فَصْلٌ وَالشُّرُوطُ فِي الشَّرِكَةِ ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إِلَّا فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ أَوْ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أَوْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ.
وَفَاسِدٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ، أَوْ ضَمَانِ الْمَالِ، أَوْ أَنَّ
[المبدع في شرح المقنع]
(فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ أُجْرَتَهُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَا يَلْزَمُهُ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ خَادِمًا إِذَا أَخَدَمَتْ نَفْسَهَا، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، فَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا شَرَطَهَا اسْتَحَقَّهَا.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِيمَا لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ إِلَّا بِعَمَلٍ فِيهِ، كَنَقْلِ طَعَامٍ بِنَفْسِهِ، أَوْ غُلَامِهِ، أَوْ دَابَّتِهِ، جَازَ، نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، كَدَارِهِ، وَعَنْهُ: لَا لِعَدَمِ إِمْكَانِ إِيقَاعِ الْعَمَلِ فِيهِ لِعَدَمِ تَمْيِيزِ نَصِيبِهِمَا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى شَرِيكٍ فِي زَرْعٍ فَرْكُ شَيْءٍ مِنْ سُنْبُلِهِ يَأْكُلُهُ بِلَا إِذْنٍ، وَيَتَّجِهُ عَكْسُهُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[فَصْلٌ: الشُّرُوطُ الصَّحِيحَةُ فِي الشَّرِكَةِ]
فَصْلٌ (وَالشُّرُوطُ فِي الشَّرِكَةِ ضَرْبَانِ) لِأَنَّهُمَا عَقْدٌ، فَانْقَسَمَتْ شُرُوطُهَا إِلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ كَالْبَيْعِ (صَحِيحٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إِلَّا فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ) سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَعُمُّ وُجُودُهُ أَوْ لَا.
وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": عَامُّ الْوُجُودِ، وَالْمُرَادُ بِهِ عُمُومُهُ حَالَ الْعَقْدِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُعَيَّنِ لِلتِّجَارَةِ، لَا عُمُومُهُ فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ (أَوْ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ) كَمَكَّةَ وَنَحْوِهَا (أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أَوْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ) أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ، فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّا يَكْثُرُ الْمَتَاعُ عِنْدَهُ أَوْ يَقِلُّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِرَجُلٍ، أَوْ بَلَدٍ مُعَيَّنَيْنِ كَالْوَكَالَةِ، فَإِن جَمَعَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " خِلَافُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الشَّرِكَةِ]
(وَفَاسِدٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ) كَمَا لَوْ شَرَطَ رِبْحَ أَحَدِ الْكِيسَيْنِ، أَوِ الْأَلْفَيْنِ، أَوْ جُزْءًا مَجْهُولًا
عَلَيْهِ مِنَ الْوَضِيعَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَالِهِ، أَوْ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُ مِنَ السِّلَعِ، أَوْ يَرْتَفِقَ بِهَا، أَوْ لَا يَفْسَخَ الشَّرِكَةَ مُدَّةً بِعَيْنِهَا، فَمَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَيَخْرُجُ فِي سَائِرِهَا رِوَايَتَانِ، وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ
[المبدع في شرح المقنع]
كَنَصِيبٍ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى جَهْلِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّبْحِ، أَوْ إِلَى فَوَاتِهِ حَيْثُ شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً (أَوْ ضَمَانِ الْمَالِ) لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (أَوْ أَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الْوَضِيعَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَالِهِ) لِلْمُنَافَاةِ (أَوْ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُ مِنَ السِّلَعِ) إِذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْعَقْدِ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ مَا يُنَافِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ مَتَى بَاعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فباعه مِنْ غَيْرِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَفِيَ بِشَرْطِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَقْطَعُ إِطْلَاقَ تَصَرُّفِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُهُ (أَوْ يَرْتَفِقَ بِهَا) كَلُبْسِهِ الثَّوْبَ، وَاسْتِخْدَامِهِ الْعَبْدَ (أَوْ لَا يَفْسَخَ الشَّرِكَةَ مُدَّةً بِعَيْنِهَا) لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، فَاشْتِرَاطُ لُزُومِهَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا كَالْوَكَالَةِ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُهَا كَالْوَكَالَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ (فَمَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ) لِأَنَّ الْفَسَادَ لِمَعْنًى فِي الْعِوَضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ كَمَا لَوْ جُعِلَ رَأْسُ الْمَالِ خَمْرًا، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ فَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ (وَيَخْرُجُ فِي سَائِرِهَا) أَيْ بَاقِيهَا (رِوَايَتَانِ) الْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَيَلْغُو الشَّرْطُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَجْهُولٍ فَلَمْ تُبْطِلْهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِيَةُ: يَبْطُلُ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " تَخْرِيجًا ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَأَبْطَلَ الْعَقْدَ كَالْمُزَارَعَةِ إِذَا شَرَطَ الْبَذْرَ مِنَ الْعَامِلِ، وَكَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا فَسَدَ فَاتَ الرِّضَا بِهِ.
(وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ) لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَحِيحٌ لِكَوْنِهِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَالرِّبْحُ نَمَاءُ الْمَالِ، فَرِبْحُ الْمُضَارَبَةِ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْعَامِلِ مُطْلَقًا، وَالْعِنَانُ وَالْوُجُوهُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَالْأَبْدَانُ تُقْسَمُ أُجْرَةُ مَا تَحَمَّلَاهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَالْوَضِيعَةُ بِقَدَرِ الْمَالَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَفْسَدْ فَإِنَّ الرِّبْحَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ كَرِوَايَةٍ
الْمَالَيْنِ، وَهَلْ يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
فَصْلٌ الثَّانِي: الْمُضَارَبَةُ وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْفَاسِدِ (وَهَلْ يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ؟) أَيُ نِصْفِ عَمَلِهِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: لَا رُجُوعَ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ " الْمُحَرِّرِ " لِأَنَّهُمَا عَمِلَا لِأَنْفُسِهِمَا فَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا لَمْ يَعْمَلْ لَهُ فَعَلَيْهِ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضُهُ مَجْهُولًا فَوَجَبَ الْمُسَمَّى فِي فَاسِدِهِ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِي: يَرْجِعُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَيَرْجِعُ بِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَنْبَغِي الْفَصْلُ فِيهِ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَابِلَ الْعَمَلَ فِيهِ عِوَضٌ كَالْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ تَسَاوَى عَمَلُهُمَا تَقَاصَّ الدَّيْنَانِ، وَإِنْ فَضُلَ أَحَدُهُمَا تَقَاصَّ دَيْنُ الْقَلِيلِ بِمِثْلِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ بِالْفَضْلِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِهِمَا رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ فَسَدَ الْعَقْدُ لِجَهْلِ الرِّبْحِ فَكَذَلِكَ، وَإِنَّ فَسَدَ لِغَيْرِهِ وَجَبَ الْمُسَمَّى فِيهِ كَالصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الْعِوَضِ، فَوَجَبَ الْمُسَمَّى فِيهِ مَعَ فَسَادِهِ كَالنِّكَاحِ.
فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَلِوَارِثِهِ إِتْمَامُ الشَّرِكَةِ، فَيَأْذَنُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي التَّصَرُّفِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا جُدِّدَ عَقْدًا، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الشَّرِكَةُ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَ دينَهُ، فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَلَهُ إِتْمَامُهَا، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْهَا بَطَلَتْ فِي قَدْرِ مَا مَضَى.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ مِنْ أَمَانَةٍ وَتَبَرُّعٍ بِمُضَارِبَةٍ، وَشَرِكَةٍ، وَوَكَالَةٍ، وَوَدِيعَةٍ، كَصَحِيحٍ فِي ضَمَانٍ وَعَدَمِهِ، وَكُلُّ عَقْدٍ لَازِمٍ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ يَجِبُ فِي فَاسِدِهِ كَبَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَنِكَاحٍ.
[الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُضَارَبَةُ]
[صُورَةُ الْمُضَارَبَةِ]
فَصْلٌ (الثَّانِي: الْمُضَارَبَةُ) وَهِيَ تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ،
شَرَطَاهُ، فَإِنْ قَالَ: خُذْهُ وَاتَّجِرْ بِهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي فَهُوَ إِبْضَاعٌ، وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ السَّفَرُ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20] وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ ضَرْبِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِسَهْمٍ مِنَ الرِّبْحِ، وَسَمَّاهُ أَهْلُ الْحِجَازِ قِرَاضًا، فَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَطْعِ، يُقَالُ: قَرَضَ الْفَأْرُ الثَّوْبَ أَيْ قَطَعَهُ، فَكَأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ اقْتَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً، وَسَلَّمَهَا إِلَى الْعَامِلِ وَاقْتَطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنْ رِبْحِهَا، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَالْمُوَازَنَةِ، يُقَالُ: تَقَارَضَ الشَّاعِرَانِ إِذَا تَوَازَنَا.
وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَعْطَاهُ مَالَ يَتِيمٍ مُضَارَبَةً يَعْمَلُ بِهِ فِي الْعِرَاقِ، وَرُوِيَ جَوَازُهُ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ ; لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهَا، فَإِنَّ النَّقْدَيْنِ لَا تُنْمَى إِلَّا بِالتِّجَارَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَمْلِكُهَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ، وَلَا كُلُّ مَنْ يُحْسِنُهَا لَهُ مَالٌ فَشُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ.
(وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ) يُشْتَرَطُ فِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ دَفَعَ صُبْرَةَ نَقْدٍ، أَوْ أَحَدَ كِيسَيْنِ لَمْ يَصِحَّ، قَوْلُهُ (إِلَى آخَرَ) لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ، فَلَوْ دَفَعَهُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مُضَارَبَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ جَازَ، قَوْلُهُ (يَتَّجِرُ فِيهِ) ظَاهِرٌ (وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ) أَيْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، فَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ سَهْمَ الْعَامِلِ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، فَلَوْ شَرَطَ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ لَعَبْدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِعَبْدِهِمَا صَحَّ وَكَانَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ شَرَطَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ، أَوْ لِوَلَدِ أَحَدِهِمَا، أَوِ امْرَأَتِهِ، أَوْ قَرِيبِهِ، وَشَرَطَا عَلَيْهِ عَمَلًا مَعَ الْعَامِلِ صَحَّ، وَكَانَا عَامِلَيْنِ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَكَ الثُّلْثَانِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَ امْرَأَتَكَ نِصْفَهُ (فَإِنْ قَالَ: خُذْهُ، وَاتَّجِرْ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي فَهُوَ إِبْضَاعٌ) أَيْ يَصِيرُ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيهِ، فَيَصِيرُ وَكِيلًا مُتَبَرِّعًا ; لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ حُكْمَ الْإِبْضَاعِ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: وَعَلَيْكَ ضَمَانُهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ
كُلُّهُ لَكَ فَهُوَ قَرْضٌ، وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنُهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أَوْ لِي لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: وَلَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ صَحَّ وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ
[المبدع في شرح المقنع]
أَمَانَةً غَيْرَ مَضْمُونٍ فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ (وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ فَهُوَ) أَيِ الْمَالُ الْمَدْفُوعُ (قَرْضٌ) لَا قِرَاضَ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لَهُ، وَقَدْ قُرِنَ بِهِ حُكْمُهُ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ كَالتَّمْلِيكِ، فَإِنَّ قَرَنَ بِهِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَيْكَ فَهُوَ قَرْضٌ شُرِطَ فِيهِ نَفِيُ الضَّمَانِ، فَلَمْ يَنْتَفِ بِهِ (وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنهُمَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِمَا إِضَافَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ فِيهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ - كَـ " هَذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وَبَيْنَكم " - (وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أَوْ لِي لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا شَرَطَ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ فَقَدْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَفَسَدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرِّبْحَ كُلَّهُ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ لِأَحَدِهِمَا، وَيُفَارِقُ إِذَا لَمْ يَقُلْ: مُضَارَبَةً ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِمَا أَثْبَتَ حُكْمَهُ مِنَ الْإِبْضَاعِ، وَالْقَرْضِ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ بَاقٍ (وَإِنْ قَالَ) خُذْهُ مُضَارَبَةً (وَلَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ) أَوْ رُبُعُهُ، أَوْ جُزْءٌ مَعْلُومٌ (صَحَّ) لِأَنَّ نَصِيبَ الْعَامِلِ مَعْلُومٌ (وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِهِ لِكَوْنِهِ نَمَاءَهُ وَفَرْعُهُ، وَالْعَامِلُ يَأْخُذُ بِالشَّرْطِ، فَمَا شُرِطَ لَهُ اسْتَحَقَّهُ، وَمَا بَقِيَ فَلِرَبِّ الْمَالِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ (وَإِنْ قَالَ: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ) وَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الْعَامِلِ (فَهَلْ يَصِحُّ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ يَسْتَحِقَّانِهِ، فَإِذَا قُدِّرَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ، فَالْبَاقِي لِلْآخَرِ بِمَفْهُومِ اللَّفْظِ كَمَا عُلِمَ أَنَّ ثُلُثَي الْمِيرَاثِ لِلْأَبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَتَكُونُ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةً، فَإِنْ قَالَ: لِيَ النِّصْفُ، وَلَكَ الثُّلُثُ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَاقِي صَحَّ، وَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً عَلَى الثُّلُثِ أَوْ بِالثُّلُثِ صَحَّ، وَكَانَ تَقْدِيرًا لِنَصِيبِ الْعَامِلِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ وَثُلُثُ مَا يَبْقَى مِنَ الرِّبْحِ صَحَّ، وَلَهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَكَ رُبُعُ الرِّبْحِ، وَرُبُعُ مَا يَبْقَى، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ وَنِصْفُ ثُمُنٍ
اخْتَلَفَا لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ؟ فَهُوَ لِلْعَامِلِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ.
