وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ، وَقَالَ: حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ، وَلَا خَصْمَ لِي.
نَادَى بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ، وَإِلَّا أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَيْتَامِ
[المبدع في شرح المقنع]
إِنْ شَاءَ خَلَّاهُ، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ بِقَدْرِ مَا يَرَى، فَإِطْلَاقُهُ بِإِذْنِهِ وَلَوْ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَنَفَقَةٍ، فَيَرْجِعُ، وَوَضَعَ مِيزَابَ بِنَاءٍ وَغَيْرِهِ وَأَمَرَهُ بِإِرَاقَةِ نَبِيذٍ، ذَكَرَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَقُرْعَتُهُ وَإِطْلَاقُ مَحْبُوسٍ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ حُكْمٌ يَرْفَعُ الْخِلَافَ إِنْ كَانَ.
وَمِثْلُهُ: تَقْدِيرُ مُدَّةِ حَبْسِهِ، وَالْمُرَادُ إِذَا لَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَأْذَنْ بِحَبْسِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: حُبِسْتُ لِتَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ.
أُعِيدَ حَبْسُهُ فِي الْأَصَحِّ، إِنْ طَلَبَهُ خَصْمُهُ وَكَانَ الْأَوَّلُ قَدْ حَكَمَ بِهِ، وَإِلَّا نَادَى أَنَّهُ حَكَمَ بِإِطْلَاقِهِ.
وَكَذَا إِنْ قُلْنَا: لَا يُحْبَسُ فِي ذَلِكَ وَصَدَّقَهُ خَصْمُهُ.
فَإِنْ قَالَ الْخَصْمُ: الْحَاكِمُ قَدْ عَرَفَ عَدَالَةَ شُهُودِي وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ.
قَبِلَ قَوْلَهُ.
وَإِنْ قَالَ: حُبِسْتُ لِتَكْمِيلِ الْبَيِّنَةِ.
فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: حُبِسْتُ لِتَعْدِيلِهَا.
وَإِنْ قَالَ: حُبِسْتُ فِي ثَمَنِ كَلْبٍ أَوْ خَمْرٍ أَرَقْتُهُ لِذِمِّيٍّ.
وَصَدَّقَهُ خَصْمُهُ أَطْلَقَهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّ الثَّانِيَ يُنَفِّذُ حُكْمَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِ غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: يَتَوَقَّفُ وَيَجْتَهِدُ فِي الْمُصَالَحَةِ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ.
وَإِنْ قَالَ خَصْمُهُ: حُبِسْتُ بِحَقٍّ غَيْرِ هَذَا.
صُدِّقَ لِلظَّاهِرِ.
وَإِنْ قَالَ: خَصْمِي غَائِبٌ وَوَكِيلُهُ، وَأَنَا مَظْلُومٌ.
كَتَبَ إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُحَاكِمُهُ أُطْلِقَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْلَقَ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ جُهِلَ مَكَانُهُ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَضْمَنَ عَلَيْهِ وَيُطْلَقَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْكَفِيلُ أَطْلَقَهُ إِذَا أَيِسَ مِنْ خَصْمٍ لَهُ وَكَفِيلٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ، وَقَالَ: حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ وَلَا خَصْمَ لِي.
نَادَى بِذَلِكَ ثَلَاثًا فَإِنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ) نَظَرَ بَيْنَهُمَا.
(وَإِلَّا أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ خَصْمٌ لَظَهَرَ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
تَنْبِيهٌ: فِعْلُهُ حُكْمٌ، كَتَزْوِيجِ يَتِيمَةٍ، وَشِرَاءِ عَيْنٍ غَائِبَةٍ، وَعَقْدِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ فِي الْأَخِيرَةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ.
وَذَكَرَ الْأزَجِيُّ فِيمَنْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، وَقُلْنَا يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْمُقِرُّ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ قَبْضَ الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِزَوَالِ مِلْكِهِ.
وَفِي التَّعْلِيقِ وَالْمُحَرَّرِ: فِعْلُهُ حُكْمٌ إِنْ حَكَمَ بِهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وِفَاقًا لَفُتْيَاهُ، فَإِذَا قَالَ: حَكَمْتُ بِصِحَّتِهِ.
نَفَذَ حُكْمُهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَسَبَقَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: الْحَاكِمُ لَيْسَ هُوَ الْفَاسِخَ، وَإِنَّمَا يَأْذَنُ أَوْ يَحْكُمُ بِهِ، فَمَتَى أَذِنَ أَوْ حَكَمَ لِأَحَدٍ بِاسْتِحْقَاقِ عَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى حُكْمٍ بِصِحَّتِهِ، لَكِنْ لَوْ
وَالْمَجَانِينِ وَالْوُقُوفِ.
ثُمَّ فِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لَمْ يَنْقَضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ وَسُنَّة أَوْ إِجْمَاعًا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا
[المبدع في شرح المقنع]
عَقَدَ هُوَ أَوْ فَسَخَ فَهُوَ فِعْلُهُ.
وَهَلْ فِعْلُهُ حُكْمٌ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ.
مَسَائِلُ: حُكْمُهُ بِشَيْءٍ حَكَمٌ بِلَازِمِهِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي أَحْكَامِ مَفْقُودٍ.
وَثُبُوتُ شَيْءٍ عِنْدَهُ لَيْسَ حُكْمًا بِهِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي صِفَةِ السِّجِلِّ.
وَتَنْفِيذُ الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ، قَالَهُ شَيْخُنَا ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.
وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَمَلٌ بِالْحُكْمِ وَإِجَازَةٌ لَهُ وَإِمُضَاءٌ، كَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ.
[النَّظَرُ فِي أَمْرِ الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَفِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ]
(ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالْوُقُوفِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةَ، لِأَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا قَوْلَ لَهُمَا، وَأَرْبَابُ الْوُقُوفِ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يَتَعَيَّنُونَ.
وَيَنْظُرُ أَيْضًا فِي الْوَصَايَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَاظِرٌ مُعَيَّنٌ.
فَلَوْ نَفَّذَ الْأَوَّلُ وَصِيَّتَهُ لَمْ يَعْزِلْهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعْرِفَةُ أَهْلِيَّتِهِ، لَكِنْ يُرَاعِيهِ، فَدَلَّ أَنَّ إِثْبَاتَ صِفَةٍ كَعَدَالَةٍ وَجَرْحٍ وَأَهْلِيَّةِ وَصِيَّةٍ وَغَيْرِهَا حُكْمٌ.
(ثُمَّ فِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ) وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ قَضَايَا مَنْ قَبْلَهُ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا: أَنَّهُ يَجِبُ.
قِيلَ: لَا يَجُوزُ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي حَالِ مَنْ قَبْلَهُ.
(فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لَمْ يَنْقُضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ) مُتَوَاتِرَةً كَانَتْ أَوْ آحَادًا، كَقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ فَيَلْزَمُ نَقْضُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِمَا.
وَقِيلَ: مُتَوَاتِرًا.
وَكَذَا يَنْقُضُ حُكْمَ مَنْ جَعَلَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ حَجَرَ عَلَيْهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فِي الْأَصَحِّ.
(أَوْ إِجْمَاعًا) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حِكَمٌ أَصْلًا.
وَقِيلَ: وَلَوْ ظَنِّيًّا.
وَقِيلَ: وَقِيَاسًا جَلِيًّا.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ مَا ذُكِرَ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ لَمْ يُصَادِفْ شَرْطَهُ فَوَجَبَ نَقْضُهُ، لِأَنَّ شَرْطَ الِاجْتِهَادِ عَدَمُ مُخَالَفَةِ مَا ذُكِرَ، وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّطَ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَنْقُضُهُ إِلَّا بِمُطَالَبَتِهِ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -.
يَصْلُحُ، نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّحِيحَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الصَّوَابَ مِنْهَا.
وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ أحد عَلَى خَصْم لَهُ أَحْضَرَهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاه
[المبدع في شرح المقنع]
وَكَذَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ بِمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ وِفَاقًا.
وَفِي الْإِرْشَادِ: هَلْ يَنْقُضُ بِمُخَالَفَةِ صَحَابِيٍّ يَتَوَجَّهُ نَقْضُهُ إِنْ قِيلَ بِحُجِّيَّتِهِ كَالنَّصِّ.
فَرْعٌ: إِذَا حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، لَمْ يَنْقُضْ.
ذَكَرُهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا.
قَالَ سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ مَا قَضَى، فَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَلَا يَرُدُّ قَضَاءَهُ الْأَوَّلَ» . هَذَا مُرْسَلٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَنْقُضُ، وَإِذَا تَغَيَّرَتْ صِفَةُ الْوَاقِعَةِ فَتَغَيَّرَ الْقَضَاءُ بِهَا، لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِلْقَضَاءِ الْأَوَّلِ، بَلْ رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ ; لِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا فِيهَا، وَالْمُخَالَفَةُ فِي قَضِيَّةِ نَقْضٍ مَعَ الْعِلْمِ.
(وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصواب) فِي الْأَشْهَرِ فِي الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْقَضَاءِ فِيهِ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الصَّوَابَ مِنْهَا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، حَكَمَ بِمَا يُغَيِّرُ اجْتِهَادَهُ إِلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ.
فَائِدَةٌ: يَنْظُرُ فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ قَبْلَهُ، فَمَنْ فَسَقَ عَزَلَهُ، وَيَضُمُّ إِلَى الضَّعِيفِ أَمِينًا وَلَهُ إِبْدَالُهُ، ثُمَّ فِي الضَّوَالِّ وَاللُّقَطَةِ.
[إِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي خَصْمٌ لَهُ]
(وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ أحد عَلَى خَصْم لَهُ) حَاضِرٌ بِمَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، (أَحْضَرَهُ) لُزُومًا فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا ; لِأَنَّ ضَرَرَ فَوَاتِ الْحَقِّ أَعْظَمُ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
وَلِلْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ أَنْ يُوكِلَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إِنْ كَرِهَ الْحُضُورَ، وَلَوْ طَلَبَهُ خَصْمُهُ أَوْ حَاكِمٌ لِيَحْضُرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ حَيْثُ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إِحْضَارُهُ بِطَلَبٍ مِنْهُ لَزِمَهُ الْحُضُورُ.
(وَعَنْهُ: لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاه أَصْلًا) .
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَبْذِيلِ أَهْلِ الْمَرُوءَاتِ وَإِهَانَةِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ.
وَفِي
أَصْلًا.
وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ سَأَلَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ رِشْوَةٍ رَاسَلَهُ.
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَمْرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ تَبْذِيلِي.
فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا، أَحْضَرَهُ وَإِلَّا فَهَلْ يُحْضِرُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإِنْ قَالَ الْحَاكِمُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُسْتَوْعِبِ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُعَامِلُهُ، لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يُحَرِّرَ دَعْوَاهُ.
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَمَتَى لَمْ يَحْضُرْ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي تَخَلُّفِهِ، وَإِلَّا أَعْلَمَ الْوَالِيَ بِهِ، فَإِذَا حَضَرَ فَلَهُ تَأْدِيبُهُ.
(وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ سَأَلَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ) أَيْ: يَعْتَبِرُ تَحْرِيرَ الدَّعْوَى فِي حَقِّهِ.
(فَإِنْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ رِشْوَةٍ، رَاسَلَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى اسْتِخْلَاصِ الْحَقِّ، لِمَا فِي إِحْضَارِهِ مِنْ الِامْتِهَانِ وَتَسْلِيطِ أَعْوَانِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ امْتِنَاعُ وُصُولِ الصَّالِحِ لِلْقَضَاءِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي مُرَاسَلَةً بَلْ يُحْضِرُهُ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
(فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ تَبْذِيلِي.
فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا أَحْضَرَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّ الْمُسْتَعْدِي.
(وَإِلَّا فَهَلْ يُحْضِرُهُ؛) إِذَا لَمْ يَعْلَمُ.
(عَلَى رِوَايَتَيْنِ) سَبَقَتَا.
(وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ) عَمْدًا (فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ الْحَاكِمِ.
(بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ لَتَطَرَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَى إِبْطَالِ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ.
وَالْيَمِينُ تَجِبُ لِلتُّهْمَةِ، وَالْقَاضِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
وَقِيلَ: تَجِبُ يَمِينُهُ لِإِنْكَارِهِ.
لَكِنْ إِنْ قَالَ: حَكَمْتُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ.
صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ أَوْ عَدُوَّيْنِ، أَوْ جَارَ عَلَيَّ فِي الْحُكْمِ.
وَلَهُ بَيِّنَةٌ أَحْضَرَهُ، أَوْ وَكِيلَهُ، وَحَكَمَ بِهَا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَفِي إِحْضَارِهِ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْضِرُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَرِفَ، وَكَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ فِيهِ امْتِهَانًا، وَأَعْدَاءُ الْقَاضِي كَثِيرَةٌ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ فَاعْتَرَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ قَبِلَ قَوْلَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَهُ ظُلْمًا، فَهَلْ يُحْضِرُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ فَاعْتَرَفَ، حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَبِلَ قَوْلَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
(وَإِنْ قَالَ الْحَاكِمُ الْمَعْزُولُ:
الْمَعْزُولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ.
قَبْلَ قَوْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقْبَلَ.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيْرِ بَرْزَةٍ، لَمْ يُحْضِرْهَا وَأَمَرَهَا بِالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا.
وَإِن ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنِ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا
[المبدع في شرح المقنع]
كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ.
قَبِلَ قَوْلَهُ) إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: مَا لَمْ يُتَّهَمْ، لِأَنَّ عَزْلَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ، كَمَا لَوْ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى قَاضٍ آخَرَ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ، لَزِمَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ قَبُولُ كِتَابِهِ بَعْدَ عَزْلِ كَاتِبِهِ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ أَشْبَهَ حَالَ وِلَايَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يُقْبَلُ قَوْلَهُ مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى إِبْطَالِ حُكْمِ حَاكِمٍ.
