المبدع في شرح المقنعصفحات 3-42

وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ، وَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ كَسْبٌ، فَأَمَّا مَنْ لَا قُوَّةٌ لَهُ وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْعِتْقِ]

[تَعْرِيفُ العتق وَفَضْلُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ فِيهِ]

ِ وَهُوَ لُغَةً: الْخُلُوصُ، وَمِنْهُ عِتَاقُ الْخَيْلِ وَالطَّيْرِ، أَيْ: خَالِصُهَا، وَسُمِّيَ بِهِ الْبَيْتُ الْحَرَامُ ; لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ، وَفِي الشَّرْعِ: تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَتَخْلِيصُهَا مِنَ الرِّقِّ، وَخُصَّتْ بِهِ الرَّقَبَةُ، وَإِنْ تَنَاوَلَ الْعِتْقُ الْجَمِيعَ ; لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ لَهُ كَالْغُلِّ الْمَانِعِ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ، فَإِذَا أُعْتِقَ، فَكَأَنَّ رَقَبَتَهُ أُطْلِقَتْ مِنْ ذَلِكَ، يُقَالُ: عَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَعْتَقْتُهُ أَنَا، فَهُوَ عَتِيقٌ وَمُعْتَقٌ، وَهُمْ عُتَقَاءُ، وَأَمَةٌ عَتِيقٌ وَعَتِيقَةٌ، وَإِمَاءٌ عَتَائِقُ وَعُتْقٌ، بِمَعْنَى: فَاعِلٍ لَا مَفْعُولٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: عَتَقَ الْعَبْدُ، فَهُوَ مَعْتُوقٌ، وَقِيلَ: تَسْمِيَتُهُ مَعْتُوقًا لَحْنٌ، وَقِيلَ: لَا، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَحُصُولِ الْقُرْبَةُ بِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] و ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَعْتَقَ امْرَءًا مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ) وَأَعْظَمِهَا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ وَالْأَيْمَانِ، وَجَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِكَاكًا لِمُعْتِقِهِ مِنَ النَّارِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصَ الْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ، وَمِلْكَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ، وَتَمْكِينَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ عَلَى حَسَبِ إِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَفِي التَّبْصِرَةِ: هُوَ أَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَفْضَلُ الرِّقَابِ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ،

كَسْبٌ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ.

وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ وَالْمِلْكِ، فَأَمَّا الْقَوْلُ، فَصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ، كَيْفَ صُرِفَا، وَكِنَايَتُهُ: خَلَّيْتُكَ، وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ، وَاذْهَبْ

[المبدع في شرح المقنع]

فَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَافِرَةً، وَيُثَابُ عَلَى عِتْقِهِ، قَالَ فِي الْفُنُونِ: لَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَبِرِّقِ الذُّرِّيَّةِ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ، بَلْ مِحْنَةٍ وَبَلْوَى.
فَائِدَةٌ: الْأَفْضَلُ عِتْقُ ذَكَرٍ، وَعَنْهُ: أُنْثَى لِأُنْثَى، وَعَنْهُ: أَمَتَيْنِ، كَعِتْقِهِ رَجُلًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَزْوِيجُهُ بِهَا، وَيَصِحُّ مِمَّنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، وَعَنْهُ: وَهِبَتُهُ.
(وَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ كَسْبٌ) فَيَسْتَغْنِي بِهِ، أَيْ: يَجُرُّ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَلَا يَبْقَى عَيْلَةً وَلَا مُحْتَاجًا (فأَمَّا مَنْ لَا قُوَّةٌ لَهُ وَلَا كَسْبٌ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِ نَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ، وَصَارَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْمَلُ بِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ كِتَابَتُهُ ;وعنه: الأنثى لِخَوْفِ مُحَرَّمٍ، كَقَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ جَارِيَةٍ يُخَافُ عَلَيْهَا الزِّنَا وَالْفَسَادُ، فَإِنْ ظُنَّ إِفْضَاؤُهُ إِلَيْهِ، حَرُمَ، وَيَصِحُّ عِتْقُهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ كَمَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى بِقَصْدِ الْحَرَامِ.

[مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِتْقُ]

[الْأَوَّلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ]

(وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ) فَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ، عَتَقَ مُطْلَقًا (وَالْمِلْكِ) وَسَيَأْتِي، قَالَ فِي الْكَافِي: وَالِاسْتِيلَادُ، وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ; لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ، فَكَانَ كَالطَّلَاقِ (فَأَمَّا الْقَوْلُ، فَصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ) لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ، فَانْقَسَمَ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ وَرَدَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُمَا (كَيْفَ صُرِفَا) وَكَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ مُضَارِعٍ ; لِأَنَّهُ وَعْدٌ وَأَمْرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِنْشَاءِ، وَلَا هُوَ خَبَرٌ فَيُؤَاخَذُ بِهِ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ نِيَّةَ وُقُوعِهِ كَالْكِنَايَةِ، فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا: تَنَحَّيْ يَا حُرَّةُ، فَإِذَا هِيَ أَمَتُهُ، عُتِقَتْ.
وَعَنْهُ: لَا، قَالَ السَّامِرِيُّ: وَأَصْلُ ذَلِكَ الرِّوَايَتَانِ فِي اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي صَرِيحِ الْعِتْقِ،

حَيْثُ شِئْتَ وَنَحْوُهَا، وَفِي قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا سُلْطَانَ، وَلَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا رِقَّ لِي عَلَيْكَ، وَفَكَكْتُ رَقَبَتَكَ، وَأَنْتَ مَوْلَايَ، وَأَنْتَ لِلَّهِ، وَأَنْتَ سَائِبَةٌ، رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ صَرِيحٌ فك رقبة، وَالْأُخْرَى: كِنَايَةٌ، وَفِي قَوْلِهِ لِأَمَتِهِ:

[المبدع في شرح المقنع]

وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ، يُرِيدُ عِفَّتَهُ وَكَرْمَ خُلِقِهِ، أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، وَهُوَ يُعَاتِبُهُ، قَالَ: إِذَا كَانَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَعْتِقَ، رَجَوْتُ أَنْ لَا يَعْتِقَ، وَأَنَا أَهَابُ الْمَسْأَلَةَ ; لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبَ اسْتِحْلَافَهُ، حَلَفَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ يُعْتَقُ وَلَوْ كَانَ هَازِلًا، لَا مِنْ نَائِمٍ وَنَحْوِهِ.
(وَكِنَايَتُهُ: خَلَّيْتُكَ، وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَنَحْوُهَا) كَقَوْلِهِ: أَطْلَقْتُكَ، وَحَبْلُكَ عَلَى غَارِبِكَ، فَهَذَا إِنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ، عَتَقَ، وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَلَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ، وَفِي التَّبْصِرَةِ: أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ ; لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِزَالَةِ، فَجَازَ أَنْ يُكَنَّى بِهِ عَنِ الْعِتْقِ كَالطَّلَاقِ (وَفِي قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ وَلَا سُلْطَانَ وَلَا مِلْكَ) ، وَلَا خِدْمَةَ (لِي عَلَيْكَ، وَلَا رِقَّ لِي عَلَيْكَ، وَفَكَكْتُ رَقَبَتَكَ، وَأَنْتَ مَوْلَايَ، وَأَنْتَ لِلَّهِ، وَأَنْتَ سَائِبَةٌ، رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ (إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ صَرِيحٌ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْعِتْقَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] يَعْنِي الْعِتْقَ، فَكَانَتْ صَرِيحَةً كَالْعِتْقِ (وَالْأُخْرَى: كِنَايَةٌ) صَحَّحَهَا السَّامِرِيُّ، وَهِيَ الْأَشْهُرُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِتْقِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكَ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا كِنَايَةٌ، وَظَاهِرُ الْوَاضِحِ: وَهَبْتُكَ لِلَّهِ صَرِيحٌ، وَسَوَّى الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَنْتَ لِلَّهِ، وَفِي الْمُوجَزِ: هِيَ وَرَفَعْتُ يَدَيْ عَنْكَ إِلَى اللَّهِ كِنَايَةٌ (وَفِي قَوْلِهِ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ) لَيْسَ بِصَرِيحٍ اتِّفَاقًا، وَفِي (رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ) جَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهَا فِي الشَّرْحِ فِي: أَنْتِ

أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ، رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَإِذا قَالَ لِعَبْدِهِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ: أَنْتَ ابْنِي، لَمْ يَعْتِقْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ وَإِذَا أَعْتَقَ حَامِلًا، عَتَقَ جَنِينُهَا إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا عَتَقَ وَحْدَهُ.

وَأَمَّا الْمِلْكُ، فَمَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

حَرَامٌ، كَقَوْلِهِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، وَالْأُخْرَى: لَا يُعْتَقُ بِهِ، وَإِنْ نَوَى ; لِأَنَّ الرِّقَّ مِلْكٌ لَا يُسْتَدْرَكُ بِالرَّجْعَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِمَا ذُكِرَ كَمِلْكِ بَقِيَّةِ الْمَالِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ، أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَفْظٌ وُضِعَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنِ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَزُلْ بِهِ الْمِلْكُ عَنِ الرَّقَبَةِ، كَفَسْخِ الْإِجَارَةِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَعَنْهُ: كِنَايَةٌ يُعْتَقُ بِهِ إِنْ نَوَى ; لِأَنَّ الرِّقَّ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ عَلَى الْآدَمِيِّ، فَيَزُولُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ كَالْآخَرِ، وَكَالْحُرِّيَّةِ فِي إِزَالَةِ النِّكَاحِ، وَعَنْهُ لَا تُطَلَّقُ إِذَا أَضَافَ إِلَيْهَا الْحُرِّيَّةَ.
(وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ أَنْتَ ابْنِي، لَمْ يُعْتَقْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) كَقَوْلِهِ لِمَنْ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ: أَنْتَ ابْنِي فِي الْأَصَحِّ كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُكَ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ، وَفِي الِانْتِصَارِ: إِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ ابْنِي، وَلِعَبْدِهِ: أَنْتَ بِنْتِي: لَمْ يُعْتَقْ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ) هَذَا وَجْهٌ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ حُرِّيَّتُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا، وَالْأَوَّلُ: الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَحَقَّقُ كَذِبُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِطِفْلٍ: هَذَا أَبِي، وَلِطِفْلَةٍ: هَذِهِ أُمِّي، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ، وَهِيَ أَسَنُّ مِنْهُ: هَذِهِ ابْنَتِي، أَوْ قَالَ لَهَا وَهُوَ أَسَنُّ مِنْهَا: هَذِهِ أُمِّي، لَمْ تُطَلَّقْ، فَكَذَا هُنَا، أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ، لِجَوَازِ كَوْنِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَقِيلَ: لَا لِكَذِبِهِ شَرْعًا، وَمِثْلَهُ لِأَصْغَرَ: أَنْتَ أَبِي، وَفِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُوَلَدُ لِمِثْلِهِ مُطْلَقًا عَتَقَ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِذَا أَعْتَقَ حَامِلًا، عَتَقَ جَنِينُهَا) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ، بِدَلِيلِ دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ (إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ) فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ، وَقَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِتْقِ، وَلَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي الْبَيْعِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَفِيهِ وَجْهٌ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَصِحُّ

مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، عَتَقَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا عَمُودَا النَّسَبِ، وَإِنْ مَلَكَ

[المبدع في شرح المقنع]

اسْتِثْنَاؤُهُ كَالْبَيْعِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَمَا لَوِ اسْتَثْنَى بَعْضَ أَعْضَائِهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَمْلَ مَعْلُومٌ، فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ لِلْخَبَرِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعِلْمُ بِصِفَاتِ الْعِوَضِ، وَالْعِتْقُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ انْفِرَادُهُ عَنْهَا، بِخِلَافِهِ هُنَا.
(وَإِنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا، عَتَقَ وَحْدَهُ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْإِنْسَانِ الْمُنْفَرِدِ، وَلِهَذَا يُوَرَّثُ الْجَنِينُ إِذَا ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ، فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا، فَإِنَّهُ يَحْجُبُ مَوْرُوثَهُ عَنْهُ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا، وَكَتَدْبِيرٍ وَكِتَابَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُوضَعَ حَيًّا، فَيَكُونُ كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِشَرْطٍ، وَإِنْ أَعْتَقَ مَنْ حَمْلُهَا لِغَيْرِهِ، كَالْمُوصَى بِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يُعْتَقُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحَرَّرِ

[الثَّانِي: الْعِتْقُ بِالْمِلْكِ]

(وَأَمَّا الْمِلْكُ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي (فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ) وَلَوْ حَمْلًا (عَتَقَ عَلَيْهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا مِثْلُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَتَادَةُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، لَكِنْ قَالَ: أَحْمَدُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلِأَنَّهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ كَعَمُودَيِ النَّسَبِ، وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ وَافَقَهُ فِي دِينِهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الْأَوْلَادِ، وَإِنْ سَفَلُوا، أَوْ مِنَ الْآبَاءِ وَإِنْ عَلَوْا مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، كَمَا قُلْنَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَالْأَخِ

وَلَدَهُ مِنَ الزِّنَا، لَمْ يُعْتَقْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ، وَإِنْ مَلَكَ سَهْمًا

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَوْلَادِهِ، وَإِنْ نَزَلُوا، وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، وَإِنْ عَلَوْا دُونَ أَوْلَادِهِمْ (وَعَنْهُ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا عَمُودَا النَّسَبِ) قَالَ فِي الْكَافِي: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِغَيْرِهِمْ، وَفِي الِانْتِصَارِ: لَنَا فِيهِ خِلَافٌ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: لَا نَفَقَةَ لِغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: أَنَّهُ آكَدُ مِنَ التَّعْلِيقِ، فَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى مِلْكِهِ، عَتَقَ بِمِلْكِهِ، لَا بِتَعْلِيقِهِ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا عِتْقَ بِمِلْكٍ، وَعَنْهُ: إِنْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ لَمْ يُعْتَقْ، وَفِي إِجْبَارِهِ عَلَى عِتْقِهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ: لَا يُعْتَقُ حَمْلٌ حَتَّى يُولَدَ فِي مِلْكِهِ حَيًّا، فَلَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ بِأَمَتِهِ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ جَدِّهِ، فَهَلْ هُوَ مَوْرُوثٌ عَنْهُ أَوْ حُرٌّ؟ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِشِرَاءِ رَحِمٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَا مَحْرَمٍ بِرِضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ» فَالرَّضَاعَةُ لَيْسَتْ بِرَحِمٍ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنْ يُبَاعَ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ بَيْعَ أَخِيهِ لِرِضَاعٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(وَإِنْ مَلَكَ وَلَدَهُ مِنَ الزِّنَا، لَمْ يُعْتَقْ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) الْمَذْهَبُ أَنَّ أَحْكَامَ الْوَلَدِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ، وَهِيَ الْمِيرَاثُ، وَعَدَمُ الْحَجْبِ، وَالْمَحْرَمِيَّةُ، وَوُجُوبُ الْإِنْفَاقِ، وَثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ مَلَكَ أَبَاهُ مِنْ زِنًا، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ) لِأَنَّهُ جُزْؤُهُ حَقِيقَةً، وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ تَحْرِيمِ التَّزْوِيجِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ وَلَدَهُ الْمُخَالِفَ لَهُ فِي الدِّينِ، عَتَقَ عَلَيْهِ، مَعَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، لَكِنْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ بِنْتِهِ مِنَ الزِّنَا أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ (وَإِنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ،

مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ مُوسِرٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلَّا مَا مَلَكَ، وَإِنْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إِلَّا مَا مَلَكَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَعَنْهُ: إِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ، فَجَدَعَ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، عَتَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلِّيًّا) سَوَاءٌ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، كَالْهِبَةِ وَالِاغْتِنَامِ وَالْوَصِيَّةِ، بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، كَالْمِيرَاثِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا يُعْتَقُ بِهِ الْكُلُّ يُعْتَقُ بِهِ الْبَعْضُ، كَالْإِعْتَاقِ بِالْقَوْلِ (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلَّا مَا مَلَكَ) لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ، لَمْ يُعْتَقْ، وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ الْجُزْءُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَكَانَ الْمِلْكُ بِاخْتِيَارِهِ، سَرَى إِلَى بَاقِيهِ، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا مَلَكَ، سَوَاءٌ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ، وَإِنَّمَا عَتَقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَلَمْ يَسْرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ فَعَلَ سَبَبَ الْعِتْقِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، فَسَرَى، وَلَزِمَهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَفَارَقَ الْإِرْثَ، فَإِنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَلَا قَصْدِهِ، وَكَمَا لَوْ جَرَحَ إِنْسَانًا.
(وَإِنْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إِلَّا مَا مَلَكَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إِلَى إِعْتَاقِهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ، إِنْ كَانَ مُوسِرًا) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بَعْضُهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ، فَسَرَى إِلَى بَاقِيهِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ فَقَبِلَهُ، وَالْمُوسِرُ هُنَا: الْقَادِرُ حَالَةَ الْعِتْقِ عَلَى قِيمَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا، كَالْفِطْرَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعْتَقُ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِعْتَاقِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ إِلَّا مَا مَلَكَ، وَهَلْ يَسْتَسْعِي الْعَبْد فِي بَاقِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَرْعٌ: إِذَا وَرِثَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ جُزْءًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا، عَتَقَ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى بَاقِيهِ، وَكَذَا إِنْ وُهِبَ لَهُمَا، أَوْ وُصِّيَ لَهُمَا بِهِ، وَهُمَا مُعْسِرَانِ، فَعَلَى الْوَلِيِّ الْقَبُولُ، وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، فَوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا بَاقِيهِ، إِذَا مَلَكَا بَعْضَهُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ.
(وَإِنْ مَثَّلَ) كَضَرَبَ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الثَّاءِ، وَقَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: مَثَّلْتُ بِالْحَيَوَانِ أُمَثِّلُ مَثَلًا: إِذَا قَطَّعْتُ أَطْرَافَهُ، وَبِالْقَتْلِ: إِذَا جَدَعْتُ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ، وَنَحْوَهُ (بِعَبْدِهِ) وَلَوْ عَبَّرَ بِرَقِيقِهِ لَعَمَّ (فَجَدَعَ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ) كَحَرْقِ عُضْوٍ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ

الْقَاضِي: وَالْقِيَاسُ أَنه لا يُعْتَقَ، وَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ، فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ، وَعَنْهُ:

[المبدع في شرح المقنع]

حَرَّقَهُ بِالنَّارِ (عَتَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ) أَيْ: بِلَا حُكْمٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ زِنْبَاعًا جَدَعَ عَبْدًا، فَأَتَى الْعَبْدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، لَا مُكَاتَبَ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَحْصُلُ بِضَرْبِهِ وَخَدْشِهِ، وَفِي اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ وَجْهَانِ، وَالْأَشْهُرُ ثُبُوتُهُ وَلَوْ زَادَ ثَمَنُهُ بِجبٍّ أَوْ خِصَاءٍ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ حَلُّ الزِّيَادَةِ (وَقَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ) كَالْمُكَاتَبِ ; لِأَنَّ سَيِّدَهُ، لَمْ يُعْتِقْهُ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ، وَلَا كِنَايَةٍ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، أَشَبَهَ جِنَايَتَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَحِينَئِذٍ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ.
فَرْعٌ: إِذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، فَأَفْضَاهَا، عُتِقَتْ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلًا يَزْنِي بِهَا، فَأَفْضَاهَا، فَاحْتِمَالَانِ.
(وَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ، فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ) نَصَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ بِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لِغُلَامِهِ عُمَيْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ كَانَا لِلسَّيِّدِ، فَأَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَبَقِيَ مِلْكُهُ فِي الْآخَرِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ (وَعَنْهُ: لِلْعَبْدِ) وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ،

لِلْعَبْدِ، وَإِذَا أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدٍ مُعَيَّنًا أَوْ مُشَاعًا، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا

[المبدع في شرح المقنع]

لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ صَاحِبَ فَقْهٍ، وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَالْمُكَاتَبِ وَلَهُمْ أَمْوَالٌ، حُكْمُ الْعَبْدِ.
(وَإِذَا أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ) غَيْرَ شَعْرٍ وَسِنٍّ وَظُفْرٍ (مُعَيَّنًا) كَرَأْسِهِ، وَإِصْبَعِهِ (أَوْ مُشَاعًا) كَعُشْرِهِ أَوْ نِصْفِهِ (عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ بَعْضِ رَقِيقِهِ، فَزَالَ جَمِيعُهُ كَالطَّلَاقِ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى السِّعَايَةِ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا، فَتَلَفَ عَبْدُهُ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ دَاوَاهُ وَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ، أَوْ حَدَّهُ وَزَادَ سَوْطًا، أَوْ ضَرَبَهَا عَلَى غُسْلٍ مِنْ حَيْضٍ لِيَطَأَهَا، فَهَلْ تُعْتَقُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا قَالَ لِحُرٍّ: اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْمَالِ، وَأَعْتَقَنِي فَفَعَلَ، عَتَقَ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي لِسَيِّدِهِ مِثْلُ ثَمَنِهِ الْمُسَمَّى، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، بَطُلَ الْعِتْقُ وَالشِّرَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ لِأَمَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا حُرَّةٌ، وَلَمْ يَنْوِ، حَرُمَ وَطْؤُهُمَا مَعًا بِدُونِ قُرْعَةٍ، فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا، لَمْ تُعْتَقِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ عَيَّنَهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ صَلَّيْتِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، فَأَنْتِ حُرَّةً قَبْلَهُ، فَصَلَّتْ كَذَلِكَ، عُتِقَتْ، وَقِيلَ: لَا، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي ; لِبُطْلَانِ الصِّفَةِ بِتَقْدِيمِ الْمَشْرُوطِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَقْرَرْتُ بِكِ لِزَيْدٍ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهُ، فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ، صَحَّ إِقْرَارُهُ فَقَطْ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَقْرَرْتُ بِكِ لَهُ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ سَاعَةَ إِقْرَارِي، لَمْ يَصِحَّا.
الْخَامِسَةُ: إِذَا قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ، أَوْ أَمَتِي، وَلَمْ يَنْوِ الْبَعْضَ، عَتَقَ الْكُلُّ، وَقِيلَ: أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ، وَفِي الْمُغْنِي: إِذَا قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَأَمَتِي حُرَّةٌ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تُطَلَّقُ الْكُلُّ وَيُعْتَقْنَ ; لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] الْآيَةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ:

لَهُ فِي عَبْدٍ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةٍ بَاقِيَهٍ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ لِشَرِيكِهِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ أَصَحُّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ) أَيْ: أَعْتَقَ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ (وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةِ بَاقِيهِ، عَتَقَ كُلُّهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُغْنِي مُقْتَضَى نَصِّهِ: لَا يُبَاعُ لَهُ أَصْلُ مَالٍ، أَوْ كَاتَبَهُ، فَأَدَّى إِلَيْهِ (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ لِشَرِيكِهِ) أَيْ: قِيمَةُ أَنْصِبَاءِ شُرَكَائِهِ وَالْوَلَاءُ لَهُ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْبَتِّيُّ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا حِصَّةُ الْمُعْتِقِ، وَنَصِيبُ الْبَاقِينَ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَجَوَابُهُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَعَلَ خَلَاصَهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَرِيكٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «هُوَ حَرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ شَرِيكٌ» . تَنْبِيهٌ: الْقِيمَةُ تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِتْلَافِ، وَفِي الْإِرْشَادِ وَجْهٌ: يَوْمَ تَقْوِيمِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهَا، رَجَعَ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُعْتِقِ،

أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يعتق إِلَّا نَصِيبهُ، وَيَبْقَى حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ، وَعَنْهُ: يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَيَسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِثَلَاثَةٍ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ، وَلِآخَرِ ثُلُثُهُ، وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهُ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَصَاحِبُ السُّدُسِ مَعًا، وَهُمَا مُوسِرَانِ، عَتَقَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقِيلَ: يُعْتَقُ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَلَوْ أَعْتَقَ شَرِيكَهُ قَبْلَهَا، فَوَجْهَانِ، وَلَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، لَا قِيمَةُ النِّصْفِ، وَهَلْ يُقَوَّمُ كَامِلًا وَلَا عِتْقَ فِيهِ أَوْ قَدْ عَتَقَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، الْأَوَّلُ: قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ) وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ (لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِعِتْقِ الْأَوَّلِ لَهُ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يُعْتِقْ إِلَّا نَصِيبَهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (وَيَبْقَى حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ) أَيْ: بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ، فَكَانَ يُشَاهِرُهُ، شَهْرَ عَبْدٍ، وَشَهْرَ حُرٍّ (وَعَنْهُ: يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَيَسْتَسْعِى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) نَصَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الجوزي والشيخ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتَسْعَى بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ بِهَا إِقْرَارَ حَقِّهِ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ، فَيَسْتَسْعِي الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ ; لِأَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَحْرَارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ إِعْتَاقٌ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، كَالْكِتَابَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَدْ طَعَنَ بِهِ الْأَئِمَّةُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ فِي الِاسْتِسْعَاءِ شَيْءٌ يَثْبُتُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَأَمَّا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ وَمَعْمَرٌ، فَلَمْ يَذْكُرُوهُ، وَقَدْ ذَكَرَ هَمَّامٌ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ وَفُتْيَاهُ.
فَرْعٌ: يُعْتَقُ عَلَى الْمُوسِرِ بِبَعْضِهِ بِقَدْرِهِ فِي الْمَنْصُوصِ.
(وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِثَلَاثَةٍ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ، وَلِآخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهُ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ، وَصَاحِبُ السُّدُسِ مَعًا) بِأَنْ تَلَفَّظَا بِالْعِتْقِ مَعًا، أَوْ عَلَّقَاهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ وَكَلَّا لِشَخْصٍ فِي عِتْقِهِ (وَهُمَا مُوسِرَانِ) لِاخْتِصَاصِهِ بِالسِّرَايَةِ (عَتَقَ عَلَيْهِمَا،

عَلَيْهِمَا، وَضَمِنَا حَقَّ شَرِيكِهِمَا فِيهِ نِصْفَيْنِ، وَصَارَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنَاهُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ.

وَإِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُوسِرٌ، سَرَى إِلَى بَاقِيهِ فِي آخر الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ: أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَضَمِنَا حَقَّ شَرِيكِهِمَا فِيهِ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْعِتْقَ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْلَافِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا، فَيَتَسَاوَيَانِ فِي ضَمَانِهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جُرْحًا، وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَتُفَارِقُ الشُّفْعَةَ، فَإِنَّهَا تَثْبُتُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ نَصِيبِ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ، فَكَانَ اسْتِحْقَاقُهُ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ هَاهُنَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ مِنْهُمَا، وَفِي الشُّفْعَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا (وَصَارَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) لِأَنَّا إِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ الثُّلُثَ مُعْتَقٌ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهُ سُدُسٌ، إِذَا ضَمَمْنَاهُ إِلَى النِّصْفِ، صَارَا ثُلُثَيْنِ، وَالسُّدُسُ الْآخَرُ إِلَى سُدُسِ الْمُعْتَقِ، صَارَا ثُلُثًا، وَيُحْتَمَلُ هَذَا الِاحْتِمَالُ لِأَبِي الْخَطَّابِ (أَنْ يَضْمَنَاهُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ) لِأَنَّ السِّرَايَةَ حَصَلَتْ بِإِعْتَاقِ مِلْكِهِمَا، وَمَا وَجَبَ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، كَانَ عَلَى قَدْرِهِ، كَالنَّفَقَةِ، وَاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ، فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا، لِصَاحِبِ السُّدُسِ رُبُعُهُ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ صَاحِبَ النِّصْفِ، وَصَاحِبَ الثُّلُثِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لِصَاحِبِ النِّصْفِ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ الرُّبُعُ وَالسُّدُسُ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ خُمْسَاهُ، وَالْعَبْدُ عَلَى ثَلَاثِينَ سَهْمًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَهِيَ نِصْفٌ وَنِصْفُ خُمْسٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَا عَشَرَ، وَذَلِكَ خُمْسَاهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ صَاحِبَ الثُّلُثِ وَالسُّدُسِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثٌ وَرُبُعٌ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ رُبُعٌ وَسُدُسٌ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ النِّصْفُ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمَا، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثَانِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ الثُّلُثُ، وَالضَّمَانُ وَالْوَلَاءُ تَابِعَانِ لِلسِّرَايَةِ.

[إِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ]

(وَإِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُوسِرٌ، سَرَى إِلَى بَاقِيهِ فِي آخِرِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِعُمُومِ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَلِمَا عَلَّلَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ، وَلِأَنَّهُ تَقْوِيمُ مُتْلَفٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، كَتَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ.

نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالثَّانِي: لَا يَسْرِي، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ الْمِلْكِ، وَالْكَافِرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمُسْلِمَ، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِضَمَانِ تَمْلِيكٍ، إِنَّمَا هُوَ ضَمَانُ إِتْلَافٍ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، إِذْ لَوْ صَحَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَاءٌ، وَالْفَرْضُ أَنَّ لَهُ الْوَلَاءَ عَلَى مَا عَتَقَ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ، وَالْمَحْذُورُ مَغْمُورٌ بِمَا حَصَلَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعِتْقِ.
(وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا ; لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ) أَيْ: مُعْتَرِفٌ بِحُرِّيَّةِ نَصِيبِهِ، شَاهِدٌ عَلَى شَرِيكِهِ بِحُرِّيَّةِ نِصْفِهِ الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ لِشَرِيكِهِ: أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، فَسَرَى الْعِتْقُ إِلَى نَصِيبِي، فَعَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْكَ، وَلَزِمَكَ قِيمَةُ نَصِيبِي، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا لِاعْتِرَافِهِمَا بِحُرِّيَّتِهِ (وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ) فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَبَرِئَا، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، قَضَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا، سَقَطَ حَقُّهُمَا لِتَمَاثُلِهِمَا (وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنْتَ الْمُعْتِقُ، وَوَلَاؤُهُ لَكَ، لَا حَقَّ لِي فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ; لِتَسَاوِي الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ فِي الِاعْتِرَافِ وَالدَّعْوَى، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ أَحَدُهُمَا، ثَبَتَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ لَهُ سِوَاهُ، وَلَزِمَهُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ; لِاعْتِرَافِهِ بِهِمَا، وَلَهُ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَلِبَيْتِ الْمَالِ (وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ عِتْقَ الْمُعْسِرِ لَا يَسْرِي إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ شَاهِدٌ عَلَى صَاحِبِهِ، بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ، فَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ، فَلَا أَثَرَ لِكَلَامِهِمَا، وَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ، عُمِلَ بِشَهَادَتِهِمَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا، وَقُبِلَ فِي الْعِتْقِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَهُمَا، عَتَقَ كُلُّهُ، وَإِنْ حَلَفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، عَتَقَ نِصْفُهُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَيَبْقَى نِصْفُهُ رَقِيقًا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُصَدَّقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَكَرَهُ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ، وَلَا شَهَادَةَ لِخَصْمٍ عَلَى خَصْمِهِ (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِينَئِذٍ) لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِحُرِّيَّتِهِ (وَلَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِهِ) لِأَنَّ السِّرَايَةَ فَرْعُ الْإِعْتَاقِ، وَلَمْ يُوجَدْ

حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَقُ جَمِيعُهُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، أُعْتِقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ، وَإِذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، فَنَصِيبِي حُرٌّ، فَأَعْتَقَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ

[المبدع في شرح المقنع]

مِنْهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ ; لِاعْتِرَافِهِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَهُ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي إِعْتَاقَهُ، بَلْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ الْمُعْتِقَ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَلِّصٌ لَهُ مِمَّنْ يَسْتَرِقُّهُ، فَهُوَ كَالْأَسِيرِ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَقُ جَمِيعُهُ) لِأَنَّهُ شِرَاءٌ حَصَلَ بِهِ الْإِعْتَاقُ أَشْبَهَ شِرَاءَ بَعْضِ وَلَدِهِ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي شَهَادَتِهِ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ إِنْ أَعْتَقَهُ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ، فَإِنِ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا كُلُّهُ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، أُعْتِقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقِ شَرِيكِهِ الْمُوسِرِ، الَّذِي يَسْرِي عِتْقُهُ، وَلَمْ يُعْتَقْ نَصِيبُ الْمُوسِرِ ; لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ الْمُعْسِرَ الَّذِي لَا يَسْرِي عِتْقُهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، فَعَتَقَ وَحْدَهُ، وَلَا تُقَبْلُ شَهَادَةُ الْمُعْسِرِ ; لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا بِهَا ; لِكَوْنِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ سِوَاهُ، فَحَلَفَ الْمُوسِرُ، وَبَرِئَ مِنَ الْقِيمَةِ وَالْعِتْقِ مَعًا، وَلَا وَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ فِي نَصِيبِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ، وَلَا لِلْمُوسِرِ كَذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ الْمُعْسِرُ، فَأَعْتَقَهُ وَادَّعَاهُ، ثَبَتَ لَهُ.
(وَإِذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، فَنَصِيبِي حُرٌّ، فَأَعْتَقَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ) نَصِيبُهُ بِالْعِتْقِ، وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ بِالسِّرَايَةِ، هَذَا اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَلَا يَقَعُ عِتْقُهُ ; لِأَنَّ السِّرَايَةَ سَبَقَتْ، فَمَنَعَتْ عِتْقَ الشَّرِيكِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَلَهُ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ عَلَى الْقَائِلِ كُلُّهُ بِالشَّرْطِ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُمَا (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، عَتَقَ

كُلُّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ، وَإِنْ قَالَ: إِن أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِكَ، فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَ عَلَيْهِمَا، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ) لِأَنَّ عِتْقَ الْمُعْسِرِ لَا يَسْرِي إِلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فَوَقَعَ عِتْقُ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ بِشَرْطِ عِتْقِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُمَا (وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِكَ، فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَ عَلَيْهِمَا) فِي الْأَصَحِّ (مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) وَلَمْ يَلْزَمِ الْمُعْتِقَ شَيْءٌ ; لِأَنَّ عِتْقَ شَرِيكِهِ وَقَعَ مُقَارِنًا لِلْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ ضَرُورَةَ قَوْلِهِ: فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِكَ، فَلَمْ تَجِدِ السِّرَايَةُ مَحَلًّا ; لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ إِلَّا بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ لِنَصِيبِهِ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّ إِعْتَاقَ نَصِيبِهِ شَرْطُ عِتْقِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا قَالَ إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ، فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَ إِعْتَاقِكَ، وَقَعَا مَعًا إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَلَا يَقَعُ إِعْتَاقُ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، وَقَالَ السَّامِرِيُّ: يُعْتَقُ جَمِيعُهُ عَلَى الْقَائِلِ، وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ نِصْفُ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيِ الْقِيمَةِ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا، فَأَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِي صِحَّتِهِ، عَتَقَ وَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ النِّصْفَ الْآخَرَ، عَتَقَ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِهِ، وَلَمْ يَسْرِ ; لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مَتَى شِئْتَ، أَوْ حَيْثُ شِئْتَ، لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى يَشَاءَ بالقول فَوْرًا، أَوْ تَرَاخِيًا، وَكَذَا: أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شِئْتَ، وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّخْيِيرِ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْتَ، احْتَمَلَ أَنْ يُعْتَقَ فِي الْحَالِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُعْتَقَ حَتَّى يَشَاءَ، وَإِنْ قَالَ: جَعَلْتُ عِتْقَكَ إِلَيْكَ، أَوْ خَيَّرْتُكَ، وَنَوَى تَفْوِيضَ الْعِتْقِ إِلَيْهِ، فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ فِي الْمَجْلِسِ، عَتَقَ، وَيَتَوَجَّهُ كَطَلَاقٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

فَصْلٌ وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ، كَدُخُولِ الدَّارِ، وَمَجِيءِ الْأَمْطَارِ، وَلَا يَمْلِكُ إِبْطَالَهَا بِالْقَوْلِ، وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَقْفُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ، عَادَتِ الصِّفَةُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَهَلْ تَعُودُ بِعَوْدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَتَبْطُلُ

[المبدع في شرح المقنع]

[يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ]

فَصْلٌ (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ كَدُخُولِ الدَّارِ، وَمَجِيءِ الْأَمْطَارِ) لِأَنَّهُ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، فَصَحَّ كَالتَّدْبِيرِ (وَلَا يَمْلِكُ إِبْطَالَهَا) أَيْ: إِبْطَالَ الصِّفَاتِ (بِالْقَوْلِ) لِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَيْئًا، فَلَمْ يَمْلِكْ إِبْطَالَهُ بِالْقَوْلِ، كَالنَّذْرِ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً: إِنَّ لَهُ ذَلِكَ كَالْبَيْعِ (وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَقْفُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَإِجَارَتِهِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ، إِذِ الْعِتْقُ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَلَهُ وَطْءُ الْأَمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَالتَّدْبِيرِ، وَعَنْهُ: لَا ; لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ غَيْرُ تَامٍّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ، فَمَتَى جَاءَ الْوَقْتُ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ، عَتَقَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهُ بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ، لَمْ يُعْتَقْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفًا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهَذِهِ صِفَةٌ لَازِمَةٌ، لَا سَبِيلَ لِلسَّيِّدِ وَلَا لِلْعَبْدِ إِلَى إِبْطَالِهَا مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنَ الْأَلْفِ، لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ، وَلَمْ يُعْتَقْ إِلَّا بِمَجِيئِهَا، وَمَا بَقِيَ فِي يَدِ الْعَبْدِ بَعْدَ الْأَلْفِ مِنْ كَسْبِهِ، يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ.
فَرْعٌ: لَا يُعْتَقُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ بِكَامِلِهَا، كَالْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْعِتْقَ الْمُعَلَّقَ بِصِفَةٍ، فَوُجِدَ بِوُجُودِ بَعْضِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إِنْ أَكَلْتَ رَغِيفًا، فَأَكَلَ نِصْفَهُ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأُمُورٍ، مِنْهَا: أَنَّ مَوْضُوعَ الشَّرْطِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِ شَرْطِهِ.
(فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ) بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهُ (عَادَتِ الصِّفَةُ) لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَتَحَقُّقَ الشَّرْطِ مَوْجُودَانِ فِي مِلْكِهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَهَلْ تَعُودُ بِعَوْدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا لَا تَعُودُ ; لِأَنَّهَا انْحَلَّتْ بِوُجُودِهَا فِي مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَإِذَا وُجِدَ مَرَّةً، انْحَلَّتِ الْيَمِينُ.

الصِّفَةُ بِمَوْتِهِ، فَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، فَهَلْ يَصِحُّ وَيُعْتَقُ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتَهَا فَأَنْتَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالثَّانِيَةُ: تَعُودُ ; لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ الَّتِي يُعْتَقُ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّرٌ فِي الصِّفَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ وَأَنْتَ فِي مِلْكِي، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَفَرَّقَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ يَنْبَنِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْعِتْقُ بِخِلَافِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ عَمْرٍو: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ، فَأَنْتَ وَعَبْدِي زَيْدٌ حُرَّانِ، فَبَاعَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ، وَقَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَعَبْدِي زَيْدٌ حُرٌّ، ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْهَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ عِتْقَ زَيْدٍ وَعَدَمَهُ.
(وَتَبْطُلُ الصِّفَةُ بِمَوْتِهِ) لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ، فَتَبْطُلُ تَصَرُّفَاتُهُ بِزَوَالِهِ، كَالْبَيْعِ (فَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، فَهَلْ يَصِحُّ، وَيُعْتَقُ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى - وَهِيَ الْأَصَحُّ فِي الشَّرْحِ - أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةُ لا تنعقد ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ بَيْعِي إِيَّاكَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ لَهُ بَعْدَ إِقْرَارِ مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُعْتَقْ، كَالْمُنَجَّزِ.
وَالثَّانِيَةُ: يُعْتَقُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ صَرَّحَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ، وَبِبَيْعِ سِلْعَتِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، وَيُفَارِقُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فِي ثُلُثِهِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْبَيْعِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: هَذَا لَا يَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَالثَّانِيَةُ:

حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَدَخَلَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ قَالَ: إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا، فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ قَالَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

يُعْتَقُ إِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّ صِحَّةَ التَّعْلِيقِ تُوجِبُ وُقُوعَ الْعِتْقِ عِنْدَ شَرْطِهِ ضَرُورَةً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَبْلَ الْعِتْقِ مِلْكًا لِلْوَارِثِ، وَكَسْبُهُ لَهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَعَلَى الْأُولَى، لَا يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ بَيْعَهُ قَبْلَ فِعْلِهِ كَمُوصًى بِهِ قَبْلَ قَبُولِهِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتَهَا، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَدَخَلَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، صَارَ مُدَبَّرًا) لِأَنَّهُ وُجِدَ شَرْطُ التَّدْبِيرِ، وَهُوَ دُخُولُ الدَّارِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَدْخُلْهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ ظَرْفًا لِوُقُوعِ الْحُرِّيَّةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي سَبْقَ دُخُولِ الدَّارِ فِي الْحَيَاةِ، وَأَنَّهُ لِلشَّرْطِ، إِذِ الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِهِ الْجَزَاءَ (فَإِنْ قَالَ) الْحُرُّ (إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا، فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا لَا يَصِحُّ، وَلَا يُعْتَقُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَخَلْقٍ، وَفِي الْمُغْنِي: هِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «لَا عِتْقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَنْجِيزَ الْعِتْقِ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَعْلِيقَهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَالثَّانِيَةُ: يُعْتَقُ إِذَا مَلَكَهُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ مَقْصُودٌ مِنَ الْمِلْكِ، وَالنِّكَاحُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ لِلَّهِ، وَلَا فِيهِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ أَضَافَ الْعِتْقَ إِلَى حَالٍ مَلَكَ عِتْقَهُ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي مِلْكِهِ (وَإِنْ

الْعَبْدُ، لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: آخِرُ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ، فَهُوَ حُرٌّ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الصِّفَةِ، فَمَلَكَ عَبِيدًا، ثُمَّ مَاتَ، فَآخِرُهُمْ حُرٌّ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ، أَوْ كَسْبِهِ لَهُ، وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ حَيًّا، ثُمَّ مَيِّتًا لم يُعْتَقُ الْأَوَّلُ،

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَهُ الْعَبْدُ، لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ حِينَ التَّعْلِيقِ ; لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ مَلَكَ، فَهُوَ مِلْكٌ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَلِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْحُرِّ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَتَقَ، وَمَلَكَ: عَتَقَ كَالْحُرِّ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ الْحُرُّ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ، فَهُوَ حُرٌّ، انْبَنَى عَلَى الْعِتْقِ، قَبْلَ الْمِلْكِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ بَعْدَ وَاحِدٍ شَيْئًا، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ مَلَكَ اثْنَيْنِ مَعًا، فَقِيلَ بِعِتْقِهِمَا ; لِأَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ وُجِدَتْ فِيهِمَا جَمِيعًا، كَالْمُسَابَقَةِ، وَعَكْسِهِ، وَقِيلَ: وَاحِدٌ بِقُرْعَةٍ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَنَقَلَهُ مُهَنَّا فِي أَوَّلِ غُلَامٍ أَوِ امْرَأَةٍ تَطْلُعُ، فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ طَالِقٌ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ لَفْظَهَا: أَوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ مِنْ عَبِيدِي.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ مَلَكَهُ، ثُمَّ كَلَّمَهُ، لَمْ يُعْتَقْ.
(وَإِنْ قَالَ: آخِرُ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ، فَهُوَ حُرٌّ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الصِّفَةِ) أَيْ: صِحَّةِ التَّعْلِيقِ ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ عُلِّقَتْ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالْآخِرِيَّةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي الْآخِرِ (فَمَلَكَ عَبِيدًا، ثُمَّ مَاتَ، فَآخِرُهُمْ حُرٌّ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ مَلَكَهُ، وَيَكُونُ (أَوْ كَسْبُهُ لَهُ) وَإِنْ كَانَ أَمَةً، كَانَ أَوْلَادُهَا أَحْرَارًا مِنْ حِينِ وَلَدَتْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ حُرَّةٍ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا، فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا ; لِأَنَّهُ وَطِئَ حُرَّةً أَجْنَبِيَّةً، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا إِذَا اشْتَرَاهَا، حَتَّى يَشْتَرِيَ غَيْرَهَا ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَرِ بَعْدَهَا غَيْرَهَا، فَهِيَ آخِرٌ فِي الْحَالِ، فَإِنْ مَلَكَ اثْنَتَيْنِ، فَكَأَوَّلٍ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مِنْ مَالِي أَوْ فِي مَالِي، لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ رَضِيَ سَيِّدُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: كُلُّ مَوْلُودٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، عَتَقَ كُلُّ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ فِي قَوْلِ الْعَامَّةِ، فَإِنْ بَاعَهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ، لَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا لِوِلَادَتِهَا لَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ.
(وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا، لَمْ يُعْتَقِ الْأَوَّلُ)

وَإِنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا، ثُمَّ حَيًّا، عَتَقَ الثَّانِي، وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، فَأُشْكِلَ الْآخِرُ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَتْبَعُ وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ أُمَّهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِ حَالَ عِتْقِهَا، أَوْ حَالَ تَعْلِيقِ عِتْقِهَا، وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، وَعَلَيْكَ أَلْفٌ أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ عِتْقِهِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الشَّرِيفِ: أَنَّهُ يُعْتَقُ الْحَيُّ (وَإِنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا، عَتَقَ الثَّانِي) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، فَأُشْكِلَ الْآخِرُ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ، فَوَجْهُ إِخْرَاجِهِ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِحْدَاكُمَا حُرٌّ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ مَيِّتًا، ثُمَّ حَيًّا، فَعَنْهُ: يُعْتَقُ الْحَيُّ، ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَعَنْهُ: لَا وهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إِنَّمَا وُجِدَ مِنَ الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ فَانْحَلَّتِ الْيَمِينُ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا، ثُمَّ لَمْ تَلِدْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، فَفِي عِتْقِ الْحَيِّ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتِ اثْنَيْنِ، وَأُشْكِلَ أَوَّلُهُمَا خُرُوجًا، عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَعَنْهُ: يُعْتَقَانِ جَمِيعًا، وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ، أَنَّ مَعْنَاهُمَا: أَنَّ أَمَدَ مَنْعِ السَّيِّدِ مِنْهُمَا هَلْ هُوَ الْقُرْعَةُ أَوْ الِانْكِشَافُ، وَفِي الِانْتِصَارِ احْتِمَالٌ: لَا يُعْتَقُ وَلَدٌ حَدَثٌ كَتَعْلِيقِهِ بِمِلْكِهِ.
(وَلَا يَتْبَعُ وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ أُمَّهُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) أَيْ: إِذَا حَمَلَتْ بَعْدَ التَّعْلِيقِ، وَوَضَعَتْ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يُعْتَقِ الْوَلَدُ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حَالَ التَّعْلِيقِ، وَلَا فِي حَالِ الْعِتْقِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ، قِيَاسًا عَلَى وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بِأَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ يُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْأُمُّ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ، أَوْ بَاعَهَا، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ، وَوَلَدُ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِعِتْقِ أُمِّهِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِ حَالَ عِتْقِهَا، أَوْ حَالَ تَعْلِيقِ عِتْقِهَا) أَيْ: إِذَا عُلِّقَ عِتْقُ أُمِّهِ بِصِفَةٍ وَهِيَ حَامِلٌ، تَبِعَهَا وَلَدُهَا كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، فَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثُمَّ وُجِدَتْ، عَتَقَ ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ فِي الصِّفَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي الْبَطْنِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا حَالَ التَّعْلِيقِ، ثُمَّ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، وَهِيَ حَامِلٌ، عُتِقَتْ هِيَ وَحَمْلُهَا ; لِأَنَّ الْعِتْقَ وُجِدَ فِيهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا كَالْمُنَجَّزِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَطَلَتِ الصِّفَةُ بِبَيْعٍ أَوْ مَوْتٍ لَمْ يُعْتَقِ الْوَلَدُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُعْتَقًا بِصِفَةٍ.

عَلَى أَلْفٍ، عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْعَبْدُ، لَمْ يُعْتَقْ، وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ: أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَقْبَلَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي سَنَةً، فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَمْ يُعْتَقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً.

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، وَعَلَيْكَ أَلْفٌ أَوْ عَلَى أَلْفٍ، عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ عِوَضًا لَمْ يَقْبَلْهُ، فَلَمْ يُعْتَقْ بِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، وَعَلَيْكَ مِائَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ (وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْعَبْدُ، لَمْ يُعْتَقْ) نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ قَصَدَ الْمُعَاوَضَةَ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلِ الْعَبْدُ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى الْمَالُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ، أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَقْبَلَ) فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَمْ يُعْتَقْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يُعْتَقْ بِدُونِ قَبُولِهِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بِمِائَةٍ أَوْ بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِمِائَةٍ ; لِأَنَّ عَلَى تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ وَالْعِوَضِ ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66] و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] وَلَوْ قَالَ فِي النِّكَاحِ: زَوَّجْتُكَ فُلَانَةً ابْنَتِي عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، فَقَبِلَ الْآخَرُ، صَحَّ، وَوَجَبَ الصَّدَاقُ، وَقَوْلُهُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ عَلَى أَنْ تُزَوِّجِينِي نَفْسَكِ، كَقَوْلِهِ: عَلَى مِائَةٍ، وَإِنْ أَبَاهُ، لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ بِقَبُولِهَا مَجَّانًا، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِالْأَدَاءِ، فَإِنْ بَاعَهُ نَفْسَهُ، بِمَالٍ فِي يَدِهِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعُتِقَ فِي الْحَالِ، وَفِي الْوَلَاءِ رِوَايَتَانِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي سَنَةً فَكَذَلِكَ) أَيْ: يُعْتَقُ بِلَا قَبُولٍ، وَتَلْزَمُهُ الْخِدْمَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَمْ يُعْتَقْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ قَصْدَ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا ظَاهِرٌ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قَبِلَ عَتَقَ فِي الْحَالِ، وَلَزِمَتْهُ خِدْمَتُهُ سَنَةً، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ كَمَالِ السَّنَةِ، رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الْخِدْمَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْعِوَضِ، رَجَعَ إِلَى قِيمَتِهِ، كَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَبْدِ، وَهَلْ لِلسَّيِّدِ بَيْعُهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَلَ حَرْبٌ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا مِنَ الْعَبْدِ، أَوْ مِمَّنْ شَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا لَوِ اسْتَثْنَى خِدْمَتَهُ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَذَكَرُوا صِحَّتَهُ فِي الْوَقْفِ، وَهَذَا مَثَّلَهُ بِخِلَافِ شَرْطِ الْبَائِعِ خِدْمَةَ الْمَبِيعِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لِأَجْلِهِ.

فَصْلٌ وَإِذَا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ، عَتَقَ عَلَيْهِ مُدَبَّرُوهُ، وَمُكَاتَبُوهُ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَشِقْصٌ يَمْلِكُهُ وَإِنْ قَالَ: أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعْ له الْقُرْعَةُ فَهُوَ

[المبدع في شرح المقنع]

فُرُوعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ خَدَمْتَنِي سَنَةً، فَأَنْتَ حُرٌّ، لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى يَخْدِمَهُ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ فِيهَا، لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بِشَرْطِ أَنْ تَخْدِمَ زَيْدًا بَعْدَ مَوْتِي سَنَةً، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعُتِقَ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ زَيْدٌ مِنَ الْخِدْمَةِ، عَتَقَ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: بَعْدَ سَنَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْخِدْمَةُ لِبَيْعَةٍ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ، قَبْلَ تَمَامِهَا، عَتَقَ فِي الْحَالِ، وَهَلْ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لِبَقِيَّةِ الْخِدْمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِذَا قَالَ لِجَارِيَةٍ: إِنْ خَدَمْتِ ابْنِي حَتَّى يَسْتَغْنِيَ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ، لَمْ تُعْتَقْ حَتَّى تَخْدِمَهُ إِلَى أَنْ يَكْبَرَ وَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الرِّضَاعِ.
إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي مِائَةً، فَأَنْتِ حُرٌّ، فَتَعْلِيقٌ مَحْضٌ لَا يُبْطِلُهُ مَا دَامَ مَلَكَهُ، وَلَا يُعْتَقُ بِإِبْرَاءٍ، بَلْ يَدْفَعُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَا فَضُلَ عَنْهَا لِسَيِّدِهِ، وَلَا يَكْفِيهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مِلْكِهِ، إِذْ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي مِائَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَتَتِ بِمِائَةٍ مَغْصُوبَةٍ، فَفِي وُقُوعِهِمَا احْتِمَالَانِ، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَالْعِتْقُ مِثْلُهُ، إِذَا قَالَ اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْمَالِ، وَأَعْتِقْنِي، فَفَعَلَ، عَتَقَ، وَلَزِمَ مُشْتَرِيهِ الْمُسَمَّى، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِهِ إِنْ لَمْ تَتَعَيَّنِ النُّقُودُ، وَإِلَّا بَطَلَا، وَعَنْهُ: أَجَبْنَ عَنْهُ.

[إِذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ عَتَقَ عَلَيْهِ مُدَبَّرُوهُ]

فَصْلٌ (وَإِذَا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ، عَتَقَ عَلَيْهِ مُدَبَّرُوهُ وَمُكَاتَبُوهُ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَشِقْصٌ يَمْلِكُهُ) وَعَبْدُ عَبْدِهِ الْمَأْذُونُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَوْعَبَهُمْ دَيْنُ الْمَأْذُونِ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ فِيهِمْ، فَيُعْتَقُوا كَمَا لَوْ عَيَّنَهُمْ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَا يُعْتَقُ شِقْصٌ، حَتَّى يَنْوِيَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ كُلَّهُ.
فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَ بِشَرْطٍ قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ، فَسَوَاءٌ إِنْ صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالْمِلْكِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَتَاوِيهِ (وَإِنْ قَالَ: أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ الْجَمِيعَ، وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ ثُلُثِهِ (فَمَنْ تَقَعْ لَهُ الْقُرْعَةُ، فَهُوَ

حُرٌّ مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُ، وَإِنْ مَاتَ، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيِّ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا، ثُمَّ أُنْسِيَهُ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَهَا أَنَّ الْمُعْتَقَ غَيْرُهُ، عَتَقَ، وَهَلْ يَبْطُلُ عِتْقُ الْأَوَّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

حُرٌّ مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُ) لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ التَّعْيِينُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَا لِلْوَارِثِ بَعْدَهُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ هَذَا بِعَيْنِهِ، قُبِلَ مِنْهُ، وَعُتِقَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُ، يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ إِنْ كَانَ اكْتَسَبَ مَالًا بَعْدَ الْعِتْقِ، فَهُوَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ اكْتُسِبَ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ (وَإِنْ مَاتَ، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ) لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيِّ) فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ حَسِبْنَاهُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَقَوَّمْنَاهُ حِينَ الْإِعْتَاقِ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ، فَعَلَيْهِ إِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْحَيِّ، نُظِرَ فِي الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ قَبْضِ الْوَارِثِ، لَمْ يُحْسَبْ مِنَ التَّرِكَةِ، فَتَكُونُ التَّرِكَةُ لِلْحَيِّ وَحْدَهُ، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْإِعْتَاقِ ; لِأَنَّهُ حِينَ الْإِتْلَافِ، وَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ التَّرِكَةِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حِيَنِ الْمَوْتِ إِلَى حِينِ قَبْضِ الْوَارِثِ، وَقِيلَ: يُحْسَبُ الْمَيِّتُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ قَبْضِ الْوَارِثِ لَهُ حُسِبَ مِنَ التَّرِكَةِ ; لِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَجَعَلْنَاهُ كَالْحَيِّ فِي تَقْوِيمِهِ مَعَهُ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أُنْسِيَهُ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ) فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَقَالَهُ اللَّيْثُ ; لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْعِتْقِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَتَقَ جَمِيعُهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْرَعْ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عِتْقِ مَنْ عَيَّنَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْتُ هَذَا، عَتَقَ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ، وَإِنْ قَالَ: أَعْتَقْتُ هَذَا، لَا بَلْ هَذَا، عُتِقَا جَمِيعًا، وَكَذَا إِقْرَارُ وَارِثٍ (فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ الْقُرْعَةِ (أَنَّ الْمُعْتَقَ غَيْرُهُ عُتِقَ) لِتَبَيُّنِ أَمْرِهِ (وَهَلْ يَبْطُلُ عِتْقُ الْأَوَّلِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَبْطُلُ، وَيُرَدُّ إِلَى الرِّقِّ ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ الْمُعْتَقُ، فَيُعْتَقُ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْرَعْ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَبَيَّنَتِ الْحَرِيَّةُ فِيهِ بِالْقُرْعَةِ، فَلَا تَزُولُ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ، وَكَمَا لَوْ كَانَتِ الْقُرْعَةُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ.

فَصْلٌ وَإِن أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، اعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ أَوْ دَبَّرَهُ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ جَمِيعَهُ، فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ وَعَنْهُ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا مَا أَعْتَقَ، وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ أَوْ دَبَّرَهُ، وَثُلُثِهِ يَحْتَمِلُ بَاقِيَةُ، أُعْطِيَ الشَّرِيكُ، وَلَوْ كَانَ جَمِيعُهُ حُرًّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى: لَا يَعْتِقُ إِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

[إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ اعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ]

فَصْلٌ (وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ (وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ اعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُجِزْ عِتْقَ الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، إِلَّا ثُلُثَهُمْ، وَلِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَالٍ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَكَالتَّدْبِيرِ، وَالْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، فَعَلَى هَذَا: مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِنْ أَجَازَهُ الْوَارِثُ، جَازَ، وَإِنْ رَدَّهُ، بَطَلَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (وَإِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ أَوْ دَبَّرَهُ) بِأَنْ قَالَ: إِذَا مُتُّ، فَنِصْفُ عَبْدِي حُرٌّ، ثُمَّ مَاتَ (وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ جَمِيعَهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ يَزُولُ التَّدْبِيرُ كَالْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ ; لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ لِبَعْضِ عَبْدِهِ (فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ) كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَشَرْطُهُ كَمَا ذَكَرَهُ: أَنْ يَكُونَ ثُلُثُ الْمَرِيضِ يَحْتَمِلُهُ ; لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ بِالْمُبَاشِرَةِ فِي الزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ لَا يَصِحُّ، فَلِأَنْ لَا يَسْرِي فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ سَيِّدِهِ، عَتَقَ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ (وَعَنْهُ: لَا يُعْتَقُ إِلَّا مَا أَعْتَقَ) لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَسْرِ كَتَعْلِيقِهِ بِالصِّفَةِ فِي الْحَيَاةِ.
فَرْعٌ: إِذَا دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ، صَحَّ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ لِشَرِيكِهِ فِي الْحَالِ شَيْءٌ، فَإِذَا مَاتَ، عَتَقَ الْجُزْءُ الْمُدَبَّرُ، إِذَا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَفِي سِرَايَتِهِ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْخِلَافُ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ أَوْ دَبَّرَهُ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَهُ، أُعْطِيَ الشَّرِيكُ) أَيْ: قِيمَةَ بَاقِيهِ بِتَقْدِيرِ الْحُكْمِ بِالْحُرِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ» (وَلَوْ كَانَ جَمِيعُهُ حُرًّا، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَيُعْطَى الشَّرِيكُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ مِلْكَ الْمُعْتِقُ لِثُلُثِ الْمَالِ تَامُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالتَّبَرُّعِ، فَهُوَ كَمَالُ الصَّحِيحِ الْمُوسِرِ (وَالْأُخْرَى: لَا يَعْتِقُ إِلَّا مَا مَلَكَ مِنْهُ) أَيْ: حِصَّتَهُ فَقَطْ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ إِلَى وَرَثَتِهِ

مَا مَلَكَ مِنْهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ في مَرَضه سِتَّةَ أَعْبُدٍ، قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ، بِيعُوا فِي دَيْنِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ ثُلْثُهُمْ، وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ، فَأَعْتَقْنَا

[المبدع في شرح المقنع]

بِمَوْتِهِ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ يَقْضِي مِنْهُ الشَّرِيكَ، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي: مَا أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ سَرَى، وَمَا دَبَّرَهُ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ، فَلَا، فَالرِّوَايَةُ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَصَحُّ، وَالرِّوَايَةُ فِي وُقُوفِهِ فِي التَّدْبِيرِ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْحَيَاةِ يَنْفُذُ حَالَ مِلْكِ الْمُعْتِقِ، وَصِحَّةُ تَصَرُّفِهِ، وَتَصَرُّفُهُ فِي ثُلُثِهِ كَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ فِي مَالِهِ كُلِّهِ، وَأَمَّا التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ، فَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ بِهِ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِ الْمُعْتِقِ وَتَصَرُّفَاتِهِ (وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ، قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ، بِيعُوا فِي دَيْنِهِ) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَعْتَقَ عَبِيدَهُ، أَوْ دَبَّرَهُمْ وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلْثِهِ فِي الظَّاهِرِ، فَأَعْتَقْنَاهُمْ، ثُمَّ مَاتَ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ، تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ عِتْقِهِمْ، فَيُبَاعُونَ فِي الدَّيْنِ، وَيَكُونُ عِتْقُهُمْ وَصِيَّةً، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمِيرَاثِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلِهَذَا يُبَاعُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] الْآيَةَ، وَرَدَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَبْدًا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثُهُمْ) هَذَا رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، فَعَلَى هَذَا: يُعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَيُرَدُّ الْبَاقِي ; لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ، كَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ فِي مَالِهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلِأَنَّهُ تَبَرَّعَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِمَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ كَالْهِبَةِ، فَإِنْ قَالَ الْوَرَثَةُ: نَحْنُ نُمْضِي الْعِتْقَ، وَنَقْضِي الدَّيْنَ، لَمْ يَنْفُذْ فِي وَجْهٍ ; لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ مَانِعًا مِنْهُ، فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَلَا يَصِحَّ بِزَوَالِ الْمَانِعِ بَعْدَهُ، وَفِي آخَرَ: يَنْفُذُ الْعِتْقُ ; لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ الدَّيْنُ، وَجَبَ نُفُوذُهُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُمَا إِذَا تَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي التَّرِكَةِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، وَقُضِيَ الدَّيْنُ، هَلْ يَنْفُذُ فِيهِ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَعْتَقَ الْمَرِيضُ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَأَقْرَعَ الْوَرَثَةُ، فَأَعْتَقُوا وَاحِدًا وَأَرَقُّوا اثْنَيْنِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ نِصْفَهُمْ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ الْقُرْعَةُ، وَالثَّانِي: لَا، فَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: اقْضُوا ثُلْثَيِ الدَّيْنِ، وَهُوَ بِقِدْرِ قِيمَةِ نِصْفِ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ

ثُلُثَهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يُخْرَجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ، عَتَقَ مَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ جَزَّأْنَاهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، كُلَّ اثْنَيْنِ جُزْءًا، وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ، عَتَقَ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ.

[المبدع في شرح المقنع]

بَقِيَا، إِمَّا مِنَ الْعَبِيدِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيَجِبُ رَدُّ نِصْفِ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا خَرَجَتْ لِأَحَدِهِمَا، وَكَانَ بِقَدْرِ السُّدُسِ مِنَ التَّرِكَةِ، عَتَقَ وَبِيعَ الْآخَرُ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ، عَتَقَ بِقَدْرِ السُّدُسِ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ عَتَقَ، وَعَتَقَ مِنَ الْآخَرِ تَمَامُ السُّدُسِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ فَأَعْتَقْنَا ثُلُثَهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ، يُخْرِجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ، عَتَقَ مَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ) أَيْ: إِذَا أَعْتَقَ عَبِيدَهُ فِي مَرَضِهِ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُمْ إِلَّا الثُّلُثُ، وَيَرِقَّ الثُّلْثَانِ، إِذَا لَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ بِقَدْرِ ثُلُثَيْهِمْ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُمْ عُتِقُوا حِينَ أَعْتَقَهُمْ ; لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ نَافِذٌ، وَقَدْ بَانَ أَنَّهُمْ ثُلُثُ مَالِهِ، وَخَفَاءُ ذَلِكَ عَلَيْنَا لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مَوْجُودًا، فَلَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْعِتْقِ وَاقِعًا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُونَ أَحْرَارًا مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُمْ وَكَسْبُهُمْ لَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ تَصَرَّفَ فِيهِمْ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ، كَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَصَرَّفُوا، فَحُكْمُهُمْ كَالْأَحْرَارِ، فَلَوْ تَزَوَّجَ مِنْهُمْ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، كَانَ نِكَاحُهُ صَحِيحًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِمْ، عَتَقَ ثُلُثَاهُمْ ; لِأَنَّهُ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ بِقَدْرِ نَصْفِهِمْ، عَتَقَ نِصْفُهُمْ، وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ ثُلُثِهِمْ، عَتَقَ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْحِسَابِ (وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ، جَزَّأْنَاهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ كُلَّ اثْنَيْنِ جُزْءًا، وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران: 44] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 141] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَجَزَّأَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا سَدِيدًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الْقُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْقِسْمَةِ،

فصل في كيفية القرعة وَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً، فَإِنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وَخَمْسَةِ رِقٍّ، وَسَهْمٍ

[المبدع في شرح المقنع]

وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ السَّفَرَ، بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَكَذَا إِذَا تَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ فِي التَّزْوِيجِ، أَوْ مَنْ يَتَوَلَّى الْقِصَاصَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ، فَوَجَبَ جَمْعُهُ بِالْقُرْعَةِ كَقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ مَعَ الطَّلَبِ، وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلُ الْخَصْمِ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمَ، فَالْحُجَّةُ الْحَدِيثُ مُطْلَقًا، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَسَاوِي الْقِيمَةِ وَالْعَدَدِ فِيهِمْ، كَثَلَاثَةٍ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ، قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلُ قِيمَةِ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانُوا مُتَسَاوِيَ الْعَدَدِ دُونَ الْقِيمَةِ، كَسِتَّةِ أَعْبُدٍ قِيمَةُ اثْنَيْنِ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَاثْنَيْنِ مِائَتَانِ مِائَتَانِ، وَاثْنَيْنِ مِائَةٌ مِائَةٌ، جَعَلْتَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا أَرْبَعُمِائَةٍ جُزْءًا، وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا مِائَةٌ مِائَةٌ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُولَيَيْنِ جُزْءًا، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَهُمْ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ، وَأَنَّ الْعَطَايَا يُسَاوَى بَيْنَ مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا.
1 - فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ سَعِيدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ: يَقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِالْخَوَاتِيمِ، أَقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَوْبٍ، فَأَخْرَجَ خَاتَمَ هَذَا وَخَاتَمَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: يُخْرِجُونَهُمَا، ثُمَّ يُدْفَعُ إِلَى رَجُلٍ، فَيُخْرِجُ مِنْهُمَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: بِأَيِّ شَيْءٍ خَرَجَتْ مِمَّا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رِقَاعًا أَوْ خَوَاتِيمَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ: الْأَوْلَى أَنْ يَقْطَعَ رِقَاعًا صِغَارًا مُسْتَوِيَةً، ثُمَّ تُجْعَلُ فِي بَنَادِقِ شَمْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ تُلْقَى فِي حِجْرِ وَاحِدٍ لَمْ يَحْضُرْ، وَيُغَطَّى عَلَيْهَا بِثَوْبٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَدْخِلْ يَدَكَ، فَأَخْرَجَ بُنْدُقَةً، فَيَفُضُّهَا، وَيَعْلَمُ مَا فِيهَا، وَفِي كَيْفِيَّتِهَا، طُرُقٌ سَتَأْتِي فِي الْقِسْمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً فَإِنْ شَاءَ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وَخَمْسَةِ رِقٍّ، وَسَهْمٍ لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ) لِأَنَّ الْغَرَضَ خُرُوجُ الثُّلُثِ بِالْقُرْعَةِ، فَكَيْفَ اتَّفَقَ، حَصَلَ ذَلِكَ الْغَرَضُ (وَإِنْ شَاءَ

لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ، وَإِنْ شَاءَ جَزَّأَهُمْ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَثَلَاثَةِ رِقٍّ، ثُمَّ أَعَادَ الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمْ لِإِخْرَاجِ مَنْ ثُلْثَاهُ حُرٌّ، وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، جَازَ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَتَانِ، وَالْآخَرُ ثَلَاثُمِائَةٍ جَمَعْتَ قِيمَتَهُمَا، وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَجَعَلْتَهَا الثُّلُثَ، ثُمَّ أَقْرَعْتَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ ضَرَبْتَهُ فِي ثَلَاثَةٍ، تَكُنْ سِتَّمِائَةٍ، ثُمَّ نَسَبْتَ مِنْهُ خُمُسَ الْمِائَةِ، يَكُنِ الْعِتْقُ فِيهِ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ، عَتَقَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَأْتِي مِنْ هَذَا، فَسَبِيلُهُ أَنْ يُضْرَبَ فِي ثَلَاثَةٍ لِيَخْرُجَ بِلَا كَسْرٍ، وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةِ أعبد، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، أَقَرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَّيْنِ، فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ، رَقَّ

[المبدع في شرح المقنع]

جَزَّأَهُمْ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ، وَثَلَاثَةِ رِقٍّ، ثُمَّ أَعَادَ الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمْ لِإِخْرَاجِ مَنْ ثُلْثَاهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ اثْنَيْنِ جُزْءًا، وَيُقْرِعُ بَيْنَهُمْ بِمَا ذُكِرَ ; لِيُظْهِرَ التَّفْرِيقُ الْمُعْتَقَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُعِيدُ الْقُرْعَةَ ; لِيُظْهِرَ مَنْ ثُلْثَاهُ حُرٌّ (وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، جَازَ) بِأَنْ يَجْعَلَ ثَلَاثَةً جُزْءًا، وَثَلَاثَةً جُزْءًا، وَاثْنَيْنِ جُزْءًا، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الِاثْنَيْنِ، عُتِقَا، وَيُكْمِلُ الثُّلُثَ بِالْقُرْعَةِ مِنَ الْبَاقِينَ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِثَلَاثَةٍ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمِ رِقٍّ، ثُمَّ أُعِيدَتِ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ، عَتَقَ ثُلْثَاهُ، فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ عَبْدَيْنِ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمِ رِقٍّ عَلَى كُلِّ حَالٍ (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَتَانِ، وَالْآخَرُ ثَلَاثُمِائَةٍ جَمَعْتَ قِيمَتَهُمَا، وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَجَعَلْتَهَا الثُّلُثَ) هَذَا إِذَا لَمْ يُجِزَ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمَا، عَتَقَ ثُلُثُهُمَا، وَكَمُلَ الثُّلُثُ فِي أَحَدِهِمَا، فَتَجْمَعُ قِيمَتَهُمَا، فَتَكُونُ خَمْسَمِائَةٍ (ثُمَّ أَقْرَعْتَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ ضَرَبْتَهُ فِي ثَلَاثَةٍ) أَيْ: تَضْرِبُ قِيمَتَهُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَنَسَبْنَا قِيمَتَهَا إِلَى الْمُرْتَفَعِ بِالضَّرْبِ، فَمَا خَرَجَ مِنَ النِّسْبَةِ، عَتَقَ مِنَ الْعَبْدِ بِقَدْرِهِ (تَكُنْ سِتَّمِائَةٍ، ثُمَّ نَسَبْتَ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ) لِأَنَّهَا الثُّلُثُ تَقْدِيرًا (يَكُنِ الْعِتْقُ فِيهِ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ) لِأَنَّ خَمْسَمِائَةٍ مِنْ سِتَّمِائَةٍ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهَا (وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ) وَهُوَ الَّذِي قِيمَتُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ (عَتَقَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ) لِأَنَّكَ إِذَا ضَرَبْتَ قِيمَتَهُ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، كَانَتْ تِسْعَمِائَةٍ، فَإِذَا نَسَبْتَ خَمْسَمِائَةٍ، كَانَتْ خَمْسَةَ أَتْسَاعِهَا (وَكُلُّ شَيْءٍ يَأْتِي مِنْ هَذَا، فَسَبِيلُهُ أَنْ يُضْرَبَ فِي ثَلَاثَةٍ، لِيَخْرُجَ بِلَا كَسْرٍ) هَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى جَمْعَ الْعِتْقِ فِي بَعْضِ الْعَبْدِ بِالْقُرْعَةِ (وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدًا) أَيْ: غَيْرَ مُعَيَّنٍ (مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، أَقَرَعَ

الْآخَرَانِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى أَحَدِ الْحَيَّيْنِ، عَتَقَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الثَّلَاثَةَ فِي مَرَضِهِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ، وَيَسْقُطَ حُكْمُ الْمَيِّتِ.

[المبدع في شرح المقنع]

بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَّيْنِ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا دُونَ الْمَيِّتِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ، رَقَّ الْآخَرَانِ) كَمَا لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً (وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى أَحَدِ الْحَيَّيْنِ، عَتَقَ، إِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ مُعْتَبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ، بِخِلَافِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْرُطْ فِيهَا ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ وَقَفَ الثُّلُثَ، فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، فَالزَّائِدُ عَنِ الثُّلُثِ هَلَكَ عَلَى مَالِكِهِ، وَإِنْ كَانَ، فَلَا يُعْتِقُ من الآخرين شَيْئًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ إِلَّا وَاحِدًا.
(وَإِنْ أَعْتَقَ الثَّلَاثَةَ فِي مَرَضِهِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: يُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَّيْنِ ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ إِنَّمَا تَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، لَا يُقَالُ: لَيْسَ حُكْمُ عِتْقِ الثَّلَاثَةِ ليس كَحُكْمِه عِتْقِ أَحَدِهِمْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنَ الْآخَرَيْنِ، فَمَعَ وُقُوعِ الْقُرْعَةِ عَلَيْهِ تَكْمُلُ مِنَ الْآخَرَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي نَفْسِ الْقُرْعَةِ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقِيمَةِ (وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَيَسْقُطَ حُكْمُ الْمَيِّتِ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، وَحَالَةُ الْمَوْتِ إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْعَبْدَانِ، وَهُمَا كُلُّ مَالِهِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ فِي مَرَضِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ.
فَرْعٌ: لَوْ وَكَلَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْآخَرَ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: نَصِيبِي حُرٌّ، عَتَقَ، وَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَالْوَلَاءُ لَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، عَتَقَ، وَسَرَى إِلَى نَصِيبِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُوَكَّلِ، وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ الْعَبْدِ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، احْتَمَلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى نَصِيبِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَيْهِمَا لِتَسَاوِيهِمَا، وَأَيُّهُمَا حَكَمْنَا بِالْعِتْقِ عَلَيْهِ، ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، فَسَرَى إِلَى الْآخَرِ، لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْعِتْقِ.

باب التدبير وهو تعليق العتق بالموت، ويعتبر من الثلث ويصح من كل من تصح وصيته،

[المبدع في شرح المقنع]

[بَابُ التَّدْبِيرِ]

سُمي تدبيراً، لأن الوفاة دبر الحياة، يقال: دبره تدبيراً: إذا علق عتقه بموته، يقال: أعتقه عن دبر، أي بعد الموت، وقال ابن عقيل: هو مشتق من إدباره من الدنيا، ولا يستعمل في كل شيء بعد الموت من وصية ووقف وغيره، فهو لفظ يخص به العتق بعد الموت، والأصل فيه حديث جابر أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن النحام بثمانمائة درهم، فدفعها إليه.
متفق عليه، وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبر عبده أو أمته، ولم يرجع عن ذلك حتى مات، والمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء الدين وإنفاذ وصاياه، وكان السيد بالغاً جائز التصرف: أنه يعتق.
(وهو تعليق العتق بالموت) هذا بيان لمعنى التدبير شرعاً، ولا تصح وصيته به (ويعتبر من الثلث) أي: إنما يعتق إذا خرج من ثلث المال في قول أكثر العلماء، ورُوي عن ابن مسعود وغيره: أنه من رأس المال، ونقله حنبل عن الإمام قياساً على أم الولد، وجوابه: بأنه تبرع بعد الموت، فكان من الثلث كالوصية، وما نقله حنبل لا عمل عليه، قال أبو بكر: هو قول قديم رجع عنه إلى ما قاله الجماعة، فعلى هذا إذا لم يخرج منه، وأجاز الورثة، عتق جميعه، وإلا عَتَقَ مِنْهُ مِقْدَارُ الثُّلُثِ،

وصريحه لفظ العتق والحرية المعلقين بالموت، ولفظ التدبير وما تصرف منها، ويصح مطلقاً ومقيداً بأن يقول: إن مت فمن مرضي هذا أو عامي هذا، فأنت حر

[المبدع في شرح المقنع]

وَهَلْ يُسْتَسْعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ: فِي الصِّحَّةِ مُطْلَقًا.
فَرْعٌ: إِذَا اجْتَمَعَ الْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ وَالتَّدْبِيرِ، قُدِّمَ الْعِتْقُ، وَإِنِ اجْتَمَعَ هُوَ وَالْوَصِيَّةُ بِعِتْقِهِ، تَسَاوَيَا لِوُجُودِهِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ التَّدْبِيرُ لِحُصُولِهِ بِلَا مُهْلَةٍ.
(وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ وَكَانَ يَعْرِفُهُ، وَالْجَارِيَةُ إِذَا جَاوَزَتِ التِّسْعَ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَالْجَارِيَةُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعًا، فَهِيَ امْرَأَةٌ، وَلِأَنَّهُ سِنٌّ يُمْكِنُ بُلُوغُهَا فِيهِ، وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَيَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَوْ حَرْبِيًّا وَمُرْتَدًّا، إِنْ تَبَيَّنَّا مِلْكَهُ لَهُ، فَأَسْلَمَ، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا، بَطُلَ فِي الْأَصَحِّ (وصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِالْمَوْتِ) كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُدَبَّرًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا) غَيْرُ أَمْرٍ وَمُضَارِعٍ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ دَبَّرْتُكَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُدَبَّرًا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَكِنَايَاتُ الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ تَكُونُ لِلتَّدْبِيرِ إِذَا أَضَافَ إِلَيْهِ ذِكْرَ الْمَوْتِ (وَيَصِحُّ مُطْلَقًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ آخَرَ، نَحْوَ: إِنْ مِتُّ، فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ (وَمُقَيَّدًا) لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى شَرْطٍ، فَصَحَّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، كَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِغَيْرِ الْمَوْتِ (بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ فَمِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ عَامِي هَذَا) أَوْ فِي بَلَدِي هَذَا (فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ) لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ خَاصٌّ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ خَاصٍّ مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى صِفَةٍ، كَـ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَهَذَا لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ علقَ التدبير بِشَرْطٍ، فَإِذَا وُجِدَ صَارَ مُدَبَّرًا وَعُتِقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يُعْتَقْ ; لِأَنَّ إِطْلَاقَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي وَجُودَهُ فِي الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ عِتْقًا مُنَجَّزًا.

