التَّتَابُعِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا شَهْرُ رَمَضَانَ، أَوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ كَفِطْرِ الْعِيدِ، أَوِ الْفِطْرُ لِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ مَرَضٍ مُخَوِّفٍ، أَوْ فِطْرُ الْحَامِلِ، وَالْمَوْضِعِ لِخَوْفِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ وَكَذَلِكَ إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعِبَادَاتِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ النِّيَّةُ لِأَفْعَالِهَا.
وَقِيلَ: تَجِبُ النِّيَّةُ فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِاللَّيْلَةِ الْأَوْلَى، وَالتَّجْدِيدِ لِكُلِّ لَيْلَةٍ وَجْهَانِ وَيُبَيِّتُ النِّيَّةَ، وَفِي تَعْيِينِهَا جِهَةَ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
(فَإِنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا شَهْرُ رَمَضَانَ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ فَيَتَخَلَّلُهُ رَمَضَانُ (أَوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ كَفِطْرِ الْعِيدِ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ مَثَلًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَيَتَخَلَّلُهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ ; لِأَنَّهُ زَمِنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ.
وَفِي " مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ ": فِي صَوْمِ الْعِيدِ يَقْطَعُ التَّتَابُعُ ; لِأَنَّهُ خَلَّلَهُ بِإِفْطَارٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ، ثُمَّ سَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ كَاللَّيْلِ، وَيَتَخَرَّجُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنَّهُ يَصُومُهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَفْطَرَهَا اسْتَأْنَفَ ; لِأَنَّهَا أَيَّامٌ أَمْكَنَهُ صِيَامُهَا فِي الْكَفَّارَةِ فَفِطْرُهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَغَيْرِهَا.
(أَوِ الْفِطْرُ بِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَةَ مُتَتَابِعًا إِذَا حَاضَتْ قَبْلَ إِتْمَامِهِ تَقْضِي إِذَا طَهُرَتْ وَتَبْنِي ; لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فِي الشَّهْرَيْنِ إِلَّا بِتَأْخِيرِهِ إِلَى الْإِيَاسِ، وَفِيهِ تَغْرِيرٌ بِالصَّوْمِ ; لِأَنَّهَا رُبَّمَا مَاتَتْ قَبْلَهُ، وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ: يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ; لِأَنَّهُ فِطْرٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَلَا يَتَكَرَّرُ فِي الْعَامِ، أَشْبَهَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَيْضِ ; لِأَنَّهُ أَنْدَرُ مِنْهُ.
لَا يُقَالُ: الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنَ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَفِي الْحَيْضِ إِذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِبَ طُهْرِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَمَعَ هَذَا لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ.
(أَوْ جُنُونٌ) قَالَ جَمَاعَةٌ (أَوْ مَرَضٌ مُخَوِّفٌ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ ; لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِسَبَبٍ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ كَالْحَيْضِ.
(أَوْ فِطْرِ الْحَامِلِ، وَالْمَرْضِعِ لِخَوْفِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ) لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا فَلَمْ
يَنْقَطِعَ.
وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أَوْ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ، وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ غَيْرِ
[المبدع في شرح المقنع]
يَنْقَطِعْ كَالْمَرِيضِ.
(وَكَذَلِكَ إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا) لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ، وَجَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لَهُمَا بِسَبَبٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمَا كَمَا لَوْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْقَطِعَ) لَأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَلِهَذَا تَلْزَمُهُمَا الْفِدْيَةُ مَعَ الْقَضَاءِ.
وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْخِلَافَ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِبَاحَةِ الْفِطْرِ، وَالْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ فَقَطَعَ التَّتَابُعَ وَبِفِطْرِهِ نَاسِيًا، أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ مُخْطِئًا كَجَاهِلٍ بِهِ.
[إِفْطَارُ الْمُظَاهِرِ فِي الْكَفَّارَةِ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْرٍ]
(وَإِنْ أَفْطَرَ) أَيْ: تَعَمَّدَهُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أَوْ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالتَّتَابُعِ الْمَشْرُوطِ، وَيَقَعُ صَوْمُهُ عَمَّا نَوَاهُ ; لِأَنَّ هَذَا الزَّمَانَ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ مُتَعَيِّنٍ لِلْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَخَّرَهُ إِلَى فَرَاغِهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَيِّنًا أَخَّرَ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ، أَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ أَيَّامًا مِنَ الشَّهْرِ كَالْخَمِيسِ وَأَيَّامِ الْبَيْضِ قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ صَامَهُ، لَا تَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ فَيُفْضِي إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّكْفِيرِ بِحَالٍ.
وَالنَّذْرُ يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَفِيهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ النَّذْرُ الْمُتَعَيِّنُ زَمَانُهُ مُتَعَيِّنٌ لِلصَّوْمِ، فَهُوَ كَرَمَضَانَ فَيَلْزَمُ عَدَم
ُ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ
بِهِ لِتَعَيُّنِهِ، أَوِ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ ضَرُورَةَ مُسَاوَاةِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فِي تَعْيِينِ الزَّمَانِ، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: النَّذْرُ آكَدُ مِنْ رَمَضَانَ ; لِأَنَّ النَّذْرَ السَّابِقَ مُقَدَّمٌ بِخِلَافِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ التَّكْفِيرَ سَابِقٌ عَلَيْهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْمَنْجَا.
(وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ غَيْرِ الْمُخَوِّفِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الثَّانِيَةِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ كَالْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ، وَالثَّانِي: بَلَى كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ أَفْطَرَ لَسَفَرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَالْأَظْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ.
وَقَالَهُ الْحَسَنُ ; لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ كَفِطْرِ
الْمُخَوِّفِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ.
وَعَنْهُ: لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهَا لَيْلًا لَمْ يَنْقَطِعْ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَائِضِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ السَّفَرَ حَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ فَقَطَعَهُ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ أَفْطَرَ لَعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَعِيدٍ بَنَى وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: مُظَاهِرٌ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ، يُعِيدُ؛ قَالَ: أَرْجُو أَنَّهُ فِي عُذْرٍ.
1 -
فَرْعٌ: إِذَا أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَكَانَ قَدْ طَلَعَ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، وَلَمْ تَغِبْ أَفْطَرَ.
وَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَجْهَانِ.
[انْقِطَاعُ التَّتَابُعِ]
(وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ) وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] أَمَرَ بِهِمَا خَالِيَيْنِ مِنَ التَّمَاسِّ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ لَا يَخْتَصُّ الصِّيَامُ فَاسْتَوَى فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ كَالِاعْتِكَافِ.
لَا يُقَالُ: الْوَطْءُ مَا بَقِيَ إِلَى كَفَّارَتِهِ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ أَلَّا يُوجَدَ التَّمَاسُّ قَبْلَ الشَّهْرَيْنِ، وَلَا فِيهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ اشْتِرَاطُ أَحَدِهِمَا وَجَبَ الْآخَرُ لِإِمْكَانِهِ.
(وَعَنْهُ: لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا) أَيْ: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِفِعْلِهِ لَيْلًا، وَلَا نَهَارًا نَاسِيًا وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُفْطِرُ بِهِ كَوَطْءِ غَيْرِهَا، وَعَنْهُ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يَنْقَطِعُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ الْفِطْرَ نَاسِيًا، وَإِنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ فَوَطِئَ غَيْرَهَا لَمْ يَنْقَطِعْ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ، لَا أَثَرَ لَهُ فِي قَطْعِ التَّتَابُعِ، وَإِنْ وَطِئَهَا كَانَ كَوَطْئِهَا لَيْلًا.
وَهَلْ يُقْطَعُ التَّتَابُعَ؛ فِيهِ وَجْهَانِ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَطْأَهُ فِي أَثْنَاءِ إِطْعَامٍ - كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ - وَعَتَقَ، لَا يَقْطَعُهُ وَمَنَعَهُمَا فِي " الِانْتِصَارِ "، ثُمَّ سَلَّمَ الْإِطْعَامَ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ، وَالصَّوْمُ مُبْدَلٌ كَوَطْءِ مَنْ لَا تُطِيقُ الصَّوْمَ فِي الْإِطْعَامِ (وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهَا لَيْلًا لَمْ يَنْقَطِعْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ مُخِلٌّ بِاتِّبَاعِ الصَّوْمِ كَالْأَكْلِ.
وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمَسَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا، أَوْ بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ بِهِ قُطِعَ التَّتَابُعُ لِإِخْلَالِهِ بِمُوَالَاةِ الصِّيَامِ.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَتَانِ.
فَصْلٌ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ، أَوْ كَبِيرًا
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ]
[لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ] فَصْلٌ (فَإِن
ْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصَّوْمَ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ،
وَلَوْ رُجِيَ زَوَالُهُ، أَوْ يَخَافُ زِيَادَتَهُ، أَوْ بُطْأَهُ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ شَبِقَ (لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالْخَبَرُ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ لِأَجْلِ السَّفَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ عَنِ الصِّيَامِ وَلَهُ نِهَايَةٌ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ.
(مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ) . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ الزَّكَاةَ لِحَاجَتِهِ جَازَ إِعْطَاؤُهُ مِنْ طَعَامِهَا.
وَالْمَسَاكِينُ هُمُ الَّذِينَ تُدْفَعُ إِلَيْهِمُ الزَّكَاةُ لِحَاجَتِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفُقَرَاءُ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا صِنْفَيْنِ فَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ.
وَاقْتَصَرَ فِي " الْهَدْيِ " عَلَيْهِمَا لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، وَالْكَفَّارَةُ جَارِيَةٌ مَجْرَاهَا.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ فِي ذَمِّيٍّ يَخْرُجُ مِنْ عِتْقِهِ، وَخَرَّجَ الْخَلَّالُ دَفْعَهَا إِلَى كَافِرٍ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَعَلَّهُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، وَلِأَنَّهُ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مِنْهَا كَالْمُسْلِمِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُعْطِيهِمْ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُمْ كُفَّارٌ، فَلَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُمْ مِنْهَا كَمَسَاكِينِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا، وَالْجِزْيَةُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى عَبْدٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَى السَّيِّدِ.
وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ ; لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ فَجَازَ إِطْعَامُهُ كَالْكَبِيرِ.
وَهَذَا إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَهِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ كَزَكَاةٍ فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ لَا، لَكِنْ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلُهُ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونُ يَقْبِضُ لَهُ وَلَيُّهُ، وَالْأُخْرَى يَدْفَعُ إِلَى الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُطْعَمْ.
ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ الْمَذْهَبُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُرٌّ مُحْتَاجٌ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ.
إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ.
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا فَبَانَ غَنِيًّا،، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ فَيُجْزِئُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ، وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَارَّتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ
[المبدع في شرح المقنع]
[مَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْكَفَّارَةِ إِلَيْهِمْ]
(وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مَكَاتَبٍ) لِأَنَّهُ عَبْدٌ.
وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ جَوَازَ دَفْعِهَا إِلَيْهِ اخْتَارَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إِعْتَاقِهِ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ، أَشْبَهَ الْمُسْلِمِينَ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمِسْكِينِ ; لِأَنَّ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَاجَتِهِمْ، وَالْكَفَّارَةُ إِنَّمَا هِيَ لِلْمَسَاكِينِ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْمِسْكِينَ يُدْفَعُ إِلَيْهِ لِيُتِمَّ كِفَايَتَهُ، وَالْمُكَاتَبُ إِنَّمَا يَأْخُذُ لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ وَكِفَايَتِهِ فِي كَسْبِهِ.
(وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ إِلَيْهِمْ فَكَذَا الْكَفَّارَةُ.
وَفِي دَفْعَهَا إِلَى الزَّوْجِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا) أَيْ: ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ (فَبَانَ غَنِيًّا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَفِي " الشَّرْحِ " وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا بَانَ كَافِرًا، أَوْ عَبْدًا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَلَمْ يُطْعِمْ إِلَّا مِسْكِينًا وَاحِدًا، (إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ فَيُجْزِئُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْوِجْدَانُ لِغَيْرِهِ مَعْذُورٌ.
(وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ) مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ لِمَنِ احْتَجَّ لِعَدَمٍ بِزَكَاةٍ وَوَصِيَّةٍ لِلْفُقَرَاءِ وَخُمْسِ الْخُمْسِ بِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا.
وَصَحَّحَهَا فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ". وَقَالَ: اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاحْتَجَّ ابْنُ شِهَابٍ بِأَنَّهُ مَالٌ أُضِيفَ إِلَى عَدَدٍ مَحْصُورٍ، فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، أَوْ أُوصِيَ لَهُمْ.
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ) ، اخْتَارَهَا ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ ; لِأَنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ لَمْ يَسْتَوْفِ قُوتَ يَوْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ فَجَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
(وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ أَجْزَأَهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ دَفَعَ
لَا يُجْزِئُهُ.
وَالْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ، وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْزَأَ مِنْهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] ، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَدْرَ الْوَاجِبَ إِلَى الْعَدَدِ الْوَاجِبِ فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ دَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي يَوْمَيْنِ.
(وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ) ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى قُوتَ يَوْمٍ مِنْ كَفَّارَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ ثَانِيًا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَلَى هَذَا يُجْزِئُهُ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَيَرْجِعُ فِي الْأُخْرَى إِنْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَإِلَّا فَلَا، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ كَالزَّكَاةِ.
وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْأَيَّامِ.
وَإِنْ دَفَعَ إِلَى السِتِّينَ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فَرِوَايَتَانِ
[الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ]
(وَالْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ) وَهُوَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَنَحْوُهَا.
وَإِخْرَاجُ الْحَبِّ أَفْضَلُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَهِيَ حَالَةُ كَمَالِهِ ; لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ وَيُهَيَّأُ لِمَنَافِعِهِ كُلِّهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: التَّمْرُ، وَالدَّقِيقُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا سِوَاهُمَا.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " التَّمْرُ أَعْجَبُ إِلَى أَحْمَدَ، فَإِنْ أَخْرَجَ دَقِيقًا جَازَ ; لِأَنَّهُ أَجْزَاءُ الْحَبِّ.
وَقَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَتَهُ، وَهَيَّأَهُ لَهُمْ، بِخِلَافِ الْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تَفْسَدُ عَنْ قُرْبٍ، وَفِي السَّوِيقِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، (وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ) . الْمَنْصُوصُ الْإِجْزَاءُ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَالْمُطْعِمُ لِلْخُبْزِ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، وَلِأَنَّهُ مُهَيَّأٌ لِلْأَكْلِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، وَالِادِّخَارِ، أَشْبَهَ الْهَرِيسَةَ.
قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: الْأَوْلَى الْجَوَازُ، وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ أَحْسَنُ، وَهَذَا مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ وَلَيْسَ الِادِّخَارُ مَقْصُودًا فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمَا يُقَوِّتُ الْمِسْكِينَ فِي يَوْمِهِ، وَهَذَا مُهَيَّأٌ لِلْأَكْلِ الْمُعْتَادِ لِلِاقْتِيَاتِ بِهِ، وَأَمَّا الْهَرِيسَةُ، فَإِنَّهَا خَرَجَتْ عَنِ الِاقْتِيَاتِ الْمُعْتَادِ إِلَى خُبْزِ الْإِدَامِ.
(وَإِنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيْرَ ذَلِكَ) كَالذُّرَةِ، وَالْأَرُزِّ (أَجْزَأَهُ مِنْهُ) فِي قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفِ وَغَيْرِهِمَا، (لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] ، وَهَذَا مِمَّا يُطْعِمُهُ أَهْلُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ بِظَاهِرِ النَّصِّ، فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ قُوتِ بَلَدِهِ أَجْوَدَ مِنْهُ فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا.
وَاعْتَبَرَ فِي " الْوَاضِحِ " غَالِبَ قُوتِ بَلَدِهِ.
الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلَّ مِنْ مُدَّيْنِ وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَسَطَهُ قَدْرًا ونوعا مُطْلَقًا بِلَا تَقْدِيرٍ، (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ) سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ بَلَدِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ بِإِخْرَاجِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فِي الْفِطْرَةِ، فَلَمْ يَجُزْ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قُوتَ بَلَدِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ (وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ) أَوْ دَقِيقِهِ (أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ) . وَقَالَ زَيْدٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثَنَا أَيُّوبٌ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بِنِصْفِ وِسْقِ شَعِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُظَاهِرِ: أَطْعِمْ هَذَا، فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانُ مُدِّ بُرٍّ» ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا «رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ مِكْتَلًا فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَذَلِكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهُوَ لِلتِّرْمِذِيِّ بِمَعْنَاهُ.
(وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلَّ مِنْ مُدَّيْنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ» وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَعْنِي بِالْعَرَقِ زِنْبِيلًا يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَإِذَنِ الْعِرْقَانِ ثَلَاثُونَ صَاعًا فَيَكُونُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: الْعِرْقُ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ.
وَعَنْهُ: مُدَّانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: عَطَاءٌ لَمْ يُدْرِكْ أَوْسًا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الْمَجَامِعِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: خُذْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ» وَلِأَنَّهُ إِطْعَامٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْمُخْرَجِ كَالْفِطْرَةِ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ أَمَرَهُ بِأَكْلِهِ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ صَاعًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ.
(وَلَا مِنَ الْخُبْزِ) إِذَا قُلْنَا بِإِجْزَائِهِ (أَقَلَّ مِنْ رِطْلَيْنِ بِالْعِرَاقِيِّ) أَيْ: مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُدٌّ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ مُدًّا ; لِأَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ الدِّمَشْقِيِّ، وَهُوَ بِهِ خَمْسُ أَوَاقٍ وَسَبْعُ أُوقِيَّةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنَ
مِنَ الْخُبْزِ أَقَلَّ مِنْ رِطْلَيْنِ بِالْعِرَاقِيِّ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُدٌّ.
وَإِنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ، أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ، أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ.
فَصْلٌ وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ وَالصِّيَامُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ
[المبدع في شرح المقنع]
الشَّعِيرِ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا ضِعْفٌ (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُدٌّ) مِنَ الْحِنْطَةِ فَيُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ.
وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأُدُمُ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأُدْمِهِ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّمْلِيكُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ كَزَوْجَةٍ، وَأَنَّ الْأُدْمَ يَجِبُ إِذَا كَانَ يُطْعِمُهُ أَهْلُهُ (وَإِنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ) لَمْ يُجْزِئْهُ.
نَقَلَهَا الْمَيْمُوِيُّ، وَالْأَثْرَمُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْإِطْعَامُ، وَإِعْطَاءُ الْقِيمَةِ لَيْسَ بِإِطْعَامٍ، فَهُوَ بَاقٍ فِي عُهْدَةِ الْوَاجِبِ.
(أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ، أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُ) مُطْلَقًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الصَّحَابَةِ إِعْطَاؤُهُمْ، وَلِحَدِيثِ كَعْبٍ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى، وَلِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا أَشْبَهَ الزَّكَاةَ.
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ) أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَالْإِجْزَاءُ مَشْرُوطٌ، فَإِذَا أَطْعَمَهُمُ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ لَهُمْ، وَلَمْ يَقُلِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِالْوَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَشْبِعْهُمْ، قَالَ: مَا أُطْعِمُهُمْ؛ قَالَ: خُبْزًا وَلَحْمًا إِنْ قَدَرْتَ، أَوْ مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِكُمْ.
وَأَطْعَمَ أَنَسٌ فِي فِدْيَةِ الصِّيَامِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَطْعَمَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ قَدَّمَ إِلَيْهِمْ مُدًّا، وَقَالَ: هَذَا بَيْنَكُمْ فَقَبِلُوهُ، فَإِنْ قَالَ بِالسَّوِيَّةِ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ حَقِّهِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا.
[فَصْلُ وُجُودِ النِّيَّةِ شَرْطٌ لِإِجْزَاءِ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَالْإِعْتَاقِ]
فَصْلٌ (وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ إِلَّا بِنِيَّةٍ) لَا نِيَّةِ التَّقَرُّبِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى سَبِيلِ الطُّهْرَةِ
وَاحِدَةٌ فَنَوَى عَنْ كَفَارَتِي أَجْزَأَهُ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَارَّاتٌ مِنْ جِنْسٍ فَنَوَى إِحْدَاها أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَعِنْدَ الْقَاضِي لَا
[المبدع في شرح المقنع]
فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالزَّكَاةِ، (وَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ، وَالصِّيَامُ) لِحَدِيثِ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِقَوْلِهِ «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ مُتَبَرِّعًا بِهِ.
وَعَنْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى، أَوْ نَذْرٍ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إِلَى هَذِهِ الْكَفَّارَةِ إِلَّا بِنِيَّةٍ.
وَصَفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ الْعِتْقَ، أَوِ الصِّيَامَ، أَوِ الْإِطْعَامَ عَنِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ زَادَ " الْوَاجِبَةَ " فَتَأْكِيدٌ، وَإِنْ نَوَى وُجُوبَهَا وَلَمْ يَنْوِ الْكَفَّارَةَ، لَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ يَتَنَوَّعُ فَوَجَبَ تَمْيِيزُهُ.
وَمَوْضِعُهَا مَعَ التَّكْفِيرِ أَوْ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ صِيَامًا اشْتَرَطَ نِيَّةَ الصِّيَامِ عَنِ الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِلْخَبَرِ.
(فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ) لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْيِينُ سَبَبِهَا سَوَاءٌ عَلِمَهَا أَوْ جَهِلَهَا، فَإِنْ عَيَّنَهُ فَغَلِطَ أَجْزَأَهُ عَمَّا يَتَدَاخَلُ، وَهِيَ الْكَفَّارَاتُ عَنْ جِنْسٍ، (فَنَوَى عَنْ كَفَارَتِي أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ لَهُ، وَلِأَنَّهُ نَوَى عَنْ كَفَّارَتِهِ، وَلَا مُزَاحِمَ لَهَا فَوَجَبَ تَعْلِيقُ النِّيَّةِ بِهَا.
(وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ) كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ (فَنَوَى إِحْدَاهَا أَجْزَأَهُ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِذَا عَتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ إِحْدَاهُنَّ وَحَلَّتْ لَهُ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَأَجْزَأَتْهُ نِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَتَخْرُجُ الْمُحَلِّلَةُ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ.
وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ فَتَحِلُّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ الظِّهَارُ مِنْ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ فَأَعْتَقَ، ثُمَّ صَامَ، ثُمَّ أَطْعَمَ حَلَّ الْجَمِيعُ مِنْ غَيْرِ قَرْعَةٍ ; لِأَنَّ التَّكْفِيرَ حَصَلَ عَنِ الثَّلَاثِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ عَنِ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
(وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ) كَظِهَارٍ، وَقَتْلٍ، وَيَمِينٍ، فَأَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ إِحْدَاهَا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ (فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) . وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى صِحَّةِ أَدَائِهَا إِلَى تَعْيِينِ سَبَبِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا مِنْ جِنْسٍ، وَلِأَنَّ آحَادَهَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ الصَّلَوَاتِ.
(وَعِنْدَ
يُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ فَنَسِيَ سَبَبَهَا أَجْزَأَتْهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَاضِي لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا) . قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَحَكَي عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ قَضَاءٍ وَنَذْرٍ، وَكَتَيَمُّمِهِ لِأَجْنَاسٍ، وَكَذَبْحِهِ فِي دَمِ نُسُكٍ وَدَمٍ مَحْظُورٍ، وَكَعِتْقِ نَذْرٍ وَعِتْقِ كَفَّارَةٍ فِي الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ". (فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَنَسِيَ سَبَبَهَا أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ تَعْيِينَ السَّبَبِ لَيْسَ شَرْطًا، فَإِذَا أَخْرَجَ كَفَّارَةً وَقَعَتْ عَنْ كَفَّارَتِهِ، فَتَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ.
(وَعَلَى الثَّانِي) لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ السَّبَبِ (يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ) كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةَ خَمْسٍ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ يَوْمًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ قَضَاءٌ، أَوْ نَذْرٌ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَدْرِي أَهِيَ مِنْ كَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ قَضَاءٍ؛ لَزِمَهُ صَوْمُ تِسْعَةِ أَيَّامٍ، كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ.
وَاخْتَارَ فِي " الِانْتِصَارِ " إِنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ فَنَوْعٌ، وَإِلَّا فَجِنْسٌ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ كَفَرَ مُرْتَدٌّ بِغَيْرِ الصَّوْمِ فَنَصُّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ.
1 -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ فَأَعْتَقَ عَنْهُمَا عَبْدَيْنِ فَلَهُ أَقْسَامٌ:
1 - ـ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا عَنِ الْأُخْرَى، فَيُجْزِئُهُ إِجْمَاعًا.