وَإِذَا فَسَدَتْ فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ وَلِلْعَامِلِ الْأَجْرُ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ
[المبدع في شرح المقنع]
سَوَاءٌ عَرَفَا الْحِسَابَ، أَوْ جَهِلَاهُ فِي الْأَصَحِّ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (فَهُوَ لِلْعَامِلِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ يَقِلُّ، وَيَكْثُرُ، وَإِنَّمَا تُقَدَّرُ حِصَّتُهُ بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ رَبِّ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِهِ، وَيَحْلِفُ مُدَّعِيهِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ خِلَافَ مَا قَالَهُ، فَيَجِبُ لِنَفْيِ الِاحْتِمَالِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْجُزْءِ بَعْدَ الرِّبْحِ، فَقَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتَ لِيَ النِّصْفَ، وَقَالَ الْمَالِكُ: الثُّلْثَ، قُدِّمَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، وَعَنْهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إِنِ ادَّعَى تَسْمِيَةَ الْمِثْلِ أَوْ دُونَهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحَالُفِ لَمْ يَبْعُدْ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَامِلِ (وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ) قِيَاسًا عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ، وَشَمَلَ هَذَا التَّشْبِيهُ لِلْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ (وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ بِالْإِذْنِ، فَمَا جَازَ لِلشَّرِيكِ فِعْلُهُ جَازَ لِلْمُضَارِبِ، وَمَا مُنِعَ مِنْهُ مُنِعَ مِنْهُ، وَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، فَهَا هُنَا مَثَلُهُ، وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ الشَّرِكَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ، وَتَكْفِي مُبَاشَرَتُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ نُطْقُهُ (وَإِذَا فَسَدَتِ) الْمُضَارَبَةُ (فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ) .
قَالَ الْقَاضِيَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الشَّرْطُ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا (وَلِلْعَامِلِ الْأُجْرَةُ) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ إِنَّمَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُسَمَّى، فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ وَجَبَ رَدُّ عَمَلِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، فَوَجَبَ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، فَقَبَضَهُ، وَتَلِفَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي يَدِ قَابِضِهِ، فَيَجِبُ رَدُّ بَدَلِهِ، وَسَوَاءٌ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَوْ لَا (وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الْأُجْرَةِ أَوْ مَا شَرَطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ) لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْأُجْرَةَ فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهَا لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْمَشْرُوطَ فَهُوَ قَدْ رَضِيَ بِهِ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْعُرُوضِ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، فَأَثْبَتَ فِيهَا
الْأُجْرَةِ أَوْ مَا شَرَطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ
وَإِنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ فَهَلْ تَفْسَدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَرَضَ وَضَارِبْ بِثَمَنِهِ، أَوِ اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بِهَا، وَإِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارَبَ بِهَذَا صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ مَعَ فَسَادِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَحْمُولٌ عَلَى صِحَّةِ الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا صَحِيحٌ مُسْتَنِدًا إِلَى الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ لَا يُقَالُ لَوِ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ مَعَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَصَرَّفُ مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ لَا بِالْإِذْنِ.
[شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ]
(وَإِنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ) بِأَنْ يَقُولَ: ضَارَبْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ سَنَةً، فَإِذَا مَضَتْ فَلَا تَبِعْ، وَلَا تَشْتَرِ (فَهَلْ تَفْسَدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ أَلْفًا مُضَارَبَةً شَهْرًا، فَإِذَا مَضَى يَكُونُ قَرْضًا؟ قَالَ: فَإِنْ جَاءَ الشَّهْرُ وَهُوَ مَتَاعٌ؟ قَالَ: إِذَا بَاعَ الْمَتَاعَ يَكُونُ قَرْضًا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ غَرَضٌ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا، فَإِذَا شَرَطَ قَطْعَهُ لَمْ يَصِحَّ كَالنِّكَاحِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا مَصْلَحَتِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ يُتَوَقَّفُ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ، فَجَازَ تَوْقِيتُهُ بِالزَّمَانِ كَالْوِكَالَةِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَرَضَ وَضَارِبْ بِثَمَنِهِ) صَحَّ ; لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي بَيْعِ الْعَرَضِ، وَإِذَا بَاعَهُ صَارَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْمَالُ عِنْدَهُ وَدِيعَةً (أَوِ اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بِهَا) ; لِأَنَّهُ وَكَيْلٌ فِي قَبْضِ الْوَدِيعَةِ، وَمَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ، فَجَازَ جَعْلُهُ مُضَارَبَةً، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْبِضْهُ مِنْ غُلَامِي، وَضَارِبْ بِهِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهَا: ضَارِبْ بِهَا (وَإِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارَبَ بِهَذَا صَحَّ) لِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَجَازِ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْوَكَالَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: ضَارِبْ بِعَيْنِ الْمَالِ الَّذِي غَصَبْتَهُ مِنِّي صَحَّ كَالْوَدِيعَةِ، فَإِذَا ضَارَبَ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ.
أَخْرَجَ مَالًا لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَزُولُ ضَمَانُ الْغَصْبِ إِلَّا بِدَفْعِهِ ثَمَنًا ; لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يُنَافِي الضَّمَانَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَعَدَّى، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ ثُمَّ قَبَّضَهُ إِيَّاهُ.
(وَإِنْ قَالَ: ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ) أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي (لَمْ يَصِحَّ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ لِغَرِيمِهِ بِقَبْضِهِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ، فَقَدِ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَدَفَعَ الثَّمَنَ إِلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ، فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ، فَلَوْ قَالَ: اعْزِلِ الْمَالَ الَّذِي عَلَيْكَ وَضَارِبْ بِهِ صَحَّ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا مُضَارَبَةً، وَقَالَ لَهُ: أَضِفْ إِلَيْهَا مِثْلَهَا وَاتَّجِرْ بِهِمَا وَالرِّبْحُ لَكَ ثُلُثَاهُ وَلِيَ ثُلُثُهُ صَحَّ، وَكَانَ شَرِكَةً وَمُضَارَبَةً، وَإِنْ شَرَطَ غَيْرُ الْعَامِلِ لِنَفْسِهِ ثُلُثَيِ الرِّبْحِ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِلْقَاضِي.
(وَإِنْ أَخْرَجَ مَالًا لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، وَيَكُونُ مُضَارَبَةً لِأَنَّ غَيْرَ صَاحِبِ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ الْمَشْرُوطَ بِعَمَلِهِ مِنَ الرِّبْحِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْمُضَارَبَةِ (وَقَالَ الْقَاضِي) تَبَعًا لِابْنِ حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (إِذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَالِ إِلَى الْمُضَارِبِ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ لَمْ يَتَسَلَّمْهُ ; لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا، وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ عَمِلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ رُكْنَيِ الْمُضَارَبَةِ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا مَعَ وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْآخَرِ كَالْمَالِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي، إِلَى آخِرِهِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ
شَرَطَ الْمُضَارِبُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ وَعَتَقَ وَضَمِنَ ثَمَنَهُ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَضْمَنْ، وَيُحْتَمَلْ أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنِ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ صَحَّ وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَإِنِ اشْتَرَى مَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْ رِبْحِهِ، وَهَذَا حَاصِلٌ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعَمَلِ (وَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَشْهُرُهُمَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ عَمَلَ الْغُلَامِ فِي مَالِ سَيِّدِهِ يَصِحُّ ضَمُّهُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ ضَمَّ إِلَيْهِ بَهِيمَتَهُ يَحْمِلُ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي لَا ; لَأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ، وَعَمَلَهُ كَعَمَلِهِ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ]
فَصْلٌ (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ فِيهِ ضِررًا، وَلَا حَظَّ لِلتِّجَارَةِ فِيهِ إِذْ هِيَ مَعْقُودَةٌ لِلرِّبْحِ حَقِيقَةً أَوْ مَظِنَّةً، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ هُنَا (فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ) الشِّرَاءُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ قَابِلٌ لِلْعُقُودِ، فَصَحَّ شِرَاءُ الْعَامِلِ لَهُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْ نَذْرِ رَبِّ الْمَالِ حُرِّيَّتَهُ إِذَا مَلَكَهُ (وَعَتَقَ) أَيْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْعِتْقِ، وَتَنْفَسِخُ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ (وَضَمِنَ) الْعَامِلُ (ثَمَنَهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ) لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهِ ثُمَّ تَلِفَ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ بِفِعْلِهِ (عَلِمَ) أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالشِّرَاءِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْإِتْلَافَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ إِذِ التَّلَفُ حَصَلَ الْمَعْنَى فِي الْمَبِيعِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ فَتَلِفَ بِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَضْمَنَ وَإِنَّ عَلِمَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ) لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْمُضَارَبَةِ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى مَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ، وَالرِّبْحُ فِيهِ، وَمَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَيَّدَهُ فِي " الشَّرْحِ " إِذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ اشْتَرَى مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْعَاقِدِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَاهُ بِإِذْنِهِ صَحَّ ; لِأَنَّهُ
يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ لَمْ يُعْتِقْ، وَإِنَّ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِنَفْسِهِ، فَكَذَا نَائِبُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ دَيْنٌ، يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَمَا فِي يَدِهِ، وَقُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَعَلَيْهِ دَفْعُ قِيمَتِهِ إِلَى الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ كَشِرَائِهِ امْرَأَةَ رَبِّ الْمَالِ (وَإِنِ اشْتَرَى) الْمُضَارِبُ (امْرَأَتَهُ) أَوْ بَعْضَهَا (صَحَّ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى أَجْنَبِيَّةً (وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ) لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِ زَوْجِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَفْسَدَتِ امْرَأَتُهُ نِكَاحَهَا بِالرَّضَاعِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَى زَوْجُ رَبَّةِ الْمَالِ صَحَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا يَفُوتُ مِنَ الْمَهْرِ وَيَسْقُطُ مِنَ النَّفَقَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعُودُ إِلَى الْمُضَارَبَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَائِهِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ بِعَيْنِ الْمَالِ.
(وَإِنِ اشْتَرَى) الْمُضَارِبُ (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ لَمْ يُعْتِقْ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ، وَقِيلَ: بَلَى لِسَابِقَتِهِ (وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ مَتَى يَمْلِكُ الرِّبْحَ، فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ بِالْقِسْمَةِ لَمْ يُعْتِقْ مِنْهُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالظُّهُورِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَعْتِقُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ لِكَوْنِ الرِّبْحِ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي: ويَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ، فَعُتِقَ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْعَبْدُ بَاقٍ فِي التِّجَارَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ ظَاهِرًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا تَعَدَّى الْمُضَارِبُ بِالشَّرْطِ، أَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ، أَوْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ ضَمِنَ الْمَالَ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَرِبْحُهُ لِمَالِكِهِ، وَقِيلَ: لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنْهَا، أَوْ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ، وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقَانِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ، وَقِيلَ: إِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ بَطَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالنَّمَاءُ لِلْبَائِعِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَجَازَهُ رَبُّهُ صَحَّ، وَمَلَكَ النَّمَاءَ وَإِلَّا بَطَلَ.
وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
[تَصَرُّفُ الْمُضَارِبِ فِي مَالِ الشَّرِيكِ بِالْمُضَارَبَةِ أَوِ الشِّرَاءِ]
(وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ) أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْإِذْنِ لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ وَكَانَ لَهُ، وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ رَبِّ الْمَالِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (أَنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ) وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ كَكَوْنِ الْمَالِ الثَّانِي كَثِيرًا، فَيَسْتَوْعِبُ زَمَانَهُ، فَيَشْغَلُهُ عَنْ تِجَارَةِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَمْلِكُ بِهِ مَنَافِعَهُ كُلَّهَا، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْمُضَارَبَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، وَكَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْحَظِّ وَالنَّمَاءِ، فَإِذَا فَعَلَ مَا يَمْنَعُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ كَمَا لَوْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ بالغَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَكَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهَا (فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي اسْتُحِقَّتْ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَيَنْظُرُ فِي الْمُضَارَبَةِ الثَّانِيَةِ، فَيَدْفَعُ إِلَى رَبِّ مَالِهَا مِنْهُ نَصِيبَهُ ; لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنَ الْمُضَارِبِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ الْمَالِ الثَّانِي، وَيَأْخُذُ الْمُضَارِبَ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ، فَيَضُمُّهُ إِلَى رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى، فَيَقْتَسِمَانِهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": النَّظَرُ يَقْتَضِي أَنَّ رَبَّ الْمُضَارَبَةِ الأولى لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ رِبْحِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِمَالٍ، أَوْ عَمِلٍ، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ، وَتَعَدِّي الْمُضَارِبِ بِتَرْكِ الْعَمَلِ، وَاشْتِغَالُهُ عَنِ الْمَالِ الْأَوَّلِ لَا يُوجِبُ عِوَضًا كَمَا لَوِ اشْتَغَلَ بِالْعَمَلِ فِي مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ.
لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ (وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ) هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ كَشِرَائِهِ مِنْ وَكِيلِهِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) صَحَّحَهَا الْأَزَجِيُّ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُضَارِبِ، فَجَازَ شِرَاؤُهُ مِنْهُ كَمُكَاتِبِهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا تُجِبُ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ الشِّرَاءَ مِنْ غَيْرِ الْمُضَارَبَةِ فِي الْمَنْصُوصِ.
شَيْئًا لِنَفْسِهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ شِرَاءُ السَّيِّدِ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ صَحَّ، وَإِنِ اشْتَرَى الْجَمِيعَ بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ، وَفِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَجْهَانِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ فِي الْجَمِيعِ
وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ نَفَقَةٌ إِلَّا بِشَرْطٍ فَإِنْ شَرَطَهَا لَهُ وَأَطْلَقَ فَلَهُ جَمِيعُ نَفَقَتِهِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَلْبُوسِ بِالْمَعْرُوفِ،
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ: إِنْ لَمْ يَبِعْهُ مُرَابَحَةً فَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ، فَإِنَّ الْمُضَارِبَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ رِبْحه، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ، فَصَحَّ كَشِرَاءِ الْوَكِيلِ مِنْ مُوَكِّلِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ فَلَا (وَكَذَلِكَ شِرَاءُ السَّيِّدِ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ) وَقِيلَ: يَصِحُّ إِذَا اسْتَغْرَقَتْهُ الدُّيُونُ ; لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ يَأْخُذُونَ مَا فِي يَدِهِ ; لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ; لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ لَمْ يَزَلْ عَنْهُ، وَاسْتِحْقَاقُ انْتِزَاعِ مَا فِي يَدِهِ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ كَالْمُفْلِسِ (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ صَحَّ) لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ إِلَّا أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَبْلَغَ شَيْءٍ لَمْ يَبِعْهُ صُبْرَةً، وَإِلَّا جَازَ بِكَيْلِهِ، أَوْ وَزْنِهِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ الْمَنْعَ فِي غَيْرِ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، وَعَلَّلَهُ فِي " النِّهَايَةِ " بِعَدَمِ التَّعْيِينِ فِيهِمَا (وَإِنِ اشْتَرَى الْجَمِيعَ بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (وَفِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَجْهَانِ) مَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ فِي الْجَمِيعِ) بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ شِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ.
[لَيْسَ لِلْمُضَارِبِ نَفَقَةٌ إِلَّا بِشُرُوطٍ]
(وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ نَفَقَةٌ) لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنَ الرِّبْحِ شَيْئًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرَهُ إِذْ لَوِ اسْتَحَقَّهَا لَأَفْضَى إِلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَرْبَحْ سِوَى النَّفَقَةِ (إِلَّا بِشَرْطٍ) نَصَّ عَلَيْهِ كَوَكِيلٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ عَادَةً، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيرِهَا قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ (فَإِنْ شَرَطَهَا لَهُ) .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَشْتَرِطَ نَفَقَةً مَحْدُودَةً، وَلَهُ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ مَأْكُولٍ، وَمَلْبُوسٍ، وَمَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ (وَأَطْلَقَ) صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ (فَلَهُ جَمِيعُ نَفَقَتِهِ مِنَ الْمَأْكُولِ
وَإِنِ اخْتَلَفَا رَجَعَ فِي الْقُوتِ إِلَى الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَفِي الْمَلْبُوسِ إِلَى أَقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي فَاشْتَرَى جَارِيَةً مَلَكَهَا وَصَارَ ثَمَنا قَرْضًا،
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمَلْبُوسِ بِالْمَعْرُوفِ) لِأَنَّهُ كَذَلِكَ تَجِبُ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمَأْكُولَ فَقَطْ إِلَّا أَنْ يَطُولَ سَفَرُهُ، وَيَحْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِ كُسْوَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُنْفِقُ عَلَى مَعْنَى مَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِالنَّفَقَةِ، وَلَا مُضِرٍّ بِالْمَالِ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى تَقْدِيرِهَا ; لِأَنَّ الْأَسْعَارَ تَخْتَلِفُ (وَإِنِ اخْتَلَفَا رَجَعَ فِي الْقُوتِ إِلَى الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَفِي الْمَلْبُوسِ إِلَى أَقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ) وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ الْعَادَةُ، فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إِلَيْهِ كَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ فِي الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ فِيهِمَا إِلَى قُوتِ مِثْلِهِ، وَمَلْبُوسِ مِثْلِهِ كَالزَّوْجَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ ".
مَسْأَلَةٌ: لَوْ كَانَ مَعَهُ مُضَارَبَةٌ ثَانِيَةٌ، أَوْ مَالٌ لِنَفْسِهِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ إِلَّا أَنْ يَشْرُطَ أَحَدُهُمَا النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، فَلَوْ لَقِيَهُ بِبَلَدٍ أَذِنَ فِي سَفَرِهِ إِلَيْهِ، وَقَدْ نَضَّ الْمَالُ فَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ فِي وَجْهٍ، وَجَزَمَ فِي " الشَّرْحِ " بِخِلَافِهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَا دَامَ فِي الْقِرَاضِ، وَقَدْ زَالَ فَزَالَتْ.
(وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي فَاشْتَرَى) مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ (جَارِيَةً مَلَكَهَا) لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي، وَالْإِذْنُ فِيهِ يَسْتَدْعِي الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ ; لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِمِلْكٍ، أَوْ نِكَاحٍ (وَصَارَ ثَمَنا قَرْضًا) فِي ذِمَّتِهِ (نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَبَرُّعِهِ بِهِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ قَرْضًا ; لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَنَقَلَ يَعْقُوبُ اعْتِبَارَ تَسْمِيَةِ ثَمَنِهَا، وَعَنْهُ: لَهُ التَّسَرِّي بِإِذْنِهِ، أَيْ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ مَجَّانًا، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ الْأَوَّلَ، وَهُوَ عِنْدَ الْقَاضِي رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ الْمَالِ عُزِّرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُحَدُّ قَبْلَ الرِّبْحِ، ذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ إِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ عُزِّرَ، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ، وَقِيمَتُهَا إِنْ أَوْلَدَهَا، وَإِلَّا حَدُّ عَالِمٍ، وَنَصُّهُ يُعَزَّرُ، وَيَسْقُطُ مِنَ الْمَهْرِ وَالْقِيمَةِ قَدْرُ حَقِّ الْعَامِلِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ وَطْءُ الْأَمَةِ، وَلَوْ عُدِمَ الرِّبْحُ لِأَنَّهُ يُنْقِصُهَا إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، أَوْ يُعَرِّضُهَا لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمُضَارَبَةِ
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ الْمَالِ، وَإِنِ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ فَرَبِحَ فِي إِحْدَاهُمَا وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى أَوْ تَلِفَتْ جُبِرَتِ الْوَضِيعَةُ مِنَ الرِّبْحِ وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالتَّلَفِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحَبَلَهَا صَارَتْ أَمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَهُوَ حُرٌّ ; لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَتَخْرُجُ مِنَ الْمُضَارَبَةِ، وَتُحْسَبُ قِيمَتُهَا، وَيُضَافُ إِلَيْهِ بَقِيَّةُ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ فَلِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْهُ.
[لَيْسَ لِلْمُضَارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ الْمَالِ]
(وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ الْمَالِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ شَيْءٍ مِنَ الرِّبْحِ حَتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى رَبِّهِ، فَمَتَى كَانَ فِيهِ رِبْحٌ، وَخُسْرَانٌ جُبِرَتِ الْوَضِيعَةُ مِنَ الرِّبْحِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَا لَمْ يَفْضُلْ فَلَيْسَ بِرِبْحٍ، فَلَوْ كَانَ مِائَةً، فَخَسِرَ عَشَرَةً ثُمَّ أَخَذَ رَبُّهُ عَشَرَةً نَقَصَ بِهَا، وَقِسْطُهَا مِمَّا خَسِرَ دِرْهَمٌ وَتُسْعٌ، وَيَبْقَى رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ وَثَمَانِيَةَ أَتْسَاعِ دِرْهَمٍ، وَلَوْ رَبِحَ فِيهَا عِشْرِينَ فَأَخَذَهَا رَبُّ الْمَالِ، فَقَدْ أَخَذَ سُدُسَهُ فَنَقَصَ رَأْسُ الْمَالِ سُدُسُهُ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ، وَحَظُّهَا مِنَ الرِّبْحِ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ.
فَرْعٌ: يُحْسَبُ مِنَ الرِّبْحِ الْمَهْرُ، وَالثَّمَرَةُ، وَالْأُجْرَةُ، وَأَرْشُ الْعَيْبِ، وَكَذَا نِتَاجُ الْحَيَوَانِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ (وَإِنِ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ فَرَبِحَ فِي إِحْدَاهُمَا وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى أَوْ تَلِفَتْ) إِحْدَاهُمَا (جُبِرَتِ الْوَضِيعَةُ مِنَ الرِّبْحِ) أَيْ وَجَبَ جَبْرُ الْخُسْرَانِ مِنَ الرِّبْحِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُضَارِبُ شَيْئًا إِلَّا بَعْدَ كَمَالِ رَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّهَا مُضَارَبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا إِذَا تَعَيَّبَ، أَوْ نَزَلَ سِعْرُهُ بَعْدَ التَّصَرُّفِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: وَقَبْلَهُ جُبِرَتِ الْوَضِيعَةُ مِنْ رِبْحِ بَاقِيهِ قَبْلَ قِسْمَتِهِ نَاضًّا، أَوْ تَنْضِيضُهُ مَعَ مُحَاسَبَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَحَرْبٌ إِذَا احْتَسَبَا وَعَلِمَا مَالَهُمَا، وَاحْتَجَّ بِهِ فِي " الِانْتِصَارِ " وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ رِبْحَ رِبْحِهِ (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ) وَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ الْبَاقِي خَاصَّةً ; لِأَنَّهُ مَالٌ هَلَكَ عَلَى جِهَتِهِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ أَشْبَهَ التَّالِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفَارَقَ مَا بَعْدَ التَّصَرُّفِ ; لِأَنَّهُ دَارَ فِي التِّجَارَةِ، وَشَرَعَ فِيمَا قُصِدَ بِالْعَقْدِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الرِّبْحِ.
ثُمَّ اشْتَرَى سِلْعَةً لِلْمُضَارَبَةِ فَهِيَ لَهُ وَثَمَنُهَا عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ رَبُّ الْمَالِ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، وَالثَّمَنُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
وَإِذَا ظَهَرَ الرِّبْحُ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَهَلْ يَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ لَمْ يَخْلِطْهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهْ جَوَازُهُ، وَإِنْ أَذِنَ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ فِي الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَدْ نَضَّ الْمَالُ جَازَ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ (وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ ثُمَّ اشْتَرَى سِلْعَةً لِلْمُضَارَبَةِ فَهِيَ لَهُ وَثَمَنُهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْمُضَارَبَةِ لِانْفِسَاخِهَا بِالتَّلَفِ، وَاخْتَصَّ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْمُضَارَبَةِ لَكَانَ مُسْتَدِينًا عَلَى غَيْرِهِ، وَالِاسْتِدَانَةُ عَلَى الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَا تَجُوزُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِتَلَفِ الْمَالِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ جَهِلَهُ (إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ رَبُّ الْمَالِ) فَيَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لِلْعَامِلِ بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَلَمْ تَجُزْ (وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ) قَبْلَ نَقْدِ ثَمَنِهَا (فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا) لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِفَسْخِهَا هُوَ التَّلَفُ، وَلَمْ يُوجَدْ حِينَ الشِّرَاءِ، وَلَا قَبْلَهُ (وَالثَّمَنُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) لِأَنَّ الشِّرَاءَ صَادَفَ الْمُضَارَبَةَ بَاقِيَةً بِحَالِهَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَ الْمُشْتَرَى لَهُ، وَالثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلِرَبِّ السِّلْعَةِ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالثَّمَنِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْعَامِلِ وَيَصِيرُ رَأْسُ الْمَالِ الثَّمَنَ دُونَ التَّالِفِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَ الرِّبْحَ لِلْآخَرِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ تَلَفُهُ بَعْدَ التَّصَرُّفِ، فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ فِي قَدْرِ ثَمَنِهَا.
