المبدع في شرح المقنعصفحات 203-242

كِتَابُ الْعَارِيَةِ

صفحات 203-242

وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَجُوزُ

وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْأَبُ إلا أن

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَنْصُورِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ إِنْ أَجَازَ الِابْنُ جَازَ، وَإِنَّ رَدَّهُ بَطَلَ الْوَقْفُ فِيمَا زَادَ عَلَى نَصِيبِ الِابْنِ وَهُوَ السُّدْسُ، وَيَرْجِعُ إِلَى الِابْنِ مِلْكًا فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ وَقْفًا وَالسُّدْسُ مِلْكًا، وَالثُّلُثُ لِلْبِنْتِ جَمِيعُهُ وَقْفًا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْوَقْفُ فِي نِصْفِ مَا وُقِفَ عَلَى الْبِنْتِ وَهُوَ الرُّبُعُ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَقْفًا، نِصْفُهَا لِلِابْنِ وَرُبُعُهَا لِلْبِنْتِ، وَالرُّبُعُ الَّذِي بَطَلَ الْوَقْفُ فِيهِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَتَصِحُّ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ؛ لِلِابْنِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَقْفٌ وَسَهْمَانِ مِلْكٌ، وَلِلْبِنْتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَقْفٌ وَسَهْمٌ مِلْكٌ، وَلَوْ كَانَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَقُلْنَا: يَلْزَمُ فِي الثُّلُثِ فَرْدًا، فَثُلُثُهَا وَقْفٌ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَثُلُثَاهَا مِيرَاثًا، وَإِنْ رَدَّ ابْنَهُ فَلَهُ ثُلُثَا الثُّلُثَيْنِ إِرْثًا وَلِبِنْتِهِ ثُلُثُهَا وَقْفًا، وَإِنْ رَدَّتْ فَلَهَا ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ إِرْثًا، وَلِابْنِهِ نِصْفُهَا وَقْفًا وَسُدُسُهَا إِرْثًا كَرَدِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ وَقْفٌ زَائِدٌ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى أَجْنَبِيِّ، جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَاعَةٌ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ، وَكَذَا عَلَى وَارِثٍ وَلَوْ حِيلَةً؛ كَوَقْفِ مَرِيضٍ وَنَحْوِهِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ.

[الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ]

(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَحِلُّ (لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ) اللَّازِمَةِ، كَذَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيئُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إِلَّا حَرَامًا، وَكَالْقِيمَةِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَكَذَا حُكْمُ الْهَدِيَّةِ (إِلَّا الْأَبُ) ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» ،

يعفون؛ وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَعَنْهُ: لَهُ الرُّجُوعُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ

[المبدع في شرح المقنع]

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِرُجُوعِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَفِي " الِاخْتِيَارَاتِ " مَنْعُ الْأَبِ الْكَافِرِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَى وَلَدَهُ الْكَافِرَ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ إِسْلَامِ الْوَلَدِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأُمَّ لَا رُجُوعَ لَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: لَيْسَتْ هِيَ عِنْدِي كَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِخِلَافِ الْأُمِّ؛ وَلِوِلَايَتِهِ وَحِيَازَتِهِ جَمِيعُ الْمَالِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ فِيمَا تَهَبُ زَوْجَهَا، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ، وَعَنْهُ: لَهَا الرُّجُوعُ مُطْلَقًا، نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَحَكَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ الْقُضَاةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ: " وَقَيَّدَاهُ بِمَسْأَلَتِهِ، وَسَيَأْتِي.
(وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ) كَالْجَدِّ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَفِيهِ وَجْهٌ ذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لِبَشِيرٍ " فَأَرْجِعْهُ " وَفِي رِوَايَةٍ " فَارْدُدْهُ "، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ النُّعْمَانِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الْجَوَازُ، (وَعَنْهُ: لَهُ الرُّجُوعُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ) لِغَيْرِ الْوَلَدِ مِثْلُ أَنْ يَهَبَ ابْنَهُ شَيْئًا فَيَرْغَبُ النَّاسُ فِي مُعَامَلَتِهِ فَيُدَايِنُوهُ، أَوْ فِي مُنَاكَحَتِهِ فَيُزَوِّجُوهُ، أَوْ يَهَبَ ابْنَتَهُ شَيْئًا فَتَتَزَوَّجُ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ أَوْ يُفْلِسَ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ غَيْرِ الِابْنِ، فَفِي الرُّجُوعِ إِبْطَالُ حَقِّهِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» ، وَالرُّجُوعُ ضَرَرٌ، وَفِيهِ تَحَيُّلٌ عَلَى إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، زَادَ فِي " الْفُرُوعِ " تَبَعًا لِـ " الرِّعَايَةِ " وَ " الْوَجِيزِ ": أَوْ مَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُتَّهَبِ مُؤَبَّدًا أَوْ مُؤَقَّتًا، كَالرَّهْنِ وَنَحْوِهِ فَلَا رُجُوعَ.
فَرْعٌ: إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ فَاحْتِمَالَانِ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَإِنْ عَلَّقَ الرُّجُوعَ بِشَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ.
تَنْبِيهٌ: يَحْصُلُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، عَلِمَ الْوَلَدُ أَوْ لَا، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ أَخَذَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، وَنَوَى بِهِ الرُّجُوعَ - كَانَ رُجُوعًا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ نَوَى الرُّجُوعَ وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ لَمْ

مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ أَوْ يُفْلِسَ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَيْنُ أَوْ زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً لَمْ تَمْنَعِ الرُّجُوعُ، وَالزِّيَادَةُ لِلِابْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلْأَبِ، وَهَلْ تُمْنَعُ الْمُتَّصِلَةُ الرُّجُوعَ؟ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

يُحْكَمْ بِأَنَّهُ رُجُوعٌ، وَإِنْ حَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى الرُّجُوعِ فَوَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " يَنْبَنِي هَذَا عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، فَمَنْ أَوْجَبَ الْإِيجَابَ فِي الْقَبُولِ فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَإِلَّا فَهُوَ رُجُوعٌ، فَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجُوعُ وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَيْنُ) أَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا لَمْ يُمْنَعِ الرُّجُوعُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلَدِ فِيمَا تَلِفَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ عَلَى مِلْكِهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِفِعْلِهِ أَوْ لَا، وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ، فَهُوَ كَنُقْصَانِهِ بِذَهَابِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، فَإِنْ رَجَعَ الْأَبُ فِيهِ ضَمِنَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْعَبْدِ فَرَجَعَ الْأَبُ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِلِابْنِ كَالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، (أَوْ زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً) كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ، وَكَسْبِ الْعَبْدِ (لَمْ تَمْنَعِ الرُّجُوعَ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ مُمْكِنٌ، وَفِيهِ فِي " الْمُوجَزِ " رِوَايَةٌ، (وَالزِّيَادَةُ لِلِابْنِ) ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ، وَكَذَا هُنَا، وَكَوَلَدِ الْأَمَةِ مِنْهُ (وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلْأَبِ) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ؛ وَلِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْمَوْهُوبِ، فَمَلَكَهَا الْأَبُ كَالْمُتَّصِلَةِ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ وَلَدَ أَمَةٍ لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا مُنِعَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: الْمُنْفَصِلَةُ لِلْأَبِ، فَيَرْجِعُ فِيهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يَرْجِعُ فِي الْأُمِّ وَيَتَمَلَّكُ الْوَلَدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حُدُوثِ زِيَادَةٍ فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ، (وَهَلْ تَمْنَعُ) الزِّيَادَةُ (الْمُتَّصِلَةُ) كَالسَّمْنِ فِي الْعَيْنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ فِي الْمَعَانِي (الرُّجُوعَ) إِذَا زَادَتْ بِهَا الْقِيمَةُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، كَذَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " إِحْدَاهُمَا: لَا تَمْنَعُ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْمَوْهُوبِ، فَلَمْ يُمْنَعِ الرُّجُوعَ، كَالزِّيَادَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ أَشْهَرُ، وَرَجَّحَهَا فِي

رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ بَاعَهُ الْمُتَّهَبُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ إِقَالَةٍ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، وَإِنْ وَهَبَهُ الْمُتَّهَبُ لِابْنِهِ لَمْ يَمْلِكْ أَبُوهُ الرُّجُوعَ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ، وَإِنْ كَاتَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

" الشَّرْحِ " يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِكَوْنِهَا نَمَاءَ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فِيهَا، وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي الْأَصْلِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَضَرَرِ التَّشْقِيصِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِرْجَاعٌ لِلْمَالِ بِفَسْخِ عَقْدٍ لِغَيْرِ عَيْبٍ فِي عِوَضِهِ، فَمَنْعُهُ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ كَاسْتِرْجَاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّدَّ مِنَ الْمُشْتَرِي وَقَدْ رَضِيَ بِبَذْلِ الزِّيَادَةِ، وَعَلَى الْمَنْعِ فَلِلْأَبِ أَخْذُهَا بِطَرِيقِ التَّمَلُّكِ بِشَرْطِهِ، وَقَصْرُ الْعَيْنِ وَتَفْصِيلُهَا زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ.
فَرْعٌ: إِذَا وَهَبَ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ فَوَلَدَتْ فِي يَدِهِ فَهِبَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَقِيلَ: مُنْفَصِلَةٌ، إِنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ، وَإِنْ رَجَعَ فِيهَا حَامِلًا جَازَ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا فَمُتَّصِلَةٌ، وَلَوْ وَهَبَهُ نَخْلَةً فَحَمَلَتْ فَهِيَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَبَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ، (وَإِنْ بَاعَهُ الْمُتَّهَبُ) أَوْ وَهَبَهُ لَمْ يَمْلِكِ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ، قَوْلًا وَاحِدًا، (ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ إِقَالَةٍ) أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي (فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْفَسْخِ فَقَطْ، وَهُوَ مُغْنٍ، أَحَدُهُمَا - وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ": لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ مَنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ عَادَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ إِلَيْهِ بِالْهِبَةِ، أَمَّا لَوْ عَادَ إِلَيْهِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوِ الشَّرْطِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُزِيلَ ارْتَفَعَ، وَعَادَ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، أَشْبَهَ فَسْخَ الْبَيْعِ بِالْخِيَارِ (وَإِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ وُهِبَهُ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ) ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ فَسْخَهُ وَإِزَالَتَهُ، كَالَّذِي لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا.
(وَإِنْ وَهَبَهُ الْمُتَّهَبُ لِابْنِهِ لَمْ يَمْلِكْ أَبُوهُ الرُّجُوعَ) ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لِغَيْرِ ابْنِهِ، وَلِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إِبْطَالًا لِمِلْكِ غَيْرِ ابْنِهِ، وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعِ ابْنُهُ (إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ) ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الرُّجُوعِ زَوَالُ مِلْكِ الِابْنِ وَقَدْ عَادَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ ابْنُ الِابْنِ لِأَبِيهِ (وَإِنْ كَاتَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهَنِ وَالْمُكَاتَبِ تَعَلَّقَ بِهِ، وَالرُّجُوعُ يُبْطِلُهُ، فَلَمْ يَجُزْ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى بَيْعَ الْمُكَاتَبِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، فَأَمَّا مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ

أَنْ يَنْفَكَّ الرَّهْنُ أَوْ تَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا إِنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ، رَدَّهُ إِلَيْهَا رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَهَبُ لَهُ إِلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إِضْرَارًا بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا.

فَصْلٌ وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ وَيَتَمَلَّكُهُ مَعَ حَاجَتِهِ وَعَدَمِهَا فِي صِغَرِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَحُكْمُهُ عِنْدَهُ كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ (إِلَّا أَنْ يَنْفَكَّ الرَّهْنُ أَوْ تَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَالتَّزْوِيجُ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَذَلِكَ، وَإِذَا رَجَعَ وَكَانَ التَّصَرُّفُ لَازِمًا كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ فَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا كَالْوَصِيَّةِ بَطَلَ، وَالصَّحِيحُ فِي التَّدْبِيرِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ أَبُوهُ: وَهَبْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ وَهُوَ سَمِينٌ أَوْ كَبِيرٌ فَلِيَ الرُّجُوعُ، فَقَالَ ابْنُهُ: وَهُوَ مَهْزُولٌ فَسَمِنَ أَوْ صَغِيرٌ فَكَبِرَ فَلَا رُجُوعَ لَكَ - فَوَجْهَانِ، فَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ هَذَا الذَّهَبَ مَصُوغًا، فَقَالَ ابْنُهُ: أَنَا صُغْتُهُ صَدَقَ الْوَاهِبُ (وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا إِنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ: رَدَّهُ إِلَيْهَا، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ) . نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْعِلَّةَ، فَقَالَ: (لِأَنَّهَا لَا تَهَبُ لَهُ إِلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ، أَوْ إِضْرَارًا بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَطِبْ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَهُ عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] وَظَاهِرُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَأَلَهَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِنْ وَهَبَتْهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ فَلَمْ يَنْدَفِعْ، أَوْ عِوَضٍ أَوْ شَرْطٍ فَلَمْ يَحْصُلْ، وَعَنْهُ: يَرُدُّ عَلَيْهَا الصَّدَاقَ مُطْلَقًا، وَلَوْ قَالَ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ لَمْ تُبْرِئْنِي فَأَبْرَأَتْهُ صَحَّ، وَهَلْ تَرْجِعُ؟ ثَالِثُهَا: تَرْجِعُ إِنْ طَلَّقَهَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ.

