تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَإِنْ شَاءَ،
[المبدع في شرح المقنع]
السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.
(وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ) فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ مُضْطَبِعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةٌ فِي رَمْلِهِ «فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ» لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةَ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ سَوَّى رِدَاءَهُ؛ لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ: يُزِيلُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّمَلِ (ثُمَّ يَبْتَدِئُ) أَيْ: بِالطَّوَافِ (مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهِ (فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا حَاذَاهُ بِبَعْضِهِ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ فَأَجْزَأَ بَعْضُهُ كَالْحَدِّ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلَهُ (ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ) أَيْ: يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ، وَهُوَ التَّحِيَّةُ، وَلِذَلِكَ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْيَمَنِ: الْمُحَيَّا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ، (وَيُقَبِّلُهُ) «لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ أَسْلَمَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ يَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَإِنْ شَاءَ
أَشَارَ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ الْيَدِ فَظَاهِرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": هَلْ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ؛ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، (وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ إِلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَكَبَّرَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْإِشَارَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْمُسْتَحَبُّ أَوَّلًا: تَقْبِيلُهُ فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ، وَقَبَّلَهُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَزَادَا: مَعَ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ.
قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هُوَ السُّنَّةُ، وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ، قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ: «إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي وَجْهٍ.
فَائِدَةٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِنْ كَانَ؛ لِأَنَّ فِي زَمَنِهِ أَخَذَتْهُ الْقَرَامِطَةُ، وَاسْتَمَرَّ بِأَيْدِيهِمْ مُدَّةً، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ بِعَوْدِهِ، فَلَوْ قُدِّرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - عَدَمُهُ فِي مَحَلِّهِ وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ كَمَا فِي الْقِرَانِ.
(وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ» لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ
يَسَارِهِ، فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ، وَقَبَّلَ يَدَهُ.
وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا، وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا، وَلَا يَثِبُ وَثْبًا وَيَمْشِي
[المبدع في شرح المقنع]
اسْتِلَامِهِ (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ كَذَلِكَ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَيُقَرِّبُ جَانِبَهُ الْأَيْسَرُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الدَّوْرِيَّةَ تَعْتَمِدُ فِيهَا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَامُ فِي ذَلِكَ لِلْخَارِجِ، جَعَلَ لِلْيُمْنَى، فَأَوَّلُ رُكْنٍ بِهِ يُسَمَّى الشَّامِيَّ، وَالْعِرَاقِيَّ وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةَ الْيَمَنِ، وَهُوَ آخِرُ مَا يمر عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَهُوَ قِبْلَةُ أَهْلِ خُرَاسَانَ.
(فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا تَرَكَتُ اسْتِلَامَهُمَا مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَسَنَّ اسْتِلَامَهُ كَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، (وَقَبَّلَ يَدَهُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " قَوْلًا كَمَا يَفْعَلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ، وَجَزَمَ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الْإِرْشَادِ " بِخِلَافِهِ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَلَمَهُ قَبَّلَهُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
1 -
(وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي سُنِّيَّتِهِ؛ «لِأَنَّهُ
أَرْبَعًا، وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا، وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] ، وَفِي سَائِرِ الطَّوَافِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ
[المبدع في شرح المقنع]
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ سَبْعًا رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا» . رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنَا عَبَّاسٍ وَعُمَرُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهما، وَهَذَا كَانَ لِسَبَبٍ زَالَ، وَبَقِيَ الْمُسَبَّبُ، وَيَكُونُ الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ (وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَلَا يَثِبُ وَثْبًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْيٍ فَإِذَا فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ إِتْيَانًا بِالرَّمَلِ الْمَشْرُوعِ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي حَاشِيَةِ النَّاسِ لِلِازْدِحَامِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الدُّنُوِّ مِنَ الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ أَوْ يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ فَالدُّنُوُّ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ، وَفِي " الْفُصُولِ ": لَا يَنْتَظِرُ لِلرَّمَلِ كَمَا لَا يَتْرُكُ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لِتَعَذُّرِ التَّجَافِي فِي الصَّلَاةِ، وَبِالْجُمْلَةِ يَطُوفُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَسَوَاءٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قُبَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا، فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ لَمْ يَقْضِهِ، وَلَا بَعْضَهُ فِي غَيْرِهَا بَلْ إِنْ تَرَكَهُ فِي شَوْطٍ أَتَى بِهِ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، وَفِي اثْنَيْنِ أَتَى بِهِ فِي الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا فَسَقَطَ كَالْجَهْرِ فِي الصَّلَاةِ، (وَيَمْشِي أَرْبَعًا) لِمَا سَبَقَ، (وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) وَنَصَّ عَلَيْهِ، فِي " الْمُحَرَّرِ " فِي رَمْلِهِ كَبَّرَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ وَهَلَّلَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ (وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
(أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُمَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ (وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَلَا فَاسْتَقْبِلْ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ (وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) أَيِ: الْيَمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]
حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ.
وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا أَهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ، وَكَّلَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ لِمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا آمِينَ» (وَفِي سَائِرِ الطَّوَافِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوُزْ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ فَاسْتُحِبَّ ذِكْرُهُ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ اللَّائِقَةِ بِمِحَالِّهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَفِي " الْفُرُوعِ ": «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ» وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي سَعْيِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ خِلَافًا " لِلْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ وَفِيهِ يَقِفُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، عِنْدَ الْمِيزَابِ وَالْمُلْتَزَمِ وَكُلِّ رُكْنٍ (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) مِنَ الْحَوَائِجِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِتَغْلِيطِهِ الْمُصَلِّينَ، وَالْمَذْهَبُ لَهُ الْقِرَاءَةُ، فَيُسْتَحَبُّ، قَالَهُ الْآجُرِّيُّ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَاسْتَحَبَّهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِلَا جَهْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ، فَيَجِبُ كَوْنُهَا مِثْلَهَا.
(وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا أَهْلِ مَكَّةَ) وَلَا حَامِلٍ مَعْذُورٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا فِي النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُرِعَ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ، وَلَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْهُنَّ، بَلْ إِنَّمَا يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرَ، وَكَذَا أَهْلُ مَكَّةَ لَا رَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ إِظْهَارَ الْجَلَدِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ، وَحُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ مِنْهَا حُكْمُ أَهْلِهَا، وَلَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَلَوْ عَبَّرَ بُقُولِهِ: وَلَا مُحْرِمَ فِي مَكَّةَ لَعَمَّ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الرَّمَلُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الِاضْطِبَاعُ،
وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ، وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، أَجَزْأَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا، أَوْ عَلَى جِدَارِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَكَذَا إِنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ، فَلَا رَمَلَ فِيهِ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ يَرْمُلُ بِالْمَحْمُولِ (وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِذَا تَرَكَهُمَا بِهِ، أَوْ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَتَى بِهِمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّ الرَّمَلَ وَالِاضْطِبَاعَ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَنَفَاهُمَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ (وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ) أَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَيُجْزِئُ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» . وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَجْزَأَ فِي رِوَايَةٍ قَدَّمَهَا الْمُؤَلِّفُ وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا، وَلِطَوَافِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَاكِبًا، لَكِنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ فِي الْمَحْمُولِ بِنِيَّتِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَالثَّانِيَةُ: عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَخِيرًا، وَالشَّرِيفُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَفْعَلُ كَذَلِكَ إِلَّا لِعُذْرٍ فَكَذَا هُوَ، وَأَجَابُوا عَنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، أَوْ لِيَرَاهُ النَّاسُ.
قَالَهُ أَحْمَدُ أَوْ لِيَشْرُفَ لِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ، وَأَخَذَ جَمَاعَةٌ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِيَرَاهُ الْجُهَّالُ، وَعَنْهُ: يَجْبُرُهُ بِدَمٍ حَكَاهَا الْمُؤَلِّفُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ.
وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ.
(وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ) ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أُدِّيَ بِهِ فَرْضُ غَيْرِه فَلَمْ يَقَعْ عَنْ
الْحَجَرِ، أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ، أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإِنْ قَلَّ، أَوْ لَمْ يَنْوِهْ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا أَوْ عُرْيَانًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْضِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْحَامِلَ آلَةٌ لِلْمَحْمُولِ فَكَانَ كَالرَّاكِبِ بِخِلَافِ حَمْلِهِ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْكَوْنُ فِيهَا، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُمَا، وَلَهُ أَحْوَالٌ: مِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْمَحْمُولِ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ دُونَ الْحَامِلِ، فَيُجْزِئُ عَنِ الْمَحْمُولِ لَا الْحَامِلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْحَامِلِ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ فَقَطْ فَيَصِحُّ لَهُ وَحْدَهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ الْمَحْمُولُ دُونَ حَامِلِهِ جَعْلًا لَهُ كَالْآلَةِ، وَحَسَّنَ الْمُؤَلَّفُ صِحَّتَهُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَائِفٌ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، كَالْعَمَلِ بِعَرَفَاتٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ ذَلِكَ احْتِمَالًا، وَفِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ، وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يَقَعُ عَنِ اثْنَيْنِ، وَمِنْهَا لَمْ يَنْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، فَلَا يَصْحُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، أَجْزَأَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ الطَّوَافَ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الدَّوَابِّ لِضَرُورَةٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " حُكْمُهُ كَالطَّوَافِ (وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا) يَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْكَافِ، وَفَتْحُهَا فَعَلَيْهِ يَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: طَافَ طَوَافًا مُنَكَّسًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ " طَافَ " وَالْمُرَادُ بِهِ: جَعْلُ الْبَيْتِ عَلَى يَمِينِهِ (أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) وَهُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَإِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ لا غير (أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ) هُوَ الْقَدْرُ الْخَارِجُ عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ قَدْرُ ثُلْثَيْ ذِرَاعٍ (أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإِنْ قَلَّ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَعَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: 29] وَمِثْلُهُ يَتَعَيَّنُ، وَلِقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
فَكَانَ، وَاجِبًا كَالصَّلَاةِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبَيْتِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ قَالَ: صَلِّ فِي الْحِجْرِ فَإِنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ فَإِذَا لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ، وَالْحَالُ أَنَّ الطَّوَافَ بِجَمِيعِهِ، وَاجِبٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، «وَطَافَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِجَمِيعِهِ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ.
وَأَمَا ثَالِثًا، فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
وَأَمَا رَابِعًا، فَلِقَوْلِهِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَاشْتَرَطَ لَهُ النِّيَّةَ كَالصَّلَاةِ، وَنَوَّهَ كَلَامَهُ أَنَّهُ إِذَا طَافَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِهِ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ لِصِلَاتِهِ إِلَيْهَا، وَكَذَا إِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً، وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ.
[طَوَافُ الْمُحْدِثِ]
(وَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا أَوْ عُرْيَانًا لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا تَقَدَّمَ، «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي بَكْرٍ حين بعثه فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَرَهُ فِيهَا " وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَكَانَتِ الطَّهَارَةُ، وَالسُّتْرَةُ شَرْطًا فِيهَا كَالصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْوُقُوفِ.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِلَّا فِي إِبَاحَةِ النُّطْقِ،
وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ، أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأَهُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، أَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، صَلَّى وَبَنَى وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الِاسْتِقْبَالُ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا ذَلِكَ كَالسَّعْيِ، (وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فَهُو وَاجِبٌ، وَتَرْكُهُ يُوجِبُهُ.
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الطَّوَافُ بَعْدَ طَوَافِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَمْ لَا، (وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ) وَعَنْهُ: يَصِحُّ مِنْ نَاسٍ وَمَعْذُورٍ فَقَطْ.
وَعَنْهُ: يَجْبُرُهُ دَمٌ.
وَظَاهَرُهُ صِحَّتُهُ مِنْ حَائِضٍ بِدَمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا دَمَ لِعُذْرٍ، وَيَلْزَمُ النَّاسَ فِي الْأَصَحِّ انْتِظَارُهَا لِأَجْلِهِ إِنْ أَمْكَنَ.
فَرْعٌ: إِذَا طَافَ فِيمَا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ صَحَّ، وَفَدَى ذَكَرَهُ الْآجُرُّيُّ.
(وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأَ) أَمَّا أَوَّلًا، فَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فَأَبْطَلَهُ الْحَدَثُ كَالصَّلَاةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعَمْدِ، فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَطَهَّرَ، وَابْتَدَأَ فِي رِوَايَةٍ، وَجَزَمَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ رِوَايَاتُ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَمَحَلُّهُ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الشَّرْحِ " - فِي طَوَافِ الْفَرْضِ، فَأَمَّا النَّفْلُ فَلَا تَجِبُ إِعَادَتُهُ كَالصَّلَاةِ، وَأَمَا ثَانِيًا، فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالَى بَيْنَ طَوَافِهِ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَعُلِمَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهِ فَمَتَى قَطَعَهُ بفصل طويل ابْتَدَأَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهَوًا، مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ شَوْطًا مِنْهُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ، وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ، وَالْقَبْضِ (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا) بَنَى؛ لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ لِمَا فِي الِاتِّصَالِ مِنَ الْمَشَقَّةِ فَعُفِيَ عَنْهُ: (أَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ صَلَّى) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ، وَالطَّوَافُ صَلَاةٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ صَلَاةٌ تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ بِالطَّوَافِ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ قَطْعِهِ لَهَا بِالْمَكْتُوبَةِ لِعَدَمِ فَوَاتِهَا بِهِ، (وَبَنَى)
سُنَّةٌ.
ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ يَقْرَأُ فِيهِمَا: " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] "
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَسْتَأْنِفُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ يَقْطَعْهُ كَالْيَسِيرِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنَ الْحَجَرِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، (وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةً) ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ أَتَمَّهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ بِشَرْطٍ مَعَ الْعُذْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا شَكَّ فِي عَدَدِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ، وَيَأْخُذُ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " يَكْفِي ثِقَةٌ فَإِنْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِيهِ بَطَلَ لَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا فَرَغَ الْمُتَمَتِّعُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فِي أَحَدِ طَوَافَيْهِ وَجَهِلَهُ لَزِمَهُ الْأَشَدُّ وَهُوَ مِنَ الْحَجِّ، فَيَلْزَمُهُ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ وَدَمٌ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ، لَمْ يَصِحَّا؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، وَتَحَلَّلَ بِطَوَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ لِحَجِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْحَلْقِ، وَدَمٌ لِلْوَطْءِ فِي عُمْرَتِهِ.
[صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ]
(ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَكَعَهُمَا وَفِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ قَبْلَهُمَا، (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْمَقَامِ، وَلَا مَسْحُهُ إِجْمَاعًا فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى، وَنَقَلَ الْفَضْلُ عَنْهُ: كَرَاهَةَ مَسِّهِ، وَفِي " مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ ": فَإِذَا بَلَغَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَلْيَمَسَ الصَّخْرَةَ بِيَدِهِ، وَلِيُمَكِّنُ مِنْهَا كَفَّهُ، وَيَدْعُوَ (يَقْرَأُ فِيهِمَا) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] » وَظَاهِرُهُ جَوَازُ فِعْلِهِمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَيَقْرَأُ تِلْكَ الْقِرَاءَةَ؛
و " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] " ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ، فَيَسْتَلِمُهُ.
ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ، وَيَسْعَى سَبْعًا يَبْدَأُ بِالصَّفَا، فَيَرْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ، فَيَسْتَقْبِلُهُ، وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
ثُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ عُمَرَ رَكَعَهُمَا بِذِي طُوًى.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْفَرْضِ، فَالنَّفْلُ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلنُّصُوصِ.
وَعَنْهُ: وُجُوبُهُمَا، وَهِيَ أَظْهَرُ، فَلَوْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا كَرَكْعَتِيِ الْإِحْرَامِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَهُوَ أَقْيَسُ كَرَكْعَتِيِ الْفَجْرِ.