(وَإِذَا ظَهَرَ الرِّبْحُ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ) لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ الَّذِي يَنْجَبِرُ بِالرِّبْحِ، الثَّانِي: أَنَّ رَبَّ الْمَالِ شَرِيكُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَاسَمَةُ نَفْسِهِ، الثَّالِثُ: أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بِعَرَضِيَّةِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ يَدِهِ لِجُبْرَانِ خَسَارَةِ الْمَالِ (إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ قِسْمَةُ الرِّبْحِ وَالْعَقْدُ بَاقٍ إِلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا (وَهَلْ يَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْمَذْهَبُ وَالْمَجْزُومُ بِهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنْهُ بِظُهُورِهِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ، فَيَثْبُتُ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ مِنَ الرِّبْحِ، وَكَمَا
قَبْلَ الْقِسْمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ فَأَبَى رَبُّ الْمَالِ أُجْبِرَ إِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنِ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ وَالْمَالُ عَرَضٌ فَرَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ
[المبدع في شرح المقنع]
يَمْلِكُ السَّاقِي حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بِظُهُورِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا بِالْقِسْمَةِ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ بِهِ لَاخْتَصَّ بِرِبْحِهِ، وَلَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِرَبِّ الْمَالِ كَشَرِيكَيِ الْعِنَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بِالْمَالِ كُلُّ وَاحِدٍ يُسَاوِيهِ فَأَعْتَقَهُمَا رَبُّ الْمَالِ عَتَقَا وَلَمْ يَضْمَنْ لِلْعَامِلِ شَيْئًا، ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَوِ اشْتَرَى قَرِيبَهُ فَعَتَقَ لَزِمَهُ حِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَالثَّالِثَةُ: يَمْلِكُهُ بِالْمُحَاسَبَةِ وَالتَّنْضِيضِ، وَالْفَسْخِ، فَعَلَى الْأُولَى لَا يَسْتَقِرُّ كَشَرْطِهِ وَرِضَاهُ بِضَمَانِهِ، وَفِي عِتْقِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: - وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ - وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِتْلَافُ الْمَالِكِ كَالْقِسْمَةِ، فَيَغْرَمُ نَصِيبَ الْآخَرِ، وَكَذَا الْأَجْنَبِيِّ.
(وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ فَأَبَى رَبُّ الْمَالِ أُجْبِرَ) أَيْ عَلَى الْبَيْعِ (إِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِالْبَيْعِ، فَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِيهِ، وَقَدْ رَضِيَهُ مَالِكُهُ كَذَلِكَ فَلَم يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، وَقِيلَ: يُجْبَرُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ رَاغِبٌ، فَزَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ فِيهِ حَظٌّ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا حَصَلَتْ بَعْدَ الْفَسْخِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهَا الْعَامِلُ، فَعَلَى تَقْدِيرِ الْخَسَارَةِ يَتَّجِهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ.
فَرْعٌ: لِلْعَامِلِ شِرَاءُ الْبَعْضِ مِنَ الْمَالِكِ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَكَذَا مِنْ نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ مُطْلَقًا.
(وَإِنِ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ وَالْمَالُ عَرَضٌ فَرَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ عَرَضًا) أَيْ فَلَهُ تَقْوِيمُهُ، وَدَفْعُ حِصَّتِهِ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الْبَيْعَ عَنِ الْمُضَارِبِ، وَأَخَذَ الْعُرُوضَ بِثَمَنِهَا الَّذِي يُحَصَّلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ يَمْلِكُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً، فَإِنِ ارْتَفَعَ السِّعْرُ لَمْ يُطَالِبْهُ بِقِسْطِهِ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَوْ قَصَدَ رَبُّ الْمَالِ الْحِيلَةَ لِيَخْتَصَّ بِالرِّبْحِ بِأَنْ كَانَ الْعَامِلُ اشْتَرَى خَزًّا فِي الصَّيْفِ لِيَرْبَحَ فِي الشِّتَاءِ، أَوْ يَرْجُوَ دُخُولَ مَوْسِمٍ أَوْ قَفَلٍ أَنَّ حَقَّهُ يَبْقَى فِي الرِّبْحِ.
قَالَ الْأَزَجِيُّ: أَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحِيَلَ لَا أَثَرَ لَهَا (أَوْ طَلَبَ) رَبُّ الْمَالِ (الْبَيْعَ، فَلَهُ
بِمَالِهِ عَرَضًا أَوْ طَلَبَ الْبَيْعَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ، وَإِنْ قَارَضَ فِي الْمَرَضِ فَالرِّبْحُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ) أَيْ يُجْبَرُ الْعَامِلُ عَلَى بَيْعِهِ، وَقَبْضِ ثَمَنِهِ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ الْمَالِكُ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ الْمَالِ نَاضًّا كَمَا أَخَذَهُ، وَالثَّانِي: لَا يُجْبَرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ زَالَ تَصَرُّفُهُ، وَصَارَ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمَالِ، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ إِذَا اشْتَرَى مَا يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ، فَأَخَّرَهُ حَتَّى زَالَتِ الْوَكَالَةُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ فَفِي اسْتِقْرَارِهِ بِالْفَسْخِ وَجْهَانِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ بِقَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ فَصَارَ دَرَاهِمَ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَكَعَرَضٍ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: إِنْ قُلْنَا هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قِيمَةُ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَا فَرْقَ لِقِيَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مَقَامَ الْآخَرِ، وَإِذَا نَضَّ رَأْسُ الْمَالِ لَمْ يَلْزَمِ الْعَامِلَ أَنْ يَنِضَّ لَهُ الْبَاقِيَ ; لِأَنَّهُ شَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ صِحَاحًا فَنَضَّ قِرَاضَةً أَوْ مُكَسَّرَةً لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّهَا إِلَى الصِّحَاحِ، فَيَبِيعُهَا بِصِحَاحٍ أَوْ بِعَرَضٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِهِ (وَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ) مُطْلَقًا أَيْ إِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ أَوْ لَا ; لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي رَدَّ الْمَالِ عَلَى صِفَتِهِ، وَالدُّيُونُ لَا تَجْرِي مَجْرَى النَّاضِّ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ ظَهَرَ رِبْحٌ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِي قَدْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ وَكِيلًا، وَذِكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: يَلْزَمُهُ رَدُّهُ عَلَى حَالِهِ إِنْ فَسَخَ بِلَا إِذْنِهِ، قَالَ: وَكَذَا شَرِيكًا (وَإِنْ قَارَضَ فِي الْمَرَضِ) صَحَّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَنْبَغِي فِيهِ الْفَضْلُ أَشْبَهَ الْمُعَاوَضَةَ (فَالرِّبْحُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ مِنْ ثُلُثِهِ (وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ مِنْ مَالِ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِعَمَلِ الْمُضَارِبِ فِيمَا يُوجَدُ مِنْهُ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْعَامِلِ وَلَا يُزَاحِمُ بِهِ أَصْحَابَ الْوَصَايَا ; لِأَنَّهُ لَوْ أَقْرَضَ الْمَالَ كَانَ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمُقْتَرِضِ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا لَوْ حَابَى الْأَجِيرَ فِي الْأَجْرِ، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ بِالْمُحَابَاةِ مِنْ ثُلُثِهِ ; لَأَنَّ الْأَجْرَ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ (وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ) أَيْ إِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ، فَكَانَ شَرِيكًا فِيهِ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ لَا الذِّمَّةِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ كَالْجِنَايَةِ، أَوْ يُقَالُ: حَقُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَكَانَ أَسْبَقَ، فَقُدِّمَ كَالرَّهْنِ.
الْغُرَمَاءِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ.
فَصْلٌ وَالْعَامِلُ أَمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلَاكٍ وَخُسْرَانٍ، وَمَا يَذْكُرُ أَنَّهُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ، فَقِيلَ: مِثْلُهَا ; لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُخْرَجُ عَنْ مِلْكِهِمَا كَالرِّبْحِ، وَقِيلَ: مِنْ ثُلُثِهِ كَالْأَجِيرِ.
[مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ]
(وَإِنْ مَاتَ الْمُضَارِبُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ غَيْرَ فَجْأَةٍ (وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ) أَيْ جُهِلَ (فَهُوَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ) أَيْ صَاحِبُهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَخْفَاهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَكَأَنَّهُ غَاصِبٌ، فَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَكَمَا لَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " (وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا فِي تَرِكَتِهِ، وَفِيهَا فِي " التَّرْغِيبِ " إِلَّا أَنْ يَمُوتَ فَجْأَةً، وَزَادَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَوْ يُوصِيَ إِلَى عَدْلٍ.
وَيَذْكُرَ جِنْسَهَا كَقَوْلِهِ قَمِيصٌ، فَلَمْ يُوجَدْ وَإِنْ مَاتَ وَصِيٌّ، وَجُهِلَ بَقَاءُ مَالِ مُوَلِّيهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ كَذَلِكَ، قَالَ شَيْخُنَا: هُوَ فِي تَرِكَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ مُنِعَ الْمُضَارِبُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَارِثِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ بَقَاءُ الْعَامِلِ عَلَى قِرَاضِهِ ; لِأَنَّهُ إِتْمَامٌ لَهُ لَا ابْتِدَاءَ قِرَاضٍ، وَحَكَى الْقَاضِي وَجْهًا - وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ أَقِيسُ - بُطْلَانَهُ ; لِأَنَّ الْقِرَاضَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ قِرَاضٍ عَلَى عُرُوضٍ، نَعَمْ لَوْ كَانَ نَاضًّا كَانَ ابْتِدَاءَ قِرَاضٍ وَالرِّبْحُ مُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لِلْعَامِلِ الْبَيْعُ حَتَّى يَنِضَّ الْمَالُ، وَيَظْهَرَ الرِّبْحُ إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ تَقْوِيمَهُ وَدَفْعَ الْخُصُومَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُضَارَبَةَ، وَالْمَالُ عَرَضٌ، فَمُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ، أَوْ جُنَّ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاضًّا جَازَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ عَرَضًا فِي قَوْلٍ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَقْرِيرَ وَارِثِهِ، فَمُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَلَا يَبِيعُ عَرَضًا بِلَا إِذْنِهِ فَيَبِيعُهُ حَاكِمٌ، وَيُقْسَمُ الرِّبْحُ.
[فَصْلٌ الْعَامِلُ أَمِينٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلَاكٍ أَوْ خُسْرَانٍ]
فَصْلٌ (وَالْعَامِلُ أَمِينٌ) لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ لَا لِمَحْضِ مَنْفَعَتِهِ، فَكَانَ أَمِينًا
اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْقِرَاضِ، وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي رَدِّهِ إِلَيْهِ، وَالْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ لِلْعَامِلِ، وَفِي الْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ نَسَاءً أَوِ الشِّرَاءِ بِكَذَا،
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْوَكِيلِ بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنَّهُ قَبَضَهُ لِمَنْفَعَتِهِ خَاصَّةً (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلَاكٍ وَخُسْرَانٍ) لِأَنَّ تَأْمِينَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَكَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ إِجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ فِيهِ رِوَايَاتٍ كَعِوَضِ كِتَابَةٍ، وَالثَّالِثَةُ يَتَحَالَفَانِ، وَجَزَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ بِقَوْلِ رَبِّ الْمَالِ، (وَمَا يَذْكُرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْقِرَاضِ) لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هُنَا فِي نِيَّتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا نَوَاهُ كَنِيَّةِ الزَّوْجِ فِي كِنَايَةِ الطَّلَاقِ، فَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا، فَقَالَ الْمَالِكُ: كُنْتُ نَهَيْتُكَ عَنْ شِرَائِهِ، فَأَنْكَرَهُ الْعَامِلُ قُبِلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ، وَكَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ رَبِحَ أَمْ لَا (وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ) أَوْ تَفْرِيطٍ لِمَا ذَكَرْنَا (وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ) مَعَ يَمِينِهِ (فِي رَدِّهِ إِلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُنْكِرٌ، فَقُدِّمَ قَوْلُهُ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَمُعْظَمُ النَّفْعِ لِرَبِّ الْمَالِ، فَالْعَامِلُ كَالْمُودَعِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى الْوَكِيلِ الرَّدَّ إِذَا كَانَ بِجُعْلٍ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَالْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ لِلْعَامِلِ) أَيْ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَشْرُوطِ بَعْدَ الرِّبْحِ قُدِّمَ قَوْلُ الْمَالِكِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَسِنْدِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الْعَامِلُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَكَقَبُولِهِ فِي صِفَةِ خُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ (وَفِي الْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ نَسَاءً أَوِ الشِّرَاءِ بِكَذَا) أَيْ إِذَا أَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ بِأَنْ قَالَ: إِنَّمَا أَذِنْتُ فِي الْبَيْعِ حَالًّا، وَفِي الشِّرَاءِ بِثَلَاثَةٍ، قُدِّمَ قَوْلُهُ، وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " قَوْلًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْإِذْنِ، فَكَذَا فِي صِفَتِهِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: نَهَيْتُكَ عَنْ شِرَاءِ عَبْدٍ، فَأَنْكَرَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الْبَيْعِ نَسَاءً، وَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ لَا نَعْرِفُ بِهِ رِوَايَةً وَلَا وَجْهًا.
غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ " الْمُسْتَوْعِبِ " حَكَى بَعْدَ هَذَا أَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى قَالَ: وَيَتَّجِهُ أَنْ
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ إِنِ ادَّعَى أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
وَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ: رَبِحْتُ أَلْفًا ثُمَّ خَسِرْتُهَا أَوْ هَلَكَتْ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالَ: غَلِطْتُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ، فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ وَجْهٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْإِذْنِ فِي الْمِقْدَارِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْعَامِلِ، وَالْأَصْلُ يَنْفِي قَوْلَهُ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِوُجُودِ مُقْتَضَاهُ بِخِلَافِ الْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ نَسَاءً، فَإِنَّ فِيهِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْعَامِلِ، فَعَارَضَتِ الْأَصْلَ إِذْ عَقْدُ الْمُضَارَبَةَ يَقْتَضِي الرِّبْحَ وَالنَّسَاءُ مَظِنَّتُهُ (وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ إِنِ ادَّعَى أُجْرَةَ الْمِثْلِ) زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " تَبَعًا لِابْنِ عَقِيلٍ: أَوْ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ، فَلَوِ ادَّعَى أَكْثَرَ قُبِلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ، كَالزَّوْجَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الصَّدَاقِ (وَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ: رَبِحْتُ أَلْفًا ثُمَّ خَسِرْتُهَا أَوْ هَلَكَتْ، قُبِلَ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَالْوَكِيلِ الْمُتَبَرِّعِ (وَإِنْ قَالَ: غَلِطْتُ) أَوْ كَذَبْتُ، أَوْ نَسِيتُ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ مُقِرٌّ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ إِقْرَارِهِ كَدَعْوَاهُ اقْتِرَاضًا تُمِّمَ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِهِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ لِأَمَانَتِهِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ وَمُهَنَّا: إِذَا أَقَرَّ بِرِبْحٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا كُنْتُ أُعْطِيكَ مِنْ رَأْسِ مَالِكَ، يُصَدَّقُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُقْبَلَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِلْغَلَطِ، فَإِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ قُبِلَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
تَنْبِيهٌ: إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ مَبْلَغًا يَتَّجِرُ فِيهِ، فَرَبِحَ، فَقَالَ الْعَامِلُ: هُوَ قَرْضٌ رِبْحُهُ لِي، وَقَالَ الْمَالِكُ: هُوَ قِرَاضٌ رِبْحُهُ بَيْنَنَا، قُبِلَ قَوْلُ الْمَالِكِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَكَانَ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي صِفَةِ خُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ، فَإِذَا حَلَفَ قُسِمَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ، وَلِلْعَامِلِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا شُرِطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ، أَوْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً.
فَنَصُّ أَحْمَدَ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ، وَيُقْسَمُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْأَزَجِيِّ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " تَقَدُّمَ بَيِّنَةِ عَامِلٍ ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ، وَقِيلَ عَكْسُهُ.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِجَاهِهِمَا دَيْنًا فَمَا رَبِحَا فَهُوَ بَيْنُهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ كَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ، وَالْمِلْكُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا، وَهُمَا فِي التَّصَرُّفَاتِ كَشَرِيكَيِ الْعِنَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّالِثُ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ]
فصل (الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ) سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُمَا يُعَامِلَانِ فِيهَا بِوَجْهِهِمَا، وَالْجَاهُ وَالْوَجْهُ وَاحِدٌ، يُقَالُ: فُلَانٌ وَجِيهٌ إِذَا كَانَ ذَا جَاهٍ، وَهِيَ جَائِزَةٌ إِذْ مَعْنَاهَا وَكَالَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِي الشِّرَاءِ، وَالْبَيْعِ، وَالْكَفَالَةِ بِالثَّمَنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مُصْلِحَةٍ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ (وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِجَاهِهِمَا دَيْنًا) أَيْ فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مَالٌ (فَمَا رَبِحَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا) عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَسَوَاءٌ عَيَّنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ قَدَّرَهُ، أَوْ وَقَّتَ، أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ: مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ شَيْءٍ فَبَيْنَنَا صَحَّ (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ كَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ) لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْوِكَالَةِ، وَالْكَفَالَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ لِلْآخَرِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ وَيَبِيعُهُ كَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ (وَالْمِلْكُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَلِأَنَّ الْعَقْدَ مَبْنَاهُ عَلَى الْوَكَالَةِ، فَتَقَيَّدَ بِمَا أَذِنَ فِيهِ (وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ) كَشَرِكَةِ الْعِنَانِ ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا (وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ) لِأَنَّ الْعَمَلَ مِنْهُمَا قَدْ يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، فَكَانَ الرِّبْحُ بِحَسَبِ الشَّرْطِ كَالْعِنَانِ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُ الرِّبْحِ كَانَ لَهُ ثُلُثُ الْمُشْتَرَى، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِصْفُهُ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْمُشْتَرَى ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الرِّبْحِ الْمَالُ، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ بِإِزَاءِ جُزْءٍ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا عُلِمَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنَ الرِّبْحِ عُلِمَ قَدْرُ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ " ; لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِالضَّمَانِ إِذِ الشَّرِكَةُ وَقَعَتْ عَلَيْهِ خَاصَّةً إِذْ لَا مَالَ لَهُمَا، فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ عَلَى الْعَمَلِ، وَالضَّمَانُ لَا تَفَاضُلَ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الرِّبْحِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْمَالِ وَالْعَمَلِ، فَجَازَ تَفَاضُلُهُمَا فِي الرِّبْحِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَالِ كَشَرِيكَيِ الْعِنَانِ (وَهُمَا فِي التَّصَرُّفَاتِ كَشَرِيكَيِ الْعِنَانِ) يَعْنِي فِيمَا يَجِبُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا،
فصل الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا، فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ، وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَمَلِ يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا، يُطَالَبَانِ بِهِ وَيَلْزَمُهُمَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي إِقْرَارِهِمَا وَخُصُومَتِهِمَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ، وَهَلْ مَا يَشْتَرِيهِ أَحَدُهُمَا بَيْنَهُمَا أَمْ تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ كَوَكَالَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي عِنَانٍ مِثْلِهِ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ النِّيَّةَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَضَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ دَيْنَهُ ثُمَّ اتَّجَرَ بِوَجْهِهِ، وَأَعْطَى رَبَّ الْمَالِ نِصْفَ الرِّبْحِ، فَنَقَلَ صَالِحٌ: " أَمَّا الرِّبْحُ فَأَرْجُو إِذَا كَانَ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ.
[الضَّرْبُ الرَّابِعُ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ]
فَصْلٌ (الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ) وَبَدَأَ بِهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا) أَيِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا) أَيْ يَشْتَرِكُونَ فِيمَا يَكْتَسِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ، وَصَنَائِعِهِمْ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَهُمْ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَتَقَبَّلَانِ فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ (فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ أَقَرَّهُمْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَشْرَكَ بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنْ قُلْتَ: الْمَغَانِمُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اخْتِصَاصُ هَؤُلَاءِ بِالشَّرِكَةِ فِيهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: غَنَائِمُ بَدْرٍ كَانَتْ لِمَنْ أَخْذَهَا قَبْلَ أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» ، فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شُرِكَ بَيْنَهُمْ فِيمَا يُصِيبُونَهُ مِنَ الْأَسْلَابِ وَالنَّفْلِ، وَبِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَعَلَ الْغَنِيمَةَ لِنَبِيِّهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنَائِمِ، فَانْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] الْآيَةَ، وَالشَّرِكَةُ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَمَلِ يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالَبَانِ بِهِ وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ)
عَمَلُهُ، فَهَلْ تَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَتَصِحُّ فِي الِاحْتِشَاشِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، فَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنِ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي احْتِمَالًا: لَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ كَالْوَكِيلَيْنِ (فَهَلْ تَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ؟) كَقَصَّارٍ مَعَ خَيَّاطٍ (عَلَى وَجْهَيْنِ) الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي تَكَسُّبٍ مُبَاحٍ فَصَحَّ كَمَا لَوِ اتَّفَقَتِ الصَّنَائِعُ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لَأَنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَمَلِ يَلْزَمُهُمَا، وَيُطَالَبَانِ بِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمَا ; لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ تَحْصِيلَ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ بِمَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِعَمَلِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ مَحَلُّ عَمَلِهِمَا، وَلَا تَسَاوِيهِمَا فِيهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَبُ الْأُجْرَةِ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ دَفْعُهَا إِلَى أَحَدِهِمَا، وَمَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ فَرَّطَ أَوْ تَعَدَّى ضَمِنَ فَقَطْ، فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمَا فِي يَدِهِ قُبِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ ; لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ، وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَتَصِحُّ فِي الِاحْتِشَاشِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَاكٌ فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ كَالْقِصَارَةِ (وَالِاصْطِيَادِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ) كَالْحَطَبِ وَالثِّمَارِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْجِبَالِ، وَالْمَعَادِنِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِيهِنَّ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْغَنِيمَةِ، فَقَالَ: يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يُصِيبَانِ مِنْ سَلَبِ الْمَقْتُولِ ; لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْغَانِمِينَ (فَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا) أَيْ إِذَا عَمِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَاهَانَ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ الْإِمَامُ بِحَدِيثِ سَعْدٍ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْعَمَلَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِيهِ (فَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِنَفْسِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ تَوْفِيَةً لِلْعَقْدِ مَا يَقْتَضِيهِ فَإِنِ امْتَنَعَ فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ.
يَحْمِلَا عَلَى دَابَّتَيْهِمَا وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا صَحَّ، وَإِذَا تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ فَحَمَلَاهُ عَلَيْهِمَا صَحَّتِ الشَّرِكَةُ وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَإِنْ آجَرَاهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا فَلِكُلِّ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: تَصِحُّ شَرِكَةُ شُهُودٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ إِنْ كَانَ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِعَيْنِهِ، فَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ، وَمُوجَبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ وَالْأَجْرِ، وَلَوْ عَمِلَ أَكْثَرَ وَلَمْ يَتَبَرَّعْ طَالَبَ بِالزِّيَادَةِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي شَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ، وَجَزَمَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ - وَهُوَ الْأَشْهَرُ - بِعَدَمِ صِحَّتِهَا ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ وَكَالَةٍ، وَهِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ: كَآجِرْ دَابَّتَكَ وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا.
(وَإِنِ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَا عَلَى دَابَّتَيْهِمَا وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا صَحَّ) لِأَنَّ الْحَمْلَ فِي الذِّمَّةِ، وَهُوَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ، وَالدَّابَّتَانِ آلَتَانِ أَشْبَهَا الْأَدَاةَ، وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي أُجْرَةِ عَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ أَوْ أَنْفُسِهِمَا إِجَارَةً خَاصَّةً لَمْ يَصِحَّ (وَإِذَا تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ فَحَمَلَاهُ عَلَيْهِمَا) أَوْ عَلَى غَيْرِ الدَّابَّتَيْنِ (صِحَّتِ الشَّرِكَةُ) لِأَنَّ تَقَبُّلَهُمَا الْحَمْلَ أَثْبَتَ الضَّمَانَ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَلَهُمَا أَنْ يَحْمِلَا بِأَيِّ ظَهْرٍ كَانَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَقَبَّلَا قِصَارَةً، فَقَصَرَاهَا بِغَيْرِ أَدَاتِهِمَا (وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ) كَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ، وَقِيلَ: نِصْفَيْنِ كَمَا لَوْ أَطْلَقَا (وَإِنْ آجَرَاهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَةُ دَابَّتِهِ) أَيْ إِذَا آجَرَا دَابَّتَيْهِمَا بِأَعْيَانِهِمَا عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَاشْتَرَكَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَاسْتَحَقَّ كُلٌّ مِنْهُمَا أُجْرَةَ دَابَّتِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُ الْحِمْلِ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمُكْتِرِي مَنْفَعَةَ الْبَهِيمَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا، وَلِهَذَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ إِذِ الشَّرِكَةُ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى الضَّمَانِ فِي ذِمَمِهِمَا، أَوْ عَلَى عَمَلِهِمَا، وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: آجِرْ عَبْدَكَ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا أَرْبَعَةٌ، وَالثَّمَنُ بَيْنَنَا، لَمْ يَصِحَّ، وَقِيلَ: بَلَى، وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالًا كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ، فَإِنْ أَعَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي التَّحْمِيلِ، وَالنَّقْلِ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ; لِأَنَّهَا مَنَافِعُ وَفَّاهَا بِشُبْهَةِ عَقْدٍ.
تَنْبِيهٌ: اشْتَرَكَ اثْنَانِ لِأَحَدِهِمَا آلَةُ قِصَارَةٍ، وَلِآخَرَ بَيْتٌ يَعْمَلَانِ بِهَا فِيهِ، صَحَّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَةُ دَابَّتِهِ، وَإِنْ جَمَعَا بَيْنَ شَرِكَةِ الْعِنَانِ، وَالْأَبْداَنِ، وَالْوُجُوهِ، وَالْمُضَارَبَةِ صَحَّ.
فَصْلٌ الْخَامِسُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ، وَهِيَ أَنْ يُدْخِلَا فِي الشَّرِكَةِ الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ
[المبدع في شرح المقنع]
، وَلَوِ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ لِأَحَدِهِمْ دَابَّةٌ، وَلِلْآخَرِ رَاوِيَةٌ، وَمِنَ الثَّالِثِ الْعَمَلُ عَلَى مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَيَعْمَلُ بِهِ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْعَقْدُ فَاسِدٌ، فَعَلَى هَذَا الْأَجْرُ كُلُّهُ لِلسَّقَّاءِ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُصُولِ " ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ شَرِكَةً، وَلَا مُضَارَبَةً ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِهِمَا الْعُرُوضَ، وَلَا إِجَارَةَ لِافْتِقَارِهَا إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَأَجْرٍ مَعْلُومٍ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهَا عَيْنٌ تَنْمى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا، وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً لِأَحَدِهِمْ دَابَّةٌ، وَلِآخَرَ رَحًى، وَلِثَالِثٍ دُكَّانٌ، وَمِنَ الرَّابِعِ الْعَمَلُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: لَوْ دَفَعَ شَبَكَةً إِلَى صَيَّادٍ لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَالصَّيْدُ كُلُّهُ لِلصَّيَّادِ، وَلِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ صِحَّتُهَا، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّهَا عَيْنٌ تنْمى بِالْعَمَلِ فَصَحَّ دَفْعُهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا كَالْأَرْضِ، وَقَفِيزُ الطَّحَّانِ أَنْ يُعْطَى الطَّحَّانُ أَقْفِزَةً مَعْلُومَةً يَطْحَنُهَا بِقَفِيزِ دَقِيقٍ مِنْهَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ.