[فَصْلٌ وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ]

ِ) ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ مَالَ الْوَلَدِ مِلْكٌ لَهُ دُونَ أَبِيهِ (مَا شَاءَ) مِنْ مَالِهِ (وَيَتَمَلَّكُهُ) ؛ لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، بِدَلِيلِ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ وَلَدِهِ رِبًا، وَقَالَ: لَا يَمْنَعُ الِابْنُ الْأَبَ مَا أَرَادَ مِنْ مَالِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ سُرِّيَّتُهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ (مَعَ حَاجَتِهِ) - أَيِ الْوَالِدِ - (وَعَدِمِهَا فِي صِغَرِهِ) - أَيِ الْوَلَدِ - (وَكِبَرِهِ) ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ

وَكِبَرِهِ إِذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الِابْنِ بِهِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَحَسَّنَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ أَبِي احْتَاجَ مَالِي، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ؛ وَلِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، وَمَا كَانَ مَوْهُوبًا لَهُ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ كَعَبْدِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] الْآيَةَ ذَكَرَ الْأَقَارِبَ دُونَ الْأَوْلَادِ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] لِأَنَّ بُيُوتَ أَوْلَادِهِمْ كَبُيُوتِهِمْ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَلِي مَالَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ، فَكَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ كَمَالِ نَفْسِهِ، وَشَرْطُهُ (إِذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الِابْنِ بِهِ) وَمَا لَا يَضُرُّهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ، فَلِأَنْ تُقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَشَرَطَ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْوَجِيزِ " مَا لَمْ يُعْطِهِ وَلَدًا آخَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَفْضِيلَ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَمَعَ تَخْصِيصِ الْآخَرِ بِالْأَخْذِ مِنْهُ أَوْلَى.
وَعَنْهُ: لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَا لَا يُجْحِفُ بِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنْ لَا يُجْحِفَ بِالِابْنِ وَلَا يَضُرَّ بِهِ، وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ، وَعَنْهُ: لَهُ كَتَمَلُّكِهِ كُلِّهِ، وَيُرْوَى أَنَّ مَسْرُوقًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِصَدَاقِ عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَهَا فَأَنْفَقَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ لِلزَّوْجِ: جَهِّزِ امْرَأَتَكَ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَقِيلٍ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْوَلَدِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ كَالَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا سَبَقَ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَأَنَّ الْجَدَّ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ وِلَايَتِهِ وَإِجْبَارِهِ أَنَّهُ كَالْأَبِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا لَمْ يُخَالِفِ الْإِجْمَاعَ كَالْعُمَرِيَّتَيْنِ، وَفِي الْأُمِّ قَوْلٌ (وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ إِبْرَاءٍ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ

إِبْرَاءٍ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ.

وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَفِي التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ

[المبدع في شرح المقنع]

مِلْكَ الْوَلَدِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ تَامٌّ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ لِلْغَيْرِ أَوْ مُشْتَرَكًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُقْدَحُ فِي أَهْلِيَّتِهِ لِأَجْلِ الْأَذَى سِيَّمَا بِالْحَبْسِ، وَعَنْهُ: لَهُ أَنْ يُبْرِئَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، وَيَتَسَرَّى مِنْهُ، وَمَا فَعَلَ فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِمَا لَا حَظَّ فِيهِ خُصُوصًا مَعَ صِغَرِ الْوَلَدِ، إِذْ لَيْسَ مِنَ الْحَظِّ إِسْقَاطُ دَيْنِهِ، وَعِتْقُ عَبْدِهِ، وَهِبَةُ مَالِهِ.
تَنْبِيهٌ: يَحْصُلُ التَّمَلُّكُ بِقَبْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَعَ قَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ: أَوْ قَرِينَةٍ.
وَفِي " الْمُبْهِجِ " فِي تَصَرُّفِهِ فِي غَيْرِ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى حُصُولِ مِلْكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَيَصِحُّ بَعْدَهُ، وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ مَعَ غِنَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى عَلَيْهِ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَجَبَرْتُهُ عَلَى دَفْعِهِ إِلَيْهِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 32 «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» .

[وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهَا]

(وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ) أَيْ قَبْلَ تَمَلُّكِهَا، فَقَدْ وَطِئَهَا وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ، وَهُوَ حَرَامٌ، (فَأَحْبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) ؛ لِأَنَّ إِحْبَالَ الْأَبِ لَهَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَطْءُ مُصَادِفًا لِلْمِلْكِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهَا أُمَّ وَلَدٍ ضَرُورَةَ مُصَادَفَةِ الْوَطْءِ الْمِلْكَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْبَلْ مِنْهُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ) وَلَا قِيمَتُهَا؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِلشُّبْهَةِ.
(وَفِي التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ) : أَشْهَرُهُمَا التَّعْزِيرُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْأً مُحَرَّمًا كَوَطْءِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ، فَلَا يُعَزَّرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّعْزِيرَ هُنَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: فَيُضْرَبُ مِائَةً إِلَّا سَوْطًا.
فَرْعٌ: إِذَا تَمَلَّكَهَا فَلَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِحَالٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ وَطْءِ الِابْنِ فَرِوَايَتَانِ كَوَطْءِ ذَاتِ مَحْرَمٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَلَا يَنْتَقِلُ

مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَلَا أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ

وَالْهَدِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْمِلْكُ فِيهَا إِنْ كَانَ الِابْنُ اسْتَوْلَدَهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا الْأَبُ وَالِابْنُ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ، وَيُحَدُّ الِابْنُ لِوَطْئِهِ جَارِيَةَ أَبِيهِ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ، وَيَكُونُ مِلْكًا لِأَبِيهِ، وَقَدْ أَوْجَبَ أَحْمَدُ أَنْ يُعْتِقَهُ الْأَبُ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنِ ابْنِهِ (وَلَيْسَ لِلِابْنِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَلَا أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ) ، قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِيهِ يَقْتَضِيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّ الْمَالَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْحُقُوقِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ أَبِيهِ بِهِ كَحُقُوقِ الْأَبْدَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ بِنَفَقَتِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَعَيَّنَ بِمَالٍ لَهُ فِي يَدِهِ.
قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَغِنَى وَالِدِهِ عَنْهُ، وَقِيلَ: يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مُطْلَقًا، فَعَلَى هَذَا فَفِي مِلْكِهِ إِبْرَاءَ نَفْسِهِ نَظَرٌ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: لَا يَمْلِكُهُ كَإِبْرَائِهِ لِغَرِيمِهِ، وَلَا طَلَبَ لَهُ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، فَإِنْ مَاتَ الِابْنُ فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ الْأَبِ فِي الْأَشْهَرِ كَمُوَرِّثِهِمْ، وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَطَلَ دَيْنُ الِابْنِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ فِي تَرِكَةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنِ الْأَبِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتِ الْمُطَالَبَةُ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا مَاتَ فَوَجَدَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ - قَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": أَوْ بَعْضَهُ - وَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهُ، أَوْ وَجَدَ مَا أَقْرَضَهُ، فَهَلْ يَأْخُذُهُ أَوْ يَكُونُ إِرْثًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَمَا قَضَاهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ وَصَّى بِقَضَائِهِ فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَأَنْكَرَ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ وَهُوَ عَلَى الْأَبِ، نَقَلَهُ مُهَنَّا، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِنْ أَقَرَّ الِابْنُ.

[الْهَدِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ]

(وَالْهَدِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ) أَيْ هُمَا نَوْعَا الْجِنْسِ كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ مَعَ الْحَيَوَانِ، وَحَاصِلُهُ إِنْ قَصَدَ بِإِعْطَائِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَصَدَقَةٌ، وَإِنْ قَصَدَ إِكْرَامًا وَتَوَدُّدًا وَنَحْوَهُ فَهَدِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِبَةٌ وَعَطِيَّةٌ وَنِحْلَةٌ، وَهُمَا كَهِبَةٍ فِيمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ وَحَنْبَلٌ: لَا رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يُعْتَبَرُ فِي الْهَدِيَّةِ قَبُولٌ لِلْعُرْفِ، وَمَنْ أَهْدَى إِلَيْهِ لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَقَلَهُ أَحْمَدُ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ فِيمَنْ سَأَلَ الْحَاجَةَ فَسَعَا مَعَهُ فِيهَا فَيُهْدَى إِلَيْهِ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا أَنْ يُكَافِئَهُ، وَنَقَلَ يَعْقُوبُ: لَا يَنْبَغِي لِلْخَاطِبِ إِذَا خَطَبَ لِقَوْمٍ أَنْ

فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ أَمَّا الْمَرِيضُ غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، أَوْ مَرَضًا غَيْرَ مَخُوفٍ كَالرَّمَدِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ

[المبدع في شرح المقنع]

يَقْبَلَ لَهُمْ هَدِيَّةً، فَهَاتَانِ رِوَايَتَانِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ التَّحْرِيمَ، وَنَقَلَهُ عَنِ السَّلَفِ، وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
فَرْعٌ: وِعَاءُ هَدِيَّةٍ كَهِيَ مَعَ عُرْفٍ.

[فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ]

فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ (أَمَّا الْمَرِيضُ غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، أَوْ مَرَضًا غَيْرَ مَخُوفٍ كَالرَّمَدِ) ، وَهُوَ وَرَمٌ حَارٌّ فِي الْمُلْتَحِمِ عَنْ مَادَّةٍ فِي الْعَيْنِ، وَيُعْرَفُ بِتَقَدُّمِ الصُّدَاعِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْحِجَابِ الدَّاخِلِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْخَارِجِ (وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ) الْيَسِيرِ وَهُوَ وَجَعُ الرَّأْسِ (وَنَحْوِهِ) كَحُمَّى يَوْمٍ.
قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: سَاعَةٍ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَإِسْهَالٍ يَسِيرٍ مِنْ غَيْرِ دَمٍ (فَعَطَايَاهُ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ سَوَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ لِكَوْنِهِ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ (يَصِحُّ فِي جَمِيعِ مَالِهِ) وَلَوِ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ؛ لِلْأَدِلَّةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا فَبَرَأَ (وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ) الْقَاطِعَ بِصَاحِبِهِ (الْمَخُوفَ) - أَيْ مَرَضًا مَخُوفًا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ (كَالْبِرْسَامِ) ، وَهُوَ بُخَارٌ يَرْتَقِي إِلَى الرَّأْسِ وَيُؤَثِّرُ فِي الدِّمَاغِ فَيُحِيلُ عَقْلَ صَاحِبِهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ وَرَمٌ فِي الدِّمَاغِ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَيَهْذِي، وَيُقَالُ فِيهِ: سِرْسَامٌ، (وَذَاتِ الْجَنْبِ) ، وَهُوَ قَرْحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ، وَوَجَعُ الْقَلْبِ وَالرِّئَةِ، وَلَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا، وَقِيلَ: هُوَ دُمَّلٌ كَبِيرَةٌ تَخْرُجُ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ وَتُفْتَحُ إِلَى دَاخِلٍ (وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ) ، فَإِنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ فَيُذْهِبُ الْقُوَّةَ (وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارِكِ) ، هُوَ الْمَبْطُونُ الَّذِي أَصَابَهُ الْإِسْهَالُ وَلَا يُمْكِنُهُ إِمْسَاكُهُ، فَإِنْ كَانَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ فَضْلَةِ الطَّعَامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَحِيرٌ وَتَقْطِيعٌ، فَيَكُونُ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْبَدَنَ، (وَالْفَالِجِ فِي ابْتِدَائِهِ) ، وَهُوَ دَاءٌ مَعْرُوفٌ يُرْخِي بَعْضَ الْبَدَنِ، قَالَ ابْنُ