تَنْبِيهٌ: لَهُ جَمْعُ أَسَابِيعَ، ثُمَّ يُصَلِّي لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفَصْلِهِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ تَكْبِيرِ تَشْرِيقٍ عَنْ فَرْضٍ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى إِسْقَاطِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِيَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَطْعُهُ عَلَى شَفْعٍ، فَيُكْرَهُ الْجَمْعُ إِذَنْ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَفْعَلْهُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَهُ تَأْخِيرُ السَّعْيِ عَنِ الطَّوَافِ بِطَوَافٍ وَغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ) وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ (فَيَسْتَلِمُهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
[السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ]
(ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا) بِالْقَصْرِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْحِجَارَةُ الصُّلْبَةُ، وَالْآنَ ثُمَّ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ (مِنْ بَابِهِ وَيَسْعَى سَبْعًا يَبْدَأُ بِالصَّفَا فَيَرْقَى عَلَيْهِ) وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيَسْتَقْبِلَهُ، وَيُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَيْسَ فِيهِ «يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ» وَزَادَ «وَيَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا» ، «لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ رَقَى عَلَى الصَّفَا وَقَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا» وَالْأَحْزَابُ: هُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَغَطَفَانُ، وَالْيَهُودُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ
يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إِلَى الْعَلَمِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ، فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، فَإِنْ بَدَأَ
[المبدع في شرح المقنع]
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَزِيدُهُ عَلَى مَا سَبَقَ.
رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ (ثُمَّ يُلَبِّي) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُلَبِّي عَلَى الصَّفَا لِعَدَمِ فِعْلِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُهَا إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ كَمَا يَأْتِي، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ تُرْجَى فِيهِ الْإِجَابَةُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَالظَّاهِرُ بَلَى، لِلْخَبَرِ (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ) وَهُوَ الْمَيْلُ الْأَخْضَرُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إِذَا كَانَ مِنْهُ نَحْوُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ (فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إِلَى الْعَلَمِ) وَهُوَ الْمَيْلُ الْأَخْضَرُ بفناء المسجد حِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْمَلُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ كَالْمُؤَلِّفِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: بَلَى لِوُرُودِهِ فِي الْخَبَرِ (ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ) وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْحِجَارَةُ الْبِيضُ الْبَرَّاقَةُ الَّتِي يُقْدَحُ مِنْهَا النَّارَ، وَالْآنَ هُوَ الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ بِطَرَفِ السَّعْيِ (فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) مِنَ الِاسْتِقْبَالِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ «ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ يفعلِ ذَلِكَ سَبْعًا يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً» لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَلِكَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ، وَالذِّكْرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ
بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى طَاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوَالِيًا، وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَاهُ وَلَا تَرَمَلَ.
وَإِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ، فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى» وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا فَيُلْصِقُ عَقِبَهُ بِأَصْلِهِمَا، فَلَوْ تَرَكَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَلَوْ ذِرَاعًا لَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْقَى كَمَا مَرَّ (يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا) لِقَوْلِهِ «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ الْآيَةَ، وَقَالَ: نَبْدَأُ بِالصَّفَا اتَّبِعُوا الْقُرْآنَ فَمَا بَدَأَ بِهِ الْقُرْآنُ فَابْدَءُوا بِهِ وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: فَلَمَّا كَانَ آخِرَ طَوَافِهِ قَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْبُدَاءَةِ بِهِ الْخَتْمُ بِهَا (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) لِمُخَالَفَةِ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِهِ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا صَارَ إِلَى الصَّفَا اعْتَدَّ بِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى طَاهِرًا) مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ كَبَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (مُسْتَتِرًا) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الطَّهَارَةَ مَعَ آكَدِيَّتِهَا فَغَيْرُهَا أَوْلَى (مُتَوَالِيًا) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْمُوَالَاةَ كَالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، (وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ) وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ أَحَدُ الطَّوَافَيْنِ فَاشْتَرَطَ فِيهِ ذَلِكَ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّعْيَ بَعْدَ الطَّوَافِ، فَلَوْ عَكَسَ لَمْ يُجْزِئْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى سَهْوًا وَجَهْلًا، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: مَعَ دَمٍ، وَفِي شَرْطِ النِّيَّةِ قَالَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَزَادَ: وَأَنْ لَا يُقَدِّمَهُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ خِلَافُهُمَا، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْأَخِيرَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَنْعُهُ عَنْ أَحْمَدَ.
(وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَاهُ) لِئَلَّا
كَانَ مُعْتَمِرًا قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ وَتَحَلَّلَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحُجَّ.
وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ.
[المبدع في شرح المقنع]
تُزَاحِمَ الرِّجَالَ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، (وَلَا تَرْمُلُ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ لَهَا السَّتْرَ، وَفِيمَا ذُكِرَ انْكِشَافٌ لَهَا، وَكَذَا لَا تَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ، وَلَا يُسَنُّ فِيهِ اضْطِبَاعٌ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَإِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ، وَتَحَلَّلَ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجِّهِ، وَكَانَ يُحِلُّ إِذَا سَعَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّقْصِيرَ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَلْقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِلْأَمْرِ بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِيَتَوَفَّرَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّرْغِيبِ " حَلْقُهُ، وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْبَابِهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّقْصِيرِ، وَقُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ صَارَ قَارِنًا، فَإِنْ تَرَكَهُمَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِنْ قُلْنَا هُمَا نُسُكٌ، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يَحُجَّ) بَلْ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَيُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لَهَا، ثُمَّ لَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا يَوْمَ النَّحْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَعَنْهُ: مَنْ لَبَّدَ رَأَسَهُ أَوْ صَفَّرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " هُوَ بِمَنْزِلَةٍ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، لِحَدِيثِ حَفْصَةَ، وَقِيلَ: يُحِلُّ كَمَنْ لَمْ يَهْدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، وَعَنْهُ: إِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ، لَمْ يَنْحَرِ الْهَدْيَ حَتَّى يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحَرَ الْهَدْيَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ، حَلَّ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَمْ يُحِلَّ، وَاسْتِثْنَاءُ الْمُتَمَتِّعِ من المعتمر دَلِيلُ عُمُومِهِ (وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ) وَالْمُرَادُ: إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي حَلَّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ جَازَ ثُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
أَيْ: شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، وَلِأَنَّ التَّلْبِيَةَ إِجَابَةٌ إِلَى الْعِبَادَةِ وَشِعَارُ الْإِقَامَةِ عَلَيْهَا، وَالْأَخْذُ فِي التَّحَلُّلِ يُنَافِيهَا، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ فَإِذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ فَقَدْ أَخَذَ فِي التَّحَلُّلِ فَيَقْطَعُهَا كَمَا يَقْطَعُ الْحَاجُّ التَّلْبِيَةَ إِذَا شَرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ الْقَطْعِ بِالْمُتَمَتِّعِ كَالْخِرَقِيِّ، وَ " الْوَجِيزِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُتَمَتِّعُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ.
[بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ]
[صِفَةُ الْحَجِّ]
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ أَصْلُهُ حَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي حَلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا بِهَا مَنْ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ جَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْهُ: الْمَكِّيُّ يُهِلُّ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ، لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَهْلِ مَكَّةَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ جَاوَزَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَزِمَهُ دَمُ الْإِسَاءَةِ مَعَ دَمِ التَّمَتُّعِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَفِي " الرِّعَايَةِ ": يُحْرِمُ يَوْمَ تَرْوِيَةٍ أَوْ عَرَفَةَ، فَإِنْ غَيَّرَهُ، فَدَمٌ، وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُوَدِّعَهُ، وَطَوَافُهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى لِلْحَجِّ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَاضِحِ " وَ " الْكَافِي " فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَتَى بِهِ، وَسَعَى بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، (وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَرَوُّونَ فِيهِ الْمَاءَ لِمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَصْبَحَ يَتَرَوَّى فِي أَمْرِ الرُّؤْيَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(مِنْ مَكَّةَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ
يَخْرُجُ إِلَى مِنًى، فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ، وَيَبِيتُ بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، وَأَقَامَ بِنَمِرَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ وَوَقْتَهُ وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ.
وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ
[المبدع في شرح المقنع]
يُهِلُّونَ مِنْهَا» وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " وَ " الْإِيضَاحِ " مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي إِحْرَامِهِ مَا يَفْعَلُهُ فِي إِحْرَامِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ، وَيَطُوفُ سَبْعًا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ جَازَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ؛ لِأَنَّ الْأَبْطَحَ خَارِجٌ مِنَ الْبَلَدِ دَاخِلٌ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ بِهِ كَجَمْعِهِ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى مِنًى) قَبْلَ الزَّوَالِ (فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ) مَعَ الْإِمَامِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَبَقِيَّةَ الصَّلَوَاتِ إِلَى الْفَجْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَيَبِيتُ بِهَا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَحَلُّوا بِالْحَجِّ فَرَكِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ» . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَبِيتَ بِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْمُسْتَحَبَّاتِ، فَلَوْ صَادَفَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، كَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ حَتَّى زَالَتِ الشَّمْسُ، وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ) هِيَ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْوُقُوفِ، (وَأَقَامَ بِنَمِرَةَ) هِيَ مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ.
وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ.
قَالَ الْأَزْرُقِيُّ: هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ عَنْ يَمِينِكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ مَأْزَمَيْ عَرَفَةَ (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ» ، (ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خِطْبَةً) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ» ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِمَا، وَيُسَنُّ تَقْصِيرُهَا (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ، وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ) يَتَذَكَّرُ الْعَالِمُ، وَيَتَعَلَّمُ الْجَاهِلُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمَكَّةَ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ بَلَى يُعَلِّمُهُمْ مَا يَفْعَلُونَهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ
عُرَنَةَ وَهُوَ مِنَ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ مِنَ الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ رَاكِبًا وَقِيلَ: الرَّاجِلُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِقَامَتَيْنِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُؤَذِّنُ إِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ، فَإِذَا فَرَغَ، قَامَ فَخَطَبَ وَقِيلَ: يُؤَذِّنُ فِي آخِرِ خُطْبَةِ الْإِمَامِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكَيْفَمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَ " الْخِرَقِيُّ "؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَوَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ كُلَّ وَاقِفٍ بِعَرَفَةَ مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ صَلَّى مَعَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَرْكِ الْجَمْعِ كَمَا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْقَصْرِ، فَقَالَ: «أَتِمُّوا فَإِنَّا سَفْرٌ» ، وَلَوْ حُرِّمَ لِبَيَّنَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَبِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ اتَّخَذَ بِمَكَّةَ أَهْلًا، وَلَمْ يَتْرُكِ الْجَمْعَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ خِلَافُهُ، وَشَرَطَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ السَّفَرُ الطَّوِيلُ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ كَالْقَصْرِ، وَالْقَصْرُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ ذَكَرْنَا فَكَذَا الْجَمْعُ، وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ: يَجُوزُ لَهُمُ الْقَصْرُ كَالْجَمْعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُسَنُّ أَنْ يُعَجِّلَ، فَإِنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ فِي رَحْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ» .
[عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ]
(وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ، (وَهُوَ) أَيْ: حَدُّ عُرَنَةَ (مِنَ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عَرَفَةَ إِلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ
أَفْضَلُ.
وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَمِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ) وَاسْمُهُ " إِلَالٌ " عَلَى وَزْنِ هِلَالٌ (رَاكِبًا) مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ «لِقَوْلِ جَابِرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءَ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» . وَلِأَنَّ الرُّكُوبَ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَلَا يَشْرُعُ صُعُودُهُ إِجْمَاعًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَقِيلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ) ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - كَانُوا يَدْخُلُونَ الْحَرَمَ مُشَاةً، وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَيَقْضُونَ الْمَنَاسِكَ مُشَاةً، وَرُوِيَ أَنَّ آدَمَ حَجَّ أَرْبَعِينَ مَرَّةً مِنَ الْهِنْدِ عَلَى رِجْلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَكَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ، وَرُكُوبُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِيَعَلِّمَهُمُ الْمَنَاسِكَ وَيَرَوْهُ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ.
وَقِيلَ: سَوَاءٌ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ النَّاسِ.
(وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ) رَافِعًا يَدَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ تُرْجَى فِيهِ الْإِجَابَةٌ، (وَ) يُكْثِرُ (مِنْ قَوْلِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» لِمَا رَوَى عَلَيٌّ مَرْفُوعًا: «أَكْثَرُ دُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي وَدُعَائِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَذَكَرَهُ إِلَّا قَوْلَهُ: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ» ، وَعَنْ عَمْرُو
فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ فَمَنْ حَصَّلَ بِعَرَفَةَ فِي شَيْءٍ
[المبدع في شرح المقنع]
بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قِيلَ: لَهُ هَذَا ثَنَاءٌ، وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ
أَأُذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
«اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِي " الْمُحَرَّرِ " كَ " الْمُقْنِعِ " وَفِي " الْفُرُوعِ " الِاقْتِصَارُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": يَدْعُو بِمَا وَرَدَ، فَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ دَعَا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَرَى مَكَانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ مَنْ خَشَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنُهُ، وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ» .
(وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) لِمَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ووقف معنا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، وَقَضَى تَفَثُهُ.
رَوَاهُ
مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَلَوْ لَحْظَةً وَهُوَ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ، فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَمَنْ وَقَفَ بِهَا نَهَارًا وَدَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ وَافَاهَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَفَظُهُ لَهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا كَمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفَصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ: أَوَّلُهُ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْقُرْطُبِيُّ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
(فَمَنْ حَصَّلَ بِعَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، وَلَوْ لَحْظَةً، وَهُوَ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ) سَوَاءٌ كَانَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا، وَلَوْ نَائِمًا، صَحَّحَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، أَوْ مَارًّا مُجْتَازًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ سَكْرَانِ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ فِي الْمَنْصُوصِ بِخِلَافِ إِحْرَامٍ وَطَوَافٍ.
وَيَتَوَجَّهُ: فِي سَعْيٍ مِثْلُهُ، وَلَا مَجْنُونٍ بِخِلَافِ رَمْيِ جِمَارٍ وَمَبِيتٍ (وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَاتَهُ الْحَجُّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحَجُّ عَرَفَةُ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ رَكَنٌ لِلْعِبَادَةِ فَلَمْ يَتِمُّ بِدُونِهِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْقِفِ مِقْدَارُ صَلَاةٍ، صَلَّاهَا صَلَاةَ خَائِفٍ فِي الْأَظْهَرِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، (وَمَنْ وَقَفَ بِهَا) أَيْ: بِعَرَفَةَ نَهَارًا، (وَوَقَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ بِهَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي ذَلِكَ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بِهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ حَجِّهِ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: لَا حَجَّ لَهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا
لَيْلًا، فَوَقَفَ بِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً، أَسْرَعَ، فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ.
فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ، وَمَنْ فَاتَتْهُ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الدَّمَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَعُدْ قَبْلَ الْغُرُوبِ إِلَيْهَا، وَفِي " الْإِيضَاحِ ": قَبْلَ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: إِنْ عَادَ مُطْلَقًا، وَفِي " الْوَاضِحِ ": وَلَا عُذْرَ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِوَاقِفٍ لَيْلًا، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ (وَإِنْ وَافَاهَا لَيْلًا فَوَقَفَ بِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) وَحَجُّهُ تَامٌّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنَ النَّهَارِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ
[الدَّفْعُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ]
(ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ) سُمِّيَتْ بِهِ مِنَ الزَّلَفِ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحجاجَّ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إِلَيْهَا أَيْ: تَقَرَّبُوا، وَمَضَوْا إِلَيْهَا، وَتُسَمَّى جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا، (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) قَالَ: أَبُو حَكِيمٍ مُسْتَغْفِرًا، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَكُونُ فِي طَرِيقِهِ مُلَبِّيًا، وَيَذْكُرُ اللَّهَ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، «وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ بِالزِّمَامِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، وَفِيهِ أَرْدَفَ الْفَضْلُ، وَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» (فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً أَسْرَعَ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ أَيْ: أَسْرَعَ» قَالَ: هِشَامٌ النَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ، وَأُسَامَةُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِإِقَامَتَيْنِ فَقَطْ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى
الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِعَرَفَةَ، جَمَعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ دَفَعَ بَعْدَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
إِقَامَةٍ لِلْأُولَى فَلَا بَأْسَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَمَعَ بَيْنِهِمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَإِنْ أَذَّنَ لِلْأُولَى، وَأَقَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَحَسَنٌ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِزِيَادَةِ، وَكَسَائِرِ الْفَوَائِتِ، وَالْمَجْمُوعَاتِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَاخْتَارَ الْخِرَقِيُّ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ (فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ) الْمَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَأَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، (وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِعَرَفَةَ جَمَعَ وَحْدَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ فِي الْأُولَى إِجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ جَازَ مَعَ الْإِمَامِ جَازَ مُنْفَرِدًا كَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ، (ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا) وَهُوَ، وَاجِبٌ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَاتَ بِهَا، وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَسَمَّاهَا مَوْقِفًا (فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّ مَبِيتَ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْ أَكْثَرِهِ بِهَا وَاجِبٌ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ فَيَجِبُ الدَّمُ إِذَا لَمْ يَعُدْ لَيْلًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُبْ كَرُعَاةٍ وَسُقَاةٍ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالسَّاهِي، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ لِتَرْكِهِ النُّسُكَ.
(وَإِنْ دَفَعَ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ فَاتَ مُعْظَمُ اللَّيْلِ، وَالْمُعْظَمُ كَالْكُلِّ فَلَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ (وَإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَا شَيْءَ
شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ: مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ، وَوَادِي مُحَسِّرٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ، صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَيَرْقَى عَلَيْهِ، أَوْ يَقِفُ عِنْدَهُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوُفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198] ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] إِلَى أَنْ يُسْفِرَ ثُمَّ يَدْفَعُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ، كَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا، (وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ) أَيْ: طُلُوعِهِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَهُوَ الْمَبِيتُ بِهَا، وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِ «ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ، وَدَفْعِ الْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ (وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ: مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ) أَيْ: مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ، وَهُمَا جَبَلَانِ، (وَوَادِي مُحَسِّرٍ) وَمَا عَلَى يَمِينِ ذَلِكَ، وَشِمَالِهِ مِنَ الشِّعَابِ، وَنَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى ذَلِكَ لِيُعَلِّمَكَ أَنَّ أَيَّ مَوْضِعٍ وَقَفَ مِنْهَا، أَجْزَأَهُ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَفَ بِجَمْعٍ، وَقَالَ: ارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» (فَإِذَا أَصْبَحَ صَلَّى الصُّبْحَ) بِأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ (بِغَلَسٍ) «لِقَوْلِ جَابِرٍ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» ، وَلِيَتَتَبَّعَ وَقْتَ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
1 -
(ثُمَّ يَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ (فَيَرْقَى عَلَيْهِ) إِنْ أَمْكَنَهُ (أَوْ يَقِفُ عِنْدَهُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] وَفِي «حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ: النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَرَقِيَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ» ، (وَيَدْعُو فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ» ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198] ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ (إِلَى أَنْ يُسْفِرَ) «لِحَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» (ثُمَّ يَدْفَعُ) مِنْ مُزْدَلِفَةَ
رَمْيَةِ حَجَرٍ.
ثُمَّ يَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ، جَازَ، وَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى، وَحْدَهَا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ
[المبدع في شرح المقنع]
(قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَقَالَ عُمَرُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالَفَهُمْ فَأَفَاضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا) وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَسُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْسَرُ سَالِكَهُ (أَسْرَعَ) إِنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْ حَرَّكَ مَرْكُوبَهُ إِنْ كَانَ رَاكِبًا «لِقَوْلِ جَابِرٍ: فَلَمَّا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا» .
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْإِمْلَاءِ ": لَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِسِعَةِ الْمَوْضِعِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ (قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ) قَالَ الْأَصْحَابُ: وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَيُلَبِّي مَعَ ذَلِكَ.
(وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ) لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عِنْدَ قُدُومِهِ إِلَى مِنًى بِغَيْرِ الرَّمْيِ، فَإِنَّهُ تَحِيَّةُ مِنًى، كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْبَيْتُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُهُ مَنْ جَمْعٍ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَلِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ مِنًى كَانَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ رُمِيَ بِهِ (وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ جَازٌ) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَلَا خِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِابْنِ عَبَّاسٍ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ «الْقُطْ لِي حَصًا فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَا الْخَذَفِ، فَجَعَلَ يُنَفُضْهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: مِثْلِ هَذَا فَارْمُوا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَيُكْرَهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَتَكْسِيرِهِ، وَكَذَا مِنَ الْحَشِّ قَالَهُ فِي " الْفُصُولِ " (وَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ) كَحَصَى الْخَذَفِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: كُلُّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلُ حَصَى الْخَذَفِ، (وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً) ؛ لِأَنَّهُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بِسَبْعٍ، وَبَاقِيهَا فِي أَيَّامِ مِنًى كُلَّ يَوْمٍ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ.
1 -
(فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى) سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ فِيهَا مَوْتُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا (وَحَدُّهَا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ مِنًى؛ لِأَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ، وَيُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى الَّتِي
حَصَيَاتٍ، وَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
يَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) هِيَ آخِرُ الْجَمَرَاتِ مِمَّا يَلِي مِنًى وَأَوَّلُهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ، وَهِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَبِهَا سُمِّيَتْ فَصَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهَا، وَلِأَنَّهَا تَحِيَّةٌ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا شَيْءٌ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) رَاكِبًا إِنْ كَانَ، وَالْأَكْثَرُ مَاشِيًا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: يَرْمِي ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا» ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَابْنَ عُمَرَ كَانَا يَقُولَانِ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا وَضَعَهَا مِنْ غَيْرِ رَمْيٍ لَا يُجْزِئُهُ لِعَدَمِ الرَّمْيِ بَلْ لَوْ طَرَحَهَا أَجْزَأَتْ.
وَظَاهِرُ " الْفُصُولِ " لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ، فَلَوْ رَمَاهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ تُجْزِئْهُ عَنْها وَيُؤَدَّبُ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، فَيُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدَةٍ، وَيُكَمِّلُ السَّبْعَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا، وَاسْتَحَبَّهُ " الْخِرَقِيُّ " فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي حَجَرٍ كَبِيرٍ وَجْهَانِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِي عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ، لِفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ الرَّمْيُ مِنْ فَوْقِهَا لِفِعْلِ عُمَرَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، (وَيَرْفَعُ يَدَهُ) قَالَ: جَمَاعَةٌ يُمْنَاهُ (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الرَّمْيِ، وَأَمْكَنُ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ حُصُولِهَا فِي الْمَرْمَى، فَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى فَتَدَحْرَجَتْ حَصَاةٌ بِسَبَبِهَا، فَوَقَعَتْ فِيهِ أَوِ الْتَقَطَهَا طَائِرٌ بَعْدَ رَمْيِهَا قَبْلَ وُصُولِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ فَلَوْ وَقَعَتْ فِي مَكَانٍ صُلْبٍ، ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إِلَيْهِ أَوْ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبِ إِنْسَانٍ فَنَفَضَهَا مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُجْزِئُهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ، فَلَوْ رَمَاهَا وَشَكَّ
وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا.
وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، فَإِنْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِ الْحَصَى أَوْ حَجَرٍ رَمَى بِهِ مَرَّةً لَمْ يُجْزِئْهُ، وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى بَعْدَ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي وُقُوعِهَا فِيهِ، لَمْ يَسْقُطْ.
وَعَنْهُ: بَلَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَقِيلَ: يَكْفِي الظَّنُّ بِوُقُوعِهَا فِيهِ.
فَرْعٌ: إِذَا عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَإِذَا رَمَى، ثُمَّ تَرَكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ عَنْهُ (وَلَا) يُسَنُّ أَنْ (يَقِفُ عِنْدَهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ انْصَرَفَ، وَلَمْ يَقِفْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِضِيقِ الْمَكَانِ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَفِي لَفْظٍ: قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ.
رَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي " الْمَنَاسِكِ " وَلِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِهِ فَشَرَعَ قَطْعَهَا فِي ابْتِدَائِهِ، كَالْمُعْتَمِرِ يَقْطَعُهَا بِالشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ (فَلَوْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرْمِ إِلَّا بِالْحَصَى، وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ، وَعَنْهُ: بَلَى، فَإِنْ رَمَى بِخَاتَمٍ فَصُّهُ حَصَاةٌ، فَوَجْهَانِ (أَوْ غَيْرُ الْحَصَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَحْوَ الْكُحْلِ، وَالرُّخَامِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ شُرَطَهُ الْحَجَرِيَّةُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْجَوَاهِرُ الْمُنْطَبِعَةُ، وَالزَّبَرْدَجُ، وَالْيَاقُوتُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُ مَعَ الْجَهْلِ لَا الْقَصْدِ، لَكِنَّ الرُّخَامَ وَالْكِدَانَ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْإِجْزَاءِ، فِيهِ فَدَلَّ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْأَحْجَارِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ الْكَبِيرَ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِوُجُودِ الْحَجَرِيَّةِ، وَكَذَا الْقَوْلَانِ فِي الصَّغِيرِ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " (أَوْ حَجَرٍ رمى بِهِ مَرَّةً لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي
نِصْفِ اللَّيْلِ، أَجْزَأَهُ.
ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ.
وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ ثَانِيًا كَمَاءِ الْوُضُوءِ، وَلِأَخْذِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمى، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَمَا احْتِيجَ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ، (وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ جَابِرٍ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُسَنُّ بَعْدَ الزَّوَالِ (فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) أَيْ: لَيْلَةَ الْأَضْحَى (أَجْزَأَهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ، وَأَفَاضَتْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: نَصُّهُ لِلرِّعَاءِ خَاصَّةً الرَّمْيَ لَيْلًا، نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَبَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْأَخْبَارُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْاسْتِحْبَابِ فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ جَازَ، فَإِنْ غَرَبَتْ قَبْلَهُ فَمِنْ غَدٍ بَعْدَ الزَّوَالِ.
[نَحْرُ الْهَدْيِ]
(ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا) وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا (إِنَّ كَانَ مَعَهُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ أَيْ: بَقِيَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَاجِبٌ، اشْتَرَاهُ، وَنَحَرَهُ، وَإِلَّا فَإِنْ أَحَبَّ الْأُضْحِيَةَ اشْتَرَى مَا يُضَحِّي بِهِ.
قَوْلُهُ " ثُمَّ يَنْحَرُ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِبِلِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَيُذْبَحُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي الْهَدْيِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِبِلِ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا إِشْكَالَ فِي مَسْنُونِيَّتِهِ وَسَوْقِهِ وَوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ؛ لِيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَسَيَأْتِي.
[حَلْقُ الشَّعْرِ]
(وَيَحْلِقُ) بَعْدَ النَّحْرِ فَالْوَاوُ: بِمَعْنَى ثُمَّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِنًى فَدَعَا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ ثم دَعَا بِالْحَلَّاقِ فَأَخَذَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ فَجَعَلَ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ حَلَقَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَمِنْ ثَمَّ تُسْتَحَبُّ الْبِدَاءَةُ بِأَيْمَنِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَ الَّذِي عِنْدَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِنَ الْوَجْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ
شِعْرِهِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ، وَالْمَرْأَةُ تَقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ، ثُمَّ قَدْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْقِبْلَةَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَيَدْعُو، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": يِكَبِّرُ وَقْتَ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، قَالَ أَبُو حَكِيمٍ: وَلَا يُشَارِطُهُ عَلَى أُجْرَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِدُعَائِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُحَلِّقِينَ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ.
وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ حَلَقَ، وَبَعْضَهُمْ قَصَّرَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَكِنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَيَكُونُ التَّقْصِيرُ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الْحَلْقِ فَاقْتَضَى التَّعْمِيمَ لِلْأَمْرِ بِالتَّأَسِّي قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيَكُونُ مِقْدَارُ الْأُنْمُلَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ) قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُجْزِئُ مَا نَزَلْ عَنْ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَعْرِهِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَأْسًا ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْخِلَافِ " قَالَ: وَلَا يُجْزِئُ شَعْرُ الْأُذُنِ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُجْزِئْ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَقْصِيرُ جَمِيعِهِ.
فَائِدَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَالْأَكْثَرِ أَنَّ مَنْ لَبَّدَ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ عَقَصَ، فَكَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَحْلِقْ أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّقْصِيرُ مِنْ كُلِّهِ لِاجْتِمَاعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى النَّدْبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ حَلْقِ رَأَسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: وَلِحْيَتِهِ، فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى، وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي خِتَانٍ.
(وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ عَلَى
حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ، وَعَنْهُ: إِلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ، وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ إِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْحَلْقَ فِي حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ، فَعَلَى هَذَا تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: تَجْمَعُ شَعْرَهَا إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهِ قَدْرَهَا، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: يَجِبُ أُنْمُلَةٌ، وَالْأَشْهَرُ يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفِ لِحُكْمِ الْعَبْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ يُقَصِّرُ، وَلَا يَحْلَقُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ، (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ) بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَعْنَاهُ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْهُنَّ مِنَ الْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُهُ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَعَقْدُ النِّكَاحِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ حِلُّهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ.
(وَعَنْهُ) : يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ (إِلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ) ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ ظَاهِرٌ فِي وَطْئِهَا، وَلِأَنَّهُ أَغْلَظُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيُفْسِدُ النُّسُكَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، حَلَّ لَهُ بِدُخُولِهِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ.
رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ أَشْبَهَ الْقُبْلَةَ (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ) مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] فَوَصَفَهُمْ وَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَدَلَّ أَنَّهُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29] قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْحَلْقُ، وَقِيلَ: بَقَايَا أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنَ الرَّمْيِ وَنَحْوِهِ، وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ «فَلْيُقَصِّرْ أَوْ لِيُحَلِّلْ» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمْ يَتَوَقَّفِ الْحِلُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ وَلِلْمُقَصِّرِينَ، وَفَاضَلَ
أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ.
وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلَقَ عَلَى الرَّمْيِ أَوِ النَّحْرِ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيْنَهُمْ فَلَوْلَا أَنَّهُ نُسُكٌ لَمَا اسْتَحَقُّوا لِأَجْلِهِ الدُّعَاءَ، وَلَمَا وَقَعَ التَّفَاضُلُ فِيهِ، إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ فِي الْمُبَاحِ.
فَعَلَى هَذَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُذَمُّ بِتَرْكِهِ (إِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامٍ مِنًى فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] فَبَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ آخِرَهُ فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَ كَالطَّوَافِ، وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ دَمٌ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ النُّسُكَ فِي وَقْتِهِ أَشْبَهَ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ تَأْخِيرَهُ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ " الشَّرْحِ " أَخَصُّ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي مُوسَى حِينَ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَعْنَاهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَأَمَرَ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ وَلَا تَقْصِيرٍ، وَلَوْ كَانَ نُسُكًا، لَمَا أَمَرَ بِهِ إِلَّا بَعْدَهُ فَهُوَ كَاللِّبَاسِ، وَالطِّيبِ (لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ) وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِدُونِهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَبَيْنَ تَأْخِيرِهِ وَتَرْكِهِ، وَالْأَخْذُ مِنْ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَغَيْرِهِ.
[يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ]
(وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ هَذَا تَكْمِلَةُ الرِّوَايَةِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ، لِأَمْرِهِ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَطُوفَ وَيُقَصِّرَ ثُمَّ يُحِلَّ.» وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ، صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " لِقَوْلِهِ: «إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يُقَالَ هَلِ الْأَنْسَاكُ ثَلَاثَةٌ أَمِ اثْنَانِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَلِيهِ رَمْيٌ وَحَلْقٌ
جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالْإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ.
ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَطَوَافٌ، وَالثَّانِيَةُ: هُمَا نُسُكَانِ رَمْيٌ وَطَوَافٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَيَحْصُلُ الثَّانِي: بِفِعْلِ الثَّالِثِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَحْصُلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالثَّانِي بِالثَّانِي فَعَلَيْهَا الْحَلْقُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " نُسُكٌ كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ يَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ نُسُكٌ، وَيُحِلُّ قَبْلَهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ.
«وَالسُّنَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْمِيَ ثُمَّ يَنْحَرُ ثُمَّ يَحْلِقُ ثُمَّ يَطُوفُ، يُرَتِّبُهَا كَذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ (وَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ أَوِ النَّحْرِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، وَقَالَ آخَرُ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَعْنَاهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِ فَالنَّاسِي مِثْلُهُ، وَكَذَا إِذَا زَارَ أَوْ نَحَرَ قَبْلَ رَمْيِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا) عَامِدًا (فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَإِسْحَاقَ لِإِطْلَاقِ مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِيَةُ نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَتَّبَهَا وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ حَالَةُ الْجَهْلِ، وَالنِّسْيَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " لَمْ أَشْعُرْ " فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ: يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْإِخْلَالَ بِالتَّرْتِيبِ لَا يُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَنِ الْإِجْزَاءِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، (ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَةً) بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ جَمَاعَةٌ: بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزْنِيُّ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلَيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ وَالنَّاسُ بَيْنَ
وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ، وَأَوَّلُ
[المبدع في شرح المقنع]
قَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَيَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ» قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالْإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ) لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ: «خَطَبْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لَا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهَا تُسَنُّ فِي الْيَوْمِ قَبْلَهُ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ.
[الْإِفَاضَةُ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ]
(ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ! قَالَ: اخْرُجُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ) هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مِنًى فَيَزُورُ الْبَيْتَ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، بَلْ يَعُودُ إِلَى مِنًى، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عِنْدَ إِفَاضَتِهِ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ، وَيُسَمَّى: طَوَافَ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ يُصَدَرُ إِلَيْهِ مِنْ مِنًى، وَقِيلَ: طَوَافُ الصَّدْرِ هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ إِذِ الصَّدْرُ رُجُوعُ الْمُسَافِرِ مِنْ مَقْصِدِهِ، (وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ) لِخَبَرِ «الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ» ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ (وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ) إِجْمَاعًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ، لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَقَوْلِهِ: أَحَابِسَتُنَا؟ فَدَلَّ أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَوَصَفَهُ بِالتَّمَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ سِوَاهُ فَإِذَا أَتَى بِهِ حَصَلَ تَمَامُ الْحَجِّ.
لَا يُقَالُ: النَّصُّ الْوَارِدُ فِي عَرَفَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الطَّوَافُ، وَإِنَّ الْحَجَّ يَتِمُّ بِالْوُقُوفِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَبْقَ حَجُّهُ مُتَعَرِّضًا لِلْفَوَاتِ، وَالطَّوَافُ رَكَنٌ فِيهِ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ فَرَضِيَّتَهُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يَطُوفُ لِلْقُدُومِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَطُوفُ لِلْقُدُومِ كَعُمْرَتِهِ بِلَا رَمَلٍ، ثُمَّ لِلزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عند دُخُولُهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ قَبْلَ فِعْلِهِ الرُّجُوعُ
وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى جَازَ، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى، لَمْ يَسْعَ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَفْعَلُهُ عَقِبَ الْإِحْرَامِ، وَمَنَعَ فِي " الْمُغْنِي " مَسْنُونِيَّةَ هَذَا الطَّوَافِ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الطَّوَافِ، بَلِ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَأُقِيمَتِ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا، وَهَذَا هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ طَوَافَ الْقُدُومِ لَأَخَلَّتْ بِذِكْرِ الْفَرْضِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ، وَحُكْمُ الْمَكِّيِّ إِذَا أَحْرَمَ مِنْهَا وَالْمُنْفَرِدِ وَالْقَارِنِ إِذَا لَمْ يَأْتِيَا مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ كَالْمُتَمَتِّعِ.
(وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ) ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَمَتْ، ثُمَّ طَافَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَوَافَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخَانِ، وَعَنْهُ: أَوَّلُ وَقْتِهِ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِ الرَّمْيِ (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ) بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ، لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ أَفَاضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» ، وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: طَوَافَ الزِّيَارَةِ (عَنْهُ) أَيْ: يَوْمَ النَّحْرِ (وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: أُمِرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا، فَمَتَى أَتَى بِهِ، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَاخْتَارَ فِي " الْوَاضِحِ " وُجُوبَهُ بِلَا عُذْرٍ، وَلَا عَنْ أَيَّامِ مِنًى كَالسَّعْيِ، وَخرج الْقَاضِي وَغَيْرُهُ رِوَايَةً مِنَ الْحَلْقِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي سَعْيٍ.
(ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا) ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ أَوَّلًا لِعُمْرَتِهِ فَيَشْرَعُ أَنْ يَسْعَى لِلْحَجِّ (أَوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ) وَهُوَ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ، فَيَسْعَى؛ لِأَنَّهُ إِمَّا رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ طَوَافٍ، لِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمُتَابَعَتِهِ (وَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى) مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ (لَمْ يَسْعَ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: لَمْ يَطُفِ
فَيَشْرَبُ مِنْهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا،
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافُهُ الْأَوَّلُ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ بِالسَّعْيِ كَسَائِرِ الْأَنْسَاكِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ صَلَاةٌ (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلِّ شَيْءٍ) «لِقَوْلِ عُمَرَ لَمْ يُحِلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَيْءِ حَرِمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَتَمَّ هَدْيُهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَفَاضَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرِمَ مِنْهُ» ، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحِلَّ مُتَوَقِّفٌ عَلَى السَّعْيِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهِ، وَكَذَا إِنْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَحَكَاهُ فِي " التَّلْخِيصِ " رِوَايَةً، وَإِنْ قُلْنَا بِسُنِّيَّتِهِ، فَفِي حِلِّهِ قَبْلَهُ وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَالثَّانِي: لَا، وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَأْتِي بِهِ فِي إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ (ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا) «لِقَوْلِ جَابِرٍ: ثُمَّ أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ» ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " وَيَرُشُّ عَلَى بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ (لِمَا أَحَبَّ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي ذَرٍّ «إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» أَيْ: تُشْبِعُ شَارِبَهَا كَالطَّعَامِ (وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ) لِقَوْلِ ابْنِ
وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مَنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ.
فَصْلٌ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى، وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ بِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَهِيَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ
[المبدع في شرح المقنع]
عَبَّاسٍ لِرَجُلٍ: تَضَلَّعْ مِنْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، (وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَرِيًّا وَشِبَعًا وَشِفَاءً مَنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ» ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِخَيْرِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ " فَيُرْجَى لَهُ حُصُولُهُ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا شَرِبَ مِنْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ.
قَالَ: الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ إِنْ سَلِمَ مِنَ الْجَارُودِيِّ.
[الرُّجُوعُ إِلَى مِنًى وَالْبَيْتُوتَةُ فِيهَا]
فَصْلٌ (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى) فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «أَفَاضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى) بَلْ يَبِيتُ بِمِنًى ثَلَاثَ لَيَالٍ (وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ بِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " بِطُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَّا ثَالِثَ يَوْمٍ (كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا)
قَلِيلًا فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ - تَعَالَى - وَيُطِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا، وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الرَّمْيِ، وَفِي عَدَدِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: سَبْعٌ، وَالْأُخْرَى: يُجْزِئُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَى مَكَانٍ لَا يُصِيبُهُ الْحَصَى (فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ - تَعَالَى - وَيُطِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو) وَقَيَّدَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْمَقَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأَوْلَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ قِيَامًا طَوِيلًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ» ، فَلَوْ تَرَكَ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا، وَالدُّعَاءَ بَعْدُ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَإِنْ أَرَاقَ دَمًا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَعْنَاهُ.
(وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الرَّمْيِ) يَعْنِي يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأَوْلَى، ثُمَّ بِالَّتِي تَلِيهَا؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ يَتَكَرَّرُ فَكَانَ التَّرْتِيبُ شَرْطًا فِيهِ كَالسَّعْيِ، فَلَوْ نَكَّسَ فَبَدَأَ بِجَمْرَةٍ العقبة، ثُمَّ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الْأَوْلَى، أَوْ بَدَأَ بِالْوُسْطَى، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا الْأُولَى، وَأَعَادَ الْوُسْطَى وَالْقُصْوَى، نَصَّ عَلَيْهِ (وَفِي عَدَدِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: سَبْعٌ) وَهِيَ الْمَذْهَبُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ
خَمْسٌ فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الْجَمَرَاتِ تَرَكَهَا، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ، فَرَمَاهُ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَجْزَأَهُ، وَيُرَتِّبُهُ بِنْيَتِهِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى مِنْ لَيَالِيَهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَفِي حَصَاةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَا فِي حَلْقِ شَعْرَةٍ، وَلَيْسَ
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَفِعْلُهُ خَرَجَ بَيَانًا لِصِفَةِ الرَّمْيِ الْمَشْرُوعِ (وَالْأُخْرَى: يُجْزِئُهُ خَمْسٌ) إِذِ الْأَكْثَرُ يُعْطَى حُكْمَ الْكُلِّ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ التَّسَاهُلُ فِي الْبَعْضِ.
