المبدع في شرح المقنعصفحات 354-4

قَوْلُ الْأَسِيرِ، وَعَنْهُ: قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ.
وَمَنْ أُعْطِيَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا، فَفَتَحَهُ وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَخْرُجُ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَعَنْهُ: قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ) لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْكَافِرُ ذَا قُوَّةٍ، وَمَعَهُ سِلَاحُهُ، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا مَسْلُوبًا سِلَاحُهُ، فَالظَّاهِرُ كَذِبُهُ؛ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَنَازَعَ الْحُكْمَ أَصْلَانِ أَحَدُهُمَا: مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ لِلدَّعْوَى الْمُوجِبَةِ، وَالثَّانِي: احْتِمَالُ الصِّدْقِ فِي الدَّعْوَى الْمَانِعَةِ، فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْقَرِينَةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ أَعْلَاجٌ اسْتَقْبَلُوا سَرِيَّةً دَخَلَتْ بَلَدَ الرُّومِ، فَقَالُوا: جِئْنَا مُسْتَأْمِنِينَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: إِنِ اسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ.
قُلْتُ: إِنْ هُمْ وَقَفُوا فَلَمْ يَبْرَحُوا وَلَمْ يُجَرِّدُوا سِلَاحًا؟ فَرَأَى لَهُمُ الْأَمَانَ.
فَرْعٌ: إِذَا طَلَبَ الْكَافِرُ الْأَمَانَ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَيَعْرِفَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ لَزِمَ إِجَابَتُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى مَأْمَنِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِلنَّصِّ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(وَمَنْ أُعْطِيَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا فَفَتَحَهُ) أَوْ أَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا حَرُمَ قَتْلُهُمْ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْتَمَلُ صِدْقُهُ، وَاشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمُحَرَّمِ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ تَغْلِيبُ التَّحْرِيمِ، كَمَا لَوِ اشْتَبَهَ زَانٍ مُحْصَنٌ بِمَعْصُومِينَ (وَاسْتِرْقَاقُهُمْ) لِأَنَّ اسْتِرْقَاقَ مَنْ لَا يَحِلُّ اسْتِرْقَاقُهُ مُحَرَّمٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا حَاصَرُوا حِصْنًا فَطَلَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ الْأَمَانَ لِيَفْتَحَهُ لَهُمْ، جَازَ أَنْ يُعْطُوهُ أَمَانًا، لِقَوْلِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وَصَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ " (يُخْرَجُ وَاحِدٌ بِالْقُرْعَةِ) لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَيَخْرُجُ صَاحِبُ الْأَمَانِ بِهَا.
(وَيُسْتَرَقُّ الْبَاقُونَ) كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ، ثُمَّ أَشْكَلَ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ يُدْرَأُ بِهَا لِشُبْهَةٍ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ لَوْ نَسِيَ أَوِ اشْتَبَهَ مَنْ لَزِمَهُ قَوْدٌ، فَلَا قَوْدَ.
وَفِي الدِّيَةِ بِقُرْعَةٍ الْخِلَافُ.

وَاحِدٌ بِالْقَرْعَةِ، وَيُسْتَرَقُّ الْبَاقُونَ.
.

وَيَجُوزُ عَقْدُ الْأَمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ، وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ، وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ جَاسُوسًا، خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ حَمَلَتْهُ

[المبدع في شرح المقنع]

[جَوَازُ عَقْدِ الْأَمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ]

(وَيَجُوزُ عَقْدُ الْأَمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُؤَمِّنُ رُسُلُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمَّا «جَاءَهُ رُسُلُ مُسَيْلِمَةَ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ» وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ ، إِذْ لَوْ قُتِلَ، لَفَاتَتْ مَصْلَحَةُ الْمُرَاسَلَةِ.
وَظَاهِرُهُ جَوَازُ عَقْدِ الْأَمَانِ لِكُلٍّ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَمُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَطَوِيلَةٍ بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا مُقَيَّدَةً؛ لِأَنَّ فِي جَوَازِهَا مُطْلَقًا تَرْكًا لِلْجِهَادِ.
(وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ) أَيِ: الْأَمَانَ (بِغَيْرِ جِزْيَةٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أُبِيحَ لَهُ الْإِقَامَةُ فِي دَارِنَا مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ جِزْيَةٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالنِّسَاءِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ) . وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ، أَيْ: يَلْتَزِمُونَهَا، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْإِعْطَاءِ، وَلِأَنَّهَا تَخَصَّصَتْ بِمَا دُونَ الْحَوْلِ اتِّفَاقًا، فَيُقَاسُ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ.
(وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ قُبِلَ مِنْهُ) لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَتْلِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ إِلَيْهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
أَمَّا الرَّسُولُ فَلِمَا سَبَقَ، وَأَمَّا التَّاجِرُ، فَلِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ بِمَالِهِ، وَلَا سِلَاحَ مَعَهُ، دَلَّ عَلَى قَصْدِهِ الْأَمَانَ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمُؤَلِّفُ هُنَا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِهِ، وَالْمَذْهَبُ اشْتَرَطَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الشَّرْطِ.
فَإِذَا انْتَفَتْ، وَدَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْعِصْمَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تِجَارَةٌ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِذَا قَالَ: جِئْتُ مُسْتَأْمَنًا، لِأَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ.
(وَإِنْ كَانَ جَاسُوسًا) وَهُوَ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ، وَعَكْسُهُ النَّامُوسُ (خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ قَصَدَ نِكَايَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَخُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ حَمَلَتْهُ

الرِّيحُ فِي مَرْكَبٍ إِلَيْنَا، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ.
وَعَنْهُ: يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أَوْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، بَقِيَ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

الرِّيحُ فِي مَرْكَبٍ إِلَيْنَا، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ لِآخِذِهِ كَالصَّيْدِ، وَكَذَا لَوْ شَرَدَ إِلَيْنَا دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّهِمْ أَوْ أَبَقَ رَقِيقٌ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِآخِذِهِ غَيْرُ مَخْمُوسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَعَنْهُ: يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ مَالُ مُشْرِكٍ ظَهَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكُوهُ فَزَعًا، وَعَنْهُ: إِنْ دَخَلَ قَرْيَةً وَأَخَذُوهُ، فَهُوَ لِأَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَكَّنَ بِأَخْذِهِ بِقُوَّتِهِمْ.
تَنْبِيهٌ: يَحْرُمُ دُخُولُهُ إِلَيْنَا بِلَا إِذْنٍ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ رَسُولًا وَتَاجِرًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " دُخُولُهُ لِسِفَارَةٍ، أَوْ لِسَمَاعِ قُرْآنٍ، أُمِّنَ بِلَا عَقْدٍ، لَا لِتِجَارَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهَا بِلَا عَادَةٍ، فَإِذَا دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَجَارَ، انْتَقَضَ أَمَانُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَدْرٌ، وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا، وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَسُولٌ أَوْ تَاجِرٌ بِأَمَانِهِمْ فخيانتهم محرمة عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَدُلُّ.
(وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمِنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أَوْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ) مُقِيمًا أَوْ نَقَضَ ذِمِّيٌّ عَهْدَهُ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ لَمْ يَلْحَقْ (بَقِيَ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ، ثَبَتَ لِمَالِهِ، فَإِذَا بَطَلَ فِي نَفْسِهِ بِدُخُولِهِ إِلَيْهَا، بَقِيَ فِي مَالِهِ الَّذِي لَمْ يَدْخُلِ الِاخْتِصَاصَ الْمُبْطِلَ بِنَفْسِهِ.
لَا يُقَالُ: إِذَا بَطَلَ فِي الْمَتْبُوعِ، فَالتَّابِعُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَبَعًا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَإِذَا بَطَلَ فِي إِحْدَاهُمَا بَقِيَ الْآخَرُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ بَقَاءُ حُكْمِ التَّبَعِ، وَإِنْ زَالَ فِي الْمَتْبُوعِ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ ثَبَتَ لِوَلَدِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَاءِ تَبَعًا لَهَا، وَيَبْقَى حُكْمُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَقِيلَ: يَنْتَقِضُ فِيهِ، وَيَصِيرُ فَيْئًا، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ مَالُ حَرْبِيٍّ قُدِرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَرْبٍ، فَيَكُونُ فَيْئًا، كَمَالِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْهُمْ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ فِي مَالِ الذِّمِّيِّ دُونَ الْحَرْبِيِّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ ثَبَتَ فِي مَالِ الْحَرْبِيِّ

وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ إِنْ طَلَبَهُ، فَإِنْ مَاتَ، فَهُوَ لِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَهُوَ فَيْءٌ، وَإِنْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا، فَأَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطُوا شَيْئًا، أَوْ شَرَطُوا كَوْنَهُ رَقِيقًا، فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَيَسْرِقَ وَيَهْرُبَ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ

[المبدع في شرح المقنع]

بِدُخُولِهِ مَعَهُ، فَالْأَمَانُ ثَابِتٌ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْأَصَالَةِ كَمَا لَوْ بَعَثَهُ مَعَ وَكِيلٍ أَوْ مُضَارِبٍ، بِخِلَافِ مَالِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ مُكْتَسَبٌ بَعْدَ عَقْدِ ذِمَّةٍ.
وَقَوْلُنَا: " مُقِيمًا " يَخْرُجُ بِهِ مَا لَوْ خَرَجَ إِلَيْهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ، فَإِنَّ أَمَانَهُ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (يُبْعَثُ إِلَيْهِ إِنْ طَلَبَهُ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ، صَحَّ (فَإِنْ مَاتَ) بِدَارِ الْحَرْبِ (فَهُوَ لِوَارِثِهِ) لِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَبْطُلْ فِيهِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَيْهِ عَلَى صِفَتِهِ مِنْ تَأْجِيلٍ وَرَهْنٍ، فَكَذَا هُنَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَهُوَ فَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَصَارَ فَيْئًا، كَمَا لَوْ مَاتَ فِي دَارِنَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَرِثْهُ، لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، فَلَوْ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أُسِرَ وَاسْتُرِقَّ، فَقِيلَ: يَصِيرُ فَيْئًا، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُوقَفُ، فَإِنْ عَتَقَ، أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِمَالِكٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ سَبَبُ الِانْتِقَالِ، فَيُتَوَقَّفُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ السَّبَبُ، وَإِنْ مَاتَ قَنًّا، فَفَيْءٌ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُورَثُ، وَقِيلَ: لِوَارِثِهِ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِهِ عَلَى الرِّقِّ تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ مِلْكِهِ مِنْ حِينِ اسْتِرْقَاقِهِ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.
(وَإِنْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا فَأَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً) أَوْ أَبَدًا قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " (لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: 91] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» فَعَلَيْهِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ، وَقِيلَ: بَلَى (وَإِنْ) أَطْلَقُوهُ وَ (لَمْ يَشْرُطُوا شَيْئًا أَوْ شَرَطُوا كَوْنَهُ رَقِيقًا) وَلَمْ يَأْمَنُوهُ (لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَيَسْرِقَ وَيَهْرُبَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْأَمَانُ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ مِنَ الْوِثَاقِ لَا يَكُونُ أَمَانًا، وَمَعَ الرِّقِّ يَنْتَفِي الْأَمَانُ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا أَطْلَقُوهُ فَقَدْ أَمَّنُوهُ، فَلَوْ أَحْلَفُوهُ مُكْرَهًا، لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَفِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ: لَا يَلْزَمُهُ

بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَالًا وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ عَادَ إِلَيْهِمْ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، فَلَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ أَيْضًا.