أو مدبر.
وإن قال: متى شئت، فأنت مدبر، فمتى شاء في حياة السيد، صار مدبراً وإن قال: إن شئت، فأنت مدبر، فقياس المذهب أنه كذلك، وقال أبو الخطاب: إن شاء في المجلس، صار مدبراً، وإلا فلا، وإذا قال: قد رجعت في تدبيري، أو

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعَانِ، الْأَوَّلُ: إِذَا قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَقَرَأَهُ جَمِيعَهُ، صَارَ مُدَبَّرًا بِخِلَافِ قِرَاءَةِ بَعْضِهِ، فَإِنْ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ قُرْآنًا، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَقَرَأَ بَعْضَهُ، صَارَ مُدَبَّرًا ; لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى عَرَّفَهُ بِاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
الثَّانِي: إِذَا قَالَا لِعَبْدِهِمَا: إِنْ مُتْنَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلْحَرِيَّةِ بِمَوْتِهِمَا جَمِيعًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَلَا يُعْتَقُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ، وَلَا بِبَيْعِ وَارِثِهِ حَقَّهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ: إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَنُصِيبُهُ حُرٌّ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَ آخِرِهِمَا مَوْتًا، فَإِنْ جَازَ تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا عَتَقَ نَصِيبُ الْآخَرِ مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ، وَفِي سِرَايَتِهِ إِنِ احْتَمَلَهُ ثُلُثُهُ الرِّوَايَتَانِ.
(وَإِنْ قَالَ: مَتَى شِئْتَ، فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَمَتَى شَاءَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، صَارَ مُدَبَّرًا) بِعِتْقٍ بِمَوْتِهِ ; لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ عَلَى التَّرَاخِي، فَمَتَى وُجِدَتِ الْمَشِيئَةُ، وُجِدَ الشَّرْطُ، كَقَوْلِهِ: إِذَا شِئْتَ، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتَ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ، بَطُلَتْ، فَإِنْ قَالَ: مَتَى شِئْتَ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتَ بَعْدَ مَوْتِي، فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ، فَعَلَيْهِ يَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي وَمَا كَسَبَهُ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ، فَهُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ، بِخِلَافِ الْمُوصَى بِهِ، فَإِنَّ فِي كَسْبِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ وَجْهَيْنِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَذَلِكَ) أَيْ: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَمَتَى شِئْتَ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ شَاءَ فِي الْمَجْلِسِ، صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ كَالِاخْتِيَارِ (وَإِذَا قَالَ: قَدْ رَجَعْتُ فِي

قد أبطلته، لم يبطل، لأنه تعليق للعتق بصفة، وعنه: يبطل كالوصية وله بيع المدبر وهبته، وإن عاد إليه عاد التدبير، وعنه: لا يباع إلا في الدين، وعنه: لا تباع الأمة

[المبدع في شرح المقنع]

تَدْبِيرِي، أَوْ قَدْ أَبْطَلْتُهُ، لَمْ يَبْطُلْ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ (لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ) وَكَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلَتُ الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ (وَعَنْهُ: يَبْطُلُ كَالْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نَفْسَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهَا بِالْقَوْلِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ آخَرَ، فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ فِي حَمْلٍ لَمْ يُوجَدْ، وَإِنْ رَجَعَ فِي حَامِلٍ، فَفِي حَمْلِهَا وَجْهَانِ لَا بَعْدَ وَضْعِهِ، وَالرِّوَايَتَانِ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِصَرِيحِ التَّعْلِيقِ، أَوْ صَرِيحِ الْوَصِيَّةِ، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ فِي الْأَمَةِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ، لَمْ يَرْجِعْ إِنْ قُلْنَا: تَعْلِيقٌ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَى وَرَثَتِي أَلْفًا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَقَدْ رَجَعَ عَنْ تَدْبِيرِهِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: كَمَا لَوْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَإِنْ دَبَّرَهُ كُلَّهُ، ثُمَّ رَجَعَ فِي نِصْفِهِ، صَحَّ إِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ فِي جَمِيعِهِ، فإن غير التدبير، فَكَانَ مُطْلَقًا، فَجَعَلَهُ مُقَيَّدًا، صَارَ مُقَيَّدًا إِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا، فَأَطْلَقَهُ، صَحَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ.
(وَلَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبَتُهُ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِهِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا، وَإِنْ لَمْ يوص بِهِ (وَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ) بَعْدَ الْبَيْعِ (عَادَ التَّدْبِيرُ) لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّدْبِيرَ هَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَعُودُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (وَعَنْهُ: لَا يُبَاعُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ) لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْعِتْقِ الْمُحَقَّقِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَلِأَنْ يُقَدَّمُ عَلَى مَا انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَعَنْهُ: لِحَاجَةٍ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْكَافِي ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إِنَّمَا بَاعَهُ لِحَاجَةِ صَاحِبِهِ (وَعَنْهُ: لَا تُبَاعُ الْأَمَةُ خَاصَّةً) لِأَنَّ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا إِبَاحَةً لِفَرْجِهَا، وَتَسْلِيطَ مُشْتَرِيهَا عَلَى وَطْئِهَا، مَعَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي بَيْعِهَا وَحَلِّهَا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا نَعْلَمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا عَنْ غَيْرِ إِمَامِنَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْجُوزْجَانِيُّ: صَحَّتْ أَحَادِيثُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ بِاسْتِقَامَةِ الطُّرُقِ، وَالْخَبَرُ إِذَا صَحَّ، اسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، فَلَمْ يُمْنَعِ

خاصة، وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها، فهو بمنزلتها ولا يتبعها ولدها من قبل

[المبدع في شرح المقنع]

الْبَيْعُ، كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَتُ الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَخَبَرُهُمْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ ; لِأَنَّ عِتْقَهَا ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ سَيِّدِهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ، أَوْ دَبَّرَ الْحَمْلَ، ثُمَّ بَاعَ أَمَتَهُ، فَكَاسْتِثْنَائِهِ فِي الْبَيْعِ، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَفِي الرَّوْضَةِ: لَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ فِي الدَّيْنِ، وَفِي بَيْعِهَا فِيهِ رِوَايَتَانِ، (وَمَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا) الْوَلَدُ الْحَادِثُ بَعْدُ التدبير لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ تَدْبِيرِهَا، وَيَعْلَمُ ذَلِكَ، بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِهِ، فَيَدْخُلَ مَعَهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، فَإِنْ بَطَلَ التدبير فِي الْأُمِّ، لَمْ يَبْطُلْ فِي وَلَدِهَا ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَصْلًا.
الثَّانِي: أَنْ تَحْمِلَ بِهِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ، فَهُوَ يَتْبَعُ أُمَّهُ مُطْلَقًا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ: أَنَّ وَلَدَهَا عَبْدٌ إِذَا لَمْ يَشْرُطِ الْوَلِيُّ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا، وَلَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، وَلِأَنَّ عِتْقَهَا مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، أَشْبَهَ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهَا بِدُخُولِ الدَّارِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِهِ وَجَابِرٍ: إِنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْأُمَّ اسْتَحَقَّتِ الْحَرِيَّةَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا كَأُمِّ الْوَلَدِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ فِي الْأُمِّ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهَا فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَتْبَعِ الثُّلُثَ لَهُمَا جَمِيعًا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا (وَلَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا مِنْ قِبَلِ التَّدْبِيرِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ وَلَا فِي الِاسْتِيلَادِ، فَفِي التَّدْبِيرِ أَوْلَى، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَ عَنْ عمه فِي الرَّجُلِ يُدَبِّرُ الْجَارِيَةَ وَلَهَا وَلَدٌ، قَالَ: وَلَدُهَا مَعَهَا، وَحَمَلَهَا الْمُؤَلِّفُ عَلَى الْوَلَدِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامَيْهِ، وَعُلِمَ أَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرِ لَا يَتْبَعُ أَبَاهُ مُطْلَقًا عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَعَنْهُ - وَهِيَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ -: الْجَزْمُ بِهَا فِي وَلَدِهِ

التدبير، وله وطء مدبرته، فإن أولدها بطل تدبيرها، وإذا دبر المكاتب، أو كاتب المدبر، جاز، فإن أدى، عتق، وإن مات سيده قبل الأداء، عتق إن حمل الثلث ما بقي من كتابته، وإلا عتق منه بقدر الثلث، وسقط من الكتابة بقدر ما

[المبدع في شرح المقنع]

مِنْ أَمَتِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التَّسَرِّي بِهَا يَكُونُ مُدَبَّرًا ; لِأَنَّهُ وَلَدُهُ مِنْ أَمَتِهِ فَتَبَعُهُ كَالْحُرِّ، وَفِي الرِّعَايَةِ: لَا يَكُونُ وَلَدُ الْمُدَبَّرِ مِنْ أَمَتِهِ مِثْلَهُ فِي الْأَصَحِّ، بَلْ يَتْبَعُ أُمَّهُ (وَلَهُ وَطْءُ مُدَبَّرَتِهِ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَمَمْلُوكَتِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ غَيْرَ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، وَطْءُ بِنْتِ مُدَبَّرَتِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَطِئَ أُمَّهَا (فَإِنْ أَوْلَدَهَا بَطَلَ تَدْبِيرُهَا) لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنَ التَّدْبِيرِ، فَأَبْطَلَهُ كَالنِّكَاحِ مَعَ الْمِلْكِ (وَإِذَا دَبَّرَ الْمُكَاتَبَ) جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِعِتْقِهِ بِصِفَةٍ، وَهُوَ يَمْلِكُ إِعْتَاقَهُ فَيَمْلِكُ التَّعْلِيقَ، وَإِنْ قِيلَ: هُوَ وَصِيَّةٌ (أَوْ كَاتَبَ الْمُدَبَّرَ، جَازَ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ; لِأَنَّ التَّدْبِيرَ إِنْ كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ، لَمْ يَمْنَعِ الْكِتَابَةَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ وَصِيَّةً، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ، ثُمَّ كَاتَبَهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَبْطُلُ بِهَا إِذَا قُلْنَا: هُوَ وَصِيَّةٌ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ كَاتَبَهُ (فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ) لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْمُكَاتَبِ (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، عَتَقَ) لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْمُدَبَّرِ (إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ) لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يُعْتَبَرُ فِي عِتْقِهِ بِالتَّدْبِيرِ خُرُوجُهُ مِنَ الثُّلُثِ، وَبَطَلَتِ الْكِتَابَةُ (وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ) حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ كُلُّهُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا مَانِعَ لَهُ (وَسَقَطَ مِنَ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ) لِانْتِفَاءِ مَحَلِّهَا بِالْعِتْقِ (وَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ) لِأَنَّ مَحَلَّهَا لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ، فَعَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ نِصْفُهُ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَ نِصْفُهُ، وَسَقَطَ نِصْفُ الْكِتَابَةِ، وَبَقِيَ نِصْفُهُ، وَالَّذِي يُحْسَبُ مِنَ الثُّلْثِ إِنَّمَا هُوَ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ وَقْتَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا، لَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ، وَمَنْ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، كَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ، فَكَذَا بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَعِنْدِي أَنْ

عتق وهو على الكتابة فيما بقي، وإذا دبر شركاً له في عبد، لم يسر إلى نصيب شريكه فإن أعتق شريكه، سرى إلى المدبر، وغرم قيمته لسيده، ويحتمل أن يسري في الأول دون الثاني وإذا أسلم مدبر الكافر، لم يقر في يده، وترك في

[المبدع في شرح المقنع]

يُعْتَقَ وَيَتْبَعَهُ وَلَدُهُ وَأَكْسَابُهُ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ إِبْطَالَ كِتَابَتِهِ ; لِكَوْنِهَا عِقْدًا لَازِمًا مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَ حَقِّهِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَهُ كَسْبُهُ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: مَا لَا بُدَّ مِنْ كَسْبِهِ، وَكَمَا لَوِ ادَّعَى الْمُدَبَّرُ أَنَّهُ كَسَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَمْكَنَ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ وَلَدِهِ (وَإِذَا دُبِّرَ) وَهُوَ مُوسِرٌ (شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ لَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ، فَلَمْ يَسْرِ، كَتَعْلِيقِهِ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَيُفَارِقُ الِاسْتِيلَادَ، فَإِنَّهُ آكَدُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَوْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا، لَمْ يَبْطُلِ اسْتِيلَادُهَا، وَالْمُدَبَّرُ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُدَبَّرُ، عَتَقَ نُصِيبُهُ إِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، وَفِي سِرَايَتِهِ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ رِوَايَتَانِ (فَإِنْ أَعْتَقَ شَرِيكُهُ) نَصِيبَهُ (سَرَى إِلَى الْمُدَبَّرِ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ) إِنْ كَانَ مُوسِرًا لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ إِذَا سَرَى إِلَى إِبْطَالِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنَ الْوَلَاءِ، وَالْوَلَاءُ أَوْلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ لَا أَصْلَ لَهُ، وَيَبْطُلُ بِمَا إِذَا عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ بِصِفَةٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْرِيَ فِي الْأَوَّلِ) وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ ; لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، فَسَرَى كَأُمِّ الْوَلَدِ (دُونَ الثَّانِي) أَيْ: لَا يَسْرِي ; لِأَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبٌ اسْتَحَقَّ الْوَلَاءَ عَلَى الْعَبْدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ إِبْطَالُهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا دَبَّرَا عَبْدَهُمَا مَعًا، صَحَّ، وَلَا يُعْتَقُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَلَا بِبَيْعِ وَارِثِهِ حَقَّهُ، ثُمَّ إِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ، فَفِي وُجُوبِ ضَمَانِ حَقِّ الْآخَرِ وَجْهَانِ، وَفِي الشَّرْحِ: إِذَا دَبَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ حَقَّهُ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَبَقِيَ نَصِيبُ الْآخَرِ عَلَى التَّدْبِيرِ، إِنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ يَفِي، فَهَلْ يَسْرِي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِذَا مِتْنَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَنِصْفُهُ حُرٌّ، وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحَرِيَّةِ بِمَوْتِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنْ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، فَمَا مَعَهُ إِذَنْ إِرْثٌ، وَعَنْهُ: بَلْ هُوَ لَهُ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، كَمَا لَوْ بَقِيَ مُدَّةً، فَادَّعَاهُ كَسْبًا بَعْدَ مَوْتِهِ حَلَفَ لَهُ، فَإِنْ

يد عدل حتى ينفق عليه من كسبه، وما فضل لسيده، وإن أعوز، فعليه تمامه إلا أن يرجع في التدبير، ونقول بصحة الرجوع فيجبر على بيعه، ومن أنكر التدبير لم يحكم عليه إلا بشاهدين، وهل يحكم عليه بشاهد وامرأتين، أو بشاهد ويمين العبد؟ على روايتين.
وإذا قتل المدبر سيده بطل تدبيره.

[المبدع في شرح المقنع]

أَقَامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ عَلَى بَيِّنَةِ الْوَرَثَةِ، وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْقِنَّ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ أَعْتَقَ مُكَاتَبَهُ، فَمَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ، وَعَنْهُ: لَهُ وَعِتْقُهُ مُكَاتَبَهُ، قِيلَ: إِبْرَاءٌ مِمَّا بَقِيَ، وَقِيلَ: فَسْخٌ كَعِتْقِهِ فِي كَفَّارَةٍ.
(وَإِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الْكَافِرِ، لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ) أَيْ: أَمَرْنَاهُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، لِئَلَّا يَبْقَى الْكَافِرُ مَالِكًا لِمُسْلِمٍ كَغَيْرِ الْمُدَبَّرِ، وَكَمَا لَوْ أَسْلَمَ مُكَاتَبُهُ وَعَجَزَ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إِنِ اسْتَدَامَ تَدْبِيرُهُ، وَيُحَالُ بَيْنَهُمَا، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ حَتَّى يُعْتَقَ بِمَوْتِهِ (وَتُرِكَ فِي يَدِ عَدْلٍ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ (وَمَا فَضُلَ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ (وَإِنْ أَعْوَزَ، فَعَلَيْهِ تَمَامُهُ) لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى السَّيِّدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ (إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي التَّدْبِيرِ، وَنَقُولُ بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ، فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ) وَلَا يُتْرَكُ فِي يَدِ عَدْلٍ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقَرُّ عَلَى اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إِنَّ الْمُدَبَّرَ إِذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ أَنَّهُ يُجْبَرُ سَيِّدُهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (وَمَنْ أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ، أَنَّهُ دَبَّرَهُ، صَحَّتْ دَعْوَاهُ ; لِأَنَّهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَبَّرِ بَيِّنَةٌ، قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَجَحْدُهُ التَّدْبِيرَ لَيْسَ رُجُوعًا إِنْ جُعِلَ عِتْقًا بِصِفَةٍ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، فَإِنْ جُعِلَ رُجُوعًا، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ جَوَّزْنَا الرُّجُوعَ وَحَلَفَ عَلَيْهِ، صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَوَرِثَهُ سَيِّدُهُ، فَكَالْخِلَافِ مَعَ السَّيِّدِ، إِلَّا أَنَّ الدَّعْوَى صَحِيحَةٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَأَيْمَانُهُمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، فَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ، عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى بَاقِيهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَيْنِ الْعَدَالَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِيهِمَا (وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْعَبْدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)

بَابُ الْكِتَابَةِ وَهِيَ بَيْعُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يَعْلَمُ فِيهِ خَيْرًا، وَهُوَ

[المبدع في شرح المقنع]

إِحْدَاهُمَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ: أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ إِثْبَاتُ الْحَرِيَّةِ، وَتَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، فَلَا يَثْبَتُ ذَلِكَ إِلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ.
(وَإِذَا قَتَلَ الْمُدَبَّرُ سَيِّدَهُ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ) لِأَنَّهُ قَصَدَ اسْتِعْجَالَ الْعِتْقِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ، فَعُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، كَمَنْعِ الْمِيرَاثِ بِقَتْلِ الْمُوِّرِثِ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ، فَيَبْطُلُ بِالْقَتْلِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ لِكَوْنِهَا آكَدُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ حِرْمَانِ الْإِرْثِ وَإِبْطَالِ وَصِيَّةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ قِيلَ: لَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَوْتِ، فَالتَّدْبِيرُ أَوْلَى نَظَرًا لِلْعِتْقِ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَى الْمُدَبَّرُ، لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ، وَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ، وَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ بَيْعَهُ أَوْجَبَ فِدَاءَهُ عَلَى سَيِّدِهِ، كَأُمِّ الْوَلَدِ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ بَيْعِهِ، عَتَقَ وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ فِي تَركة سَيِّدَهُ، وَإِنْ فَدَاهُ سَيِّدُهُ، بَقِيَ تَدْبِيرُهُ، وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ بِهَا، فَبَاقِيهِ مُدَبَّرٌ، وَإِنْ جَنَى عَلَى الْمُدَبِّرِ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ، وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ بِهَلَاكِهِ، لَا يُقَالُ: قِيمَتُهُ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَالْمَوْقُوفِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَازِمٌ، فَتَعَلَّقَ الْحَقُّ بِبَدَلِهِ وَالتَّدْبِيرُ غَيْرُ لَازِمٍ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إِبْطَالُهُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقِ الْحَقُّ بِبَدَلِهِ.

[بَابُ الْكِتَابَةِ]

سُمِّيَتْ بِهِ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ مِنَ الْكَتْبِ، وَهُوَ الضَّمُّ ; لِأَنَّ الْمُكَاتِبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّي الْحِرْزُ كَتْبًا، وَالْكَتِيبَةُ كَتِيبَةً ; لِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ.
وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: عِتْقٌ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ

الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إِذَا ابْتَغَاهَا بقيمته مِنْ سَيِّدِهِ، أُجْبِرَ عَلَيْهَا، وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا إِلَى أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ ; لِأَنَّ النُّجُومَ هِيَ الْأَوْقَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ، إِذِ الْعَرَبُ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ الْحِسَابَ، وَإِنَّمَا تَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ بِطُلُوعِ النُّجُومِ، فَسُمِّيَتِ الْأَوْقَاتُ نُجُومًا، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ ... فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ الْجَذَعْ (وَهِيَ بَيْعُ الْعَبْدِ) لَوْ قَالَ: الرَّقِيقُ لَعَمَّ (نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْكِتَابَةِ شَرْعًا، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مَعْلُومًا، يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، مُنَجَّمًا يُعْلَمُ قِسْطُ كُلِّ نَجْمٍ وَمُدَّتُهُ أَوْ مَنْفَعَتُهُ مُؤَجَّلَةً، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَعَانَ غَارِمًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُكَاتَبًا فِي كِتَابَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَإِذَا كَاتَبَ رَقِيقَهُ وَلَهُ مَالٌ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُكَاتَبُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْهُ لِلرَّقِيقِ (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يَعْلَمُ فِيهِ خَيْرًا) لِلنَّصِّ (وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَسْقَطَ الْأَمَانَةَ فِي الْوَاضِحِ وَالْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إِذَا ابْتَغَاهَا بِقِيمَتِهِ مِنْ سَيِّدِهِ) (أُجْبِرَ عَلَيْهَا) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، ذكره الحلواني، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَاهُ سِيرِينَ كَانَ عَبْدًا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَ سِيرِينُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَرَفَعَ الدِّرَّةَ عَلَيْهِ، وَقَرَأَ الْآيَةَ، فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ، وَقَدَّمَ فِي الرَّوْضَةِ الْإِبَاحَةَ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ بِعُوَضٍ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالِاسْتِسْعَاءِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَقَوْلُ عُمَرَ يُخَالِفُهُ فِعْلُ أَنَسٍ، قَالَ أَحْمَدُ: الْخَيْرُ صِدْقٌ وَصَلَاحٌ وَوَفَاءٌ بِمَالِ الْكِتَابَةِ وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ

كَاتَبَ الْمُمَيِّزُ عَبْدَهُ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ، صَحَّ، وَيُحْتَمَلُ أَلا يَصِحَّ، وَإِنْ كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمُمَيِّزَ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ،

[المبدع في شرح المقنع]

قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ وَالْأَمَانَةِ، وَفَسَّرَهُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غِنَاءٌ وَإِعْطَاءٌ لِلْمَالِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ لَا تَجِبُ إِجَابَتُهُ (وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ -: أَنَّهَا تُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَسْرُوقٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّ فِيهَا إِضْرَارًا بِالْمُسْلِمِينَ، وَجَعْلَهُ كَلًّا وَعِيَالًا عَلَيْهِمْ، مَعَ تَفْوِيتِ نَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَى سَيِّدِهِ.
وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -: لَا تُكْرَهُ ; لِأَنَّ بَرِيرَةَ كَاتَبَتْ وَلَا حِرْفَةَ لَهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنْ كَانَ يَجِدُ مَنْ يَكْفِيَهُ مَؤُونَتَهُ، لَمْ تُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَتْ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةٍ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَتْ لَا كَسْبَ لَهَا، فَإِنَّهَا تُكْرَهُ لَهَا إِجْمَاعًا (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ (وَإِنْ كَاتَبَ الْمُمَيِّزُ عَبْدَهُ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ، صَحَّ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ صَحِيحٌ فِي غَيْرِ الْكِتَابَةِ، فَكَذَا فِيهَا (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، كَالْمَجْنُونِ، وَبَنَاهُ فِي الشَّرْحِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِعْتَاقٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ، كَالْعِتْقِ بِغَيْرِ مَالٍ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذَنِ وَلَيِّهِ، وَإِنْ كَاتَبَ الْمُكَلَّفُ عَبْدَهُ الطِّفْلَ أَوِ الْمَجْنُونَ، لَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ إِذَا قَالَ: إِذَا أَدَّيْتُمَا إِلَيَّ فَأَنْتُمَا حُرَّانِ، عُتِقَا بِالْأَدَاءِ صِفَةً لَا كِتَابَةً، وَمَا فِي أَيْدِيهِمَا لِسَيِّدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ، فَوَجْهَانِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الْعِتْقَ (وَإِنْ كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمُمَيِّزَ، صَحَّ) لِأَنَّهُ مُمَيِّزٌ، وَالْمَصْلَحَةُ لَهُ فِي الْعِتْقِ بِخَلَاصِهِ مِنَ الرِّقِّ، كَالْبَالِغِ.

جارٍ التحميل