وَهُوَ حَسَنٌ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقْبَلَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ إِذَا كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ إِلَّا شَاهِدَانِ سِوَاهُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ.
كَقَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ وَكَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ.
فَأَمَّا إِنْ قَالَ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ الْحُكْمَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ، كَالزَّوْجِ إِذَا أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى كَذَا وَكَذَا فَحَكَمَ بِهِ قُبِلَ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قَالَ: حَكَمْتُ بِعِلْمِي، أَوْ بِالنُّكُولِ، أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
قُبِلَ.
وَإِنْ قَالَ: حَكَمْتُ.
وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى بَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا قُبِلَ.
[إِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيْرِ بَرْزَةٍ]
(وَإِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيْرِ بَرْزَةٍ) أَيْ: لَيْسَتْ مُعْتَادَةً أَنْ تَخْرُجَ فِي حَوَائِجِهَا.
(لَمْ يُحْضِرْهَا) لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ.
(وَأَمَرَهَا بِالتَّوْكِيلِ) لِأَجْلِ فَصْلِ الْخُصُومَةِ، وَلِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهَا فَلَا تَبْتَذِلُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى ذَلِكَ.
(وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا) لِأَنَّ إِحْضَارَهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَالْيَمِينُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهَذَا طَرِيقُهُ.
فَيَبْعَثُ أَمِينًا مَعَهُ شَاهِدَانِ فَيَسْتَحْلِفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: إِنَّ الْحَاكِمَ يَبْعَثُ مَنْ يَقْضِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَرِيمِهَا فِي دَارِهَا.
حَاكِمَ فِيهِ، كَتَبَ إِلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَوَسَّطُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، قِيلَ: لِلْخَصْمِ: حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ، ثُمَّ يُحْضِرُهُ، وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ» الْخَبَرَ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ أَسْتُرُ.
وَرُبَّمَا مَنَعَهَا الْحَيَاءُ مِنَ النُّطْقِ بِحُجَّتِهَا سِيَّمَا مَعَ جَهْلِهَا بِالْحُجَّةِ.
وَذَكَرَ السَّامَرِيُّ: أَنَّهُ يُخَيِّرُ.
وَأَطْلَقَ فِي الِانْتِصَارِ النَّصَّ فِيهَا، وَاخْتَارَهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْحَقُّ بِدُونِ حُضُورِهَا، وَإِلَّا لَمْ يُحْضِرْهَا.
وَأَطْلَقَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ إِحْضَارَهَا ; لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، وَالْمُدَّةُ يَسِيرَةٌ كَسَفَرِهَا مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى مَحَلَّةٍ.
وَحُكْمُ الْمَرِيضِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ السَّعْيُ وَالْحَرَكَةُ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ بَرْزَةً، أَيْ: تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا غَيْرَ مُخَدَّرَةٍ فَإِنَّهُ يُحْضِرُهَا.
وَلَا يُعْتَبَرُ لِخُرُوجِهَا مَحْرَمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ.
[إِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنِ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ]
(وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنِ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ، كَتَبَ إِلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَوَسَّطُوا بَيْنَهُمَا) ، نَقُولُ: إِذَا اسْتَعْدَى عَلَى غَائِبٍ فِي غَيْرِ وِلَايَةِ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْدِيَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ وَلَهُ هُنَاكَ خَلِيفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إِلَى خَلِيفَتِهِ وَلَمْ يُحْضِرْهُ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ نَفَذَ إِلَى خَصْمِهِ لِيُحَاكِمَهُ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَلِيفَةٌ كَانَ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ أَذِنَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ بَعَثَ إِلَى ثِقَةٍ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى قَطْعِ الْخُصُومَةِ، مَعَ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالْإِحْضَارِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا) أَيْ: إِذَا تَعَذَّرَ أَوْ أَبَى الْخَصْمَانِ قَبُولَ ذَلِكَ.
(قِيلَ لِلْخَصْمِ: حرر مَا تَدَّعِيهِ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ لَيْسَ بِحَقٍّ عِنْدَهُ، كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَقِيمَةِ الْكَلْبِ، فَلَا يُكَلَّفُ الْحُضُورَ، لِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ مَعَ الْمَشَقَّةِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ.
(ثُمَّ يُحْضِرُهُ، وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَةِ، وَقَدْ تَعَيَّنَ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: لِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَعَنْهُ: لِدُونِ يَوْمٍ.
جَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ وَزَادَ: بِلَا مُؤْنَةٍ وَمَشَقَّةٍ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا يُحْضِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ حَتَّى تَتَحَرَّرَ دَعْوَاهُ.
وَفِيهِ يَتَوَقَّفُ إِحْضَارُهُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ.
قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يُحْضِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ مَا ادَّعَاهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا
بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ.
إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الخَصْمَانِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنِ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؛ وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا.
فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى قَدَّمَهُ.
وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا، قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
فَإِذَا
[المبدع في شرح المقنع]
ادعي قَبْلَهُ شَهَادَة لَمْ تُسْمَعْ وَلَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُحَلَّفْ، خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ وَحَنْبَلٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُهَا وَلَا أُؤَدِّيهَا.
فَظَاهِرٌ، وَلَوْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى بِهِ.
إِنْ قِيلَ: كِتْمَانُهَا مُوجِبٌ لِضَمَانِ مَا تَلَفَ، وَلَا يَبْعُدُ، كَمَا يَضْمَنُ مَنْ تَرَكَ الْإِطْعَامَ الْوَاجِبَ.
وَكَوْنُهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ لِفِسْقِهِ بِكِتْمَانِهِ لَا يَنْفِي ضَمَانَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ]
[سَمَاعُ الْخَصْمَيْنِ مَعًا]
بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ.
طَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ: مَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَيْهِ.
وَالْحُكْمُ: الْفَصْلُ.
(إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الْخَصْمَانِ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ، أَوْ يُجْلِسُهُمَا لِذَلِكَ.
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ مِنَ الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا وَالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِمَا.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إِذَا جَاءَهُ خَصْمَانِ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ أَجْلَسَهُمَا حَاجِبُهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُمَا الْحَاكِمُ بِذَلِكَ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ إِنْ كَانَا شَرِيفَيْنِ أَوْ كَبِيرَيْنِ.
(فَلَهُ أَنْ يَقُولَ مَنِ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؟) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا) لِأَنَّ كَلَامَهُ يَسْتَدْعِي طَالِبًا لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَقِيلَ: بَلْ يَسْكُتُ حَتَّى يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا.
وَيَقُولُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ: مَنِ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؟ إِنْ سَكَتَا جَمِيعًا، وَلَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا حَاجِبُهُ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا: تَكَلَّمْ ; لِأَنَّ فِي إِفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ.
(فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى قَدَّمَهُ) ، لِأَنَّ لِلسَّابِقِ حَقُّ تَقَدُّمٍ، فَلَوْ قَالَ الْخَصْمُ: أَنَا الْخَصْمُ.
لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ.
(وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ) هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ الِازْدِحَامِ،
انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ، سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقُولُ فِيمَا ادَّعَاهُ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكُ سُؤَالَهُ حَتَّى يَقُولَ الْمُدَّعِي: اسْأَل سُؤَالَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، لَمْ يَحْكُمْ حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
بِدَلِيلِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ.
وَقِيلَ: مَنْ شَاءَ الْحَاكِمُ قَدَّمَ مِنْهُمَا.
وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
وَقِيلَ: يُؤَخِّرُهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَنِ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا.
(فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ) لِأَنَّ التَّزَاحُمَ قَدْ زَالَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا عَلِيُّ إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ شَكِيَّةَ أَحَدٍ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ، هَكَذَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقَوُلُ فِيمَا ادَّعَاهُ؟) قَدَّمَهُ وَصَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ سُؤَالَهُ حَتَّى يَقُولَ الْمُدَّعِي: اسْأَل سُؤَالَهُ عَنْ ذَلِكَ؟) هَذَا وَجْهٌ كَالْحُلْمِ.
(فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ) سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ وَلَكِنْ (لَمْ يَحْكُمْ له حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ) ذَكَرَهُ السَّامَرِيُّ وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ.
وَاخْتَارَ جَمْعٌ: لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي.
وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَاكْتَفَى بِهَا كَمَا اكْتَفَى فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، الْجَوَابُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ، فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ لِجَهْلِهِ فَيَضِيعُ حَقُّهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، فَاشْتِرَاطُهُ يُنَافِي ظَاهِرَ حَالِهِمْ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: إِذَا أَقَرَّ فَقَدْ ثَبَتَ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَوْلِهِ: قَضَيْتُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِخِلَافِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ الْحَاكِمُ: يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ كَذَا.
فَقَالَ: نَعَمْ.
لَزِمَهُ، ذِكْرُهُ فِي الْوَاضِحِ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا، أَوْ بِعْتُهُ.
فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي، وَلَا بَاعَنِي، أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ.
صَحَّ الجواب) لِنَفْيِهِ عَيْنَ مَا ادَّعَى
أَلْفًا، أَوْ بِعْتُهُ.
فَيَقُولُ: مَا أَقْرَضَنِي، وَلَا بَاعَنِي، أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ.
صَحَّ الجواب.
وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ وإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ.
أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا فَإِذَا أَحْضَرَهَا، سَمِعَهَا
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: (لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: (مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ) وَهَذَا مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْحَقِّ.
فَلَوِ ادَّعَتْ مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ الْمَهْرَ، فَقَالَ: لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا.
لَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ إِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ بِإِسْقَاطِهِ ; لِجَوَابِهِ فِي دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا.
وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي مَرَضِهَا: لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ.
لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا بَيِّنَةُ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ.
نَقَلَهُ مُهَنَّا أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ فِي الصِّحَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَوِ ادَّعَى بِدِينَارٍ فَقَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً.
فَلَيْسَ بِجَوَابٍ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي رَفْعِ الدَّعْوَى إِلَّا بِنَصٍّ لَا بِظَاهِرٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَعُمُّ الْحَبَّاتِ، وَمَا لَمْ يَنْدَرِجْ فِي لَفْظِ حَبَّةٍ مِنْ بَابِ الْفَحْوَى، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: نَعَمْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ.
وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ مِائَةٌ.
فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ مِائَةٌ.
اعْتُبِرَ فِي الْأَصَحِّ قَوْلُهُ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا كَالْيَمِينِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْ مَا دُونَ الْمِائَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ إِلَّا جُزْءًا.
وَإِنْ قُلْنَا: بِرَدِّ الْيَمِينِ.
حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى مَا دُونَ الْمِائَةِ إِذَا لَمْ يَسْنُدِ الْمِائَةَ إِلَى عَقْدٍ، لِكَوْنِ الْيَمِينِ لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَ ذِكْرِ النِّسْبَةِ كَمُطَابِقِ الدَّعْوَى، ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
[الْبَيِّنَةُ أَوِ الْيَمِينُ]
(وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ) لِأَنَّ الْحَقَّ طَرِيقٌ لَهُ، وَالْبَيِّنَةُ طَرِيقٌ إِلَى تَخْلِيصِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْحَضْرَمِيِّ: «لَكَ بَيِّنَةٌ؛ قَالَ: لَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: فَلَكَ يَمِينُهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَارِفًا بِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ خُيِّرَ الْحَاكِمُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَبَيْنَ السُّكُوتِ.
وَظَاهِرُ الْمُحَرَّرِ: وَلَا يَقُولُهُ.
(فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ.
أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا) لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى تَخْلِيصِ الْحَقِّ.
الْحَاكِمُ.
وَحَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ إِذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ.
فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَمِعَهُ مَعَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: يَقُولُ لَهُ: أَحْضِرْهَا إِنْ شِئْتَ.
وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ الْمُدَّعِيَ إِذَا قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ.
لَمْ يَقُلْ لَهُ الْحَاكِمُ: أَحْضِرْهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَيُحْمَلُ أَمْرُهُ بِالْإِحْضَارِ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ ; لِأَنَّ حَمْلَ الْأَمْرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي.
(فَإِذَا أَحْضَرَهَا) لَمْ يَسْأَلْهَا الْحَاكِمُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ.
فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهَا لَمْ يَقُلِ اشْهَدَا، وَلَا يُلَقِّنْهُمَا.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَنْبَغِي.
وَفِي الْمُوجَزِ: يُكْرَهُ كَتَعَنُّتِهِمَا.
(سَمِعَهَا الْحَاكِمُ) لِأَنَّ الْإِحْضَارَ مِنْ أَجْلِ السَّمَاعِ.
فَيَقُولُ الْحَاكِمُ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلْيَذْكُرْ مَا عِنْدَهُ.
فَإِذَا شَهِدَا وَاتَّضَحَ الْحَقُّ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَجُزْ تَرْدِيدُهَا.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنْ ظَنَّ الصُّلْحَ أَخَّرَهُ.
وَفِي الْفُصُولِ: أَحْبَبْنَا لَهُ أَمْرَهُمَا بِالصُّلْحِ، أَيْ: إِذَا كَانَ فِيهَا لَبْسٌ.
فَإِنْ أَبِيَا أَخَّرَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْجَهْلِ حَرَامٌ.
فَإِنْ عَجَّلَ قَبْلَ الْبَيَانِ لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّمَا يَسَعُهُ الصُّلْحُ فِي الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ، أَمَّا إِذَا اسْتَنَارَتِ الْحُجَّةُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ إنَّهُ مَا أَصْلَحَ بَيْنَ الْمُتَحَاكِمَيْنِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ الْقَوْمِ الضَّغَائِنَ.
(وَحَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي) بِأَنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ صَحِيحَةً.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: يَقُولُ الْحَاكِمُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: قَدْ شَهِدَا عَلَيْكَ، فَإِنْ كَانَ لَكَ قَادِحٌ، فَبَيِّنْهُ عِنْدِي.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَعْنِي يُسْتَحَبُّ.
وَذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ فِيمَا إِذَا ارْتَابَ فِيهِمَا، فَدَلَّ أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ مَعَ الرِّيبَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَا يَقْدَحُ فِيهَا حَكَمَ عَلَيْهِ إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي الْحُكْمَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا بِمَسْأَلَة مُسْتَحَقّه.
(وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ إِذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا.
شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْقَدَحِ بِاتِّفَاقٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَكَمْتُ بِكَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، وسَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا لُبِسَ بِمَحْضِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ وَلَا يَضُرُّ رُجُوعُ الْمُقِرِّ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ) هَذا رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِعِلْمِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَعَنْهُ: لَا يَحْكُمُ بِإِقْرَارٍ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى يَسْمَعَهُ مَعَهُ عَدْلَانِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.
فَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ الْإِشْهَادَ عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَهُ لَزِمَهُ.
(وَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ) فِي غَيْرِ ذَلِكَ (فِيمَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ) .
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي الْمُحَرَّرِ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَدَلَّ أَنَّهُ يَقْضِي بِمَا سَمِعَ لَا بِمَا يَعْلَمُ.
وَفِي حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَا أَخَذْتُهُ، وَلَا دَعَوْتُ لَهُ أَحَدًا حَتَّى يَكُونَ مَعِي غَيْرِي.
حَكَاهُ أَحْمَدُ.
(وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِه سَوَاءٌ
جَوَازِه سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ.
وَإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَإِنْ أَحْلَفَهُ أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ وَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ) وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَالْمُزْنِيُّ، لِحَدِيثِ هِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَجَازَ الْحُكْمُ بِهِ، كَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَكَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْحُدُودِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا اخْتِلَافَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ.
وَهَلْ يَحْكُمُ بِهِ فِي غَيْرِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ نَقَلَ حَنْبَلٌ: إِذَا رَآهُ عَلَى حَدٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ إِلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ شَهَادَةُ رَجُلٍ.
وَنَقَلَ أَيْضًا: أَنَّهُمَا يَذْهَبَانِ إِلَى حَاكِمٍ آخَرَ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَأَجَابَ فِي الشَّرْحِ عَنْ حَدِيثِ هِنْدَ: أَنَّهُ فُتْيَا لَا حُكْمٌ، بِدَلِيلِ عَدَمِ حُضُورِ أَبِي سُفْيَانَ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَيُفَارِقُ الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى تُهْمَةٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَأَمَّا الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ: فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِعِلْمِهِ لَتَسَلْسَلَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ شَهَادَةِ مَنْ يُعْلَمُ فِسْقُهُ، وَلِأَنَّ التُّهْمَةَ لَا تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ صِفَاتِ الشُّهُودِ مَعْنًى ظَاهِرٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لَيْسَ هَذَا بِحُكْمٍ ; لِأَنَّهُ يَعْدِلُ هُوَ وَيَجْرَحُ غَيْرُهُ، وَيَجْرَحُ هُوَ وَيَعْدِلُ غَيْرُهُ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ.
وَعَلَى الْمَنْعِ: هَلْ عِلْمُهُ كَشَاهِدٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
[إِنْ قَالَ الْمُدَّعِي مَا لِي بَيِّنَةٌ]
(وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
(فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
(وَإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ أَحْلَفَهُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ طَرِيقٌ إِلَى تَخْلِيصِ حَقِّهِ.
يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إِجَابَةُ الْمُدَّعِي كَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَتَكُونُ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: بِصِفَةِ الدَّعْوَى.
وَعَنْهُ: يَكْفِي تَحْلِيفُهُ: لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ، فَإِذَا أَحْلَفَهُ (خَلَّى سَبِيلَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَقٌّ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِحْلَافُهُ قَبْلَ سُؤَالِهِ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لَهُ، كَنَفْسِ الْحَقِّ.
وَيَمِينُ الْمُنْكِرِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَهُ تَحْلِيفُهُ مَعَ عِلْمِهِ قُدْرَتَهُ عَلَى حَقِّهِ نَصَّ عَلَيْهِ.
بِالنُّكُولِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَلَفْتَ، وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ ثَلَاثًا.
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَضَى عَلَيْهِ إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ وقال أبو الْخَطَّابِ: تُرَدُّ
[المبدع في شرح المقنع]
نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: إِنْ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَالًا يُؤَدِّي إِلَيْهِ حَقَّهُ أَرْجُو أَنْ لَا يَأْثَمَ.
وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: يكره مَسْأَلَة حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عِنْدَ حَاكِمٍ لَمْ يَحْلِفْ ثَانِيَةً عِنْدَهُ، وَلَا عِنْدَ مَنْ عَرَفَ حَلِفَهُ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِالْيَمِينِ الْأُولَى فَلَهُ طَلَبُهُ وَاحِدَةً بِكُلِّ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، وَيُحَلِّفُهُ عِنْدَ مَنْ جَهِلَ حَلِفَهُ ; لِبَقَاءِ الْحَقِّ مَعَ انْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ عِنْدَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ.
(وَإِنْ أَحْلَفَهُ أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا.
فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي أَعَادَهَا لَهُ ; لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ يَمِينَهُ.
وَإِنْ أَمْسَكَ الْمُدَّعِي عَنْ إِحْلَافِ خَصْمِهِ ثُمَّ أَرَادَ إِحْلَافَهُ بِالدَّعْوَى الْمُقَدَّمَةِ جَازَ ; لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا فَلَهُ تَجْدِيدُ الدَّعْوَى وَطَلَبُهَا ; لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِبْرَاءِ مِنَ الْيَمِينِ، وَهَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ الَّتِي أَبْرَأَهُ مِنَ الْيَمِينِ فِيهَا.
فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتِ الدَّعْوَى، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ يَمِينًا أُخْرَى لَا فِي هَذَا الْمَجْلِسِ وَلَا فِي غَيْرِهِ ; لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَنْهُ: يَبْرَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُدَّعِي.
وَعَنْهُ: وَيُحَلِّفُهُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُحَلِّفْهُ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَنَّ رَجُلًا اتَّهَمَ رَجُلًا بِشَيْءٍ، فَحَلَفَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَحْلِفُ إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ لِي عِنْدَ السُّلْطَانِ.
أَلَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، قَدْ ظَلَمَهُ وَتَعَنَّتَهُ وَلَا يَصِلُهُ بِاسْتِثْنَاءٍ.
فِي الْمُغْنِي: أَوْ بِمَا لَا يَفْهَمُ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكْمَ الْيَمِينِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: هِيَ يَمِينٌ كَاذِبَةٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّأْوِيلُ وَالتَّوْرِيَةُ فِيهَا إِلَّا لِمَظْلُومٍ.
(وَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.
نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَالْأَثْرَمِ وَحَرْبٍ.
(وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا) وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: هُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّ عُثْمَانَ قَضَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِنُكُولِهِ عَنِ الْيَمِينِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَلَفْتَ، وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ ثَلَاثًا) ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي لِأَنَّ النُّكُولَ ضَعِيفٌ، فَوَجَبَ اعْتِضَادُهُ بِالتَّكْرَارِ ثَلَاثًا، وَصَرَّحَ فِي
الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَقَالَ: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ.
فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي.
فَإِنَّ رَدَّهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ صَرَفَهُمَا، فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ المجلس، حَتَّى
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُحَرَّرِ وَالْفُصُولِ: بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا لَحَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عَلَى نَفْيِ دَعْوَاهُ.
وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّةً، وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ أَوْ مَرِيضًا أَوْ غَيْرَهُمَا.
(فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَضَى عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ كَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ، لَا كَإِقْرَارٍ وَلَا كَبَذْلٍ.
(إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ) لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي فَلَمْ يُفْعَلْ إِلَّا بِسُؤَالِهِ.
(وقال أبو الْخَطَّابِ) وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ (تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْلَى بِالْيَمِينِ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَأَخَذَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ.
(وَقَالَ: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ.
(وَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ يَقْتَضِيهِ، وَأَنَّهُ حَكَمَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّهَادَةِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمُنْكِرِ وَكَذَا فِي الْقَسَامَةِ، فَإِذَا رَضِيَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينِهِ كَانَ أَوْلَى.
فَعَلَى ذَلِكَ، لَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ نَاكِلٍ فِي الرَّدِّ.
وَشَرَطَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ السَّامَرِيُّ.
وَيَمِينُهُ كَإِقْرَارِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بَعْدَهَا بِأَدَاءٍ وَلَا إِبْرَاءٍ.
وَقِيلَ: كَبَيِّنَةٍ فَتُسْمَعُ.
وَقِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يُجِيبَ: إِمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ حَلِفٍ.
ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ عَنْ أَصْحَابِنَا.
(فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ أَشْبَهَ قَوْلَهُ: لَكَ يَمِينُهُ.
(فَإِنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَحُكِمَ لَهُ) لِاسْتِكْمَالِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ.
(وَإِنْ نَكَلَ) مَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
(صَرَفَهُمَا) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ إِذَا نَكَلَ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِنُكُولِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ: امْتَنَعْتُ لِأَنَّ لِي بَيِّنَةً أُقِيمُهَا، أَوْ حِسَابًا أَنْظُرُ فِيهِ) فَهُوَ عَلَى حَقٍّ مِنَ الْيَمِينِ، وَلَا يُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ إِلَّا حَقُّهُ.
بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ
يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ.
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ.
بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيِّنَةٌ.
لَمْ تُسْمَعْ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُسْمَعَ وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً.
ثُمَّ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ لِي بَيِّنَةً.
سُمِعَتْ.
وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: فَنَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ.
فَقَالَ: هَذَانِ بَيِّنَتِي.
سُمِعَتْ.
فإِنْ قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي.
لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ يَمِينَهُ.
فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْيَمِينَ لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ) الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهَا.
(حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ) لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهِ تَصِيرُ مُحَاكَمَةً ثَانِيَةً.
فَإِذَا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى أُعِيدَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ بَذَلَهَا النَّاكِلُ قَبْلَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُدَّعِي وَبَعْدَهُ بِرِضَاهُ سُمِعَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ شَرْطُهُ: عَدَمُ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْيَمِينِ.
وَقُلْنَا: بِهِ لِكَوْنِ الْمُدَّعِي وَلِيًّا وَنَحْوَهُ، قُضِيَ بِالنُّكُولِ.
وَقِيلَ: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ.
وَقِيلَ: إِنْ بَاشَرَ مَا ادَّعَاهُ.
وَقِيلَ: يُحَلِّفُ حَاكِمٌ.
وَقَطَعَ الْمُؤَلِّفُ: يَحْلِفُ إِذَا عَقَلَ وَيَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِنُكُولِهِ.
تَنْبِيهٌ: الَّذِي يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ الْمَالُ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ.
وَهَلْ يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْوِكَالَةِ بِالْمَالِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ السَّامَرِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي دَعْوَى الْكَفَالَةِ: هَلْ يُقْضَى فِيهَا بِالنُّكُولِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا: الْحُكْمُ بِهِ.
قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
[إِنْ قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مَا لِي بَيِّنَةٌ]
(وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ.
بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيِّنَةٌ.
لَمْ تُسْمَعْ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ قَدْ تُحَقِّقُ كَذِبَهُ فَيَعُودُ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ الْمَقْصُودِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: كَذَبَ شُهُودِي، وأَوْلَى.
وَلَا تَبْطُلُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُسْمَعَ) هَذَا وَجْهٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ حَلَّفَهُ أَوْ لَمْ يُحَلِّفْهُ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى، أَوْ يَكُونُ الشَّاهِدَانِ سَمِعَا مِنْهُ وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَعْلَمُهُ، فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: كُلُّ بَيِّنَةٍ أُقِيمُهَا فَهِيَ زُورٌ، أَوْ لَا حَقَّ لِي فِيهَا.
ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُسْمَعْ بِحَالٍ.
(وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً.
ثُمَّ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ لِي بَيِّنَةً، سُمِعَتْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْ بَيِّنَتَهُ.
(وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: فَنَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ.
فَقَالَ: هَذَانِ بَيِّنَتِي.
سُمِعَتْ) وَهِيَ أَوْلَى مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا ; لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهَا.
لَكِنْ لَوْ شَهِدَتْ بِغَيْرِ مَا ادَّعَاهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِنِ ادَّعَى شَيْئًا فَأُقِرَّ لَهُ بِغَيْرِهِ لَزِمَهُ إِذَا صَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ، وَالدَّعْوَى بِحَالِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ.
(فإِنْ قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي.
لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ
كَانَتْ غَائِبَةً فَلَهُ إِحْلَافُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ حَلَفَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْبَيِّنَةِ) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهَا، وَلَهُ تَحْلِيفُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
[الْبَيِّنَةُ الْغَائِبَةُ]
(وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ) وَأُرِيدُ مُلَازِمَةَ خَصْمِي حَتَّى أُقِيمَهَا.
لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي.
وَفِي الشَّرْحِ: إِذَا قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ.
لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِكَفِيلٍ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ حَتَّى تَحْضُرَ الْبَيِّنَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ قَبْلَهُ حَقٌّ.
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً فَلَهُ مُلَازَمَتُهُ حَتَّى يُحْضِرَهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ أَقَامَتْهَا، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ لَذَهَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إِقَامَتِهَا إِلَّا بِحَضْرَتِهِ.
وَتُفَارَقُ الْبَيِّنَةُ الْبَعِيدَةُ وَمَنْ لَا يُمْكِنُ حُضُورُهَا.
فَإِنَّ إِلْزَامَهُ الْإِقَامَةَ إِلَى حِينِ حُضُورِهَا يَحْتَاجُ إِلَى حَبْسٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.