وَالصُّدَاعِ وَنَحْوِهِ، فَعَطَايَاهُ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ سَوَاءٌ، يَصِحُّ فِي جَمِيعِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ؛ كَالْبِرْسَامِ، وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، وَالْفَالِجِ فِي ابْتِدَائِهِ، وَالسِّلِّ فِي انْتِهَائِهِ، وَمَا قَالَ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّهُ مَخُوفٌ فَعَطَايَاهُ كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ كَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُحَابَاةِ، فَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَالسِّلِّ، وَالْجُذَامِ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْقَطَّاعِ: فَلَجَ فَالِجًا بَطَلَ نِصْفُهُ أَوْ عُضْوٌ مِنْهُ، (وَالسِّلُّ فِي انْتِهَائِهِ) ، هُوَ - بِكَسْرِ السِّينِ - دَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ سَلَّ وَأَسَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مَسْلُولٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَمِثْلُهُ الْقُولَنْجُ، وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَلَا يَنْزِلَ عَنْهُ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَخُوفَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا حُمَّى، وَهِيَ مَعَ الْحُمَّى أَشَدُّ خَوْفًا، وَإِنْ بَادَرَهُ الدَّمُ وَاجْتَمَعَ فِي عُضْوٍ كَانَ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَرَارَةِ الْمُفْرِطَةِ، وَإِنْ هَاجَتْ بِهِ الصَّفْرَاءُ فَهِيَ مَخُوفَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُورِثُ يُبُوسَةً، وَكَذَلِكَ الْبَلْغَمُ إِذَا هَاجَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبُرُودَةِ، وَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى الْحَرَارَةِ الْغَزِيرَةِ فَيُطْفِئُهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (وَمَا قَالَ عَدْلَانِ) - أَيْ مُسْلِمَانِ - (مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ) أَيْ عِنْدِ الشَّكِّ فِيهِ (أَنَّهُ مَخُوفٌ) فَيُرْجَعُ إِلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ وَالْعَطَايَا، وَقِيلَ: يُقْبَلُ لِعَدَمٍ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ الْمَخُوفَ عُرْفًا، أَوْ يَقُولُ عَدْلَيْنِ (فَعَطَايَاهُ) صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى حِينَ جُرِحَ وَسُقِيَ لَبَنًا وَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى نُفُوذِ عَهْدِهِ (كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ كَالْهِبَةِ) الْمَقْبُوضَةِ (وَالْعِتْقِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْمُحَابَاةِ) ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالْإِبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، فَمَفْهُومُهُ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَاسْتَدْعَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَإِذَا لَمْ يُنَفَّذِ الْعِتْقُ مَعَ سَرَايَتِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ

وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ، فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهِيَ مَخُوفَةٌ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُّلُثِ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، أَوْ قَدِمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْعَطَايَا إِذَا وُجِدَتْ فِي الصِّحَّةِ فَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا: أَنَّهُ يَقِفُ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنَ الثُّلُثِ أَوْ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ فِي الصِّحَّةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُزَاحِمُ فِي الثُّلُثِ إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً كَتَزَاحُمِ الْوَصَايَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ خُرُوجَهَا مِنَ الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
(فَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَالسِّلِّ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ) ، وَحُمَّى الرِّبْعِ (فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ) ، أَيْ لَزِمَ الْفِرَاشَ (فَهِيَ مَخُوفَةٌ) أَيْ عَطِيَّتُهُ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ مَرِيضٌ صَاحِبُ فِرَاشٍ يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ، أَشْبَهَ الْحُمَّى الْمُطْبِقَةَ (وَإِلَّا فَلَا) ، أَيْ إِنْ لَمْ يَصِرْ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَلَيْسَتْ مَخُوفَةً، وَعَطِيَّتُهُ حِينَئِذٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
قَالَ الْقَاضِي: إِذَا كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فَعَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، هَذَا تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَعْجِيلُ الْمَوْتِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ فَهُوَ كَالْهَرِمِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُّلُثِ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا مَخُوفَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَوَجَبَ إِلْحَاقُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ نَقَلَ حَرْبٌ فِي وَصِيَّةِ الْمَجْذُومِ وَالْمَفْلُوجِ مِنَ الثُّلُثِ، فَالْمَجْدُ أَثْبَتَهَا وَجَعَلَهَا ثَابِتَةً، وَصَاحِبُ " الشَّرْحِ " حَمَلَهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَجْهًا آخَرَ: أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُنَجَّا: إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّنَاقُضُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، فَغَايَتُهُ أَنَّهُ حَكَى وَجْهَيْنِ (وَمَنْ كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ) بِأَنِ اخْتَلَطَتِ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ، وَكَانَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُكَافِئَةً لِلْأُخْرَى أَوْ مَقْهُورَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمَا مُتَّفِقَيْنِ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرِيضِ أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ، فَأَمَّا الْقَاهِرَةُ بَعْدَ ظُهُورِهَا فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ.
(أَوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ)

وَالْحَامِلُ عِنْدَ الْمَخَاضِ - فَهُوَ كَالْمَرِيضِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إِذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

أَيْ إِذَا اضْطَرَبَ وَهَبَّتِ الرِّيحُ الْعَاصِفُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22] الْآيَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَكِبَهُ وَهُوَ سَاكِنٌ فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ (أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ) قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ وَالْوَبَاءُ الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الْهَوَاءُ، فَتَفْسُدُ بِهِ الْأَمْزِجَةُ وَالْأَبْدَانُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْمَغَابِنِ وَغَيْرِهَا لَا يَلْبَثُ صَاحِبُهَا وَيُغَمُّ إِذَا ظَهَرَتْ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَأَمَّا الطَّاعُونُ فَوَبَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ وَيَسْوَدُّ مَا حَوْلَهُ وَيَخْضَرُّ وَيَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانٌ لِلْقَلْبِ (بِبَلْدَهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَخُوفٌ إِذَا كَانَ فِيهِ، (أَوْ قَدِمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حُكِمَ لِلْمَرِيضِ وَحَاضِرِ الْحَرْبِ بِالْخَوْفِ مَعَ ظُهُورِ السَّلَامِ، فَمَعَ ظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ أَوْلَى، وَلَا عِبْرَةَ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْقَتْلِ كَغَيْرِهِ لَعَمَّ، سَوَاءٌ كَانَ قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ كَالرَّجْمِ، وَكَذَا إِذَا حُبِسَ لِلْقَتْلِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الْفُرُوعِ "، وَأَسِيرٌ عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُمُ الْقَتْلُ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ يَتَحَقَّقُ تَعْجِيلَ مَوْتِهِ، فَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ قَدِ اخْتَلَّ كَمَنْ ذُبِحَ أَوْ أُبِينَتْ حِشْوَتُهُ فَلَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ وَلَا كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتَ الْعَقْلِ كَمَنْ خُرِقَتْ حِشْوَتُهُ أَوِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عقله صَحَّ تَصَرُّفُهُ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَكَمَنَ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": مَنْ قُطِعَ بِمَوْتِهِ كَقَطْعِ حِشْوَتِهِ، وَغَرِيقٍ، وَمُعَايَنٍ كَمَيِّتٍ (وَالْحَامِلُ عِنْدَ الْمَخَاضِ) أَيْ عِنْدِ الطَّلْقِ، كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، (فَهُوَ كَالْمَرِيضِ) مَرَضًا مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا أَلَمٌ شَدِيدٌ يَخَافُ مِنْهُ التَّلَفَ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إِذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ) ، هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَيْ عَطِيَّتُهَا مِنَ الثُّلُثِ كَمَرِيضٍ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ تُمْكِنُ الْوِلَادَةُ فِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ، وَالْأَشْهَرُ مَعَ أَلَمٍ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا ثَقُلَتْ لَا يَجُوزُ لَهَا إِلَّا الثُّلُثَ، وَلَمْ يَحِدَّ حَدًّا، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ (وَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ) ،

عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا، وَإِنْ تَسَاوَتْ قُسِمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، وَأَمَّا مُعَاوَضَةُ الْمَرِيضِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ

[المبدع في شرح المقنع]

حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَرَضَ بِهِمْ، فَهُمْ كَالصَّحِيحِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ فَإِنْ بَقِيَتِ الْمَشِيمَةُ مَعَهَا أَوْ مَاتَ مَعَهَا فَهُوَ مَخُوفٌ، فَإِنْ خَرَجَا فَحَصَلَ ثَمَّ وَرَمٌ أَوْ ضُرْبَانٌ شَدِيدٌ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي النُّفَسَاءِ إِذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ فَعَطِيَّتُهَا مِنَ الثُّلُثِ، وَالسَّقْطُ كَالْوَلَدِ التَّامِّ لَا مُضْغَةٌ أَوْ عَلَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَلَمٌ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ) يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْوَصِيَّةِ، فَالتَّبَرُّعُ عِبَارَةٌ عَنْ إِزَالَةِ مِلْكِهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
(بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ السَّابِقُ عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ، وَعَنْهُ: يُقْسَمُ بَيْنَ الْكُلِّ بِالْحِصَصِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ إِذَا كَانَتْ عَطَايَا وَوَصَايَا تُقَدَّمُ الْعَطَايَا؛ لِأَنَّهَا أَسْبَقُ، (وَإِنْ تَسَاوَتْ) أَيْ وَقَعَتْ دُفْعَةً بِأَنْ وَكَّلَ جَمَاعَةً فِيهَا فَأَوْقَعُوهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً (قُسِمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ (وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ) ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى السِّرَايَةِ وَالتَّغْلِيبِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ، فَيَكْمُلُ الْعِتْقُ فِي بَعْضِهِمْ.
أَصْلٌ: إِذَا قَضَى الْمَرِيضُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ وَوَفَّتْ تَرِكَتُهُ بِالْكُلِّ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَفِ فَوَجْهَانِ، أَشْهَرُهُمَا - وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ - أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالثَّانِي عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ بِمَرَضِهِ، فَمُنِعَ تَصَرُّفَهُ فِيهِ كَالتَّبَرُّعِ، وَمَا لَزِمَهُ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، فَلَوْ تَبَرَّعَ أَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لَمْ يَبْطُلْ تَبَرُّعُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ.
(وَأَمَّا مُعَاوَضَةُ الْمَرِيضِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَيَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ التَّبَرُّعُ، وَلَيْسَ هَذَا تَبَرُّعًا (وَإِنْ كَانَتْ مَعَ وَارِثٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهَا

فَيَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ مَعَ وَارِثٍ، وَيَحْتَمِلُ أَلَا يَصِحَّ لِوَارِثٍ.
وَإِنْ حَابَا وَارِثَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا حَابَاهُ، وَتَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ شَفِيعٌ فَلَهُ أَخْذُهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.

وَإِنْ بَاعَ الْمَرِيضُ أَجْنَبِيًّا وَحَابَاهُ وَكَانَ شَفِيعُهُ وَارِثًا فَلَهُ الْأَخْذُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَلَا تُهْمَةَ فَصَحَّتْ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِوَارِثٍ) ، هَذِهِ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَابَاهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَهُ إِلَّا بِإِجَازَةٍ، اخْتَارَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "؛ لِفَوَاتِ حَقِّهِ فِي الْمُعَيَّنِ، (وَإِنْ حَابَا وَارِثَهُ فَقَالَ الْقَاضِي: يَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا حَابَاهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ كَالْوَصِيَّةِ، وَهِيَ لِوَارِثٍ بَاطِلَةٌ فَكَذَا الْمُحَابَاةُ، (وَتَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمُحَابَاةُ، وَهِيَ هُنَا مَفْقُودَةٌ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِنِصْفِ ثَمَنِهِ فَلَهُ نِصْفُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، فَبَطَلَ التَّصَرُّفُ فِيمَا تَبَرَّعَ بِهِ، وَعَنْهُ: يَبْطُلُ بَيْعُ الْكُلِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَحَلُّهُ بِدُونِ إِجَازَةِ الْوَارِثِ، وَتَعْتَبَرُ إِجَازَةُ الْمَجْنُونِ فِي مَرَضِهِ مِنْ ثُلُثِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ جُعِلَتْ عَطِيَّةً، وَإِلَّا فَمِنْ كُلِّهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّهِ) ، فَشُرِعَ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، فَإِنْ فَسَخَ وَطَلَبَ قَدْرَ الْمُحَابَاةِ، أَوْ طَلَبَ الْإِمْضَاءِ فِي الْكُلِّ وَتَكْمِيلِ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ فِي الْعَيْنِ كُلِّهَا وَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْوَارِثَ تَمَامَ قِيمَتِهَا أَوْ يَفْسَخُ، (فَإِنْ كَانَ لَهُ شَفِيعٌ فَلَهُ أَخْذُهُ) ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَقَدْ وُجِدَ، (فَإِنْ أَخَذَهُ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي) ؛ لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ الْمَبِيعَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ الثَّمَنُ مِنَ الشَّفِيعِ.
فَرْعٌ: إِذَا آجَرَ نَفْسَهُ وَحَابَا الْمُسْتَأْجِرَ صَحَّ مَجَّانًا.

[بَاعَ الْمَرِيضُ أَجْنَبِيًّا وَحَابَاهُ]

(وَإِنْ بَاعَ الْمَرِيضُ أَجْنَبِيًّا وَحَابَاهُ) لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَصَحَّ، كَغَيْرِ الْمَرِيضِ، فَعَلَيْهِ لَوْ بَاعَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ بِعَشْرَةٍ فَقَدْ حَابَا الْمُشْتَرِي بِثُلُثَيْ مَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الْمُحَابَاةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ لَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِنْ رَدُّوا فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنِ اخْتَارَ إِمْضَاءَهُ فَعَنْ أَحْمَدَ: يَأْخُذُ نِصْفَ الْمَبِيعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ يُسْقِطَ الثَّمَنَ - وَهُوَ عَشْرَةٌ - مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ، ثُمَّ يَأْخُذُ ثُلُثَ الْمَبِيعِ وَهُوَ عَشْرَةٌ فَيَنْسُبُهُ مِنَ الْبَاقِي وَهُوَ عِشْرُونَ، فَمَا خَرَجَ بِالنِّسْبَةِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي مِقْدَارِ تِلْكَ النِّسْبَةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْمَبِيعِ بِنِصْفِ

بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ، وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَلَكَ مَالًا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عُتِقَ كُلُّهُ، وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

الثَّمَنِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يَنْسُبُ الثَّمَنَ وَثُلُثَ الْمَبِيعِ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ فَيَصِحُّ فِي مِقْدَارِ تِلْكَ النِّسْبَةِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَلَوْ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي لِلْمُشْتَرِي خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ (وَكَانَ شَفِيعُهُ وَارِثًا فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ) فِي الْأَصَحِّ؛ (لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ) ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً؛ وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْهَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ لِمَا فِيهَا مِنَ التُّهْمَةِ مِنْ إِيصَالِ الْمَالِ إِلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيمَا إِذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُحَابَاةُ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ الْوَارِثُ الشُّفْعَةَ لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِثْبَاتِ حَقِّ وَارِثِهِ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ عَطِيَّةٍ مُنْجَزَةٍ وَنَحْوِهَا فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ عَلَى شَرْطٍ إِلَّا فِي الْعِتْقِ، فَلَوْ عَلَّقَ صَحِيحَ عِتْقِ عَبْدِهِ فَوَجَدَ شَرْطَهُ فِي مَرَضِهِ فَمِنْ ثُلُثِهِ فِي الْأَصَحِّ، (وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدِ الْمَوْتِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ لُزُومِ الْوَصَايَا وَاسْتِحْقَاقِهَا، وَيَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، فَإِنْ ضَاقَ ثُلُثُهُ عَنِ الْعَطِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ قُدِّمَتِ الْعَطِيَّةُ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمُنْجَزِ وَقَبُولُهُ حِينَ نَجْزِهِ، وَنَمَاؤُهُ مِنْ حِينِهِ إِلَى الْمَوْتِ تَبَعٌ لَهُ، فَمَنْ جَعَلَ عَطِيَّتَهُ مِنْ ثُلُثِهِ فَحَمَلَ مَا نَجَزَهُ، فَكَسْبُهُ لَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا خَرَجَ مِنْ أَصْلِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَيْسَ بِشَرِكَةٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَلَكَ مَالًا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عُتِقَ كُلُّهُ) ؛ لِخُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ عِنْدِ الْمَوْتِ، (وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ عَلِيٍّ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» ، وَعَنْهُ: يُعْتَقُ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ مِنَ الثُّلُثِ كَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ مَاتَ حُرًّا، وَقِيلَ: بَلْ ثُلُثُهُ.
فَرْعٌ: هِبَتُهُ كَعِتْقِهِ.
فَائِدَةٌ: لِلْمَرِيضِ لُبْسُ نَاعِمٍ، وَأَكْلُ طَيِّبٍ لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ لِتَفْوِيتِ حَقِّ الْوَرَثَةِ

فَصْلٌ وَتُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا، وَالْوَصَايَا يُسَوَّى بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي الْعَطِيَّةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ لِلْعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَالرَّابِعِ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ مِنْ حِينِهَا وَيَكُونُ مُرَاعًى، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ، فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا أَوْ وَهَبَهُ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ كَسَبَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ كَانَ كَسْبُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

مُنِعَ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَفِيهِ: يَمْنَعُهُ إِلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ وَعَادَتِهِ وَسَلَمِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَدْرَكُ كَإِتْلَافِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْحُلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ وَارِثِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ مَالِهِ.

[فَصْلٌ تُفَارُقُ الْعَطِيَّةُ الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ]

فَصْلٌ (وَتُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) ؛ لِوُقُوعِهَا لَازِمَةً، (وَالْوَصَايَا يُسَوَّى بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَوُجِدَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، (وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي الْعَطِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ لَازِمَةً فِي حَقِّ الْمُعْطِي يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُعْطَى فِي الْحَيَاةِ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا الْقَبُولُ وَالْقَبْضُ وَلَوْ كَثُرَتْ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِيهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ، فَقَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ، فَهِيَ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبُولِ (وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ لِلْعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا) ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَالِ (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَاعْتُبِرَ عِنْدَ وُجُودِهِ، (وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ مِنْ حِينِهَا) بِشُرُوطِهَا؛ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ هِبَةً فَمُقْتَضَاهَا تَمْلِيكُهُ الْمَوْهُوبَ فِي الْحَالِ، فَيُعْتَبَرُ قَبُولُهَا فِي الْمَجْلِسِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ وَكَذَا إِنْ كَانَتْ مُحَابَاةً أَوْ إِعْتَاقًا (وَيَكُونُ مُرَاعًى) ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ هَلْ هُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ أَوْ لَا، وَلَا نَعْلَمُ هَلْ يَسْتَفِيدُ مَالًا أَوْ يَتْلَفُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ، فَتَوَقَّفْنَا لِنَعْلَمَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ لِيُعْمَلَ بِهَا، فَإِذَا انْكَشَفَ الْحَالُ عَلِمْنَا حِينَئِذٍ مَا ثَبَّتَ حَالَ الْعَقْدِ كَإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، (فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ) أَيْ مِنْ حِينِ الْعَطِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ثُبُوتِهِ كَوْنُهُ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، (فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا أَوْ وَهَبَهُ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ كَسَبَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ

لَهُ إِنْ كَانَ مُعْتَقًا، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إِنْ كَانَ مَوْهُوبًا، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ فَلَهُمَا مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيْئَانِ، فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ، وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا، وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ شَيْئَانِ وَعُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ عُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ

[المبدع في شرح المقنع]

شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ - كَانَ كَسْبُهُ لَهُ إِنْ كَانَ مُعْتَقًا) ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ (وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إِنْ كَانَ مَوْهُوبًا) لِمَا ذَكَرْنَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعِتْقَ وَالْهِبَةَ نَافِذَانِ فِيهِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْكَسْبِ لِلْمُعْتِقِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ لِلتَّبَعِيَّةِ، (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) مِنَ الثُّلُثِ (فَلَهُمَا) - أَيْ لِلْمُعْتِقِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ - (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ) ، أَيْ بِمِقْدَارِ نِسْبَةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ إِلَيْهِ.
(فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ مَا تَنْفُذُ فِيهِ الْعَطِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عُتِقَ، وَبَاقِيهِ لِسَيِّدِهِ، فَيَزْدَادُ بِهِ مَالُ السَّيِّدِ، وَتَزْدَادُ الْحُرِّيَّةُ كَذَلِكَ، وَيَزْدَادُ حَقُّهُ مِنْ كَسْبِهِ فَيَنْقُصُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ مِنْ كَسْبِهِ، وَيَنْقُصُ بِذَلِكَ قَدْرُ الْمُعْتِقِ مِنْهُ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيْئَانِ، فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ) ، أَيْ صَارَ مَقْسُومًا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِعِتْقِهِ شَيْئًا وَبِكَسْبِهِ شَيْئًا كَانَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ شَيْئَانِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ (فَيُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا) ، أَيْ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الْكَسْبِ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ قِيمَتُهُ مِائَةٌ مَثَلًا وَكَسَبَ مِائَةً قَسَمْتَ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ خَمْسِينَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ ضَمِّ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ يُقْسَمُ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ بِالْأَوَّلِ تَبَيَّنَ مِقْدَارُ الشَّيْءِ، فَيُعْلَمُ مِقْدَارُ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ نِصْفَيْنِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ لِتَبَيُّنِ مِقْدَارِ الْعِتْقِ، (وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ شَيْئَانِ وَعُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ) ، فَفِي مَسْأَلَتِنَا إِذَا كَسَبَ مِائَتَيْنِ قَسَمْتَ الْمَجْمُوعَ وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: ثَلَاثَةٌ لِلْعَبْدِ، وَشَيْئَانِ لِلْوَرَثَةِ - وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْعَبْدِ (وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ عُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ نِصْفٌ مِنْ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ) ، فَالْجَمِيعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَنِصْفُ شَيْءٍ، فَابْسُطْهَا تَصِرْ

كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ مَوْهُوبًا لِإِنْسَانٍ فَلَهُ مِنَ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا عُتِقَ مِنْهُ

[المبدع في شرح المقنع]

سَبْعَةً، لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا، (فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: عُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ مِثْلَا مَا عُتِقَ مِنْهُ وَهُوَ شَيْئَانِ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ إِنْ كَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ، وَشَيْئَانِ إِنْ كَسَبَ مِثْلَا قِيمَتِهِ، وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ إِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ، وَنِصْفُ شَيْءٍ إِنْ كَسَبَ مِثْلَ نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا، ثُمَّ تُجْمَعُ الْأَشْيَاءُ فَتُقْسَمُ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَكَسْبُهُ عَلَيْهَا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ الشَّيْءُ، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَكَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالَ قِيمَتِهِ - فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيْئَانِ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، فَتُجْمَعُ الْأَشْيَاءُ فَتَصِيرُ سِتَّةً، فَاقْسِمْ عَلَيْهَا قِيمَةَ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ، وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ، يَخْرُجُ الشَّيْءُ سِتَّةً وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ، فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ ثُلُثَا قِيمَتِهِ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيْئَانِ مِثْلَا مَا عُتِقَ مِنْهُ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِائَتَانِ وَهِيَ ثُلُثَا كَسْبِهِ.
فَرْعٌ: أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ ثُمَّ آخَرُ قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَكَسَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْرَ قِيمَتِهِ فَكَمُلَتِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَتَقْسِمُ الْعَبْدَيْنِ وَكَسْبَهُمَا عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ بَدَأَ بِعِتْقِ الْأَدْنَى عُتِقَ كُلُّهُ، وَأُخِذَ كَسْبُهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ مِنَ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَكَسْبِهِ مِثْلَيِ الْعَبْدِ الَّذِي عُتِقَ، وَهُوَ نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ، وَيَبْقَى نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيُعْتَقُ رُبُعُهُ وَلَهُ رُبُعُ كَسْبِهِ، وَيَرِقُّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَيَتْبَعُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عُتِقَ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَدَأَ بِإِعْتَاقِهِ، فَلَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيِ الْقِيمَةِ فَأَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فِي حَيَاتِهِ - أُقْرِعَ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ فَالْحَيُّ رَقِيقٌ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمَيِّتَ نِصْفُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ مَعَ الْوَرَثَةِ مِثْلَ نِصْفِهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْحَيِّ عَتَقَ ثُلُثَيْهِ وَلَا يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ (وَإِنْ كَانَ مَوْهُوبًا لِإِنْسَانٍ فَلَهُ) أَيْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (بِقَدْرِ مَا عُتِقَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمَوْهُوبَ يَعْدِلُ الْقَدْرَ الْمُعْتَقِ (وَبِقَدْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ) ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ الْمِلْكَ، يَلَزَمُ أَنْ يَمْلِكَ مِنَ الْكَسْبِ بِقَدْرِ مَا مَلَكَ مِنَ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً فَكَسَبَ تِسْعَةً، فَاجْعَلْ لَهُ كُلَّ دِينَارٍ شَيْئًا، فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ مِائَةٌ، وَلَهٍ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ، وَلَهُمْ مِائَتَا

وَبِقَدْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهَا يُعْتِقُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهَا، وَلَوْ وَهَبَهَا مَرِيضًا آخَرَ لَا مَالَ لَهُ أَيْضًا فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ، وَعَادَ إِلَيْهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثلثه، بقي لورثة الآخر ثلثا شيء وللأول شيئان فلهم ثلاثة أرباعها، ولورثة الثاني ربعها، وإن باع مريض قفيزا لا يملك غيره يساوي ثلاثين بقفيز يساوي عشرة، فأسقط قيمة الرديء من قيمة الجيد، ثم أنسب الثلث إلى ما بقي وهو عشرة من

[المبدع في شرح المقنع]

شَيْءٍ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ.
وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ، لَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَهُمْ مَا تَنَاجَزَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَا جُزْءٍ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ صُرِفَا فِي الدَّيْنِ وَلَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّبَرُّعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ صُرِفَ مِنَ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ مَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا يُقْسَمُ عَلَى مَا يُعْمَلُ فِي الْعَبْدِ الْكَامِلِ وَكَسْبِهِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً) لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهَا (ثُمَّ وَطِئَهَا - وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا - فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهَا، يُعْتَقُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا لَعَتَقَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهَا، سُبْعٌ بِمِلْكِهَا لَهُ مِنْ نَفْسِهَا بِحَقِّهَا مِنْ مَهْرِهَا، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ، وَسُبْعَانٌ بِإِعْتَاقِ الْمَيِّتِ، لَكِنْ فِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْكَسْبَ يَزِيدُ بِهِ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعِتْقِ، وَالْمَهْرُ يَنْقُصُهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي نُقْصَانَ الْعِتْقِ، (وَلَوْ وَهَبَهَا مَرِيضًا آخَرَ لَا مَالَ لَهُ أَيْضًا فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ) وَمَاتَا جَمِيعًا (صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ، وَعَادَ إِلَيْهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ، وَلِلْأَوَّلِ) أَيْ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ (شَيْئَانِ) ، فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ لِيَزُولَ الْكَسْرُ تَكُنْ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ الْأَمَةَ الْمَوْهُوبَةَ، (فَلَهُمْ) أَيْ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) سِتَّةٌ (وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبُعُهَا) شَيْئَانِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحَّتْ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ، وَهِبَةُ الثَّانِي صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الثُّلُثِ، فَتَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، اضْرِبْهَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ تَكُنْ تِسْعَةً، أَسْقِطِ السَّهْمَ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ، بَقِيَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، (وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشْرَةً) ، وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَيُحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحِ الْبَيْعِ فِي جُزْءٍ مِنْهُ مَعَ التَّخَلُّصِ مِنَ الرِّبَا؛ لِكَوْنِهِ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، فَأَشَارَ إِلَى الطَّرِيقَةِ فَقَالَ: (فَأَسْقِطْ قِيمَةَ