وَعَنْهُ: سِتٌّ، لِمَا رَوَى سَعْدٌ قَالَ: «رَجَعْنَا مِنَ الْحَجَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، وَبَعْضٌ يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعٍ فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَعْنَاهُ (فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ) لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ الْمُشْتَرَطِ، فَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ لَمْ يُؤَثِّرْ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الْجَمَرَاتِ تَرَكَهَا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) لِيَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا (وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ) وَمِنْ جُمْلَتِهِ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ (فَرَمَاهُ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِذَا أَخَّرَهُ إِلَى آخِرِ وَقْتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهِ، لَكِنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَيَكُونُ أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: قَضَاءٌ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْفِعْلِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29] ، فَلَوْ أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إِلَى الْغَدِ رَمَى رَمْيَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَيرتبهُ بِنِيَّتِهِ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْوِي الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِبَادَاتٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا مَعَ فِعْلِهَا فِي أَيَّامِهَا، فَوَجَبَ تَرْتِيبُهَا كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ وَالْفَوَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ.
(وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) فَعَلَيْهِ دَمٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا وَاجِبًا كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ عَنِ الْمِيقَاتِ، وَلَا يَأْتِي بِهِ كَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى (أَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى مِنْ لَيَالِيَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِوُجُوبِهِ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَمْ يُرَخِّصِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَحَدٍ يَبِيتُ بِمَكَّةَ إِلَّا الْعَبَّاسَ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا رَمَيْتَ الْجَمْرَةَ فَبِتْ حَيْثُ شِئْتَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ مِنْ حَجِّهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ.
(وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، قَالَهُ
عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى.
فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءُ الْمَبِيتُ دُونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَاضِي، (وَفِي حَصَاةٍ أَوْ) مَبِيتِ (لَيْلَةٍ مَا فِي حَلْقِ شَعْرَةٍ) عَلَى الْخِلَافِ أَمَّا أَوَّلًا فَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَنْهُ: عَمْدًا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ الْجَمَاعَةِ، وَالْأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ: فِي ثِنْتَيْنِ كَثَلَاثٍ فِي الْمَنْصُوصِ.
وَعَنْهُ: وَاحِدَةُ هَدَرٌ، وَعَنْهُ: وَثِنْتَانِ، وَأَمَّا ثَانِيًا، فَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَعَنْهُ: كَشَعْرَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نُسُكًا بِمُفْرَدِهَا، بِخِلَافِ مُزْدَلِفَةَ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ.
(وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو الْبَدَّاحِ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُمَا يَشْتَغِلُونَ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، وَالرَّعْيِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَهُمُ الرَّمْيُ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.
فَائِدَةٌ: أَهْلُ السِّقَايَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، وَالرِّعَاءُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهَاءٍ فِي آخِرِهِ، وَبِكَسْرِ الرَّاءِ مَمْدُودًا بِلَا هَاءٍ، وَهِيَ لُغَةُ الْقُرْآنِ.
(فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ الْمَبِيتُ) ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمَبِيتِ بِهَا إِنَّمَا كَانَ لِلْحَاجَةِ فَإِذَا غَرَبَتْ زَالَتْ حَاجَةُ الرِّعَاءِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ النَّهَارُ، وَصَارَ كَالْمَرِيضِ الَّذِي سَقَطَ عَنْهُ حُضُورُ الْجُمْعَةِ لِمَرَضِهِ، فَإِذَا حَضَرَهَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ (دُونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ) لِأَنَّهُمْ يَسْقُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا.
فَرْعٌ: مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ أَوْ مَوْتَ مَرِيضٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَكَذَا عُذْرُ خَوْفٍ أَوْ مَرِضٍ كَالرِّعَاءِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ لِلْمَعْنَى (وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ قَالَا: «رَأَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَطَ
التَّشْرِيقِ خُطْبَةٌ يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَتَوْدِيعِهِمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ مِنَ الْغَدِ.
فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ إِذَا فَرَغَ مِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَتَوْدِيعَهُمْ) » ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ لِيُذَكِّرَ الْعَالِمَ، وَيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: يَزُورُ الْبَيْتَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى، وَمِنْهُمُ من يختار الْإِقَامَةُ بِمِنًى، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ» (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) أَيْ: يُعَجِّلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ (خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] وَالتَّخْيِيرُ هُنَا لِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ أَفْضَلَ.
وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ مُرِيدَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي لِمَنْ نَفَرَ الْأَوَّلَ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ لِقَوْلِ عُمَرَ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى الاستحباب محافظة على الْعُمُومِ، فَلَوْ عَادَ فَلَا يَضُرُّ رجوعه لِحُصُولِ الرُّخْصَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَيَدْفِنُ بَقِيَّةَ الْحَصَا فِي الْأَشْهَرِ.
زَادَ بَعْضُهُمْ: فِي الْمَرْمَى، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: يَرْمِي بِهِنَّ كَفِعْلِهِ فِي اللَّوَاتِي قَبْلَهُ (فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا لَزِمَهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ مِنَ الْغَدِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ التَّعْجِيلَ فِي الْيَوْمِ، وَهُوَ اسْمٌ لِتَأَخُّرِ النَّهَارِ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَوْمِ فَهُوَ مِمَّنْ تَأَخَّرَ، وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنًى، فَلَا يَنْفِرْ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَيَكُونُ الرَّمْيُ بَعْدَ الزَّوَالِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيِّ: إِنَّهَا رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ فِيهِ بَعْدُ.
وَعَنْهُ: أَوْ قَبْلَهُ، وَهُوَ النَّفْرُ الثَّانِي، لَكِنْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ الْمُقِيمِ لِلْمَنَاسِكِ التَّعْجِيلُ لِأَجْلِ مَنْ يَتَأَخَّرُ قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَفَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَحْدَهُ: مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَهْجَعُ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ،
جَمِيعِ أُمُورِهِ، فَإِنْ وَدَّعَ، ثُمَّ اشْتَغَلَ فِي تِجَارَةٍ أَوْ أَقَامَ، أَعَادَ الْوَدَاعَ وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ» ، قَالَ: التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ.
[طَوَافُ الْوَدَاعِ]
(فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ إِذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْخُرُوجِ، وَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ النَّفْرِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَمَنْ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ كَالْمَكِّيِّ، وَذُكِرَ فِي " التَّعْلِيقِ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْسَ مِنَ الْحَجِّ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِيمَنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ.
ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُقَبِّلُ الْحَجَرَ قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " كُلَّمَا دَخَلَ (فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ فِي تِجَارَةٍ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَوْ شِرَاءِ حَاجَةٍ بِطَرِيقِهِ (أَوْ أَقَامَ) بَعْدَ الْوَدَاعِ لِغَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (أَعَادَ الْوَدَاعَ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ قِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَدَّعَ ثُمَّ نَفَرَ يَشْتَرِي طَعَامًا يَأْكُلُهُ؟ قَالَ: لَا يَقُولُونَ حَتَّى يَجْعَلَ الرَّدْمَ، وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يَلْتَفِتُ فَإِنِ الْتَفَتَ، وَدَّعَ قَدَّمَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " وَغَيْرِهِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُوَلِّي ظَهْرَهُ حَتَّى يَغِيبَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَقَطَعَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِنْ قَضَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ أَوِ اشْتَرَى زَادًا أَوْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فِي طَرِيقِهِ لَمْ يُعِدْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ.
(وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ يُجْزِئُ عَنْهُ الْوَاجِبُ مِنْ حَقِّهِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتِيِ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