(وَأُرِيدُ يَمِينَهُ.
فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَهُ إِحْلَافُهُ) ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى اسْتِخْلَاصِ الْحَقِّ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنِ الْبَلَدِ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: يَمْلِكُ إِقَامَتَهَا فَقَطْ.
(وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً) فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.
(فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) :
أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُ إِقَامَتَهَا أَوْ تَحْلِيفَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ فَصْلَ الْخُصُومَةِ يُمْكِنُ بِإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْيَمِينِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُجَابُ إِلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ إِلَّا إِقَامَتَهَا فَقَطْ.
وَاسْتَدَلَّ فِي الشَّرْحِ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَهُ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُبْدَلِهَا، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا.
الْمُنْكِرُ ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ.
وَإِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَالَ لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ.
وَقِيلَ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُجِيبَ.
وَإِنْ قَالَ: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ.
لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا.
وَإِنْ قَالَ: لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ.
لَمْ يَلْزَمِ الدَّاعِيَ إِنْظَارُهُ.
وَإِنْ قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُ، أَوْ أَبْرَأَنِي،
[المبدع في شرح المقنع]
فَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُوهُ، وَلَا أُقِيمُ بَيِّنَةً.
حَلَفَ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ نَفْسَ الْحَقِّ.
ثُمَّ فِي جَوَازِ إِقَامَتِهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَامَ شَاهِدًا فِي الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ بِلَا رِضَى خَصْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ، بَلْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُنْكِرِ حَلَفَ لَهُ.
فَإِنْ حَلَفَ، ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي: أَنَا أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدَيَّ.
لَمْ يُسْتَحْلَفْ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ فِعْلُهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ عَادَ فَبَذَلَ الْيَمِينَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ.
[إِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً]
(وَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ) وِفَاقًا لِقَوْلِ عُمَرَ: الْبَيِّنَةُ الصَّادِقَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِيهَا بِإِقْرَارِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا قَبِلَ الْيَمِينَ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَوْ أَزَالَتِ الْحَقَّ لَاجْتَرَأَ الْفَسَقَةُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدُ: لَا تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ.
وَرُدَّ بِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ) أَوْ قَالَ: لَا أُقِرُّ، وَلَا أُنْكِرُ.
أَوْ قَالَ: أَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ.
قَالَهُ فِي عُيُونُ الْمَسَائِلِ وَالْمُنْتَخَبِ.
(قَالَ لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ نَاكِلٌ عَمَّا تَوَجَّبَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْهُ، كَالْيَمِينِ.
وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ طَرِيقٌ إِلَى ظُهُورِ الْحَقِّ.
وَيُسَنُّ تَكْرَارُهُ مِنَ الْحَاكِمِ ثَلَاثًا، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ كَامِلَيْنِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ بِقَوْلِهِ: مَرَّةً.
(وَقِيلَ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُجِيبَ) إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ السَّامَرِيُّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ.
فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ قضى بِهَا وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ قَالَ: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ.
لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا) لِأَنَّ الْجَوَابَ إِقْرَارٌ أَوْ إِنْكَارٌ، وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
(وَإِنْ
وَلِي بَيِّنَةٌ بالإبراء أَوِ القضاء، وَسَأَلَ الْإِنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا.
وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ وَاسْتَحَقَّ، وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ جَعَلَ الْخَصْمَ فِيهَا، وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ: لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ.
لَمْ يَلْزَمِ الدَّاعِيَ إِنْظَارُهُ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالسَّامَرِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ حَقِّهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْجَوَابِ ثَبَّتَ لَهُ مَالًا فَلَمْ يَلْزَمْهُ إِنْظَارُهُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِنْظَارُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ دَيْنِهِ، أَوْ يَعْلَمُ هَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؛ وَالثَّلَاثُ: مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ، وَلَا يُمْهَلُ أَكْثَرَ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ كَثِيرٌ.
(وَإِنْ قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُ، أَوْ أَبْرَأَنِي، وَلِي بَيِّنَةٌ بِالْإِبْرَاءِ أَوِ الْقَضَاءِ.
وَسَأَلَ الْإِنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا) لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ، وَلَا تَتَكَامَلُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ إِنْظَارُهُ ; لِقَوْلِهِ: لِي بَيِّنَةٌ بِدَفْعِ دَعْوَاهُ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ.
(وَلِلْمُدَّعِي مُلَازِمَتُهُ) لِأَنَّ جَنْبَتَهُ أَقْوَى، لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تُوَجِّهَ عَلَيْهِ، وَدَعْوَى الْإِسْقَاطِ الْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَكَيْلَا يَهْرُبَ أَوْ يَغِيبَ.
وَلَا يُؤَخِّرَ الْحَقَّ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي أُنْظِرَ فِيهَا.
(فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ وَاسْتَحَقَّ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُنْكِرًا، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكَرِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا قَضَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وَصُرِفَ.
وَإِنْ قُلْنَا: بِرَدِّ الْيَمِينِ فَلَهُ تَحْلِيفُ خَصْمِهِ، فَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ.
هَذَا كُلُّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَنْكَرَ سَبَبَ الْحَقِّ، أَتَى، فَأَمَّا إِنْ أَنْكَرَهُ ثُمَّ ادَّعَى قَضَاءً أَوْ إِبْرَاءً سَابِقًا لِإِنْكَارِهِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةً، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَزَادَ: بِأَنْ قَالَ: قَتَلْتَ دَابَّتِي، فَلِي عَلَيْكَ ثَمَنُهَا أَلْفٌ.
فَقَالَ: لَا تَلْزَمُنِي، أَوْ لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْهُ.
فَقَدْ أَجَابَ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْقَتْلِ احْتَاجَ إِلَى مُسْقِطٍ.
وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ مِائَةُ دِينَارٍ.
قَالَ: بَلْ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
فَمَا أَجَابَ، وَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ إِنْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعِي، وَدَعْوَى الذَّهَبِ بَاقِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ جَعَلَ الْخَصْمَ فِيهَا) وَكَانَ صَاحِبَ الْيَدِ ; لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ اعْتَرَفَ أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِهِ إِقْرَارٌ صَحِيحٌ.
(وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) : أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا لِلْمُدَّعِي، قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا لَزِمَهُ غُرْمُهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الْعَيْنُ لِزَيْدٍ.
ثُمَّ قَالَ:
فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لَهُ حَاضِرًا مُكَلَّفًا سُئِلَ فَإِنِ ادعى لِنَفْسِهِ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ لِي وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ.
سُلِّمَتْ إِلَى الْمُدَّعِي، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
فِي الْآخَرِ: لَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ عِنْدَ أَمِينٍ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى.
ثُمَّ إِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
هِيَ لَعُمَرَ.
فَإِنَّهَا تُدْفَعُ إِلَى زَيْدٍ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِعُمَرَ.
وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُرْمُ مَعَ الْإِقْرَارِ لَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ نَكَلَ عَنْهَا مَعَ طَلَبِهَا أُخِذَ مِنْهُ بَدَلُهَا، ثُمَّ إِنْ صَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ فَهُوَ كَأَحَدِ مُدَّعِيَيْنِ عَلَى ثَالِثٍ، أَقَرَّ لَهُ الثَّالِثُ وَسَيَأْتِي.
وَالثَّانِي: لَا يَحْلِفُ ; لِأَنَّ الْخُصُومَةَ انْقَلَبَتْ إِلَى غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَنْتَقِلَ الْيَمِينُ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: مَنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ لِزَيْدٍ فَكَذَّبَهُ، صَدَّقَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ مَضْمُونًا لَهُ إِذَا عُلِمَ بَعْدُ.
وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ لِزَيْدٍ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِإِنْكَارِهِ جَهْلًا، وَيَغْرَمُهُ الْمُقِرُّ.
وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
(فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لَهُ حَاضِرًا مُكَلَّفًا سُئِلَ) لِيَتَبَيَّنَ الْحَالُ.
(فَإِنِ ادعى لِنَفْسِهِ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ وَأَخَذَهَا) لِأَنَّهُ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ، فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُ الْعَيْنَ ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَوْنُهَا لَهُ بِإِقْرَارٍ مِنَ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ، وَانْدَفَعَتْ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي، فَوَجَبَ الْأَخْذُ عَمَلًا بِالْمقتضي.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ) لِأَنَّ الْيَدَ صَارَتْ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَشْبَهَ مَا لَوِ ادَّعَى شَخْصٌ فَأَقَرَّ بِهَا لَهُ.
(وَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ لِي) أَوْ قَالَ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
(وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ.
سُلِّمَتْ إِلَى الْمُدَّعِي، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ أَوْلَى، فَتُسَلَّمُ إِلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا أَشْبَهَ الَّتِي بِيَدِهِ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ لَوِ ادَّعَاهَا ثُمَّ نَكَلَ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا لِلْمُدَّعِي، فَمَعَ عَدَمِ ادِّعَائِهِ أَوْلَى.
فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ اقْتَرَعَا عَلَيْهَا.
(وَفِي الْآخَرِ: لَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهَا.
(وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ عِنْدَ أَمِينٍ) كَمَالٍ ضَائِعٍ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي أَنَّهَا لَهُ، وَتُسَلَّمَ إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: يُقَرُّ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى) لِأَنَّ الدَّعْوَى صَارَتْ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَصِيرُ الْغَائِبُ وَالْوَلِيُّ خَصْمَيْنِ إِنْ صَدَقَا، وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(ثُمَّ إِنَّ كَانَ لِلْمُدَّعِي
كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ.
وَهَلْ يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً إنَّهَا لِمَنْ سَمَّى، فَلَا يَحْلِفُ وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُعَرِّفَهُ، وَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَكَ نَاكِلًا.
[المبدع في شرح المقنع]
بَيِّنَةٌ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ) لِأَنَّ جَانِبَهُ قَدْ تَرَجَّحَ بِهَا.
(وَهَلْ يَحْلِفُ) مَعَهَا؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لَا يَحْلِفُ، جَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَهِيَ أَشْهَرُ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ وَحْدَهَا كَافِيَةٌ لِلْخَبَرِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّ الْغَائِبَ وَالصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا يَقُومُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ بِالْحُجَّةِ، فَاحْتِيجَ إِلَى الْيَمِينِ لِتَأْكِيدِ الْبَيِّنَةِ.
وَقِيلَ: إِنْ جُعِلَ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ أَخَذَهَا وَحَلَفَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ تَعَارَضَتَا، وَأُقِرَّتْ بِيَدِ الْمُدَّعِي إِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْغَائِبِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ) لَمْ يَقْضِ لَهُ بِهَا، وَيُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَقْدِمَ الْغَائِبُ وَيَصِيرَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُكَلَّفًا، فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ لَهُ.
(حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَزِمَهُ الدَّفْعُ، وَمَنْ لَزِمَهُ الدَّفْعُ مَعَ الْإِقْرَارِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ.
(وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ انْدَفَعَتْ دَعْوَاهُ بِالْيَمِينِ.
وَفِي الشَّرْحِ: إِذَا قَالَ الْمُدَّعِي: أَحْلِفُوا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
أَحْلَفْنَاهُ، وَتُقَرُّ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، وَلَوْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ غَرِمَ بَدَلَهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلْ تَكُونُ عِنْدَ أَمِينِ الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْخُذَهَا الْمُقَرُّ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي اثْنَيْنِ غَرِمَ عِوَضَيْنِ لَهُمَا.
وَفِي الشَّرْحِ: مَتَى عَادَ الْمُقِرُّ بِهَا لِغَيْرِهِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ لَمْ تُسْمَعْ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ.
(إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لِمَنْ سَمَّى، فَلَا يَحْلِفُ) أَيْ: إِذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلِيهِ بَيِّنَةً أَنَّهَا لِمَنْ سَمَّاهُ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ عَنِ الْحَاضِرِ، وَسُقُوطِ الْيَمِينِ عَنْهُ، وَلَمْ يَقْضِ بِهَا ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْغَائِبِ، وَالْغَائِبُ لَمْ يَدَعْهَا هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا، إِذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَإِنَّ لِلْمُودِعِ الْمُحَاكَمَةَ فِي الْوَدِيعَةِ إِذَا غُصِبَتْ.
وَاقْتَصَرَ فِي الرِّعَايَةِ عَلَى حِكَايَةِ هَذَا التَّخْرِيجِ فَقَطْ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ أَنَّهَا مَعَهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ، لَمْ يَقْضِ بِهَا.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ، وَقُلْنَا لَهُمَا: الْمُحَاكَمَةُ.
ثَبَتَ الْمِلْكُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُعَرِّفَهُ، وَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَكَ نَاكِلًا)
فَصْلٌ وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعِي إِلَّا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالْمَجْهُولِ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعي عَيْنًا حَاضِرَةً عَيَّنَهَا وَإِنْ كَانَتْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَنَقْضِيَ عَلَيْكَ.
لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الدَّعْوَى عَلَى مَجْهُولٍ، فَيَضِيعُ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ هَذَا.
فَإِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ لَمْ تُسْمَعْ فِي الْأَشْهَرِ.
[لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعِي]
فَصْلٌ
(وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمَّا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ أَلْزَمَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُلْزِمَهُ مَجْهُولًا.
(إِلَّا فِي الْوَصِيَّةِ) وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ السَّامَرِيُّ.
(وَالْإِقْرَارِ) وَالْخُلْعِ، وَعَبْدٍ مُطْلَقٍ فِي مَهْرٍ حَيْثُ صَحَّحْنَاهُ.
(فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالْمَجْهُولِ) لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ لَصَحَّ، فَكَذَا هَذَا.
وَشَرْطُهَا أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالْحَالِّ، فَلَا بُدَّ فِي الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ حَالًّا.