فَرْعٌ: دَفَعَ دَابَّتَهُ إِلَى آخَرَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ مَا شَرَطَاهُ صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا عَيْنٌ تنمى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا، فَصَحَّتْ بِبَعْضِ نَمَائِهَا كَالنَّقْدَيْنِ، وَفِي " الْفُصُولِ " هِيَ مُضَارَبَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا فِي الْعُرُوضِ، وَلَيْسَتْ شَرِكَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
(وَإِنْ جَمَعَا بَيْنَ شَرِكَةِ الْعِنَانِ، وَالْأَبْدَانِ، وَالْوُجُوهِ، وَالْمُضَارَبَةِ صَحَّ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَصِحُّ مُنْفَرِدًا فَصَحَّ مَعَ غَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَكَمَا لَوْ ضَمَّ مَاءً طَهُورًا إِلَى مِثْلِهِ، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ.
[الضَّرْبُ الْخَامِسُ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ]
فَصْلٌ (الْخَامِسُ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ) وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ، يُقَالُ: فَاوَضَهُ مُفَاوَضَةً أَيْ جَازَاهُ،
كَوِجْدَانِ لُقَطَةٍ أَوْ رِكَازٍ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمَا مِنْ مِيرَاثٍ، وَمَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ.
بَابُ الْمُسَاقَاةِ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَفِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ.
وَتَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَتَفَاوَضُوا فِي الْأَمْرِ أَيْ فَاوَضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (وَهِيَ أَنْ يُدْخِلَا فِي الشَّرِكَةِ الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ كَوِجْدَانِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَجَدَ (لُقَطَةٍ أَوْ رِكَازٍ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمَا مِنْ مِيرَاثٍ، وَمَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فِيهَا الْغَرَرُ، وَلَمْ تَصِحَّ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، فَلَمْ تَصِحَّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَلِأَنَّ حُصُولَ الْكَسْبِ فِيهَا وَهْمٌ، وَلِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ كَفَالَةً وَغَيْرَهَا مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، فَكَانَتْ بَاطِلَةً، وَالثَّانِي تَفْوِيضُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ شِرَاءً، وَبَيْعًا، وَمُضَارَبَةً، وَتَوْكِيلًا وَابْتِيَاعًا فِي الذِّمَّةِ، وَمُسَافَرَةً بِالْمَالِ، وَارْتِهَانًا، وَضَمَانَ مَا يَرَى مِنَ الْأَعْمَالِ، فَشَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ وَكَذَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي كُلِّ مَا ثَبَتَ لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا إِنْ لَمْ يُدْخِلَا فِيهَا كَسْبًا نَادِرًا وَغَرَامَةً، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " إن شَرطَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي كُلِّ مَا ثَبَتَ لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا كَشَرْطٍ فَاسِدٍ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ شَرِيكِي فِي كُلِّ مَا يَحْصُلُ لِي بِأَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ مِنْ إِرْثٍ وَغَيْرِهِ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ، الْمَنْصُورُ لَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ]
[مَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ]
بَابُ الْمُسَاقَاةِ هِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ السَّقْيِ ; لِأَنَّهُ أَهَمُّ أَمْرِهَا، وَكَانَتِ النَّخْلُ بِالْحِجَازِ تُسْقَى نَضْحًا أَيْ مِنَ الْآبَارِ، فَيَعْظُمُ أَمْرُهُ، وَتَكْثُرُ مَشَقَّتُهُ، وَهِيَ عِبَارَةُ أَنْ يَدْفَعَ إِنْسَانٌ شَجَرَهُ إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ مَا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ لِيَغْرِسَهُ، وَيَعْمَلَ عَلَيْهِ، وَلَا بِمَانِعٍ لِدُخُولِ مَا لَهُ ثَمَنٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَالصَّنَوْبَرِ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا السُّنَّةُ، فَمِنْهَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ِأَهْلِ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: عَامَلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ِأَهْلِ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إِلَى الْيَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ، وَهَذَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
(تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ) وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ دَاوُدُ (وَفِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا شَجَرَ لَهُمْ، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى الثَّمَرِ فَفِي تَجْوِيزِ الْمُسَاقَاةِ دَفْعُ الْحَاجَتَيْنِ، وَحُصُولُ الْمَنْفَعَةِ لَهُمَا فَجَازَ كَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمُنْتَفَعُ بِهِ كَالْمَأْكُولِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى مَا لَا ثَمَرَ لَهُ كَالْجوزِ، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَالصَّنَوْبَرِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إِذْ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ لَكِنْ إِنْ قُصِدَ وَرَقُهُ كَالتُّوتِ، أَوْ زَهْرُهُ كَالْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةِ لِكَوْنِهِ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ الْمَنْصُوصَ يَشْمَلُهُ (بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ) أَيْ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ كَالثُّلُثِ وَنَحْوِه لِلْخَبَرِ، لَا عَلَى صَاعٍ، أَوْ آصُعٍ، أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْصُلَ إِلَّا ذَلِكَ، فَيَتَضَرَّرُ الْمَالِكُ، أَوْ يَكْثُرُ الْحَاصِلُ فَيَتَضَرَّرُ الْعَامِلُ، وَتَكُونُ التَّسْمِيَةُ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ يَسْتَحِقُّ بِالْأَصْلِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ، فَلَوْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَ نَخْلٍ غَيْرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهِ، أَوْ ثَمَرَةَ سَنَةٍ غَيْرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ لِمُخَالَفَةِ مَوْضُوعِهَا، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ السَّقْيِ وَالْبَعْلِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهَا.
أَصْلٌ: لَا يُقَالُ ابْنُ عُمَرَ قَدْ رَجَعَ عَمَّا رَوَى لِقَوْلِهِ: «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ» ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يُعَامِلُ ِأَهْلِ خَيْبَرَ حَتَّى مَاتَ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى طَاوُسٌ أَنَّ أَعْلَمَهُمْ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - أَخْبَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَقَالَ ; «لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضه خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ أَجْرًا مَعْلُومًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَدِيثُ رَافِعٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا
بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَتَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ فِيمَنْ قَالَ: آجَرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَنَّهُ يَصِحُّ، وَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
قُلْنَا لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: «كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرَيِ الْأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْهُ، فَأَمَّا الْوَرَقُ فَلَمْ يَنْهَنَا» ، وَرُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا، قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعٍ، فَقَالَ: يُرْوَى فِيهِ ضُرُوبٌ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
[مَا تَصِحُّ بِهِ الْمُسَاقَاةُ]
(وَتَصِحُّ) مِنْ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ) لِأَنَّهَا مَوْضُوعُهَا حَقِيقَةً (وَالْمُعَامَلَةِ) لِقَوْلِهِ: عَامَلَ ِأَهْلِ خَيْبَرَ (وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا) كَفَالَحْتُكَ، وَاعْمَلْ فِي بُسْتَانِي هَذَا حَتَّى تُكْمِلَ ثَمَرَتَهُ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، فَإِذَا أَتَى بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَيْهِ صَحَّ كَالْبَيْعِ (وَتَصِحُّ) هِيَ وَمُزَارَعَةٌ (بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى، فَصَحَّ بِهِ الْعَقْدُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي لَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا لَا يُشْتَرَطُ لِلْمُسَاقَاةِ، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي اللُّزُومِ وَالْجَوَازِ، فَلَمْ تَصِحَّ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ كَمَا لَا تَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ (وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ فِيمَنْ قَالَ: آجَرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَنَّهُ يَصِحُّ، وَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ) فَعَبَّرَ بِالْإِجَارَةِ عَنِ الْمُزَارَعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا يُعَبَّرُ عَنِ الشُّجَاعِ بِالْأَسَدِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نَهْيُهُ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْإِجَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا الْمُزَارَعَةِ (وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا هِيَ إِجَارَةٌ) لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ بِلَفْظِهَا، فَتَكُونُ إِجَارَةً حَقِيقَةً، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا شُرُوطُ الْإِجَارَةِ، وَتَصِحُّ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا كَمَا تَصِحُّ بِالدَّرَاهِمِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَقِيلَ: تُكْرَهُ، وَإِنْ صَحَّ إِجَارَةً، أَوْ مُزَارَعَةً، فَلَمْ يَزْرَعْ نَظَرَ إِلَى مُعَدَّلِ الْمُغِلِّ، فَيَجِبُ الْقِسْطُ الْمُسَمَّى فِيهِ
أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: هِيَ إِجَارَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، وَهَلْ تَصِحُّ عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ) دَلِيلًا عِنْدَهُ إِذِ الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ قَدْ يُعْدَلُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَجَازِهِ لِدَلِيلٍ (وَهَلْ تَصِحُّ عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ؟) لَمْ تَكْمُلْ، وَعَلَى زَرْعٍ نَابِتٍ يُنْمى بِالْعَمَلِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَامَلَ ِأَهْلِ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ إِذَا ظَهَرَتْ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مُضَارَبَتِهِ عَلَى الْمَالِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ الْأَصَحُّ - الْجَوَازُ ; لِأَنَّهَا إِذَا جَازَتْ فِي الْمَعْدُومِ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ فِيهَا فَمَعَ وُجُودِهَا وَقِلَّةِ الْغَرَرِ فِيهَا أَوْلَى، وَمَحَلُّهَا إِذَا بَقِيَ مِنَ الْعَمَلِ مَا تَزِيدُ بِهِ الثَّمَرَةُ كَالتَّأْبِيرِ، وَالسَّقْيِ، وَالْإِصْلَاحِ، فَإِنْ بَقِيَ مَا لَا تَزِيدُ بِهِ كَالْجِدَادِ لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ صَحَّ) فِي الْمَنْصُوصِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: إِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اغْرِسْ فِي أَرْضِي هَذِهِ شَجَرًا، أَوْ نَخْلًا، فَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ فَلَكَ بِعَمَلِكَ كَذَا، فَإِجَارَةٌ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خَيْبَرَ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ وَعِوَضَهُ مَعْلُومَانِ، فَصَحَّتْ كَالْمُسَاقَاةِ عَلَى شَجَرٍ مَوْجُودٍ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْغِرَاسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ كَالْمُزَارَعَةِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامِلِ، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُزَارَعَةِ إِذَا شَرَطَ الْبَذْرَ مِنَ الْعَامِلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُعَامَلَةُ بَاطِلَةٌ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَكْلِيفِهِ قَلْعَهَا وَيَضْمَنُ لَهُ نَقْصَهَا، وَبَيْنَ تَرْكِهَا فِي أَرْضِهِ، وَيُدْفَعُ إِلَيْهِ قِيمَتَهَا، فَإِنِ اخْتَارَ الْعَامِلُ قَلْعَ شَجَرِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْقِيمَةَ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَحْوِيلِهِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى إِبْقَاءِ الْغِرَاسِ وَدَفْعِ أَجْرِ الْأَرْضِ جَازَ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ نَصِّهِ أَنَّهَا تَصِحُّ بِجُزْءٍ مِنَ الشَّجَرِ، وَبِجُزْءٍ مِنْهُمَا كَالْمُزَارَعَةِ، وَهِيَ الْمُغَارَسَةُ وَالْمُنَاصَبَةُ، اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَالْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذِكْرُهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ كَانَ مَغْرُوسًا، وَلَوْ كَانَ نَاظِرَ وَقَفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَاظِرٍ بَعْدَهُ بِيعُ نَصِيبِ الْوَقْفِ بِلَا حَاجَةٍ، وإنَّ لِحَاكِمٍ الْحُكْمَ بِلُزُومِهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَقَطْ، وَالْحُكْمَ بِهِ مِنْ جِهَةِ عِوَضِ الْمِثْلِ، وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ.
صَحَّ.
وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَمَتَى انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ظُهُورِهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَقِيلَ: هِيَ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ اعْتِبَارُ بَيِّنَةٍ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ بَيْنَهُمَا، فَذَلِكَ فَاسِدٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَرْعٌ: عَمِلَا فِي شَجَرٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَشَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي ثَمَرِهِ صَحَّ كَاشْتِرَاطِ الْعَامِلِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ جُزْءًا مَعْلُومًا، وَكَتَعَدُّدِهِ، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الشَّجَرُ مَعْلُومًا كَالْبَيْعِ، فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ لَمْ يَصِحَّ كَمُسَاقَاتِهِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ.