2 - ـ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ إِحْدَاهُمَا، وَهَذَا عَنِ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، فَإِنْ كَانَا مَنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ السَّبَبِ.
3 - ـ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْهُمَا عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ أَجَزَآهُ إِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ.
4 - ـ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَيَكُونُ مُعْتِقًا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَتَيْنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ.
وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ثَالِثًا: إِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا جَازَ ; لِأَنَّهُ حَصَلَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ وَالتَّصَرُّفِ.
1 -
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى سَبَبِهَا كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمِلْكِ.
وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ السَّبَبِ، وَقَبْلَ الشَّرْطِ جَازَ، فَلَوْ كَفَّرَ عَنِ الظِّهَارِ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْعَوْدِ جَازَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ شَرْطِهِ كَالزَّكَاةِ.
فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ ظَاهَرْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، عَتَقَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
كِتَابُ اللِّعَانِ وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا فَلَه
ُ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ.
وَصِفَتُهُ أَنْ يَبْدَأَ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ اللِّعَانِ]
[إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ]
ِ هُوَ مَصْدَرُ لَاعَنَ لِعَانًا إِذَا فَعَلَ مَا ذَكَرَ، أَوْ لَعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّعْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْعَنُ نَفْسَهُ فِي الْخَامِسَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فَتَحْصُلُ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ، وَهِيَ الطَّرْدُ، وَالْإِبْعَادُ، يُقَالُ: لَعَنَهُ اللَّهُ، أَيْ: بَاعَدَهُ، وَالْتَعْنَ الرَّجُلُ: إِذَا لَعَنَ نَفْسَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
وَاللِّعَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، يُقَالُ: لَاعَنَ امْرَأَتَهُ لِعَانًا وَمُلَاعِنَةً وَتَلَاعُنًا بِمَعْنًى.
وَلَاعَنَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَرَجُلٌ لُعَنَةٌ بِوَزْنِ هُمَزَةٍ إِذَا كَانَ يَلْعَنُ النَّاسَ كَثِيرًا، أَوْ لُعْنَةٌ بِسُكُونِ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ يَلْعَنُهُ النَّاسُ.
وَشَرْعًا: شَهَادَاتٌ مُؤَكِّدَاتٌ بِأَيْمَانٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ، وَالْغَضَبِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ قَذْفٍ فِي جَانِبِهِ، وَحَدِّ زِنًا فِي جَانِبِهَا.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الْآيَاتُ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مُنْصَرَفَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ تَبُوكَ فِي عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ، أَوْ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا، وَلَمْ يَقَعْ بَعْدَهَا بِالْمَدِينَةِ إِلَّا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يُبْتَلَى بِقَذْفِ امْرَأَتِهِ لِنَفْيِ الْعَارِ، وَالنَّسَبِ الْفَاسِدِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فَجُعِلَ اللِّعَانُ بَيِّنَةً لَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَبْشِرْ يَا هِلَالُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» .
الزَّوْجُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لِمَنِ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَا، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ) الْعَاقِلُ (امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا) وَلَوْ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ فِي قُبُلٍ، أَوْ دُبُرٍ فَكَذَّبَتْهُ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ بِقَذْفِ أَجْنَبِيَّةٍ مِنْ إِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ وَرَدِّ شَهَادَتِهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يُلَاعِنَ، وَلِهَذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَهُ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 23] الْآيَةَ.
وَهُوَ عَامٌّ فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّوْجَ بِأَنْ أَقَامَ لِعَانَهُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ فِي نَفْيِ الْحَدِّ، وَالْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِهِلَالٍ: «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» . وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَكَالْأَجْنَبِيِّ وَلَهُ إِسْقَاطُهُ بِلِعَانِهِ، وَلَوْ بَقِيَ سَوْطٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ زَنَتْ قَبْلَ الْحَدِّ، وَيَسْقُطُ بِلِعَانِهِ وَحْدَهُ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " التَّرْغِيبِ "
[صِفَةُ اللِّعَانِ]
(وَصِفَتُهُ أَنْ يَبْدَأَ الزَّوْجُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لِمَنِ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَا، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا) . وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْحُضُورِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى تَسْمِيَةٍ وَنَسَبٍ كَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا) حَتَّى تَنْتَفِيَ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا.
قُلْتُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُومَ وَصْفُهَا بِمَا هِيَ مَشْهُورَةٌ بِهِ مَقَامَ الرَّفْعِ فِي نَسَبِهَا (حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) . وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُذْكَرَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ". (ثُمَّ تَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) ، وَتُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَسْمَتْهُ وَنَسَبَتْهُ (ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا) لِلْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ هِيَ فِي الْخَامِسَةِ بِالْغَضَبِ ; لِأَنَّ النِّسَاءَ يُكْثِرْنَ اللَّعْنَ كَمَا وَرَدَ.
[شُرُوطُ أَلْفَاظِ اللِّعَانِ]
(فَإِنَّ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ شُرُوطِهِ وَهِيَ سِتَّةٌ:
الزِّنَا، ثُمَّ تَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا.
فَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَيْئًا، أَوْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ، أَوْ تَلَاعَنَا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ بِالسُّخْطِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
أَحَدُهَا: اسْتِعْمَالُهُ الْأَلْفَاظَ الْخَمْسَةَ، فَإِنْ (نَقَصَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَيْئًا) وَلَوْ قَلَّ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ، فَلَمْ يَجُزِ النَّقْصُ مَنْ عَدَدِهَا كَالشَّهَادَةِ، (أَوْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ) لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ، وَكَذَا إِنْ قَدَّمَ الرَّجُلُ اللَّعْنَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ قَدَّمَتْ هِيَ الْغَضَبَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ بَيِّنَةٌ لِإِثْبَاتٍ، وَلِعَانُهَا بَيِّنَةٌ لِإِنْكَارٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْإِثْبَاتِ (أَوْ تَلَاعَنَا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) ، لِأَنَّهُ يَمِينٌ فِي دَعْوَى فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَمْرُ الْحَاكِمِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
الرَّابِعُ: أَنْ يَأْتِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاللِّعَانِ بَعْدَ إِلْقَائِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَادَرَ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّفَهُ الْحَاكِمُ.
الْخَامِسُ: الْإِشَارَةُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ يُسَمِّيَهُ وَيَنْسُبَهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا.
وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمَا مَعًا بَلْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا عَنْ صَاحِبِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَرْأَةُ عَلَى بَابِهِ لِعُذْرٍ جَازَ.
(وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ بِالسُّخْطِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِصِحَّةِ اللِّعَانِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَلْفَاظِ عَلَى صُورَةِ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَ لَفْظِ النَّصِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فِي الْحُقُوقِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَالْآخَرُ يُعْتَدُّ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْدَلَ: إِنِّي لِمَنِ الصَّادِقِينَ بِقَوْلِهِ لَقَدْ زَنَتْ.
قَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقُولُ الرَّجُلُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ زَنَتْ، وَلَيْسَ هَذَا لَفْظَ النَّصِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ ذِكْرَ اللَّفْظِ، وَلَكِنْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلَّا بِهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا فِي أحد الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ بِلِسَانِهِ.
وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنْ أُبْدِلَتْ لَفْظَةُ الْغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْغَضَبَ أَبْلَغُ، وَلِهَذَا اخْتَصَّتِ الْمَرْأَةُ بِهِ ; لِأَنَّ إِثْمَهَا أَعْظَمُ، وَالْمَعَرَّةُ بِزِنَاهَا أَقْبَحُ.
وَإِنْ أَبْدَلَهَا بِالسُّخْطِ خَرَجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا أَبْدَلَ لَفَظَّةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْغَضَبِ فَاحْتِمَالَانِ: الْجَوَازُ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغَ وَعَدَمُهُ لِمُخَالَفَةِ الْمَنْصُوصِ.
وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ ": تُشْتَرَطُ مُوَالَاةُ الْكَلِمَاتِ وَأَوْمَأَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ الْخَامِسَةَ لَا تُشْتَرَطُ فَيُنَفِّذُ حُكْمَهُ، لَا عَلَى الْأَوْلَى.
قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".
[قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ]
(وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلَّا بِهَا) ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا كَأَذْكَارِ الصَّلَاةِ، (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا فِي الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا كَالْفَاتِحَةِ، (وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ بِلِسَانِهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " الْوَجِيزِ "، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ كَالنِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يُحْسِنُ لِسَانَهُمَا أَجْزَأَ ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ يُحْسِنُونَ لِسَانَهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يُحْسِنُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تُرْجُمَانٍ، وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ عَدْلَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ كِتَابَتُهُ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا) ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَطَلَاقِهِ.
وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ.
كِتَابَتُهُ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا وَإِلَّا فَلَا.
وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَأَيِسَ مَنْ نُطْقِهِ بِالْإِشَارَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَرْسَاءَ لَمْ تُلَاعِنْ ; لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ مُطَالَبَتُهَا، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَفْتَقِرُ إِلَى الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَالْإِشَارَةِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً كَالنُّطْقِ، وَلَا يَخْلُو مِنِ احْتِمَالٍ وَتَرَدُّدٍ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ يُمْكِنُ حُصُولُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِيهَا.
وَاللِّعَانُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْهُ فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى قَبُولِهِ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ.
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَوْلُنَا أَحْسَنُ إِذِ الشَّهَادَةُ قَدْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنْهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِرُؤْيَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَوْ سَمَاعِهِ إِيَّاهُ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَمَقْصُودُ اللِّعَانِ نَفْيُ السَّبَبِ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالْإِمْكَانِ مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ لَمْ يَصِحَّ.
1 -
فَرْعٌ: إِذَا قَذَفَ الْأَخْرَسُ وَلَاعَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَأَنْكَرَهُمَا لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ لِلْقَذْفِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَيُقْبَلُ إِنْكَارُهُ لِلِّعَانِ فِيمَا عَلَيْهِ فَيُطَالِبُ بِالْحَدِّ وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ، وَلَا تَعُودُ الزَّوْجَةُ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ لِسُقُوطِ
[لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ]
الْحَدِّ وَنَفْيِ النَّسَبِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا، ثُمَّ أَنْكَرَ فَكَاللِّعَانِ.
(وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَأَيِسَ مَنْ نُطْقِهُ بِالْإِشَارَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". أَحَدُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " يَصِحُّ كَالْأَخْرَسِ الْأَصْلِيِّ، وَالثَّانِي لَا ; لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ لِعَارِضٍ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمَأْيُوسِ، فَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ قَذْفًا وَلِعَانًا قُبِلَ فِي لِعَانٍ فِي حَدٍّ وَنَسَبٍ فَقَطْ، وَيُلَاعِنُ لَهُمَا، فَإِنْ رُجِيَ نُطْقُهُ انْتُظِرَ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفَائِدَتُهُ صِحَّةُ قَذْفِ الْأَخْرَسِ وَلِعَانُهُ ; لِأَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِاللِّعَانِ وَنَحْبِسُهُ إِذَا نَكَلَ حَتَّى يُلَاعِنَ.
ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ". وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتضِي أَنَّهُ يُحَدُّ.
فَصْلٌ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ فِي الْأَوْقَاتِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ.
وَإِذَا
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلُ السُّنَّةِ تُلَاعِنُ الزَّوْجَيْنِ قِيَامًا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ]
فَصْلٌ (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الرَّدْعِ فَيَبْدَأُ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنُ، وَهُوَ قَائِمٌ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَالْتَعَنَتْ (بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ) ، لِحُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَعَ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، لِأَنَّ الصِّبْيَانَ إِنَّمَا يَحْضُرُونَ تَبَعًا لِلرِّجَالِ إِذِ اللِّعَانُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ.
وَفِعْلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يَنْقُصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ ; لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَا الَّتِي شُرِعَ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِ الرَّمْيِ بِهِ أَرْبَعَةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(فِي الْأَوْقَاتِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ) هَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُحَرِّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "، فَفِي الزَّمَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] . وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَبَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يُرَدُّ.
وَفِي الْمَكَانِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْمَقَامُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَطِيمِ.
وَلَوْ قِيلَ: بِالْحِجْرِ لَكَانَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ.
وَبِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِمَّا يَلِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» . وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي جَوَامِعِهَا، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَقِيَا عَلَى الْمَنَابِرِ أَوْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ كَثْرَةٌ، فِيهِ احْتِمَالٌ، أَوْ وَجْهٌ، قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ ". وَحَائِضٌ وَنَحْوُهَا بِبَابِ الْمَسْجِدِ لِتَحْرِيمِ مُكْثِهَا فِيهِ، فَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ تَأْخِيرَهُ إِلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ وَغَسْلِهَا لَمْ يَبْعُدْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ مُطْلَقًا قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي
بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَامِسَةَ أَمَرَ الْحَاكِمَ رَجُلًا فَأَمْسَكَ يَدَهُ عَلَى فِي الرَّجُلِ وَامْرَأَةً تَضَعُ يَدَهَا عَلَى فِي الْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَعِظُهُ، فَيَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ،
[المبدع في شرح المقنع]
" الْكَافِي " ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ الرَّجُلَ بِإِحْضَارِ امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِزَمَنٍ، وَلَوْ خَصَّهُ لَنُقِلَ.
وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي " الْفُرُوعِ " وَخَصَّهُمَا فِي " التَّرْغِيبِ " بِالذِّمَّةِ.
وَظَاهِرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَحْضُرُهُمْ فِي أَوْقَاتِهِمُ الْمُعَظَّمَةِ وَبُيُوتِ عِبَادَتِهِمْ كَالْكَنَائِسِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَبُيُوتِ النَّارِ لِلْمَجُوسِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُغْلِظَ بِالْمَكَانِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُسْلِمَةُ حَائِضًا، وَقَفَتْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ.
(وَإِذَا بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَامِسَةَ أَمَرَ الْحَاكِمُ رَجُلًا فَأَمْسَكَ يَدَهُ عَلَى فِي الرَّجُلِ وَامْرَأَةً تَضَعُ يَدَهَا عَلَى فِي الْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَعِظُهُ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأَمْسَكَ عَلَى فِيهِ، فَوَعَظَهُ، وَقَالَ: وَيْحَكَ كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ، فَقَالَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ دَعَا بِهَا فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأَمْسَكَتْ عَلَى فِيهَا فَوَعَظَهَا، وَقَالَ: وَيْلُكِ، كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ» . أَخْرَجَهُ الْجَوْزَجَانِيُّ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَاعِظَ هُوَ الْحَاكِمُ.
وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا (فَيَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ) لِلَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ.
(وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ) لِمَا «رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةَ قِيلَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ، وَفِيهِ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ» ; لِأَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا مُنْقَطِعٌ وَعَذَابُ الْآخِرَةِ دَائِمٌ ; لِيَتُوبَ الْكَاذِبُ مِنْهُمَا وَيَرْتَدِعَ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ.
(وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ) أَوْ نَائِبِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ اللِّعَانِ، فَإِنْ تَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ فَحَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا فَلَاعَنَ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ كَالْحَدِّ.
وَحَكَى الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يَنْفُذُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ حُرَّيْنِ، أَوْ مَمْلُوكَيْنِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يُلَاعِنُ بَيْنَ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ
وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً بَعَثَ مَنْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ نِسَاءَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لِمَنِ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكُنَّ بِهِ مِنَ الزِّنَا.
وَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْحَدِّ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ، ثُمَّ لَا يُشْبِهُ اللِّعَانُ الْحَدَّ ; لِأَنَّهُ زَجْرٌ وَتَأْدِيبٌ، وَاللِّعَانُ: إِمَّا شَهَادَةٌ، أَوْ يَمِينٌ فَافْتَرَقَا.
(فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، يَعْنِي: شَدِيدَةَ الْحَيَاءِ، وَهِيَ ضِدُّ الْبَرْزَةِ (بَعَثَ مَنْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي: نَائِبَهُ وَعُدُولًا، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى نَائِبِهِ جَازَ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ وَاجِبٍ كَمَا يَبْعَثُ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُمَا فِي الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِبَعْثِ مَنْ يَثِقُ الْحَاكِمُ بِهِ، فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى إِحْضَارِهَا وَتَرْكِ عَادَتِهَا مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ بِدُونِهِ.
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ مَعَ غَيْبَتِهَا وَتُلَاعِنَ مَعَ غَيْبَتِهِ.
(وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ نِسَاءَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ قَذَفَهُنَّ بِكَلِمَةٍ، أَوْ بكَلِمَاتٍ ; لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، أَشْبَهُ مَا لَوْ لَمْ يَقْذِفْ غَيْرَهَا وَيَبْدَأُ بِلِعَانِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالْمُطَالَبَةِ، فَإِنْ طَالَبْنَ جَمِيعًا، أَوْ تَشَاحَحْنَ، فَالْقُرْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَاحَحْنَ بَدَأَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، وَلَوْ بَدَأَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ مَعَ الْمُشَاحَّةِ جَازَ.
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّ اللِّعَانَ تَابِعٌ لِلْقَذْفِ، وَالْقَذْفُ وَإِنْ تَعَدَّدَ فَكَلِمَتُهُ وَاحِدَةٌ، فَعَلَى هَذَا (يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكُنَّ بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا) ، لِأَنَّ حَلْفَهُنَّ جُمْلَةً لَا يُمْكِنُ.
(وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ بِلِعَانٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ قَذَفَ وَاحِدَةً.
(وَإِنْ قَذْفَهُنَّ
لِعَانٌ وَاحِدٌ.
وَإِنْ قَذَفَهُنَّ بِكَلِمَاتٍ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ.
فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهُا: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ إِلَّا بَيْنَ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ، فَإِنِ
[المبدع في شرح المقنع]
بِكَلِمَاتٍ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ) كَمَا لَوْ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بَعْدَ لِعَانِ الْأُخْرَى.
وَعَنْهُ: إِنْ طَالَبُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ مُطَالَبَةً وَاحِدَةً فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِلَّا فَحُدُودٌ حَكَاهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ".
[فَصْلُ شُرُوطِ صِحَّةِ اللِّعَانِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ بَيْنَ زَوْجَيْنِ عَاقِلَيْنِ]
فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُها: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] ثُمَّ خَصَّ الْأَزْوَاجَ مِنْ عُمُومِهَا بُقُولِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.
(عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ) لِأَنَّهُ إِمَّا يَمِينٌ، أَوْ شَهَادَةٌ، وَكُلَاهُمَا لَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا غَيْرِ بَالِغٍ ; إِذْ لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِمَا (سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، أَيْ: يَصِحُّ بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا إِذَا كَانَا مُكَلَّفَيْنِ.
نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الْآيَةَ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» وَلِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ الْوَلَدِ فَشُرِعَ لَهُ اللِّعَانُ طَرِيقًا إِلَى نَفْيِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مِمَّنْ يُحَدُّ بِقَذْفِهَا.
(وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ إِلَّا بَيْنَ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] فَجَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] وَعَنْهُ: لَا لِعَانَ بِقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ، وَهِيَ الْأَمَةُ، وَالذِّمِّيَّةُ، وَالْمَحْدُودَةُ فِي الزِّنَا لِزَوْجِهَا، لِعَانُهَا لِنَفْيِ الْوَلَدِ خَاصَّةً وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا لِإِسْقَاطِ حَدِّ الْقَذْفِ وَالتَّعْزِيرِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَعَنْهُ:
اخْتَلَّ شَرْطٌ منها فِي أَحَدِهِمَا، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا.
وَإِن قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً.
أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ حُدَّ، وَلَمْ يُلَاعِنْ.
وَإِنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُحْصَنَةُ وَزَوْجُهَا الْمُكَلَّفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ شَهَادَةً فَلِقَوْلِهِ فِي يَمِينِهِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ كُلُّ زَوْجَةٍ عَاقِلَةٍ بَالِغَةٍ.
وَعَنْهُ: مُسْلِمَةٌ حُرَّةٌ عَفِيفَةٌ.
(فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ يَفُوتُ بِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَالْأَوْلَى هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَمَا يُخَالِفُهَا شَاذٌّ فِي النَّقْلِ.
(وَإِذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً) ثُمَّ تَزَوَّجَهَا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعَنْ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي حَالِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا، فَلَوْ قَذَفَهَا وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً وَإِلَّا عُزِّرَ.
(أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ حُدَّ، وَلَمْ يُلَاعِنْ) وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ، أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِزِنًا مُضَافًا إِلَى حَالِ الْبَيْنُونَةِ.
أَشْبَهُ مَا لَوْ قَذَفَهَا، وَهِيَ بَائِنٌ.
وَفَارَقَ قَذْفَ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لَهُ لِعَانُهَا لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَعَنْهُ: لِنَفْيِ الْوَلَدِ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي ". وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى نَفْيِهِ وَهُنَا إِذَا تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ زِنَاهَا، فَهُوَ الْمُفَرِّطُ فِي نِكَاحِ حَامِلٍ مِنَ الزِّنَا.
فَرْعٌ: إِذَا مَلَكَ أَمَةً، وَقَذَفَهَا، فَلَا لِعَانَ وَيُعَزَّرُ فَقَطْ.
(وَإِنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي النِّكَاحِ) أَيْ: إِذَا أَبَانَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا أَضَافَهُ إِلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، أَوِ الْعُدَّةِ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ ; لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ.
وَيُفَارِقُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الْقَذْفِ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، وَسَائِرُ الْأَجْنَبِيَّاتِ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدُهُنَّ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَذْفِهِنَّ.
وَحَكَي فِي " الِانْتِصَارِ " عَنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ أَبَانَهَا، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي الزَّوْجِيَّةِ أَنَّهُ يُلَاعِنُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَتَى لَاعَنَهَا لِنَفْيِ وَلَدِهَا انْتَفَى وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَفِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ وَجْهَانِ.
(أَوْ قَذَفَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ وَإِلَّا حُدَّ، وَلَمْ يُلَاعِنْ) ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَلَوْ لَاعَنَهَا مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ، وَلَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ ; لِأَنَّهُ لِعَانٌ فَاسِدٌ، وَسَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ أَمْ لَا.
1 -
النِّكَاحِ، أَوْ قَذَفَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ وَإِلَّا حُدَّ، وَلَمْ يُلَاعِنْ.
وَإِنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ قَذْفِهَا فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ ثَلَاثًا لَاعَنَ.
نَصَّ عَلَيْهِ لِإِبَانَتِهَا بَعْدَ قَذْفِهَا وَكَقَذْفِ الرَّجْعِيَّةِ قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: يُحَدُّ، وَلَا يَلْزَمُهَا إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: بِئْسَ مَا يَقُولُونَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ لَمْ يُلَاعِنْ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ; لِأَنَّهُ يُعَيَّنُ إِضَافَةُ قَذْفِهَا إِلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ لِاسْتِحَالَةِ الزِّنَا مِنْهَا بَعْدَ طَلَاقِهِ لَهَا.
1 -
فَائِدَةٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ قَذَفَهَا.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُلَاعِنُ وَيُجْلَدُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُلَاعِنُ مَا كَانَتْ فِي الْعُدَّةِ، قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَجْوَدُ ; لِأَنَّهَا زَوْجُهُ.
(وَإِنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ قَذْفِهَا فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ) . نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكَثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ الْآيَةِ، فَإِذَا لَمْ يُلَاعِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِزَوْجَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُلَاعِنَ كَمَا لَوْ بَقِيَا عَلَى النِّكَاحِ إِلَى حَالَةِ اللِّعَانِ، فَلَوْ قَالَتْ: قَذَفَنِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَقَالَ: بَلْ بَعْدَهُ، أَوْ قَالَتْ: قَذَفَنِي بَعْدَمَا بِنْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: بَلْ قَبْلَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْقَذْفِ فَكَذَا فِي وَقْتِهِ.
1 -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ لَاحِقًا بِهِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ فَيَنْتَفِيَ عَنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَ كَانَ مُلْحَقًا بِالنِّكَاحِ إِنْ أَمْكَنَ، وَلَهُ نَفْيُهُ بِلِعَانه.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: لَا لِعَانَ فِيهِ، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ، وَيَجِبُ بِالْقَذْفِ مُوجِبُهُ مِنَ الْحَدِّ، أَوِ التَّعْزِيرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاذِفُ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
1 -
قَذَفَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، أَوِ الْمَجْنُونَةَ عُزِّرَ وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا.
فَصْلُ الشَّرْطِ الثَّانِي: أَنْ يَقْذِفَهَا بِالزِّنَا فَيَقُولُ: زَنَيْتِ، أَوْ يَا زَانِيَةُ، أَوْ رَأَيْتُكِ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوِ الْمَجْنُونَةَ عُزِّرَ) ، لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ السَّبِّ، وَهُوَ يُوجِبُهُ فَكَذَا هُنَا.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا بِفِعْلِ الزِّنَا.
(وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْصُلُ بِهِ الْفُرْقَةُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالطَّلَاقِ، أَوْ يَمِينٍ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ.
فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حِينَ قَذَفَهُ فَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، وَلِأَحَدِهِمَا بَيْنَةٌ - عُمِلَ بِهَا، وَإِلَّا قُبِلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ، وَالظَّاهِرَ السَّلَامَةُ وَالصِّحَّةُ.
وَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ، وَحَالَةُ إِفَاقَةٍ قَبْلَ قَوْلِهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَإِنْ قَذَفَهَا، وَهِيَ طِفْلَةٌ، لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا، فَلَا حَدَّ لِتَيَقُّنِنَا كَذِبَهُ لَكِنَّهُ يُعَزَّرُ لِلسَّبِّ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي التَّعْزِيرِ إِلَى مُطَالَبَةٍ.
فَإِنْ كَانَتْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا كَابْنَةِ تِسْعٍ حُدَّ.
وَلَيْسَ لَهَا، وَلَا لِوَلِيِّهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ حَتَّى تَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَطَالَبَتْ حُدَّ وَلَهُ إِسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ، أَوْ نَفْيِ الْوَلَدِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ الْمَجْنُونَةَ بِزِنًا أَضَافَهُ إِلَى حَالِ إِفَاقَتِهَا، أَوْ قَذْفِهَا، وَهِيَ عَاقِلَةٌ، ثُمَّ جُنَّتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ، وَلَا لِوَلِيِّهَا قَبْلَ إِفَاقَتِهَا ; لِأَنَّ هَذَا طَرِيقَةُ التَّشَفِّي، فَإِذَا أَفَاقَتْ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ وَلَهُ اللِّعَانُ، فَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا فِي حَالِ جُنُونِهَا، وَلَا وَلَدَ يَنْفِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُلَاعِنُ وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَقْذِفَهَا بِالزِّنَا]
فَصْلٌ (الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَقْذِفَهَا بِالزِّنَا) لِأَنَّ كُلَّ قَذْفٍ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ
تَزْنِينَ سَوَاءٌ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي الْقُبُلِ، أَوِ الدُّبُرِ.
وَإِنْ قَالَ: وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ مُكْرَهَةً فَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَعْمَى، وَالْبَصِيرُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا رُؤْيَةٌ وَإِمَّا إِنْكَارُ الْحَمْلِ ; لِأَنَّ آيَةَ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَالَ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي.
وَجَوَابُهُ: عُمُومُ الْآيَةِ.
وَالْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ.
(فَيَقُولُ: زَنَيْتِ، أَوْ يَا زَانِيَةُ، أَوْ رَأَيْتُكِ تَزِنِينَ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْقَذْفِ، فَإِنْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: بَلْ أَنْتَ زَانٍ، فَلَهُ اللِّعَانُ وَتُحَدُّ هِيَ لِقَذْفِهِ.
فَإِنْ قَالَ: زَنَى بِكِ زَيْدٌ فِي الدَّارِ فَلَا، (سَوَاءٌ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي الْقُبُلِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (أَوِ الدُّبُرِ) لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي الْفَرْجِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ كَالْقُبُلِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا قَذَفَهَا بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَوَاحِشِ غَيْرِ الزِّنَا فَلَا حَدَّ، وَلَا لِعَانَ كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِضَرْبِ النَّاسِ، أَوْ أَذَاهُمْ.
(وَإِنْ قَالَ: وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ مُكْرَهَةً) أَوْ مَعَ نَوْمٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ جُنُونٍ لَزِمَهُ الْوَلَدُ.
(فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) . اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهَا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
(وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ فَيَنْتَفِي بِلِعَانِهِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَفِي " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، ثُمَّ قَالَ عَنِ الثَّانِيَةِ: وَهِيَ أَصَحُّ عِنْدِي، (وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ قَالَ: لَمْ تَزْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي، فَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ) ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» . (وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَذْفٍ بِظَاهِرِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ زَوْجِ آخَرَ، أَوْ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: مَا وَلَدَتْهُ، وَإِنَّمَا الْتَقَطَتْهُ أَوِ اسْتَعَارَتْهُ فَقَالَتْ: بَلْ هُوَ وَلَدِي مِنْكَ - لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً، وَهِيَ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ تَشْهَدُ بِوِلَادَتِهَا لَهُ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهَا فَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ.
وَهَلْ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ
لِعَانَ بَيْنَهُمَا.
وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ تَزْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي، فَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَبَانَهَا فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ.
وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْءَمَيْنِ فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الْآخَرَ لِحَقَهُ نَسَبُهُمَا وَيُلَاعِنُ لِنَفْيِ الْحَدِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحَدُّ.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ تُكَذِّبَهُ الزَّوْجَةُ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ اللِّعَانِ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَبَانَهَا فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ) لِأَنَّ شَهَادَتَهَا بِالْوِلَادَةِ مَقْبُولَةٌ ; لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْءَمَيْنِ فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الْآخَرَ لَحِقَهُ نَسَبُهُمَا) أَيْ: إِذَا وَلَدَتْ تَوْءَمَيْنِ وَبَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ; لِأَنَّهُ حَمْلٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مِنْهُ وَبَعْضُهُ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ النَّسَبَ يَحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ، لَا لِنَفْيِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ لَمْ يَحْكُمْ بِنَفْيِ مَا أَقَرَّ بِهِ تَبَعًا لِلَّذِي نَفَاهُ؛ قُلْتُ: ثُبُوتُ النَّسَبِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْوَطْءُ، وَلَا يَنْتَفِي لِإِمْكَانِ النَّفْيِ فَافْتَرَقَا.
(وَيُلَاعِنُ لِنَفْيِ الْحَدِّ) لِأَنَّ اللِّعَانَ تَارَةً يُرَادُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ وَتَارَةً لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ، فَإِذَا تَعَذَّرَ نَفْيُ الْوَلَدِ لِمَا سَبَقَ بَقِيَ اللِّعَانُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: يُحَدُّ) وَلَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ بِاللِّعَانِ ; لِأَنَّهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ اعْتَرَفَ بِكَذِبِهِ فِي قَذْفِهِ، فَلَمْ يَسْمَعْ إِنْكَارَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ مَاتَا مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ نَسَبِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَلْزَمُهُ نَسَبُ الْحَيِّ، وَلَا يُلَاعِنُ إِلَّا لِنَفْيِ الْحَدِّ، وَلِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ انْقَطَعَ نَسَبُهُ كَمَوْتِ أُمِّهِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمَيِّتَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَيُقَالُ ابْنُ فُلَانٍ، وَيَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهُ وَتَكْفِينُهُ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ تُكَذِّبَهُ الزَّوْجَةُ]
فَصْلٌ (الثَّالِثُ أَنْ تُكَذِّبَهُ الزَّوْجَةُ وَيَسْتَمِرَّ ذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ اللِّعَانِ) لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِذَا أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ بِالزِّنَا تَعَذَّرَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، (فَإِنْ صَدَّقَتْهُ) مَرَّةً، أَوْ أَكْثَرَ (أَوْ سَكَتَتْ) أَوْ عَفَتْ عَنْهُ، أَوْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِأَرْبَعَةٍ سِوَاهُ، أَوْ قَذَفَ مَجْنُونَةً بِزِنًا قَبْلَهُ، أَوْ مُحْصَنَةً فَجُنَّتْ، أَوْ نَاطِقَةً فَخَرِسَتْ، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَوْ صَمَّاءَ (لَحِقَهُ النَّسَبُ) ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي عَنْهُ اللِّعَانُ، وَلَمْ
سَكَتَتْ لَحِقَهُ النَّسَبُ وَلَا لِعَانَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اللِّعَانِ وِرَثَهُ صَاحِبُهُ وَلَحِقَهُ نَسَبُ الْوَلَدِ وَلَا لِعَانَ.
وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَلَهُ لِعَانُهَا وَنَفْيُهُ.
وَإِنْ لَاعَنَ وَنَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ اللِّعَانِ خُلِّيَ سَبِيلُهَا وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ ذَكَرَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
يُوجَدْ شَرْطُهُ.
(وَلَا لِعَانَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ) وَنَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ كَالْبَيِّنَةِ، وَهِيَ لَا تُقَامُ مَعَ الْإِقْرَارِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ تَصْدِيقُهَا لَهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، فَلَا لِعَانَ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ كَالْبَيِّنَةِ، إِنَّمَا تُقَامُ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ لَمْ تُلَاعِنْ هِيَ ; لِأَنَّهَا لَا تَحْلِفُ مَعَ الْإِقْرَارِ.
وَحُكْمُهَا كَمَا لَوِ امْتَنَعَتْ مِنْ غَيْرِ إِقْرَارٍ، وَإِنْ أَقَرَّتْ أَرْبَعًا وَجَبَ الْحَدُّ، وَلَا لِعَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ يُنْفَى، وَإِنْ رَجَعَتْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ مَقْبُولٌ، وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا، لَا لِلْحَدِّ لِتَصْدِيقِهَا إِيَّاهُ، وَلَا لِنَفْيِ النَّسَبِ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إِنَّمَا يَكُونُ بِلِعَانِهِمَا مَعًا، وَقَدْ تَعَذَّرَ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اللِّعَانِ) أَوْ قَبْلَ تَتِمَّتِهِ فَقَدْ مَاتَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِكَمَالِ اللِّعَانِ.
(وَرِثَهُ صَاحِبُهُ وَلَحِقَهُ نَسَبُ الْوَلَدِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ إِنَّمَا يَقْطَعُهُ اللِّعَانُ كَالطَّلَاقِ.
وَقِيلَ: يَنْتَفِي بِلِعَانِهِ وَحْدَهُ مُطْلَقًا كَدَرْءِ حَدٍّ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا رَتَّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى اللِّعَانِ التَّامِّ.
وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ إِكْمَالِ سَبَبِهِ، فَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ طَلَبِهَا لِلْحَدِّ قَامَ وَارِثُهَا مَقَامَهَا.
(وَلَا لِعَانَ) لِأَنَّ شَرْطَهُ مُطَالَبَةُ الزَّوْجَةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهَا.
(وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَلَهُ لِعَانُهَا وَنَفْيُهُ) ، لِأَنَّ شُرُوطَ اللِّعَانِ تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْوَلَدِ، فَلَا يَنْتَفِي بِمَوْتِهِ ; لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ.
1 -
(وَإِنْ لَاعَنَ وَنَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ اللِّعَانِ خُلِّيَ سَبِيلُهَا وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) وَأَبُو بَكْرٍ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهِيَ أَصَحُّ وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ ": لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ; لِأَنَّ نُكُولَ الزَّوْجَةِ بِمَنْزِلَةِ إِقْرَارُهَا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا حَدَّ ; لِأَنَّ زِنَاهَا لَمْ يَثْبُتْ، فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِلَعَانِ الزَّوْجِ لَمْ يَسْمَعْ لِعَانَهَا كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يَثْبُتُ بِنُكُولِهَا ; لَأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَهِيَ مُتَمَكِّنَةٌ مِنْهُ.
وَقَالَ الْجَوْزَجَانِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تُحَدُّ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ قَوِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] الْآيَةَ.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ عُمَرَ: الرَّجْمُ عَلَى مَنْ زَنَى، وَقَدْ أُحْصِنَ إِذَا كَانَ بَيِّنَةٌ،
الْخِرَقِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تُقِرَّ، أَوْ تُلَاعِنَ.
وَلَا يَعْرِضُ لِلزَّوْجِ حَتَّى تُطَالِبَهُ الزَّوْجَةُ، فَإِنْ أَرَادَ اللِّعَانَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا.
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْ كَانَ الْحَمْلُ، أَوِ الِاعْتِرَافُ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللِّعَانَ، قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ أَجْبَرْتُهَا عَلَى اللِّعَانِ وَهِبْتُ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهَا بِالرَّجْمِ ; لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا لَمْ أَرْجُمْهَا إِذَا رَجَعَتْ، فَكَيْفَ إِذَا أَبَتِ اللِّعَانَ؛ (وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُحْبَسُ) ، قَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي (حَتَّى تُقِرَّ) أَرْبَعًا، وَقِيلَ: ثَلَاثًا (أَوْ تُلَاعِنَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] الْآيَةَ.
فَإِذَا لَمْ تَشْهَدْ وَجَبَ أَلَّا يُدْرَأَ عَنْهَا الْعَذَابُ، وَلَا يَسْقُطُ النَّسَبُ إِلَّا بِالْتِعَانِهِمَا جَمِيعًا ; لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ.
وَحَكَي فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
(وَلَا يُعْرَضُ) بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (لِلزَّوْجِ حَتَّى تُطَالِبَهُ الزَّوْجَةُ) يَعْنِي: لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَا طَلَبِ اللِّعَانِ مِنْهُ حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، فَلَا يُقَامُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ عَفَتْ عَنِ الْحَدِّ، أَوْ لَمْ تُطَالِبْ لَمْ تَجُزْ مُطَالَبَتُهُ بِنَفْيِهِ، وَلَا حَدَّ، وَلَا لِعَانَ، وَلَا يَمْلِكُ وَلِيُّ الْمَجْنُونَةِ، وَالصَّغِيرَةُ وَسَيِّدُ الْأَمَةِ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّعْزِيرِ مِنْ أَجْلِهِنَّ ; لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ ثَبَتَ لِلتَّشَفِّي، فَلَا يَقُومُ الْغَيْرُ فِيهِ مَقَامَ الْمُسْتَحِقِّ كَالْقَصَّاصِ.
(فَإِنْ أَرَادَ اللِّعَانَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَلَهُ ذَلِكَ) . وَقَالَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَزَوْجَتِهِ، وَلَمْ تَكُنْ طَالَبَتْهُ، وَلِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى نَفْيِهِ فَيُشْرَعُ لَهُ طَرِيقٌ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ طَالَبَتْهُ، وَلِأَنَّ نَفْيَ النَّسَبِ الْبَاطِلِ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهَا بِهِ كَمَا لَوْ طَالَبَتْ بِاللِّعَانِ وَرَضِيَتْ بِالْوَلَدِ.
وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يُشْرَعَ اللِّعَانُ كَمَا لَوْ قَذَفَهَا فَصَدَّقَتْهُ ; لِأَنَّهُ أَحَدُ مُوجِبِي الْقَذْفِ، فَلَا يُشْرَعُ مَعَ عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ كَالْحَدِّ.
(وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ;
فَصْلٌ وَإِذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ، أَوِ التَّعْزِيرُ.
وَلَوْ قَذَفَهَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا.
الثَّانِي: الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، وَعَنْهُ:
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى اللِّعَانِ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ، أَوْ لِنَفْيِ الْوَلَدِ.
وَالْحَدُّ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ، وَالْوَلَدُ مَعْدُومٌ.
[فَصْلٌ مَا يَثْبُتُ مِنَ الْأَحْكَامِ بِتَمَامِ اللِّعَانِ]
[الْأَوَّلُ سُقُوطُ الْحَدِّ]
فَصْلٌ (وَإِذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مُحْصَنَةً، (أَوِ التَّعْزِيرُ) إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً لِقَوْلِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: وَاللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا.
وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ أُقِيمَتْ مَقَامَ بَيِّنَتِهِ.
وَبَيِّنَتُهُ تُسْقِطُ الْحَدَّ، كَذَلِكَ لِعَانَهُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ اللِّعَانِ، أَوْ عَنْ إِتْمَامِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنْ ضَرَبَ بَعْضَهُ، فَقَالَ: أَنَا أُلَاعِنَ، سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّ مَا أُسْقِطَ كُلُّهُ أُسْقِطَ بَعْضُهُ كَالْبَيِّنَةِ.
وَلَوْ نَكَلَتِ الْمَرْأَةُ عَنِ الْمُلَاعَنَةِ، ثُمَّ بَذَلَتْهَا سَمِعَ مِنْهَا كَالرَّجُلِ (وَلَوْ قَذَفَهَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ) سَوَاءٌ ذَكَرَهُ فِي لِعَانِهِ أَوْ لَا (سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا) ، لِأَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، وَلَمْ يَحُدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عَزَّرَهُ لَهُ.
وَلِأَنَّ اللِّعَانَ بَيِّنَةٌ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَكَانَ بَيِّنَةً فِي الْآخَرِ كَالشَّهَادَةِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُلَاعِنْ فَلِكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَما الْمُطَالَبَةُ وَأَيُّهُمَا طَلَبَ حُدَّ لَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يُطَالِبْ كَمَا لَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُلَاعِنُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ لَهَا وَلِلْمُسَمَّى.
1 -
فَرْعٌ: مَنْ نَفَى تَوْءَمَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ كَفَاهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَلَاعَنَ لِنَفْيِهِ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَنْتِفِ الثَّانِي بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْتَفِيَ بِنَفْيِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى لِعَانٍ ثَانٍ.
[الثَّانِي الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا]
(الثَّانِي: الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا) بِتَمَامِ تَلَاعُنِهِمَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: الْمُتَلَاعِنَانِ
لَا تَحْصُلُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا.
الثَّالِثُ: التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ، وَعَنْهُ: إِنَّ أَكْذَبَ
[المبدع في شرح المقنع]
يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ، فَلَمْ يَقِفْ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ كَالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَقَفَتْ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ لَسَاغَ تَرْكُ التَّفْرِيقِ إِذَا لَمْ يَرْضَيَا بِهِ كَالتَّفْرِيقِ لَلَعَنَتْ وَالْإِعْسَارِ، وَتَفْرِيقُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا بِمَعْنَى إِعْلَامِهِ لَهُمَا بِحُصُولِ الْفُرْقَةِ.
(وَعَنْهُ: لَا تَحْصُلُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُؤَلِّفُ لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، «وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ؛ قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلَانِ، وَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؛ يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَدَلَّ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ، فَعَلَى هَذِهِ إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَحِقَهَا طَلَاقُهُ، وَيَلْزَمُ الْحَاكِمُ الْفُرْقَةَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا، وَعَلَيْهَا لَوْ لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا كَانَ النِّكَاحُ بِحَالِهِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنْ هِيَ كَالطَّلَاقِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَعَلَيْهِمَا فُرْقَةُ اللِّعَانِ فَسْخٌ ; لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَكَانَتْ فَسْخًا كَالرَّضَاعِ.
[الثَّالِثُ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ بَيْنَهُمَا]
(الثَّالِثُ: التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ) نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: مَضَتِ السُّنَّةُ
نَفْسَهُ حَلَّتْ لَهُ.
وَإِنْ لَاعَنَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَكْذِبَ نَفْسَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَإِذَا قُلْنَا: تَحِلُّ لَهُ الزَّوْجَةُ بِإِكْذَابِ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ مِنْهُ طَلَاقٌ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ طَلَاقٌ دُونَ الثَّلَاثِ فَلَهُ رَجْعَتُهَا.
الرَّابِعُ: انْتِفَاءُ الْوَلَدِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَيَنْتَفِي عَنْهُ حَمْلُهَا،
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْمُتَلَاعِنِينَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
رَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْحَدِّ، وَالتَّكْذِيبِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِهِمَا كَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ.
(وَعَنْهُ: إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَلَّتْ لَهُ) وَعَادَ فِرَاشَهُ بِحَالِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُلَاعِنْ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ شَذَّ بِهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهَا غَيْرُهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ، فَأَمَّا مَعَ تَفْرِيقِهِ، فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بِحَالِهِ وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَهُوَ خَاطِبٌ مِنَ الْخُطَّابِ، (وَإِنْ لَاعَنَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ) ، لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ كَالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ الْمُطَلَّقَ ثَلَاثًا إِذَا اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، فَهُنَا أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ، وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ.
(إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى) أَيِ: الضَّعِيفَةِ، فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ.
(وَإِذَا قُلْنَا: تَحِلُّ لَهُ الزَّوْجَةُ بِإِكْذَابِ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ مِنْهُ طَلَاقٌ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى النِّكَاحِ) لِأَنَّ اللِّعَانَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُحْرِّمُ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ كَمَا يُؤْمَرُ الْمُؤْلِي بِهِ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِالْفَيْئَةِ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِالطَّلَاقِ بَقِيَ النِّكَاحُ بِحَالِهِ وَزَالَ الْإِجْبَارُ عَلَى الطَّلَاقِ لِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ طَلَاقٌ دُونَ الثَّلَاثِ فَلَهُ رَجَعَتُهَا) كَالْمُطَلَّقَةِ دُونَ الثَّلَاثِ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
[الرَّابِعُ انْتِفَاءُ الْوَلَدِ عَنْهُ]
(الرَّابِعُ: انْتِفَاءُ الْوَلَدِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَنْتَفِي عَنْهُ حَتَّى يَذْكُرَهُ فِي اللِّعَانِ، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ زَنَتْ، يَقُولُ: وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي، وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ، وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ، وَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ لَمْ يَنْتِفْ حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ وَيُلَاعِنَ.
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالٍ وَامْرَأَتِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا تُرْمَى، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا وَمَنْ رَمَاهَا، أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَقْصُودَيِ اللِّعَانِ فَيَثْبُتُ بِهِ كَإِسْقَاطِ الْحَدِّ.
وَالْمَذْهَبُ كَمَا اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي " الْكَافِي " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِذِكْرِهِ ; لِأَنَّهُ شَخْصٌ يَسْقُطُ بِاللِّعَانِ، فَكَانَ ذِكْرُهُ شَرْطًا كَالزَّوْجِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَأَجَابَا عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى الْقِصَّةَ، وَذَكَرَ فِيهَا «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» . وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَلَدِ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ.
وَمَعَ اللَّعْنِ فِي الْخَامِسَةِ ; لِأَنَّهَا مَنْ لَفْظَاتِ اللِّعَانِ.
(وَيَنْتَفِي عَنْهُ حَمْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ) هَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاعَنَ عَلَى الْحَمْلِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ تَثْبُتُ لَهُ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ مِنْ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَالْمَسْكَنِ وَنَفْيِ طَلَاقِ الْبِدْعَةِ وَوُجُوبِ الِاعْتِدَادِ بِهِ، فَكَانَ كَالْمُتَيَقِّنِ.
(وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَنْتَفِي عَنْهُ حَتَّى يَذْكُرَهُ فِي اللِّعَانِ) مَنْصُوصُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْحَمْلِ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ يَكُونُ رِيحًا.
وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ الْأَصْحَابِ مُعْتَمِدِينَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَهُ فَيَصِيرُ نَفْيُهُ مَشْرُوطًا بِوُجُودِهِ، وَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا الْحَمْلُ تَقِفُ عَلَى وِلَادَتِهِ بِدَلِيلِ الْمِيرَاثِ، وَالْوَصِيَّةِ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ وَيُلَاعِنَ.
(فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ زَنَتْ، يَقُولُ: وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي، وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ، وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ) . وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًا، وَلَيْسَ مِنِّي، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ.
(وَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ لَمْ يَنْتَفِ حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ وَيُلَاعِنَ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ زَمَنُ
فَصْلٌ وَمَنْ شَرَطَ نَفْيَ الْوَلَدِ أَلَّا يُوجَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، أَوْ بِتَوْءَمِهِ، أَوْ نَفَاهُ وَسَكَتَ عَنْ تَوْءَمِهِ، أَوْ هَنِئَ بِهِ فَسَكَتَ، أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ، أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَخَّرْتُ نَفْيَهُ رَجَاءَ مَوْتِهِ لَمْ يُعْذَرْ
[المبدع في شرح المقنع]
لِحَوْقِ الْوَلَدِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَصَحُّ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالٍ وَامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ وَنَفَى الْحَمْلَ عَنْهُ، وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ وَاسْتِلْحَاقِهِ، وَالْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ قَبْلَ وَضْعِهِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَلَهُ نَفْيُهُ بَعْدَهُ بِاللِّعَانِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفِيهِ فِي لِعَانِهِ حَتَّى يَنْفِيَهُ بَعْدَ وَضْعِهِ وَقْتَ الْعِلْمِ بِهِ، وَقِيلَ: أَوْ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ، وَيُلَاعِنُ لَهُ، وَقِيلَ: يَنْتَفِي بِذِكْرِهِ فِيهِ.
وَقِيلَ: وَبِدُونِهِ، وَإِنْ أَخَّرَ نَفْيَهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَقِيلَ: إِنْ أَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ، صَحَّ نَفْيُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
[فَصْلُ شَرْطِ نَفْيِ الْوَلَدِ]
فَصْلٌ (وَمِنْ شَرْطِ نَفْيِ الْوَلَدِ أَلَّا يُوجَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ) ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِهِ، (فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) لَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ (أَوْ) أَقَرَّ (بِتَوْءَمِهِ، أَوْ نَفَاهُ وَسَكَتَ عَنْ تَوْءَمِهِ) لَحِقَهُ نَسَبُهَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهَ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا كَانَ إِقْرَارًا بِالْآخَرِ، (أَوْ هُنِّئَ بِهِ فَسَكَتَ) كَانَ إِقْرَارًا بِهِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ السُّكُوتَ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَا فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ، فَهُنَا أَوْلَى.
(أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ) لَزِمَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ، أَوْ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَوْ رَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ.
(أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ) وَقِيلَ: لَهُ نَفْيُهُ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ فَقَطْ.
(لَحِقَهُ نَسَبُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ.
(وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ) لِأَنَّ نَفْيَهُ يَثْبُتُ لِنَفْيِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَتَقَدَّرُ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ، بَلْ هُوَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ إِنْ كَانَ لَيْلًا فَحَتَّى يُصْبِحَ وَتَنْتَشِرَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ جَائِعًا، أَوْ ظَمْآنَ فَحَتَّى يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، فَإِنْ كَانَ نَاعِسًا فَحَتَّى يَنَامَ، أَوْ يَلْبَسَ ثَوْبَهُ وَيُسْرِجَ دَابَّتَهُ وَيَرْكَبَ وَيُصَلِّيَ إِنْ حَضَرَتْ.
(وَإِنْ قَالَ: أَخَّرْتُ نَفْيَهُ رَجَاءَ مَوْتِهِ لَمْ يُعْذَرْ بِذَلِكَ) لِأَنَّ الْمَوْتَ قَرِيبٌ وَغَيْرُ مُتَيَقِّنٍ، فَتَعْلِيقُ النَّفْيِ عَلَيْهِ تَعْلِيقٌ عَلَى أَمْرٍ مَوْهُومٍ.
(وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ بِهِ) أَيْ: بِالْوِلَادَةِ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ يَخْفَى عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مَعَهَا فِي الدَّارِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ.
(أَوْ لَمْ أَعْلَمْ
بِذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ بِهِ، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي نَفْيَهُ، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ.
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِحَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ، وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ لَحِقَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّ لِي نَفْيَهُ، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ) وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِ كَعَامَّةِ النَّاسِ قُبِلَ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُمْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ كَحَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقِيلَ: بَلَى ; لِأَنَّ الْفَقِيهَ يَخْفَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ.
(وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ) بِمَا ذَكَرْنَا (قَبْلَ قَوْلِهِ) لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ (وَلَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
(وَإِنْ أَخَّرَهُ لِحَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ) أَيْ: إِذَا كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ الْحُضُورَ كَمَا مَثَّلَهُ وَكَالِاشْتِغَالِ بِحِفْظِ مَالٍ يَخَافُ ضَيْعَتَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ ذَلِكَ قَصِيرَةً لَمْ يَبْطُلْ نَفْيُهُ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلِمَ لَيْلًا فَأَخَّرَهُ إِلَى الصُّبْحِ، وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةً وَأَمْكَنَهُ السَّفَرُ إِلَى حَاكِمٍ لِيَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْتَوْفِي عَلَيْهِ اللِّعَانَ، وَالنَّفْيَ، فَلَمْ يَفْعَلْ سَقَطَ نَفْيُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشْهَدَ عَلَى نَفْيِهِ أَنَّهُ نَافٍ لِوَلَدِ امْرَأَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَ خِيَارُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَفْيِهِ قَامَ الْإِشْهَادُ مَقَامَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لَمْ أُصَدِّقِ الْمُخْبِرَ بِهِ، وَهُوَ عَدْلٌ، أَوَ قَدِ اسْتَفَاضَ الْخَبَرُ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِلَّا قُبِلَ مِنْهُ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَزِمَهُ الْوَلَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ لَحِقَهُ النَّسَبُ) أَيْ: إِذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَنَفَى وَلَدَهَا، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ إِذَا كَانَ حَيًّا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَا إِنْ كَانَ مَيِّتًا.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ الْمَيِّتَ، وَكَانَ ذَا مَالٍ لَمْ يَلْحَقْهُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدَّعِي مَالًا وَإِلَّا لَحِقَهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْمَيِّتُ تَرَكَ وَلَدًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنَ الْمُسْتَلْحِقِ، وَتَبِعَهُ نَسَبُ ابْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَ وَلَدًا لَمْ يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُ الْمُدَّعِي شَيْئًا ; لِأَنَّ نَسَبَهُ مُنْقَطِعٌ بِالْمَوْتِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا وَلَدٌ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ، فَكَانَ لَهُ اسْتِلْحَاقُهُ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، وَلِأَنَّهُمْ جَعَلُوا نَسَبَ وَلَدِ الْوَلَدِ تَابِعًا لَنَسَبِ ابْنِهِ، أَيْ: يَتْبَعُ الْأَصْلُ الْفَرْعَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ.
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ: إِنَّمَا يَدَّعِي النَّسَبَ، وَالْمِيرَاثُ تَبَعٌ لَهُ.
(وَلَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ
النَّسَبُ وَلَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُحْصَنَةً، أَوِ التَّعْزِيرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً.
فَصْلٌ فِيمَا يَلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ (مَنْ أَتَتِ امْرَأَتَهُ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ) وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ
[المبدع في شرح المقنع]
مُحْصَنَةً) سَوَاءٌ أَكْذَبَهَا قَبْلَ لِعَانِهِ، أَوْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ أُقِيمَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَإِنَّ لِعَانَهُ كَذِبٌ وَزِيَادَةٌ فِي هَتْكِهَا وَتَكْرَارٌ لِقَذْفِهَا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا بِالْقَذْفِ " الْمُجَرَّدِ "، فَإِنْ عَادَ عَنْ إِكْذَابُ نَفْسِهِ، وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا بِزِنَاهَا، أَوْ أَرَادَ إِسْقَاطَ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ لَمْ يُسْمَعْ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ، وَاللِّعَانَ لِتَحَقُّقِ مَا قَالَهُ، وَقَدْ أَقَرَّ بِكَذِبِ نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ خِلَافُهُ.
(أَوِ التَّعْزِيرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً) ، كَقَذْفِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَحِينَئِذٍ يَنْجَرُّ النَّسَبُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ إِلَى جِهَةِ الْأَبِ كَالْوَلَاءِ، وَتَوَارَثَا.
وَقَدْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَلْحَقَهُ وَرِثَهُ، وَقَدْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " رِوَايَةً: لَا يُحَدُّ، وَإِنْ نَفَى مَنْ لَا يَنْتَفِي وَأَنَّهُ مِنْ زِنًا حُدَّ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يُلَاعِنْ، اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ.
وَمَنْ نَفَى أَوْلَادًا فَلِعَانٌ وَاحِدٌ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ]
فَصْلٌ
فِيمَا يَلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ (مَنْ أَتَتِ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ) وَلَوْ مَعَ غَيْبَتِهِ عِشْرِينَ سَنَةً.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَعَلَيْهِ نُصُوصُ أَحْمَدَ.
وَالْمُرَادُ: وَيَخْفَى مَسِيرُهُ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " وَغَيْرِهِ.
وَلَا يَنْقَطِعُ الْإِمْكَانُ عَنْهُ بِالْحَيْضِ قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ". (وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعَهُ بِهَا وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، وَهُوَ مِمَّنْ يُولَدُ لِمَثَلِهِ) كَابْنِ عَشْرِ سِنِينَ، وَقِيلَ: وَتِسْعٍ، وَقِيلَ: ثِنْتَيْ عَشْرَةَ.
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَلْحَقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ، كَمَا لَا يَمْلِكُ نَفْيَهُ حَتَّى يَعْلَمَ بُلُوغَهُ لِلشَّكِّ
أَمْكَنَ اجْتِمَاعَهُ بِهَا وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، وَهُوَ مِمَّنْ يُولَدُ لِمَثَلِهِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَمكُنْ كَوْنُهُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، أَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، ثُمَّ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي جِهَةِ يَمِينِهِ.
وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ كَغَيْرِهِ.
(لَحِقَهُ نَسَبُهُ) مَا لَمْ يَنْفِهِ بِلِعَانٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشَرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . وَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ بَالِغًا، وَلَا يَتَقَرَّرُ بِهِ مَهْرٌ، وَلَا تَثْبُتُ بِهِ عِدَّةٌ، وَلَا رَجْعَةٌ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ قَوْلٌ كَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِصَوْمِ يَوْمِ الْغَيْمِ.
وَنَقَلَ حَرْبٌ فِيمَنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَأَنْكَرَهُ: يَنْتَفِي بِلَا لِعَانٍ، وَأَخَذَ شَيْخُنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إِلَّا بِالدُّخُولِ، وَاخْتَارَهُ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يَلْحَقُ بِمُطَلِّقٍ إِنِ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا.
وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ حَتَّى يُوجَدَ الدُّخُولُ.
وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْبُلُوغُ فِيهِ، فَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ كَالْبَالِغِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً.
وَمَا عُهِدَ بُلُوغٌ لِتِسْعٍ.
وَيَلْحَقُ النَّسَبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَالصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنِ اعْتَقَدَ فَسَادَهُ فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا تَحَمَّلَتْ مَاءَ زَوْجِهَا لَحِقَهُ نَسَبُ مَنْ وَلَدَتْهُ مِنْهُ، وَفِي الْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ وَجْهَانِ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا، أَوْ مَاءَ مَنْ ظَنَّتْهُ زَوْجَهَا، فَلَا نَسَبَ، وَلَا مَهْرَ، وَلَا عِدَّةَ فِي الْأَصَحِّ فِيهَا.
(وَإِنْ لَمْ يمَكُنْ كَوْنُهُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا) لَمْ يَلْحَقْهُ ; لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ، وَالْيَمِينُ جُعِلَتْ لِتَحَقُّقِ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ وَنَفْيِ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ، وَمَا لَا يَجُوزُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى نَفْيِهِ.
(أَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، ثُمَّ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا) لَمْ يَلْحَقْهُ.
وَقَالَه ابْنُ شُرَيْحٍ: لِأَنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَلَّا يَكُونَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ كَمَا لَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْحَمْلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِدَّةِ.
وَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَلَا يَكْتَفِي بِالْإِمْكَانِ لِلَحَاقَة،
مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا، أَوْ فَارَقَهَا حَامِلًا فَوَضَعَتْ، ثُمَّ أَتَتْ بِآخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا كَالَّتِي يَتَزَوَّجُهَا بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ يَتَزَوَّجُهَا وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي أَتَتْ بِالْوَلَدِ فِيهَا، أَوْ يَكُونُ صَبِيًّا لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ لَمْ يَلْحَقْهُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنَّمَا يَكْتَفِي بِالْإِمْكَانِ لِنَفْيِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِرَاشَ سَبَبٌ، وَمَعَ وُجُودِ السَّبَبِ يَكْتَفِي بِإِمْكَانِ الْحِكْمَةِ، فَإِذَا انْتَفَى السَّبَبُ انْتَفَى الْحُكْمُ لِانْتِفَائِهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، ثُمَّ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ آخِرِ أَقْرَاهَا يَلْحَقُهُ.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِعِلْمِنَا أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فِي زَمَنِ رُؤْيَةِ الدَّمِ فَيَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ الدَّمُ حَيْضًا.
(أَوْ فَارَقَهَا حَامِلًا فَوَضَعَتْ، ثُمَّ أَتَتْ بِآخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) ، لَمْ يَلْحَقْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْه يَكُونَ الْوَلَدَانِ حَمْلًا وَاحِدًا، وَبَيْنَهُمَا مُدَّةَ الْحَمْلِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا وَضَعَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ.
(أَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا) وَلَهُ صُوَرٌ (كَالَّتِي يَتَزَوَّجُهَا بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فِي الْمَجْلِسِ) . قَبْلَ غَيْبَتِهِ عَنْهُمْ وَتَأْتِي بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَذَلِكَ عِلْمٌ حِسِّيٌّ وَنَظَرِيٌّ.
(أَوْ يَتَزَوَّجُهَا وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ) بَعِيدَةٌ (لَا يَصِلُ إِلَيْهَا فِي الْمَدَّةِ الَّتِي أَتَتْ بِالْوَلَدِ فِيهَا) كَمَشْرِقِيٍّ يَتَزَوَّجُ مَغْرِبِيَّةً، فَإِنَّ الْوَقْتَ لَا يَسَعُ مُدَّةَ الْوِلَادَةِ، وَقُدُومَهُ، وَوَطْأَهُ بَعْدَهُ.
وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ مُمْكِنًا.
وَالْمُرَادُ: وَعَاشَ وَإِلَّا لَحِقَهُ بِالْإِمْكَانِ كَمَا بَعْدَهَا، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إِمْكَانُ الْوَطْءِ فِي هَذَا الْعَقْدِ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ كَزَوْجَةِ الطِّفْلِ، أَوْ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَالْإِمْكَانُ إِذَا وُجِدَ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ قَطْعًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، فَعَلَّقْنَا الْحُكْمَ عَلَى إِمْكَانِهِ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَجُزْ حَذْفُ الْإِمْكَانِ عَنِ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى حَصَلَ الْيَقِينُ بِانْتِفَائِهِ عَنْهُ.
وَفِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الْوَسِيلَةِ " وَ " الِانْتِصَارِ ": وَلَوْ أَمْكَنَ، وَلَا يُخْفِي السَّيْرَ كَأَمِيرٍ وَتَاجِرٍ كَبِيرٍ.
وَمَثَّلَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " بِالسُّلْطَانِ، وَالْحَاكِمِ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ مِثْلَهُ لَمْ يَقْضِ بِالْفِرَاشِ، وَهِيَ مِثْلُهُ.
(أَوْ يَكُونَ صَبِيًّا لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (أَوْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ لَمْ
نَسَبُهُ.
وَإِنْ قُطِعَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ طَلَّقَهَا وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْإِيلَاجُ، وَالْإِنْزَالُ.
نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: فِيمَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَايَاهُ قَالَ: إِنْ دَفَقَ فَقَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ، فَإِنْ شَكَّ فِي وَلَدِهِ فَالْقَافَةُ.
وَسَاقَهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ خَصِيٍّ، قَالَ: إِنْ كَانَ مَجْبُوبًا لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ أَنْزَلَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْوَلَدُ مِنْهُ، وَإِلَّا فَالْقَافَةُ (وَإِنْ قُطِعَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ) ، لِأَنَّهُ إِذَا قُطِعَ الذَّكَرُ بَقِيَتِ الْأُنْثَيَانِ، فَسَاحَقَ وَأَنْزَلَ، وَإِنَّ قُطِعَ الْأُنْثَيَانِ بَقِيَ الذَّكَرُ، فَأَوْلَجَ بِهِ (وَفِيهِ بُعْدٌ) ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ مَنِيٍّ.
وَمَنْ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ، لَا مَنِيَّ لَهُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ فَقَطْ، لَا يَلْحَقُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهُ لَا يُنْزِلُ إِلَّا مَاءً رَقِيقًا، لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَلَا وُجِدَ ذَلِكَ، وَلَا اعْتِبَارَ بِإِيلَاجٍ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ كَمَا لَوْ أَوْلَجَ الصَّغِيرُ.
وَجَزَمَ الْأَكْثَرُ بِلُحُوقِ نَسَبِهِ بِهِ لَمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ قُطِعَ الذَّكَرُ لَحِقَهُ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَاحِقَ فَيُنْزِلَ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَلِهَذَا أَلْحَقْنَا وَلَدَ الْأَمَةِ بِسَيِّدِهَا إِذَا اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا دُونَ الْفَرْجِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ طَلَّقَهَا) وَقَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، أَحَدُهُمَا: يَلْحَقُهُ، صَحَّحَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، أَشْبَهُ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَالثَّانِي لَا يَلْحَقُهُ ; لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ طَلَاقٍ، أَشْبَهَتِ الْبَائِنَ، وَإِنْ حَمَلَتِ الرَّجْعِيَّةَ بَعْدَ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ مُنْذُ طُلِّقَتْ، وَقَبْلَ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ فَرَغَتْ عِدَّتُهَا لَحِقَهُ فِي الْأَشْهُرِ، سَوَاءٌ أَخْبَرَتْ بِفَرَاغِ الْعِدَّةِ أَوْ لَا.
1 -
فَرْعٌ: إِذَا أُخْبِرَتْ بِمَوْتِ زَوْجِهَا فَاعْتَدَّتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ لَحِقَ بِالثَّانِي مَا وَضَعَتْهُ لِنِصْفِ سَنَةٍ فَأَكْثَرَ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَلَدُ لِلْأَوَّلِ، وَمَا وُلِدَتِ الْبَائِنُ بِمَوْتٍ، أَوْ طَلَاقٍ، وَقَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، أَوْ فَسْخٍ لِأَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ فَأَقَلَّ مُنْذُ بَانَتْ، وَلَمْ تُنْكَحْ لَحِقَهُ، وَانْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهَا مِنْهُ، وَمَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ أَكْثَرِهَا لَمْ يَلْحَقْهُ.
وَفِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِهِ وَجْهَانِ.
1 -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا تَزَوَّجَتْ فِي الْعِدَّةِ وَوَلَدَتْ قَبْلَ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ تَزَوَّجَتْ، وَقَبْلَ أَرْبَعِ
فَصْلٌ وَمَنِ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَإِنِ ادَّعَى الْعَزْلَ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ، وَهَلْ يَحْلِفُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
سِنِينَ مُنْذُ بَانَتْ مِنَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِنِصْفِ سَنَةٍ فَأَكْثَرَ مُنْذُ تَزَوَّجَتْ وَبَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ فُرْقَةِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ لِلثَّانِي.
[فَصْلُ وَطْءِ الْأَمَةِ]
[اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ أَوْ دُونَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ]
فَصْلٌ (وَمَنِ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ) صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ (فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَحِقَهُ نَسَبُهُ) . نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي ابْنِ زَمْعَةَ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ: لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنَّهُ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْحَقَتُ بِهِ وَلَدَهَا فَأَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، أَوِ اتْرُكُوا.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، وَقِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَصِيرُ فِرَاشًا حَتَّى يُقِرَّ بِوَلَدِهَا، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ صَارَتْ فِرَاشًا وَلَحِقَهُ أَوْلَادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ لَصَارَتْ فِرَاشًا بِإِبَاحَتِهِ كَالزَّوْجَةِ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ فِي مَحَلٍّ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ كَالْمَجُوسِيَّةِ وَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، فَلَوْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا فِي الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ، (وَإِنِ ادَّعَى الْعَزْلَ) ، لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ فَوَجَبَ أَلَّا يُعْتَبَرَ هُنَا كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ بِلِعَانٍ، وَلَا غَيْرِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْوَلَدُ يَكُونُ مِنَ الرِّيحِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ فِي الْفَرْجِ ; لِأَنَّهُ لَا رِيحٌ يَسِيرُ إِلَيْهَا إِلَّا رَائِحَةُ الْمَنِيِّ، وَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ إِنْزَالِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا.
قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ عِلْمٌ عَظِيمٌ، (إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ) لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي حُصُولِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ، لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِعُسْرٍ وَمَشَقَّةٍ.
(وَهَلْ يَحْلِفُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) . كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُ ; لِأَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا لَوْ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا.
أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ وَلَدُهُ وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْهُ سَوَاءٌ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ، وَإِنِ اسْتَبْرَأَتْ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " يَسْتَحْلِفُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْحُقُوقِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: أَوْ يَرَى الْقَافَةَ.
نَقَلَهُ الْفَضْلُ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ، عَنْ زَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": يَنْتَفِي بِالْقَافَةِ، لَا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ إِذَا نَفَاهُ وَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ وَأَقَرَّ بِالْوَطْءِ.
وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا مَلَكَهَا لَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِمُلْكِهَا التَّمَوُّلَ، وَالتِّجَارَةَ، وَالْخِدْمَةَ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِإِرَادَةِ الْوَطْءِ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ عَلَى فِرَاشِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي أَمَةٍ تُرَادُ لِلتَّسَرِّي عَادَةً أَنَّهَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْمُلْكِ.
وَقَالَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ لِقِصَّةِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، وَاحْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَلْحَقَ وَلَدًا فَفِي لُحُوقِ مَا بَعْدَهُ بِدُونِ إِقْرَارٍ آخَرَ وَجْهَانِ، وَنُصُوصُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَقُهُ لِثُبُوتِ فِرَاشِهِ.
[أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ]
(فَإِنْ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ وَلَدُهُ) لِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ، وَهِيَ فِرَاشٌ ; لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ (وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ الْوَلَدِ.
(وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْبَائِعِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ مِنْهُ سَبَبَهُ، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ، فَتَعَيَّنَ إِحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، (سَوَاءٌ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ) لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِإِلْحَاقِهِ أَنَّهَا لَوْ أَتَتْ بِهِ فِي مُلْكِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَلَحِقَ بِهِ.
وَانْتِقَالُ الْمُلْكِ عَنْهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ بِهِ شَيْءٌ.
وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا.
وَقِيلَ: يَرَى الْقَافَةَ.
نَقَلَهُ صَالِحٌ وَحَنْبَلٌ.
وَنَقَلَ الْفَضْلُ: هُوَ لَهُ.
قُلْتُ: فِي نَفْسِهِ مِنْهُ، قَالَ: فَالْقَافَةُ، وَإِنِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ لِلْآخَرِ، وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ بِالْوَطْءِ، فَالْخِلَافُ كَذَلِكَ.
أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تَسْتَبْرِئْ، وَلَمْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي لَهُ بِهِ.
فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ بَيْعِهَا لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ بِحَالٍ إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ، فَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ.
وَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَهُ نَسَبُهُ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي.
وَإِذَا وَطِئَ الْمَجْنُونُ مَنْ لَا مُلْكَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا شِبْهَ مُلْكٍ فَوَلَدَتْ مِنْهُ لَمْ يَلْحَقْهُ النَّسَبُ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنِ اسْتَبْرَأَتْ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ) ، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنَ الْحَمْلِ، وَقَدْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ لِوُجُودِ مُدَّةِ الْحَمْلِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ.
فَلَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ غَيْرَ صَحِيحٍ، (وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تَسْتَبْرِئْ، وَلَمْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي لَهُ بِهِ) لِأَنَّهُ وَلَدُ أَمَةِ الْمُشْتَرِي، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى غَيْرِهِ لَهُ إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنَ الْمُشْتَرِي، (فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ بَيْعِهَا لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ بِحَالٍ) ، سَوَاءٌ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ لِأَقَلَّ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ، (إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْوَلَدِ أَنَّهُ ابْنٌ لِلْبَائِعِ، (فَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا يَثْبُتُ بِاتِّفَاقِهِمَا، (وَإِنِ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي) . وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي الْإِيلَادِ ; لِأَنَّ الْمُلْكَ انْتَقَلَ إِلَى الْمُشْتَرِي فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِيمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَهُ نَسَبُهُ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَ الْوَاحِدِ مَمْلُوكًا لِآخَرَ كَوَلَدِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ إنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلَوْ أَعْتَقَهُ كَانَ أَبُوهُ أَحَقَّ بِمِيرَاثِهِ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَا إِذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا بَاعَ حَتَّى اسْتَبْرَأَ، أَوْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا، فَقَالَ: إِنْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ.
قَالَه الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: يَنْتَفِي النَّسَبُ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى الْيَمِينِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ فِيهِ وَجْهَانِ.
(وَإِذَا وَطِئَ الْمَجْنُونُ مَنْ لَا مُلْكَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا شِبْهة مُلْكٍ فَوَلَدَتْ مِنْهُ لَمْ يَلْحَقْهُ