وَقِيلَ: تُسْمَعُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لِإِثْبَاتِهِ إِذَا خَافَ سَفَرَ الشُّهُودِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا تُسْمَعُ، فَيَثْبُتُ أَصْلُ الْحَقِّ لِلُزُومِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَدَعْوَى تَدْبِيرٍ، وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي قَتْلِ أَبِي أَحَدِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ، أَنَّهُ يُسْمَعُ لِلْحَاجَةِ لِوُقُوعِهِ كَثِيرًا، وَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ.
وَكَذَا دَعْوَى غَصْبٍ وَسَرِقَةٍ، لَا إِقْرَارٍ وَبَيْعٍ إِذَا قَالَ: نَسِيتُ.
لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ، وَإِنْ يُصَرِّحْ بِهَا فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ عَنْ دَعْوَى فِي وَرَقَةٍ ادَّعَى بِمَا فِيهَا، وَأَنْ تَنْفَكَّ عَمَّا يُكَذِّبُهَا، فَلَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ الْمُشَارَكَةَ فِيهِ، لَمْ تُسْمَعِ الثَّانِيَةُ وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: غَلِطْتُ أَوْ كَذَبْتُ فِي الْأَوَّلِ.
فَالْأَظْهَرُ تُقْبَلُ، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ لِإِمْكَانِهِ، وَالْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا حَاضِرَةً) فِي الْمَجْلِسِ.
(عَيَّنَهَا) لِأَنَّهُ يَنْتَفِي اللَّبْسُ.
وَكَذَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، لَكِنْ لَمْ تَحْضُرْ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ، اعْتُبِرَ إِحْضَارُهَا لِلتَّعْيِينِ، وَيَجِبُ إِحْضَارُهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِنْ أَقَرَّ أَنَّ بِيَدِهِ مِثْلَهَا.
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا بِيَدِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ حُبِسَ أَبَدًا حَتَّى يُحْضِرَهَا، أَوْ يَدَّعِيَ تَلَفَهَا فَيُصَدَّقُ لِلضَّرُورَةِ، وَتَكْفِي الْقِيمَةُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا ادَّعَى دَيْنًا عَلَى أَبِيهِ، ذَكَرَ مَوْتَهُ وَحَرَّرَ الدَّيْنَ وَالتَّرِكَةَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَفِي الْمُغْنِي: أَوْ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى مَالًا مُطْلَقًا لَمْ يَجِبْ ذِكْرُ سَبَبِهِ وَقَدْرِهِ وَجِنْسِهِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
فَإِنِ ادَّعَى عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، لَمْ يُعْتَبَرْ ذِكْرُ سَبَبِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا لِكَثْرَةِ سَبَبِهِ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِكَ أَوْ ذِمَّتِكَ.
غَائِبَةً ذَكَرَ صِفَاتِهَا، إِنْ كَانَتْ تَنْضَبِطُ بِهَا.
وَالْأَوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، ذَكَرَ قَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا، وَإِنْ ذَكَرَ قِيمَتَهَا كَانَ أَوْلَى.
وَإِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ بِالصِّفَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا.
وَإِنِ ادَّعَى نِكَاحًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ بِعَيْنِهَا إِنْ حَضَرَتْ، وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكَاحِ، وإن تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا، فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ..، وَإِنِ ادَّعَى بَيْعًا أَوْ عَقْدًا سِوَاهُ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِنِ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحًا عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً ذَكَرَ صِفَاتِهَا، إِنْ كَانَتْ تَنْضَبِطُ بِهَا) لِأَنَّهَا تَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ.
(وَالْأَوْلَى) مَعَ ذَلِكَ.
(ذِكْرُ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُ أَضْبُطُ.
(وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ذَكَرَ قَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا) مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ، لِأَنَّ الْمِثْلَ وَاجِبٌ، لَا يَتَحَقَّقُ الْمِثْلُ بِدُونِهَا.
(وَإِنْ ذَكَرَ قِيمَتَهَا كَانَ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَضْبَطُ وَأَحْضَرُ.
(وَإِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ بِالصِّفَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهَا لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِذَلِكَ.
(وَإِنِ ادَّعَى نِكَاحًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ بِعَيْنِهَا إِنْ حَضَرَتْ) لِأَنَّ اللَّبْسَ يَنْتَفِي بِذَلِكَ.
(وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا) لِأَنَّهَا لَا تَتَمَيَّزُ إِلَّا بِذَلِكَ.
(وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكَاحِ) الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ، صَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهَا حَتَّى يَعْلَمَ الْحَالَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، لِيَعْرِفَ كَيْفَ يَحْكُمُ.
(وإن تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا، فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ نَوْعُ مِلْكٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَى بَيْعًا أَوْ عَقْدًا غَيْرَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ لَهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ.
وَتَتَعَلَّقُ الْعُقُوبَةُ بِجِنْسِهِ.
فَاشْتَرَطَ شُرُوطَهُ كَالْقَتْلِ.
فَإِنِ ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ وَلَمْ يَدَّعِ عَقْدًا، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ شُرُوطِهِ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالِاسْتِفَاضَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَعَهَا اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ.
وَفِي آخَرَ: بَلَى كَدَعْوَى الْعَقْدِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: يُعْتَبَرُ فِي النِّكَاحِ وَصْفُهُ بِالصِّحَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ انْتِفَاءُ الْمُفْسِدِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعْتَدَّةً، وَلَا مُرْتَدَّةً.
(وَإِنِ ادَّعَى بَيْعًا أَوْ عَقْدًا سِوَاهُ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) :
أَصَحُّهُمَا: يُعْتَبَرُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ كَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ أَوْلَى وَأَصَحُّ.
رَجُلٍ، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَفَقَةً أَوْ مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا.
وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شَارَكَ غَيْرَهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي مِلْكِ الْإِمَاءِ خَاصَّةً.
وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوِ ادَّعَى بَيْعًا لَازِمًا، أَوْ هِبَةً مَقْبُوضَةً، كَفَى فِي الْأَشْهَرِ.
وَفِي اعْتِبَارِ وَصْفِ الْبَيْعِ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ وَجْهَانِ.
وَقِيلَ: وَيَذْكُرُ الْقِيمَةَ وَالْوَصْفَ دُونَ ذِكْرِ الْقِيمَةِ.
فَلَوِ ادَّعَى بَيْعًا أَوْ هِبَةً لَمْ تُسْمَعْ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: وَيَلْزَمُكَ التَّسْلِيمُ إِلَيَّ.
لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ.
وَمَا لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعْوَى وَلَمْ يَذْكُرْهُ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، لِتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً، فَيُمْكِنُ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَقَارًا غَائِبًا بَعِيدًا، كَفَى شُهْرَتُهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ حَاكِمٍ عَنْ تَحْدِيدِهِ ; لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ.
وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا عَيَّنَهُ إِنْ أَمْكَنَ.
[إِنِ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحًا عَلَى رَجُلٍ وَادَّعَتْ مَعَهُ نَفَقَةً أَوْ مَهْرًا]
(وَإِنِ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحًا عَلَى رَجُلٍ، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَفَقَةً أَوْ مَهْرًا سُمِعَتْ دَعْوَاهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ حَاصِلَ دَعْوَاهَا دَعْوَى الْحَقِّ مِنَ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ:
أَحَدُهُمَا: تُسْمَعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، لِأَنَّ النِّكَاحَ يَتَضَمَّنُ حُقُوقًا لَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوِ ادَّعَتْ مَعَ النِّكَاحِ مَهْرًا.
وَالثَّانِي: لَا تُسْمَعُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ أَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَدَعْوَاهَا لَهُ إِقْرَارٌ لَا يُسْمَعُ مَعَ إِنْكَارِ الْمُقِرِّ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ انْتِفَاءِ مُفْسِدَاتِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ قُبِلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تُسْتَحْلَفِ الْمَرْأَةُ وَالْحَقُّ عَلَيْهَا، فَلِأَنْ لَا يُسْتَحْلَفَ مَنِ الْحَقُّ لَهُ وَهُوَ يُنْكِرُهُ أَوْلَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُسْتَحْلَفَ ; لِأَنَّ دَعْوَاهَا إِنَّمَا سُمِعَتْ لِتَضَمُّنِهَا دَعْوَى حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ، فَشُرِعَ فِيهَا الْيَمِينُ.
وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالنِّكَاحِ، ثَبَتَ لَهَا مَا تَضَمَّنَهُ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِهَا.
وَأَمَّا إِبَاحَتُهَا لَهُ فَتَنْبَنِي عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ حَلَّتْ لَهُ ; لِأَنَّ إِنْكَارَهُ النِّكَاحَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتِ امْرَأَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
هَلْ يُمَكَّنُ مِنْهَا فِي الظَّاهِرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى رِقَّ جَارِيَةِ رَجُلٍ فَصَدَّقَهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّهَا بِإِقْرَارِهِ.
1
(وَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ
وَأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيَصِفُهُ.
وَإِنِ ادَّعَى الْإِرْثَ، ذَكَرَ سَبَبَهُ.
وَإِنِ ادَّعَى شَيْئًا مُحَلًّى قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِه، فلو كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ.
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شَارَكَ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيَصِفُهُ) لِأَنَّ الْحَالَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهِ لِتَرَتُّبِ حُكْمِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: قَدَّهُ نِصْفَيْنِ وَكَانَ حَيًّا، أَوْ ضَرَبَهُ وَهُوَ حَيٌّ.
صَحَّ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَيَاةَ فَوَجْهَانِ.
وَإِنْ قَالَ: ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ.
فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: فَأَوْضَحَ عَظْمَهُ؛ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
(وَإِنِ ادَّعَى الْإِرْثَ ذَكَرَ سَبَبَهُ) لِاخْتِلَافِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقَدْرَهُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ: مَاتَ فُلَانٌ وَأَنَا وَارِثُهُ.
(وَإِنِ ادَّعَى شَيْئًا مُحَلًّى قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الرِّبَا.
(فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ) إِذِ الثَّمَنِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِمَا.
فَإِنِ ادَّعَى نَقْدًا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ كَفَى ذِكْرُ قَدْرِهِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ وَصْفِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى أَنَّ زَيْدًا أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ، لَمْ تُسْمَعْ حَتَّى يَقُولَ: أَدَّعِي عَلَيْهِ حَالًّا أَطْلُبُهُ بِمَا فِيهَا مِنْهُ.
وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ: لِي عَلَيْكَ، أَوْ لِي فِي ذِمَّتِكَ كَذَا.
حَتَّى يَقُولَ: وَهُوَ حَالٌّ، وَأَنَا أَطْلُبُكَ بِهِ.
وَفِي الْوَدِيعَةِ، يَقُولُ: وَأَنَا أَطْلُبُ أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ أَخْذِهَا.
وَلَا يَقُولُ: أَطْلُبُ تَسْلِيمَهَا.
فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ، بَلِ التَّمْكِينُ مِنْهَا، وَلَا يَجِبُ ذِكْرُ قِيمَتِهَا.
الْعَارِيَّةُ وَالْغَصْبُ، وَيَقُولُ وَهُمَا فِي يَدِهِ: يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيَّ.
وِفِي السَّلَمِ، يَذْكُرُ شُرُوطَهُ.
وَكَذَا فِي دَعْوَى الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ الْإِتْلَافُ فِي وَجْهٍ.
فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهَا لَهُ فِي الْحَالِ، فَشَهِدَتْ أَنَّهَا لَهُ أَمْسِ أَوْ فِي يَدِهِ، لَمْ تُسْمَعْ فِي الْأَشْهَرِ وَإِنْ قَالَ خَصْمَهُ: كَانَتْ بِيَدِكَ أَمْسِ.
لَمْ يَلْزَمْ خَصْمَهُ شَيْءٌ.
مَسْأَلَةٌ: تَصِحُّ دَعْوَى الْحِسْبَةِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَفِي حَقِّ كُلِّ آدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَرِبَاطٍ وَجِسْرٍ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مُسْتَحِقُّهُ.
وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى وَبَعْدَهَا مِنْ رَبِّهِ وَغَيْرِهِ.
ادَّعَى شَجَرَةً أَوْ دَابَّةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ النِّتَاجَ وَالثَّمَرَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا الثَّمَرَةَ الظَّاهِرَةَ عند إِقَامَة الْبَيِّنَةِ، وَيَسْتَحِقُّ الْمَوْجُودَ إِذَنْ.
وَقِيلَ: لَا إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ مِلْكُهُ لِلْأَصْلِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فَأَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، رَدَّ بَائِعُهُ ثَمَنَهُ الَّذِي قَبَضَهُ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مِلْكًا سَابِقًا عَلَى الْمُشْتَرِي.
فَصْلٌ
وَتُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِي اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي.
وَعَنْهُ:
[المبدع في شرح المقنع]
وَمَنِ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَذَكَرَ شُهُودَ الْمِلْكِ وَسَبَبَهُ، صَحَّ، وَلَمْ يَضُرَّهُ ذِكْرُهُ.
وَلَوْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي سَبَبًا غَيْرَهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ.
شَهِدَ لَهُ عَدْلَانِ بِحَقٍّ مَالِيٍّ لَا عِنْدَ حَاكِمٍ، فَلَهُ أَخْذُهُ فِي الْأَقْيَسِ.
وَإِنْ شَهِدَا لَهُ بِقَوَدٍ لَا عِنْدَ حَاكِمٍ، فَلَا يَأْخُذُهُ.
وَقِيلَ: بَلَى، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ.
فَرْعٌ: أَعْطَى دَلَّالًا ثَوْبًا يُسَاوِي عَشْرَةً لِيَبِيعَهُ بِعِشْرِينَ، فَجَحَدَهُ، فَقَالَ: أَدَّعِي ثَوْبًا، إِنْ كَانَ بَاعَهُ فَلِي عِشْرُونَ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فَلِي عَيْنُهُ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلِي عَشْرَةٌ.
فَقَدِ اصْطَلَحَ الْقُضَاةُ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الدَّعْوَى الْمَرْدُودَةِ لِلْحَاجَةِ.
ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فَلِي رَدُّهُ، وَإِلَّا قِيمَتُهُ، صَحَّ.
وَقِيلَ: بَلْ يَدَّعِيهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ ادَّعَى قِيمَتَهُ.
وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ بِيَدِ الْمُنْكِرِ سُمِعَتْ فِي الْأَشْهَرِ.
[قَبُولُ شَهَادَةِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ]
فَصْلٌ
(وَتُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِي اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْكَافِي، وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَذَكَرَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: 6] الآية، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ» . وَسَوَاءٌ طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، كَالْإِسْلَامِ.
فَعَلَى هَذَا يَكْتُبُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَكُنْيَتَهُ وَحِلْيَتَهُ، وَصَنْعَتَهُ وَسُوقَهُ، وَمَسْكَنَهُ، وَمَنْ شَهِدَ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَمَا شَهِدَ بِهِ، فِي رِقَاعٍ وَيَدْفَعُهَا إِلَى أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ حَالَ مَنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ، مِنْ غَيْرِ شَحْنَاءَ وَلَا عَصَبِيَّةٍ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يُعَرِّفَهُمُ الْمَشْهُودَ، وَلَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَلَا الْمَسْؤُولِينَ، وَيَدْفَعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً، وَلَا يَعْلَمُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لِيَسْأَلُوا عَنْهُ، فَإِنْ رَجَعُوا
تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا عَمِلَ بِعِلْمِهِ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، إِلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا، فَيُفَرِّقُهُمَا.
فَإِنِ اخْتَلَفَا لَمْ يَقْبَلْهُمَا،
[المبدع في شرح المقنع]
بِتَعْدِيلِهِ قَبِلَهُ مِنِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ.
قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَرَجَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَيَشْهَدَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ.
وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ إِلَّا شَهَادَةُ الْمَسْؤُولِينَ ; لِأَنَّهُمْ شُهُودُ أَصْلٍ.
فَإِنْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ.
وَلَمْ يُبَيِّنَا سَبَبَهُ، فَوَجْهَانِ.
(وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ) وَهي قَوْلُ الْحَسَنِ.
(اخْتَارَها الْخِرَقِيُّ) وَأَبُو بَكْرٍ وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ لِقَبُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ.
وَلِقَوْلِ عُمَرَ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ.
وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ سَبَبُهَا الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ.
فَإِذَا وُجِدَ فَلْيَكْتَفِ بِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ.
فَعَلَى هَذِهِ، (إِنْ جَهِلَ إِسْلَامَهُ رَجَعَ إِلَى أقواله) لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا صَارَ مُسْلِمًا بِالِاعْتِرَافِ.
وَلَا يَكْفِي ظَاهِرُ الدَّارِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
وَفِي جَهْلِ حُرِّيَّتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إِنْ مَنَعُوا عَدَالَةَ الْعَبْدِ فَيُمْنَعُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» . وَهُمْ مِنْ حُمَّالِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَالْفَتْوَى، فَهُمْ عُدُولٌ لِقَوْلِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ) .
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ ظَاهِرَ الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ، مَمْنُوعٌ، بَلِ الظَّاهِرُ عَكْسُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ عُمَرَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ، فَقَالَ لَهُمَا: لَسْتُ أَعْرِفُكُمَا، وَلَا يَضُرُّكُمَا إِنْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا.
وَلِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ قَدْ صَارَ صَحَابِيًّا وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ.
(وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا عَمِلَ بِعِلْمِهِ) فِي عَدَالَةِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ لَتَسَلْسَلَ، لِأَنَّ الْمُزَكِّيَ يَحْتَاجُ إِلَى عَدَالَتِهِمَا، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ احْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُزَكِّينَ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُزَكِّيهِمَا إِلَى مُزَكِّينَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ.
(وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا) لِأَنَّ شُرُوطَ الْحُكْمِ قَدْ وُجِدَتْ.
(إِلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا) فَإِنَّهُ يَلْزَمُ سُؤَالُهُمَا، وَالْبَحْثُ عَنْ صِفَةِ تَحَمُّلِهِمَا وَغَيْرِهِ.
(فَيُفَرِّقُهُمَا) اسْتِحْبَابًا،
وَإِنِ اتَّفَقَا وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا، فَإِنْ ثَبَتَا حَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي.
وَإِنْ جَرَحَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ بِالْجَرْحِ.
وَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا.
وَلِلْمُدَّعِي
[المبدع في شرح المقنع]
صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْكَافِي وَالْوَجِيزِ، وَعِبَارَةُ السَّامَرِيِّ وَابْنِ حَمْدَانَ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
(وَيَسْأَلُ كُلَّ وَاحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؛ وَمَتَى؛ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ؛ وَهَلْ كُنْتَ وَحْدَكَ؛ أَوْ أَنْتَ وَصَاحِبَكَ؟) .
لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ سَبْعَةً خَرَجُوا، فَفُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَأَتَتْ زَوْجَتُهُ عَلِيًّا، فَدَعَا السِّتَّةَ، فَسَأَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَأَنْكَرَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
فَظَنَّ الْبَاقُونَ أَنَّهُ قَدِ اعْتَرَفَ، فَاسْتَدْعَاهُمْ فَاعْتَرَفُوا، فَقَالَ لِلْأَوَّلِ: قَدْ شَهِدُوا عَلَيْكَ.
فَاعْتَرَفَ، فَقَتَلَهُمْ.
(فَإِنِ اخْتَلَفَا لَمْ يَقْبَلْهُمَا) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُوقَفُ عَنْ قَبُولِهَا.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَفِي الشَّرْحِ: سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمَا.
(وَإِنِ اتَّفَقَا وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَوَقُّفِهِمَا بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِمَا شَاهِدَيْ زُورٍ.
(فَإِنْ ثَبَتَا) عَلَى قَوْلِهِمَا.
(حَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ الشَّرْطَ ثَبَاتُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا إِلَى حِينِ الْحُكْمِ، وَطَلَبُ الْمُدَّعِي الْحُكْمَ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ لِلْمُنْكِرِ: قَدْ قَبِلْتُهُمَا، فَإِنْ جَرَحْتَهُمَا، وَإِلَّا حَكَمْتُ عَلَيْكَ.
ذَكَرَهُ السَّامَرِيُّ.
(وَإِنْ جَرَحَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ بِالْجَرْحِ) لِيَتَحَقَّقَ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ.
(وَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا) ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ ; لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ إِقَامَتَهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ وَيَعْسُرُ.
فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُمَا شَهِدَا عِنْدَ قَاضٍ بِذَلِكَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا رُدَّتْ لِفِسْقٍ لَمْ تُقْبَلْ مَرَّةً ثَانِيَةً.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يُشْهِدُهُمُ النَّاسُ، فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ، وَيَكْتَفِي عَنِ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ.
قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهِ كُلَّ قَلِيلٍ.
وَهَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
(وَلِلْمُدَّعِي مُلَازِمَتُهُ) لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تُوَجِّهَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُهُ،
مُلَازَمَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً حَكَمَ عَلَيْهِ.
وَلَا يَسْمَعُ الْجَرْحَ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِعَدْلٍ.
وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسْقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعِي: زِدْنِي شُهُودًا.
وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً حُكِمَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ وَضُحَ عَلَى وَجْهٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ.
(وَلَا يَسْمَعُ الْجَرْحَ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي شَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقْبَلَ مُجَرَّدَ الْجَرْحِ ; لِئَلَّا يَجْرَحَهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْقَاضِي جَرْحًا.
وَفِي الِاسْتِفَاضَةِ وَجْهٌ، كَتَزْكِيَةٍ.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِعَدْلٍ) كَالتَّعْدِيلِ فِي الْأَصَحِّ.
لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالسَّبَبِ يَجْعَلُ الْجَارِحَ فَاسِقًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّعْرِيضُ.
وَقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ مَذْهَبُ الْجَارِحِ وَالْحَاكِمِ، أَوْ عَرَفَ الْجَارِحُ أَسْبَابَ الْجَرْحِ قَبِلَ إِجْمَالَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الْمُحَرَّرِ: الْمُبَيَّنُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ.
وَالْمُطْلَقُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ فَاسِقٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ الْمُبَيَّنُ وَالْمُطْلَقُ، أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَنَحْوَهُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ: بَلَغَنِي عَنْكَ كَذَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] .
فَرْعٌ: إِذَا صَرَّحَ الْجَارِحُ بِقَذْفِهِ بِالزِّنَى، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.
وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ وَلَا فِي التَّعْدِيلِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
وَعَنْهُ: بَلَى، كَالرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهَا شَهَادَةٌ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ الْمَالَ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فِي الْقِصَاصِ.
وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ مِنَ الْخَصْمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
مَسْأَلَةٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُتَوَسِّمِينَ، وَذَلِكَ إِذَا حَضَرَ شَاهِدَانِ مُسَافِرَانِ فَشَهِدَا عِنْدَ حَاكِمٍ لَا يَعْرِفُهُمَا، كَشَاهِدَيِ الْحَضَرِ.
[إِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسْقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ]
(وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعِي: زِدْنِي شُهُودًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ مَعَ السَّتْرِ عَلَى الشَّاهِدِ.
(وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ) لَزِمَهُ الْبَحْثُ.
(وَطَالَبَ الْمُدَّعِيَ
وَطَالَبَ الْمُدَّعِي بِتَزْكِيَتِهِ.
وَيَكْفِي فِي التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: ليَّ وعلي.
وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، وَجَرَحَهُ اثْنَانِ، فَالْجَرْحُ أَوْلَى.
وَإِنْ سَأَلَ
[المبدع في شرح المقنع]
بِتَزْكِيَتِهِ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلشَّاهِدَيْنِ: جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا.
وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ، فَالشَّكُّ فِي وُجُودِهَا كَعَدَمِهَا، كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ.
(وَيَكْفِي فِي التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ، فَإِذَا شَهِدَا أَنَّهُ عَدْلٌ ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: إِذَا قُلْنَا: لَيْسَتْ شَهَادَةً.
وَلَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدُ فِي الْجَمِيعِ، وَهِيَ حَقُّ الشَّرْعِ، يَطْلُبُهَا الْحَاكِمُ وَإِنْ سَكَتَ عَنْهَا الْخَصْمُ.
وَقِيلَ: بَلْ حَقُّهُ.
(وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: لِي وَعَلِيَّ) لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ; لِئَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَوْ قُرَابَةٌ، وَلِئَلَّا يَكُونَ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ آخَرَ.
وَفِي الشَّرْحِ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ لَمْ تَزُلْ بِقَرَابَةٍ وَلَا عَدَاوَةٍ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ لِلتُّهْمَةِ مَعَ كَوْنِهِ عَدْلًا، ثُمَّ إِنَّ هَذَا إِذَا كَانَ مَعْلُومًا انْتِفَاؤُهُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِ، وَلَا نَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِالْحَقِّ مَنْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُ، وَلِأَنَّ الْعَدُوَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ شَهَادَتِهِ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ، وَإِنَّمَا تُمْنَعُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ.
وَلَا يَكْفِي فِيهَا أَنْ يَقُولَ: مَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ الْمُزَكِّينَ مَعْرِفَةُ الْحَاكِمِ خِبْرَتَهُمَا الْبَاطِنَةَ بِصُحْبَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَفِي التَّرْغِيبِ: وَمَعْرِفَةُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
لِقَوْلِ عُمَرَ ; لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ إِظْهَارُ الطَّاعَاتِ وَإِسْرَارُ الْمَعَاصِي.
وَفِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا: وَلَا يَتَّهِمُ بِمَعْصِيَةٍ.
وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ وَحْدَهُ تَعْدِيلٌ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ، وَكَذَا تَصْدِيقُهُ لَهُ.
وَلَا تَصِحُّ التَّزْكِيَةُ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي الْأَشْهَرِ فِيهِنَّ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَدِّلَ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَتَغَيَّرُونَ.
وَقَالَ: قِيلَ لِشُرَيْحٍ: قَدْ أَحْدَثْتَ فِي قَضَائِكَ.
قَالَ: إِنَّهُمْ أَحْدَثُوا فَأَحْدَثْنَا.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: لَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّيَ الْحُضُورُ لِلتَّزْكِيَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَإِنْ جَهِلَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ مَنَعَهُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرُوهُ: أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُعَدِّلَ لَا خِبْرَةَ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِالتَّعْدِيلِ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا: لَا يَجُوزُ لِلْمُعَدِّلِ الشَّهَادَةُ بِالْعَدَالَةِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ خِبْرَةً بَاطِنَةً.
فَأَمَّا الْحَاكِمُ إِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الْعَدْلُ بِالتَّعْدِيلِ وَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْحَالِ، فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ.
وَإِنِ اسْتَكْشَفَ
الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّيَ شُهُودَهُ، فَهَلْ يُحْبَسُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا، وَسَأَلَهُ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرَ حَبَسَهُ إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ حَاكَمَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَالَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فَحَسَنٌ.
(وَإِنْ عَدَلَهُ اثْنَانِ، وَجَرَحَهُ اثْنَانِ، فَالْجَرْحُ أَوْلَى) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ بَاطِنٍ خَفِيَ عَلَى الْمُعَدِّلِ، وَشَاهِدُ الْعَدَالَةِ يُخْبِرُ عَنْ أَمْرٍ ظَاهِرٍ، وَلِأَنَّ الْجَارِحَ مُثْبِتٌ وَالْمُعَدِّلَ نَافٍ، وَكَذَا إِنْ زَادَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَحَهُ وَاحِدٌ وَقَبِلْنَا جَرْحَهُ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْكَافِي بِأَنَّ بَيِّنَةَ الْجَرْحِ لَمْ تَكْمُلْ.