عشرين تجده نصفها فيصح البيع في نصف الجيد بنصف الرديء وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ.
وَإِنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشْرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهَا، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ - لَهَا خمسة بِالصَّدَاقِ وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ، رَجَعَ إِلَيْهِ نِصْفُ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا، صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفُ إِلَّا نِصْفُ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، أجْبُرْهَا بِنِصْفِ شَيْءٍ، وَقَابِلْ يَخْرُجِ

[المبدع في شرح المقنع]

الرَّدِيءِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ انْسُبِ الثُّلُثَ إِلَى مَا بَقِيَ وَهُوَ عَشْرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ تَجِدْهُ نِصْفَهَا، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَابِلُهُ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمِيعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِثَمَنٍ، فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ) ؛ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ، لَا يُقَالُ: فَلَا يَصِحُّ فِي الْجَيِّدِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الرَّدِيءِ وَيَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الرِّبَا لِكَوْنِهِ عَقْدًا يَصِحُّ فِي ثُلُثِ الْجَيِّدِ بِكُلِّ الرَّدِيءِ، وَذَلِكَ رِبًا؛ وَلِأَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ وَصِيَّةٌ، وَفِيمَا ذُكِرَ إِبْطَالُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهَا شَيْءٌ، وَطَرِيقُ الْجَبْرِ أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَرْفَعِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَدْنَى وَقِيمَةِ ثُلُثِ شَيْءٍ، فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ، أَلْقِهَا مِنَ الْأَرْفَعِ يَبْقَى قَفِيزًا إِلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ ثُلُثَيِ الْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ وَثُلُثُ شَيْءٍ، فَإِذَا جَبَرْتَهُ عَدَلَ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ نِصْفُ الْقَفِيزِ، وَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي عِشْرِينَ صَحَّتْ فِي جَمِيعِ الْجَيِّدِ بِجَمِيعِ الرَّدِيءِ، وَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَاعْمَلْ بِالطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَلَكَ طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ تَضْرِبَ مَا حَابَاهُ بِهِ فِي ثَلَاثَةٍ، تَبْلُغُ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ، انْسُبْ قِيمَةَ الْجَيِّدِ إِلَيْهَا بِثُلُثِهَا، فَيَصِحُّ بَيْعُ ثُلُثَيِ الْجَيِّدِ بِثُلُثَيِ الرَّدِيءِ، وَبَطَلَ فِيمَا عَدَاهُ.
فَرْعٌ: لَوْ حَابَا فِي إِقَالَةٍ فِي سَلَمٍ كَمَنْ أَسْلَفَ عَشْرَةً فِي كَرِّ حِنْطَةٍ ثُمَّ أَقَالَهُ فِي مَرَضِهِ وَقِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ - تَعَيَّنَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ لِإِمْضَاءِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ بِزِيَادَةٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
(وَإِنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ) - فَيَدْخُلُهَا الدَّوْرُ، فَنَقُولُ: (لَهَا خَمْسَةٌ بِالصَّدَاقِ) ؛ لِأَنَّهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، (وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ) ؛ لِأَنَّهَا كَالْوَصِيَّةِ، وَيَبْقَى لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ، (رَجَعَ إِلَيْهِ نِصْفُ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا) ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَرِثُ نِصْفَ مَا لِامْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفُ إِلَّا نِصْفَ شَيْءٍ) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ وَوَرِثَ اثْنَيْنِ وَنِصْفَ شَيْءٍ (يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ مِثْلَا مَا اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ بِالْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ، (اجْبُرْهَا بِنِصْفِ شَيْءٍ) لِتَعْلَمَ، (وَقَابِلْ) أَيْ يُزَادُ عَلَى الشَّيْئَيْنِ نِصْفُ شَيْءٍ، فَلْيُقَابِلْ ذَلِكَ النِّصْفُ الْمُرَادُ، أَيْ يَبْقَى سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا،

الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ وَسَقَطَتِ الْمُحَابَاةُ، وَعَنْهُ: تَعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رُجِعَ عَنْهُ.

فَصْلٌ وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ - عُتِقَ وَلَمْ يَرِثْهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَهُ كَانَ إِقْرَارُهُ لِوَارِثٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ لَوِ اشْتَرَى

[المبدع في شرح المقنع]

(يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ) ؛ لِأَنَّ لَهُمْ شَيْئَيْنِ، (وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، رَجَعَ إِلَى وَرَثَتِهِ نِصْفُهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، وَالطَّرِيقَةُ فِي هَذَا أَنْ نَنْظُرَ مَا بَقِيَ فِي يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، فَخُمُسَاهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتِ الْمُحَابَاةُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا، وَالشَّيْءُ هُوَ خُمُسَاهَا، وَإِنْ شِئْتَ أَسْقَطْتَ خُمُسَهُ، وَأَخَذْتَ نِصْفَ مَا بَقِيَ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ) ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، (وَسَقَطَتِ الْمُحَابَاةُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي الْمَرَضِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ، فَعَلَيْهِ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ وَارِثَةٍ كَالْكَافِرَةِ لَمْ تَسْقُطِ الْمُحَابَاةُ؛ لِعَدَمِ الْإِرْثِ، وَحِينَئِذٍ فَلَهَا مَهْرُهَا وَثُلُثُ مَا حَابَاهَا بِهِ، (وَعَنْهُ: تُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ لِمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهَا الصَّدَقَةُ، فَاعْتُبِرَتْ مِنَ الثُّلُثِ كَمُحَابَاةِ الْأَجْنَبِيِّ، (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ) ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ الْمُحَابَاةُ إِنْ لَمْ يُجِزْهَا بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ الْمُسَمَّى وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: مَهْرُهَا وَرُبُعُ الْبَاقِي، وَقِيلَ: بَلْ ثُلُثُ الْمُحَابَاةِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ مَنْ يَرِثُهُ فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ مَرِيضَةً بِدُونِ مَهْرِهَا فَهَلْ لَهَا مَا نَقَصَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

[فَصْلٌ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ]

فَصْلٌ (وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ عُتِقَ) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ بِذَلِكَ كَالصَّحِيحِ، (وَلَمْ يَرِثْهُ، ذِكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ) وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ أَقْيَسُ؛ (لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَهُ كَانَ إِقْرَارُهُ لِوَارِثٍ) ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ لِوَارِثٍ، وَعَلَّلَهُ الْخَبَرِيُّ بِأَنَّ عِتْقَهُمْ وَصِيَّةٌ، فَلَا يُجْمَعُ لَهُمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا وَرِثُوا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِذَا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بَطَلَ الْعِتْقُ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُمْ إِلَى إِسْقَاطِ تَوْرِيثِهِمْ، وَقِيلَ: يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْإِقْرَارِ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، فَوَجَبَ أَنْ يَرِثَ كَمَا لَوْ لَمْ يَصِرْ

ذَا رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ وَارِثُهُ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ، فَقَبِلَهُ فِي مَرَضِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَقُ وَيَرِثُ، وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْهُ عَلَى قِيَاسِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَرِثُهُ وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقَهَا

[المبدع في شرح المقنع]

وَارِثًا، (وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ لَوِ اشْتَرَى ذَا رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ) - أَيْ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ (فِي مَرَضِهِ، وَهُوَ وَارِثُهُ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ فَقَبِلَهُ فِي مَرَضِهِ) ، أَيْ يُعْتَقْ وَلَا يَرْثِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، (وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَقُ وَيَرِثُ) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَ ابْنَ عَمِّهِ عتقا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَوَرِثَا؛ لِأَنَّهُ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ لَيْسَ بِقَاتِلٍ وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِهِ، وَلَا يَكُونُ عِتْقُهُمْ وَصِيَّةً، وَقِيلَ: يُعْتَقُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَإِلَّا عُتِقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، فَلَوْ دَبَّرَ ابْنَ عَمِّهِ عُتِقَ وَلَمْ يَرِثْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ فِي آخِرِ حَيَاتِي عُتِقَ، وَالْأَشْهُرُ: يَرِثُ، وَلَيْسَ عِتْقُهُ وَصِيَّةً، وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِمَوْتِ قَرِيبِهِ لَمْ يَرِثْهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَى مَرِيضٌ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى وَارِثِهِ صَحَّ، وَعُتِقَ عَلَى الْوَارِثِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ وَصَّى بِعِتْقِ بَعْضِ عَبْدٍ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ وَبَقِيَّتُهُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَثُلُثُهِ يُحْمَلُ كُلُّهُ - كَمُلَ عِتْقُهُ وَأَخَذَ الشَّرِيكُ حَقَّهُ، وَعَنْهُ: لَا سِرَايَةَ فِيهِنَّ، وَهُوَ أَوْلَى، وَفِي اسْتِسْعَائِهِ لِلشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ: السِّرَايَةُ فِي الْمُنْجَزِ فَقَطْ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَإِنِ اشْتَرَى الْمَدْيُونُ ذَا رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيلَ: بَلَى وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ، وَلَوِ اتُّهِبَ عَبْدُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقُلْنَا: يَصِحُّ قَبُولُهُ بِدُونِ إِذْنِهِ عُتِقَ عَلَى سَيِّدِهِ (وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْهُ عَلَى قِيَاسِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ إِرْثَهَا يُفْضِي إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَإِبْطَالُ عِتْقِهَا يُبْطِلُ تَوْرِيثَهَا، (وَقَالَ الْقَاضِي: يَرِثُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَصِيَّةٌ بِمَا لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ لِلْوَارِثِ كَالْعَفْوِ عَنِ الْعَمْدِ فِي مَرَضِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ مِيرَاثُهُ، وَلَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ ابْنَ عَمِّهِ أَوِ اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا فِي صِحَّتِهِ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَتَرِثُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، (وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقَهَا مِائَتَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا وَهِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا ثُمَّ مَاتَ - صَحَّ الْعِتْقُ)

مِائَتَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، وَهِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا، ثُمَّ مَاتَ - صَحَّ الْعِتْقُ وَلَمْ يُسْتَحَقَّ الصَّدَاقُ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا ثُمَّ يَبْطُلُ صَدَاقُهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالنِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ، (وَلَمْ يُسْتَحَقَّ الصَّدَاقُ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا ثُمَّ يَبْطُلُ صَدَاقُهَا) وَوَجْهُهُ أَنَّهَا إِذَا اسْتَحَقَّتِ الصَّدَاقَ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سِوَى قِيمَةِ الْأَمَةِ الْمُقَدَّرِ بَقَاؤُهَا، فَلَا يُنَفَّذُ الْعِتْقُ فِي كُلِّهَا؛ لِكَوْنِ الْإِنْسَانِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَرَضِهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ، وَإِذَا بَطَلَ الْعِتْقُ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِذَا بَطَلَ النِّكَاحُ بَطَلَ الصَّدَاقُ، (وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ الْمِائَتَيْنِ) وَتُعْتَقُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَصِيَّةٌ لَهَا، وَهِيَ غَيْرُ وَارِثِهِ، وَالصَّدَاقُ اسْتَحَقَّتْهُ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهِيَ تُنَفَّذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَجْنَبِيَّةً وَأَصْدَقَهَا الْمِائَتَيْنِ، وَفِي إِرْثِهَا الْخِلَافُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْعِتْقِ وَاسْتِحْقَاقِ الصَّدَاقِ جَمِيعًا؛ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْعِتْقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَا خِلَافَ فِي فَسَادِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَصْدَقَ الْمِائَتَيْنِ أَجْنَبِيَّةٌ صَحَّ وَبَطَلَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، وَحَالَةَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَتِ الْمِائَتَانِ قَبْلَ مَوْتِهِ عُتِقَ مِنْهَا الثُّلُثَ فَقَطْ.
فَرْعٌ: لَوْ أَعْتَقَ أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا آخَرَ تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ وَيَسْقُطُ مَهْرُهَا إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَمَهْرُهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا عُتِقَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا وَيُرَقُّ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهَا، وَحِسَابُهَا أَنْ نَقُولَ: عُتِقَ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَهَا بِصَدَاقِهَا نِصْفُ شَيْءٍ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَتَجْمَعُهُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ وَنِصْفًا، تَبْسُطُهَا تَكُنْ سَبْعَةً.
مَسْأَلَةٌ: مَرِيضَةٌ أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، وَتَزَوَّجَهَا بِعَشَرَةٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ مِائَةً، فَمُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنْ تَضُمَّ الْعَشَرَةَ إِلَى الْمِائَةِ، فَتَكُونَ التَّرِكَةُ وَيَرِثُ نِصْفَ ذَلِكَ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُحْسَبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَيْضًا، وَيُضَمُّ إِلَى التَّرِكَةِ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ سِتُّونَ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرِثُ شَيْئًا وَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَشَرَةِ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ إِعْتَاقُهُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.

