المبدع في شرح المقنعصفحات 234-273

الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا.

فَصْلٌ وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ، وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا

[المبدع في شرح المقنع]

تُجْزِئُ عَنْهُمَا الْمَفْرُوضَةُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِاخْتِلَافِهِمَا كَالصَّلَاتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ، وَكَمَا لَوْ نَوَى بِطَوَافِهِ الْوَدَاعَ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ فَإِذَا تَرَكَهُ، وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ رَجَعَ حَرَامًا عَنِ النِّسَاءِ إِنْ كَانَ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَإِلَّا فَحَرَامًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.
(فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ رَجَعَ إِلَيْهِ) مَعَ إِمْكَانِهِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ أَوْ بُعْدِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ خَوْفٌ عَلَى نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا فَوَاتِ رُفْقَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ، فَإِنْ رَجَعَ الْقَرِيبُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِحْرَامٌ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ لِإِتْمَامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ بِهِ، كَرُجُوعِهِ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَالْبَعِيدُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، وَيَأْتِي بِهَا، ثُمَّ يَطُوفُ لِوَدَاعِهِ، وَلَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ إِنْ كَانَ إِلَّا مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، وَفِي سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ خِلَافٌ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الرُّجُوعُ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ فِي الْحَجِّ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَلَ إِلَى بَلْده (إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا) وَلَا فِدْيَةَ لِذَلِكَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِلنَّصِّ السَّابِقِ فِي الْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءُ مِثْلُهَا فِيمَا يَجِبُ وَيَسْقُطُ، لَكِنْ يُسَنُّ أَنْ تَقِفَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَتَدْعُو فَإِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ اغْتَسَلَتْ، وَوَدَّعَتْ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ فَمَضَتْ أَوْ مَضَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهَا دَمٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهَا الرُّجُوعُ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ الْحَضَرِ.
فَرْعٌ: إِذَا وَدَّعَ ثُمَّ أَقَامَ بِمِنًى، وَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ غَيْرَ حَاجٍّ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يُوَدِّعُ.

[الْوُقُوفُ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ]

فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ دُخُولُ الْبَيْتِ، فَيُكَبِّرُ فِي نَوَاحِيهِ، وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُو اللَّهَ - تَعَالَى - لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْحِجْرُ مِنْهُ.
مُتَجَرِّدًا مِنَ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالسِّلَاحِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ عِبَادَةٌ، وَإِذَا نُزِعَتْ ثِيَابُهَا تُصُدِّقَ بِهَا قَالَهُ أَحْمَدُ، (وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ وَقَفَ

بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ لِي بَيْتَكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي، فَازْدَدْ عَلَيَّ رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ يَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنَتْ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَأَجْمِعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

فِي الْمُلْتَزَمِ) وَذَرْعُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ (بَيْنَ الرُّكْنِ) وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، (وَالْبَابِ) أَيْ: بَابِ الْكَعْبَةِ، فَيَلْتَزِمُهُ، وَيُلْصِقُ بِهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ، وَجَمِيعَهُ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا جَاءَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلَا تَتَعَوَّذْ؛ قَالَ: نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا، وَبَسْطَهُمَا بَسْطًا، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَأْتِي الْحَطِيمَ، وَهُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ، فَيَدْعُو.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا، وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَنْصَرِفُ.
رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ فَقَالَ فِي الْتِزَامِهِ: (اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَلَيَّ رِضًا وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ) الْوَجْهُ فِيهِ ضَمُّ الْمِيمِ، وَتَشْدِيدُ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ صِيغَةُ أَمْرٍ مِنْ مَنَّ: يَمُنُّ، وَيَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْمِيمِ، وَفَتْحُ النُّونِ عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالْآنَ: الْوَقْتُ الْحَاضِرُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ (قَبْلَ أَنْ يَنْأَى) أَيْ: يَبْعُدُ (عَنْ بَيْتِكَ دَارِي فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدَلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وَهَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ

وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ وَوَقَفَتْ عِنْدَ بَابِهِ وَدَعَتْ.

وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ

[المبدع في شرح المقنع]

بِالْمَحَلِّ (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) وَأَيُّ شَيْءٍ دَعَا بِهِ فَحَسَنٌ (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ حَيْثُ اقْتُرِنَ بِهَا (إِلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ) ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ دُخُولِهِ، (وَوَقَفَتْ عِنْدَ بَابِهِ وَدَعَتْ) بِذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِهِ إِذْ لَا مَحْذُورَ مِنْ ذَلِكَ، وَلِمُسَاوَاتِهَا الرَّجُلَ فِيهِ.

[اسْتِحْبَابُ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]

(وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طُرُقٍ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مِنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَفِي رِوَايَةٍ وَصَحِبَنِي، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا، لَكِنْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا حَجَّ لِلْفَرْضِ لَمْ يَمُرَّ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ كَانَ فِي سَبِيلِ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا بَدَأَ بِالْمَدِينَةِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» . وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ تَحْصُلُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي» فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُقْتَضَاهَا التَّخْصِيصُ، وَرُوِيَ عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64] وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبِّي.
ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مَنْ طيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ

قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزِيَارَةُ قَبْرِ صَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.

فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فَأَحْرَمُ مِنْهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا عُتْبِيُّ الْحَقِ الْأَعْرَابِيَّ، وَبشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ وَيَكُونُ فِي سَلَامِهِ مُسْتَقْبِلًا لَهُ لَا لِلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهَا، وَيَجْعَلُ الْحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَدْعُو، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ، وَيَدْعُو.
وَظَاهِرُهُ قَرُبَ مِنَ الْحُجْرَةِ أَوْ بَعُدَ مِنْهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَمَسُّحَهُ بِحَائِطِ الْقَبْرِ، نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: يَدْنُو مِنْهُ، وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ يَقُومُ حِذَاءَهُ، فَيُسَلِّمُ، لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَرَخَّصَ فِي الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ (وَزِيَارَةُ قَبْرِ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ السَّلَامِ عَلَى سَيِّدِ الْبَشَرِ، يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عُمَرُ الْفَارُوقُ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا يَا صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَجِيعَيْهِ وَوَزِيرَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، اللَّهُمَّ اجْزِهِمَا عَنْ نَبِيِّهِمَا، وَعَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبَى الدَّارِ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ قَبْرِ نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْ مَسْجِدِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
أَصْلٌ: لَا تُرْفَعُ الْأَصْوَاتُ عِنْدَ حُجْرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا لَا يُرْفَعُ فَوْقَ صَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّوْقِيرِ، وَالْحُرْمَةِ كَحَيَاتِهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّ هَذَا أَدَبٌ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ.

[فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ]

ِ. مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْهُ) وَكَانَ مِيقَاتًا لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَكِّيَّ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِيهَا، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ.
(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ) ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْهُ

التَّنْعِيمِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِ، وَيَنْعَقِدُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ حَلَّ، وَهَلْ يُحِلُّ قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فصل وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

» ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: «بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» ، وَهُوَ أَدْنَى الْحِلِّ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ الْجَمْعُ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَأَفْعَالُ الْعُمْرَةِ كُلُّهَا فِي الْحَرَمِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْحَجِّ، لِافْتِقَارِهِ إِلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ، ثُمَّ الْجِعْرَانَةَ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةَ (فَإِنْ أَحْرَمُ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ لَمْ يُجْزِ) لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَيَنْعَقِدُ) إِحْرَامُهُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبِ، فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، ثُمَّ عَادَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِأَرْكَانِهَا، وَإِنَّمَا أَخَلَّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهَا، وَقَدْ جَبَرَهُ (ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَقَدْ حَلَّ) ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَيُحِلُّ بِفِعْلِ مَا ذُكِرَ كَحِلِّهِ مِنَ الْحَجِّ بِأَفْعَالِهِ، (وَهَلْ يُحِلُّ) مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصْلُهُمَا هَلِ الْحِلَاقُ أَوِ التَّقْصِيرُ نُسُكٌ فِي الْعُمْرَةِ كَالْحَجِّ، أَمْ لَا؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ، لَمْ يُحِلَّ قَبْلَهُ كَالطَّوَافِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ حَلَّ قَبْلَهُ كَالطِّيبِ.
1 - فَصْلٌ لَا يُكْرَهُ الِاعْتِمَارُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ قَالَ أَحْمَدُ: إِنْ شَاءَ كُلَّ شَهْرٍ، وَقَالَ لَا بُدَّ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ، وَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ تَكْرَارَهَا فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً، وَكَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ، وَإِنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا صَحَابِيٌّ عَلَى عَهْدِهِ سِوَى عَائِشَةَ، لَا فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
(وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) أَمَّا

فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ: الْوُقُوفُ

[المبدع في شرح المقنع]

عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعِ فَتُجْزِئُ عَنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَأَمَّا عُمْرَةُ الْقَارِنِ - وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ - لَا تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَإِتْمَامُهَمَا: الْإِتْيَانُ بِأَفْعَالِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَلَوْ كَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي قِرَانِهَا أَجْزَأَتْهَا لَمَا أَعْمَرَهَا بَعْدَهَا، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَامِلَةً، إِذْ لَا طَوَافَ فِيهَا، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ الْأَصَحُّ -: أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ لَمَّا قَرَنَتْ، وَطَافَتْ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ أَتَى بِهَا صَحِيحَةً فَأَجْزَأَتْ كَعُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ، وَلِأَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ لِلْقَارِنِ، فَأَجْزَأَتْ كَالْحَجِّ، وَأَمَّا عُمْرَةُ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِنَّمَا كَانَتْ لِتَطْيِيبِ قَلْبِهَا، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهَا، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً، لِأَمَرَهَا هُوَ بِهَا قَبْلَ سُؤَالِهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعُمْرَةَ الْمُفْرَدَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ يُجْزِئُ مِنْ مَكَّةَ، فَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ فِي حَقِّ الْمُفْرِدِ أَوْلَى.
وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَحْرَمَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَرُوِيَ: مِنْ الْجِعْرَانَةَ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ " فِي غَيْرِ سَنَةِ الْقَضَاءِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَرَّ بِهَا، أَوْ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ.

[فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ]

ِّ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ، فَجَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: مَا

وَالطَّوَافُ وَالْإِحْرَامُ وَالسَّعْيُ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّ السَّعْيَ سُنَّةٌ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنِ، وَوَاجِبَاتِهِ سَبْعَةٌ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ

[المبدع في شرح المقنع]

أَرَى لِلثَّوْرِيِّ حَدِيثًا أَشْرَفَ مِنْهُ (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ فِي شَأْنِ صَفِيَّةَ، وَأَنَّ الطَّوَافَ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ رَجَعَ مُعْتَمِرًا، نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ.
(وَعَنْهُ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ: الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ) وَقَدْ تَقَدَّمَا (والإحرام) لِحَدِيثِ «الْأَعْمَالِ» وَلِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ فَلَمْ يَتِمَّ إِلَّا بِهِ، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ، هَلْ هُوَ رُكْنٌ؟ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُحَرَّرِ ": أَوْ شَرْطٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: لَا نَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْأَصْحَابِ قَالَ بِهِ، وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مَا ظَاهِرُهُ رِوَايَةٌ بِجَوَازِ تَرْكِهِ، وَفِي " الْإِرْشَادِ " سُنَّةٌ، وَفِيهِ بُعْدٌ (وَالسَّعْيُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ أحد نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ فَكَانَ رُكْنًا فِيهِمَا كَالطَّوَافِ، (وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَأَنَّ السَّعْيَ مِنْهُ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] وَنَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهِ دَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهِ، وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ " فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " وَهَذَا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا - فَلَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ ذُو عَدَدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَكُنْ رُكْنًا كَالرَّمْيِ (وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَكَانَ، وَاجِبًا كَطَوَافِ الْوَدَاعِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ تَرَكَهُ أَجْبَرَهُ بِدَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": قَوْلُ الْقَاضِي أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَفِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ دَلِيلَ مَنْ أَوْجَبَهُ دَلَّ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ، لَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَحَدِيثُ حَبِيبَةَ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ، وَفِيهِ كَلَامٌ، ثُمَّ هُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ

بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى، وَالرَّمْيُ وَالْحِلَاقُ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ.

وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ وَفِي الْإِحْرَامِ وَالسَّعْيِ رِوَايَتَانِ، وَوَاجِبُهَا الْحِلَاقُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

مَكْتُوبٌ، وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ؛ لِأَنَّ نَاسًا تَحَرَّجُوا مِنَ السَّعْيِ لِأَجْلِ صَنَمَيْنِ كَانَا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، كَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ.
(وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ) الْمُعْتَبَرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذِكَرَ الْمَوَاقِيتَ، وَقَالَ: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِنَّ» ، (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَهَا نَهَارًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، وَجُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَوْ غَلَبَهُ نَوْمٌ بِعَرَفَةَ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، (وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ) عَلَى الْأَصَحِّ (إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مُزْدَلِفَةَ أَوَّلَ اللَّيْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِهَا مُعْظَمَ اللَّيْلَةِ، (وَالْمَبِيتُ بِمِنًى) لِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِي " الْوَاضِحِ " فِي مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمِنًى، وَلَا عُذْرَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، (وَالرَّمْيُ وَالْحِلَاقُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ) فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ الصَّدْرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ، قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَطُوفُهُ مَتَى أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى أَوْ مِنْ نَفْرٍ آخَرَ، قَالَ: فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْحَاجِّ، وَكَذَا التَّرْتِيبُ، وَاجِبٌ عَلَى الْأَصَحِّ، (وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ) كَالِاغْتِسَالِ، وَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَالدَّفْعِ مَعَ الْإِمَامِ، وَفِيهِمَا رِوَايَةٌ، وَالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا اسْتِرَاحَةٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَاجِبٌ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " يَجِبُ الرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إِذَا نَسِيَ الرَّمَلَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ، وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ، وَالْأَذْكَارُ، وَالْأَدْعِيَةُ، وَالصُّعُودُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

[أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ]

(وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ) كَالْحَجِّ، (وَفِي الْإِحْرَامِ) بِهَا، وَإِحْرَامِهَا مِنْ مِيقَاتِهَا، (وَالسَّعْيِ رِوَايَتَانِ) جَزَمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " بِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا رُكْنٌ، وَفِي " الْفُصُولِ " السَّعْيُ فِيهَا رُكْنٌ، بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِرُكْنَيْنِ كَالْحَجِّ، (وَوَاجِبُهَا الْحِلَاقُ فِي

يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

فصل بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ

[المبدع في شرح المقنع]

إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ، وَسُنَنُهَا الْغُسْلُ، وَالذِّكْرُ، وَالدُّعَاءُ.
(فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا) أَوِ النِّيَّةَ (لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ) أَيْ: لَمْ يَصِحَّ نُسُكُهُ، (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) وَلَوْ سَهْوًا (فَعَلَيْهِ دَمٌ) فَإِنْ عَدِمَهُ فَكَصَوْمِ الْمُتْعَةِ وَالْإِطْعَامِ عَنْهُ.
وَفِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: الْحِلَاقُ، وَالتَّقْصِيرُ لَا يَنُوبُ عَنْهُ: وَلَا يُحَلَّلُ إِلَّا بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، (وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: هَدَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً، فَلَمْ يَجِبْ جَبْرُهَا كَسُنَنِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَذَكَرَ فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ: وَلَمْ يُشْرَعِ الدَّمُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ جُبْرَانَ الصَّلَاةِ أَدْخَلُ فَيَتَعَدَّى إِلَى صَلَاتِهِ مِنْ صَلَاةِ غَيْرِهِ.
1 - فَصْلٌ يُعْتَبَرُ فِي أَمِيرِ الْحَاجِّ كَوْنُهُ مُطَاعًا، ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَهِدَايَةٍ، وَعَلَيْهِ جَمْعُهُمْ وَتَرْتِيبُهُمْ وَحِرَاسَتُهُمْ فِي الْمَسِيرِ وَالنُّزُولِ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ، وَالنُّصْحُ لَهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ، فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ يَلْزَمُهُ عِلْمُ خُطَبِ الْحَجِّ، وَالْعَمَلُ بِهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ جُرِّدَ مَعَهُمْ، وَجُمِعَ لَهُ مِنَ الْمُقْطَعِينَ مَا يُعِينُهُ عَلَى كُلْفَةِ الطَّرِيقِ أُبِيحَ لَهُ، وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ، وَلَهُ أَجْرُ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ، وَهَذَا كَأَخْذِ بَعْضِ الْإِقْطَاعِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْمَصَالِحِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ، وَيَلْزَمُ الْمُعْطِي بَذْلُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَشَهْرُ السِّلَاحِ عِنْدَ تَبُوكَ بِدْعَةٌ، وَلَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ ضَرْبُ الْجَمَّالِينَ، خِلَافًا لِلْأَعْمَشِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى الْفَسَقَةِ.

[بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ]

ِ، الْفَوَاتُ: مَصْدَرُ فَاتَ يَفُوتُ فَوْتًا وَفَوَاتًا، إِذَا سَبَقَ وَلَمْ يُدْرَكْ، وَالْإِحْصَارُ مَصْدَرُ أَحْصَرَهُ مَرَضًا كَانَ أَوْ عَدُوًّا، وَحَصَرَهُ أَيْضًا، حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.

وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَعَنْهُ: يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ لِعُمْرَةٍ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا،

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَصْلُ الْحَصْرِ: الْمَنْعُ، يُقَالُ: حَصَرَهُ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ فَهُوَ مُحْصَرٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ) لِعُذْرِ حَصْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ (فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) لَا خِلَافَ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يطلع الْفَجْر مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ.
قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْتُ لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
(وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ) صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " زَادَ: وَحَلْقٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَلَمْ يَنْقَلِبْ إِلَى الْآخَرِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، وَيَقْضِيهِ، فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ مَا فَاتَ وَقْتُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَفُتْ (وَعَنْهُ: يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ لِعُمْرَةٍ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي أَيُّوبَ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ: اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ فَإِنْ أَدْرَكَتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ، وَاهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ، فَمَعَهُ أَوْلَى، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْبَقَاءَ عَلَى إِحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَارِنَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ لَا تَلْزَمُهُ أَفْعَالُهَا، وَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْصُوصِ، لِوُجُوبِهَا كَمَنْذُورَةٍ.
وَعَنْهُ: لَا يَنْقَلِبُ، وَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، فَيُدْخِلُ إِحْرَامَ الْحَجِّ عَلَى الْأَوَّلَةِ فَقَطْ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَعَلَى الثَّانِيَةِ يُدْخِلُ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ وَيَصِيرُ قَارِنًا (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) إِذَا كَانَ نَفْلًا؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ

وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ إِنْ قُلْنَا عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِلَّا ذَبَحَهُ فِي عَامِهِ.
وَإِنْ أَخْطَأَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَجَّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ وَجَبَ قَضَاءُ النَّافِلَةِ، كَانَ الْحَجُّ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا) فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَتِهِ، وَتَسْمِيَتُهُ قَضَاءً بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْمَذْهَبُ لُزُومُ قَضَاءِ النَّفْلِ كَالْإِفْسَادِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَيَصِيرُ كَالْمَنْذُورِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْحَجِّ مَرَّةً فَذَاكَ الْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
1 - (وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ هَدْيٌ) صَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهَا الْمَذْهَبُ لِحَدِيثِ عَطَاءٍ: «مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ» قِيلَ: مَعَ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِي عَامِهِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنْ (يَذْبَحَهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ إِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاءٌ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حَجَّ مِنَ الشَّامِ فَقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: انْطَلِقْ إِلَى الْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ سَبْعًا، وَإِنْ كَانَ مَعَكَ هَدْيٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ إِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَاحْجُجْ، فَإِنْ وَجَدْتَ سَعَةً فَاهْدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعْتَ فَعَلَى هَذَا يَذْبَحُهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْقَضَاءِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ.
ومَحَلُّهُ: مَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَوَّلًا، فَإِنِ اشْتَرَطَ فَلَا جَزْمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِلَّا ذَبَحَهُ فِي عَامِهِ) إِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، إِذْ لَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَاقَ هَدْيًا أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْهَدْيُ: مَا اسْتَيْسَرَ كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " بَدَنَةٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَهُوَ كَالْمُعْسِرِ، وَيَجِبُ الصَّوْمُ، فَإِنْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ هَدْيًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي ذَبْحِهِ، خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا هَدْيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لَزِمَهُ هَدْيَانِ: هَدْيٌ لِلْإِحْصَارِ، وَهَدْيٌ لِلْفَوَاتِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ لَوْ كَانَ قَارِنًا، وَحَلَّ بِمَا قُلْنَا كَانَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا أَهَلَّ بِهِ مِنْ قَابِلٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُجْزِئُهُ مَا

النَّاسُ، فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ، ذَبَحَ هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ وَحَلَّ

[المبدع في شرح المقنع]

فَعَلَهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا قَضَاءُ الْحَجِّ فَقَطْ، وَيَلْزَمُهُ هَدْيَانِ لِقِرَانِهِ وَفَوَاتِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ثَالِثٌ لِلْقَضَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْفَوَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَأْمُرُوهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَدْيٍ وَاحِدٍ.
(وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) كَالثَّامِنِ وَالْعَاشِرِ (أَجْزَأَهُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يُعْرِفُ النَّاسُ فِيهِ» ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، هَلْ هو يَوْمُ عَرَفَةَ بَاطِنًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهِلَالَ اسْمٌ لِمَا يطلع فِي السَّمَاءِ، أَوْ لِمَا يَرَاهُ النَّاسُ وَيَعْلَمُونَهُ؟ وَالثَّانِي الصَّوَابُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ أَخْطَئُوا لِغَلَطٍ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ، لَمْ يُجْزِئْهُمْ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ أَنَّ الْوُقُوفَ مَرَّتَيْنِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ، فَلَوْ رَآهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ لَمْ يَنْفَرِدُوا بِالْوُقُوفِ، بَلِ الْوُقُوفُ مَعَ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ فِي " الْفُرُوعِ " يَقِفُ مَرَّتَيْنِ إِنْ وَقَفَ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا مَنْ رَآهُ (وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) وَفِي " الِانْتِصَارِ " عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " نَفَرٌ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: إِنَّ النَّفَرَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ لِهَبَّارٍ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَلَمْ يَعْذُرْهُ بِذَلِكَ.
(وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ ذَبَحَ هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ وَحَلَّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعَنِ الْمِسْوَرِ بن مخرمة، وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْحِلِّ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ شَرْعًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِحْصَارِ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَلُّوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَتْ عُمْرَةً، وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْعُمْرَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُبْهِجِ " وَ " الْفُصُولِ "؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحِلِّ " فَلَا إِشْكَالَ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، وَلَا قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: بَلْ يَكُونُ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ الْأَوَّلِ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحَلُّلِ.
فَمِنْهَا: أَنْ لَا يَجِدَ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا، فَإِنْ وَجَدَهُ لَزِمَهُ سُلُوكُهُ، وَإِنْ بَعُدَ، وَخَافَ الْفَوَاتَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَحْصُرْهُ أَحَدٌ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَحْصُرَهُ ظُلْمًا، فَيَشْمَلُ مَا إِذَا أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ، فَهُوَ كَالْمَرَضِ، وَشَمَلَ الْحَصْرَ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، كَمَا لَوْ حُصِرَ مُنْفَرِدًا بِأَنْ أَخَذَتْهُ اللُّصُوصُ أَوْ حُبِسَ وَحْدَهُ، فَلَوْ حُبِسَ بِحَقٍّ يَلْزَمُهُ، وَيُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَشَمَلَ الْعَدُوَّ الْكَافِرَ وَالْمُسْلِمَ، وَالتَّحَلُّلُ مُبَاحٌ لِحَاجَتِهِ فِي الدَّفْعِ إِلَى قِتَالٍ، أَوْ بَذْلِ مَالٍ كَثِيرٍ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَالْعَدُوُّ مُسْلِمٌ، فَفِي وُجُوبِ الْبَذْلِ وَجْهَانِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِهِ كَالزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَمَعَ كُفْرِ الْعَدُوِّ يُسْتَحَبُّ قِتَالُهُ إِنْ قَوِيَ الْمُسْلِمُونَ، وَإِلَّا فَتَرْكُهُ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ أَوْ بَدَلَهُ إِنَّ عَجَزَ عَنْهُ: وَهُوَ الصِّيَامُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَكَذَا فَعَلَ، وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، فَيَنْحَرُهُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ بِهِ وُجُوبًا فَكَأَنَّهُ كَالْحَلْقِ، يَجُوزُ لَهُ فَقَطْ فِي الْحِلِّ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَذَكَرَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ لَهُ، وَلِغَيْرِهِ فِي الْحِلِّ، وَعَنْهُ: يَنْحَرُهُ فِي الْحَرَمِ، فَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى نَحْرِهِ فِي وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فِيهِ، رُوِيَ

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ.
وَلَوْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يُحِلَّ.
وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُحْصَرِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ دُونَ

[المبدع في شرح المقنع]

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى مَنْ حَصْرُهُ خَاصٌّ، أَمَّا فِي الْعَامِّ، فَلَا، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعَذُّرِ الْحَلِّ بِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْهَدْيِ إِلَى مَحِلِّهِ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ الذَّبْحُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَقْتُ ذَبْحِهِ، وَقَيَّدَهَا فِي " الْكَافِي " مَا إِذَا سَاقَ هَدْيًا، وَفِي " الْفُرُوعِ " بِالْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَلْقُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَيْسَ بِنُسُكٍ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْإِحْرَامِ كَالرَّمْيِ، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهَا فِي " التَّعْلِيقِ " وَبَنَاهُمَا فِي " الْكَافِي " عَلَى أَنَّهُ نُسُكٌ أَوْ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، وَاشْتُرِطَتِ النِّيَّةُ هُنَا دُونَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِأَفْعَالِ النُّسُكِ فَقَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، فَيُحِلُّ مِنْهَا بِإِكْمَالِهَا، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ، بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ قَبْلَ إِتْمَامِهَا، فَافْتَقَرَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ التَّحَلُّلِ، فَلَمْ يَتَخَصَّصْ إِلَّا بِقَصْدِهِ، بِخِلَافِ الرَّمْيِ (فَإِنْ لَمْ يَجْدِ هَدْيًا) أَيْ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) بِالنِّيَّةِ كَالْهَدْيِ، وَلِأَنَّهُ دَمٌ وَاجِبٌ لِلْإِحْرَامِ، فَكَانَ لَهُ بَدَلٌ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ كَدَمِ الْمُتْعَةِ (ثُمَّ حَلَّ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُحِلُّ إِلَّا بَعْدَ الصِّيَامِ، كَمَا لَا يُحِلُّ إِلَّا بَعْدَ نَحْرِ الْهَدْيِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إِطْعَامَ فِيهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: إِنَّ عَدِمَ الْهَدْيَ مَكَانَهُ، قَوَّمَهُ طَعَامًا، وَصَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، (وَلَوْ نَوَى التَّحَلُّلُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الذَّبْحِ أَوِ الصَّوْمِ (لَمْ يُحِلَّ) وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَفْعَلَ أَحَدَهُمَا، لِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَلَمْ يُحِلَّ قَبْلَهُمَا كَمَا لَا يَتَحَلَّلُ الْقَادِرُ عَلَيْهَا قَبْلَهَا، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتُحَلُّلِهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": لَا، لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي الْعِبَادَةِ، لَكِنْ إِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ، (وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ)

الْبَيْتِ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ

[المبدع في شرح المقنع]

أَيْ: قَضَاءِ النَّفْلِ (عَلَى الْمُحْصَرِ رِوَايَتَانِ) نَقَلَ الْجَمَاعَةُ: أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الَّذِينَ صُدُّوا كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعِمِائَةً، وَالَّذِينَ اعْتَمَرُوا مَعَهُ مِنْ قَابِلٍ كَانُوا يَسِيرًا، وَلَمْ يُنْقَلُ أَنَّهُ أَمَرَ الْبَاقِينَ بِالْقَضَاءِ، وَلِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ جَازَ التَّحَلُّلُ مِنْهُ مَعَ صَلَاحِ الزَّمَانِ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ كَالصَّوْمِ، وَالثَّانِيَةُ نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ وَأَبُو طَالِبٍ: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا تَحَلَّلُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ قَضَى مِنْ قَابِلٍ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ قَبْلَ إِتْمَامِهِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَتَسْمِيَتُهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، إِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْقَضِيَّةُ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، وَلَوْ أَرَادُوا غَيْرَ ذَلِكَ لَقَالُوا: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وَتُفَارِقُ الْفَوَاتَ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَلَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَعَلَى الْخِلَافِ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَخَرَّجَ مِنْهَا فِي " الْوَاضِحِ " مِثْلَهُ فِي مَنْذُورَةٍ، وَفِي كِتَابِ " الْهَدْيِ ": لَا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ هَدْيٌ، وَلَا قَضَاءٌ، لِعَدَمِ أَمْرِ الشَّارِعِ بِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ 1 - (فَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ دُونَ الْبَيْتِ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فَسْخُ نِيَّةِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، فَمَعَهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، فَعَلَى هَذَا يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْفَسْخِ، وَعَنْهُ: حُكْمُهُ كَمَنْ مُنِعَ الْبَيْتَ، وَعَنْهُ: يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ فَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ إِذَنْ (وَمَنْ حُصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرَ الْعَدُوِّ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ يُبِيحُ التَّحَلُّلَ، لَمْ يَأْمُرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ضُبَاعَةَ بِالِاشْتِرَاطِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ الِانْتِقَالَ مِنْ حَالِهِ، وَلَا التَّخَلُّصَ مِنَ الْأَذَى الَّذِي بِهِ، بِخِلَافِ حَصْرِ الْعَدُوِّ، فَعَلَى هَذَا يَبْقَى مُحْرِمًا حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْبَيْتِ (وَإِنْ فَاتَهُ

كَمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ.
وَمِنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَكَغَيْرِ الْمَرِيضِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ بَعَثَ بِهِ لِيُذْبَحَ بِالْحَرَمِ نَصَّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمُحْصَرِ لِكَوْنِهِ يَذْبَحُهُ فِي مَوْضِعِهِ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ التَّحَلُّلُ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَعَلَّهَا أَظْهَرُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وَلِمَا رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ فَسَأَلَتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَمَّا قَالَ فَصَدَّقَاهُ.
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُ الْإِحْصَارِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَرَضِ، يُقَالُ: أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ إِحْصَارًا، فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَزَعَمَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّهُ كَلَامُ الْعَرَبِ، وَاسْتُفِيدَ حَصْرُ الْعَدُوِّ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ (كَمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ) عَلَى مَا مَضَى، يَنْحَرُ الْهَدْيَ أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ، ثُمَّ يُحِلُّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ سَائِغٌ؛ لِأَنَّ مَنْ أُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلُ فَقَدْ حَلَّ، وَيَقْضِي عَبْدٌ كَحُرٍّ، وَصَغِيرٌ كَبَالِغٍ.
مَسْأَلَةٌ: مَثَلُهُ حَائِضٌ تَعَذَّرَ مُقَامُهَا، وَحَرُمَ طَوَافُهَا، أَوْ رَجَعَتْ وَلَمْ تَطُفْ لِجَهْلِهَا بِوُجُوبِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، أَوْ لِعَجْزِهَا عَنْهُ، أَوْ لِذَهَابِ الرُّفْقَةِ، وَكَذَا مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَفِي " التَّعْلِيقِ " لَا يَتَحَلَّلُ (وَمَنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ ضُبَاعَةَ، وَلِأَنَّ لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فِي الْعِبَادَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، صُمْتُ شَهْرًا، فَيَلْزَمُ بِوُجُودِهِ، وَيَعْدَمُ بِعَدَمِهِ، (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لَا هَدْيَ، وَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكْمَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ.