وَإِنْ جَرَحَهُ اثْنَانِ قُدِّمَا إِذَا بَيَّنَا سَبَبَ جَرْحِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا: بِتَعْدِيلِهِ، وَالْآخَرُ: بِجَرْحِهِ، بَعَثَ آخَرَيْنِ، فَإِنْ أَخْبَرَا بِجَرْحِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْعَثْ أَحَدًا.
قُدِّمَ الْجَرْحُ.
فَرْعٌ: إِذَا عَصَى فِي بَلَدِهِ فَانْتَقَلَ عَنْهُ، فَجَرَحَهُ اثْنَانِ فِي بَلَدِهِ، وَزَكَّاهُ اثْنَانِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ، قَدَّمَ التَّزْكِيَةَ.
وَيَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ، بِخِلَافِ الْجَرْحِ.
(وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّيَ شُهُودَهُ، فَهَلْ يُحْبَسُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَشْهُرُهُمَا: أَنَّهُ يُحْبَسُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَزَادَ: لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْعَدَالَةُ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: لَا يُجِيبُهُ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
وَقِيلَ: يُحْبَسُ فِي الْمَالِ وَنَحْوِهِ فَقَطْ.
وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ سَأَلَ كَفِيلًا بِهِ في غير حَدّ، أَوْ جَعَلَ عَيْنَ مُدَّعَاهُ فِي يَدِ عَدْلٍ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ.
(وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا، وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرَ حَبَسَهُ، إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ) جَزَمَ بِهِ في أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةٌ فِيهِ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي.
وَالْيَمِينُ إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عِنْدَ تَعَذُّرِ شَاهِدٍ آخَرَ، وَلَمْ يَحْصُلِ التَّعَذُّرُ.
وَقِيلَ: لَا يُحْبَسُ.
(وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) :
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْبِسُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي إِثْبَاتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ.
وَالثَّانِي: بَلَى، كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِنْ حُبِسَ لِيُقِيمَ شَاهِدًا آخَرَ يُتِمُّ بِهِ الْبَيِّنَةَ، فَهُوَ كَالْحَقِّ الَّذِي لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَإِنْ حُبِسَ لِيَحْلِفَ مَعَهُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحَلِفَ مُمْكِنٌ فِي الْحَالِ، فَإِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ.
يَقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّعْرِيفِ وَالرِّسَالَةِ، إِلَّا قَوْلَ عَدْلَيْنِ.
وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلٌ وَاحِدٌ في الكل.
وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يُحْبَسُ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ وَإِلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وَأُطْلِقَ.
وَقِيلَ: إِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُنْكِرِ فَأَبَى، وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَةُ الشَّاهِدِ حُبِسَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: إِنْ تَوَقَّفَ الْحُكْمُ عَلَى شَاهِدٍ آخَرَ، لَمْ يُحْبَسْ غَرِيمُهُ حَتَّى يُقِيمَهُ، وَإِلَّا فَاحْتِمَالَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَسَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، فَوَجْهَانِ.
وَإِنْ أَقَامَتِ الْمَرْأَةُ شَاهِدَيْنِ بِطَلَاقِهَا، وَلَمْ تُعْرَفْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، لَا إِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ حَاكَمَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ، تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِذَلِكَ.
(وَلَا يَقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّعْرِيفِ) الْمُرَادُ بِهِ تَعْرِيفُ الْحَاكِمِ، لَا تَعْرِيفَ الشَّاهِدِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةٌ، وَيَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ فِي الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ.
(وَالرِّسَالَةِ) وَالتَّزْكِيَةِ.
(إِلَّا قَوْلَ عَدْلَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ إِثْبَاتُ شَيْءٍ يَبْنِي الْحَاكِمُ حُكْمَهُ عَلَيْهِ، فَافْتَقَرَ إِلَى ذَلِكَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ أَجْنَبِيَّيْنِ يَشْهَدَا بِذَلِكَ شِفَاهًا.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَالِ وَالزِّنَى.
أَمَّا الْمَالُ: فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَفِي الزِّنَى: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
وَذَلِكَ شَهَادَةٌ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا.
(وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلٌ وَاحِدٌ) فِي الْكُلِّ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ «لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ، فَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ، حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُتَبَهُ، وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُم» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعِنْدَهُ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا تَقُولُ هَذِهِ؛ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذِهِ حَاطِبُ تُخْبِرُكَ بِالَّذِي صُنِعَ مَعَهَا.
تَجْدِيدِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ أَوْ مَيِّتٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا.
وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ؟ وَلَا مِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ.
وَكَالرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
فَعَلَى هَذَا يَكْفِي إِخْبَارُ عَدْلٍ بِدُونِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ وَالِدًا وَوَلَدًا أَوْ أَعْمَى لِمَنْ خَبَرَهُ بَعْدَ عَمَاهُ لَا قَبْلَهُ، وَعَنْهُ: بِشَرْطِ حُرِّيَّتِهِ.
ذَكَرَهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يقبل خَبَر الْعَبْدِ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ، ويكتفي بِالرُّقْعَةِ مَعَ الرَّسُولِ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ تَجِبُ الْمُشَافَهَةُ، وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ فِيمَنْ رَتَّبَهُ حَاكِمٌ يَسْأَلُ سِرًّا عَنِ الشُّهُودِ لِتَزْكِيَةٍ أَوْ جَرْحٍ، وَمَنْ نَصَّبَهُ لِلْحُكْمِ بِجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ، قَنِعَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ.
(وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) :
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْتَاجُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، كَالزَّمَنِ الْقَرِيبِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، فَلَا يَزُولُ حَتَّى يَثْبُتَ الْجَرْحُ.
وَالثَّانِي: بَلَى، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ، لِأَنَّ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ تَتَغَيَّرُ الْأَحْوَالُ.
[الِادِّعَاءُ عَلَى الْغَائِبِ]
فَصْلٌ
(وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ) مَسَافَةَ قَصْرٍ.
(أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ) أَوْ فِي دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ.
(أَوْ مَيِّتٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ) وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ.
وَهِيَ أَحْسَنُ.
(وَلَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ،
شَيْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ثُمَّ إِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَهُوَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، لِحُكْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِنْدَ وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، وَلِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهَا يُفْضِي إِلَى تَأْخِيرِ الْحَقِّ مَعَ إِمْكَانِ اسْتِيفَائِهِ، وَالسَّمَاعُ مِنْ أَجْلِ الْحُكْمِ.
وَلَيْسَ تَقَدُّمُ الْإِنْكَارِ هُنَا شَرْطًا.
وَلَوْ فُرِضَ إِقْرَارُهُ فَهُوَ تَقْوِيَةٌ لِثُبُوتِهِ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَغَيْرِهِ: لَا تَفْتَقِرُ الْبَيِّنَةُ إِلَى جُحُودٍ، إِذِ الْغَيْبَةُ كَالسُّكُوتِ، وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعُ عَلَى سَاكِتٍ.
لَكِنْ لَوْ قَالَ: هُوَ مُعْتَرِفٌ، وَأَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ اسْتِظْهَارًا.
لَمْ تُسْمَعْ.
وَقَالَهُ الْآدَمِيُّ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَتِرَ وَالْمَيِّتَ كَالْغَائِبِ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْمُسْتَتِرَ لَا عُذْرَ لَهُ بِخِلَافِ الْغَائِبِ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَإِنَّهُمَا لَا يُعَبِّرَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ.
الْفَائِدَةُ: وَلَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ بِحَقٍّ لِلَّهِ ; لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ.
فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ كَالسَّرِقَةِ قَضَى بِالْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ، وَفِي حَدِّ الْقَاذِفِ وَجْهَانِ.
(وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ؟ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) :
إِحْدَاهُمَا: لَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ.
اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى حَاضِرٍ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ وَصَحَّحَهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَضَاهُ أَوْ على غَيْر ذَلِكَ.
وَكَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَادَّعَى بَعْضَ ذَلِكَ وَطَلَبَ الْيَمِينَ، وَلَا يَتَعَرَّضُ فِي يَمِينِهِ لَصِدْقِ الْبَيِّنَةِ لِكَمَالِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَامَ شَاهِدًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يَلِينُ مَعَ بَيِّنَةٍ إِلَّا هُنَا ; لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الْبَيِّنَةِ.
وَعَنْهُ: بَلَى، فَعَلَهُ عَلِيٌّ.
وَعَنْهُ: مَعَ رِيبَةٍ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وَعَنْهُ: لَا يَحْكُمُ عَلَى غَائِبٍ وَنَحْوِهِ.
اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
وَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ.
وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى غَائِبٍ بِحَالٍ، إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ لِلْحَاضِرِ، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ وَكِيلُ الْغَائِبِ، أَوْ وَصِيٌّ، أَوْ جَمَاعَةٌ شُرَكَاءُ فِي شَيْءٍ فَيَدَّعِي عَلَى أَحَدِهِمْ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى
عَلَى حُجَّتِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِي الْبَلَدِ غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ لَمْ تُسْمَعِ الدعوى.
فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ الْحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ.
فَإِنْ أَبَى، بَعَثَ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لِيُحْضِرَهُ.
فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الِاسْتِتَارُ، أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى
[المبدع في شرح المقنع]
الْغَائِبِ.
(ثُمَّ إِذَا قَدَمَ الْغَائِبُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ إِذَا زَالَ صَارَ كَالْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ.
فَإِنْ قَدَمَ الْغَائِبُ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ تَجِبْ إِعَادَةُ الْبَيِّنَةِ، لَكِنْ يُخْبِرُهُ الْحَاكِمُ بِالْحَالِ وَيُمَكِّنُهُ مِنَ الْجَرْحِ، فَإِنْ جَرَحَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ مُطْلَقًا لَمْ يُقْبَلْ، لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَإِلَّا قُبِلَ.
(وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِي الْبَلَدِ غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ) أَوْ غَائِبًا عَنْهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
(لَمْ تُسْمَعِ) الدَّعْوَى وَلَا (الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ) ، لِأَنَّ حُضُورَهُ مُمْكِنٌ، فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ، كَحَاضِرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، بِخِلَافِ الْغَائِبِ.
(فَإِنِ امْتَنَعَ منِ الْحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ وَهِيَ أَشْهَرُ، لِأَنَّه إِذَا سُمِعَتْ عَلَى غَائِبٍ وَحُكِمَ بِهَا، فَلَأَنْ تُسْمَعَ عَلَى الْحَاضِرِ الْمُمْتَنِعِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَاضِرَ الْمُمْتَنِعَ لَا عُذْرَ لَهُ.
(وَالْأُخْرَى لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَقْضِي لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ الثَّانِي» . فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَأَصَرَّ عَلَى الِاسْتِتَارِ، حَكَمَ عَلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا وَفَّاهُ مِنْهُ.
وَإِلَّا قَالَ لِلْمُدَّعِي: إِنْ عَرَفْتُ لَهُ مَالًا وَثَبَتَ عِنْدِي، وَفَّيْتُكَ مِنْهُ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُسْمَعَانِ، وَلَكِنْ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(فَإِنْ أَبَى، بَعَثَ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لِيُحْضِرَهُ) فَعَلَى هَذَا يُنْفِذُ مَنْ يَقُولُ فِي مَنْزِلِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ الْقَاضِي يَطْلُبُهُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَأَخْبَرُوهُ، وَيَحْرُمُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ.
لَكِنْ صَرَّحَ فِي التَّبْصِرَةِ: إِنْ صَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ، أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ وَإِخْرَاجِهِ.
وَنَصُّهُ: يَحْكُمُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ.
وَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ: يَحْكُمُ عَلَيْهِ إِذَا خَرَجَ.
قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي حَرَمِهِ، كَمَنْ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ.
(فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الِاسْتِتَارُ، أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَحْضُرَ) ، إِذِ الْحَاكِمُ يَضَيِّقُ عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ حَتَّى يَحْضُرَ.
وَالْحُكْمُ لِلْغَائِبِ مُمْتَنِعٌ.
يَحْضُرَ.
فإِنِ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِب وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ فُلَانٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ المدعى عَلَيْهِ، أَوْ ثبت بِبَيِّنَة سَلَّمَ إِلَى الْمُدَّعِي نَصِيبَهُ، وَأَخَذَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ فَيَحْفُظُهُ لَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ دَيْنًا أَنْ يُتْرَكَ نَصِيبُ الْغَائِبِ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ حَتَّى يَقْدِمَ.
وإذا ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لِامْتِنَاعِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لَهُ، وَالْكِتَابَةُ لَهُ إِلَى قَاضٍ آخَرَ، لِيَحْكُمَ لَهُ بِكِتَابِهِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
وَيَصِحُّ تَبَعًا.
وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ) أَوْ غَيْرِ رَشِيدٍ.
(وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ فُلَانٍ أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ) الْمُدَّعَى (عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ سَلَّمَ إِلَى الْمُدَّعِي نَصِيبَهُ، وَأَخَذَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ فَيَحْفَظُهُ لَهُ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ، وَذَلِكَ يُوجِبُ تَسْلِيمَ نَصِيبِهِ إِلَيْهِ.
وَكَذَا حُكْمُهُ بِوَقْفٍ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ تَبَعًا، وَإِثْبَاتُ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ الْوِكَالَةَ فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ، فَتَثْبُتُ لَهُ تَبَعًا وَسُؤَالُ أَحَدِ الْغُرَمَاءِ الْحَجْرَ كَالْكُلِّ، وَقَدْ سَبَقَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْقَضِيَّةُ الْوَاحِدَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى عَدَدٍ أَوْ أَعْيَانٍ كَوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمُشْرِكَةِ، أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا لِوَاحِدٍ أَوْ عَلَيْهِ يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ، وَحُكْمُهُ لِطَبَقَةٍ حُكْمٌ لِلثَّانِيَةِ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ وَاحِدًا، ثُمَّ مَنْ أَبْدَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ الْأَوَّلَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَلِلثَّانِي الدَّفْعُ بِهِ.
(وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ دَيْنًا أَنْ يَتْرُكَ نَصِيبَ الْغَائِبِ) وَغَيْرِ الرَّشِيدِ.
(فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ حَتَّى يَقْدُمَ) وَيَرْشُدَ الْآخَرُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّلَفُ إِذَا قَبَضَهُ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْبَاقِي شَارَكَ الْآخَرَ فِيمَا أَخَذَهُ.
فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ، وَرَشَدَ الْآخَرُ لَمْ تَعُدِ الدَّعْوَى إِلَّا مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْإِرْثِ.
وَإِنْ أَقَامَ الْحَاضِرُ الرَّشِيدَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ فِي الْإِرْثِ، أَخَذَ حَقَّهُ.
فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ وَرَشَدَ الْآخَرُ حَلَفَا بِدُونِ إِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، إِلَّا فِي غَيْرِ الْإِرْثِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ تَعَرُّضُ التَّلَفِ بِفَلَسٍ وَمَوْتٍ وَعَزْلِ الْحَاكِمِ وَتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ، وَكَالْمَنْقُولِ.
وَكَمَا لَوْ آجَرَهُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، ثُمَّ إِذَا دَفَعْنَا إِلَى الْحَاضِرِ نِصْفَ الْعَيْنِ أَوِ الدَّيْنِ لَمْ يُطَالِبْهُ بِضَمِينٍ، لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ أَوْ لَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمَا فِي نَفْيِ وَارِثٍ آخَرَ، حَتَّى يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ وَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَادِمَةِ.
فَعَلَى هَذَا: يَسْأَلُ الْحَاكِمُ، وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي أَنَّ فُلَانًا مَاتَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ
بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ، قَبْلَ قَوْلِ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ ذَلِكَ، فَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا وَأَمْضَى الْقَضَاءَ، وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا
[المبدع في شرح المقنع]
فَلْيَأْتِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَظَهَرَ دَفَعَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ مَعَ الِابْنِ ذُو فَرْضٍ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُعْطَى فَرْضَهُ كَامِلًا.
وَعَلَى الْآخَرِ: يُعْطَى الْيَقِينَ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أُعْطِيَتْ رُبْعَ الثَّمَنِ عَائِلًا، فَيَكُونُ رُبُعُ التُّسْعِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ جَدَّةٌ وَثَبَتَ مَوْتُ أُمِّهِ أَعْطَيْتَهَا ثُلُثَ السُّدْسِ.
وَتُعْطَاهُ عَائِلًا فَيَكُونُ ثُلُثَ الْعُشْرِ، وَلَا يُعْطَى الْعَصَبَةُ شَيْئًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي دَارٍ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لَهُ أَمْسِ، مَلَّكَهُ، أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَقُضِيَ بِهَا فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ الْمِلْكُ فِي الْمَاضِي، فَإِذَا ثَبَتَ اسْتُدِيمَ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهُ، وَلَا تُسْمَعَ فِي وَجْهٍ، صَحَّحَهُ الْقَاضِي.
لَكِنْ إِنِ انْضَمَّ إِلَى شَهَادَتِهِ بَيَانُ سَبَبِ يَدِ الثَّانِي، سُمِعَتْ وَقُضِيَ بِهَا.
فَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي أَمْسِ، سُمِعَ إِقْرَارُهُ فِي الصَّحِيحِ وَحُكِمَ بِهِ.
وَيُفَارِقُ الْبَيِّنَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إِلَّا عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَالدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالْحَالِ، وَالْإِقْرَارُ يُسْمَعُ ابْتِدَاءً.
(وَإِنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ، قَبِلَ قَوْلَ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ) كَمَا لَوْ أَقَرَّ خَصْمُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَسَأَلَ الْمُدَّعِي الْحَاكِمَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَقَالَ: نَعَمْ.
وَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا بِعِلْمٍ، إِنَّمَا هُوَ إِمْضَاءُ الْحُكْمِ السَّابِقِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ مَنَعَنَا الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ، فَلَا.
(وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ ذَلِكَ، فَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا وَأَمْضَى الْقَضَاءَ) ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى إِمْضَائِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَقْبَلُهُمَا.
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْعِلْمِ وَالِاحْتِيَاطِ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى الظَّنِّ، كَالشَّاهِدِ إِذَا نَسِيَ شَهَادَتَهُ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَهِدَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قَبِلَ، فَكَذَا إِذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِهِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَسْتَقِيمُ ; لِأَنَّ ذِكْرَ مَا نَسِيَهُ لَيْسَ إِلَيْهِ، وَالْحَاكِمُ يُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَاءِ شَهَادَتِهِ.
وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَهُ لَمْ يَقْبَلْهُمَا ; لِقِصَّةِ ذِي
شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا.
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، لَكِنْ وَجَدَهُ فِي قِمَطْرِةِ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ فَهَلْ يُنَفِّذُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إِذَا رَأَى خَطَّهُ فِي كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْيَدَيْنِ.
(وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا) كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْحَقِّ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، لَكِنْ وَجَدَهُ فِي قِمَطْرِةِ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ) وَتَيَقَّنَهُ، ذَكَرَهُ الِأَصْحَاب وَلَمْ يَذْكُرْهُ.
(فَهَلْ يُنَفِّذُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا: لَا يَعْمَلُ بِهِ، إِلَّا أَنْ يَذْكُرَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: الْمَذْهَبُ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: هُوَ الْأَشْهَرُ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ ; لِأَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، فَلَمْ يَجُزْ إِنْفَاذُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ كَحُكْمِ غَيْرِهِ.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّرَ عَلَيْهِ، وَعَلَى خَطِّهِ وَخَتْمِهِ، وَكَخَطِّ أَبِيهِ بِحُكْمٍ أَوْ شَهَادَةٍ، لَمْ يَشْهَدْ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا إِجْمَاعًا.
وَالثَّانِيَةُ: يَحْكُمُ بِهِ.
اخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْآدَمِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهَذَا الَّذِي رَأَيْتُهُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الشَّاهِدِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي قِمَطْرِة تَحْتَ خَتْمِهِ لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، إِلَّا احْتِمَالًا بَعِيدًا كَاحْتِمَالِ كَذِبِ الشَّاهِدَيْنِ.
وَالثَّالِثَةُ: يُنَفِّذُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي حِرْزِهِ وَحِفْظِهِ كَقِمَطْرِةِ، أَوْ لَا.
فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ وَجَدَ فِي دَفْتَرِ أَبِيهِ حَقًّا عَلَى إِنْسَانٍ، جَازَ أَنْ يَدَّعِيَهُ وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: هَذَا يُخَالِفُ الْحُكْمَ وَالشَّهَادَةَ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ خَطَّ أَبِيهِ بِشَهَادَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا وَلَا يَشْهَدَ بِهَا.
وَلَوْ وَجَدَ حُكْمَ أَبِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ إِنْفَاذُهُ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ فَعَلَهُ فَرُوعِيَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا كَتَبَهُ أَبُوهُ فَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى نَفْسِهِ، فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ.
(وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إِذَا رَأَى خَطَّهُ) جَزْمًا (فِي كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، أَيْ: فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَعَلَّلَ فِي الشَّرْحِ الْجَوَازَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا خَطُّهُ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: لَوْ ضَاعَ أَوِ انْمَحَى لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَوْ شَهِدَ بِخِلَافِهِ صَحَّ.
فَصْلٌ
مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ له، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدَرَ حَقِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَ بِقَدْرِه، وَإِلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا أُخْبِرَ حَاكِمٌ آخَرُ بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ عَمِلَ بِهِ مَعَ غَيْبَةِ الْمُخْبِرِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: عَنِ الْمَجْلِسِ وَيَقْبَلُ خَبَرَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، أَوْ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا.
وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يُقْبَلُ، إِلَّا أَنْ يُخْبِرَ فِي عَمَلِهِ حَاكِمًا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، فَيَعْمَلُ بِهِ إِذَا بُلِّغَ عَمَلَهُ وَجَازَ حُكْمُهُ بِعِلْمِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَا فِي وِلَايَةِ الْمُخْبِرِ فَوَجْهَانِ.
وَفِيهِ إِذَا قَالَ: سَمِعْتُ الْبَيِّنَةَ، فَاحْكُمْ.
لَا فَائِدَةَ فِيهِ مَعَ حَيَاةِ الْبَيِّنَةِ، بَلْ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا.
[مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ هَلْ يَأْخُذُهُ بِنَفْسِهِ]
فَصْلٌ
(مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ له، لَمْ يَجُزْ) أَيْ: يَحْرُمُ.
(أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» . وَقَوْلُهُ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ وَالْمُعَارَضَةَ بِغَيْرِ رِضَا الْمَالِكِ، إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى ضَيْفٍ أَخْذُ حَقِّهِ بِحَاكِمٍ فَلَهُ ذَلِكَ.
فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ: لَوْ أَخَذَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ تَسَاقَطَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ غَرِمَهُ.
وَتَقَدَّمَ لَوْ غَصَبَهُ مَالًا، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَيْنُ مَالِهِ أَخَذَهُ قَهْرًا، زَادَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى فِتْنَةٍ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَجَحَدَ أَحَدُهُمَا، فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَجْحَدَ.
وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ كَبَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ رَضِيَا.
(وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ) هَذا رِوَايَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّيَا الْأَخْذَ بِالْعَدْلِ.
(فَإِنْ قَدَرَ
بِقَدْرِه مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، لِحَدِيثِ هِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» . وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَ بِقَدْرِه) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ.
(قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِه) لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ لَا مُقَابِلَ لَهُ.
(مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، لِحَدِيثِ هِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ حَدِيثَ هِنْدَ قَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إِلَى الْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِيَّةِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْمُحَاكَمَةُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَشُقُّ، بِخِلَافِ مَنْ لَهُ دَيْنٌ.
وَفَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا مِنَ الْبَسْطِ فِي مَالِهِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ مَا يُؤَثِّرُ فِي أَخْذِ الْحَقِّ، وَبَذْلِ الْيَدِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ.
وَعَلَى الْجَوَازِ، لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ.
فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا يَبِيعُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَلْحَقُهُ فِيهِ تُهْمَةٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ، كَمَا قَالُوا فِي الرَّهْنِ يُرْكَبُ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ بَاذِلًا لَهُ، أَوْ كَانَ مَانِعًا لَهُ لِأَمْرٍ يُبِيحُ الْمَنْعَ كَالتَّأْجِيلِ وَالْإِعْسَارِ، أَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ بِالْحَاكِمِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
فَرْعٌ: نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنَيْهِ وَحَرْبٌ: عَلَى أَنَّ لِابْنِ الابن أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ.
ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ.
وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُهُ بِنَاءً عَلَى تَنْفِيذِ الْوَصِيِّ الْوَصِيَّةَ مَا فِي يَدِهِ إِذَا كَتَمَ الْوَرَثَةُ تَعْيِينَ التَّرِكَةِ.
(وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ) وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ
صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ.
[المبدع في شرح المقنع]
حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، كَالْمَالِ الْمُطْلَقِ.
(وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا، فَرُفِعَا إِلَى عَلِيٍّ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي، اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ.
فَقَالَ: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ.
فَعَلَى هَذَا: يَحِلُّ لِمُدَّعِي النِّكَاحِ وَطْءُ الْمَرْأَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا.
وَالتَّصَرُّفُ فِي الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ.
وَلِمَنْ عَلِمَ كَذِبَ شُهُودِ الطَّلَاقِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْمَرْأَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إِلَى الشَّاهِدَيْنِ لَا إِلَى حُكْمِهِ.
لَكِنَّ اللِّعَانَ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فَالْبَيِّنَةُ أَوْلَى.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ اللِّعَانَ حَصَلَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ لَا بِصِدْقِ الزَّوْجِ.
وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ.
لَكِنْ أَجَابَ حَنْبَلِيٌّ بِأَنَّ اللِّعَانَ وَضَعَهُ الشَّرْعُ لِسَتْرِ الزَّانِيَةِ وَصِيَانَةِ النَّسَبِ، فَتَعَقَّبَ الْفَسْخُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ إِلَّا بِهِ، وَمَا وَضَعَهُ الشَّرْعُ لِلْفَسْخِ بِهِ زَوَالُ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ مِنْ مَسْأَلَتِنَا إِلَّا جَهْلُ الْحَاكِمِ بِبَاطِنِ الْأَمْرِ، وَعِلْمُهُمَا وَعِلْمُ الشُّهُودِ أَكْثَرُ مِنَ النَّصِّ فِي الدَّلَالَةِ ; لِأَنَّ النَّصَّ مَعْلُومٌ وَهَذَا مَحْسُوسٌ.
وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ كَالْمُقْنِعِ ثُمَّ اسْتَثْنَى: إِلَّا فِي أَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قَطَعَ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ.
فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِحَنْبَلِيٍّ شُفْعَةَ جِوَارٍ، زَالَ بَاطِنًا فِي الْأَعْرَفِ.
وَلَوْ حَكَمَ لِمُجْتَهِدٍ أَوْ عَلَيْهِ بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ، عَمِلَ بَاطِنًا بِالْحُكْمِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: بِاجْتِهَادِهِ.
وَإِنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ - مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ - فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ شَافِعِيٌّ، نَفَذَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِلَّا أَبَا الْخَطَّابِ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ، مَنْ حُكِمَ لَهُ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ بِبَيِّنَةِ زُورٍ، حَلَّتْ لَهُ حُكْمًا، ثُمَّ إِنْ وَطَأَ مَعَ الْعِلْمِ فَكَزِنًى، وَيُصْبِحُ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ، خِلَافًا لِلْمُؤَلِّفِ.
وَإِنْ حَكَمَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بِشُهُودٍ زُورٍ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ بَاطِنًا، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهَا ظَاهِرًا، وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْحَالَ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَطِئَهَا فَهَلْ يُحَدُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.