[المبدع في شرح المقنع]

الْإِقَامَةُ، فَإِنْ أَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ فَلَهُ الْهَرَبُ لَا الْخِيَانَةُ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا بِأَمَانِهِ فِي أَمَانٍ مِنْهُ، فَإِذَا خَالَفَ فَهُوَ غَادِرٌ (وَإِنْ أَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَالًا) بِاخْتِيَارِهِ، لَزِمَهُ إِنْفَاذُ الْمَالِ إِلَيْهِمْ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَاهَدَهُمْ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ كَثَمَنِ الْبَيْعِ.
(وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ، عَادَ إِلَيْهِمْ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ) نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ فِي الْوَفَاءِ مَصْلَحَةً لِلْأُسَارَى، وَفِي الْغَدْرِ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِمْ، لِكَوْنِهِمْ لَا يَأْمَنُونَ بَعْدَهُ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّ فِي رُجُوعِهَا تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى وَطْئِهَا حَرَامًا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ أَيْضًا) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إِلَيْهِمْ، وَالْبَقَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ مَعْصِيَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِالشَّرْطِ كَالْمَرْأَةِ، وَكَمَا لَوْ شَرَطَ قَتْلَ مُسْلِمٍ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا عَاهَدَ قُرَيْشًا عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا، فَرَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ إِلَى أَبِيهِ سُهَيْلٍ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ إِلَّا رَدَّهُ.
فَإِنْ تَعَارَضَ فِدَاءُ عَالِمٍ، وَجَاهِلٍ بُدِئَ بِالْجَاهِلِ، لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بِالْعَالِمِ لِشَرَفِهِ، وَحَاجَتِنَا إِلَيْهِ، وَكَثْرَةِ الضَّرَرِ بِفِتْنَتِهِ.
وَلَوْ جَاءَ الْعِلْجُ بِأَسِيرٍ عَلَى أَنْ يُفَادِيَ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجِدْ قَالَ أَحْمَدُ: يَفْدِيهِ الْمُسْلِمُونَ إِنْ لَمْ يُفْدَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يُرَدُّ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ بِإِذْنِهِ، لَزِمَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَنَائِبِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْمُرَادُ: مَا لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْأَسِيرِ بِالْأَصْلِ، وَيَجِبُ فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْإِمْكَانِ؛ لِقَوْلِهِ: وَفُكُّوا الْعَانِيَ، وَكَذَا شِرَاءُ أَسْرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّا قَدِ الْتَزَمْنَا حِفْظَهُمْ بِأَخْذِ جِزْيَتِهِمْ، فَلَزِمَنَا الدَّفْعُ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا اسْتَعَانَ بِهِمُ الْإِمَامُ فِي قِتَالِهِمْ، فَيَبْدَأُ بِفِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُمْ لِحُرْمَتِهِمْ.

بَابُ الْهُدْنَةِ.
وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْهُدْنَةِ وَالذِّمَّةِ إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، جَازَ لَهُ عَقْدُهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً وَإِنْ طَالَتْ.
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرِ مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

[بَابُ الْهُدْنَةِ]

[لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْهُدْنَةِ وَالذِّمَّةِ إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ]

وَأَصْلُهَا السُّكُونُ، وَشَرْعًا: هِيَ عَقْدُ إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مَعْلُومَةً لَازِمَةً، وَيُسَمَّى مُهَادَنَةً، وَمُوَادَعَةً، وَمُعَاهَدَةً، وَمُسَالَمَةً، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1] ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61] وَالسُّنَّةُ مَا رَوَى مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى وَضْعِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ» ، وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، فَيُهَادِنُهُمْ حَتَّى يَقْوَوْا.
(وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْهُدْنَةِ وَالذِّمَّةِ إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. (أَوْ نَائِبِهِ) لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَمُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمَا مَحَلًّا لِذَلِكَ، لِعَدَمِ وَلَايَتِهِمْ، وَلَوْ جُوِّزَ ذَلِكَ لِلْآحَادِ، لَزِمَ تَعْطِيلُ الْجِهَادِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " لِآحَادِ الْوُلَاةِ عَقْدُهُ مَعَ أَهْلِ قَرْيَةٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ هَادَنَهُمْ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الصُّلْحِ دَارَ الْإِسْلَامِ، كَانَ أَمْنًا لِاعْتِقَادِهِ، وَلَا يُقَرُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يُرَدُّ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ مَاتَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ عُزِلَ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ، وَعَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُهُ إِمْضَاؤُهُ لِئَلَّا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ، وَيَسْتَمِرُّ مَا لَمْ يَنْقُضْهُ الْكُفَّارُ بِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ) إِمَّا لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْقِتَالِ، وَإِمَّا بِإِعْطَاءِ مَالٍ مَنًّا ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ (جَازَ لَهُ عَقْدُهَا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَادَنَ قُرَيْشًا (مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَإِنْ طَالَتْ) لِأَنَّ مَا وَجَبَ تَقْدِيرُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ

عَشْرِ سِنِينَ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الْعَشْرِ، بَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ، وَفِي الْعَشْرِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا، لَمْ يَصِحَّ.

وَإِنْ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا، كَنَقْضِهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ رَدِّ النِّسَاءَ

[المبدع في شرح المقنع]

مَعْلُومًا، كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَفِيهِ وَجْهٌ كَالْخِيَارِ، إِذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الطَّوِيلَةِ كَالْقَصِيرَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا تَجُوزُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ فَجَازَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا كَمُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ عَقْدُهَا لِلْمَصْلَحَةِ ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَتْ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ.
(وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ) قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] الْآيَةَ، خُصَّ مِنْهُ الْعَشْرُ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ (فَإِنْ زَادَ عَلَى الْعَشْرِ، بَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ) لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا.
(وَفِي الْعَشْرِ رِوَايَتَانِ) مَبْنِيَّتَانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَقَدَهَا مَجَّانًا مَعَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِظْهَارِهِمْ، لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةِ رَجَاءِ إِسْلَامِهِمْ، فَيَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَالَحَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى غَيْرِ مَالٍ بَلْ لِمَصْلَحَةِ تَرْكِ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ اللَّهِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا بَدَلٍ، وَفِي " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُبْهِجِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " عَلَى الْمَنْعِ: يَجُوزُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] وَفِيمَا فَوْقَهَا، وَدُونَ الْحَوْلِ وَجْهَانِ، فَأَمَّا الْحَوْلُ، فَلَا يَجُوزُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَجْهًا وَاحِدًا.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا بِمَالٍ مَنًّا إِلَّا لِضَرُورَةٍ شَدِيدَةٍ مِثْلَ أَنْ يُحَاطَ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي " الْفُنُونِ " لِضَعْفِنَا مَعَ الْمَصْلَحَةِ . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: لِحَاجَةٍ، وَكَذَا قَالَهُ أَبُو يَعْلَى فِي " الْخِلَافِ " فِي الْمُؤَلَّفَةِ، وَاحْتَجَّ لِعَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى بَذْلِ شَطْرِ نَخْلِ الْمَدِينَةِ.
(وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ؛ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.

[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الْهُدْنَةِ]

(وَإِنْ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا كَنَقْضِهَا مَتَى شَاءَ) لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، إِذْ هُوَ عَقْدٌ مُؤَقَّتٌ، فَكَانَ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْمَشِيئَةِ بَاطِلًا كَالْإِجَارَةِ.
وَكَذَا إِنْ قَالَ: هَادَنْتُكُمْ مَا شِئْنَا أَوْ شَاءَ فُلَانٌ.
لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِقَوْلِهِ «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ

إِلَيْهِمْ، أَوْ صَدَاقِهِنَّ أَوْ سِلَاحِهِمْ، أَوْ إِدْخَالِهِمُ الْحَرَمَ، بَطَلَ الشَّرْطُ.
وَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ.
.

وَإِنْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِمًا، جَازَ، وَلَا يَمْنَعُهُمْ أَخْذَهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

اللَّهُ» . وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ صِحَّتَهُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَيَعْمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ.
وَأَخَذَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " مِنْ قَوْلِهِ «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» جَوَازَ إِجْلَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِذَا اسْتُغْنِيَ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ (أَوْ رَدِّ النِّسَاءِ) الْمُسْلِمَاتِ (إِلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَ الصُّلْحَ فِي النِّسَاءِ» ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا، وَلَا يُمْكِنَهَا أَنْ تَغْزُوَ، وَكَذَا شَرْطُ رَدِّ صَبِيٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهَا فِي ضَعْفِ الْعَقْلِ، وَالْعَجْزِ عَنِ التَّخَلُّصِ وَالْهَرَبِ بِخِلَافِ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ، فَيَجُوزُ شَرْطُ رَدِّنَا (أَوْ صَدَاقِهِنَّ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ بُضْعَ الْمَرْأَةِ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّ الْمَهْرَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ شَرَطَ رَدَّ النِّسَاءِ، وَكَانَ شَرْطًا صَحِيحًا، ثُمَّ نُسِخَ فَوَجَبَ رَدُّ الْبَدَلِ لِصِحَّةِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ حُكْمِ مَنْ بَعْدَهُ؛ فَإِنَّ رَدَّ النِّسَاءِ نُسِخَ فَلَمْ يَبْقَ صَحِيحًا، وَنَصَرَ فِي " الْمُبْهِجِ " الْأُولَى كَمَا لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ.
وَفِي لُزُومِ مُسْلِمٍ تَزَوَّجَهَا رَدُّ مَهْرِهَا الَّذِي كَانَ دَفَعَهُ إِلَيْهَا زَوْجٌ كَافِرٌ إِلَيْهِ رِوَايَتَانِ.
وَقَدَّمَ فِي " الِانْتِصَارِ " رَدَّ الْمَهْرِ مُطْلَقًا إِنْ جَاءَ بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَإِلَّا رُدَّتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعَى نَسْخَهُ؛ وَإِنْ نَصَّ أَحْمَدُ لَا يَرُدُّهُ (أَوْ) رَدِّ (سِلَاحِهِمْ) وَكَذَا إِعْطَاؤُهُمْ شَيْئًا مِنْ سِلَاحِنَا أَوْ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ (أَوْ إِدْخَالِهِمُ الْحَرَمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] (بَطَلَ الشَّرْطُ) فِي الْكُلِّ.
(وَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ) مَبْنِيَّانِ عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، لَكِنْ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِذَا شَرَطَ أَنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ نَقْضُهَا مَتَى شَاءَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ طَائِفَةَ الْكُفَّارِ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَلَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ الْجِهَتَيْنِ، فَيَفُوتُ مَعْنَى الْهُدْنَةِ.

[الشُّرُوطُ الصَّحِيحَةُ فِي الْهُدْنَةِ]

(وَإِنْ شَرَطَ) هَذَا شُرُوعٌ فِي الشَّرْطِ الصَّحِيحِ، وَقَدَّمَ الْفَاسِدَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى

وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقِتَالِهِمْ وَالْفِرَارِ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْعَدَمِ (رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِمًا جَازَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
صَرَّحَ بِهِ الْجَمَاعَةُ فَأَمَّا مَعَ اسْتِظْهَارِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ، فَلَا.
(وَلَا يَمْنَعُهُمْ أَخْذَهُ) لِأَنَّ «أَبَا بَصِيرٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فَجَاءُوا فِي طَلَبِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا.
فَرَجَعَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا، وَرَجَعَ فَلَمْ يَلُمْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . (وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُجْبِرْ أَبَا بَصِيرٍ، وَلِأَنَّ فِي إِجْبَارِهِ عَلَى الْمُضِيِّ مَعَهُمْ إِجْبَارًا لَهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ.
(وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ) سِرًّا (بِقِتَالِهِمْ وَالْفِرَارِ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى بَاطِلٍ، فَكَانَ لَهُ الْأَمْرُ بِعَدَمِهِ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا سَمِعَتْ طَلَاقَهَا.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " يَعْرِضُ لَهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ.
(وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ أَمَّنَهُ مِمَّنْ هُوَ فِي قَبْضَتِهِ، وَتَحْتَ يَدِهِ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ حِمَايَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
صَرَّحَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَتَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ لِظُهُورِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ حِمَايَتُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَأَنْ يَجِبَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَتْلَفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا.
فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
(دُونَ غَيْرِهِمْ) أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَا حِمَايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؛ لِأَنَّ الْهُدْنَةَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْهُمْ فَقَطْ؛ (وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ) بِأَنْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ أَوْ سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ (لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ يَقْتَضِي رَفْعَ الْأَذَى عَنْهُمْ، وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ أَذًى لَهُمْ بِالْإِذْلَالِ بِالرِّقِّ؛ فَلَمْ يَجُزْ كَسْبُهُمْ.
وَالْوَاحِدُ كَالْكُلِّ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ اسْتِنْقَاذُهُمْ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً مَنْصُوصَةً: لَنَا شِرَاؤُهُمْ مِنْ سَابِيهِمْ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْهُمْ؛ فَلَا يَحْرُمُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الَّذِينَ

شِرَاؤُهُمْ، وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ؛ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ.

بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَّا لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ

[المبدع في شرح المقنع]

أَسَرُوهُمْ، وَأَخَذُوا مَالَهُمْ، وَاسْتَنْقَذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدٌّ، عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ.
وَيَجُوزُ لَنَا شِرَاءُ وَلَدِهِمْ وَأَهْلِهِمْ مِنْهُ إِذَا بَاعَهُ كَحَرْبِيٍّ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ كَذِمَّةٍ؛ وَلِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا، وَكَمَا لَوْ سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَبَاعَهُ مِنَّا بِخِلَافِ مَا إِذَا سَبَى بَعْضُهُمْ وَلَدَ بَعْضٍ، وَبَاعَهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
(وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ، نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ) بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: قَدْ نَبَذْتُ عَهْدَكُمْ، وَعُدْتُمْ حَرْبًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58] . يَعْنِي: أَعْلَمَهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ حَتَّى تَصِيرَ أَنْتَ وَهُمْ سَوَاءً فِي الْعِلْمِ، وَيَجِبُ إِعْلَامُهُمْ قَبْلَ الْإِغَارَةِ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنْ صَدَرَ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ، فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهَا خِيَانَةٌ أَغَظْنَاهُمْ؛ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: فَلَوْ نَقَضَهُ وَفِي دَارِنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ اسْتُوفِيَ؛ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُ نِسَاءٍ وَذُرِّيَّةٍ تَبَعًا لَهُمْ.
وَفِي جَوَازِ قَتْلِ رَهَائِنِهِمْ بِقَتْلِهِمْ رَهَائِنَنَا رِوَايَتَانِ.

[بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ]

[حُكْمُ عقد الذمة]

بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ.
قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ: الذِّمَّةُ: الْأَمَانُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» وَالذِّمَّةُ: الضَّمَانُ وَالْعَهْدُ، مِنْ: أَذَمَّهُ يَذُمُّهُ: إِذَا جَعَلَ لَهُ عَهْدًا.
وَمَعْنَى عَقْدِ الذِّمَّةِ: إِقْرَارُ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ.
(لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَّا) مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَقْدُهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا مَا لَمْ يَخَفْ غَائِلَةً مِنْهُمْ.

فِي التَّدَيُّنِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجِ وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَالْمَجُوسِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ عَقْدُهَا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلَّا عَبْدَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ.
فَأَمَّا الصَّابِئُ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛

[المبدع في شرح المقنع]

وَصِفَةُ عَقْدِهَا: أَقْرَرْتُكُمْ بِجِزْيَةٍ، أَوْ يَبْذُلُونَهَا؛ فَيَقُولُ: أَقْرَرْتُكُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْجِزْيَةُ: مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ كُلَّ عَامٍ بَدَلًا عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا (لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمُ الْيَهُودُ) وَاحِدُهُمْ يَهُودِيٌّ حَذَفُوا يَاءَ النِّسْبَةِ فِي الْجَمْعِ كَزِنْجٍ، وَزِنْجِيٍّ.
وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ هَادُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ أَيْ: تَابُوا، أَوْ لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَنَّهُمْ يَهُودُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ، أَيْ: يَتَحَرَّكُونَ أَوْ لِنَسَبِهِمْ إِلَى يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بِالْمُعْجَمَةِ، ثُمَّ عُرِّبَتْ بِالْمُهْمَلَةِ.
(وَالنَّصَارَى) وَاحِدُهُمْ نَصْرَانِيٌّ، وَالْأُنْثَى نَصْرَانِيَّةٌ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِالشَّامِ يُقَالُ لَهَا: نَصْرَانُ، وَنَاصِرَةٌ (وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي التَّدَيُّنِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَالسَّامِرَةِ) وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُسِبَ إِلَيْهِمُ السَّامِرِيُّ، وَيُقَالُ لَهُمْ فِي زَمَنِنَا: سَمَرَةٌ بِوَزْنِ سَحَرَةٍ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ يَتَشَدَّدُونَ فِي دِينِهِمْ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ.
(وَالْفِرِنْجُ) وَهُمُ الرُّومُ، وَيُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الْأَصْفَرِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا مُوَلَّدَةٌ نِسْبَةً إِلَى فَرَنْجَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَسُكُونِ ثَالِثِهِ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا فِرِنْجِيٌّ، ثُمَّ حُذِفَتْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] إِلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] «وَقَوْلُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لِعَامِلِ كِسْرَى: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ.
وَالْإِجْمَاعُ عَلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ بَذَلَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ يَلْحَقُ بِهِمْ.
وَإِقْرَارُهُمْ بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَالْمَجُوسِ) لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ حَتَّى شَهِدَ عِنْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَإِنَّمَا قِيلَ: لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، فَرُفِعَ، فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ أَوْجَبَتْ حَقْنَ دِمَائِهِمْ، وَأَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
وَلَمْ يَنْتَهِضْ فِي إِبَاحَةِ نِسَائِهِمْ، وَحِلِّ ذَبَائِحِهِمْ.
(وَعَنْهُ: يَجُوزُ عَقْدُهَا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلَّا عَبْدَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ) لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ

فَإِنِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

«أَنَّ النَّبِيَّ صَالَحَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْجِزْيَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ» . وَفِي " الْفُنُونِ " لَمْ أَجِدْ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا أَنَّ الْوَثَنِيَّ يُقَرُّ بِجِزْيَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ رِوَايَةً بِخَطِّ أَبِي سَعْدٍ الْبَرْدَانِيِّ أَنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ يُقَرُّونَ بِجِزْيَةٍ؛ فَيُعْطِي هَذَا أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ بِجِزْيَةٍ عَلَى عَمَلِ أَصْنَامٍ يَعْبُدُونَهَا فِي بُيُوتِهِمْ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِذَلِكَ فِي سِيرَةٍ مِنْ سِيَرِ السَّلَفِ وَبَعْدِهَا.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَخْذَهَا مِنَ الْكُلِّ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّ عَبْدَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، لِكَوْنِهِمْ مِنْ رَهْطِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرُفُوا بِهِ، فَلَا يُقَرُّونَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ، وَغَيْرُهُمْ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَرِقُّ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَالْمَجُوسِ.
(فَأَمَّا الصَّابِئُ فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ) وَقَالَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُشَارِكًا لِأَهْلِهِ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَإِنْ سُمُّوا بِاسْمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ فِي الدِّينِ تُوجِبُ الْمُوَافَقَةَ فِي الْحُكْمِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنَ النَّصَارَى، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
(وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفَلَكَ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَإِنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ؛ وَحِينَئِذٍ فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.
(وَمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ) أَوْ تَمَجَّسَ (بَعْدَ بَعْثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ كَالْأَصْلِيِّ فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقْبَلُهَا مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ.
وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَسَأَلَ عَنْهُ، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَعَنْهُ: لَا نَقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ الْقَتْلَ؛ لِأَنَّهُ بِتَرْكِهِ الدِّينَ الْأَوَّلَ هُوَ مُقِرٌّ بِبُطْلَانِهِ، فَلَا يُقَرُّ عَلَى دِينٍ بَاطِلٍ غَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: يُقَرُّ عَلَى غَيْرِ الْمَجُوسِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّمَجُّسَ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الِانْتِقَالَ إِلَيْهَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَتَى وَهُوَ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ.
وَفِي " الْمَذْهَبِ " وَ " التَّرْغِيبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ: قَبْلَ الْبَعْثَةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ كَبَعْدِ الْبِعْثَةِ.
وَقَدَّمَ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَلَوْ قَبْلَ التَّبْدِيلِ (أَوْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا) كَوَلَدِ الْوَثَنِيِّ مِنْ كِتَابِيَّةٍ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ؛ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ إِذَا اخْتَارَ

تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِثْلَيْ مَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ، وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ

[المبدع في شرح المقنع]

دِينَ الْآخَرِ، لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمْ، وَلِأَنَّهُ اخْتَارَ أَفْضَلَ الدِّينَيْنِ، وَأَقَلَّهُمَا كُفْرًا.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ سِوَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ الْقَبُولُ وَعَدَمُهُ، فَرَجَعَ إِلَى الْأَصْلِ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا اخْتَارَ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ (وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) ابْنِ وَائِلٍ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ فَإِنَّهُمُ انْتَقَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ إِلَى بَذْلِ الْجِزْيَةِ؛ فَأَبَوْا وَقَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا آخُذُ مِنْ مُشْرِكٍ صَدَقَةً، فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالرُّومِ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ، وَهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنَ الْجِزْيَةِ، فَلَا تُعِنْ عَلَيْكَ عَدُوَّكَ بِهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ عُمَرُ فِي طَلَبِهِمْ فَرَدَّهُمْ.
(وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِثْلَيْ مَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ تَمَامَ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَعَّفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاتَانِ، وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَانِ، وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْخُمُسُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دُولَابٍ الْعُشْرُ.
وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَتُؤْخَذُ عِوَضَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مِثْلَا زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ) وَكَذَا مَكَافِيفُهُمْ، وَشُيُوخُهُمْ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا بِالْأَنْفُسِ سَقَطَ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْأَمْوَالِ بِتَقْرِيرِهِمْ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنِ السَّبْيِ بِهَذَا الصُّلْحِ، وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ، فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ، كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ؛ فَعَلَى هَذَا مَنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَحِينَئِذٍ يَتَقَيَّدُ بِالنِّصَابِ.
(وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ) فِي الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ فَكَانَ جِزْيَةً، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ:

الْجِزْيَةِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِيٍّ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ.

وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

هَؤُلَاءِ حَمْقَى رَضُوا بِالْمَعْنَى، وَأَبَوْا الِاسْمَ.
(وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى بِالصَّدَقَةِ، فَكَانَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفَهَا.
وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الِاسْمِ، وَلَوْ كَانَ صَدَقَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ لَجَازَ دَفْعُهَا إِلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ، كَصَدَقَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِيٍّ غَيْرِهِمْ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» ، وَهُمْ عَرَبٌ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ، وَكَانُوا نَصَارَى، وَأَخَذَهَا مِنْ أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَحُكْمُهَا ثَابِتٌ فِي كُلِّ كِتَابِيٍّ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، إِلَّا مَا خُصَّ بِهِ بَنُو تَغْلِبَ لِمُصَالَحَةِ عُمَرَ إِيَّاهُمْ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمْ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ لِأَوْجُهٍ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ) لِأَنَّهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، أَشْبَهُوا بَنِي تَغْلِبَ، وَذَكَرَ هُوَ وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخٍ، وَتَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ، وَتَمَجَّسَ مِنْ تَمِيمٍ حُكْمُ بَنِي تَغْلِبَ سَوَاءٌ.
وَقِيلَ: لَا، وَاخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَحَكَاهُ نَصُّ أَحْمَدَ.
فَرْعٌ: لِلْإِمَامِ مُصَالَحَةُ مِثْلِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ إِذَا خَشِيَ ضَرَرَهُ بِقُوَّةِ شَوْكَةٍ، وَأَبَاهَا إِلَّا بِاسْمِ الصَّدَقَةِ مُضَعَّفَةً، نَصَّ عَلَيْهِ.

[مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ]

(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ) لِأَنَّ مِثْلَهُمْ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى – ﴿قَاتِلُوا﴾ وَالْمُقَاتَلَةُ إِنَّمَا تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: أَنِ اضْرِبُوا الْجِزْيَةَ، وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
(وَلَا امْرَأَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ بَذَلَتْهَا أُخْبِرَتْ بِأَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِهَا، قُبِلَتْ، وَتَكُونُ هِبَةً تَلْزَمُ

مَجْنُونٍ، وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا وَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ، أَوِ

[المبدع في شرح المقنع]

بِالْقَبْضِ؛ فَإِنْ شَرَطَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَلَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ بَذَلَتْهَا لِدُخُولِ دَارِنَا، مَكَثَتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَلْتَزِمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، وَتُعْقَدَ لَهَا الذِّمَّةُ.
وَفِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَجْهَانِ؛ جَزَمَ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّهَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا؛ فَإِنْ بَانَ رَجُلًا فَلِلْمُسْتَقْبَلِ، وَيَتَوَجَّهُ وَلِلْمَاضِي.
(وَلَا مَجْنُونٍ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّبِيِّ.
(وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى) وَلَا شَيْخٍ فَانٍ، وَلَا مَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُمْ، كَمَنْ بِهِ دَاءٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ مَعَهُ، وَلَا يُرْجَى زَوَالُهُ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَهَؤُلَاءِ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا كَالنِّسَاءِ.
(وَلَا عَبْدٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا جِزْيَةَ عَلَى عَبْدٍ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ إِيجَابَهَا عَلَيْهِ يُؤَدِّي إِلَى إِيجَابِهَا عَلَى الْمُسْلِمِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي عَنْهُ، أَوْ لِكَافِرٍ؛ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ، وَتَسْقُطُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُكَاتِبًا قَالَ أَحْمَدُ: الْمَكَاتِبُ عَبْدٌ.
فَرْعٌ: إِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ لَزِمَتْهُ الْجِزْيَةُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ، سَوَاءٌ كَانَ مُعْتِقُهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
وَعَنْهُ: يُقَرُّ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، وَضَعَّفَهَا الْخَلَّالُ.
وَعَنْهُ: لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ

اسْتَغْنَى فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ، وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، لُفِّقَتْ إِفَاقَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ مِنْهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ إِفَاقَتِهِ مِنْهُ، وَتُقَسَّمُ الْجِزْيَةُ بَيْنَهُمْ، فَيُجْعَلُ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ

[المبدع في شرح المقنع]

مُعْتِقُهُ مُسْلِمًا لِوَلَايَتِهِ عَلَيْهِ، كَالرِّقِّ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَقًا بَعْضُهُ فَيَلْزَمُهُ بِقَدْرِ جِزْيَتِهِ كَالْإِرْثِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
(وَلَا فَقِيرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وَلِأَنَّهَا مَالٌ يَجِبُ بِحُلُولِ الْحَوْلِ، فَلَمْ يَلْزَمِ الْفَقِيرَ كَالزَّكَاةِ (يَعْجِزُ عَنْهَا) لِأَنَّ الْجِزْيَةَ خَرَاجُ الرُّءُوسِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْخَرَاجُ بِقَدْرِ الْغَلَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ، لَمْ يَجِبْ كَالْأَرْضِ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يَعْجِزُ عَنْهَا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَغْنِيَاءِ، وَفِي الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنْهَا احْتِمَالٌ بِالْوُجُوبِ كَالْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
تَنْبِيهٌ: لَا تَلْزَمُ رَاهِبًا بِصَوْمَعَةٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " بِهَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ: تَجِبُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَضَهَا عَلَى الرُّهْبَانِ، عَلَى كُلِّ رَاهِبٍ دِينَارًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَبْقَى فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ إِلَّا بُلْغَتُهُ.
وَفِي اتِّجَارِهِ أَوْ زِرَاعَتِهِ، وَهُوَ مُخَالِطٌ لَهُمْ فَيَلْزَمُهُ إِجْمَاعًا.
(وَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ أَوِ اسْتَغْنَى) أَوْ عَتَقَ (فَهُوَ مِنْ أَهْلُهَا) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ (بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ) وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَجْدِيدُهُ لِمَنْ ذَكَرَ، لِكَوْنِ أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ مَعَ سَادَتِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُهُمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ، وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَيُجَابُ إِلَى مَا يَخْتَارُ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ (تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ) لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لِلسَّنَةِ (بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ) فَعَلَيْهِ، إِنْ صَارَ أَهْلًا مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ فِي آخِرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي نِصْفِهِ، فَنِصْفُهَا عَلَى هَذَا الْحِسَابِ.
وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يُتِمَّ حَوْلًا مِنْ حِينِ وُجِدَ سَبَبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِفْرَادِهِ بِحَوْلٍ، وَضَبْطُ كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَوْلٍ يَشُقُّ وَيَتَعَذَّرُ.
(وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ لُفِّقَتْ إِفَاقَتُهُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ.
(فَإِذَا بَلَغَتْ) إِقَامَتُهُ (حَوْلًا أُخِذَتْ مِنْهُ) لِأَنَّ حَوْلَهُ لَا يَكْمُلُ إِلَّا حِينَئِذٍ (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ (أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ إِفَاقَتِهِ مِنْهُ) لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ فِي كُلِّ حَوْلٍ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِحِسَابِهِ

وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ، وَالْغَنِيُّ مِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ النَّاسُ غَنِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، لَزِمَ قَبُولُهُ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ.
وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ،

[المبدع في شرح المقنع]

كَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ.
وَقِيلَ فِيمَنْ لَا يَنْضَبِطُ أَمْرُهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ.
1 - (وَتُقَسَّمُ الْجِزْيَةُ بَيْنَهُمْ) أَيْ: بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ؛ (فَيُجْعَلُ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) وَهِيَ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ) وَهِيَ دِينَارَانِ (وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ) وَهِيَ دِينَارٌ لِفِعْلِ عُمَرَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَيُجَابُ عَنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» بِأَنَّ الْفَقْرَ كَانَ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ أَغْلَبَ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ، قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ، وَبِأَنَّ الْجِزْيَةَ يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ التَّقْدِيرُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ صَغَارًا وَعُقُوبَةً، وَاخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِهِمْ، وَلَيْسَتْ عِوَضًا عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، وَإِلَّا لَوَجَبَتْ عَلَى النِّسَاءِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُنَّ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ أَخْذُ الْقِيمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ عَدْلِهِ مَعَافِرٌ، وَلِتَغْلِيبِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِيهَا، وَيَجُوزُ أَخْذُ ثَمَنِ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهِمْ كَثِيَابِهِمْ.
(وَالْغَنِيُّ مِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ النَّاسُ غَنِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَلَا تَوْقِيفَ هُنَا، فَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، وَقِيلَ: مَنْ مَلَكَ نِصَابًا - وَحُكِيَ رِوَايَةً - فَهُوَ غَنِيٌّ كَالْمُسْلِمِ، وَعَنْهُ: مَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَهُوَ غَنِيٌّ.
(وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، لَزِمَ قَبُولُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ «ادْعُهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ» (وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ

وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْقُطُ.
وَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا.
وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا، وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ، وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ، وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ إِلَيْهِمْ بِأَخْذِ الْمَالِ (وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ سَبَّبَهَا الْكُفْرُ فَسَقَطَتْ بِالْإِسْلَامِ، وَفِي " الْإِيضَاحِ " لَا تَسْقُطُ بِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْوُجُوبِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: تَجِبُ بِقِسْطِهِ (وَإِنْ مَاتَ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَكَمَا لَوْ طَرَأَ مَانِعٌ فِي الْأَصَحِّ (وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْقُطُ) لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ فَسَقَطَتْ بِهِ كَالْحَدِّ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ بِالْمَوْتِ، وَتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ.
(وَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا) وَلَمْ يَتَدَاخَلْ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهَا حَقُّ مَالٍ يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ كَالدِّيَةِ (وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ) لِأَنَّهَا مَالٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ، فَلَمْ تُؤْخَذْ قَبْلَهُ كَالزَّكَاةِ، وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ تَعْجِيلِهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ نَقْضَ أَمَانِهِ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنَ الْعِوَضِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَصِحُّ، وَيَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ (وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا) مِنْهُمْ.
(وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مُسْتَحَقَّةٌ، فَلَا يُقْبَلُ إِرْسَالُهَا، لِزَوَالِ الصَّغَارِ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ، وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا، وَقِيلَ: مُسْتَحَبَّةٌ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: الصَّغَارُ: الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِنَا

الْمُسْلِمِينَ، وَتُبَيَّنُ أَيَّامُ الضِّيَافَةِ وَقَدْرُ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَالْعَلَفِ، وَعَدَدُ مَنْ يُضَافُ، وَلَا تَجِبُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَقِيلَ: تَجِبُ.
فَإِذَا تَوَلَّى إِمَامٌ، فَعَرَفَ قَدْرَ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهِمْ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُعَذَّبُونَ فِي أَخْذِهَا، وَلَا يُشْتَطُّ عَلَيْهِمْ.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ضَرَبَ عَلَى نَصَارَى أَيْلَةَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ، وَأَنْ يُضَيِّفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» . وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَلَفَ دَوَابِّهِمْ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا ضَرْبًا مِنَ الْمَصْلَحَةِ.
(وَتُبَيَّنُ أَيَّامُ الضِّيَافَةِ وَقَدْرُ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَالْعَلَفِ وَعَدَدُ مَنْ يُضَافُ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ فِي " الْوَجِيزِ " عَلَى الْأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ حَقٌّ وَجَبَ فِعْلُهُ، فَوَجَبَ بَيَانُهُ كَالْجِزْيَةِ.
فَلَوْ شَرَطَ الضِّيَافَةِ وَأَطْلَقَ جَازَ.
ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ كَالْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يُكَلَّفُونَ إِلَّا مِنْ طَعَامِهِمْ وَإِدَامِهِمْ؛ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُمُ الشَّعِيرُ مَعَ الْإِطْلَاقِ.
وَالظَّاهِرُ: بَلَى لِلْخَيْلِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، فَهُوَ كَالْخُبْزِ لِلرَّجُلِ.
مَسْأَلَةٌ: تُقَسَّمُ الضِّيَافَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ جِزْيَتِهِمْ فَإِنْ جَعَلَ الضِّيَافَةَ مَكَانَ الْجِزْيَةِ جَازَ؛ وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَبْلُغَ قَدْرُهَا أَصْلَ الْجِزْيَةِ إِذَا قُلْنَا: هِيَ مُقَدَّرَةٌ؛ لِئَلَّا يَنْقُصَ خَرَاجُهُ عَنْ أَقَلِّهَا.
(وَلَا تَجِبُ) الضِّيَافَةُ (مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا أَدَاءُ مَالٍ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ كَالْجِزْيَةِ (وَقِيلَ: تَجِبُ) بِغَيْرِ شَرْطٍ لِوُجُوبِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالْكَافِرِ.
فَعَلَى هَذَا تَجِبُ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَإِنْ شَرَطَهَا عَلَيْهِمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهَا لَمْ تُعْقَدْ لَهُمُ الذِّمَّةُ، فَلَوْ قَبِلُوا، وَامْتَنَعَ الْبَعْضُ مِنَ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ كَمَا لَوِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِالْقِتَالِ، قُوتِلُوا فَإِنْ قَاتَلُوا، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ.

جِزْيَتِهِمْ وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ، رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ، فَإِنْ بَانَ لَهُ كَذِبُهُمْ، رَجَعَ عَلَيْهِمْ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْعَقْدَ مَعَهُمْ.
وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَحُلَاهُمْ، وَدِينَهُمْ، وَجَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا يَكْشِفُ حَالَ مَنْ بَلَغَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوْ أَسْلَمَ، أَوْ سَافَرَ، أَوْ نَقَضَ الْعَهْدَ، أَوْ خَرَقَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ.

[المبدع في شرح المقنع]

(فَإِذَا تَوَلَّى إِمَامٌ فَعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهِمْ وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ أَقَرُّوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُجَدِّدُوا لِمَنْ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ عَقْدًا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ، وَعَقْدٌ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا يُنْقَضُ قَوْلُهُ؛ فَعُرِفَ إِمَّا بِمُبَاشَرَتِهِ مِنْ قَبْلُ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ ظَهَرَ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " ثُبُوتَهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) ذَلِكَ (رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ) فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، وَالظَّاهِرُ صِدْقُهُمْ، فَإِنِ اتَّهَمَهُمْ، فَلَهُ تَحْلِيفُهُمْ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ (فَإِنْ بَانَ) أَوْ ظَهَرَ (لَهُ كَذِبُهُمْ) بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ (رَجَعَ عَلَيْهِمْ) بِالنَّقْصِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَكَانَ لِلْإِمَامِ الْمُتَجَدِّدِ أَخْذُهُ كَالْأَوَّلِ.
(وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْعَقْدَ مَعَهُمْ) لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، وَلَيْسُوا بِمَأْمُونِينَ، وَلَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، فَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْعَقْدِ بِاجْتِهَادِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَقْدٌ سَابِقٌ.
وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". (وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ) فَيَقُولُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ.
(وَحِلَاهُمْ) جَمْعُ حِلْيَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْحِلْيَةُ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ مِنْ طُولٍ وَقِصَرٍ، وَسُمْرَةٍ وَبَيَاضٍ؛ أَدْعَجَ الْعَيْنِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، وَنَحْوِهَا.
(وَدِينَهُمْ) أَيْ: يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا (وَجَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا) وَهُوَ الْقَيِّمُ بِأُمُورِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْجَمَاعَةِ (يَكْشِفُ حَالَ مَنْ بَلَغَ) ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُجَدَّدَ بِهِ (أَوِ اسْتَغْنَى أَوْ أَسْلَمَ) لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِهِ (أَوْ سَافَرَ) لِتَعَذُّرِ أَخْذِهَا مَعَ السَّفَرِ (أَوْ نَقَضَ الْعَهْدَ) أَيْ: الذِّمَّةَ الْمَعْقُودَةَ لَهُ، (أَوْ خَرَقَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ) لِيَفْعَلْ فِيهِ الْإِمَامُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
خَاتِمَةٌ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ تَغْيِيرُ عَقْدِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، وَقَدْ عَقَدَهُ عُمَرُ مَعَهُمْ كَذَلِكَ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ جَوَازَهُ لِاخْتِلَافِ الْمَصْلَحَةِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ، وَجَعَلَهُ جَمَاعَةٌ

بَابُ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فِيمَا دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ.
وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي شُعُورِهِمْ بِحَذْفِ مَقَادِمِ رُءُوسِهِمْ، وَتَرْكِ الْفَرْقِ، وَكُنَاهُمْ، فَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

كَتَغْيِيرِ خَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَقْتَضِي الْفَرْقَ، وَسَبَقَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ، لِتَكُونَ حُجَّةً لَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا.

