَيَكُونُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَيَنْتَهِي إِلَى مَنْكِبَيْهِ كَشَعَرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَتِهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَجَعْلِهِ ذُؤَابَةً، وَيَعْفِي لِحْيَتَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ كَقَصِّ الشَّارِبِ، وَأَطْلَقَ أَصْحَابُنَا، وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَفِي الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يُسْتَهْجَنْ طُولُهَا، وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ.
وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ، وَمَا تَحْتَ حَلْقِهِ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَتَرْكُهُ أَوْلَى، وَأَخَذَ أَحْمَدُ مِنْ حَاجِبِهِ وَعَارِضِهِ، وَيَحُفُّ شَارِبَهُ، وَهِيَ أَوْلَى فِي الْمَنْصُوصِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَظِّفَ أَنْفَهُ خُصُوصًا إِذَا فَحُشَ كَإِبِطِهِ، وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ، وَلَهُ إِزَالَتُهُ بِمَا شَاءَ، وَالتَّنْوِيرُ فَعَلَهُ أَحْمَدُ فِي الْعَوْرَةِ، وَكَرِهَ الْآمِدِيُّ كَثْرَتَهُ، وَيَدْفِنُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَفْعَلُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ، وَلَا يَتْرُكُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَمَّا الشَّارِبُ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَحْشًا، وَقِيلَ: عِشْرِينَ، وَقِيلَ: لِلْمُقِيمِ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَحِيفَ عَلَيْهَا فِي الْغَزْوِ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى حِلِّ شَيْءٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْظُرُ فِي مِرْآةٍ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي، وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَيَتَطَيَّبُ الرَّجُلُ بِمَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَالْمَرْأَةُ عَكْسُهُ لِأَثَرٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
( «وَيَتَيَامَنُ فِي سِوَاكِهِ» ) أَيْ: يَبْدَأُ بِجَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَسْتَاكُ بِيَسَارِهِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ كَانْتِثَارِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَذَكَرَ جَدُّهُ: إِنْ قُلْنَا: يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ فَيَسْتَاكُ بِهَا (وَطَهُورِهِ، وَانْتِعَالِهِ، وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ) وَأَكْلِهِ، وَشُرْبِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
السِّوَاكُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ، وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الْوُضُوءِ]
[سُنَنُ الْوُضُوءِ]
(وَسُنَنُ الْوُضُوءِ) سُمِّيَ وُضُوءًا لِتَنْظِيفِهِ الْمُتَوَضِّئَ وَتَحْسِينِهِ (عَشْرٌ السِّوَاكُ) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ، (وَالتَّسْمِيَةُ) هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُؤَلِّفِ، قَالَ الْخَلَّالُ: إِنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةَ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا التَّسْمِيَةُ، كَطَهَارَةِ الْخَبَثِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَثْبُتُ فِي هَذَا حَدِيثٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحْسَنُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ أَصَحُّهَا، فَعَلَى هَذَا تَسْقُطُ سَهْوًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ فِي وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ، وَلَا تَسْقُطُ فِي أُخْرَى، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ شَرْطًا، اخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْمَجْدُ، لَكِنْ قَالَ الشِّيرَازِيُّ وابن عبدوس: مَتَى سَمَّى فِي أَثْنَائِهِ أَجْزَأَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى وُضُوئِهِ، وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِهَا، فَهَلْ تُسَمَّى فَرْضًا أَوْ
قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ،
[المبدع في شرح المقنع]
سُنَّةً؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَخْرَسُ تَكْفِي إِشَارَتُهُ بِهَا.
تَتْمِيمٌ، مَحَلُّهَا اللِّسَانُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ النِّيَّةِ لِتَكُونَ شَامِلَةً لِجَمِيعِ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتُهَا: بِاسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ أَوِ الْقُدُّوسِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَشْهَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى الْمُحَقَّقِ.
(وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ) أَيْ: قَبْلَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ [أَبِي] أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَاسْتَوْكَفَ ثَلَاثًا أَيْ: غَسَلَ كَفَّيْهِ» ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ ثَلَاثًا، وَلَوْ تَحَقَّقَ طَهَارَتُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ، (فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ) الْأَصَحُّ وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ غَسْلِهِمَا تَعَبُّدًا، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالثَّانِيَةُ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالشَّيْخَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَائِمِ مِنَ النَّوْمِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بِالْقِيَامِ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الْيَدَيْنِ، وَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ، لِأَنَّهُ عُلِّلَ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ، وَطَرَيَانُ الشَّكِّ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا.
فَرْعٌ: إِذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَإِنْ وَجَبَ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَسْقُطُ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْوُضُوءِ، وَالْأَوَّلُ: أَقْيَسُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِمَا قَبْلَ الْوُضُوءِ بَزَمَنٍ طَوِيلٍ، وَوُجُوبُ غَسْلِهِمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَقِيلَ: بَلْ لِإِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ، وَيُعْتَبَرُ لِغَسْلِهِمَا نِيَّةٌ وَتَسْمِيَةٌ.
مَسْأَلَةٌ: يَتَوَجَّهُ كَرَاهَةُ غَمْسِهَا فِي مَائِعٍ، وَأَكْلُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِهَا.
(وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) أَيْ: قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي
وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ،
[المبدع في شرح المقنع]
حَدِيثِ عُثْمَانَ: «أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ» وَلِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فَقُدِّمَا، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ أَذًى بَعْدَ غَسْلِ الظَّاهِرِ فَيُلَوِّثَهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ (وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) إِلَى أَقَاصِيهِمَا، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ: وَبَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، وَاقْتَصَرَ الْخِرَقِيُّ عَلَيْهِ تَبَعًا لِحَدِيثِ لَقِيطٍ «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ، فَقَالَ: وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ لِسُقُوطِهَا بِصَوْمِ النَّفْلِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَسْقُطُ بِالنَّفْلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا عَلَى الْمُفْطِرِ، وَقِيلَ: فِي الْكُبْرَى، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَى الْأَنْفِ، وَلَا يُصَيِّرُهُ سَعُوطًا، وَفِي الْمَضْمَضَةِ: إِدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَقَاصِي الْفَمِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ أَكْثَرِهِ، وَلَا يُصِيِّرُهُ وَجُورًا، وَلَهُ بَلْعُهُ كَلَفْظِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَحَرَّمَهُ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِصَوْمِ الْفَرْضِ، صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عُثْمَانَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةً، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً تَصِفُ الْبَشَرَةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّخْلِيلُ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ،
وَالتَّيَامُنُ، وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ بَعِيدٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَيُخَلِّلُهَا مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ جَانِبَيْهَا بِمَاءِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ شَاءَ خَلَّلَهَا مَعَ وَجْهِهِ، وَإِنْ شَاءَ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ، وَحُكْمُ بَقِيَّةِ الشُّعُورِ كَعَنْفَقَةٍ، وَشَارِبٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةِ امْرَأَةٍ، وَخُنْثَى كَذَلِكَ.
(وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) أَيْ: تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، إِذْ تَفْرِيجُهُمَا يُغْنِي عَنْ تَخْلِيلِهِمَا، وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ الْيُسْرَى، لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلِهِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، يَبْدَأُ بِخِنْصَرِهَا إِلَى إِبْهَامِهَا، وَفِي الْيُسْرَى بِالْعَكْسِ، لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ فِيهِ، وَأَصَابِعُ يَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ، أَوْ بَعْضُهَا مُلْتَصِقَةً سَقَطَ.
(وَالتَّيَامُنُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَشَذَّ الرَّازِيُّ فَحَكَى فِي " تَفْسِيرِهِ " عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبَ غَسْلِ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى، وَهُوَ مُنْكَرٌ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: هُمَا فِي حُكْمِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ إِحْدَاهُمَا بِمَاءِ الْأُخْرَى جَازَ (وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا لِلْأُذُنَيْنِ) ظَاهِرِهِمَا، وَبَاطِنِهِمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّهُ رَأَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لِرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ مِنَ الْخِلَافِ، وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ: لَا يُسَنُّ، لِأَنَّ غَالِبَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، فَعَلَى الْأُولَى يُدْخِلُ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا، كَذَا وَصَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَتُسَنُّ مُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ.
(وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، فَقَالَ: هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ، أَوْ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَتَكَلَّمَ مُسْلِمٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ نَقَصَ، وَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى نُقْصَانِ الْعُضْوِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الذَّهَبِيُّ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ: فَيُكْرَهُ.
زَادَ بَعْضُهُمْ لِغَيْرِ وَسْوَاسٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِلْخَبَرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى.
بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَصِفَتِهِ وَشَرْطِهِ وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ: غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمِ، وَالْأَنْفِ، مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَمَسْحُ
[المبدع في شرح المقنع]
خَاتِمَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ مَسْحُ الْعُنُقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ، اخْتَارَهُ فِي " الْغُنْيَةِ " وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ رَزِينِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْخِلَافَ، وَأَنَّهُ لَا يُسَنُّ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّيْخَانِ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ الضَّرَرَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَقِيلَ: يُسَنُّ مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ، جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَحَكَى بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِالْوُجُوبِ مُخَرَّجَةً مِنْ وُجُوبِ ذَلِكَ فِي الْغَسْلِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا لِنَجَاسَةٍ.
[فَرَائِضُ الْوُضُوءِ]
بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَصِفَتِهِ، وَشَرْطِهِ (وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ) الْفُرُوضُ: جَمْعُ فَرْضٍ، وَهُوَ لُغَةً التَّأْثِيرُ، وَشَرْعًا قِيلَ: مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ، وَعُوقِبَ تَارِكُهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى صِفَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالنِّيَّةِ، وَكَانَ فَرْضُهُ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ وَالشَّرْطَ يَشْتَرِكَانِ فِي تَوَقُّفِ الْعِبَادَةِ عَلَى وُجُودِهِمَا، وَيَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْهَا، وَالْفَرْضَ دَاخِلُهَا، وَبِأَنَّ الشَّرْطَ يُسْتَصْحَبُ فِيهَا إِلَى انْقِضَائِهَا، وَالْفَرْضَ يَنْقَضِي، وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَسَمَّى النِّيَّةَ وَنَحْوَهَا فَرْضًا، وَهِيَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي شَرْطٌ (غَسْلُ الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] ، (وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْوَجْهِ لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] (وَمَسْحُ الرَّأْسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] (وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ فَرْضٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ لِقِرَاءَةِ نَافِعٍ،
الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَابْنِ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيِّ، وَحَفْصٍ بِالنَّصْبِ فِي ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] عَطْفًا عَلَى الْيَدَيْنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْخَفْضِ لِلْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: 5] ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتِ الْأَرْجُلُ فِي مَظِنَّةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَذْمُومٌ، عَطَفَهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِلتَّمَسَّحِ، بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، ثُمَّ قِيلَ: (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) دَفْعًا لِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ، لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَلِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَوْلِهِ: «ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَاهُ، وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ.
إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَأَنْ يُقْطَعَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ، وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، فَأَمَّا لَابِسُهُ فَغَسْلُهُمَا لَيْسَ فَرْضًا مُتَعَيَّنًا فِي حَقِّهِ (وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي " الْكَافِي " أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَاتِ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا فَائِدَةً غَيْرَ التَّرْتِيبِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ مِنْ شَرْطِهِ كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهَا الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ، وَلَوْ كَانَ التَّنْكِيسُ جَائِزًا لِفِعْلِهِ، وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ، فَوَاضِحٌ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَدَأَ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَمْ يُحْسَبْ لَهُ، نَعَمْ إِنْ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ، وَلَوْ غَسَلَهَا جَمِيعًا بِانْغِمَاسٍ وَاحِدٍ، أَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ لَبِثَ فِي جَارٍ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرَيَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ، إِنْ قِيلَ بِإِجْزَاءِ الْغَسْلِ عَنِ الْمَسْحِ، وَقِيلَ: إِنْ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ كَفَاهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ لَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ إِلَّا