فصل بَابُ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ وَلَا يُجْزِئُ

[المبدع في شرح المقنع]

فَصْلٌ إِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرَ مِنَ الْحَجِّ، ثُمَّ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ، لَزِمَهُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا، أَوْ قُلْنَا: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا وَتَحَلَّلَ مِنْهُ، قَضَاهُ فِي عَامِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: وَلَا يَتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهَا، وَقِيلَ لِلْقَاضِي: لَوْ صَارَ طَوَافُهُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ يَصِحُّ إِذَنْ حَجَّتَيْنِ فِي عَامٍ، وَلَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَرْمِي، وَيَطُوفُ وَيَسْعَى فِيهِ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِحَجَّةٍ أُخْرَى، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَيَمْضِي فِيهَا، وَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَقُولُوا بِهِ إِذَا تَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِهِ مِنْهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُقِيمَ بِمِنًى لِلرَّمْيِ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ، لِاشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ امْتِنَاعُ حَجَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ.

[بَابُ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ]

[مَا يُجْزِئُ فِي الهدي والأضحية]

بَابُ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ الْهَدْيُ: مَا أُهْدِيَ إِلَى الْحَرَمِ مِنَ النَّعَمِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: هُوَ مَا يُذْبَحُ بِمِنًى، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُهْدي إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -. وَالْأَضَاحِيُّ: جَمْعُ أُضْحِيَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، وَالضَّحَايَا جَمْعُ ضَحِيَّةٍ، وَالْأَضَاحِيُّ جَمْعُ أَضْحَاةٍ كَأَرْطَاةٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِهِ الْأُضْحِيَةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَذَكَرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ، وَثَنِيُّ الْإِبِلِ: مَا كَمُلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَمِنَ الْمَعْزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ، وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَمْلَحُ: هُوَ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، أَوِ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ، وَبَيَاضُهُ أَكْثَرُ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ.
(وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ فِي الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَتَّبَهَا عَلَى قَدْرِ الْفَضِيلَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَيُّ: النُّسُكِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتِ فَنَاقَةٌ، أَوْ بَقَرَةٌ.
قَالَتْ أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: انْحَرِي نَاقَةً، وَلِأَنَّ الْبَدَنَةَ أَكْثَرُ لَحْمًا وَثَمَنًا، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ فَكَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ بِكُلٍّ مِنْهَا، وَهُوَ فِي الْغَنَمِ إِجْمَاعًا وَالْإِبِلِ وَالْبَقْرِ وِفَاقًا، لَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، وَحْشِيًّا، لَمْ يَجُزْ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِطَائِرٍ، وَهُوَ وِفَاقٌ (وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ) لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا اللَّحْمُ، وَلَحْمُ الذَّكَرِ أَوْفَرُ وَلَحْمُ الْأُنْثَى أَرْطَبُ فَيَتَسَاوَيَانِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُصُولِ " هِيَ وَالْأَسْمَنَ، ثُمَّ الْأَغْلَى ثَمَنًا، ثُمَّ الْأَمْلَحَ، ثُمَّ الْأَصْفَرَ، ثُمَّ الْأَسْوَدَ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي الْبَيَاضُ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَكْرَهُ السَّوَادَ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّ الْكَبْشَ مِنَ الْأُضْحِيَةِ أَفْضَلُ الْغَنَمِ، وَجَذَعُ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ ثَنِيِّ الْمَعْزِ؛ لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لَحْمًا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا عَكْسَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ سُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَسَبْعُ شِيَاهٍ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ.
(وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ بِلَالٍ بِنْتُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِيهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ أُضْحِيَةً» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْهَدْيُ مِثْلُهُ، (وَهُوَ مَالَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْخِرَقِيُّ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلَتْ بَعْضَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَيْفَ يَعْرِفُونَ الضَّأْنَ إِذَا أَجْذَعَ؟ قَالُوا: لَا تَزَالُ الصُّوفَةُ قَائِمَةُ عَلَى ظَهْرِهِ مَا دَامَ حَمْلًا، فَإِذَا نَامَتِ الصُّوفَةُ عَلَى ظَهْرِهِ، عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَجْذَعَ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَهُ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى (وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَذْبَحُونَ لَهُمَا، (وَثَنِيُّ الْإِبِلِ: مَا كَمُلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ،

وَاحِدٍ، وَالْبَدَنَةُ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، سَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمُ الْقُرْبَةَ، أَوْ بَعْضُهُمْ، وَالْبَاقُونَ اللَّحْمَ.
وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَهِيَ الَّتِي انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُلْقِي ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَا كَمُلَ لَهُ سِتٌّ (وَمِنَ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ) قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَا كَمُلَ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ (وَمِنَ الْمَعْزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ) وَقَدْ سَبَقَ فِي الزَّكَاةِ، فَلَوْ كَانَ أَعْلَى سِنًّا أَجْزَأَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ يُجْزِئُ جَذَعُ إِبِلٍ، وَبَقَرٍ عَنْ وَاحِدٍ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَسَأَلَهُ حَرْبٌ أَيُجْزِئُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؟ قَالَ: يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ، وَكَأَنَّهُ سَهَّلَ فِيهِ.
(وَتُجِزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ) لِحُصُولِ الْوَفَاءِ بِهِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ وَالْمَنْصُوصِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَعِيَالِهِ، لِقَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ (وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «نَحَرْنَا بِالْحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» ، وَفِي لَفْظٍ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا» ، وَفِي لَفْظٍ: «فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ ذَبْحُهَا عَنْهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ (سَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمُ الْقُرْبَةَ أَوْ بَعْضُهُمْ وَالْبَاقُونَ اللَّحْمَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْمُجْزِئَ لَا يَنْقُصُ بِإِرَادَةِ الشَّرِيكِ غَيْرَ الْقُرْبَةِ فَجَازَ كَمَا لَوِ اخْتَلَفت جهات القرب فَأَرَادَ بَعْضُهُمُ الْمُتْعَةَ، وَالْآخَرُ الْقِرَانَ، وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ أَيْضًا إِفْرَازٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْآخَرِ: بَيْعٌ فَيُمْتَنَعُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ ذِمِّيًّا فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ قَالَهُ الْقَاضِي، فَلَوْ كَانُوا بَعْدَ الذَّبْحِ ثَمَانِيَةً ذَبَحُوا شَاةً، وَأَجْزَأَهُمْ، نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: يُجْزِئُ سَبْعَةً، وَيُرْضُونَ الثَّامِنَ، وَيُضَحِّي.
فَرْعٌ: زِيَادَةُ الْعَدَدِ فِي جِنْسِ أَفْضَلُ كَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: الْمُغَالَاةُ فِي الثَّمَنِ، وَقِيلَ: سَوَاءٌ، وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ بَدَنَتَانِ سَمِينَتَانِ بِتِسْعَةٍ، وَبَدَنَةٌ بِعَشَرَةٍ؛ قَالَ: بَدَنَتَانِ أَعْجَبُ إِلَيَّ.
1 - (وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْهَدْيِ، وَالْأَضَاحِيِّ (الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَهِيَ الَّتِي انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي، وَهِيَ الْهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ

الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي، وَهِيَ الْهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ الْغَنَمِ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَضْبَاءُ وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ

[المبدع في شرح المقنع]

فِيهَا وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ الْغَنَمِ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا) لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا فُسِّرَ بِهِ الْعَوْرَاءُ هُوَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ، إِذِ الْعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ بِهَا بَيَاضٌ لَا يَمْنَعُ النَّظَرَ، تُجْزِئُ، وَكَذَا إِنْ أَذْهَبْهُ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي، وَهِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا لِهُزَالِهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا بِفَتْحِ اللَّامِ، وَسُكُونِهَا أَيْ: بِهَا عَرَجٌ فَاحِشٌ يَمْنَعُهَا مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ لَحْمُهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ عَرَجُهَا لَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ، أَجْزَأَتْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " هِيَ الَّتِي لَا تُطِيقُ أَنْ تَبْلُغَ النُّسُكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْكَسِيرَةَ لَا تُجْزِئُ، وَذَكَرَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَيُنْقِصُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنًا أَنَّهَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنَ الصَّحِيحَةِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: هِيَ الَّتِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا، وَلَحْمَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْبَنَّا: هِيَ الْجَرْبَاءُ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ يُنَاطُ الْحُكْمُ بِفَسَادِ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ، وَلَعَلَّ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَمْيَاءَ لَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْعَوْرَاءِ، لِمَنْعِهَا مَعَ الْمَشْيِ مَعَ جِنْسِهَا، وَمُشَارَكَتِهَا لَهُنَّ فِي الْمَرْعَى، وَفِي قَائِمَةِ الْعَيْنَيْنِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا جَافَّةُ الضَّرْعِ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِنَقْصِ الْخَلْقِ، (وَ) لَا تُجْزِئُ (الْعَضْبَاءُ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ» قَالَ قَتَادَةُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: الْعَضَبُ: النِّصْفُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ،

أُذُنِهَا، أَوْ قَرْنِهَا.
وَتُكْرَهُ الْمَعِيبَةُ الْأُذُنِ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعٍ لِأَقَلِّ مِنَ النِّصْفِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَالْفَسَادُ، وَبِهِ يَتَخَصَّصُ مَفْهُومُ مَا سَبَقَ إِنْ سَلِمَ الْمَفْهُومُ، وَإِنَّ لَهُ عُمُومًا، (وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ النِّصْفُ فَأَكْثَرَ، ذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ لِلْخَبَرِ، وَعَنْهُ: الْمَانِعُ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ كَبِيرٌ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ، وَاخْتَارَ فِي " الْفُرُوعِ " الْإِجْزَاءُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ نَظَرًا فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ كُلَيْبٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يُؤْكَلُ، وَالْأُذُنُ لَا يُقْصَدُ أَكْلُهَا غَالِبًا، ثُمَّ هِيَ كَقَطْعِ الذَّنَبِ، وَأَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ.
(وَتُكْرَهُ الْمَعِيبَةُ الْأُذُنِ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعٍ لِأَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ، وَالْأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّي بِمُقَابِلَةٍ، وَلَا مُدَابِرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرَفَاءَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ لَحْمُهَا، وَلَا يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْهَا، وَفِي " الْإِرْشَادِ ": لَا يُجْزِئُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلْمَشَقَّةِ، وَالْقَرْنُ كَالْأُذُنِ.
تَنْبِيهٌ: يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ يُجْزِئُ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ فَمِنْهَا الْهَتْمَاءُ، وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ ثَنَيَاهَا مِنْ أَصْلِهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ الَّتِي سَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِهَا تُجْزِئُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا لَا تُجْزِئُ عَصْمَاءُ، وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصُ " وَنَقَلَ جَعْفَرٌ فِي الَّذِي يُقْطَعُ مِنْ أَلْيَتِهِ دُونَ الثُّلْثِ: لَا بَأْسَ بِهِ.

وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ، وَالْبَتْرَاءُ، وَالْخَصِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ: لَا تُجْزِئُ الْجَمَاءُ، وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى، فَيَطْعَنُهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ) وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ لِعَدَمِ النَّهْيِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا، (وَالْبَتْرَاءُ) الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُضَحَّى بِهَا، وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "، فَلَوْ كَانَ وَقُطِعَ، فَوَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الَّذِي قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ كَالْأَلْيَةِ: لَا تُجْزِئُ، (وَالْخَصِيَّ) بِلَا جَبٍّ ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» ، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْمَوْجُوءُ: الْمَرْضُوضُ الْخُصْيَتَانِ سَوَاءٌ قُطِعَتَا أَوْ سُلِتَا، وَلِأَنَّهُ إِذْهَاب عضو غير مُسْتَطَاب بَلْ يَطِيبُ اللَّحْمُ بِزَوَالِهِ وَيَسْمَنُ، بِخِلَافِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ، وَفَسَّرَ ابْنُ الْبَنَّا الْخَصِيَّ بِمَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ، وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ، وَنَصُّهُ: لَا يُجْزِئُ خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تُجْزِئُ الْجَمَّاءُ) كَالَّتِي ذهب أَكْثَرُ قَرْنِهَا، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ.
(وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ) لِلنَّصِّ، وَلِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى) قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَةً لِيَنْحَرَهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36] دَالٌّ عَلَيْهِ مَعَ مَا حَكَاهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] أَيْ: قِيَامًا، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا خَشِيَ عَلَيْهَا، أَنَاخَهَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: كَيْفَ شَاءَ بَارِكَةً، وَقَائِمَةً (فَيَطْعَنُهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ) بِسُكُونِ الْهَاءِ، وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ (الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ) وَلِأَنَّ عُنُقَ الْبَعِيرِ طَوِيلَةٌ، فَلَوْ طَعَنَ بِالْقُرْبِ مِنْ رَأْسِهِ لَحَصَلَ لَهُ تَعْذِيبٌ، عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ.
1 -

وَالصَّدْرِ.
وَتُذْبَحُ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلَّا مُسْلِمٌ، فَإِنْ ذَبْحَهَا بِيَدِهِ، كَانَ أَفْضَلَ، فَإِنْ لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَتُذْبَحُ الْبَقَرُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] (وَالْغَنَمُ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ذَبَحَ كَبْشَيْنِ» . وَظَاهِرُهُ: لَوْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ عَكَسَ جَازَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُوقِفُ فِي أَكْلِ الْبَعِيرِ إِذَا ذُبِحَ، وَلَمْ يُنْحَرْ (وَيَقُولُ) بَعْدَ تَوْجِيهِ الذَّبِيحَةِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ (عِنْدَ ذَلِكَ) قَالَ أَحْمَدُ: حِينَ يُحَرِّكُ يَدَهُ بِالذَّبْحِ (بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَاخْتِيرَ التَّكْبِيرُ هُنَا اقْتِدَاءً بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُتِيَ بِفِدَاءِ إِسْمَاعِيلَ (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ، وَلَكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ أَوْ مِنْ فُلَانٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَقْرَأُ وَقْتَ الذَّبْحِ (وَجَّهَتُ وَجْهِيَ) إِلَى قَوْلِ (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ عَمَّنْ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلَّا مُسْلِمٌ) ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فَلَا يَلِيهَا غَيْرُ أَهْلِ الْقُرْبِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَهَا غَيْرُهُ مِمَّنْ يُبَاحُ ذَبْحُهُ، جَازَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُ غَيْرُ الْأُضْحِيَةِ، فَكَذَا هِيَ كَالْمُسْلِمِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْكَافِرَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى مَا هُوَ قُرْبَةٌ لِلْمُسْلِمِ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، لِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَرْفُوعِ: «وَلَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إِلَّا طَاهِرٌ» وَلِتَحْرِيمِ الشُّحُومِ عَلَيْنَا فِي رِوَايَةٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ إِتْلَافِهِ.
وَعَنْهُ: فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً، وَجَزَمَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى الْقَوْلِ بِحِلِّ الشُّحُومِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا، فَلَا يَلِي الْكِتَابِيُّ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّا لَا

يَفْعَلْ، اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَهَا.
وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ قَدْرِهَا إِلَى

[المبدع في شرح المقنع]

نُسَلِّمُ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ عَلَيْنَا بِذَبْحِهِمْ، وَحَدِيثُ الْمَنْعِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُسْلِمِ إِذَنْ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً لَمْ يُشْتَرَطْ نَظَرًا لِلتَّعْيِينِ لَا تَسْمِيَة الْمُضَحَّى عَنْهُ (فَإِنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ كَانَ أَفْضَلَ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَحَرَ هَدِيَهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ ذَبْحَهُمَا بِيَدِهِ» ؛ ولِأَنَّ فِعْلَ الْقُرَبِ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ اسْتُحِبَّ أَنْ يَشْهَدَهَا) ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِفَاطِمَةَ احْضُرِي أُضْحِيَتَكِ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ، (وَ) أَوَّلُ (وَقْتِ الذَّبْحِ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ (أَوْ قَدْرِهَا) فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا مَضَى أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، دَخَلَ وَقْتَ الذَّبْحِ إِذَا مَضَى قَدْرُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ سَبَقَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَالْقُرَى مِمَّنْ يُصَلِّي الْعِيدَ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ أَجْرُهَا بِالْوَقْتِ فَتَعَلَّقُ أَوَّلُهَا بِهِ كَالصَّوْمِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ قَدْرِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: قَدْرَ الْخُطْبَةِ، أَجْزَأَهُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ مُضِيِّ الْخُطْبَةِ أَوْ قَدْرِهَا؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْمُصْرِ لَا يُضَحِّي حَتَّى يُصَلِّيَ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ مِنْهُمُ الْقَاضِي، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ، لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى» فَظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ نَفْسِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِلشَّرْحِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّقَ الْمَنْعَ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ مَعَهَا الْفَرَاغُ مِنَ الْخُطْبَةِ، وَهِيَ اخْتِيَارُهُ فِي " الْكَافِي " وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهَا كَالْجُزْءِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ ذَبْحُ الْإِمَامِ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ، يَنْحَرُ آخَرَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَاعْتَبَرَ

آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَا تُجْزِئُ فِي لَيْلَتِهِمَا فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ:

[المبدع في شرح المقنع]

الْخِرَقِيُّ أَنْ يَمْضِيَ مِنْهُ مِقْدَارُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتُهُ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ، وَقَدْ يَفْعَلُ، وَقَدْ لَا يَفْعَلُ فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهِ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ بِمَوْضِعٍ لَا يَلْزَمُهُ قَدْرُ ذَلِكَ، فَعَلَى الْخِلَافِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " هُوَ كَغَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُغْنِي " أَنْ يَكُونَ قَدْرَ صَلَاةٍ وَخُطْبَةٍ بِآيَتَيْنِ، وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ احْتِمَالًا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِمُتَوَسِّطِي النَّاسِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَيَجُوزُ فِي أَوَّلِهِمَا لِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِذَا اعْتُبِرَ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِذَا صَلَّى فِي الْمُصَلَّى، وَاسْتَخْلَفَ مَنْ صَلَّى بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ فَالْعِبْرَةُ بِالْأَسْبَقِ، فَإِنْ فَاتَ الْعِيدُ بِالزَّوَالِ، ضَحَّى إِذَنْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتْبَعُ الصَّلَاةَ قَضَاءً كَمَا يَتْبَعُهُ أَدَاءً مَا لَمْ يُؤَخَّرْ عَنْ أَيَّامِ الذَّبْحِ، فَيَتْبَعُ الْوَقْتَ ضَرُورَةً.
فَرْعٌ: إِذَا ذَبَحَ قَبْلَ وَقْتِهِ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ، وَقِيلَ: حَكْمُهُ كَأُضْحِيَةٍ (إِلَى آخَرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) قَالَ أَحْمَدُ: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُبَاحَ ذَبْحُهَا إِلَى وَقْتٍ يَحْرُمُ أَكْلُهَا فِيهِ، وَنَسْخُ أَحَدُ الْحِلَّيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ رَفْعُ الْآخَرِ، وَفِي " الْإِيضَاحِ ": وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: آخِرُهُ آخَرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَأَفْضَلُهُ أَوَّلُ يَوْمٍ، ثُمَّ مَا يَلِيهِ» ، وَخَصَّهَا ابْنُ سِيرِينَ يَوْمَ النَّحْرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا وَظِيفَةُ عِيدٍ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فِي أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهَا تَجُوزُ إِلَى الْمُحَرَّمِ.
(وَلَا تُجْزِئُ فِي لَيْلَتِهِمَا فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]

تُجْزِئُ، فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ، ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً، وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ.

وَيَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ، أَوْ تَقْلِيدِهِ، أَوْ إِشْعَارِهِ مَعَ النِّيَّةِ، وَالْأُضْحِيَةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَةٌ.
وَلَوْ نَوَى حَالَ الشِّرَاءِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، وَلَا هِبَتُهَا إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ الذَّبْحِ لَيْلًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، لَكِنَّ فِيهِ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، (وَقَالَ غَيْرُهُ) مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " (تُجْزِئُ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَصِحُّ بِهِ الرَّمْيُ، وَدَاخِلٌ فِي مُدَّةِ الذَّبْحِ، فَجَازَ فِيهِ كَالْأَيَّامِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ ذَبَحَ لَيْلًا لَمْ يُجْزِئْهُ، لَكِنْ فِي الْوَاجِبِ يَلْزَمُهُ الْبَدَلُ، وَفِي التَّطَوُّعِ مَا سَبَقَ، وَعَلَى الثَّانِي: يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَتَعَذَّرُ فِيهِ تَفْرِقَةُ اللَّحْمِ، فَتَذْهَبُ طَرَاوَتُهُ فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ (فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً) وَصَنَعَ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَذْبُوحِ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَضَاءِ كَالْأَدَاءِ، وَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ أَحَدُ مَقْصُودَيِ الْأُضْحِيَةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، (وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ) ؛ لَأَنَّ الْمُحَصِّلَ لِلْفَضِيلَةِ الزَّمَانُ، وَقَدْ فَاتَ، فَلَوْ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ لَحْمًا تَصَدَّقَ بِهِ لَا أُضْحِيَةً فِي الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ ".

[يَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ بِقَوْلِهِ هَذَا هَدْيٌ أَوْ تَقْلِيدِهِ أَوْ إِشْعَارِهِ مَعَ النِّيَّةِ]

كـ (وَيَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (أَوْ تَقْلِيدِهِ أَوْ إِشْعَارِهِ مَعَ النِّيَّةِ) وَبِهِ قَالَ: النَّوَوِيُّ وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَعَ النِّيَّةِ كَاللَّفْظِ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ دَالًّا عَلَى الْمَقْصُودِ، كَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا، وَأَذَّنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الْكَافِي " النِّيَّةَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِالْقَوْلِ (وَالْأُضْحِيَةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ) كَالْهَدْيِ وَكَالْعِتْقِ، وَكَذَا يَتَعَيَّنُ بِقَوْلِهِ هَذَا لِلَّهِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَيْهِ (وَلَوْ نَوَى حَالَ الشِّرَاءِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ

أَنْ يُبْدِلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا.
وَلَهُ رُكُوبُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ

[المبدع في شرح المقنع]

إِزَالَةٌ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ النِّيَّةُ الْمُقَارِنَةُ لِلشِّرَاءِ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَصِيرُ أُضْحِيَةً إِذَا اشْتَرَاهَا بِنِيَّتِهَا كَمَا يَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ بِالْإِشْعَارِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ ذَبْحُ هَذِهِ الشَّاةِ، ثُمَّ أَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا لِبَقَاءِ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ، ثُمَّ أَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ، وَقَدْ هَلَكَ.
(وَإِذَا تَعَيَّنَتْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا وَلَا هِبَتُهَا) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى أَنْ يُعْطَى الْجَازِرُ شَيْئًا مِنْهَا» ، فَلَأَنْ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَشْبَهَ الْعِتْقَ وَالْوَقْتَ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ، وَشِرَاءُ خَيْرٍ مِنْه، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَشْرَكَ عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ» ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فَكَذَا الْبَيْعُ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا، وَأَجَابُوا بِأَنَّهَا تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَهَا بِعَيْنِهَا، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إِبْدَالُ الْمُصْحَفِ دُونَ بَيْعِهِ، وَعَنِ الْحَدِيثِ، بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشْرَكَهُ فِيهِ قَبْلَ إِيجَابِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَاءَ بِبُدْنٍ فَاشْتَرَكَا فِي الْجَمِيعِ، أَوْ أَشْرَكَهُ فِي ثَوَابِهَا.
(إِلَّا أَنْ يُبْدِلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ " الْمُنْتَخَبِ " نَظَرًا لِمَصْلَحَةِ الْفُقَرَاءِ ، وَلِأَنَّهُ بِلَا رَيْبٍ عَدَلَ عَنِ الْمُعَيَّنِ إِلَى خَيْرٍ مِنْهُ فِي حَقِّهِ، فَجَازَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ حِقَّةً عَنْ بِنْتِ لَبُوْنٍ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِدُونِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حُرْمَتِهَا، وَلَا بِمِثْلِهَا، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَمْ يَنْقُصْ، وَحَيْثُ جَازَ بَيْعُهَا، فَهَلْ ذَلِكَ لِمَنْ يُضَحِّي كَمَا قَالَهُ الشِّيرَازِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " أَوْ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي؛ فِيهِ قَوْلَانِ، وَعَلَيْهِمَا يَشْتَرِي خَيْرًا مِنْهَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَحَكَى الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ مِثْلِهَا (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «أَهْدَى عُمَرُ نَجِيبًا فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنِّي أَهْدَيْتُ نَجِيبًا فَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْنًا؟ قَالَ: لَا انْحَرْهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ " وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَيْعِ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَوْجَبَ أُضْحِيَةً، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ،

مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ، ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا، وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَزُولُ فَعَلَى هَذَا لَوْ عَيَّنَهُ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ، وَيَمْلِكُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِمَا إِنْ أَخَذَ أَرْشَهُ، فَهَلْ هُوَ لَهُ أَوْ لِزَائِدٍ عَلَى الْقِيمَةِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَلَوْ بَانَ مُسْتَحِقًّا بَعْدَ تَعْيِينِهِ، لَزِمَهُ بَدَلُهُ، نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ كَأَرْشِ.
فَرْعٌ: إِذَا عَيَّنَهَا، ثُمَّ مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا فِيهِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ.
(وَلَهُ رُكُوبُهَا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: ارْكَبْهَا " فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(عِنْدَ الْحَاجَةِ) إِلَى ظَهْرِهَا؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَرْكَبُهَا إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ مُطْلَقًا قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ الْفُقَرَاءِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَإِنْ نَقَصَهَا الرُّكُوبُ ضَمِنَ النَّقْصَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ إِنْ رَكِبَهَا بَعْدَ الضَّرُورَةِ وَنَقَصَ، ضَمِنَ (فَإِنْ وَلَدَتْ) الْمُعَيَّنَةُ (ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا) سَوَاءٌ عَيَّنَهَا حَامِلًا أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الْبَقَرَةَ لِأُضَحِّيَ بِهَا، وَإِنَّهَا وَضَعَتْ هَذَا الْعِجْلَ فَقَالَ: لَا تَحْلُبْهَا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى فَاذْبَحْهَا وَوَلَدَهَا عَنْ سَبْعَةٍ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهُ صَارَ أُضْحِيَةً عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِأُمِّهِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ، وَلَمْ يَتَأَخَّرْ كَأُمِّهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَدْيًا، وَتَعَذَّرَ حَمْلُهُ وَسَوْقُهُ فَكَهَدْيٍ عَطِبَ (وَلَا يَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ شُرْبَ الْفَاضِلِ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا بِوَلَدِهَا فَكَانَ

وَلَدِهَا، وَيَجِزُّ صُوفَهَا وَوَبَرَهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ إِنْ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا.

وَلَا يُعْطِي الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجُلِّهَا، وَلَا يَبِيعَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

كَالرُّكُوبِ، بِخِلَافِ شُرْبِ غَيْرِ الْفَاضِلِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِلضَّرَرِ، وَيَتَعَذَّرُ بِهِ فَإِنْ شَرِبَهُ، ضَمِنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهِ (وَيَجِزُّ صُوفَهَا وَوَبَرَهَا وَيَتَصَدَّقُ بِهِ إِنْ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا) مِثْلَ كَوْنِهِ فِي زَمَنِ الرَّبِيعِ فَإِنَّهُ تَخِفُّ بِجَزِّهِ، وَتَسْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ كَمَا بَعْدَ الذَّبْحِ، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " نَدْبًا، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": يَتَصَدَّقُ بِهِ إِنْ كَانَتْ نَذْرًا.
وَظَاهِرُهُ إِذَا كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهَا لِكَوْنِهِ يَقِيهَا الْبَرْدَ أَوِ الْحَرَّ أَوْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِمَا لِقُرْبِ مُدَّةِ الذَّبْحِ، لَمْ يَجُزْ كَأَخْذِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا.

[الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ]

(وَلَا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا) قَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بدنة، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلُحُومِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَلَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ شَيْئًا مِنْهَا.
وَقَالَ: " نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِيهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ مِنْهَا لَا عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ كَالْهَدِيَّةِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي غَيْرَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ: بِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا، وَتَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَلَوْ قِيلَ بِعُمُومِهِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَانَ حَسَنًا، وَفِيهِ شَيْءٌ.
(وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ كَلَحْمِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَدْبُغَانِ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِمَا، وَيُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ (وَجُلُّهَا) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِالْجِلْدِ، فَهُوَ أَوْلَى، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِمَا لِقَوْلِهِ: (وَلَا يَبِيعُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا) هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ «وَلَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ، وَالْهَدْيِ، وَتَصَدَّقُوا، وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا» قَالَ أَحْمَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يَبِيعُهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ . وَسَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالذَّبْحِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ، وَالتَّصَدُّقُ بِثَمَنِهِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: وَيَشْتَرِي أُضْحِيَّةً، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَيَشْتَرِي بِهِ آلَةَ الْبَيْتِ كَالْغِرْبَالِ وَنَحْوِهِ، لَا مَأْكُولًا.
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ بَيْعُ جِلْدِ شَاةٍ فَقَطْ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَثَرٍ، وَنَقَلَ

ذَبَحَهَا، فَسُرِقَتْ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ذَبَحَهَا ذَابِحٌ فِي وَقْتِهَا بِغَيْرِ إِذَنٍ، أَجْزَأَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا صَاحِبُهَا، ضَمِنَهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا، فَإِنْ ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا وَأَخْرَجَ فَضْلَ الْقِيمَةِ جَازَ،

[المبدع في شرح المقنع]

جَمَاعَةٌ: لَا يَنْتَفِعُ بِمَا كَانَ وَاجِبًا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَيَتَصَدَّقُ به، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ، وَحَنْبَلٌ بِثَمَنِهِ.
وَاسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ الْجُلَّ (وَإِنْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مَا لَمْ يُفَرِّطْ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فلم تضمن بِالسَّرِقَةِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنْ فَرَّطَ، ضَمِنَ الْقِيمَةَ، يَوْمَ التَّلَفِ يصرف فِي مِثْلِهِ كَمَا يَأْتِي (وَإِنْ ذَبَحَهَا ذَابِحٌ فِي وَقْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، أَجْزَأَتْ) لِأَنَّ الذَّبْحَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ فَإِذَا فَعَلَهُ الْآخَرُ أَجْزَأَ كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ.
وَسَوَاءٌ نَوَى عَنِ النَّاذِرِ أَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ نَوَاهَا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِلَّا أَجَزَأَتْ إِنْ لَمْ يُفَرِّقِ الذَّابِحُ لَحْمَهَا (وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا) لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَ صَاحِبُهَا، وَلِإِذْنِهِ عُرْفًا أَوْ إِذْنُ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ فِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ.
فَإِنْ لَمْ تُجْزِئْ ضَمِنَ الذَّابِحُ مَا بَيْنَ كَوْنِهَا حَيَّةً إِلَى مَذْبُوحَةٍ.
ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " بِخِلَافِ مَنْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، فَذَبَحَ عَنْهُ مِنْ غَنَمِهِ، لَا تُجْزِئُ، وَعَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ يَعُودُ مِلْكًا.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ عَلَى رِوَايَةِ الْإِجْزَاءِ أَنْ يَلِيَ رَبُّهَا تَفْرِقَتَهَا، وَإِلَّا ضَمِنَ الْأَجْنَبِيُّ قِيمَةَ لَحْمٍ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) لِأَنَّهَا مِنَ الْمُتَقَوِّمَاتِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ التَّلَفِ (وَإِنْ أَتْلَفَهَا صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا) هَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ فِي ذَبْحِهَا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ الْإِيجَابِ إِلَى التَّلَفِ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ خَمْسَةً، فَغَلَتِ الْغَنَمُ، فَلَمْ يُحَصِّلْ مِثْلَهَا إِلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَزِمَهُ مِثْلُهَا، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا عَشْرَةً، رَخُصَتْ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِدُونِهِ، لَزِمَتْهُ الْعَشْرَةُ، وَالْوَجْهُ إِسْقَاطُ هَمْزَةِ " أَوْ " فَإِنْ صَحَّ ثُبُوتُهَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ الْإِيجَابِ إِلَى النَّحْرِ، وَقِيلَ: مِنَ التَّلَفِ إِلَى وُجُوبِ النَّحْرِ.
جَزَمَ بِهِ الْحُلْوَانِيُّ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ التَّلَفِ تُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (فَإِنْ ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا وَأَخْرَجَ فَضْلَ

وَيَشْتَرِي بِهِ شَاةً، أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ، اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا، وَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَإِنْ عَطَبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَصَبَغَ نَعْلَهُ الَّتِي فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَتَهُ لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ.
وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْقِيمَةِ، جَازَ، وَيَشْتَرِي بِهِ شَاةً) إِنْ أَمْكَنَ (أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ) لِأَنَّ الذَّبْحَ مَقْصُودٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ لَزِمَهُ (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا وَتَصَدَّقَ بِهِ) هَذَا وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ وَتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودَانِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا، تَعَيَّنَ الْآخَرُ (أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّقَرُّبُ بِالْإِرَاقَةِ كَانَ اللَّحْمُ، وَعَنْهُ: سَوَاءٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ (فَإِنْ تَلَفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ لَمْ يَضْمَنْهَا) صَاحِبُهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهَا أَمَانَةً فِي يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ.
فَرْعٌ: اثْنَانِ ضَحَّى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ بِأُضْحِيَّةِ الْآخَرِ غَلَطًا، أَجْزَأَتْهُمَا، وَلَا ضَمَانَ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ ضِدُّهُمَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَإِنْ عَطَبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ) قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ خَافَ عَطَبَهُ لَزِمَهُ (نَحْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَ) يُسْتَحَبُّ (صَبْغُ نَعْلِهِ الَّتِي فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَتَهُ) أَيْ: صَفْحَةَ سَنَامِهَا (لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهُ، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَإِنَّمَا مَنَعَ السَّائِقَ وَرُفْقَتَهُ مِنْ أَكْلِهَا لِئَلَّا يُقَصِّرَ فِي حِفْظِهَا، فَيُعْطِبَهَا لِيَتَنَاوَلَ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْهَا.
زَادَ فِي " الرَّوْضَةِ " وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ نَفَرِهِ، وَأَبَاحَهُ لَهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَبَاحَهُ مَالِكٌ لِرُفْقَتِهِ

تَعَيَّبَتْ ذَبَحَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ التَّعْيِينِ، كَالْفِدْيَةِ وَالْمَنْذُورِ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا.
وَهَلْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا الْعَاطِبِ وَالْمَعِيبِ؟

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِسَائِرِ النَّاسِ، لِحَدِيثِ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ صَاحِبِ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ: «ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّاسِ» فَدَلَّ عَلَى تَسْوِيَةِ الرُّفْقَةِ بِالْأَجَانِبِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنًى خاص يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ مَا يُخَالِفُهُ، وَالتَّسْوِيَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشْفِقُ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَيُحِبُّ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُوَسِّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُؤْنَتِهِ.
وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ قَدْ خَالَفَا فِي ذَلِكَ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَكَلَ مِنْهَا أَوْ أَطْعَمَ غَنِيًّا أَوْ رُفْقَتَهُ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، أَوْ أَطْعَمَ مِنْهَا فَقِيرًا.
فَرْعٌ: هَدْيُ التَّطَوُّعِ دُونَ مَحِلِّهِ إِنْ دَامَتْ نِيَّتُهُ فِيهِ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ فَسَخَهَا قَبْلَ ذَبْحِهِ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ كَبَقِيَّةِ مَالِهِ (وَإِنْ) أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً سَلِيمَةً، ثُمَّ (تَعَيَّبَتْ) عِنْدَهُ (ذَبَحَهَا وَأَجْزَأَتْهُ) . نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ جَرَّ بَقَرَةً إِلَى الْمَنْحَرِ بِقَرْنِهَا فَانْقَلَعَ كَتَعْيِينِهِ مَعِيبًا فَبَرِأَ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّي بِهِ فَأَصَابَهُ الذِّئْبُ مِنْ أَلْيَتِهِ فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنَا أَنْ نُضَحِّيَ بِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بِهَا فَلَمْ يَمْنَعِ الْإِجْزَاءَ؛ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ بِمُعَالَجَةِ الذَّبْحِ، فَلَوْ تَعَيَّبَتْ بِفِعْلِهِ، لَزِمَهُ بَدَلُهَا (إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ التَّعْيِينِ، كَالْفِدْيَةِ) مِنَ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي النُّسُكِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ (وَالْمَنْذُورُ فِي الذِّمَّةِ) فَشَمِلَ قِسْمَيْنِ: مَا وَجَبَ بِغَيْرِهِ، وَمَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ (فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا) لِأَنَّ عَلَيْهِ دَمًا سَلِيمًا، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، وَكَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ مَكِيلًا فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَعَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّتِهِ، وَيَلْزَمُهُ أَفْضَلُ مِمَّا فِي الذِّمَّةِ إِنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَفْرِيطِهِ، فَلَوْ وَلَدَتْ فَهَلْ يَتْبَعُهَا الْوَلَدُ كَمَا تَبِعَهَا ابْتِدَاءً فَيَبْطُلُ التَّعْيِينُ فِيهِ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْبُطْلَانَ فِي الْأُمِّ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهَا؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
(وَهَلْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا الْعَاطِبِ، وَالْمَعِيبِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "

عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ ضَلَّتْ، فَذَبَحَ بَدَلَهَا، ثُمَّ وَجَدَهَا.

فَصْلٌ.
سَوْقُ الْهَدْيِ مَسْنُونٌ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَيَجْمَعَ

[المبدع في شرح المقنع]

أَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ ذَلِكَ إِلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ بِتَعْيِينِهِ فَلَزِمَهُ ذَبْحُهُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِنَذْرِهِ ابْتِدَاءً.
وَالثَّانِيَةُ: لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ إِلَى مُلْكِهِ، فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَيَّنَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ عَنْهُ، عَادَ إِلَى صَاحِبِهِ، كَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةً، فَبَانَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ (وَكَذَلِكَ إِنْ ضَلَّتْ فَذَبَحَ بَدَلَهَا، ثُمَّ وَجَدَهَا) أَيْ: فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ لِلْمُسَاوَاةِ، وَالْمَذْهَبُ ذَبْحُهُ مَعَ ذَبْحِ الْوَاجِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَهَدَتْ هَدْيَيْنِ وَأَضَلَّتْهُمَا فَبَعَثَ إِلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدْيَيْنِ فَنَحَرَتْهُمَا، ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ، فَنَحَرَتْهُمَا، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا ذَبَحَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَسُرِقَ، سَقَطَ الْوَاجِبُ.
نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ لَا تَلْزَمُهُ بِدَلِيلِ تَخْلِيَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ، وَإِذَا عَطِبَتْ شَاةٌ فَذَبَحَهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، لَمْ تُجْزِئْهُ وَإِنْ رَضِيَ مَالِكُهَا، سَوَاءٌ عَوَّضَهُ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوِّضْهُ.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَبْرَأُ فِي الْهَدْيِ إِلَّا بِذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَكَّلَ، فَإِنْ ذَبَحَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ؛ فَلَوْ دَفَعَهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ سَلِيمًا، فَذَبَحُوهُ، جَازَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَرُوهُ، اسْتَرَدَّهُ مِنْهُمْ وَنَحَرَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ بِتَفْرِيطِهِ.
فَإِنْ ذَبَحَهُ وَلَمْ يَدْفَعْهُ لِلْفُقَرَاءِ، جَازَ لَهُمُ الْأَخْذُ مِنْهُ إِمَّا بِالْإِذْنِ نُطْقًا كَقَوْلِهِ: مَنِ اقْتَطَعَ.
أَوْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، كَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ.

[فَصْلٌ سَوْقُ الْهَدْيِ مَسْنُونٌ]

ٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ،

فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ.
وَيُسَنُّ إِشْعَارُ الْبَدَنَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ وَيُقَلِّدَهَا، وَيُقَلِّدَ الْغَنَمَ النَّعْلَ، وَآذَانَ الْقِرَبِ، وَالْعُرَى.

وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ، وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً

[المبدع في شرح المقنع]

فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(لَا يَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وَلِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَطَاعَةٌ، فَوَجَبَ بِهِ كَسَائِرِ نُذُرِ الطَّاعَاتِ، وَيَصِيرُ لِلْحَرَمِ، وَكَذَا إِنْ نَذَرَ سَوْقَ أُضْحِيَّةٍ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ بِهَا، وَإِنْ جَعَلَ دَرَاهِمَ فَلِلْحَرَمِ.
نَقَلَهُ الْمَرْوَذِيُّ، وَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا لِغَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ تَعَيَّنَ بِهِ ذَبْحًا، وَتَفْرِيقًا لِفُقَرَائِهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِرَاقَةُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى الْهَدْيَ إِلَّا مَا عُرِفَ بِهِ، وَنَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
(وَيُسَنُّ إِشْعَارُ الْبَدَنَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ وَيُقَلِّدَهَا) . هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُشْعَرُ الْبَقَرُ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْبُدْنِ، وَلِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، فَهُوَ كَالْكَيِّ.
وَفَائِدَتُهُ أَنَّهَا تُعْرَفُ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَيَتَوَقَّاهَا اللِّصُّ، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ يُنْقَلُ، أَوْ عُرْوَةٍ فَيَنْحَلُّ وَيُذْهَبُ.
وَالْمُرَادُ بِصَفْحَةِ السَّنَامِ: الْيُمْنَى عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ مَحِلُّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ، وَعَنْهُ: الْيُسْرَى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْعَرُ غَيْرُ السَّنَامِ، وَفِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَحْمَدَ خِلَافُهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسُوقَ حَتَّى يُشْعِرَهُ، وَيُجَلِّلَهُ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ (وَيُقَلِّدَ الْغَنَمَ النَّعْلَ وَآذَانَ الْقِرَبِ وَالْعُرَى) لِقَوْلِ عَائِشَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهَا هَدْيٌ فَسُنَّ تَقْلِيدُهَا كَالْإِبِلِ بَلْ أَوْلَى إِذْ لَيْسَ لَهَا مَا يُعْرَفُ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُشْعَرُ لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلِأَنَّهَا

أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ، أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ إِيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ بِمَوْضِعٍ سِوَاهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

ضَعِيفَةٌ، وَالشَّعَرُ يَسْتُرُ مَوْضِعَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْبُدْنُ تُشَعَّرُ وَالْغَنَمُ تُقَلَّدُ.