[بَابُ أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]

[مَا يُمْنَعُ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ]

بَابُ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ.
وَأَحْكَامُهُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَجِبُ لَهُمْ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ عَقْدُهَا لَهُمْ (يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ) ، فَلَوْ قَتَلَ أَوْ قَطَعَ طَرَفًا أُخِذَ بِهِ كَالْمُسْلِمِ (وَالْمَالِ) فَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا لِغَيْرِهِ، ضَمِنَهُ (وَالْعِرْضِ) وَسَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ نَسَخَ كُلَّ حُكْمٍ يُخَالِفُهُ (وَ) يَلْزَمُهُ (إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ) كَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ زَنَيَا، فَرَجَمَهُمَا» ، وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي دِينِهِمْ، وَقَدِ الْتَزَمُوا حُكْمَ الْإِسْلَامِ فَثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ كَالْمُسْلِمِ.
وَعَنْهُ: إِنْ شَاءَ لَمْ يُقِمْ حَدَّ زِنَا بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَمِثْلُهُ قَطْعُ سَرِقَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لِلْمَجُوسِ، لِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَلَأَنْ يُقَرُّوا عَلَى مَا ذَكَرْنَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى إِلَّا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ يَتَأَذَّوْنَ بِهِ.
(وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ) فِي أُمُورٍ.
مِنْهَا (فِي شُعُورِهِمْ بِحَذْفِ مَقَادِمِ رُءُوسِهِمْ، وَتَرْكِ الْفَراقِ) أَيْ: يَحْلِقُونَ مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ، وَلَا يَفْرُقُونَ شَعْرَ الرَّأْسِ فِرْقَتَيْنِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْأَشْرَافُ.
(وَكُنَاهُمْ فَلَا يَتَكَنَّوْنَ

يَتَكَنَّوْنَ بِكُنَى الْمُسْلِمِينَ كَأَبِي الْقَاسِمِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَرُكُوبِهِمْ بِتَرْكِ الرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ، وَرُكُوبِهِمْ عَرْضًا عَلَى الْأُكُفِ، وَلِبَاسِهِمْ، فَيَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُخَالِفُ ثِيَابَهُمْ، كَالْعَسَلِيِّ وَالْأَدْكَنِ، وَشَدِّ الْخِرَقِ فِي قَلَانِسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ، وَيُؤْمَرُ النَّصَارَى بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ، وَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ خَوَاتِيمُ الرَّصَاصِ، أَوْ جُلْجُلٌ يَدْخُلُ مَعَهُمُ الْحَمَّامَ.

[المبدع في شرح المقنع]

بِكُنَى الْمُسْلِمِينَ، كَأَبِي الْقَاسِمِ) ؛ فَإِنَّهَا كُنْيَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ) فَإِنَّهَا كُنْيَةُ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ، وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا، كَأَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ، مِمَّا هُوَ فِي الْغَالِبِ فِي الْمُسْلِمِينَ.
وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنَ التَّكَنِّي مُطْلَقًا قَالَ أَحْمَدُ لِطَبِيبٍ نَصْرَانِيٍّ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ عُمَرَ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُسْقُفِ نَجْرَانَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ» . وَعُمَرُ قَالَ: يَا أَبَا حَسَّانَ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يَجُوزُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: يُمْنَعُونَ مِنَ اللَّقَبِ كَعِزِّ الدِّينِ، وَنَحْوِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَرُكُوبِهِمْ) فَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ؛ لِأَنَّهَا عِزٌّ، وَهِيَ مِنْ آلَةِ الْحَرْبِ، وَأَفْضَلُ الْمَرَاكِبِ.
وَلَهُمْ رُكُوبُ غَيْرِهَا (بِتَرْكِ الرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ) . وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ عَلَى حِمَارٍ.
(وَرُكُوبِهِمْ عَرْضًا) رِجْلَاهُ إِلَى جَانِبٍ، وَظَهْرُهُ إِلَى آخَرَ.
(عَلَى الْأُكُفِ) جَمْعُ إِكَافٍ، وَهِيَ الْبَرَادِعُ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ قَرُبَتِ الْمَسَافَةُ، أَوْ بَعُدَتْ.
(وَلِبَاسُهُمْ فَيَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُخَالِفُ) سَائِرَ (ثِيَابِهِمْ كَالْعَسَلِيِّ) لِلْيَهُودِ، (وَالْأَدْكَنِ) هُوَ لِبَاسٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إِلَى السَّوَادِ، كَالْفَاخِتِيِّ لِلنَّصَارَى (وَشَدِّ الْخِرَقِ فِي قَلَانِسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ) وَتَكُونُ الْخِرْقَةُ مُخَالِفَةً لَهُمَا، لِيَتَمَيَّزَ مَعَ الثَّوْبِ الْمُخَالِفِ.
(وَيُؤْمَرُ النَّصَارَى بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ) لِأَنَّهُمْ إِذَا شَدُّوهُ مِنْ دَاخِلٍ لَمْ يُرَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ: لَكِنَّ الْمَرْأَةَ تَشُدُّهُ فَوْقَ ثِيَابِهَا تَحْتَ الْإِزَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شُدَّ فَوْقَهُ لَمْ يَثْبُتْ.
وَغِيَارُهَا فِي الْخُفَّيْنِ بِاخْتِلَافِ لَوْنِهِمَا، فَإِنْ أَبَوُا الْغِيَارَ، لَمْ يُجْبَرُوا، وَنُغَيِّرُهُ نَحْنُ.
(وَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ خَوَاتِيمُ الرَّصَاصِ أَوْ جُلْجُلٌ) وَهُوَ الْجَرَسُ الصَّغِيرُ (يَدْخُلُ مَعَهُمُ الْحَمَّامَ) لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ.
وَظَاهِرُهُ جَوَازُ دُخُولِهَا الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ، وَسَيَأْتِي.
وَاقْتَضَى

وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ وَلَا بُدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ وَإِنْ سَلَّمَ أَحَدُهُمْ، قِيلَ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ، وَفِي تَهْنِئَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ وَعِيَادَتِهِمْ رِوَايَتَانِ.
وَيُمْنَعُونَ تَعْلِيَةَ الْبُنْيَانِ عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ لُبْسَ الطَّيَالِسَةِ، وَهُوَ الْمُذَهَّبُ، لِأَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ فَاخِرِ الثِّيَابِ، وَالتَّمْيِيزُ حَصَلَ بِالْغِيَارِ، وَالزُّنَّارِ.
وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لُبْسُ مَا فِيهِ الذِّلَّةُ وَالِانْكِسَارُ، لَا ضِدُّهُ.
أَصْلٌ: يَلْزَمُ تَمْيِيزُ قُبُورِهِمُ عَنْ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ تَمْيِيزًا ظَاهِرًا كَالْحَيَاةِ وَأَوْلَى.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ) لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لَهُمْ، وَفِي مَعْنَاهُ الْقِيَامُ لَهُمْ.
(وَلَا بُدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ عَزَاهُ فِي الشَّرْحَيْنِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ فَقَطْ، وَفِي الْحَاجَةِ احْتِمَالٌ.
وَمِثْلُهُ: كَيْفَ أَنْتَ؟ أَوْ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ أَوْ كَيْفَ حَالُكَ؟ نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَيَتَوَجَّهُ بِالنِّيَّةِ كَمَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيِّ: نَقُولُ لَهُ: أَكْرَمَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ، ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ، اسْتُحِبَّ قَوْلُهُ لَهُ: رُدَّه عَلَيَّ سَلَامِي (وَإِنْ سَلَّمَ أَحَدُهُمْ قِيلَ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَحْمَدَ بِغَيْرِ وَاوٍ.
وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِثْبَاتِهَا وَحَذْفِهَا، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَوْلَى.
وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ تُرَدُّ تَحِيَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ: أَهْلًا وَسَهْلًا، فَإِنْ عَطَسَ لَمْ يُشَمِّتْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَابْنِ عَقِيلٍ فَإِنْ شَمَّتَهُ كَافِرٌ، أَجَابَهُ (وُفِي) جَوَازِ (تَهْنِئَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ وَعِيَادَتِهِمْ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَالْأَشْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يحصلُ الْمُوَالَاة وَتَثْبُتُ الْمَوَدَّةُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِلنَّصِّ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ.

الْمُسْلِمِينَ، وَفِي مُسَاوَاتِهِمْ وَجْهَانِ.
وَإِنْ مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ، لَمْ يَجِبْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ يَهُودِيًّا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَالثَّالِثَةُ: يَجُوزُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، كَرَجَاءِ إِسْلَامِهِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ الْآجُرِّيُّ: وَأَنَّهُ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ: يُعَادُ، وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، وَعَلَى الْجَوَازِ يُدْعَى لَهُ بِالْبَقَاءِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، زَادَ جَمَاعَةٌ قَاصِدًا كَثْرَةَ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ تَكْثِيرَ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
فَائِدَةٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ الدُّعَاءَ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالْبَقَاءِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فُرِغَ مِنْهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُنَا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا لِأَنَسٍ بِطُولِ الْعُمْرِ.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ «لَا يَرُدُّ الْقَدْرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ» إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
(وَيُمْنَعُونَ تَعْلِيَةَ الْبُنْيَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَرَفُّعًا عَلَيْهِمْ، فَمُنِعُوا مِنْهُ كَالتَّصْدِيرِ فِي الْمَجَالِسِ.
وَالْمَنْعُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُجَاوِرِ لَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِهِ سَوَاءٌ لَاصَقَهُ أَوْ لَا.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الْجَارُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى - زَادَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: يَدُومُ عَلَى دَوَامِ الْأَوْقَاتِ، وَرِضَاهُ يُسْقِطُ حَقَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ لِمُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمِ إِلَّا بِاجْتِنَابِهِ مُحَرَّمٌ، فَلَوْ كَانَتْ دَارُهُ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ، حَيْثُ لَا جَارَ، أَوْ كَانَ لَهُمْ مَحِلَّةٌ مُفْرَدَةٌ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُطَاوَلَةِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنَ التَّعْلِيَةِ، قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " وَغَيْرِهَا.
(وَفِي مُسَاوَاتِهِمْ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ".

نَقْضُهَا وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ.
وَلَا يُمْنَعُونَ رَمَّ شَعَثِهَا، وَفِي بِنَاءِ مَا

[المبدع في شرح المقنع]

أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ؛ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى عُلُوِّ الْكُفْرِ، وَلَا إِلَى اطِّلَاعِهِمْ إِلَى عَوْرَاتِنَا.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُسَاوَاتُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي اللِّبَاسِ فَكَذَا فِي الْبُنْيَانِ.
(وَإِنْ مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ) بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَمْ يَجِبْ نَقْضُهَا) لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَمْ يُعْلُوا شَيْئًا، وَفِيهِ وَجْهٌ لِقَوْلِهِ: " وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا مُلِكَتْ مِنْ كَافِرٍ أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُهَا، لِمَا ذَكَرْنَا، فَلَوْ كَانَ لِلذِّمِّيِّ دَارٌ عَالِيَةٌ، فَمَلَكَ الْمُسْلِمُ دَارًا إِلَى جَانِبِهَا، أَوْ بَنَى الْمُسْلِمُ إِلَى جَنْبِ دَارِهِ دَارًا دُونَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ هَدْمُهَا فِي الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: إِذَا انْهَدَمَتِ الْعَالِيَةُ، لَمْ تُعَدْ عَالِيَةً، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ": إِلَّا إِذَا قُلْنَا: تُعَادُ الْبِيعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِحْدَاثٍ، وَالْمُنْهَدِمُ مِنْهَا ظُلْمًا كَهَدْمِهِ بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: تُعَادُ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَوْلَى، فَلَوْ سَقَطَ هَذَا الْبِنَاءُ الَّذِي تَجِبُ إِزَالَتُهُ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، فَيَتَوَجَّهُ الضَّمَانُ، وَأَنَّهُ مُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ.
(وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ) وَاحِدُهَا كَنِيسَةٌ، وَهِيَ مَعْبَدُ النَّصَارَى.
(وَالْبِيَعُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ لِلنَّصَارَى فَهُمَا حِينَئِذٍ يَتَرَادَفَانِ، وَقِيلَ: الْكَنَائِسُ لِلْيَهُودِ، وَالْبِيَعُ لِلنَّصَارَى، فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، أَيْ: يُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إِجْمَاعًا لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بَيْعَةً ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ.
زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ": إِلَّا فِيمَا شَرَطُوهُ فِيمَا منِحَ صُلْحًا عَلَى أَنَّهُ لَنَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ اسْتَحَقُّوهُ بِالشَّرْطِ، فَجَازَ لَهُمْ فِعْلُهُ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.

اسْتُهْدِمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ.
وَيُمْنَعُونَ إِظْهَارَ الْمُنْكَرِ، وَضَرْبَ النَّاقُوسِ، وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَبِالْجُمْلَةِ فَأَمْصَارُ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: مَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ، كَالْبَصْرَةِ، وَبَغْدَادَ، وَوَاسِطَ، فَلَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ صُولِحُوا عَلَيْهِ.
الثَّانِي: مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفَى وُجُوبِ هَدْمِ الْمَوْجُودِ وَجْهَانِ؛ وَالْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ إِقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمَا فِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ أَحَدٌ بِجِزْيَةٍ، وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْ.
الثَّالِثُ: مَا فَتَحُوهُ صُلْحًا، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، فَلَهُمْ إِحْدَاثُ مَا شَاءُوا.
والثَّانِي: أَنْ نُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ فَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصُّلْحُ.
(وَلَا يُمْنَعُونَ رَمَّ شَعَثِهَا) لِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى بَقَائِهَا، وَالْمَنْعُ فِي ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى خَرَابِهَا بِالْكُلِّيَّةِ؛ إِذِ الْبِنَاءُ لَا مُقَامَ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ فَجَرَى مَجْرَى هَدْمِهَا، أَشْبَهَ تَطْيِينَ أَسْطِحَتِهَا (وَفِي بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ) . إِحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمُنِعُوا مِنْهُ كَابْتِدَاءِ بِنَائِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَرَمِّ الشَّعَثِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " جَوَازَ رَمِّ شَعَثِهَا دُونَ بِنَائِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ". وَعَنْهُ: مَنْعُهُمَا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ كَمَنْعِ الزِّيَادَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ فِي الْكَيْفِيَّةِ، لَا أَعْلَى وَلَا أَوْسَعَ، اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: إِنْ جَازَ بِنَاؤُهَا، جَازَ بِنَاءُ بَيْعَةٍ مُنْهَدِمَةٍ بِبَلَدٍ فَتَحْنَاهُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا فَتَحَ بَلَدًا فِيهِ بَيْعَةٌ خَرَابٌ، لَمْ يَجُزْ بِنَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ إِحْدَاثٌ لَهَا فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
(وَيُمْنَعُونَ) وُجُوبًا (إِظْهَارَ الْمُنْكِرِ) كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ فَإِنْ فَعَلُوا أَتْلَفْنَاهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِظْهَارَ عِيدٍ وَصَلِيبٍ وَنِكَاحٍ مُحَرَّمٍ (وَضَرْبَ النَّاقُوسِ) . وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُمْ لَا يَضْرِبُونَ

وَإِنْ صُولِحُوا على بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ؛ خَرَجَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ دَخَلَ، عُزِّرَ وَهُدِّدَ، فَإِنْ مَرِضَ بِالْحَرَمِ أَوْ مَاتَ، أُخْرِجَ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

بِنَاقُوسٍ، وَمُرَادُهُ: إِظْهَارُهُ؛ لِأَنَّ فِي الشُّرُوطِ: أَنْ لَا نَضْرِبَ بِنَوَاقِيسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا.
(وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ) أَيْ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ فِي الْكَنَائِسِ، وَكَذَا رَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ عَلَى مَوْتَاهُمْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمِثْلُهُ إِظْهَارُ أَكْلٍ فِي رَمَضَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ شَعَائِرِ دِينِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَا وَقْتَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا لِقَاءَ الْمُلُوكِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ) أَوِ الْخَرَاجِ (لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّ بَلَدَهُمْ لَيْسَ بِبَلَدِ إِسْلَامٍ لِعَدَمِ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِمْ فِيهِ كَمَنَازِلِهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمُنِعُوا مِنْهُ.
(وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] وَالْمُرَادُ: حَرَمُ مَكَّةَ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: 28] يُرِيدُ ضَرَرًا بِتَأْخِيرِ الْجَلْبِ عَنِ الْحَرَمِ، دُونَ الْمَسْجِدِ؛ يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1] أَيْ: مِنَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مَنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ لَا مِنْ نَفْسِ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ دُونَ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَمَاكِنِ الْعِبَادَاتِ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَعْظَمُهَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النُّسُكِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا أَيْ: سَوَاءٌ أُذِنَ لَهُ أَوْ لَا، لِإِقَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِضَرُورَةٍ، وَقِيلَ: لَهُمْ دُخُولُهُ أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ كَحَرَمِ الْمَدِينَةِ فِي الْأَشْهَرِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يُمْنَعُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا الْحَرَمِ.
لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِذَا أَرَادَ دُخُولَهُ لِيُسْلِمَ فِيهِ أَوْ لِتِجَارَةٍ مَعَهُ لِبَيْعِهَا، مُنِعَ مِنْهُ.
(فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ، خَرَجَ إِلَيْهِ) لِأَنَّ الْكَافِرَ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، فَتَعَيَّنَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الِاجْتِمَاعِ (وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ) فِي دُخُولِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الْمَمْنُوعِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ لِقَائِهِ، بَعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُ (فَإِنْ دَخَلَ عُزِّرَ)

دُفِنَ، نُبِشَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ.

وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالْحِجَازِ، كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ، فَإِنْ دَخَلُوا لِتِجَارَةٍ، لَمْ يُقِيمُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

لِهَتْكِهِ الْحَرَمَ بِدُخُولِهِ، وَمَحَلُّهِ مَا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْمَنْعِ؛ فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا (هُدِّدَ) وَأُخْرِجَ (فَإِنْ مَرِضَ بِالْحَرَمِ أَوْ مَاتَ أُخْرِجَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ فِي حَيَاتِهِ، فَفِي مَرَضِهِ وَمَمَاتِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ أَعْظَمُ مِنْهُ (وَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى إِخْرَاجِ الْمَيِّتِ الْكَافِرِ مِنَ الْحَرَمِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْفَنْ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ) لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ نَقْلُهُ؛ لِأَنَّ جِيفَتَهُ حَصَلَتْ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَتُرِكَ لِلْمَشَقَّةِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي " التَّرْغِيبِ ". فَرْعٌ: إِذَا صَالَحَهُمُ الْإِمَامُ بِعِوَضٍ عَلَى الدُّخُولِ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ، فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ أَوْ بَعْضَهُ مَلَكَهُ، وَقِيلَ: يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَوْفَوْهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَالْعَقْدُ لَمْ يُوجِبِ الْعِوَضَ لِبُطْلَانِهِ.

[يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالْحِجَازِ]

(وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالْحِجَازِ) قِيلَ: هُوَ مَا بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَالْعُرُوضِ، وَبَيْنَ الْيَمَنِ وَنَجْدٍ، وَسُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ (كَالْمَدِينَةِ) وَقِيلَ: نِصْفُهَا تِهَامِيٌّ، وَنِصْفُهَا حِجَازِيٌّ (وَالْيَمَامَةِ) وَسُمِّيَ الْعُرُوضَ، وَكَانَ اسْمُهَا حُجْرًا، فَسُمِّيَتِ الْيَمَامَةَ بَاسِمِ امْرَأَةٍ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْيَمَامَةُ: الصَّقْعُ الْمَعْرُوفُ شَرْقِيَّ الْحِجَازِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْحِجَازِ، وَفِيهِ تَكَلُّفٌ (وَخَيْبَرَ) شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْمُرَادُ: الْحِجَازُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَخْرَجَ أَحَدًا مِنَ الْيَمَنِ، وَتَيْمَاءَ، قَالَ أَحْمَدُ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الْمَدِينَةُ، وَمَا وَالَاهَا، وَكَذَا الْيَنْبُعُ وَفَدَكُ، وَمَخَالِيفُهَا مَعْرُوفٌ بِالْيَمَنِ تُسَمَّى بِهَا الْقُرَى الْمُجْتَمِعَةُ كَالرُّسْتَاقِ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَبُوكُ وَنَحْوُهَا، وَمَا دُونَ الْمُنْحَنَى، وَهُوَ عَقَبَةُ الصَّوَّانِ مِنَ الشَّامِ كَمَعَانٍ.
وَلَهُمْ دُخُولُهُ، وَالْأَصَحُّ: بِإِذْنِ إِمَامٍ لِتِجَارَةٍ (فَإِنْ دَخَلُوا لِتِجَارَةٍ لَمْ يُقِيمُوا فِي

مَرِضَ لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يَبْرَأَ، وَإِنْ مَاتَ دُفِنَ بِهِ.
وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَهَلْ لَهُمْ دُخُولُ الْمَسَاجِدِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) . قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ حَدٌّ يُتِمُّ بِهِ الْمُسَافِرُ، فَصَارَ كَالْمُقِيمِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ لَا يُقِيمُونَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِمَنْ دَخَلَ تَاجِرًا إِقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَدَلَّ عَلَى الْمَنْعِ فِي الزَّائِدِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ، أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، جَازَتِ الْإِقَامَةُ لِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، لَمْ يُمَكَّنْ، وَيُوَكِّلُ.
(وَإِنْ مَرِضَ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَبْرَأَ) لِأَنَّ الِانْتِقَالَ يَشُقُّ عَلَى الْمَرِيضِ فَهُوَ يُقِيمُ ضَرُورَةً.
(وَإِنْ مَاتَ دُفِنَ بِهِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: كَالْحَرَمِ.
(وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيَاءٍ مُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا دَالٌ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ طَيْءٍ.
(وَنَحْوِهِمَا) لِمَا مَرَّ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ لَمْ يُخْرِجْ أَحَدًا مِنْ ذَلِكَ.
(وَهَلْ لَهُمْ دُخُولُ الْمَسَاجِدِ) أَيْ: مَسَاجِدِ الْحِلِّ (بِإِذْنِ مُسْلِمٍ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَذْهَبُ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا بَصُرَ بِمَجُوسِيٍّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَ وَضَرَبَهُ وَأَخْرَجَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ يَمْنَعُ، فَالشِّرْكُ أَوْلَى.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ، صَحَّحَهَا فِي " الْكَافِي " وُ " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «أَنَّ، وَفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ، لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ» ، وَكَاسْتِئْجَارِهِ لِبِنَائِهِ، وَلَا سِيَّمَا لِمَصْلَحَةٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي: يَجُوزُ لِيَسْمَعُوا الذِّكْرَ، فَتَرِقَّ قُلُوبُهُمْ وَيُرْجَى إِسْلَامُهُمْ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ شَرَطَ الْمَنْعَ فِي عَقْدِ ذِمَّتِهِمْ مُنِعُوا، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، فَوَجْهَانِ، فَلَوْ قَصَدُوهَا بِأَكْلٍ وَنَوْمٍ؛ مُنِعُوا.
ذَكَرَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ.
وَقَدْ رُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَغَيْرِهِ.
تَذْنِيبٌ: يَجُوزُ عِمَارَةُ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُسْوَتُهُ وَإِشْعَالُهُ بِمَالِ كُلِّ كَافِرٍ، وَأَنْ يَبْنِيَهُ بِيَدِهِ،

فَصْلٌ.
وَإِنِ اتَّجَرَ ذِمِّيٌّ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَإِنْ اتَّجَرَ حَرْبِيٌّ

[المبدع في شرح المقنع]

ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي وَقْفِهِ عَلَيْهِ وَوَصِيَّتُهُ لَهُ؛ فَتَكُونُ عَلَى هَذَا الْعِمَارَةُ فِي الْآيَةِ دُخُولَهُ وَجُلُوسَهُ فِيهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 18] الْآيَةَ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَفِي " الْفُنُونِ ": وَارِدَةٌ عَلَى سَبَبٍ، وَهِيَ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ فِيهِ فَقَطْ لِشَرَفِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ بِنَائِهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَلَمْ يَخُصَّ مَسْجِدًا، بَلْ أَطْلَقَ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

[تِجَارَةُ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ]

فَصْلٌ (وَإِنِ اتَّجَرَ ذَمِّيٌّ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ) لِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ (ثُمَّ عَادَ فَعَلَيْهِ) فِي تِجَارَتِهِ (نِصْفُ الْعُشْرِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِيهَا فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَهَذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ وَاشْتُهِرَ، وَعُمِلَ بِهِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمُ الْعُشْرُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَاضِحِ ". وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتِ امْرَأَةً، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فَاسْتَوَيَا فِيهِ كَالزَّكَاةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا عُشْرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَحْقُونَةُ الدَّمِ، لَهَا الْمُقَامُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَلَمْ يُعَشَّرْ تِجَارَتُهَا، كَالْمُسْلِمِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَتُهَا بِالْحِجَازِ، فَتُعَشَّرُ كَالرَّجُلِ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ التَّغْلِبِيَّ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ " وَتُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفَ مَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْعُشْرِ وَجَبَ فِي أَمْوَالِهِمْ بِالشَّرْطِ فَلَا

إِلَيْنَا، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلِّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَيُؤْخَذُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَرْبِيِّ كُلَّمَا دَخَلَ إِلَيْنَا.

وَعَلَى الْإِمَامِ حِفْظُهُمْ، وَالْمَنْعُ

[المبدع في شرح المقنع]

تُؤْخَذُ مَرَّةً أُخْرَى كَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَالِ التِّجَارَةِ، فَلَوْ مَرَّ بِالْعَاشِرِ مِنْهُمْ مُنْتَقِلٌ مَعَهُ أَمْوَالُهُ وَسَائِمَتُهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ لِلتِّجَارَةِ فَتُؤْخَذُ مِنْهَا.
(وَإِنِ اتَّجَرَ حَرْبِيٌّ إِلَيْنَا، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ) لِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ، وَاشْتُهِرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: نِصْفُهُ، وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَأْمَنِ إِذَا اتَّجَرَ إِلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ.
(وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُعْظَمِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ فِيهِ حَقٌّ بِالشَّرْعِ، فَاعْتُبِرَ لَهُ النِّصَابُ كَزَكَاةِ الزَّرْعِ، ثُمَّ بَيَّنَ مِقْدَارَهُ وَهُوَ عَشْرَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ يَبْلُغُ وَاجِبُهُ نِصْفَ دِينَارٍ، فَوَجَبَ كَالْعُشْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَعَنْهُ: نِصَابُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الذِّمِّيِّ شَيْءٌ كَالْيَسِيرِ.
وَقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ.
وَنَقَلَ صَالِحٌ: الْعِشْرُونَ لِلذِّمِّيِّ، وَالْعَشْرَةُ لِلْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلًا أَقَلُّ مَالٍ لَهُ نِصْفُ عُشْرٍ صَحِيحٌ، وَثَانِيًا أَقَلُّ مَالٍ لَهُ عُشْرٌ صَحِيحٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْهُمَا كَالْجِزْيَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: يُعْتَبَرُ لِلذِّمِّيِّ عَشْرَةٌ، وَلِلْحَرْبِيِّ خَمْسَةٌ.
فَرْعٌ: يَمْنَعُ الدَّيْنُ أَخْذَهُ كَالزَّكَاةِ إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، وَفِي تَصْدِيقِهِ بِجَارِيَةٍ مَرَّ بِهَا بِأَنَّهَا بِنْتُهُ أَوْ أَهْلُهُ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لَا عُشْرَ عَنْ زَوْجَتِهِ وَسُرِّيَّتِهِ.
(وَيُؤْخَذُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ نَصْرَانِيًّا جَاءَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنْ عَامِلَكَ عَشَّرَنِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ: أَنْ لَا يُعَشِّرَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَالزَّكَاةَ إِنَّمَا تُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، فَكَذَا هَذَا، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْهُ: مَا لَمْ يَشْرُطْ أَكْثَرَ.
وَفِي " الْوَاضِحِ ": الْخُمْسُ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفِ: لِلْإِمَامِ تَرْكُهُ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ) وَالْآمِدِيُّ (يُؤْخَذُ مِنَ الْحَرْبِيِّ كُلَّمَا دَخَلَ إِلَيْنَا) لِأَنَّ سَبَبَهُ الدُّخُولُ إِلَيْنَا، وَالشَّيْءُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا

مِنْ أَذَاهُمْ، وَاسْتِنْقَاذُ مِنْ أُسِرَ مِنْهُمْ وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَى الْحَاكِمِ مَعَ مُسْلِمٍ، لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ تَحَاكَمَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، أَوِ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، خُيِّرَ بَيْنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ، وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا

[المبدع في شرح المقنع]

يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ مِيرَةِ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِي دُخُولِهِمْ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ ثَمَنُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ عُشْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّنَا.
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: بَلَى.
جَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " وَ " الْغُنْيَةِ " وَأَن يُؤْخَذ عُشْرُ ثَمَنِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَجَوَّدَ أَحْمَدُ إِسْنَادَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَيَتَخَرَّجُ تَعْشِيرُ ثَمَنِ الْخَمْرِ دُونَ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَةَ مُبَاحَةٌ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ: الذِّمِّيُّ غَيْرُ التَّغْلِبِيِّ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَفَى غَيْرِهَا رِوَايَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهَا، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ هَلْ تُخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَّجِرُونَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ بَلَدِنَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: تَخْتَصُّ بِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: تَجِبُ فِي ذَلِكَ، وَفِيمَا لَمْ يَتَّجِرُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَثِمَارِهِمْ، وَمَوَاشِيهِمْ.
قَالَ: وَأَهْلُ الْحَرْبِ إِذَا دَخَلُوا إِلَيْنَا بِأَمَانٍ تجارا أُخِذَ مِنْهُمُ الْعُشْرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً سَوَاءٌ عَشَّرُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلَتْ إِلَيْهِمْ أَمْ لَا.
وَعَنْهُ: إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ، فُعِلَ بِهِمْ، وَإِلَّا فَلَا.

[حِفْظُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمَنْعُ مِنْ أَذَاهُمْ]

(وَعَلَى الْإِمَامِ حِفْظُهُمْ وَالْمَنْعُ مِنْ أَذَاهُمْ) لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَلَى ذَلِكَ (وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَتَأَبَّدَ عَهْدُهُمْ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا فِي مَعُونَتِنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا يَجِبُ فِدَاؤُهُمْ إِذَا اسْتَعَانَ بِهِمُ الْإِمَامُ فِي قِتَالٍ فَسُبُوا.
وَبِكُلِّ حَالٍ يَبْدَأُ بِفِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّ جِزْيَةَ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ.
(وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَى الْحَاكِمِ مَعَ مُسْلِمٍ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِنْصَافِ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ رَدِّهِ عَنْ ظُلْمِهِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إِلَيْهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ.
(وَإِنْ تَحَاكَمَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، أَوِ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، خُيِّرَ بَيْنَ الْحُكْمِ

فَاسِدَةً، وَتَقَابَضُوا لَمْ يُنْقَضْ فِعْلَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا فَسَخَهُ الْحَاكِمُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَمْ لَا.
وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ، لَمْ يُقَرَّ، وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ) فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] ، وَلِأَنَّهُمَا كَافِرَانِ فَلَمْ يَجِبِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا كَالْمُسْتَأْمَنِينَ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ وَالْإِعْدَاءُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] . وَرَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ، وَطَرِيقُهُ الْحُكْمُ.
وَعَنْهُ: مَعَ اخْتِلَافِ مِلَّتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِنْصَافُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ بِدُونِ الْحُكْمِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ إِلَّا أَنْ يَتَظَالَمَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ رَفْعَ الظُّلْمِ عَنْهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ، وَمَتَى خَيَّرْنَاهُ، جَازَ أَنْ يُعَدِّيَ وَيَحْكُمَ بِطَلَبِ أَحَدِهِمَا.
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا كَالْمُسْتَأْمَنِينَ.
(وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] فَإِذَا حَكَمَ، لَزِمَهُمْ حُكْمُنَا لَا شَرِيعَتُنَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْنَا، فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتْبَعَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِهِمْ، وَلَا يُدْعَوْنَ إِلَى حُكْمِنَا، نَصَّ عَلَى الْكُلُّ.
فَرْعٌ: لَا يُحْضِرُ يَهُودِيًّا يَوْمَ سَبْتٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْ لِبَقَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَوْ مُطْلَقًا، لِضَرَرِهِ بِإِفْسَادِ سَبْتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّ السَّبْتَ مُسْتَثْنًى مَنْ عَمِلَ فِي إِجَارَةٍ.
(وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا) أَوْ تَعَاقَدُوا عُقُودًا (فَاسِدَةً) كَخَمْرٍ وَنَحْوِهِ (وَتَقَابَضُوا) مِنَ الطَّرَفَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، أَوْ أَتَوْنَا (لَمْ يُنْقَضْ فِعْلُهُمْ) لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِالتَّقَابُضِ، وَلِأَنَّهُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَتَنْفِيرا مِنَ الْإِسْلَامِ بِتَقْدِيرِ إِرَادَتِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا) سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (فَسَخَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ فَيُنْقَضَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.
(سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَمْ لَا) أَيْ: لَوْ تَرَافَعُوا إِلَى حَاكِمِهِمْ فَأَلْزَمَهُمْ بِالتَّقَابُضِ، لَا يَلْزَمُ إِمْضَاءُ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ، لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
وَقِيلَ: إِنِ ارْتَفَعُوا بَعْدَ أَنْ أَلْزَمَهُمْ حَاكِمُهُمْ بِالْقَبْضِ، نُفِّذَ، وَهَذَا لِالْتِزَامِهِمْ بِحُكْمِهِ

يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبَى هُدِّدَ وَحُبِسَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْتَلَ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقَرُّ، وَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى

[المبدع في شرح المقنع]

لَا لُزُومِهُ لَهُمْ.
وَعَنْهُ: لَا يُنْقَضُ فِي الْخَمْرِ خَاصَّةً إِذَا قُبِضَتْ دُونَ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهَا مَالٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، فَيَصِحُّ بَيْعُهَا كَالْأَمْتِعَةِ، فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ دَفْعُهُ إِلَى الْبَائِعِ، أَوْ وَارِثِهِ، بِخِلَافِ خِنْزِيرٍ لِحُرْمَةِ عَيْنِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْوَارِثُ، فَلَهُ الثَّمَنُ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، لِثُبُوتِهِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ.
وَنَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ لِذِمِّيٍّ عَلَى مِثْلِهِ خَمْرٌ بِقَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ فَلَا شَيْءَ لَهُ بِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَبَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهَا لأنها محرمة عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ، سَقَطَتْ مِنْ ذِمَّتِهِ، لِعَدَمِ مَالِيَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يُسْلِمْ رَبُّهَا، فَلَهُ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مَالٌ كَانَ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهَا إِلَّا رَأْسُ مَالِهِ.
أُخْرَى: إِذَا تَبَايَعُوا بِرِبًا فِي أَسْوَاقِنَا مُنِعُوا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَائِدٌ بِفَسَادِ نَقْدِنَا؛ وَكَذَا إِنْ أَظْهَرُوا بَيْعَ مَأْكُولٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، كَشِرَاءٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّمُوا الرَّمْيَ.
(وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ، لَمْ يُقَرَّ، وَلَا يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ) هَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ حَقٌّ، وَالدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ دِينٌ صُولِحَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ غَيْرُهُمَا؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ دِينٌ بَاطِلٌ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ انْتَقَلَ إِلَى الْمَجُوسِيَّةِ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ) هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَدِ اعْتَرَفَ بِبُطْلَانِهِ، وَالدِّينُ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ كَانَ مُعْتَرِفًا بِبُطْلَانِهِ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ (فَإِنْ أَبَى) مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (هُدِّدَ وَحُبِسَ) وَلَمْ يُقْتَلْ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَمْ يُقْتَلْ كَالْبَاقِي عَلَى دِينِهِ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْتَلَ) هَذَا رِوَايَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الْمُسْلِمَ إِذَا ارْتَدَّ.
وَفَى اسْتِتَابَتِهِ وَجْهَانِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقَرُّ) هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ،

غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوِ انْتَقَلَ الْمَجُوسِيُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقَرَّ، وَأُمِرَ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ.
وَإِنِ انْتَقَلَ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ إِلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أُقِرَّ، وَيُحْتَمَلُ أَن لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَإِنْ تَمَجَّسَ الْوَثَنِيُّ، فَهَلْ يُقَرُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأُقِرَّ عَلَيْهِ كَأَهْلِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَذَّبَ نَصْرَانِيٌّ بِمُوسَى، خَرَجَ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، لِتَكْذِيبِهِ عِيسَى.
وَلَمْ يُقَرَّ، وَلَا يَهُودِيٌّ بِعِيسَى، وَإِنْ تَزَنْدَقَ الذِّمِّيُّ، لَمْ يُقْتَلْ لِأَجْلِ الْجِزْيَةِ، نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ (وَإِنِ انْتَقَلَ الْكِتَابِيُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوِ انْتَقَلَ الْمَجُوسِيُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقَرَّ) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ (وَأُمِرَ أَنْ يُسْلِمَ) لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، لَا سِيَّمَا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، وَلَا شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَالْمَنْصُوصُ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَدْيَانٌ بَاطِلَةٌ فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهَا، كَالْمُرْتَدِّ.
(فَإِنْ أَبَى قُتِلَ) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى أَدْنَى مِنْ دِينِهِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، أَوِ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أُقِرَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى خَيْرٍ مِنْهُ، فَنُقِرُّهُ إِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ.
وَفَى ثَالِثَةٍ: أَوْ دِينِ أَهْلِ كِتَابٍ؛ لِأَنَّهُ دِينٌ يُقَرُّ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ.
(وَإِنِ انْتَقَلَ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ) كَالْمَجُوسِيِّ (إِلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ) أُقِرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى وَأَكْمَلُ مِنْ دِينِهِ لِكَوْنِهِ يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، وَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ) هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِبُطْلَانِ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُقِرًّا بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ.
وَفَى ثَالِثَةٍ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَمَجَّسَ الْوَثَنِيُّ، فَهَلْ يُقَرُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: يُقَرُّ، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ أَفْضَلَ مِنْ دِينِهِ، أَشْبَهَ الْوَثَنِيَّ إِذَا تَهَوَّدَ.
والثَّانِيَةُ: لَا يُقَرُّ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، أَشْبَهَ

فَصْلٌ.
فِي نَقْضِ الْعَهْدِ وَإِذَا امْتَنَعَ الذِّمِّيُّ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ، انْتَقَضَ عَهْدُهُ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

مَا لَوِ انْتَقَلَ إِلَى عِبَادَةِ الشَّمْسِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ جُهِلَ حَالُهُ، وَادَّعَى أَحَدَ الْكِتَابَيْنِ، أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي الْأَصَحِّ.
وَعَنْهُ: وَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ وَذَبِيحَتُهُ، كَمَنْ أَقَرَّ بِتَهَوُّدٍ أَوْ تَنَصُّرٍ مُتَجَدِّدٌ.

[فَصْلٌ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ]

ِ: وَإِذَا امْتَنَعَ الذِّمِّيُّ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ) أَوِ الصَّغَارِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (أَوِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ، انْتَقَضَ عَهْدُهُ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَيَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَسَخَتْ كُلَّ حُكْمٍ يُخَالِفُهَا، فَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ الْعَهْدِ مَعَ الِامْتِنَاعِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": إِذَا حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ، وَلَمْ أَرَهُ فِي غَيْرِهِمَا، وَسَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَوْ لَا، وَكَذَا إِذَا قَاتَلَنَا.
وَالْأَشْهَرُ: أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُقِيمًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبًا لَنَا، لِدُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
(وَإِنْ تَعَدَّى عَلَى مُسْلِمٍ بِقَتْلٍ) وَقَيَّدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " خِلَافِهِ الصَّغِيرِ " بِالْعَمْدِ (أَوْ قَذْفٍ أَوْ زِنًا) بِمُسْلِمَةٍ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ، بَلِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
(أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَوْ إِيوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ - تَعَالَى -، أَوْ كِتَابَهُ، أَوْ رسلَهُ بِسُوءٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: يَنْتَقِضُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " فِي غَيْرِ الْقَذْفِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ ذِمِّيٌّ أَرَادَ اسْتِكْرَاهَ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَا، فَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاكُمْ، وَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ رَاهِبًا يَشْتُمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَقَالَ: لَوْ سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ، إِنَّا لَمْ نُعْطِ الْأَمَانَ عَلَى هَذَا، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَشْبَهَ الِامْتِنَاعَ مِنَ الصَّغَارِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ فَلَمْ يَنْتَقِضْ بِفِعْلِهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَعَلَى هَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيمَا يُوجِبُهُ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا يُوجِبُ

تَعَدَّى عَلَى مُسْلِمٍ بِقَتْلٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ زِنًا، أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ تَجَسُّسٍ أَوْ إِيوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْ كِتَابَهُ أَوْ رَسُولَهُ بِسُوءٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَظْهَرَ مُنْكَرًا أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ، وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ وَإِذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ، خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ، كَالْأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ وَمَالُهُ فَيْءٌ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الْقِصَاصَ، وَيُعَزَّرُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَهْدُ بَاقٍ، وَنَصُّهُ فِيمَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا أَوْ آذَاهُ بِسِحْرٍ فِي تَصَرُّفَاتِهِ كَإِبْطَالِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ، أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَطَمَهُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ فِيهِ غَضَاضَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، خُصُوصًا بِسَبِّ اللَّهِ وَدِينِهِ وَرَسُولِهِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ أَصَابَ الْمُسْلِمَةَ بِاسْمِ نِكَاحٍ: أَنَّهُ يُنْتَقَضُ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ الْخِلَافَ السَّابِقَ مَعَ الشَّرْطِ.
(وَإِنْ أَظْهَرَ مُنْكَرًا أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ) أَوْ رَكِبَ الْخَيْلَ (لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ) لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ لِارْتِكَابِهِ الْمُحَرَّمَ فِي نَفْسِهِ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ) . وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (أَنَّهُ يُنْتَقَضُ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ) لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ بِشَرْطٍ، فَزَالَ بِزَوَالِهِ، كَمَا لَوِ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ.
(وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ) نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
لِأَنَّ النَّقْضَ وُجِدَ مِنْهُ دُونَهُمْ، فَاخْتُصَّ حُكْمُهُ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ: لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَا، وَفَى " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " بَلَى؛ كَحَادِثٍ بَعْدَ نَقْضِهِ بِدَارِ حَرْبٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " بِهَا، وَفَى " الْعُمْدَةِ " يَنْتَقِضُ فِي ذُرِّيَّتِهِ إِنْ أَلْحَقَهُمْ بِدَارِ حَرْبٍ، وَكَمَنَ عَلِمَ مِنْهُمْ بِنَقْضِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
فَلَوْ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ وَوَلَدَتْهُ بَعْدَ النَّقْضِ فَإِنَّهُ يُسْتَرَقُّ وَيُسْبَى لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأَمَانِ لَهُ، وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ فِي نَفْسِهِ، انْتَقَضَ عَهْدُهُ فِي مَالِهِ، وَسَيَأْتِي.
(وَإِذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ؛ خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ) لِفِعْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا أَمَانَ لَهُ، أَشْبَهَ الْأَسِيرَ، وَكَمَا لَوْ دَخَلَ مُتَلَصِّصًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَنْ نَقَضَهُ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَمَنْ نَقَضَهُ بِغَيْرِهِ، فَنَصُّهُ: يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يُوجِبُهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَذَا فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، فَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ، وَعَلَى ذَلِكَ تُشْرَعُ اسْتِتَابَتُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

إِقْرَارَهُ بِهَا جَائِزٌ بَعْدَ هَذَا، لَكِنْ لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فَمَنْ أَسْلَمَ، حَرُمَ قَتْلُهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَرِقُّهُ، وَإِنْ رَقَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، بَقِيَ رِقُّهُ، وَقِيلَ: مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ بِغَيْرِ قِتَالِنَا، أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ، وَقَوْلُنَا: حَرُمَ قَتْلُهُ، وَهَذَا فِي غَيْرِ السَّابِّ، فَإِنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى، وَابْنَ الْبَنَّا وَالسَّامِرِيَّ، وَالشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ قَالُوا بِأَنَّ سَابَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْتَلُ وَلَوْ أَسْلَمَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمَيِّتٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
(وَمَالُهُ فَيْءٌ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ لِأَنَّ الْمَالَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِمَالِكِهِ حَقِيقَةً، وَقَدِ انْتَقَضَ عَهْدُ الْمَالِكِ فِي نَفْسِهِ فَكَذَا فِي مَالِهِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ) لِأَنَّ مَالَهُ كَانَ مَعْصُومًا فَلَا تَزُولُ عِصْمَتُهُ بِنَقْضِهِ الْعَهْدَ، كَذُرِّيَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَهُوَ فَيْءٌ.
انْتَهَى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْبَيْعِ ؛ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِغَرَضِ التَّمَلُّكِ.
وَلَهُ صُورَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْإِيجَابُ

[المبدع في شرح المقنع]

كِتَابُ الْبَيْعِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] أَيْ: فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ رِفَاعَةُ «أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَلَا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ غَالِبًا، فَفِي تَجْوِيزِ الْبَيْعِ طَرِيقٌ إِلَى وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى غَرَضِهِ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ.
وَهُوَ مَصْدَرُ: بَاعَ يَبِيعُ، بِمَعْنَى: مَلِكَ، وَبِمَعْنَى اشْتَرَى، وَكَذَا شَرَى يَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ، وَغَيْرُهُ: بَاعَ وَأَبَاعَ بِمَعْنًى، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْبَاعِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَهِيَ غَيْرُ مُشْتَقَّةٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَإِنْ أُجِيبَ بِالْتِزَامِ مَذْهَبِ الْكُوفِيِّ بِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ، رُدَّ بِأَنَّهُ الْفِعْلُ الَّذِي مِنْهُ الْمَصْدَرُ لَا فِعْلَ مَصْدَرٍ آخَرَ، وَبِأَنَّ " الْبَاعَ " عَيْنُهُ وَاوٌ بِخِلَافِ " الْبَيْعِ "، فَإِنَّ عَيْنَهُ يَاءٌ، وَشَرْطُ الِاشْتِقَاقِ مُوَافَقَةُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الَّذِي يُلْحَظُ فِيهِ

وَالْقَبُولُ، فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ، أَوْ مَلَّكْتُكَ وَنَحْوُهُمَا.
. . وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: ابْتَعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ جَازَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَعْنَى فَقَطْ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: 168] مِنَ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ " قَالَ " مِنَ " الْقَوْلِ "، وَالْقَالِينَ مِنْ " الْقِلَى " فَالْحُرُوفُ لَمْ تَتَّفِقْ وَالْمَعْنَى لَمْ يَتَّحِدْ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِالْبَيْعِ فِي الذِّمَّةِ؛ لِانْتِفَاءِ مَدِّ الْبَاعِ فِيهِ.
(وَهُوَ) فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ شَيْءٍ وَإِعْطَاءُ شَيْءٍ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ (مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِغَرَضِ التَّمَلُّكِ) فَدَخَلَ فِيهِ الْمُعَاطَاةُ وَالْقَرْضُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَصَدَ فِيهِ التَّمَلُّكَ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ فِيهِ الْإِرْفَاقُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْإِجَارَةُ، وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ الرِّبَا، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ إِذَا تَضَمَّنَ عَيْنَيْنِ لِلتَّمَلُّكِ، وَأَبْدَلَ السَّامِرِيُّ عَيْنَيْنِ بِمَالَيْنِ لِيَحْتَرِزَ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ مِنْهُ، وَلَا مَانِعَ لِدُخُولِ الرِّبَا فِيهِ.
وَالْأَوْلَى فِيهِ: تَمْلِيكُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ غَيْرِ رِبًا وَلَا قَرْضٍ، ثُمَّ لِبَيْعِ الْعَيْنِ أَقْسَامٌ، وَلِصِحَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانِ: الْعَاقِدُ، وَصِيغَةُ الْعَقْدِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ صُورَتَانِ) أَيْ: يَنْعَقِدُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (إِحْدَاهُمَا: الْإِيجَابُ) وَهُوَ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الْبَائِعِ (وَالْقَبُولُ) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَحَكَى فِي اللُّبَابِ الضَّمَّ، وَهُوَ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي (فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ وَنَحْوُهُمَا) كَوَلَّيْتُكَ، أَوْ أَشْرَكْتُكَ، أَوْ أَعْطَيْتُكَ (وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: ابْتَعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا) كَأَخَذْتُهُ أَوِ اشْتَرَيْتُهُ أَوْ تَمَلَّكْتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ صَرِيحَانِ فِيهِ، فَانْعَقَدَ بِهِمَا كَسَائِرِ الصَّرَائِحِ، وَعَنْهُ يَتَعَيَّنُ بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ فَقَطْ لِصَرَاحَتِهِمَا كَالنِّكَاحِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْقَبُولَ يَعْقُبُ الْإِيجَابَ (فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ جَازَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ

جارٍ التحميل