[لَا تَفْتَقِرُ الْمُسَاقَاةُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ فَسْخُهَا]
(وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) وَكَذَا الْمُزَارَعَةُ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْأَكَّارِ يَخْرُجُ مِنَ الضَّيْعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ صَاحِبُهَا فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَضِيَّةِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» وَلَوْ كَانَ لَازِمًا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ الْخِيَرَةَ إِلَيْهِ فِي مُدَّةِ إِقْرَارِهِمْ، وَلِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَمَاءِ الْمَالِ فَكَانَتْ جَائِزَةً كَالْمُضَارَبَةِ (لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَضْرِبْ لِأَهْلِ خَيْبَرَ مُدَّةً، وَلَا خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَمَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ لَفْظًا (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا) لِأَنَّهُ شَأْنُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ (فَمَتَى انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا) عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّهَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكَيْهِمَا، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ تَمَامُ الْعَمَلِ كَالْمُضَارِبِ (وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ظُهُورِهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ رَضِيَ إِسْقَاطَ حَقِّهِ فَهُوَ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ وَالْجُعَالَةِ (وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ) أَيْ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ (فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ إِتْمَامِ عَمَلِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ كَجُعَالَةٍ، وَفَارَقَ رَبَّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ
عَقْدٌ لَازِمٌ يَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ يَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرُ، وَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً لَا يَكْمُلُ فِيهَا لَمْ تَصِحَّ، وَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ فِيهَا وَقَدْ لَا تَكْمُلُ فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا فَسَخَهَا قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ; لِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إِلَى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ غَالِبًا، فَلَوْلَا الْفَسْخُ لَظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، فَمَلَكَ نَصِيبَهُ مِنْهَا بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ إِفْضَاؤُهَا إِلَى الرِّبْحِ (وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَكَانَ لَازِمًا كَالْإِجَارَةِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً لَمَلَكَ رَبُّ الْمَالِ فَسْخَهَا إِذَا ظَهَرَتْ، فَيَسْقُطُ سَهْمُ الْعَامِلِ فَيَتَضَرَّرُ (يَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ يَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرُ) لِأَنَّهَا أَشْبَهُ بِالْإِجَارَةِ لِكَوْنِهَا تَقْتَضِي الْعَمَلَ مَعَ بَقَائِهَا، وَلَا يَتَقَدَّرُ أَكْثَرُ الْمُدَّةِ بَلْ يَجُوزُ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَبْقَى فِيهَا الشَّجَرُ، وَإِنْ طَالَتْ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، رُدَّ بِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ وَتَوْقِيتٌ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ (وَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً لَا يَكْمُلُ فِيهَا لَمْ تَصِحَّ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الثَّمَرَةِ، وَلَا تُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا (وَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَيْ إِذَا ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ وَلَمْ تَكْمُلْ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إِلَّا بِعِوَضٍ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الثَّمَرَةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، فَاسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَالثَّانِي لَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْعَمَلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ كَالْمُتَبَرِّعِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ تَظْهَرِ الثَّمَرَةُ.
(وَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ فِيهَا وَقَدْ لَا تَكْمُلُ) أَوْ إِلَى الْجِدَادِ، أَوْ إِدْرَاكِهَا (فَهَلْ تَصِحُّ) الْمُسَاقَاةُ (عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ الشَّجَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْمِلَ، وَيُحْتَمَلَ عَدَمُهُ، وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ فِيهِ، وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَعْدُومٍ لَيْسَ الْغَالِبُ وَجُودُهُ فَلَمْ تَصِحَّ كَالسَّلَمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُ حِصَّتُهُ مِنَ الثَّمَرَةِ (فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَجْهًا وَاحِدًا: لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَمْ يُسْلِمْ إِلَيْهِ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ سَوَاءٌ حَمَلَتْ أَوْ لَا، وَالثَّانِي لَا شَيْءَ لَهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَا مُدَّةً لَا يَكْمُلُ فِيهَا الشَّجَرُ غَالِبًا (وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ) أَوْ جُنَّ، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ انْفَسَخَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ كَرَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهَا (تَمَّمَ
وَجْهَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ تَمَّمَ الْوَارِثُ، فَإِنْ أَبَى اسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ، فَإِنْ فَسَخَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِهَا فَهَلْ لَهُ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِنْ هَرَبَ الْعَامِلُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَارِثُ) لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَزِمٌ كَالْإِجَارَةِ (فَإِنْ أَبَى) لَمْ يُجْبَرْ ; لِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَى مُوَرِّثِهِ إِلَّا مَا أَمْكَنَ دَفْعُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالْعَمَلُ لَيْسَ كَذَلِكَ (اسْتُؤْجِرَ) أَيِ اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ (عَلَى الْعَمَلِ مِنْ تَرِكَتِهِ) لِأَنَّ الْعَمَلَ كَانَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَرْكِهِ كَسَائِرِ مَا عَلَيْهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيِ الِاسْتِئْجَارُ بِأَنْ لَا تَرِكَةَ لَهُ (فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ لَهُ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ (فَإِنْ فَسَخَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكَيْهِمَا، وَكَالْمُضَارَبَةِ إِذَا انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، فَيُبَاعُ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَجْرِ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَمَلِ، وَإِنِ احْتِيجَ إِلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ بِيعَ ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَإِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ الْعَامِلِ جَازَ، وَإِنِ اخْتَارَ بَاعَ نَصِيبَهُ، وَالْحَاكِمُ نَصِيبَ الْعَامِلِ، وَبَقِيَّةُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَبَى بَاعَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ عَامِلٍ فَقَطْ، وَمَا يَلْزَمُهُ يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا خُيِّرَ الْمَالِكُ، فَإِنْ بِيعَ لِأَجْنَبِيٍّ لَمْ يُبَعْ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَلَا يُبَاعُ نَصِيبُ عَامِلٍ وَحْدَهُ، وَفِي شِرَاءِ الْمَالِكِ لَهُ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَيِّتِ أُجْرَةً وَجْهَانِ، وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا انْفَسَخَتِ الْمُسَاقَاةُ بِمَوْتِ الْعَامِلِ إِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهَا، وَأَبَى الْوَارِثُ الْعَمَلَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِهَا، فَهَلْ لَهُ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا لَهُ الْأُجْرَةُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْعِوَضَ الْمُسَمَّى، فَإِذَا تَعَذَّرَ رَجَعَ فِي الْأُجْرَةِ كَمَا لَوْ فَسَخَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالثَّانِي لَا شَيْءَ لَهُ ; لَأَنَّ الْفَسْخَ مُسْتَنِدٌ إِلَى مَوْتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ هُوَ (وَكَذَلِكَ إِنْ هَرَبَ الْعَامِلُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا إِذَا مَاتَ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي تَعَذُرِ الْعَمَلِ، وَتَضَرُّرِ الْمَالِكِ بِتَعَذُّرِ الْفَسْخِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ لَهُ مَالَا، أَوْ أَمْكَنَهُ الِاقْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَذَا إِذَا وَجَدَ مَنْ يَعْمَلُهُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إِلَى وَقْتِ إِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً لِتَرْكِهِ الْعَمَلَ بِاخْتِيَارِهِ، كَمَا لَوْ
مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَإِنْ عَمِلَ فِيهَا رَبُّ الْمَالِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ إِشْهَادٍ رَجَعَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
فصل وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا مِنَ السَّقْيِ، وَالْحَرْثِ، وَالزُّبَارِ، وَالتَّلْقِيحِ وَالتَّشْمِيسِ، وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ، وَمَوْضِعِ التَّشْمِيسِ وَنَحْوِهِ، وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الْأَصْلِ مِنْ سَدِّ الْحِيطَانِ، وَإِجْرَاءِ الْأَنْهَارِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَالدُّولَابِ، وَمَا يُدِيرُهُ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ، وَمَا لَا فَلَا،
[المبدع في شرح المقنع]
تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ هَرَبٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (فَإِنْ عَمِلَ فِيهَا رَبُّ الْمَالِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ إِشْهَادٍ رَجَعَ بِهِ) أَيْ بِمَا أَنْفَقَ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبٌ عَنِ الْغَائِبِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا أَشْهَدَ عَلَى الْإِنْفَاقِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ إِذَنِ الْحَاكِمِ فَهُوَ مُضْطَرٌّ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِئْذَانُ الْحَاكِمِ، فَأَنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنُهُ، فَوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا إِذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ لَا رُجُوعَ لَهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِذَنٌ وَلَا إِشْهَادٌ ; لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِالصَّدَقَةِ، وَحُكْمُ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَوِ اقْتَرَضَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ حَكَمُ مَا لَوْ عَمِلَ فِيهَا بِإِذْنِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَانَ الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ عَلَى غَاصِبِهِ، وَاخْتَارَ فِي " التَّبْصِرَةِ " أَنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ جِهَةِ عَامِلٍ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْإِجَارَةِ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
[فَصْلٌ وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا]
مِنَ السَّقْيِ، وَالْحَرْثِ، وَالزُّبَارِ، وَالتَّلْقِيحِ وَالتَّشْمِيسِ، وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ، وَمَوْضِعِ التَّشْمِيسِ وَنَحْوِهِ) كَآلَةِ حَرْثٍ، وَبَقَرَةٍ، وَتَفْرِيقِ زَبْلٍ، وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ، وَقَطْعِ الشَّجَرِ الْيَابِسِ، وَحِفْظِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ إِلَى أَنْ يُقْسَمَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَمَّسُ فَعَلَيْهِ تَشْمِيسُهُ، وَفِي " الْفُنُونِ " وَغَيْرُهُ وَالْفَأْسُ النُّحَاسُ تَقْطَعُ الدَّغَلَ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ بِإِطْلَاقِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْهُ (وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الْأَصْلِ مِنْ سَدِّ الْحِيطَانِ، وَإِجْرَاءِ الْأَنْهَارِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَالدُّولَابِ، وَمَا يُدِيرُهُ) مِنْ آلَةٍ، وَدَابَّةٍ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَشِرَاءِ مَا يُلَقَّحُ بِهِ، وَمَاءٍ، وَتَحْصِيلِ زِبْلٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّ بَقَرَ الدُّولَابِ عَلَى الْعَامِلِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْعَمَلِ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ رِوَايَتَيْنِ فِي بَقَرِ حَرْثٍ وَسِقَايَةٍ، وَمَا يُلَقَّحُ بِهِ (وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ) كَالْحَرْثِ (فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَهَذَا أَصَحُّ إِلَّا فِي شِرَاءِ مَا يُلَقَّحُ بِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَإِنْ
وَحُكْمُ الْعَامِلِ حُكْمُ الْمُضَارِبِ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَمَا يُرَدُّ، وَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ ضُمَّ إِلَيْهِ مَنْ يُشَارِكُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
تَكَرَّرَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعَمَلِ (وإلَا فَلَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَمَلِ أَشْبَهَ مَا فِيهِ حِفْظُ الْأَصْلِ، وَفِي النَّاطُورِ لِمَا بَدَا صَلَاحُهُ وَجْهَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا أَطْلَقَ الْعَقْدَ، فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ فَهُوَ تَأْكِيدٌ، وَإِنْ شُرِطَ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ فَمَنَعَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، فَتَفْسَدُ الْمُسَاقَاةُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَأَفْسَدَتْهُ كَالْمُضَارَبَةِ إِذَا شُرِطَ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْجِذاذ عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَشْرُطَهُ عَلَى الْعَامِلِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ شَرْطِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا عَلَى الْآخَرِ أَوْ بَعْضِهِ لَكِنْ يُعْتَبَرُ مَا يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا مَعْلُومًا، وَفِي " الْمُغْنِي " وَأَنْ يَعْمَلَ الْعَامِلُ أَكْثَرَ الْعَمَلِ، وَالْأَشْهَرُ يَفْسَدُ الشَّرْطُ، وَفِي الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: يَفْسَدُ بِشَرْطِ خَرَاجٍ أَوْ بَعْضُهُ عَلَى عَامِلٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالسِّيَاجُ عَلَى الْمَالِكِ، وَيُتَّبَعُ فِي الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ الْعُرْفُ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ.
(وَحُكْمُ الْعَامِلِ حُكْمُ الْمُضَارِبِ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَمَا يُرَدُّ) لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدِ ائْتَمَنَهُ أَشْبَهَ الْمُضَارِبَ، وَكَذَا فِي مُبْطِلِ الْعَقْدِ، وَجُزْءِ مَشْرُوطٍ، وَفِي " الْمُوجَزِ " إِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا شَرَطَ لَهُ صُدِّقَ عَامِلٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَيَحْلِفُ إِنِ اتُّهِمَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ غَيْرُهُمَا: لِلْمَالِكِ ضَمُّ أَمِينٍ بِأُجْرَةٍ مِنْ نَفْسِهِ (وَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ ضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ يُشَارِكُهُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمَالِكِ بِذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْعَمَلِ مِنْهُ، فَلْيَسْتَوْفِ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ هَرَبَ أَوْ عَجَزَ عَنِ الْعَمَلِ.
تَنْبِيهٌ: يَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بِظُهُورِهَا، فَلَوْ تَلِفَتْ إِلَّا وَاحِدَةً فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا بِالْمُقَاسَمَةِ كَالْمُضَارَبَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْقِرَاضَ يُمْلَكُ الرِّبْحُ فِيهِ
شَرَطَ إِنْ سَقَى سَيْحًا فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ النِّصْفُ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: مَا زَرَعْتَ مِنْ شَعِيرٍ فَلِيَ رُبُعُهُ، وَمَا زَرَعْتَ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِيَ نِصْفُهُ، أَوْ سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا الْبُسْتَانِ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ أُسَاقِيَكَ الْآخَرَ بِالرُّبُعِ لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا.