[نَذْرُ الْهَدْيِ الْمُطْلَقِ]

(وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا) كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَيَّ هَدْيٌ (فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي النَّذْرِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ فِي الشَّرْعِ مِنَ النِّعَمِ مَا ذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] (وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ) لِإِجْزَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ، وَلِمُوَافَقَتِهَا لَهَا اشْتِقَاقًا وَفِعْلًا.
(فَإِنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ) بِأَنْ قَالَ: هَذَا لِلَّهِ عَلَيَّ (أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا) سَلِيمًا كَانَ أَوْ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُ، فَيَبْرَأُ بِصَرْفِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ (مِنَ الْحَيَوَانِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
فَلَوْ نَذَرَ جَذَعَةً، وَأَخْرَجَ ثَنِيَّةً فَقَدْ أَحْسَنَ (وَغَيْرُهُ) سَوَاءٌ كَانَ مَنْقُولًا، أَوْ غَيْرُهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً» (وَعَلَيْهِ إِيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِأَنَّهُ سَمَّاهُ هَدْيًا فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْمُطْلَقِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمَنْقُولِ، نَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ دَرَاهِمَ هَدْيًا، فَلِلْحَرَمِ.
وَفِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الْمُفْرَدَاتِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الرِّعَايَةِ " لَهُ: يَبْعَثُ عَنِ الْمَنْقُولِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَوْ يُقَوِّمُهُ وَيَبْعَثُ الْقِيمَةَ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَنْقُولِ كَالْعَقَارِ وَنَحْوِهِ، بَاعَهُ وَبَعَثَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِمْ لِتَعَذُّرِ إِهْدَائِهِ بِعَيْنِهِ، فَانْصَرَفَ إِلَى بَدَلِهِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنِ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا، فَقَالَ: تَبِيعُهَا، وَتَصَّدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ (إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ بِمَوْضِعٍ سِوَاهُ) إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِالْأَبْوَاءِ.
قَالَ: بِهَا صَنَمٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ» ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَ أَهْلِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ إِيصَالُهُ إِلَيْهِمْ كَأَهْلِ مَكَّةَ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ بِهِ ذَبْحًا، وَيُفَرِّقُهُ لِفُقَرَائِهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ) التَّطَوُّعِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28]

يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ، وَلَا يَأْكُلَ مِنْ وَاجِبٍ إِلَّا مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَكَلَ مِنْ بُدْنِهِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَا فَرْقَ فِي الْهَدْيِ بَيْنَ مَا أَوْجَبَهُ بِالتَّعْيِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فِي ذِمَّتِهِ، وَبَيْنَ مَا ذَبَحَهُ تَطَوُّعًا، لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي أَصْلِ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا ضَمِنَ الْمَشْرُوعَ لِلصَّدَقَةِ، كَالْأُضْحِيَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ فِي الْأَكْلِ وَالتَّفْرِقَةِ، كَالْأُضْحِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا، فَحَسَنٌ، وَأَوْجَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْأَكْلَ مِنْهُ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ.
(وَلَا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ) لِأَنَّهُ وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، أَشْبَهَ جَزَاءَ الصَّيْدِ، لَكِنِ اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ: الْأَكْلَ مِنْ أُضْحِيَّةِ النَّذْرِ كَالْأُضْحِيَّةِ عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِهَا فِي الْأَصَحِّ (إِلَّا مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) . نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا صَحَّ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعْنَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَدْخَلَتْ عَائِشَةُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ حِينَ حَاضَتْ، فَصَارَتْ قَارِنَةً، ثُمَّ ذَبَحَ عَنْهُنَّ الْبَقَرَ، فَأَكَلْنَ مِنْ لَحْمِهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلَ هُوَ وَعَلِيٌّ مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُمَا دَمُ نُسُكٍ أَشْبَهَا التَّطَوُّعَ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لَا يَأْكُلُ مِنْ قِرَانٍ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ التَّمَتُّعِ عَنْهُ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: وَلَا مِنْ دَمِ مُتْعَةٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَعَنْهُ: يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ نَذْرٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لِلَّهِ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَكَفَّارَةٌ.
فَرْعٌ: مَا مَلَكَ أَكْلَهُ فَلَهُ هَدْيُهُ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ كَبَيْعِهِ وَإِتْلَافِهِ، وَيَضْمَنُهُ أَجْنَبِيٌّ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ مَنَعَ الْفُقَرَاءَ مِنْهُ حَتَّى أَنْتَنَ، فَفِي " الْفُصُولِ ": عَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَإِتْلَافِهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهُ: يَضْمَنُ نَقْصَهُ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ كُلَّ مَا ذُبِحَ بِمَكَّةَ سُمِّيَ هَدْيًا، وَمَا ذُبِحَ بِمِنًى.
وَقَدْ سِيقَ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ هَدْيٌ وَأُضْحِيَّةٌ، وَمَا اشْتَرَاهُ بِعَرَفَاتٍ، وَسَاقَهُ إِلَى مِنًى فَهُوَ هَدْيٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا مَا اشْتَرَاهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى التَّنْعِيمِ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمِنًى، وَذَبَحَهُ

فَصْلٌ.
وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ، وَذَبْحُهَا هِيَ وَالْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

بِهَا.
نَصَّ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَدْيٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ: وَمَا ذُبِحَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْحِلِّ أُضْحِيَّةٌ لَا هَدْيٌ.

[حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ]

فَصْلٌ (وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهَا، وَحَثَّ عَلَيْهَا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثٌ كُتِبْنَ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرِ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ» . فَعَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا.
وَفِيهِ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ: «مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ لَمْ يَجِبْ تَفْرِيقُ لَحْمِهَا؛ فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالْعَقِيقَةِ.
وَعَنْهُ: وَاجِبَةٌ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» ، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى حَاضِرٍ.
وَعَنْهُ فِي الْمُقِيمِ: يُضَحِّي، وَعَنْهُ: وَلِيُّهُ إِذَا كَانَ مُوسِرًا.
فَأَخَذَ مِنْهَا أَبُو الْخَطَّابِ الْوُجُوبَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ لَا الْإِيجَابِ.

الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَهَا، وَيَهْدِيَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا، فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ، وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ الصَّدَقَةَ مِنْهَا.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

أَصْلٌ: الْمُضَحِّي مُسْلِمٌ تَامٌّ مِلْكُهُ، وَلَوْ مُكَاتَبًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، إِنْ مَلَكَهَا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ مُطْلَقًا إِلَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ عَلَيْهِ وَاجِبَةً.
(وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ) كَالْهَدْيِ، وَلَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ مَنْعُهُ مِنْهُ كَالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ (وَذَبْحُهَا هِيَ وَالْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ وَاظَبُوا عَلَيْهَا، وَعَدَلُوا عَنِ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا، وَهُمْ لَا يُوَاظِبُونَ إِلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ، وَهِيَ عَنْ مَيِّتٍ أَفْضَلُ، وَيُعْمَلُ بِهَا كَأُضْحِيَّةِ الْحَيِّ.
(وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا ثُلُثٌ لَكَ وَثُلُثٌ لِأَهْلِكَ وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] فَالْقَانِعُ: السَّائِلُ، وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِكَ أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَكَ لِتُطْعِمَهُ وَلَا يَسْأَلُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ: الْقَانِعُ: الْجَالِسُ فِي بَيْتِهِ الْمُتَعَفِّفُ يَقْنَعُ بِمَا يُعْطَى، وَلَا يَسْأَلُ، وَالْمُعْتَرُّ: السَّائِلُ.
وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
فَيُقَسَّمُ أَثْلَاثًا، وَأَوْجَبَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَالْمَشْرُوعُ أَنْ يَأْكُلَ الثُّلُثَ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهَا وَأَنْ يُهْدِيَ الثُّلُثَ، وَلَوْ لِكَافِرٍ إِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا، وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لِيَتِيمٍ وَمُكَاتَبٍ.
(فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا أُوقِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ وَالْإِطْعَامِ مُطْلَقٌ، فَيَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِصَدَقَةِ الْأَقَلِّ (وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا، ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنْهَا) لِلْأَمْرِ بِالْإِطْعَامِ مِنْهَا.
فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا، وَهُوَ الْأُوقِيَّةُ، وَقِيلَ: الْعَادَةُ، وَقِيلَ: الثُّلُثُ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ، وَيَتَوَجَّهُ: لَا يَكْفِي التَّصَدُّقُ بِالْجِلْدِ وَالْقَرْنِ.

يُضَحِّيَ وَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرَتِهِ شَيْئًا.
وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: يُعْتَبَرُ تَمْلِيكُ الْفَقِيرِ، فَلَا يَكْفِي إِطْعَامُهُ، وَيَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
وَتَحْرِيمُهُ مَنْسُوخٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ: لَا فِي مَجَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الِادِّخَارِ.
(وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ) أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ (وَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرَتِهِ) وَظُفْرِهِ (شَيْئًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مَنْ شَعَرِهِ وَبَشْرَتِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» ، وَفِي لَفْظٍ «وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
(وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَلِلتَّشَبُّهِ بِالْمُحْرِمِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، وَلَا يَتْرُكُ الطِّيبَ وَاللِّبَاسَ، وَالْأَوْلَى فِيهِ أَنْ يَبْقَى كَامِلَ الْأَجْزَاءِ لِيُعْتَقَ مِنَ النَّارِ.
وَالثَّانِي: يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كُنْتُ أَفْتِلُ.
. . . الْخَبَرَ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، إِذْ لَا حُكْمَ لِلْقِيَاسِ مَعَهُ، وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ، فَيُقَدَّمُ، وَلَعَلَّهَا إِمَّا أَرَادَتْ مَا يَتَكَرَّرُ كَاللِّبَاسِ، وَهُوَ قَوْلٌ يَتَقَدَّمُ عَنِ الْفِعْلِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ فَعَلَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَيُسْتَحَبُّ الْحَلْقُ بَعْدَ الذَّبْحِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَبَائِحُ.
قَالَ

فَصْلٌ.
وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.

وَالْمَشْرُوعُ أَنْ يُذْبَحَ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ

[المبدع في شرح المقنع]

أَحْمَدُ: عَلَى مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا قَبْلَهُ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ كَالْمُحْرِمِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

[فَصْلٌ فِي الْعَقِيقَةِ]

[تَعْرِيفُ العقيقة]

فَصْلٌ (وَالْعَقِيقَةُ) فِي الْأَصْلِ: شَعَرُ كُلِّ مَوْلُودٍ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
وَنَقَلَ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ قَالَ: هِيَ الشَّعَرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، وَسُمِّيَتِ الشَّاةُ الْمَذْبُوحَةُ عَقِيقَةً عَلَى عَادَتِهِمْ، ومِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ.
ثُمَّ اشْتُهِرَ ذَلِكَ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُهَا، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا التَّفْسِيرَ.
قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفَسَّرَهَا إِمَامُنَا بِأَنَّهَا الذَّبْحُ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعَقِّ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ عَقَّ وَالِدَيْهِ أَيْ: قَطَعَهُمَا، وَالذَّبْحُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ، وَالْمَرِّيُّ، وَهُوَ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَنَقَلَهُ أَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ، وَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسِكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ.» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَعَنْهُ: وَاجِبَةٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ وَأَبُو الْوَفَاءِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَدَاوُدُ، لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٍ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: لَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْهُ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَالْحَلْقِ، وَهِيَ سُنَّةٌ عَلَى الْأَبِ غَنِيًّا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ فَقِيرًا.

جارٍ التحميل