الْمِائَتَيْنِ.

وَإِنْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَلَا يُعْتَقُ، فَإِذَا مَاتَ عُتِقَ عَلَى الْوَارِثِ إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي حَيَاتِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَائِدَةٌ: وَهَبَ أَمَةً حُرِّمَ عَلَى الْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا حَتَّى تَبْرَأَ أَوْ تَمُوتَ، وَفِي " الْخِلَافِ ": لَهُ التَّصَرُّفُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": وَالْوَطْءُ.

[تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ]

(وَإِنْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ) فِي مَرَضِهِ (ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ) وَلَهُ ابْنٌ (فَقَالَ الْقَاضِي) وَمُتَابِعُوهُ (يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَلَا يُعْتَقُ) الْأَبُ فِي الْحَالِ إِذَا اعْتَبَرْنَا عِتْقَهُ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِكَوْنِهِ اشْتَرَاهُ بِمَالٍ هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْوَرَثَةِ بِتَقْدِيرِ مَوْتِهِ؛ وَلِأَنَّ تَبَرُّعَ الْمَرِيضِ إِنَّمَا يُنَفَّذُ مِنَ الثُّلُثِ، وَيُقَدَّمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْءٌ، وَلَوِ اشْتَرَى أَبَاهُ بِمَالِهِ وَهُوَ تِسْعَةُ دَنَانِيرَ وَقِيمَتُهُ سِتَّةٌ، فَقَالَ الْمَجْدُ: عِنْدِي تُنَفَّذُ الْمُحَابَاةُ؛ لِسَبْقِهَا الْعِتْقَ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَحَاصَّانِ هُنَا، فَيُنَفَّذُ ثُلُثُ الثُّلُثِ لِلْبَائِعِ مُحَابَاةً، وَثُلُثَاهُ لِلْمُشْتَرِي عِتْقًا، فَيُعْتَقُ بِهِ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ دِينَارَيْنِ، وَيَكُونُ ثُلُثَا الْمُشْتَرِي مَعَ الدِّينَارَيْنِ مِيرَاثًا (فَإِذَا مَاتَ) الْمُشْتَرِي (عُتِقَ عَلَى الْوَارِثِ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ (إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ) كَالْأَوْلَادِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُعْتَقُ عَلَى أَوْلَادِ ابْنِهِ (وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي حَيَاتِهِ) ؛ إِذْ شَرْطُ الْإِرْثِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِ الْقَاضِي وَهُوَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الشِّرَاءَ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ، يُعْتَقُ الْأَبُ وَيُنَفَّذُ مِنَ التَّبَرُّعِ قَدْرَ ثُلُثِ الْمَالِ حَالَ الْمَوْتِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ سُدُسُهُ وَبَاقِيهِ لِلْوَارِثِ.
فَرْعٌ: مَنْ وَهَبَ لَهُ أَبُوهُ اسْتُحِبَّ لَهُ قَبُولُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، فَإِنْ قَبِلَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَوَرِثَ، وَإِنْ وَهَبَ لِمُكَاتَبِهِ أَبُوهُ فَلَهُ قَبُولُهُ وَيُعْتَقُ بِعِتْقِهِ.

كِتَابُ الْوَصَايَا وَهِيَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْوَصَايَا]

[تَعْرِيفُ الوصايا]

وَهِيَ جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَالْعَطَايَا جَمْعِ عَطِيَّةٍ، وَالْعَرَايَا جَمْعِ عَرِيَّةٍ، فَالْوَصِيَّةُ فَعِيلَةٌ، وَالْيَاءُ السَّاكِنَةُ بَعْدَ الصَّادِ زَائِدَةٌ لِلْمَدِّ، وَالْيَاءُ الْمُتَحَرِّكَةُ بَعْدَهَا لَامُ الْكَلِمَةِ، وَأُدْغِمَتْ، وَالتَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وَأَصْلُهُ وَصَائِي بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْمَدِّ، تَلِيهَا يَاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ، فُتِحَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةُ الْعَارِضَةُ فِي الْجَمْعِ، وَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَصَارَ وَصَاءَا، فَكَرِهُوا اجْتِمَاعَ أَلِفَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ، فَقَلَبُوهَا يَاءً، فَصَارَ وَصَايَا، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ وَزْنَهُ فَعَالَى، وَإِنَّ جَمْعَ الْمُعْتَلِّ خِلَافُ جَمْعِ الصَّحِيحِ، لَكَانَ حَسَنًا، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا وَصَلْتُهُ، فَالْمُوصِي وَصَلَ مَا كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 180] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] ؛ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ، لِيَجْعَلَهَا لَكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
(وَهِيَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ) فَهِيَ لُغَةً عِبَارَةٌ عَنِ الْأَمْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

وَتَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا

[المبدع في شرح المقنع]

﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] ، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151] وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، أَيْ: آمُرُكُمْ، فَقَوْلُهُ: هِيَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ إِلَى آخِرِهِ بَيَانٌ لِأَحَدِ نَوْعَيِ الْوَصِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ يُوصِيَ إِلَى إِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، أَوْ يُفَرِّقَ ثُلُثَ مَالِهِ، وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ أَخْرَجَ الْوَكَالَةَ، وَقَدْ أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ، وَوَصَّى بِهَا إِلَى أَهْلِ الشُّورَى، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَيُنْفِقُ عَلَى أَيْتَامِهِمْ مِنْ مَالِهِ (وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ) هَذَا بَيَانُ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْهَا، وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ أَخْرَجَ الْهِبَةَ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هِيَ التَّبَرُّعُ بِمَالٍ يَقِفُ نُفُوذُهُ عَلَى خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْعَطِيَّةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَصِيَّةً لِمُخَالَفَتِهَا لَهَا فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَفِي حَدِّهِ اخْتِلَالٌ مِنْ أَوْجُهٍ.
وَقَدْ يُعْتَرَضُ أَيْضًا بِأَنَّهَا: قَدْ تَكُونُ بِحَقٍّ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ بِمَالٍ.
قَوْلُهُ بِالْمَالِ، أَيْ بِجُزْءٍ مِنْهُ، وَقَدْ تَكُونُ بِكُلِّهِ، وَيُجِيزُهُ الْوَارِثُ.
وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْمُوصِي، وَالْمُوصَى لَهُ، وَالْمُوصَى بِهِ، وَالصِّيغَةُ، وَهِيَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَلَوْ قَالَ: هَذَا لِفُلَانٍ، فَهُوَ إِقْرَارٌ، وَلَيْسَ بِوَصِيَّةٍ إِلَّا أَنْ يَتَوَافَقَا عَلَى إِرَادَةِ الْوَصِيَّةِ، فَيَصِحُّ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا مِنْ مَالِي لِفُلَانٍ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مَعَ التَّعْيِينِ، فَلَوْ أَوْصَى لِمَسْجِدٍ، أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَبُولٍ.

[مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ]

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ (مِنَ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا) لِأَنَّ هِبَتَهُمْ صَحِيحَةٌ، فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ، وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يُعَايِنِ الْمَوْتَ، قَالَهُ فِي الْكَافِي؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ قَوْلٌ، وَظَاهِرُهُ فِي الْكَافِرِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلَا لِمَالِهِ.
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْعَبْدِ إِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ أَوْ عُتِقَ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهَا، وَالْحَاصِلُ: أَنَّهَا تَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ مُطْلَقًا، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي هَذَا، وَالضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ إِنْ مَنَعَ ذَلِكَ رُشْدَهُ فِي مَالِهِ، فَهُوَ كَالسَّفِيهِ، وَإِلَّا

وَمِنَ السَّفِيهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ.

وَلَا تَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا رِوَايَتَانِ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عَاقِلٍ كَالطِّفْلِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَكَالْعَاقِلِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، (وَ) تَصِحُّ (مِنَ السَّفِيهِ) بِمَالٍ، لَا عَلَى أَوْلَادِهِ (فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ.
قَالَ الْخَبَرِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَجَرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا إِضَاعَةٌ لِمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ عَاشَ كَانَ مَالُهُ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ فَلَهُ ثَوَابُهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ كَالْهِبَةِ، وَالْأَوَّلُ نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ بِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّتْ مِنْهُ كَعِبَادَتِهِ.
(وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ) نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَحَنْبَلٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّتِهَا، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ صَبِيًّا مِنْ غَسَّانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ أَوْصَى لِأَخْوَالٍ لَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ.
وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُنْكِرْ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَهُ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ، وَلَا أُخْرَاهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَالْعِتْقِ الْمُنْجَزِ، فَإِنَّهُ تَفْوِيتٌ لِمَالِهِ، وَقَيَّدَهُ الْخِرَقِيُّ إِذَا وَافَقَ الْحَقَّ، وَهُوَ مُرَادٌ فِي جَمِيعِ الْوَصَايَا.

[مَنْ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ]

(وَلَا تَصِحُّ مِمَّنْ دُونَ السَّبْعِ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَمْيِيزَ لَهُ، وَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، وَلَا إِسْلَامُهُ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ لِسَبْعٍ، كَعِبَادَتِهِ (وَفِيمَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ (رِوَايَتَانِ) أَقْيَسُهُمَا: أَنَّهَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ، فَيَصِحُّ إِسْلَامُهُ، وَيُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَتَصِحُّ مِنْهُ، كَمَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفُ الرَّأْيِ، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَهُوَ

وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ، وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ، وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

ظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّهُ لَا يُقَيَّدُ بِسِنٍّ، بَلْ إِذَا عَقَلَ تَصِحُّ مِنْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْمَنْصُوصِ، وَعَنْهُ إِذَا بَلَغَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهِيَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ كَالْهِبَةِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَهَذَا فِي الصَّبِيِّ، وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ.
(وَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عَاقِلٍ كَالطِّفْلِ) وَهُوَ مَنْ لَهُ سِتُّ سِنِينَ فَمَا دُونَهَا (وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ فِيهِمَا، وَفِي الْمُغْنِي لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِخِلَافِهِ إِلَّا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إِذَا وَافَقَتِ الْحَقَّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا، وَلَا تَصَرُّفِهِمَا، فَالْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَصِحَّ إِسْلَامُهُ، وَصَلَاتُهُ الَّتِي هِيَ مَحْضُ نَفْعٍ، وَلَا ضَرَرَ فِيهَا، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ بَذْلُهُ لِمَالٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَارِثُهُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ يُجَنُّ فِي الْأَحْيَانِ، فَأَوْصَى حَالَ إِفَاقَتِهِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعُقَلَاءِ فِي شَهَادَتِهِ، وَوُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ (وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَطَلَاقُهُ إِنَّمَا وَقَعَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ؛ لِارْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى طَلَاقِهِ.
(وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ) أَيْ: إِذَا فُهِمَتْ؛ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي طَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ، فَلَا حُكْمَ لَهَا (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مَنِ اعْتَقَلَ لِسَانُهُ بِهَا) أَيْ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ، وَكَالْقَادِرِ عَلَى الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ كَالْأَخْرَسِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى وَهُوَ قَاعِدٌ،

تَصِحُّ وَصِيَّةُ مَنِ اعْتَقَلَ لِسَانُهُ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَإِنْ وُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ بِخَطِّهِ، صَحَّتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهَا.

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقْعُدُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا إِذَا اتَّصَلَ بِاعْتِقَالِ لِسَانِهِ الْمَوْتُ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ (وَإِنْ وُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ بِخَطِّهِ) الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ وَارِثِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ (صَحَّتْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِيهِ: وَعُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ يُقْبَلُ مَا فِيهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ» الْخَبَرَ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَهَادَةً، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يُتَسَامَحُ فِيهَا، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ وَغَيْرِهِ، فَجَازَ أَنْ يُتَسَامَحَ فِيهَا بِقَبُولِ الْخَطِّ كَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَكِتَابَةِ الطَّلَاقِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا بِمَا فِيهَا) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهِيَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ بِالشَّهَادَةِ فَكَذَا هُنَا، وَأَبْلَغُ مِنْهُ الْحَاكِمُ، فَلَوْ كَتَبَهَا وَخَتَمَهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، كَكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَفِيهَا رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا الْخِرَقِيُّ، وَهِيَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْبَصْرَةِ وَقُضَاتُهَا، وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ بِكُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عُمَّالِهِ وَأُمَرَائِهِ فِي أَمْرِ وِلَايَتِهِ، وَأَحْكَامِهِ، وَسُنَنِهِ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ إِلَى عُمَّالِهِمْ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاءُ وَالْفُرُوجُ وَالْأَمْوَالُ مَخْتُومَةً، لَا يَعْلَمُ حَامِلُهَا مَا فِيهَا، وَأَمْضَوْهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْمَنْعِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ رِوَايَةً مِنَ الْأُخْرَى، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُعْلَمُ رُجُوعُهُ عَنْهَا، وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ، وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لَهَا، وَأَحْفَظُ لِمَا فِيهَا، وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ، وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ

فَصْلٌ وَالْوَصِيَّةُ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا، وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ بِخُمْسِ مَالِهِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، أَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ، وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] .

[حُكْمُ الْوَصِيَّةِ وَالْقَدْرُ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ]

فَصْلٌ (وَالْوَصِيَّةُ) لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَعَنْهُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَفِي الْمَرَضِ مِنَ الثُّلُثِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ الْعَطِيَّةُ الْمُنْجَزَةُ، تَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ إِذَا لَمْ يَحْمِلْهُمَا الثُّلُثُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا الثُّلُثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهِيَ (مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] نُسِخَ الْوُجُوبُ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنَ التَّرْكِ بَقِيَ الرُّجْحَانُ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَكَ وَأُزَكِّيَكَ» لَكِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ وَاجِبٌ غَيْرُهُ، وَعَنْهُ تَجِبُ لِكُلِّ قَرِيبٍ غَيْرِ وَارِثٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي التَّبْصِرَةِ عَنْهُ: وَلِلْمَسَاكِينِ، وَوَجْهِ الْبِرِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ تَرْكَ الْخَيْرِ، وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَلِقَوْلِهِ: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ» . الْخَبَرَ (وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ) وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا أَنَّهَا تُسَنُّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَعَنْهُ: عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ،

إِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ، فَأَمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا تَرَكَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا يُوصِي، وَقَالَ: مَنْ تَرَكَ سِتِّينَ دِينَارًا مَا تَرَكَ خَيْرًا، وَعَنْ طَاوُسٍ: هُوَ ثَمَانُونَ دِينَارًا، وَعَنِ النَّخَعِيِّ: أَلْفٌ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لَا يَفْضُلُ عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ لَمْ تُسْتَحَبَّ الْوَصِيَّةُ، لِمَا عَلَّلَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَعَلَيْهِ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَحَاجَتِهِمْ، فَلَا يُتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنَ الْمَالِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ مَعَ غِنَاهُ عُرْفًا، وَقِيلَ: الْغَنِيُّ عُرْفًا: مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَالْأَدْنَى مَنْ لَهُ دُونَهَا (بِخُمْسِ مَالِهِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ السَّلَفِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] ؛ وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: أُوصِي إِلَى أَنْ أَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ: أَيُّ الْوَصِيَّةِ أَعْدَلُ، فَمَا تَتَابَعُوا عَلَيْهِ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ فَتَتَابَعُوا عَلَى الْخُمْسِ، وَقِيلَ: بِالثُّلُثِ لِلْخَبَرِ، وَفِي الْإِفْصَاحِ: يُسْتَحَبُّ بِدُونِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ بِخُمْسِهِ الْمُتَوَسِّطَ، وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ فَوْقَ أَلْفٍ إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَلْفَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْصَى بِالْخُمْسِ، وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَبِالرُّبُعِ وَالثُّلُثِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ وَصِيَّتَهُ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَإِنْ وَصَّى لِغَيْرِهِمْ وَتَرَكَهُمْ، صَحَّتْ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ مَنْ تَرَكَ خَيْرًا، وَهُوَ الْفَقِيرُ (إِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ) مَحَاوِيجُ، كَذَا قَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ أَقَارِبِهِ الْمَحَاوِيجِ إِلَى الْأَجَانِبِ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا مِنْ مَالٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ مَالٍ يَتْرُكُهُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنِ النَّاسِ، وَأَطْلَقَ فِي الْغُنْيَةِ اسْتِحْبَابَ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ لِقَرِيبٍ فَقِيرٍ لَا يَرِثُ، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلِمِسْكِينٍ، وَعَالَمٍ، وَدَيِّنٍ قَطَعَهُ عَنِ السَّبَبِ العذر، وَكَذَا قَيَّدَ فِي الْمُغْنِي اسْتِحْبَابَهَا لِقَرِيبٍ بِفَقْرِهِ، (فَأَمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ،

إِلَّا الثُّلُثُ وَلَا تَجُوزُ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، إِلَّا أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَهَلْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَارِثِ، فَإِذَا عُدِمَ، وَجَبَ أَنْ يَزُولَ الْمَنْعُ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ أَشْبَهَ حَالَ الصِّحَّةِ (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا الثُّلُثُ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْ يَعْقِلُ عَنْهُ، فَلَمْ تَنْفُذْ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَالِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ وَرِثَهُ زَوْجٌ، أَوْ زَوْجَةٌ وَرُدَّ، بَطَلَتْ بِقَدْرِ فَرْضِهِ مِنْ ثُلُثَيْهِ، فَيَأْخُذُ الْوَصِيُّ الثُّلُثَ، ثُمَّ ذُو الْفَرْضِ مِنْ ثُلُثَيْهِ، ثُمَّ تُتَمَّمُ الْوَصِيَّةُ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لَا تُتَمَّمُ كَوَارِثٍ بِفَرْضٍ وَرَدٍّ، وَعَلَيْهَا بَيْتُ الْمَالِ جِهَةُ مَصْلَحَةٍ لَا وَارِثٌ، وَلَوْ وَصَّى أَحَدُهُمَا لِآخَرَ فَعَلَى الْأُولَى كُلُّهُ إِرْثًا وَوَصِيَّةً، وَقِيلَ لَا تَصِحُّ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: ثُلُثُهُ وَصِيَّةٌ، ثُمَّ فَرْضُهُ، وَالْبَقِيَّةُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِذَا خَلَّفَ ذَا رَحِمٍ، أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَلَا عَصَبَةَ وَلَا مَوْلَى، فَجَائِزٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَا الرَّحِمِ إِرْثُهُ كَالْفَضْلَةِ أَوِ الصِّلَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّهَا لَا تَنْفُذُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ لَهُ وَارِثًا فِي الْجُمْلَةِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ كَذِي الْفَرْضِ الَّذِي يَحْجُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
(وَلَا تَجُوزُ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلَا لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ وَارِثٍ تَلْزَمُ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إِجَازَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ «يَقُولُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَالشِّطْرُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ عِمْرَانَ فِي الْمَمْلُوكِينَ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمُ الْمَرِيضُ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِذَا لَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، وَتَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ فَكَالْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ فِي أَنَّهَا تَصِحُّ بِالْإِجَازَةِ، وَتَبْطُلُ بِالرَّدِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ

تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا، تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ

[المبدع في شرح المقنع]

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» رَوَاهُ وَأَحْمَدُ، وأبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
    وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
    وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ، إِلَّا أَنْ يُعْطُوهُ عَطِيَّةً مُبْتَدَأَةً أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَقَالَهُ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُ لِظَاهِرِ خَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى صِحَّتِهَا فِي نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَصَحَّ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْخَبَرُ قَدْ خُصَّ بِخَبَرِ عُمَرَ، وَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الصِّحَّةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَلَوْ خَلَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا وَصِيَّةَ نَافِذَةً، أَوْ لَازِمَةً، وَنَحْوَهُمَا، أَوْ يُقَدَّرَ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، فَإِجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ، وَإِلَّا هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَوْصَى بِوَقْفِ ثُلُثِهِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تُكْرَهُ لِغَيْرِ وَارِثٍ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَتَصِحُّ وَتَلْزَمُ بِالْإِجَازَةِ، وَعَنْهُ: تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، فَتَبْطُلُ وَحْدَهَا، وَلَا يَجُوزُ لِوَارِثٍ بِثُلُثِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي التَّبْصِرَةِ: تُكْرَهُ وَتَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ بِالْإِجَازَةِ (إِلَّا أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ) كَمَنَ خَلَّفَ ابْنًا وَبِنْتًا وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَأَمَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ، فَأَوْصَى لِلِابْنِ بِالْعَبْدِ، وَلِلْبِنْتِ بِالْأَمَةِ (فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا جَمَاعَةٌ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَارَضَ الْمَرِيضُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ، أَوْ أَجْنَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِذَا كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِنْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ الْمَالِ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِجَازَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ فِي الْأَعْيَانِ غَرَضًا صَحِيحًا، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُ حَقِّهِ مِنْهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ مِنَ الْقَدْرِ، وَكَذَا، وَقَفَهُ بِالْإِجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا.
    1 - (وَإِنْ لَمْ

عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ، جازت

[المبدع في شرح المقنع]

يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَصَايَا، تَحَاصُّوا فِيهِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الْأَصْلِ، وَتَفَاوَتُوا فِي الْمِقْدَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كَمَسَائِلِ الْعَوْلِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ، وَالثَّالِثِ بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ، وَلِفِدَاءِ أَسِيرٍ بِثَلَاثِينَ، وَلِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ بِعِشْرِينَ، وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ، فَجُمِعَتِ الْوَصَايَا كُلُّهَا فَبَلَغَتْ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَنُسِبَتْ مِنْهَا الثُّلُثُ فَكَانَ ثُلُثَهَا، فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ وَصِيَّتِهِ (وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ) وَمَا فَضَلَ يُقَسَّمُ بَيْنَ سَائِرِ الْوَصَايَا عَلَى قَدْرِهَا، وَهِيَ قَوْلُ عُمَرَ، وَشُرَيْحٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْآدَمِيِّ، فَكَانَ آكَدَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ فَسْخٌ، وَهُوَ أَقْوَى بِدَلِيلِ سَرَايَتِهِ، وَنُفُوذِهِ مِنَ الْمُرَاهِقِ الْمُفْلِسِ، وَالْعَطَايَا الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ كَالْوَصَايَا فِي هَذَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَ الْوَارِثَ إِعْتَاقُهُ، وَلَمْ يُعْتَقْ إِلَّا بِإِعْتَاقِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ، أَوِ الْحَاكِمُ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَكَسْبُهُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ إِرْثٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ لَهُ، وَفِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي مُوصًى بِوَقْفِهِ، وَفِي الرَّوْضَةِ: الْمُوصَى بِعِتْقِهِ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ، وَلَهُ حُكْمُ الْمُدَبَّرِ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَسْقَطَ عَنْ وَارِثِهِ دَيْنًا، أَوْ وَصَّى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ أَسْقَطَتْ صَدَاقَهَا عَنْ زَوْجِهَا، أَوْ عَفَا عَنْ جِنَايَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْمَالِ، فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ وَصَّى لِغَرِيمِ الْوَارِثِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ هِبَةً: صَحَّ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ الْوَارِثِ، فَإِنْ قَصَدَ نَفْعَ الْوَارِثِ، لَمْ يَجُزْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ) بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَعَنْهُ، وَقَبْلَهُ فِي مَرَضِهِ، خَرَّجَهَا الْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ مِنْ إِذْنِ الشَّفِيعِ فِي الشِّرَاءِ، ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حمدان، والشيخ تَقِيِّ الدِّينِ (جَازَتْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فَجَازَتْ بِإِجَازَتِهِمْ، كَمَا تَبْطُلُ بِرَدِّهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ، أَوْ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أَنَّهَا لَا

وَإِجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا فِيهَا، فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أَبًا لِلْمُجَازِ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا، كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي، يَخْتَصُّ بِهِ عُصْبَتُهُ، وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ، صَحَّ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ هِبَةٌ، فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَمَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

تَجُوزُ لِوَارِثٍ (وَإِجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهَا إِمْضَاءٌ لِقَوْلِ الْمَوْرُوثِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّنْفِيذِ إِلَّا ذَلِكَ فَيَكْفِي لَفْظُهَا، وَهُوَ أَجَزْتُ، وَكَذَا أَمْضَيْتُ، أَوْ نَفَذْتُ، فَإِذَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا لَزِمَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَجْلِسِ (لَا تَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا فِيهَا) أَيْ: أَحْكَامُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِهِبَةٍ (فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أَبًا لِلْمُجَازِ لَهُ) كَمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ وَلَدِهِ مَعَ وُجُودِهِ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِلْأَبِ (الرُّجُوعُ فِيهِ) لِأَنَّ الْأَبَ إِنَّمَا يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَ، لَا فِيمَا وَهَبَهُ غَيْرُهُ (وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا) بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ فَأَعْتَقُوهُ نَفَذَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثِهِ، وَوَقَفَ عِتْقُ الْبَاقِي عَلَى إِجَازَتِهِمْ، فَإِنْ أَجَازُوهُ عَتَقَ جَمِيعُهُ (وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصَى) لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي هُوَ أَعْتَقَهُ (يَخْتَصُّ بِهِ عَصَبَتُهُ) كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ (وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ) كَالْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ (صَحَّ) أَيِ الْوَقْفُ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ عَلَيْهِمْ أَبُوهُمْ.
(وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ هِبَةٌ) أَخْذًا مِنْ إِطْلَاقِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَظَاهِرُهُ نَفْيُ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، فَتَكُونُ إِجَازَتُهُمُ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ، وَأَطْلَقَهُمَا أَبُو الْفَرَجِ، وَخَصَّهَا فِي الِانْتِصَارِ بِالْوَارِثِ (فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ) فَيَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ مِنَ الْقَبْضِ وَنَحْوِهِ، وَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي جَمِيعِ مَا وَصَّى بِهِ لِابْنِهِ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْعَصَبَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَالْوَقْفُ يَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي أَنَّ فِي صِحَّتِهَا بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ إِذَا قُلْنَا: هِيَ هِبَةٌ - وَجْهَيْنِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَالصِّحَّةُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَلِهَذَا قِيلَ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ هَلْ هُوَ بَاطِلٌ، أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ؟ وَقِيلَ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ، وَأَمَّا عَلَى الْبُطْلَانِ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّنْفِيذِ، وَهُوَ أَشْبَهُ، وَقَرَّرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْوَارِثَ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ، وَطَرَدَ هَذَا فِي الْأَعْيَانِ

أَوْصَى لَهُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَإِنْ أَوْصَى لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُشَاعَةِ، كَالْغَانِمِ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْوَقْفِ، وَالْمُضَارِبِ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الرِّبْحِ.
فَوَائِدُ أُخَرُ مِنْهَا: إِذَا أَوْصَى بِمَجْهُولٍ، فَأَجَازَهُ الْوَارِثُ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَنْفِيذٌ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ، فَأَجَازَ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ عَطِيَّةُ حِنْثٍ، وَإِلَّا فَلَا.
وَمِنْهَا: إِجَازَةُ الْمُفْلِسِ، فَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إِنَّهَا نَافِذَةٌ وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّنْفِيذِ، وَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ مِنَ الْوَصَايَا إِذَا أُجِيزَ هَلْ يُزَاحَمُ بِالزَّائِدِ مَا لَمْ يُجَاوِزْهُ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ ابْنُ رَجَبٍ: وَأَشْكَلَ تَوْجِيهُهُ عَلَى الْأَصْحَابِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ مَعَنَا وَصِيَّتَانِ، إِحْدَاهُمَا مُجَاوِزَةٌ لِلثُّلُثِ، وَالْأُخْرَى لَا تُجَاوِزُهُ، كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ، فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ الْمُجَاوِزَةَ لِلثُّلُثِ خَاصَّةً، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِجَازَةُ تَنْفِيذٌ، زَاحَمَ صَاحِبُ النِّصْفِ صَاحِبَ الثُّلُثِ بِنِصْفٍ كَامِلٍ، فَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ؛ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلِلْآخَرِ خُمْسَاهُ، ثُمَّ يُكْمَلُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ نِصْفُهُ بِالْإِجَازَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ عَطِيَّةٌ، فَإِنَّمَا يُزَاحِمُهُ بِثُلُثٍ خَاصَّةً إِذِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ عَطِيَّةٌ مَحْضَةٌ مِنَ الْوَرَثَةِ، لَمْ تُتَلَقَّ مِنَ الْمَيِّتِ، فَلَا تُزَاحَمُ بِهِ الْوَصَايَا، فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يُكْمَلُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثُهُ بِالْإِجَازَةِ.
1 - (وَمَنْ أَوْصَى لَهُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ) كَمَنْ أَوْصَى لِأَحَدِ إِخْوَتِهِ (فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ) بِسَبَبِ تَجَدُّدِ ابْنٍ لِلْمُوصِي (صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ) لِأَنَّ الْأَخَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِوَارِثٍ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ الْحَالُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِقَالُ إِلَى الْوَارِثِ، وَالْمُوصَى لَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الثُّلُثِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ (وَإِنْ أَوْصَى لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ) كَمَنَ أَوْصَى لِأَخِيهِ مَعَ وُجُودِ ابْنِهِ (فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا بَطَلَتْ) وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ (لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَلَوْ وَصَّى لِثَلَاثَةِ

وَلَا تَصِحُّ إِجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَجَزْتُ لِأَنَّنِي ظَنَنْتُ الْمَالَ قَلِيلًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ.
إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

إِخْوَةٍ لَهُ مُفْتَرِقِينَ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَمَاتَ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لِلْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ إِجَازَةٍ إِذَا لَمْ تَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ، جَازَتِ الْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، فَيَكُونُ لَهُمَا ثُلُثَا الْمُوصَى بَيْنَهُمَا.
فَرْعٌ: لَوْ وَصَّى لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَأَوْصَتْ لَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُمَا إِلَّا بِالْإِجَازَةِ، وَإِنْ أَوْصَى أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا جَازَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا لِيُوصِلَ إِلَيْهَا مَالَهُ بِالْوَصِيَّةِ، فَلَمْ يَنْفُذْ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا.
(وَلَا تَصِحُّ إِجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ حِينَئِذٍ، فَتَصِحُّ مِنْهُمُ الْإِجَازَةُ، وَالرَّدُّ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ) هَذَا زِيَادَةُ إِيضَاحٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَمْلِكُوهُ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَ كَالْمَرْأَةِ تُسْقِطُ مَهْرَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، وَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَقَدْ سَبَقَ.
فَرْعٌ: لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ وَالرَّدُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمُفْلِسِ، وَالسَّفِيهِ (وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ) كَمَا إِذَا كَانَتْ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ زَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ (ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَجَزْتُ؛ لِأَنَّنِي ظَنَنْتُ الْمَالَ قَلِيلًا) كَمَا إِذَا أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ، فَأَجَازَهُ الْوَارِثُ، وَكَانَ الْمَالُ سِتَّةَ آلَافٍ، فَقَالَ: ظَنَنْتُهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إِمَّا تَنْفِيذٌ أَوْ هِبَةٌ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَجْهُولِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كَذِبَهُ (وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِجَازَةِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ خَمْسَمِائَةٍ، فَكَانَتْ أَلْفًا، فَيَرْجِعُ بِخَمْسِمِائَةٍ فَيَحْصُلُ لِلْمُوصَى لَهُ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَ عَقْدًا لَهُ الْخِيَارَ فِي فَسْخِهِ فَبَطَلَ خِيَارُهُ كَمَا لَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ (إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ

كَانَ الْمُجَازُ عَيْنًا، فَقَالَ: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ.

وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إِلَّا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأَمَّا قَبُولُهُ وَرَدُّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ،

[المبدع في شرح المقنع]

بَيِّنَةٌ) تَشْهَدُ بِاعْتِرَافِهِ بِقَدْرِهِ، أَوْ يَكُونَ الْمَالُ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِذَا قُلْنَا: الْإِجَازَةُ تَنْفِيذٌ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ هِبَةٌ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فِي مِثْلِهِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي، وَالْمَجْدِ، بَنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ مَعْلُومًا لِلْمُجِيزِ أَمْ لَا، فَذَكَرَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ قَدْرًا مُسْتَوِيًا مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ: ظَنَنْتُ الْمَالَ قَلِيلًا، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ صِحَّةَ إِجَازَةِ الْمَجْهُولِ لَا تُنَافِي ثُبُوتَ الرُّجُوعِ فِيهِ إِذَا تَبَيَّنَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُجِيزِ، لَمْ يُعْلَمِ اسْتِدْرَاكًا لِظُلَامَتِهِ، كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ لِمَعْنًى، ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ، فَإِنَّ لَهُ الْعَوْدَ إِلَيْهَا، فَكَذَلِكَ هُنَا إِذَا أَجَازَ الْجُزْءَ الْمُوصَى بِهِ يَظُنُّهُ قَلِيلًا فَبَانَ كَثِيرًا، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ النِّصْفَ الْمُوصَى بِهِ مَثَلًا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، ثُمَّ بَانَ أَلْفًا، فَهُوَ إِنَّمَا أَجَازَ خَمْسِينَ لَمْ يُجِزْ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَلَا تَنْفُذُ إِجَازَتُهُ فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا جَازَ النِّصْفُ (وَإِنْ كَانَ الْمُجَازُ عَيْنًا) كَعَبْدٍ تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى الثُّلُثِ (فَقَالَ: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْلُومٌ، لَا جَهَالَةَ فِيهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَحُ بِذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ، فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ لَحِقَهُ الضَّرَرُ فِي الْإِجَازَةِ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ كَالْأُولَى، وَقِيلَ: يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجَازَ مَعْلُومٌ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُجَازُ مَبْلَغًا مَعْلُومًا، فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قِيمَتُهُ سِتَّمِائَةٍ، فَيُجِيزُ الْوَصِيَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَالَ أَلْفٌ مَثَلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سِتُّمِائَةٍ، فَيَدَّعِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَجَازَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ جَمِيعُ الْعَبْدِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَعَلَى الثَّانِي: ثُلُثَا الْعَبْدِ وَتُسْعُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ ثُلُثَ الْمَالِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَقَدْ أَجَازَ لَهُ سِتَّةً وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَا بَيْنَ الْأَلْفِ وَسِتِّمِائَةٍ الْمَظْنُونَةِ قِيمَةَ الْعَبْدِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفٌ، فَبَانَ أَكْثَرَ، قُبِلَ، وَلَيْسَ نَقْضًا لِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ، قَالَ: وَإِنْ أَجَازَ، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَصْلَ الْوَصِيَّةِ، قُبِلَ.

[لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إِلَّا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ]

(وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إِلَّا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ يُمْكِنُ الْقَبُولُ مِنْهُ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ فَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ كَالْهِبَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ، بَلْ يَحْصُلُ بِهِ وَبِمَا قَامَ مَقَامَهُ كَالْهِبَةِ

فَلَا عِبْرَةَ بِهِ فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ رَدَّهَا بَعْدَهُ، بَطَلَتْ أَيْضًا، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، أَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، ذَكَرَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْبَيْعِ، وَيَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى التَّرَاخِي كَالْفَوْرِ، وَحِينَئِذٍ الْمِلْكُ لَهُ شَرْطَانِ، الْأَوَّلُ: الْقَبُولُ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ، أَوْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ كَبَنِي تَمِيمٍ، أَوْ عَلَى مَصْلَحَةِ مَسْجِدٍ أَوْ حَجٍّ، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى قَبُولٍ، وَلَزِمَتْ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقَبُولِ مِنْهُمْ مُتَعَذَّرٌ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَيُكْتَفَى بِهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مِنَ الْمُوصَى لَهُ، كَمَنَ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِلْفُقَرَاءِ وَأَبُوهُ مِنْهُمْ، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْقَبْضِ (فَأَمَّا قَبُولُهُ وَرَدُّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ (فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ صَادَفَتِ الْمُعْطَى مَيِّتًا، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ وَهَبَ مَيِّتًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَلَا تَبْطُلُ، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ (وَإِنْ رَدَّهَا بَعْدَهُ، بَطَلَتْ أَيْضًا) لِلرَّدِّ أَحْوَالٌ: مِنْهَا: أَنْ يَرُدَّهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ، أَشْبَهَ رَدَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ إِيجَابِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْقَبُولِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَرُدَّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْقَبُولِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ فَيَصِحُّ الرَّدُّ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي حَالَةٍ يَمْلِكُ قَبُولَهُ وَأَخْذَهُ، أَشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عَنْهَا بَعْدَ الْبَيْعِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَرُدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ رَدَّهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ إِلَّا أَنْ تَرْضَى الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ، فَتَكُونَ هِبَةً مِنْهُ لَهُمْ يَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَرُدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ، فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ فِيهِ بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِيمَا كِيلَ، أَوْ وُزِنَ، دُونَ الْمُعَيَّنِ فِي الْأَشْهَرِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: يَصِحُّ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، فَكَمُتَحَجِّرٍ مَوَاتًا،

الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَإِنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ثَبَتَ الْمِلْكُ حِينَ الْقَبُولِ فِي الصَّحِيحِ، فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

أَيْ لِلْوَرَثَةِ مُطَالَبَتُهُ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنِ امْتَنَعَ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبُولِ، أَوِ الْقَبْضِ، فَالْمَرْدُودُ إِرْثٌ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ إِذَنْ إِلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِمْ، وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، فَلَهُ هِبَتُهُ وَتَمْلِيكُهُ لِوَارِثٍ وَغَيْرِهِ.
فَرْعٌ: يَحْصُلُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ رَدَدْتُ الْوَصِيَّةَ، وَكَذَا لَا أَقْبَلُهَا، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: لَا أَقْبَلُهَا فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ.
(وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، أَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَوْرُوثِ، فَيَنْتَقِلُ إِلَى الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» ، وَكَخِيَارِ الْعَيْبِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْوَارِثُ جَمَاعَةً اعْتُبِرَ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ رَدَّ بَعْضٌ وَقَبِلَ آخَرُ، وَتَرَتَّبَ عَلَى كُلٍّ حُكْمُهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ، تَقَيَّدَ وَلِيُّهُ بِفِعْلِ الْأَحَظِّ (وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَهُ بَطَلَتْ كَالْهِبَةِ (فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ) أَيْ: قَوْلِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ، فَبَطَلَ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَالشُّفْعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَحَكَى فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: الْبُطْلَانَ، عَنِ ابْنِ حَامِدٍ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ (وَإِنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ) لِلْمُوصَى لَهُ (حِينَ الْقَبُولِ فِي الصَّحِيحِ) مِنَ الْمَذْهَبِ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ، فَلَمْ يَسْبِقِ الْمِلْكَ الْقَبُولُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَالْقَبُولُ مِنْ تَمَامِ

جارٍ التحميل