[المبدع في شرح المقنع]
بِالظُّهُورِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْعَامِلِ فَضْلَ دَرَاهِمَ زَائِدًا عَلَى مَا شَرَطَهُ لَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوِ الشَّجَرِ.
(وَإِنْ شَرَطَ إِنْ سَقَى سَيْحًا) وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ (فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ النِّصْفُ) وَإِنَّ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَلَهُ النِّصْفُ (لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ مَجْهُولٌ وَالنَّصِيبَ مَجْهُولٌ، وَهُوَ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَالثَّانِي يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْإِجَارَةِ إِنْ خَطَتَّهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خَطَتَّهُ فَارِسِيًّا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِيهِ شَيْءٌ سَيَأْتِي، وَكَقَوْلِهِ: مَا زَرَعْتُ مِنْ شَيْءٍ فَلِي نِصْفُهُ لِقِصَّةِ ِأَهْلِ خَيْبَرَ، فَإِنْ زَرَعَهَا جِنْسَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَبَيَّنَ قَدْرَ كُلِّ جِنْسٍ وَحَقَّهُ مِنْهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ قَالَ: مَا زَرَعْتُ مِنْ شَعِيرٍ فَلِي رُبُعُهُ، وَمَا زَرَعْتُ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِي نِصْفُهُ) لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ مَا يَزْرَعُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَجْهُولُ الْقَدْرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَطَ لَهُ فِي الْمُسَاقَاةِ ثُلُثَ هَذَا النَّوْعِ وَنِصْفَ الْآخَرِ (أَوْ سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا الْبُسْتَانِ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ أُسَاقِيَكَ الْآخَرَ بِالرُّبُعِ لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا) لِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: لَكَ الْخُمُسَانِ إِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ خَسَارَةٌ، وَإِلَّا فَلَكَ الرُّبُعُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى.
فَرْعٌ: إِذَا آجَرَهُ الْأَرْضَ، وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ، فَكَجَمْعِ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، وَإِنْ كَانَ حِيلَةً فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي إِبْطَالِ الْحِيَلِ جَوَازَهُ ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فِي عَقْدٍ ثَانٍ فَهَلْ تَفْسَدُ أُولَاهُمَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنَّ جَمَعَهُمَا فِي عَقْدٍ، فَكَتَفْرِيقِ صَفْقَةٍ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: سَوَاءٌ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ أَوْ لَا، فَمَا ذَهَبَ مِنَ الشَّجَرِ ذَهَبَ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْعِوَضِ.
فَصْلٌ فِي الْمُزَارَعَة
ِ تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الزَّرْعِ
فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ فِي الْمُزَارَعَةِ]
[تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الزَّرْعِ]
ُ هِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّرْعِ، وَهِيَ دَفْعُ أَرْضٍ وَحَبٍّ لِمَنْ يَزْرَعُهُ، وَيَقُومُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ.
(تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ) مُشَاعٍ (يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الزَّرْعِ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ، وَآلُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَامَلَ عُمَرُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِالْبَذْرِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمُسَاقَاةِ رِوَايَةً بِمَنْعِهَا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَمْرَانِ، وَحَدِيثُ رَافِعٍ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَفِيهِ اضْطِرَابٌ كَثِيرٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَقِيهَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، لَا يُقَالُ: أَحَادِيثُكُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَيْنَ النَّخِيلِ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ; لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ أَوْجُهٍ: أَوَّلًا: أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ يَأْتِي مِنْهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ وَسْقٍ لَيْسَ فِيهَا أَرْضٌ بَيْضَاءُ، وَتَبْعُدُ مُعَامَلَتُهُمْ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِنَقْلِ الرُّوَاةِ الْقِصَّةَ عَلَى الْعُمُومِ، ثَانِيًا: لَا دَلِيلَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَمَا قُلْنَاهُ وَرَدَ مُفَسَّرًا، ثَالِثًا: إِنَّ قَوْلَكُمْ يُفْضِي إِلَى تَقْيِيدِ كُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، رَابِعًا: إِنَّ عَمَلَ الْخُلَفَاءِ وَالْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ دَالٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، خَامِسًا: إِنْ مَذْهَبَنَا صَارَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِيهِ ; لِأَنَّ الْأَرْضَ عَيْنٌ تُنْمى بِالْعَمَلِ، فَجَازَتِ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا كَالْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالنَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا لِكَوْنِ أَصْحَابِ الْأَرْضِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى زَرْعِهَا، وَالْأَكْثَرُ يَحْتَاجُونَ إِلَى الزَّرْعِ وَلَا أَرْضَ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ جَوَازَهَا.
شَجَرٌ فَزَارَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ صَحَّ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ، وَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ بَذْرِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَحَلُّ مِنَ الْإِجَارَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَغْنَمِ وَالْمَغْرَمِ (فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ فَزَارَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ صَحَّ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ لَوِ انْفَرَدَ لَصَحَّ، فَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَا، وَسَوَاءٌ قُلَّ بَيَاضُ الْأَرْضِ أَوْ كَثُرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَى نَصِيبُ الْعَامِلِ فِيهِمَا أَوِ اخْتَلَفَ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمُعَامَلَةِ أَوِ الْمُسَاقَاةَ فَلَوْ زَارَعَهُ عَلَى أَرْضٍ فِيهَا شَجَرٌ لَمْ يَجُزْ لِلْعَامِلِ اشْتِرَاطُ ثَمَرَتِهَا ; لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ كُلَّ الثَّمَرَةِ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانَ الشَّجَرُ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.
فَرْعٌ: لَا تَجُوزُ إِجَارَةُ أَرْضٍ وَشَجَرٌ فِيهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: أَخَافُ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ شَجَرًا لَمْ يُثْمِرْ، وَذَكَرَ أَبُو عُبِيدٍ تَحْرِيمَهُ إِجْمَاعًا، وَجَوَّزَهُ ابْنُ عَقِيلٍ تَبَعًا وَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ عُمَرَ ضَمِنَ حَدِيقَةَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لَمَّا مَاتَ ثَلَاثَ سِنِينَ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ، رَوَاهُ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى أَرْضِ الْخَرَاجِ وَهُوَ أُجْرَةٌ.
وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجَارَةَ الشَّجَرِ مُفْرَدًا، وَيَقُومُ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُ كَأَرْضٍ لِزَرْعٍ، فَإِنْ تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ فَلَا أُجْرَةَ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ الْعَادَةِ فَالْفَسْخُ أَوِ الْأَرْشُ لِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ كَجَائِحَةٍ (وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ) فَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَهُ الْعَامِلُ فِي قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ قَضِيَّةُ خَيْبَرَ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْبَذْرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي نَمَائِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالْمُضَارَبَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ نَصٍّ، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا إِذَا اشْتَرَكَ مَالَانِ وَبَدَنُ أَحَدِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ الْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَشَرَطَا الْمُنَاصَفَةَ فِي الزَّرْعِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ قِيلَ بِصِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ، أَوْ فَسَادِهَا، فَإِنْ حُكِمَ بِصِحَّتِهَا لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِفَسَادِهَا فَعَلَى الْعَامِلِ نِصْفُ أَجْرِ الْأَرْضِ، وَلَهُ عَلَى رَبِّهَا نِصْفُ أَجْرِ عَمَلِهِ،
وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِيَ، أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً، أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أَوْ زَرْعَ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ، وَمَتَى فَسَدَتْ فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ صَاحِبِهِ.
وَحُكْمُ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَالْحَصَادُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، وَيَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْفَضْلِ، وَإِنْ شَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي الزَّرْعِ فَظَاهِرٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَعَلَى الْفَسَادِ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْبَذْرِ، وَيَتَرَاجَعَانِ كَمَا ذَكَرْنَا.
(وَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ بَذْرِهِ وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِيَ) لَمْ يَصِحَّ كَأَنَّهُ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ قُفْزَانًا مَعْلُومَةً، وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ تَفْسَدُ بِهِ الْمُزَارَعَةُ ; لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُخْرِجْ إِلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْمَالِكُ، وَرُبَّمَا لَا تُخْرِجُهُ، وَمَوْضُوعُهَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ (أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً) لِمَا ذَكَرْنَا (أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً) لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ مَا يُسَاوِي ذَلِكَ، فَيُؤَدِّي إِلَى الضَّرَرِ (أَوْ أَوْ زَرَعَ نَاحِيَةً مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَدَتِ الْمُزَارِعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ) بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ كَأَنْ يَشْتَرِطَ مَا عَلَى الْجَدَاوِلِ، قِيلَ: وَهِيَ الْمُخَابَرَةُ سَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا، أَوْ شَرَطَهُ مَعَ نَصِيبِهِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ غَيْرُ مُعَارَضٍ وَلَا مَنْسُوخٍ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ مَا عُيِّنَ لَهُ دُونَ الْآخَرِ، فَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ (وَمَتَّى فَسَدَتِ فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ) لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ يَنْقَلِبُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَيَنْمُو فَهُوَ كَصغار الشَّجَرِ إِذَا غَرَسَ (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَا سُمِّيَ لَهُ، فَإِذَا فَاتَ رَجَعَ إِلَى بَدَلِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْضَ بِالْعَمَلِ مَجَّانًا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ فَهُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ لِرَبِّهَا وَهِيَ الْمُخَابَرَةُ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَهُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْعَامِلِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَيَتَرَاجَعَانِ بِالْفَاضِلِ.
فَرْعٌ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جِنْسِ الْبُذُورِ وَلَوْ تَعَدَّدَ وَقَدَّرَهُ، فَلَوْ دَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ أَرْضٍ لِيَزْرَعَهُ فِيهَا وَمَا يَخْرُجُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ الْبَذْرَ لَيْسَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَا مِنَ الْعَامِلِ، فَالزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَالْعَمَلِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الِاشْتِرَاكِ.
[حُكْمُ الْمُزَارَعَةِ حَكَمُ الْمُسَاقَاةِ]
(وَحُكْمُ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنَ الْجَوَازِ، وَاللُّزُومِ، وَأَنَّهَا لَا تَجُوزُ
عَلَى الْعَامِلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْجِذاذ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْجِذاذ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ وَالزَّرْعُ بَيْنَنَا، فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ فِي نَصِيبِهِ صَحَّ.
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَّا بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ لِلْعَامِلِ وَمَا يَلْزَمُهُ وَرَبِّ الْأَرْضِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا ; لِأَنَّهَا مُعَامَلَةٌ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ نَمَائِهَا (وَالْحَصَادُ عَلَى الْعَامِلِ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِقِصَّةِ خَيْبَرَ، وَلِأَنَّهُ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا لِلِاشْتِرَاكِ فِيهِ، وَفِي " الْمُوجَزِ " فِيهِ وَفِي دِيَاسٍ وَبَذْرِهِ وَحِفْظِهِ بِبَيْدَرِهِ رِوَايَتَا جِدَادٍ، وَاللِّقَاطُ كَالْحَصَادِ، وَيُكْرَهَانِ لَيْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَكَذَلِكَ الْجِذاذ) أَيْ عَلَى الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْعَمَلِ، فَكَانَ عَلَيْهِ كَالتَّشْمِيسِ (وَعَنْهُ أَنَّ الْجِذاذ عَلَيْهِمَا) وَهُوَ الْأَصَحُّ بِصِحَّتِهِمَا ; لِأَنَّهُ يُوجَدُ بَعْدَ تَكَامُلِ النَّمَاءِ، أَشْبَهَ نَقْلَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَنَصَرَه فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلَ وَنَقَضَ دَلِيلَ الثَّانِيَةِ بِالتَّشْمِيسِ، وَفَارَقَ النَّقْلَ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَزَوَالِ الْعَقْدِ أَشْبَهَ الْمُخَزَّنَ (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ وَالزَّرْعُ بَيْنَنَا، فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ، وَمِنَ الْآخَرِ الْعَمَلُ، وَصَاحِبُ الْمَاءِ لَيْسَ مِنْهُ أَرْضٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا بَذْرٌ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ بِهِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، نَقَلَهَا يَعْقُوبُ وَحَرْبٌ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الزَّرْعُ، فَجَازَ جَعْلُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالْأَرْضِ وَالْعَمَلِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ إِيجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهُوَ مَجْهُولٌ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ عِوَضُ الْمَاءِ كَذَلِكَ، وَرُدَّ بِالْمَنْعِ فِي الْعِلَّةِ الْأَخِيرَةِ، وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، فَمَا الْجَامِعُ.
فَرْعٌ: آجَرَ أَرْضَهُ لِلزَّرْعِ، فَزَرَعَهَا، فَلَمْ تُنْبِتْ، ثُمَّ نَبَتَ فِي سَنَةٍ أُخْرَى فَهُوَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مُدَّةَ احْتِسَابِهَا.
(وَإِنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ فِي نَصِيبِهِ صَحَّ) فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الشَّرِيكِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي الزَّرْعِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا